📖 نظرية العقد — الفصل 16 من 21 — فهرس الكتاب
الفصل 57 : ” الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلا للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة التعامل بشأنها.”
الفصل 58 : ” الشيء الذي هو محل الالتزام يجب أن يكون معينا على الأقل بالنسبة إلى نوعه. ويسوغ أن يكون مقدار الشيء غير محدد إذا كان قابلا للتحديد فيما بعد.”
الفصل 59 : ” يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئا أو عملا مستحيلا، إما بحسب طبيعته أو بحكم القانون.”
الفصل 60 : ” المتعاقد الذي كان يعلم، أو كان عليه أن يعلم عند إبرام العقد، استحالة محل الالتزام يكون ملزما بالتعويض تجاه الطرف الآخر. ولا يخول التعويض إذا كان الطرف الآخر يعلم أو كان عليه أن يعلم أن محل الالتزام مستحيل.
ويطبق نفس الحكم :
- إذا كان المعقود عليه مستحيلا في البعض دون الباقي وصح العقد في ذلك الباقي
- إذا كانت الالتزامات تخييرية وكان أحد الأشياء الموعود بها مستحيلا.
الفصل 61 : ” يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا أو غير محقق فيما عدا الاستثناءات المقررة بمقتضى القانون. ومع ذلك لا يجوز التنازل عن تركة إنسان على قيد الحياة، ولا إجراء أي تعامل فيها أو في شيء مما تشتمل عليه ولو حصل برضاه. وكل تصرف مما سبق يقع باطلا بطلانا مطلقا.”
المحل هو الركن الثالث الذي نص عليه المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود في الفصل الثاني منه، و نميز بين محل العقد الذي هو إنشاء التزامات بين المتعاقدين وبين محل الالتزام الذي هو عبارة عن أداء يجب أن يقوم به المدين لصالح الدائن وهو إما إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل، تبرز أهمية هذا التمييز عندما يكون محل العقد باطلا كما هو الامر في عقد بيع تركة وفق الفصل 61 بينما يكون محل الالتزام مشروعا مادام أن بيع الاشياء المستقبلية يجوز .
نلاحظ أننا نقصد بالالتزام الالتزام الارادي على اعتبار أن الالتزام الناشئ عن العمل غي المشروع يتولى القضاء تعيين المحل فيه، كما نشير إلى التحولات التي شهدتها العقود المبرمة بين المهنيين والمستهلكين التي تشترط أن يتسم المحل بقدر من العدالة وعدم التفاوت الفاحش بين محل التزامات الطرفين تفاديا للغبن الاستغلالي الذي يعتبر من عيوب الرضا .
أولا : ضرورة وجود محل للالتزام
محل الالتزام هو إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، ولابد لقيام التزام تعاقدي من وجود محل، فهو ركن من أركان العقد فقد يحدث أن يتم التعاقد على التزام لا محل له كأن يكون الشيء أو الحق قد هلك أو انقضى قبل التعاقد ، كما في ايجار بناء تهدم قبل الايجار، أو بيع سفينة قد غرقت في البحر أو حوالة دين انقضى بالوفاء قبل الحوالة، في هذه الحالات ينتفي فيها وجود محل للالتزام فيقع الالتزام التعاقدي باطلا وبطلان الالتزام يفضي بالضرورة الى بطلان العقد، لكن يجب التمييز بين الحالة التي ينتفي فيها وجود محل للالتزام انتفاء كليا وبين الحالة التي يقع فيها الالتزام على محل غير موجود في الحال لكنه سيوجد في المستقبل، ففي الحالة الاولى يقع الالتزام باطلا أما في الحالة الثانية فحسب الفصل 61 : ” يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا أو غير محقق فيما عدا الاستثناءات المقررة بمقتضى القانون…”، والامثلة على ذلك عديدة كما في التزام المزارع ببيع محصول مستقبلي لم ينبت بعد، أو بيع منزل حتى قل وضع أي حجر فيه أو بيع بضاعة قبل صنعها.
ولعل أبرز مثال على ذلك هو بيع السلم الذي نظمه المشرع المغربي من الفصول 613 الى 618 من ق ل ع والذي يعني بيع كمية من المنتجات قبل صنعها مع تعجيل المشتري بثمن البيع أو بجزء منه، نفس الأمر يسري في حق بيع العقار في طور الانجاز الذي نظمه المشرع المغربي بالقانون 44.00 المعدل بموجب قانون 107.12 .
