📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 9 من 77 — فهرس الكتاب
من فوائد التنظيم أنه يوحد السير، يجمع الجهود والعقول، ويمنع الشتات والعمل الفردي المنعزل الذي لا فائدة منه إلا على صاحبه، فالعمل المنظم له قوة وفاعلية بما أنه حلقة في مشروع كبير، والفرد الذي له مهمة في هذا المشروع لكأنه يحمل المشروع بأكمله [1]، يستشعر روح الجماعة، ويدخل في نطاق الآية الكريمة: " وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا " [2]، على أن هذا السير الموحد يحتاج وحدة تصور ثم انضباطا داخل الصف، فالفهوم المتفاوتة المتضاربة تشكل عرقلة للعمل، والعمل غير المنظم يعتبر خبط عشواء في ساحة متلاطمة الأمواج تحتاج فهما موحدا وعملا دقيقا وفعلا منظما.
وحدة التصور تحتاج إلى علم مسبق [3]، والانضباط يحتاج إلى روح الجندية، والجندية عبارة عن مدارك يكتسبها الفرد باحتكاكه بالعناصر الفاعلة داخل التنظيم، فتقوى نفسه على احترام السير الجماعي وتقديس النظام العام وتنفيذ المهمات الموكولة إليه بالدقة المطلوبة، لكن وحدة التصور يصعب تحصيلها لتعلقها بالفهوم والارادات المختلفة، ناهيك عن الرصيد المعرفي الذي يأتي الفرد حاملا إياه إلى دواليب العمل المنظم، وكلنا يعلم حجم الاختلاف الفقهي والتضارب الفكري الموروث عن الفقهاء والعلماء المتقدمين، قرون طويلة من الاجتهاد والفتاوى والمدارس المتضاربة والمذاهب المختلفة [4]، هذا يضرب في ذاك.
في بدايتي مع العمل المنظم كنت أستغرب من وجود مدارس مختلفة داخل نفس الصف، سلفية وشيعة وإخوان وصوفية وحركيون وإسلام فكري وخليط من التصورات، لم تكن وحدة التصور قد تبلور بعد واكتملت عناصرها على المنهاج الواحد، فأحيانا كنت أتأثر بالصوفية فألبس مسوح التصوف، وأحيانا كنت أجد نفسي مع الشيعة فألبس السواد، وتارة أخرى كنت أُعجب بالسلفية الصارمة فأحك أسناني بالسواك، تارة أخرى أجد نفسي حركيا مناضلا فلا شيء غير النقد السياسي والاحتجاج في الجامعة، تارة درويشا مسالما وتارة مقاتلا عنيفا وتارة شيعيا حاقدا وتارة سلفيا متزمتا وتارة وتارة.
لكن مع مرور السنوات ومطالعة مزيد من كتب المدرسة التي انتميت إليها والاحتكاك بذوي السابقة والسفر من مدينة إلى أخرى وحضور المحاضن التربوية والرباطات الطويلة والاستماع إلى السابقين بإحسان كنت أجد تصورا جديدا يتبلور تدريجيا في داخلي نحو مزيد من الانفتاح وتقبل جميع التصورات، وبدأ الخليط يتفاعل في بوتقة واحدة لينتج تصورا واحدا ينسجم مع تصور المدرسة، هذا النضج الذي عشته وعاشه كثير ممن عاشرتهم داخل التنظيم أخرج لنا أناسا يحملون تصورات متقاربة في شتى ميادين الفكر والحركة والتربية والسياسة.
لكنني أشير إلى أنه إذا كانت وحدة التصور على المستوى الفقهي يُقدر على توحيدها ببساطة بترجيح مذهب من المذاهب على المذاهب الاخرى بقرار تنظيمي أن اتبعوا المذهب الفلاني مثلا، فإن وحدة التصور بالنسبة لمواضيع أكثر عمقا وحساسية كالتربية والصحبة والمال والاقتصاد وشكل الدولة المرغوب فيه والعلاقات الخارجية والتحركات السياسية مع اللاعبين السياسيين وغيرها من المطالب الانية التي تطرح على الساحة يصعب توحيد التصور فيها، فيُلجأ عادة في ذلك إلى أدبيات الجماعة وكتب مُنظرها أو إلى الشورى كآلية لتوحيد الجهود أو إلى الدكتاتورية التنظيمية لإسكات الجميع.
