📖 نظرية العقد — الفصل 20 من 21 — فهرس الكتاب
عدم تنفيذ العقد يرجع الى المدين، وفي هذه الحالة يكون للدائن خياران، المطالبة بتنفيذ العقد أو الفسخ، فعدم تنفيذ المدين لالتزاماته التعاقدية يعطي للطرف الدائن في العقد إمكانية التحلل من الرابطة العقدية، و يكون ذلك باللجوء إلى استعمال حق طلب الفسخ ليتخلص من الالتزامات التي يفرضها عليه العقد، غير أنه للدائن قبل استعماله للفسخ، الحق في أن يطالب بالتنفيذ العيني للإلتزام إذا كانت مصلحته تقتضي ذلك، بما أن القانون قد منحه حق الخيار بين التنفيذ و الفسخ، ذلك أن التنفيذ هو الأصل في إبرام العقود، بينما الفسخ هو إجراء احتياطي يتم اللجوء إليه في حالة عدم تنفيذ العقد.
ومناط الفسخ هو حل العقد كنتيجة لعدم تنفيذه، ومن ثم فانه يختلف عن الجزاءات المدنية الأخرى التي ترتبط بمرحلة تكوين العقد كالإبطال و البطلان ، وكذا عن المسؤولية العقدية التي تعد بمثابة أثر من الآثار التي تتمخض عن الإخلال بالالتزامات العقدية بصورة عامة، وإذا كان الدفع بعدم التنفيذ يشكل وسيلة دفاعية قوامها حمل المدين على الوفاء بالتزاماته، فان الفسخ بمختلف أنواعه يعد طريقا هجوميا الغرض منه هو حل العلاقة التعاقدية لامتناع أحد المتعاقدين عن التنفيذ، و إعادة أطرافها إلى الحالة التي كانت عليها قبل التعاقد.
التمييز بين الفسخ و المسؤولية العقدية
هناك تشابه بين الفسخ والمسؤولية العقدية، فكلاهما جزاء لعدم قيام المدين بتنفيذ التزامه العقدي، فإذا كان العقد ملزما للجانبين جاز للدائن أن يطلب استبقاء العقد و المطالبة بتنفيذه عن طريق التعويض، و هذه هي المسؤولية العقدية .
على أنه إذا صح لأحد المتعاقدين أن يحاسب الآخر على عدم القيام بالتزاماته إما من طريق الفسخ و إما من طريق المسؤولية العقدية، فقد يتفق أن يكون عدم قيام المدين بالتزامه راجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه، فتنتفي هنا مسؤوليته العقدية، و لكن حق يبقى الفسخ قائما، بل إن العقد في هذه الحالة ينفسخ بحكم القانون .
التمييز بين الفسخ و البطلان
إذا ما رأينا الأثر المترتب عن كل من البطلان و الفسخ، يتضح أنهما يتفقان في الآثار المترتبة عن كل منهما، و المتمثل في انعدام الرابطة التعاقدية، بل إن زوال العقد الباطل و العقد القابل للفسخ يتم بأثر رجعي، إلا أننا نميز بين هذين النظامين:
من حيث الجزاء : فالبطلان جزاء قانوني، نتيجة عدم توفر أحد أركان العقد في حين أن الفسخ هو جزاء عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته المحددة في العقد.
من حيث النطاق: إذا كان البطلان يشمل العقود الملزمة لجانب واحد أو الملزمة لجانبين فإن جزاء الفسخ لا يمكن المطالبة به إلا في نطاق العقود الملزمة للجانبين .
من حيث تقريرهما : البطلان يتقرر بقوة القانون كما هو الشأن في الحالتين المنصوص عليهما في الفصل 306 من ق ل ع، أما الفسخ فهو لا يتقرر إلا بحكم المحكمة أي أن الحكم القضائي هو المنشئ للفسخ.
أنواع الفسخ :
الفسخ قد يكون قضائيا أو قانونيا أو اتفاقيا .
