فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

انعراجات التنظيم

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 14 من 77 — فهرس الكتاب

لا يسير التنظيم في خط مستقيم، بل يتعرج في مسيرته في مراحل تاريخية متعددة تحت تأثير ظروف داخلية أو موضوعية تفرض الانعراج بالجماعة بالقدر المطلوب دون زيادة أو نقصان، وأي خلل في سرعة الانعراج أو زاويته يؤدي الى انقلاب قاطرة التنظيم وسقوط ضحايا ما بين قتيل وجريح ومفقود، ولذلك كانت الانعراجات التي يجدها التنظيم في مسيرة الزحف من أخطر ما يمكن أن يدفع بالجماعة إلى ساحل النجاة أو يسبب لها خسائر مادية وبشرية لا يمكن تعويضها إلا بعد سنوات طويلة، هذا إذا لم تتكرر انتكاسات أخرى في منعرجات أخرى فيهوي التنظيم بالجماعة إلى الهاوية وتصبح في خبر كان.

الانعراجات ضرورة تفرضها الظروف الداخلية قبل أن تفرضها ظروف الحال وضرورة مسايرة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تُطرح على الساحة، والحقيقة أنه لا يمكن تجاوز المنعرج دون خسائر، قليلة كانت أو كثيرة، ففي أحسن الاحوال ومع دوران القاطرة ورغم نجاة التنظيم يسقط من هذا الأخير بعض من الاعضاء الذين لا يتحملون الاهتزازات التي يسببها ميلان التنظيم عن حالته الطبيعية، وقد يرجع السبب إلى عدم إشعار التنظيم أعضاءه بحجم خطورة المنعرج أو عدم تنبيههم اليه بالمرة أو عدم اتخاذ الاحتياطات الضرورية والتسخينات الفكرية والتنظيمية والتربوية اللازمة.

إن مسؤولية سلامة التنظيم خلال المنعرجات تقع لاشك عل عاتق القيادة، فهم الماسكون بدفة السفينة، وهم المسؤولون عنها خلال المراحل التاريخية التي تعترض مسيرة الجماعة، ذلك أنهم يملكون كامل الصلاحيات لإدارة المرحلة وبالتالي فإنهم يتحملون المسؤولية كاملة خلالها وما قبلها وما بعدها، المسؤولية قرينة المحاسبة، ولا يمكن التهرب من المسؤولية بحجة من الحجج، فالخط الاستراتيجي للتنظيم تخطه القيادة بكل حرية وبكل موضوعية واستقلالية عن القواعد اللهم استشارات غير ملزمة، وبالتالي فهي تتحمل نتائج برامجها وتخطيطاتها وطريقة تنزيل هذه البرامج والمخططات وتنفيذها.

تختلف المنعرجات التاريخية التي يمر منها التنظيم ما بين تحولات تربوية كبيرة أو تغير مواقف سياسية كانت فيما مضى غير قابلة للنقاش أو خلق مؤسسات من الاهمية بمكان داخل هيكلة التنظيم أو موازية له، أو حتى غياب شخصيات كانت لها قوة وأهمية داخل النسيج التنظيمي والتربوي للجماعة، إن هذه المحطات التاريخية تتطلب من القيادة قدرا كبيرا من روح المسؤولية، وقدرا كبيرا من الفهم، إضافة إلى قوة كبيرة في مسك دفة القيادة وعدم الانجرار وراء الموجات الارتدادية للقرارات المصيرية.

إن التنظيم يتغير ويتبدل مع مرور السنين، تنضم إليه فئات جديدة، تنضج فئات أخرى، تختفي فئات كانت موجودة، ديناميكية تنظيمية تسبب في تغير معادلة التنظيم باستمرار، وهياكل التنظيم بما أنها القلب النابض للتنظيم تتفاعل غالبا مع هذه الديناميكية التنظيمية، وتحاول احتوائها أو ركوبها أو سبقها كي لا تتطور إلى تحولات جارفة لا يمكن السيطرة عليها لاحقا، ولذلك يتدخل التنظيم في الوقت المناسب إذا كان على قدر من الانضباط والليونة فيفرض قانونا جديدا للعبة التنظيمية أو يفرض مؤسسات جديدة تنضاف إلى النسيج التنظيمي وتكون بمثابة نقلة نوعية للتنظيم من عهد إلى عهد جديد.

