📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 8 من 77 — فهرس الكتاب
حب السلطة والهوس بها أمر طبيعي عند الرجل، فهو دائما يهفو إلى السيادة على أقرانه والتشوف عليهم والتحكم في حركاتهم ومصائرهم، وإذا كان الأمر قرين الانظمة الاستبدادية التي عودتنا دائما على التضحية بمصالح الناس مقابل الحفاظ على عروشها فإن الأمر مُستغرب جدا في التنظيمات الاسلامية التي تُطنطن علينا صباح مساء أنها سليلة الاسلام وشريعته ووريثة النبوة وأخلاقها وأنها تريد مصلحة الأمة لا مصالحها الشخصية.
هل فعلا هناك هوس بالسلطة داخل التنظيم الاسلامي؟
في نظري الاجابة على هذا السؤال شبه محسومة بالنظر إلى الجو العام الذي يسبح فيه العمل الدعوي داخل التنظيم الاسلامي، ورغم أن الناظر من بعيد أو غير المنغمس في العمل التنظيمي بشكل حقيقي يبدو له الجو العام خاليا تماما من حب الرئاسة، فهو يعتقد أن القوم في فناء تام في دعوة الله، لكن الحقيقة غير ذلك، فالسلطة هي المحرك الرئيس لأغلب الأنشطة التنظيمية وأغلبها يتم من أجل ترسيخ المركز التنظيمي لعنصر ما داخل التنظيم، طبعا يُلقى بالكلام التربوي على الملأ من قبيل الدعوة إلى الله والدلالة عليه لكن دائما يتم استبطان هوس السلطة في القلوب وتحت طاولات المجالس العليا.
أرجع بالذاكرة إلى عشرين سنة خلت ونيف فلا أجد هذا الحرص على السلطة، والسبب في ذلك أنني كنت في هوامش التنظيم حيث لا تظهر مظاهر السلطة، في هذه الهوامش لا تجد سوى حرارة الايمان وأناشيد البطولة وأهازيج فلسطين وسير الرجال حول الرسول ولا وقت حتى للبحث عن السلطة التنظيمية أو الحرص عليها، لا يوجد هناك أصلا ما يغري بالسلطة، في هذه الهوامش التنظيمية المركز التنظيمي كله اثقال تنظيمية وخطورة سياسية، شيء واحد كان يغري بالمسؤولية أنذاك وهو الالتماس الايماني المباشر بالعناصر النورانية التي توجد على رأس قيادة الدعوة والتربية.
بعد توالي الايام تغير الوضع، بل إنه تغير أنذاك دون أن ندري بما أننا كنا في القاعدة، لقد أصبحت المسؤولية التنظيمية مغنما ومكسبا يتصارع الناس عليه، أصبح التنظيم مرتعا لخيوط تنظيمية عديدة كل واحد منها يجذب في الاتجاه الذي يريد، هكذا بدأت الحروب التنظيمية والتكتلات الولائية واللوبيات الموازية، والغاية بعد أن كانت الله أصبحت السلطة، وبعد أن كانت السلطة مجرد أثقال تنظيمية ومخاطرات سياسية أصبحت مشيخة تربوية ومكانة دينية وإمارة تنظيمية وسلطة سياسية ومكاسب مالية يتصارع حولها سباع التنظيم.
أصبحت ترى الأخ يقتل أخاه تنظيميا من أجل المنصب التنظيمي، يقتله بالتهميش والفصل والاقصاء بدعوى حماية الدعوة من العناصر المتسخة، يقتله نميمة داخلية وتشويها خارجيا، يقتله بالحفر التنظيمي والاجتماعي والاخلاقي، يحفر لأخيه الحفرة ويستدرجه إليها ليقضي عليه ويتمتع بعد ذلك بالمنصب التنظيمي، وبما أن التنظيم ساكت بل ومشارك في لعبة العروش فإن الأمر أصبح عاديا ومعمولا به داخل التنظيم، هذا يطيح بذاك وهذا يحفر لذاك، مصائد منصوبة وخطط محبوكة ومكائد مزروعة وحضي راسك عندك يفوزو بيك المسؤولين يا فلان.
أصبح الهوس السلطوي شيئا عاديا جاريا به العمل بلا استحياء، وطبعا تُستدعى الترسانة الدينية في هذه الاحوال لتزكية الهوس السلطوي، أصبحت السلطة رمزا للقوي الأمين، وأصبح التواضع رمزا للمؤمن الضعيف، والمصيبة أن المسؤول التنظيمي أصبح رمزا تربويا بمعنى أنه صار شيخا مربيا يسهر على تربية المؤمنين بينما أضحى المتواضع العفيف الناكر لذاته رمزا للضعف يجب قتله تنظيميا لتخلو الساحة لمشيخة التنظيم، وبهذا الترامي التنظيمي على منبر التربية تمت تصفية العديد من رموز الجماعة الذين حملوا بين أضلعهم نور الصحبة.