أولا : الفسخ القضائي
هو القاعدة الأساس في مجال انحلال العقود، ذلك أن معظم حالات الفسخ تتم عن طريق القضاء، وقد نص عليه ق ل ع في الفصل 259 بقوله : ” إذا كان المدين في حالة مَطْـل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام، مادام تنفيذه ممكنا. فإن لم يكن ممكنا جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد، وله الحق في التعويض في الحالتين. إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن إلا في جزء منه، جاز للدائن أن يطلب إما تنفيذ العقد بالنسبة إلى الجزء الذي مازال ممكنا، وإما فسخه وذلك مع التعويض في الحالتين. وعلاوة على ذلك تطبق القواعد المقررة في الأبواب المتعلقة بالعقود الخاصة. لا يقع فسخ العقد بقوة القانون، وإنما يجب أن تحكم به المحكمة.”
ثانيا : الفسخ القانوني
أو ما يسمى بـ “الانفساخ”، فلا يتقرر إلا عند استحالة تنفيذ الالتزام بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه كالقوة القاهرة أو خطإ الدائن أو الغير، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الفصل 659 من ق ل ع : ” إذا هلكت العين المكتراة أو تعيبت أو تغيرت كليا أو جزئيا بحيث أصبحت غير صالحة للاستعمال في الغرض الذي اكتريت من أجله، وذلك دون خطأ أي واحد من المتعاقدين، فإن عقد الكراء ينفسخ، من غير أن يكون لأحدهما على الآخر أي حق في التعويض، ولا يلزم المكتري من الكراء إلا بقدر انتفاعه. وكل شرط يخالف ذلك يكون عديم الأثر.”
مما يعني أن المدين يقع عليه اثبات هذا السبب الاجنبي وإلا بقي ملزما بالعقد مع ما يمكن أن يترتب عليه من التعويض.
ثالثا : الفسخ الاتفاقي
كما تدل عليه تسميته يتقرر باتفاق الأطراف على ادراج شرط فاسخ صريح في العقد، ذلك الاتفاق الذي ألمح إليه المشرع في الفصل 259 : ” إذا كان المدين في حالة مَطْـل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام، مادام تنفيذه ممكنا. فإن لم يكن ممكنا جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد، وله الحق في التعويض في الحالتين. إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن إلا في جزء منه، جاز للدائن أن يطلب إما تنفيذ العقد بالنسبة إلى الجزء الذي مازال ممكنا، وإما فسخه وذلك مع التعويض في الحالتين. وعلاوة على ذلك تطبق القواعد المقررة في الأبواب المتعلقة بالعقود الخاصة. لا يقع فسخ العقد بقوة القانون، وإنما يجب أن تحكم به المحكمة.”
كما جاء في الفصل 260 من ق ل ع بقوله ” إذا اتفق المتعاقدان على أن العقد يفسخ عند عدم وفاء أحدهما بالتزاماته وقع الفسخ بقوة القانون، بمجرد عدم الوفاء”.
شروط الفسخ
هناك شروط ثلاثة يجب توافرها حتى يثبت للدائن حق المطالبة بفسخ العقد :
الشرط الأول : أن يكون العقد ملزما للجانبين
فمجال الفسخ ينحصر في العقود التبادلية بما فيها العقود الملزمة لجانب واحد إذا كانت بمقابل كعقد القرض والعارية والهبة بمقابل، والفقه يجيز فسخ هذه العقود نظرا لكونها عقود تبادلية في حقيقتها، بمعنى أن الارادة المنفردة والعقود الملزمة لجانب واحد لا يمكنها أن تكون قابلة للفسخ ما دام أن الدائن في هذه العقود لا يتحمل بأي التزام مقابل مما يؤدي الى انتفاء مصلحته بالفسخ.
الشرط الثاني : وهو شرط موضوعي يتمثل في عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته
لا فرق بين أن يكون عدم التنفيذ كليا أو جزئيا أو لمجرد التأخير في التنفيذ، بمعنى أن عدم تنفيذ العقد يجب أن يرجع إلى المدين لا إلى سبب أجنبي كالقوة القاهرة فنكون هنا أمام حالة انفساخ لا فسخ للعقد، فلا يكون من الضروري الرجوع الى القضاء مادام أن عدم التنفيذ راجع الى سبب أجنبي.
الشرط الثالث : كون المتعاقد الآخر الذي يطلب الفسخ مستعد للقيام بتنفيذ التزامه من جهة
أي أنه قادر على إعادة الحال إلى أصلها إذا حكم بالفسخ، فالمقصر في تنفيذ العقد لا يمكنه المطالبة بفسخه.