إن الاسلاميين خاصة والمسلمين عامة ليسوا على درجة واحدة من الفهم والقدرة على الفهم، قدرات عقلية مختلفة، والتنظيم مُطالب باستيعاب كل هذه القدرات العقلية المتفاوتة وجمعها والتأليف بينها دون إقصاء شوري أو قهر تنظيمي أو ضغط فكري، فالتنظيم القاهر فوق عباده لابد أن يدفع الثمن يوما ما، ذلك أن الايمان بالمشروع أمر مبني على الفهم والاقناع لا على القهر والاكراه، وقديما قالوا طلاق المكره لا يجوز [5]، وما بني على باطل فهو باطل باصطلاح الفقهاء، ولذلك فإن من أولى أولويات التنظيم أن يعمل على توحيد التصور كل وقت وحين بشكل طوعي وعلمي ولطيف، ونشير هنا إلى دور المحبة والذكر في توحيد التصور، فـذكر الله الجماعي من الأمور التي توحد الفهوم والقلوب، ذكر الله في حد ذاته علم بل هو ينتج العلم، فهو منبع العلم، وروح العلم، ذكر الله الكثير تأتي معه بحار من الفهم، ذكر الله يقرب الارواح والعقول داخل التنظيم، وما تعارف من الارواح في مجالس الذكر يسهل تشربه للتصور الجامع [6].
لكن بالنظر إلى الارادات الهابطة والهمم العالية نجد أن وحدة التصور تتطلب مزيدا من الصبر والمصابرة، فالهمم المعلقة بالله غير الهمم المعلقة بالمناصب، والهمة المتعلقة بالدنيا غير الهمة المتعلقة بالحضرة، فالهمة المعلقة بالله تفهم عن الله، تنتصر لله وبالله، تصورها عميق المعنى، بعيد المدى، عالي المقام، بينما الهمة المعلقة بالمنصب التنظيمي فهمها مؤقت مصلحي ضيق، سطحي قريب المدى، هابط إلى دركات النفس والشيطان والتشوف على الاقران، الفهم الضيق نتيجة الهمة الهابطة، وينتج عنه تنفيذ المهمات التنظيمية وفق المصالح الشخصية الضيقة، ولذلك يكثر لدى هذه الفئة حب الجدل والنقاش والانتصار الفكري والحركي، ثم تجر معها الاخرين من ذوي الهمم الهابطة إلى حضيضها مما ينذر بتأسيس أجنحة على هامش التنظيم تكون غاياتها مرحلية مصلحية هابطة لا تخدم التصور العام للمشروع.
هذا الأمر قد يتسبب في النفور والتباغض بين اخوان المدرسة الواحدة، وأحيانا الاقتتال العلني أو الصامت أو التنافس غير الشريف، وكل ذلك مرتبط بالمستوى التربوي الذي يسير فيه التنظيم، فمع رقي التربية على مستوى القيادة والقاعدة يرتفع سقف الاخلاق ويرتفع مستوى المحبة والفناء في الجماعة فينتج لنا وحدة التصور ووحدة الفهم ووحدة السير، فالتربية المتوازنة تقتضي سيرا جماعيا أشعريا [7] يسير سير الضعيف ويعين الكَل على نوائب المطبات الحركية والتربوية المتناثرة على طول الطريق، ومع غياب وحدة التصور يحضر الإجتهاد الفردي، خصوصا عند ضعف التنظيم وعدم قدرته على توحيد التصور، فيصبح التنظيم عبارة عن أمراء حرب، شتات منظم، كل يفتي برأيه ويتصرف بمشيئته ويستبد بقراراته، المهم أن يضبط من تحته، وتحلو لأغيلمة التنظيم كلمة الضبط لكأنه يضبط القمر، يمنع التمردات ويفصل المفكرين ويجبـي الواجبات المالية للقيادة ليقال إن التنظيم قوي موجود، لا يهم حتى كيف هو هذا الوجود.