وبما أن الكرسي التنظيمي يخول كل هذه الصلاحيات فإذن هيا بنا نُقاتل على المنصب، هيا بنا نشحذ السيوف لنذبح كل من يقف في طريق نشوتنا التربوية والرئاسية، كل ينادي هيا بنا إلى مقامات الاحسان الموضوع تحت كراسي المسؤولية التنظيمية بما أن القاع التنظيمي لا إيمان فيه ولا ولاية ولا إحسان، إنه لا مال فيه أيضا ولا احترام و لا قوة عُمرية ولا أمانة مُوسوية ولا شيء مما يسر الانفس وتلذ به الاعين.
أستحضر هنا الكثير من لقطات الهوس السلطوي، من بينها مسؤول تنظيمي استطاع أن يفصل من التنظيم كثيرا من الرجالات التربوية والتنظيمية واحدا تلو الآخر كي يصل إلى السلطة المطلقة في منطقته، ولم نكن نفهم حينها أن الأمر سير حثيث نحو المشيخة والسلطة، بل كنا نعتقد أن الأمر حرص على الدعوة، لكننا فهمنا أن الأمر تخطيط وتنسيق على أعلى مستوى تنظيمي من أجل ترسيخ بيدق تنظيمي ينتمي إلى لوبي معين يريد أن يثبت أركانه داخل التنظيم.
تنظر في وجه المسؤول وحركاته وتصرفاته فتجدها كلها تدور حول الاحتفاظ بالمنصب التنظيمي، تماما كما يحدث في الانظمة السياسية المستبدة التي يحاربها التنظيم زعما، لكن النظام السياسي المستبد تجده داخل كل قطاع من التنظيم، إن التنظيم كله عبارة عن أنظمة دكتاتورية منتظمة في إطار فدرالية دكتاتورية كبيرة تسمى التنظيم الاسلامي، حيثما وليت وجهك تجد هوسا بالمسؤولية، من أعلى رتبة تنظيمية إلى آخر وحدة تنظيمية، الكل حريص على الكرسي التنظيمي، حتى تكاد تعتقد أنه لربما ستحل الخلافة الاسلامية قريبا فيتم توزيع الاموال والسيارات والنساء مجانا على المسؤولين.
هوس سلطوي هو المحرك لكل تحركات التنظيم، الجميع يتحرك بما يحفظ كرسيه، يسير الكرسي الصغير وفق الكرسي الأكبر منه، في تناغم وتناسق حتى لا يضيع الكرسي ومن تحته، وفي ظل الهوس التنظيمي ترتكب الجرائم التنظيمية في حق المؤمنين، هذه الجرائم لا يوجد من يتابع مرتكبيها ولا من يحاسبهم بما أن ظهورهم محمية من الخلفيات التنظيمية التي ينتمون إليها، وبعد أن يمر المسؤول التنظيمي تتكشف من خلفه دماء زكية مهروقة وطاقات تربوية مهدورة وأدمغة نشطة كادت تجن حطمها المسؤول التنظيمي المهووس بالسلطة خلال مروره المبارك.
لا بأس كل شيء يهون من أجل الدعوة، هكذا يبرر المسؤول جرائمه، ومضمون الكلام كل شيء يهون من أجل المنصب التنظيمي والمكاسب السياسية التي سيحققها المسؤول الفاهم الواعر الذكي القوي الذي لا مثيل له.
إن الهوس التنظيمي بالسلطة مرض أصاب التنظيم في مقتل، لقد تشتتت الكثير من التكتلات الايمانية وتمزقت كثير من الروابط الأخوية التي كانت هي أساس العمل الاسلامي، كما أن الصراع التنظيمي على السلطة أبان عن خلل تربوي فظيع وعن ارتباك تنظيمي أفظع، بل إن أُسس العمل الاسلامي قد نخرها السوس منذرا بانهيار التنظيم ومنظومته الاخلاقية وغاياته الاستخلافية وفشل كل الوعود الاحسانية والسياسية التي رفعها المؤمنون الأولون الذين بنوا التنظيم على الفناء في الجماعة لا على المصلحة السلطوية الشخصية والمذهبية الضيقة.
لقد أصبح الأمر عارا على الاسلاميين أن يتأسس بناؤهم الاسلامي التنظيمي على الصراعات السلطوية والمنافسات الرئاسية، أصبح لا معنى لأي تربية ولم يعد هناك معنى لأي دروس إيمانية، لنقلها بصراحة: التنظيم الاسلامي تنظيم سياسي تحركه الاطماع السلطوية.
اترك تعليقاً