إن أهم مثال لهذه الحالة هو خلق جهاز سياسي مستقل عن التنظيم، فيصبح التنظيم العام للجماعة برأسين، رأس دعوي يمثله أمير التنظيم، ورأس سياسي يمثله رئيس الحزب السياسي، وفي مرحلة ما قد لا يسمح التنظيم بتأسيس حزب بل يكتفي بنواة حزب يسميها أسماء مختلفة، وكلها تدل على نواة شيء إسمه حزب سياسي مستقبلي، وغالبا ما تكون الحكمة من خلق هذا الجهاز هو خلق نوع من التخصص داخل الجماعة، والتخصص دليل الاتقان، كما أنه يسمح للتنظيم الدعوي بالعمل بعيدا عن لوثات السياسة وكدرها، ويمكن القول أن هذا الأمر خصوصية داخل التنظيم الاسلامي حيث أن العمل السياسي ليس كل غاية التنظيم، بل هناك غايات أخرى غالبا ما تكون دعوية وتربوية.

خلق كيان سياسي داخل التنظيم يؤدي إلى إيجاد نوع من الصراع الخفي بين الجهازين، الدعوي التربوي والسياسي النقابي، يظهر هذا الصراع جليا في الناحية الشخصية أو المؤسساتية، فالأشخاص داخل الجهازين تظهر بينهم فوارق كبيرة في التفكير وأحيانا تكون وجهات نظرهم متعارضة، مما يجعل التنظيم يضم تكتلين كبيرين، أصحاب السياسة لهم اجتماعاتهم ولهم حميتهم الفكرية، ثم أصحاب التربية أو لنقل اصحاب الدعوة لأن التربية ليس لها هياكل واضحة، بل لها هياكل خفية تلتقي بيد المرشد مباشرة، فأصحاب الدعوة أيضا لهم مجالسهم وحميتهم الخاصة، ولا يتوقف التباين هنا بل يصل إلى المؤسسات، فتريد كل مؤسسة أن تحتوي الاخرى، تضمها وتأكلها وتبتلعها وتختزلها في أجهزتها وتجعلها على الأقل تابعة لها لا تملك أي إرادة تنظيمية مستقلة، ثقل آخر ينضاف إلى الاثقال التي ترهق كاهل القيادة ويلقي على عاتقها مسؤولية الحفاظ على وحدة التصور ووحدة الجماعة.

بعيدا عن الجانب المؤسساتي من الممكن أيضا أن نتصور انعراجات خطيرة للتنظيم تماشيا مع تغير الواقع السياسي، هذا التغيير يفرض في كثير من الاحيان اتخاذ تدابير تنظيمية متناسبة مع حجم التحديات الجديدة المطروحة أمام الهياكل السياسية للتنظيم، وبتحركها واتخاذها للمواقف السياسية يمكن أن تحدث ارتجاجات قوية داخل التنظيم، هذا الأخير غالبا ما يحاول التوطئة لها عن بعد وعن مسافة بعيدة حتى يتجنب تزعزع ثقة القاعدة في القيادة وارتباك الهياكل وتداخل مهامها بل وحتى تطور الاختلافات السياسية الداخلية إلى ولاءات خارجية أو انشاقاقات داخلية أو تغير الروابط التنظيمية غير المعلنة داخل التنظيم لأن هذه الخلافات غالبا ما تؤدي إلى طيران رؤوس وبروز أخرى.

طيران الرؤوس بصفة طبيعية أو بطريقة مدبرة هو نفسه انعراج خطير داخل التنظيم رغم أن هذا الأخير يحاول عدم تهويل غياب شخص بعينه، فالتنظيم غالبا ما يحاول ربط الاشخاص بالهياكل وليس بالأشخاص مخافة أن يغيب الشخص أو يتم عزله فيتشقق التنظيم، وإذ كان التنظيم على حق في هذا الامر على اعتبار أن الاشخاص الطبيعية معرضة دائما لخطر الانتكاس أو الطغيان، إلا أن الاستهانة بقدر الاشخاص وجعلهم مجرد كراكيز تنظيمية تؤدي مهام معينة ثم رميها إلى خارج التنظيم لهو أمر مقرف، هذا القرف يكون في حد ذاته منعرجا يصعب على التنظيم تجاوزه إذا كان المعني بها ذا كاريزما تنظيمية من الأهمية بمكان، وهنا يتجاوز التنظيم المنعرج اعتماد على الكذب المُضلل عبر تنزيل تعليمات ظالمة بناء على مبررات كاذبة، وهنا تكون مصداقية وصدقية التنظيم على المحك، وغالبا ما يثور الاشخاص الذين يثقون في الشخص المُغيب ويطالبون التنظيم بتسوية وضعيته التنظيمية بإنصاف، يتدخل التنظيم بكبرياء وعجرفة كما تتدخل الانظمة السياسية الشمولية بالرصاص ويفصل المحتجين قبل ان يكبر شأنهم، ثم يستمر في كذبه المنظم على القاعدة.