الإجتهاد الفردي لشخص المسؤول التنظيمي مع استبداده بتصوره القاصر يقتل الافراد على المستوى القريب ويقتل الجماعة على المستوى البعيد، يقتل الهمم ويحبط العزمات، يكسر القلوب وينفر الطاقات التربوية والتنظيمية الطموحة الذكية والفاعلة، يحافظ فقط على الإمعات، الشخصيات الضعيفة السامعة الطائعة الخانعة الراكعة، ولذلك كان من مهام التنظيم الناجح أن يقلل من هامش الاجتهاد الفردي للمسؤولين على اعتبار أنهم عرضة للخطأ وأكثر من ذلك عرضة للطغيان والاستكبار، الاجتهاد الفردي دوره محدود، فقط فيما لم يحضر فيه نص تنظيمي أو شرعي، والتنظيم الاسلامي يجب أن يرجع إلى الشريعة الاسلامية وعمادها القرآن والسنة النبوية ثم تنظيرات مؤسسيه الحركيين وزعمائه الروحيين، ثم ما أجمعت عليه الشورى من قرارات داخلية مُسطرة.
الاجتهاد الفردي ليس إلا استثناء من الأصل وهو سيادة القانون، سواء القانون الداخلي للتنظيم الصادر من الجهة التشريعية داخل التنظيم أو القرارات التنظيمية التنفيذية الصادرة عن الجهات التنفيذية المختصة شريطة أن لا تتعارض مع القوانين الصادرة عن الجهة التشريعية، ونتصور أن التنظيم الاسلامي يجب أن يستقي قواعده القانونية من الشريعة الاسلامية لا من القانون الوضعي والمواثيق الدولية، من الشريعة الاسلامية وأيضا من الاجتهاد الجماعي القائم على الشورى وتنظيرات القيادة التاريخية المؤسسة للتنظيم، ثم أخيرا القانون الفرعي الذي تسهر على إعداده اللجان الداخلية المختصة، كل في قطاعه، شريطة احترام باقي القوانين في سمو بعضها على بعض [8]، لكن يبقى الاشكال داخل التنظيم الاسلامي في الجهة المخول لها تطبيق القانون وتفسيره، أي القضاء، فالتنظيم يعاني من انعدام الجهات الساهرة على تطبيق القانون، بل يعاني من غياب القانون نفسه.
نخلص إذن إلى أن السير الموحد يقتضي قطعا نهائيا مع العشوائية والانفراد بالقرارات المصيرية، يقتضي قبل ذلك رجوعا إلى التربية باعتبارها عنصرا مساعدا ومهيئا ومحفزا على الانصهار في النظام العام، والتربية يلزمها تقيد كامل بالبرامج التربوية من لدن المسؤولين التنظيميين وفق الخط التربوي الذي رسمه المصحوب المربي وعدم الافلات من التربية وتركها للأعضاء، بينما يتطلب القطع مع عهد العشوائية والانفراد بالقرارات التنظيمية تكريس مفهوم تنظيم "الحق والقانون والمؤسسات"، فيعمد الساهرون على التنظيم إلى تسطير القواعد القانونية المنظمة للعمل الجماعي بشكل واضح للخروج من الضبابية التنظيمية، ثم يعمدون بعد ذلك إلى تكريس مفهوم المؤسسات والقطع مع ماضي أمراء الحرب وقياد المناطق، ثم أخيرا خلق جهاز قضائي داخلي يضمن الحق وتطبيق القانون والسير الطبيعي للمؤسسات.
يقول الصيادون في الماء العكر إن التربية تكفي، والمحبة تكفي لخلق وحدة التصور وإرساء السير الموحد، يلعبون بالدين عندما تخور ترسانتهم الفكرية والتنظيمية، لا يا صديقي، هذا ما كنا نعتقده قبل عشرين سنة، كنا نظن أن التربية كافية لخلق وحدة تصور وكنا نعتقد أن التربية كافية وحدها لسير موحد، لكننا اكتشفنا أن الأمر شيك على بياض لمجموعة من الثعالب التنظيمية لتلعب بالمجموعة كيف تشاء، خلقنا قطيعا وذئابا ترعى القطيع عندما نثرنا المحبة ومنعنا حرية التعبير وسيادة المؤسسات، لقد نظمنا هذه العشوائية لضمان الشيك الابيض وخلقنا أجهزة تنظيمية لحماية الانفرادية وترسيخ فلسفة الذئب راعي القطيع، ثم أنتجنا الدكتاتورية المنظمة تحصيل حاصل، بينما المحبة خاصة والتربية بشكل عام ليست سوى الارهاصات الأولية لسير موحد، ليست سوى تعطير وتهيئة للأجواء العامة، لكن المعول على الجو التنظيمي العام والقانون والمؤسسات، بدليل أن التربية منفردة لوحدها حتى في غياب الثعالب خلقت إشكالات أخرى على مستوى وحدة التصور، وخلقت إشكالات تنظيمية جديدة أثرت على وحدة السير.