على أن الاموال الواردة في الفصل 61 يجب الاخذ بها بمدلولها الواسع ، كما قد يكون محل الالتزام معلقا على شرط كأن يشترط الأب على ابنه النجاح في الدراسة للحصول على جائزة، لكن الفصل 61 يشير إلى حالة استثنائية لا يجوز فيها الالتزام بناء على حق مستقبلي وهو التنازل عن التركة ، يضيف الفصل 61 : ” ومع ذلك لا يجوز التنازل عن تركة إنسان على قيد الحياة، ولا إجراء أي تعامل فيها أو في شيء مما تشتمل عليه ولو حصل برضاه. وكل تصرف مما سبق يقع باطلا بطلانا مطلقا.”
ثانيا : شروط محل الالتزام
يؤثر محل الالتزام على قيام العملية التعاقدية من حيث أن العقد لا ينعقد إلا إذا كان للالتزامات التي تنشأ عنه محل تتوافر فيه الشروط القانونية، فالقانون يتطلب وجود محل للالتزام، ثم يشترط في هذا المحل أن يكون مشروعا وممكنا ومعينا أو على الاقل قابلا للتعيين.
أولا : أن يكون المحل مشروعا
فالعقد لا يقوم إلا إذا كان محله مشروعا، ويكون المحل مشروعا عندما يكون مما يجوز التعامل به ثم يكون غير مخالف للنظام العام أو الآداب، أي أن يكون جوهر الشيء المتعاقد عليه داخلا في دائرة التعامل.
1-أن يكون المحل مما يجوز التعامل به
نص المشرع في الفصل 57 من ق ل ع على أن: ” الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلا للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة التعامل بشأنها.”
والأشياء التي تخرج عن دائرة التعامل تنقسم إلى قسمين:
أشياء تخرج عن دائرة التعامل بطبيعتها، وهي الأشياء التي يشترك كافة الناس في الانتفاع بها كما هو الشأن بالنسبة للشمس والهواء و البحر، ثم أشياء تخرج عن دائرة التعامل بحكم القانون، وهي التي لا يجيز القانون أن تكون محلا للإلتزام كالمخدرات.
وبالرجوع إلى الفصل 484 من ق ل ع نجده ينص على انه ” يبطل بين المسلمين بيع الأشياء المعتبرة من النجاسات وفقا لشريعتهم مع استثناء الأشياء التي تجيز هذه الشريعة الاتجار فيها، كالأسمدة الحيوانية المستخدمة في أغراض الفلاحة”.
و من الأشياء التي تخرج عن دائرة التعامل بحكم القانون نجد أيضا أملاك الدولة العامة التي لا يصح بيعها أو التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرفات لأنها مخصصة للمنفعة العامة، إلا انه بالرجوع إلى الواقع نجد إن الدولة قد تمنح رخصا باستغلال بعض الممتلكات العامة إلا أن هذا الأمر لا يعتبر إجازة للتصرف في الأموال العامة فهذه الأخيرة قد تمنح رخص لاستغلالها لكن لا يصح التصرف فيها تصرفات قانونية.
يخرج أيضا من دائرة التعامل أعضاء جسم الانسان حيث نصت المادة 30 من قانون 16.98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء البشرية الذي عاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات كل من عرض معاملة تجارية بشأن أعضاء بشرية.
2-أن يكون المحل غير مخالف للنظام العام والآداب العامة
هذا المفهوم يختلف زمانا ومكانا، فما يكون من الآداب العامة في دولة ليس بالضرورة أن يكون كذلك في دولة أخرى، وما كان من الآداب العامة في زمن معين ليس بالضرورة أن يكون كذلك في زمن مغاير، فكراء بيت من أجل الدعارة أو المقامرة يعتبر عقد كرائه باطلا لمخالفته للنظام العام والآداب العامة.
ثانيا : أن يكون المحل ممكنا
بمعنى أن يكون جوهر العقد مما يمكن تحقيقه وهو المضمون الذي نستشفه من نص الفصل 59 من ق ل ع إذ ينص على انه ” يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئا أو عملا مستحيلا، إما بحسب الطبيعة أو بحكم القانون”، والاستحالة المقصودة هي الاستحالة المطلقة والتي تنقسم إلى استحالة طبيعية وأخرى قانونية، ومثال الأولى أن يلتزم جراح بإجراء عملية جراحية لمريض مات قبل العقد، ومثال الثانية أن يلتزم محامي بالطعن باستئناف حكم بعد انقضاء ميعاد الطعن بالاستئناف.