الشرط الرابع : التقيد بالإنذار لتحقق المطل
وهو شرط شكلي يشترط قبل رفع دعوى المطالبة بالفسخ أن تكون هذه الدعوى مسبوقة بإعذار المدين بهدف إثبات تقصيره في الوفاء بالتزاماته التعاقدية، طبقا للفصل 255 الذي نص على أنه : ” يصبح المدين في حالة مَطْـل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للالتزام. فإن لم يعين للالتزام أجل، لم يعتبر المدين في حالة مَطْـل، إلا بعد أن يوجه إليه أو إلى نائبه القانوني إنذار صريح بوفاء الدين، ويجب أن يتضمن هذا الإنذار: 1 – طلبا موجها إلى المدين بتنفيذ التزامه في أجل معقول؛ 2 – تصريحا بأنه إذا انقضى هذا الأجل فإن الدائن يكون حرا في أن يتخذ ما يراه مناسبا إزاء المدين. ويجب أن يحصل هذا الإنذار كتابة، ويسوغ أن يحصل ولو ببرقية أو برسالة مضمونة أو بالمطالبة القضائية ولو رفعت إلى قاض غير مختص.”
لكن هناك استثناءات نص عليها الفصل 256 : ” لا يكون الإنذار من الدائن واجبا : 1 – إذا رفض المدين صراحة تنفيذ التزامه؛ 2 – إذا أصبح التنفيذ مستحيلا.”
آثــــــار الفســــــخ
إذا كان الفسخ الاتفاقي يحصل بتراضي الأطراف عليه، فإنه مع ذلك لا يغني عن رفع دعوى الفسخ و لا عن توجيه إنذار للمدين، الشيء الذي يميزه عن الانفساخ الذي يثبت بكيفية تلقائية و دون رفع دعوى أمام القضاء، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فإذا تقرر الفسخ القضائي أو الفسخ القانوني، فإن العلاقة التعاقدية تنحل تبعا لذلك، مما ترتب عليه إعادة الأطراف إلى وضعية ما قبل التعاقد إن كان ذلك ممكنا، و إلا فإن للمحكمة استنادا إلى ما تتمتع به من سلطة تقديرية أن تحكم بالتعويض أو باستبدال الشيء محل التعاقد بآخر إن كان له ما يقابله في السوق، بيد أن إعمال مثل هذا الأثر يصعب تصوره بالنسبة لعقود المدة أو العقود الزمنية أو العقود المستمرة التي تستمر في إنتاج آثارها على وجه الاستمرارية.
وفي الإجمال فإن آثار الفسخ مثلما تنسحب إلى المتعاقدين فإنها تشمل أيضا الغير مع مراعاة مبدآ عدم المساس بالحقوق التي اكتسبها الغير حسن النية خصوصا في العقارات المحفظة ف66 من ظ ت ع، والمنقول ف456 من ق ل ع .
📗 خلاصة الباب
- الفسخ جزاء عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه في العقود الملزمة للجانبين، ويمنح الدائن خياراً بين المطالبة بالتنفيذ العيني أو طلب الفسخ مع التعويض (الفصل 259).
- يختلف عن البطلان في أنه لا يمس تكوين العقد بل تنفيذه، ولا يتقرر إلا بحكم قضائي منشئ (باستثناء الشرط الفاسخ الصريح، الفصل 260).
- شروطه أربعة: عقد ملزم للجانبين، عدم تنفيذ راجع للمدين لا لسبب أجنبي، استعداد طالب الفسخ لتنفيذ التزامه، وتوجيه إنذار مسبق للمدين (الفصل 255) إلا في حالات الاستثناء (الفصل 256).
- الفسخ ثلاثة أنواع: قضائي (الأصل)، قانوني أو انفساخ (عند استحالة التنفيذ بسبب أجنبي)، واتفاقي (بشرط فاسخ صريح يوقع الفسخ بقوة القانون فور عدم الوفاء).
◀ الفصل السابق: المحور 18 : الإبطال 311-318
الفصل التالي: المحور 20 : الاقالة (393-398) ▶
اترك تعليقاً