كثيرة هي الحالات المشابهة وقد أفلت التنظيم منها بنجاح، فالأشخاص غالبا ما يهزمون داخليا أمام قوة التنظيم نظرا لتعليماته المقدسة التي لا يمكن مناقشتها داخل الهياكل، ثم أن الأفراد لا يمكنهم بأي حال من الأحوال إقناع جميع مؤسسات التنظيم بالتجاوزات التي تحدث رغم المناوشات على الأنترنيت، فغالبا ما يحرك التنظيم فيالقه الاعلامية التي تضرب تحت الحزام على الخاص، ثم يركن الثائرون إلى الخلوات يصبون جام غضبهم على التنظيم في الادعية والصلوات، التنظيم نفسه يروج لهذا الحل الدرويشي المستكين فيدعو الجميع إلى تصفية الحسابات في ليالي التبتل والصلوات، إنه يعلم جيدا أن الساحة للفعل وليس للصلوات التي لا تجدي شيئا في العمل التنظيمي، كما أنه يعلم أن حليفه الشيطان سيظفر بالمفصولين في غياهب الغفلة والبلاء والتخبط قبل أن يُستجاب لهم دعاء، المخرج الصوفي مخرج جميل للتنظيم.

نتحدث عن التبتل والدعوات كسلاح وننسى أن الجانب التربوي في حد ذاته يكون أحيانا منعرجا قويا يهدد الجماعة برمتها، فغياب المصحوب أو حصاره أو وفاته أو انتكاسة أحواله التربوية أو الكدر العام داخل الصف بشكل حاد أو انتقال الاشكال التربوية من شكل إلى شكل آخر أو حتى تغيير الانتماء التربوي للجماعة من مدرسة إلى مدرسة تربوية أخرى، أو تغيير الاذكار والاوراد، أو حتى غيوم القبض التي تتلبد في سماء الروحانية بين الفينة والفينة، أو هجمات القوى الروحية المضادة، كلها تغيرات قوية تحدث داخل التنظيم ويحاول هذا الأخير امتصاص ارتداداتها والتأثيرات التي يمكن أن تؤثر على أنشطته الدعوية والتربوية والسياسية.

إن رجل التربية الأول في التنظيم وهو المرشد المصحوب قد يحاول أحيانا الانتقال بالجماعة من حال تربوي إلى حال آخر عبر مجموعة من التدابير التنظيمية ذات البعد التربوي، وقد يرفض التنظيم هذه البرامج التربوية وقد يسايرها إلى حين متربصا تماشيا مع قوة المرشد تنظيميا وتربويا داخل الجماعة، والحال ان التنظيم قد يكون أداء طيعة في يد المرشد فتنجو الجماعة من الانعراج التربوي بسهولة وقد يُعرض التنظيم الجماعة إلى خطر تربوي كبير إذا لم يتمتع بالقدر الكافي من الطاعة والليونة بين يدي المرشد، وهنا يحاول التنظيم إفشال البرامج التربوية بطرقه الماكرة الهادئة، وهو في حد ذاته منعرج آخر خاصة عندما يصطدم مؤيدو المرشد ومحبوه مع أمراء الحرب داخل أجهزة التنظيم الذين لا يهمهم سوى السير التنظيمي ولا شان لهم بالتربية على الاطلاق.