أما إذا كان الشيء محقق الوقوع في المستقبل فيجوز أن يكون محلا للعقد كأن يبيع فلاح محصول أرضه الذي لا وجود له أثناء إبرام العقد، فان العقد يكون صحيحا على خلاف الأمر إذا كان المحل غير محقق الوقوع في المستقبل إذ يقع العقد باطلا.
تجدر الإشارة أن الاستحالة المطلقة السابقة على انعقاد العقد تجعله باطلا، وإذا كانت لاحقة على انعقاد العقد جعلته قابلا للفسخ، بدون تعويض إذا كانت تلك الاستحالة راجعة لقوة قاهرة ومع تعويض إذا كانت الاستحالة ناتجة عن عمل مقصود، وإذا كان أحد الطرفين على علم باستحالة محل العقد أو من المفروض أن يعلم يجب أن يعوض الطرف الآخر، كالمحامي الذي يستأنف حكم موكله خارج الآجال القانونية.
أما إذا كانت الاستحالة جزئية وبقيت أجزاء الاتفاق الاخرى صحيحة كان التعويض فقط في الجزء المتعلق بالاستحالة الجزئية، أما إذا كان الالتزام تخييريا وهو الالتزام الذي تبرأ ذمة المدين فيه إذا أدى واحدا منها، وكان أحد الاشياء الموعود بها مستحيلا بحيث يتعذر على الدائن ممارسة الاختيار، ففي هذه الحالة يجوز للدائن مطالبة المدين بالتعويض إذا كان المدين يعلم أو كان ينبغي أن يعلم استحالة الاشياء الموعود بها ما لم يكن الدائن يعلم أو كان ينبغي عليه أن يعلم.
ثالثا : أن يكون المحل معينا أو قابلا للتعيين
و قد نص على هذا الشرط الفصل 58 من ق ل ع بقوله ” الشيء الذي هو محل الالتزام يجب أن يكون معينا على الأقل بالنسبة إلى نوعه و يسوغ أن يكون مقدار الشيء غير محدد إذا كان قابلا للتحديد فيما بعد”.
نميز هنا بين حالتين :
الحالة الاولى : الالتزام بإعطاء شيء
والتعيين بالنسبة للأشياء إما أن يكون تعيينا بالذات وإما تعيينا بالنوع، فالتعيين بالذات مثاله نقل حق عيني كأن يكون محل الالتزام أرضا مثلا وجب تعيينها بالموقع والحدود والمساحة والعنوان، أما تعيين الشيء بالنسبة لنوعه فيكون النوع صالحا لأن يوفى به الالتزام كتسليم كمية من الدقيق أو السكر، ففي هذه الحالة يتم تعيين الشيء بالنسبة إلى نوعه فقط، لكن لابد أن يتعين المقدار.
الحالة الثانية : الالتزام بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل
إذ يجب في هذه الحالة أن يعين العمل بدقة وبصورة تنفي الغموض بحيث يكون العقد مشتملا على العناصر تجعل محل الالتزام قابلا للتعيين، كان يتعهد مقاول ببناء بناية ويكون العقد متضمنا لبنود تكشف عن جميع مواصفات البناء، فإذا لم تذكر المواصفات أو لم تتوفر العناصر التي تجعل محل الالتزام قابلا للتعيين يبطل الالتزام لافتقاره لمحل مُعين ومحدد بدقة وبالتالي امتنع انعقاد العقد.
📗 خلاصة الباب
- محل الالتزام هو إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عنه، ويجب أن يكون مشروعاً (الفصل 57)، ممكناً (الفصل 59)، ومعيناً أو قابلاً للتعيين (الفصل 58).
- يجوز أن يكون المحل شيئاً مستقبلاً كبيع السلم أو المحصول المستقبلي (الفصل 61)، لكن يُستثنى صراحة التعامل في تركة إنسان حي ولو برضاه.
- الاستحالة المطلقة السابقة على العقد توجب البطلان، بينما اللاحقة عليه توجب الفسخ، مع تعويض إن كان أحد الطرفين عالماً بالاستحالة أو واجباً عليه العلم بها (الفصل 60).
- تخرج عن دائرة التعامل أشياء بطبيعتها (كالهواء) وأشياء بحكم القانون (كالمخدرات وأعضاء جسم الإنسان)، مع خصوصية بيع النجاسات بين المسلمين (الفصل 484).
اترك تعليقاً