التربية جامعة، والتنظيم جامع، ولا سير موحد دونهما، فمتى اختلت التربية طلع علينا فهم جديد وتصور جديد، ومتى اختل التنظيم خرج علينا أمير حرب جديد وشتات جديد، والتربية تختل عندما يرتبك أساس الصحبة أو عندما لا تدور السبحة بالشكل الكافي، بينما اختلال التنظيم في الدكتاتورية [9] الادارية وشكلية المؤسسات وغموض القانون، فمتى كانت التربية مبنية على أسس متينة كان التصور واضحا، ومتى كان التنظيم منضبطا للقانون منسجما مع المؤسسات الشورية صرنا نتحدث عن سير موحد.
إننا لا نبحث عن صناعة نسخ مطابقة من الأفراد والمؤسسات داخل التنظيم، بل نبحث عن إفشاء استقرار فكري تربوي وتناسق حركي تنظيمي داخل التنظيم، رجلا سلما لرجل لا شركاء متشاكسون في الفهم متضاربون في التصور متخبطون في السير، ثم نريد بعد ذلك خلق مؤسسات شورية حية ومتفاعلة مع محيطها الداخلي والخارجي بكل مؤسساتية وديمقراطية ووضوح، بعيدا عن أسلوب الكنتونات التنظيمية التي يحكمها الافراد الذين يلتقون على مستوى القيادة ليتآمروا على الجماعة.
إننا لا نتصور سيرا موحدا جامدا، بل نتصوره سيرا موحدا في مظهره متفاعلا في داخله، حركية تربوية وتنظيمية حرة منفتحة غير تشاكسية وفق المبادئ التربوية الايمانية الاخلاقية الديمقراطية الشورية الشفافة، هكذا فقط نحقق سيرا قاصدا موحدا يخدم الاهداف السياسية الاستراتيجية المسطرة والغايات الايمانية الاحسانية المرجوة.
📌 الهوامش
- [1] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الإِسْلامِ، اللَّهَ لا يُؤْتَى الإِسْلامُ مِنْ قِبَلِكَ " حديث مرفوع، أخرجه المروزي، مؤسسة الكتب الثقافية 1 / 13.
- [2] المائدة، الآية 32
- [3] " أيها الولد، العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون"، أبو حامد الغزالي، كتاب أيها الولد.
- [4] المذاهب الإسلامية مدارس عقدية وفقهية تندرج كلها تحت الدين الإسلامي؛ فإذا كانت الاختلافات الفقهية ليست بالكبيرة بين المذاهب الإسلامية بشكل عام، إلا ان الاختلافات العقدية مؤثرة جدا سياسيا واجتماعيا.
- [5] قال صاحب الحلية: حدثنا. . . قال سمعت أبا داود يقول: ضرب جعفر بن سليمان مالك بن أنس في طلاق المكره، وحكى لي بعض أصحاب ابن وهب عن ابن وهب أن مالكا لما ضرب حلق وحمل على بعير! فقيل له: ناد على نفسك. قال: فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأنا أقول: طلاق المكره ليس بشيء.
- [6] " ومن حقك أخي وأختي أن تَعْلَم، أن تُعْلَمَ، أن تُخبَرَ، مجردَ الإخبار، والله تعالى يفتح قلب من يشاء ويختم ويحُل الأختام. في المسجد، في مجالس الإيمان، في صحبة الأخيار، في ليلة القيام المنيرة الساطعة على نهار الجهاد، في مداومة ذكر الله، في صدق الطلب وتلَهُّف الهمة". عبد السلام ياسين، العدل، ص365.
- [7] عن أبي موسى الاشعري قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم"، أخرجه البخاري، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض.
- [8] القواعد القانونية ليست على درجة واحدة من القوة، فبعضها يسمو على بعض، والقاعدة القانونية الدستورية في القانون الوضعي هي أسمى القواعد القانونية، وهو مبدأ متفق عليه بين فقهاء القانون، وكذلك بالنسبة لباقي القوانين حيث تسمو القاعدة الصادرة عن السلطة التشريعية عن تلك الصادرة عن السلطة التنفيذية.
- [9] الديكتاتورية هي شكل من أشكال الحكم المطلق حيث تكون سلطات الحكم والادارة محصورة في شخص واحد.
اترك تعليقاً