إن الانعراجات الحاسمة في مسار التنظيم تختلف وتتعدد ويصعب حصرها، وقد اقتصرنا على بعضها دون جلها، ويمكن الاشارة باقتضاب إلى بعض المحطات التاريخية الأخرى التي تكون لها انعكاسات قوية فيما بعد على التنظيم، نذكر منها تغير مواقف التنظيم السياسية من النظام القائم، فقبول شكل سياسي بعد رفضه حدث قوي داخل التنظيم، وأيضا تغير الحركة من السرية إلى العلنية أو العكس، تحول التنظيم من السلمية إلى العنف أو العكس، المشاركة في الانتخابات، تحول التنظيم من الاعتماد على التمويل الداخلي إلى قبول التمويلات الخارجية، تحول التنظيم من البعد الوطني إلى البعد الدولي، كل هذه منعرجات يكون لها دور كبير في ازدهار التنظيم أو انشقاقه أو اندثاره.

والحقيقة أننا لا نرجو انقلاب عربة التنظيم في أي منعرج من هذه المنعرجات ليقيننا التام في القيمة المضافة التي يمثلها التنظيم داخل النسيج الاجتماعي والسياسي داخل القطر، لكننا نريد أن يسير التنظيم على القاطرة الصحيحة ويستوي على الجادة، ولن يتحقق ذلك دون تكريس آليات ديمقراطية داخلية تحسم التوجهات الكبرى للجماعة مع ميزة للإمام بما يحفظ تربية الاعضاء ورسوخ الجماعة وانضباط التنظيم على مبادئ الحكامة الادارية [1] والديمقراطية الداخلية [2] والتركيز على التربية خدمة للمشروع النبيل الذي وضعه الرجال السابقون بإحسان.

إن الحفاظ على قاطرة التنظيم من التردي في الهاوية الاخلاقية والتربوية لهو مسؤولية القيادة وحدها، وما دامت هذه القيادة راشدة سائرة على هدى من الله ونور منه فقد أفلت المؤمنون من الهلاك، أما إذا حدث خلل تنظيمي سمح للعناصر المريضة بالوصول إلى السلطة، فإن التنظيم لن ينتظر المنعرجات ليهوي إلى القاع بل سينعرج فورا إلى طريق الضلال، ولو سلمنا فرضا أن المؤمنون قد سلموا من الهلاك الظاهر فإن طريق الضلال لا يمكن أن يكون موصلا إلى الهدف الذي خرجوا من أجله ولو كان مفروشا بالورود، نكون حينها أمام حالة أسوأ من حالة الانقلاب في المنعرج والشهادة في سبيل الله، هي حالة تيهان وانحراف رغم ما يبدو عليه الامر من سلامة الظاهر، ضياع القلب وخراب المعنى وانقطاع الوصل بالله أشد وبالا وأكثر خبالا من هلاك الجسد.


📌 الهوامش

  1. [1] الحكامة الادارية هي الإدارة الجيدة والتدبير الجيد، كما أن المؤسسـات الدولية كثيرا ما تستعمل مبدأ الحكامة الجيدة من أجل تحديد سمات وخصائص الإدارة العمومية الجيدة التـي يمكن للدولة تبنيها للقيام بإصلاحات مرتبطة بعلاقتها بالمجتمع. وعلى ضوء هذا الاستعمال تبرز الصلة الوطيدة بين الحكامة الإدارية والتنمية البشرية. فهذا النمط من الحكامة جزء أساسي لا محيد عنه من خطط التنميـة الحديثة، واستراتيجية الحكامة الإدارية التي لا بد من الرفع بمبادئها ما هي سوى استراتيجية جزئية حتمية مـن استراتيجية أعم وأشمل هي الاستراتيجية التنموية المستدامة بكل جوانبها الاقتصادية والثقافيــة والاجتماعية والإدارية والعلمية، حيث تشكل هذه الجوانب المتنوعة والمتعددة كلا متكاملا تتداخـل عناصره وتترابط محاوره وتتشابك مكوناته في علاقات متبادلة منسجمة وتفاعلية. الحكامة التي أضحت حكامة جيدة، تلخص التراكمات والإغناءات في مجال تدبير الإدارة العمومية، وتعكس الإلحاح على ضرورات التقدم وشروط المسؤولية والفعالية للارتقاء بالخدمات والمجتمع.
  2. [2] تشير الديمقراطية الداخلية في الاحزاب السياسية والتي تعرف ايضاً بديمقراطية الاحزاب الى مستوى واساليب اشراك اعضاء الحزب في صنع القرار وتداوله ضمن الهيكلية الحزبية. وعادة ما تعرف الديمقراطية الداخلية بانها تخلق ممثلين أكثر مقدرة وتضمن ان الحزب سيكون قادراً على خلق سياسات وبرامج سياسية أفضل.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية