📖 نظرية العقد — الفصل 15 من 21 — فهرس الكتاب
الفصل 54 ” أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القضاة.”
الفصل 55 ” الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعد.”
الفصل 56 ” الغَبْن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقا للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر. ويعتبر غَبْنا كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء.”
الغبن هو التفاوت وانتفاء التوازن بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه مقابل ما يعطيه في عقود المعاوضة، مثال ذلك الشراء بثمن مبالغ فيه، فالمتعاقد المغبون يكون واهما مخدوعا في قيمة ما يأخذ فتكون إرادته معيبة بما يقرب الغلط أو التدليس، والاصل أن الغبن المجرد لا يخول الابطال، فحفاظا على استقرار المعاملات لا يتدخل القانون لتضييق الحرية الاقتصادية ولا يعطي حق طلب الابطال للراشدين الذين طالهم الغبن، فالقانون ليس من شأنه أن يحرص على التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين، بل هو يحرص فقط على التكافؤ القانوني وتكريس قيم العدالة وأن يكون كل من المتعاقدين حر الارادة، لكن هناك حالات خاصة ينهض الغبن فيها سببا للإبطال كما هو الحال بالنسبة للقاصرين وبالنسبة للراشدين عندما يقترن الغبن بتدليس.
النظرية التقليدية للغبن
يؤخذ هنا الغبن بنظرة مادية قاصرة ترتكز فقط على مجرد اختلال التوازن الاقتصادي للعقد، ويتميز الغبن وفق هذه النظرية بثلاثة خصائص هي:
- أنه عيب مادي ذو طابع اقتصادي
- أن نطاقه محصور في مجال العقود المحددة، حيث يعرف فيها مسبقا كل الطرفين مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي لحظة إبرام العقد وهذا يعني استبعاد العقود الاحتمالية وعقود التبرع.
- أن الغبن لا يعتد به إلا إذا كان فاحشا.
وبالرجوع إلى قانون الالتزامات و العقود يتضح أن المشرع المغربي لم يجعل من الغبن عيبا مستقلا كباقي العيوب الأخرى، مما يعني أنه يعتبر الغبن المجرد لا يخول طلب الإبطال، فالمتعاقدون ما داموا راشدين فهم أحرار في معاملاتهم، والقانون لا يتدخل إلا في الحالات التي يختل فيها التكافؤ القانوني بشكل يضر بأحد الأطراف ولا شأن له بالتوازن الاقتصادي، جاء في الفصل 55 : ” الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعد.”
لكن هذا المبدأ العام ترد عليه استثناءات ينهض معها الغبن سببا لإبطال العقد في حالات محدودة بالنسبة للراشدين وفي جميع الحالات بالنسبة للقاصرين، بالنسبة للراشدين فالغبن يخول الإبطال إذا اقترن بتدليس صادر من المتعاقد الآخر أو نائبه، أما بالنسبة للقاصرين وناقصي الأهلية فمراعاة لمصلحتهم فقد قرر المشرع المغربي إبطال العقود المشوبة بالغبن ولو لم يكن مقترنا بالتدليس، ويتم هذا الإبطال حتى في الحالات التي يتعاقد فيها الطرف المغبون القاصر أو ناقص الأهلية بمعونة وصيه أو مساعده القضائي.
تجدر الإشارة إلى أن المشرع قد علق حق المطالبة بالإبطال في هذه الحالة على شرط أن يتجاوز مقدار الغبن ثلث الفرق ما بين القيمة الحقيقة للشيء وقيمته المذكورة في العقد . فإذا اشترى قاصر منقولا بمبلغ 9000 درهم في حين أن قيمته الحقيقية هي 6000 درهم مثلا كان من حقه أن يطالب بإبطال هذا العقد ما دام قد تجاوز مقدار الغبن اللاحق به ثلث القيمة الحقيقة للشيء، جاء في الفصل 56 : ” الغَبْن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقا للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر. ويعتبر غَبْنا كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء.”
النظرية الحديثة للغبن وموقف المشرع المغربي منها
الغبن في إطار هذه النظرية هو استغلال يتحقق إذا أعطى الشخص أكثر من قيمة الشيء الشخصية نتيجة لحالته النفسية أو الصحية، فالعبرة هنا بالقيمة الشخصية لا بالقيمة المادية كما هو الشأن في الغبن المجرد، ويرتكز هذا الغبن المسمى الغبن الاستغلالي على عنصرين أحدهما موضوعي والآخر نفسي:
العنصر الموضوعي :
يتمثل في الاختلال الذي يحدث بين ما يعطيه المتعاقد و ما يأخذه، غير أن تقدير هذا الاختلال لا يعتمد على الأساس المادي كما في النظرية التقليدية بل يعتد بقيمة الشيء في نظر المتعاقد، بمعنى اعتماد المعيار الشخصي لا المادي، ويعود تقدير هذا الاختلال لقاضي الموضوع.
العنصر النفسي :
يقصد به أن أحد المتعاقدين يريد أن يستغل في العاقد المغبون حاجة أو طيشاً أو هوى أو عدم خبرة أو ضعف إدراك، فيتعاقد معه تعاقداً يلحق به غبنا فاحشا، والهوى هو الميل الجارف الذي يضعف الإرادة فتنقاد لحكمه بالاستسلام، فمن استغلت رغبة زوجها الجامحة في الزواج بزوجة ثانية وأبرمت معه عقودا وأخذت كل أمواله مستغلة رغبته تكون قد استغلت هوى جامحاً في زوجها، أما الطيش فهو الخفة والاندفاع وعدم تقدير العواقب، فالشاب الثري الطائش قد يقع في غبن فاحش، أما ضعف الإدراك فهو عدم الخبرة وسوء التقدير للأمور .
ولا يوجد في قانون الالتزامات والعقود أي نص صريح في الغبن الاستغلالي باستثناء الفصل 54 من ق ل ع الذي نص على انه : ” أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القضاة.”
بمعنى أنه لتقرير الإبطال في حالة المرض والحالات المشابهة انسجاما مع النظرية الحديثة لا بد من توفر شرطين:
- أن يتعلق الأمر بعقد تم إبرامه تحت وطأة المرض أو الحاجة.
- أن يرتبط الغبن بالاستغلال، فإثبات هذا الاستغلال هو السبب الأساسي لتقرير الإبطال.
والفصل 54 جعل تقدير ذلك من اختصاص القضاة في إطار سلطتهم التقديرية .
📗 خلاصة الباب
- الغبن اختلال التوازن بين ما يأخذه المتعاقد وما يعطيه، والأصل أنه لا يخول الإبطال حفاظاً على استقرار المعاملات وحرية التعاقد.
- بالنسبة للراشدين، لا يخول الغبن الإبطال إلا إذا اقترن بتدليس من الطرف الآخر أو نائبه (الفصل 55).
- بالنسبة للقاصرين وناقصي الأهلية، يخول الغبن الإبطال ولو لم يقترن بتدليس، بشرط أن يتجاوز ثلث القيمة الحقيقية للشيء (الفصل 56).
- النظرية الحديثة (الغبن الاستغلالي) تعتد باستغلال حاجة أو طيش أو ضعف إدراك المتعاقد، وتجد سنداً جزئياً في الفصل 54 المتعلق بحالة المرض المتروكة لتقدير القضاة.
اترك تعليقاً