📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 13 من 77 — فهرس الكتاب
تحدثنا في المحور السابق عن ضرورة خلق جهاز قضائي داخل التنظيم الاسلامي، وفي هذا المحور نناقش القانون الذي يجب أن يعتمده هذا القضاء، وفي هذا المجال هناك مدرستان غربيتان رئيسيتان اضافة الى المدرسة الاسلامية، المدرسة الاولى هي المدرسة الانكلوسكسونية حيث أن القاضي يساهم في خلق القاعدة القانونية ويطبق قواعد السوابق القضائية، وأي قرار لمحكمة النقض العليا في هذا النظام يكون مُلزماً لكل محكمةٍ أخرى في البلاد، فعلى سبيل المثال يعد القتل جريمةً بالقانون وفق هذه المدرسة دون الحاجة إلى دعمه بتعميمٍ برلماني، إلا أنَّ البرلمان يستطيع تنقيح وتعديل القانون أو حتى إبطاله بما يناسب مصلحة المجتمع، ولذلك يعتمد القانون الإنكليزي والويلزي تولية القانون التشريعي على القانون العام عندما يتعارضان.
أما المدرسة الثانية فهي تُقيد القاضي بالنص القانوني الذي يصدره البرلمان، فلا يمكن للقاضي أن يحكم إلا بناء على نص تشريعي سابق، ولذلك نجد القضاء عندنا على غرار المذهب الفرنسي لا يتحرك يمنة ولا يسرة إلا بناء على النص القانوني، وهنا يتحكم البرلماني في القاضي ويملي عليه النص الواجب التطبيق سواء من حيث التجريم أو العقاب، ففي المدرسة الفرنسية لا يمكن تجريم الفعل إلا بناء على نص ولا يمكن العقاب إلا طبقا للعقوبة الموجودة في النص، والقاضي ملزم بتطبيق النص الذي يصدره البرلمان ويبقى له هامش ضيق جدا للمناورة بين ظروف التخفيف وظروف التشديد في المادة الجنائية، وله أيضا هامش ضيق في إطار الاجتهاد القضائي في المادة المدنية عند سكوت النص.
يمكن أن ندع الشريعة الاسلامية تدخل على الخط لمزيد من الاثارة الفكرية ونرى هل سيطبق التنظيم الاسلامي الشريعة الاسلامية داخل صفوفه، فما دام أنه تنظيم إسلامي أكيد أنه لن يتبع لا المدرسة الفرنسية ولا الانجليزية الغربيتين الغريبتين عنه وغالبا سيتبع الشريعة الاسلامية الاقرب إليه، لكن الحقيقة أن التنظيم الاسلامي يتقزز من كل شيء يمت بصلة إلى الشريعة الاسلامية ويعتبرها عارا يهرب منه لينفي عنه تهمة التخلف والرجعية، التنظيم الاسلامي إسلامي شكلا غربي قلبا، يدعم خارجيا القانون الوضعي على حساب الشريعة الاسلامية ويفضل داخليا الفراغ القانوني خوفا من محاسبة أي مسؤول تنظيمي.
فبما أن العلمانية القانونية تفرض نفسها داخل التنظيم الاسلامية سنحاول مناقشة الأمر في سياقه العلماني الذي يعجب إسلاميي ربطة العنق.
نكاد نميل إلى المطالبة بـإعداد نص قانوني سابق على إحداث جهاز قضائي بما أننا في حاجة إلى عدالة، هذا القانون لن يكون مائة بالمائة وفق الشريعة الاسلامية كما قلنا لنفور المسؤولين الاسلاميين من بعبع الشريعة الاسلامية لكن أكيد أن بعض مبادئ الشريعة ستكون حاضرة، هذا النظام القانوني لن يكون طبعا وفق النموذج الانجليزي لانعدام السوابق القضائية وانعدام اي تجربة قضائية سابقة وانعدام قُضاة أكفاء داخل التنظيم باستطاعتهم خلق القاعدة القانونية، بل سيكون عبارة عن نص قانوني ينبع من ضمير الأمة كما يقول رواد المدرسة الرومانية الجرمانية التي ينتمي إليها المذهب الفرنسي، وضمير الأمة في التنظيم الاسلامي هم أعضاؤه، فيجب انتخاب جمعية عمومية من جميع طبقات الهياكل التنظيمية يناط بها مهمة إرساء قانون داخلي ثم عرضه من جديد على قواعد التنظيم لتبدي رأيها فيه.
القانون يجب أن ينبع من الأمة ويعبر عن احتياجاتها لا أن يضعه المسؤولون في التنظيم، لكن بعض رجال القانون يميلون إلى انتخاب القضاة وفق النظام الانجليزي وليس تعيينهم من التنظيم كما هو الامر في النظام الفرنسي حيث يخرج القضاة من صفوف السلطة التنفيذية، إذ كيف يمكن الحديث عن قضاء مستقل تعينه سلطة تنفيذية، ولذلك كان تعيين القضاة وفق النموذج الانجليزي أفضل في نظر الكثير من فقهاء القانون، وبذلك قال منتسكيو، فالقانون النابع من الأمة يلزم لتطبيقه قضاة تثق فيهم الأمة وتنتخبهم الامة، طبعا إذا كانت أمة في المستوى وكانت الانتخابات تحيط بها ضمانات النزاهة.
قضاة إذن وقانون نابعان من الأمة الخاصة المسماة ولتكن منكم أمة وهم أعضاء التنظيم، ولم لا لجان صُلح تعمل وفق الشريعة الاسلامية قبل وصول النزاعات الشخصية بين افراد التنظيم إلى محاكم الدولة، حل سيرضي المسؤولين الكارهين للشريعة الاسلامية وسيرضي النساء خاصة داخل التنظيم الاسلامي الكارهات للشريعة التي توجب عليهن طاعة الزوج، فنساء الاسلاميين اليوم اقتنعن بالقانون الوضعي في شقه المتعلق بالأحوال الشخصية واقتـنعن بالمساواة بالرجال فلا طاعة عليهن لرجل واقتنعن بفكرة المرأة الواحدة لكل رجل، فإذا أراد الرجل الزوجة الثانية فمن حقهن الزوج الثاني وإذا خان فمن حقهن الخيانة، يعتقدن أيضا أن الارث يجب أن يتساوى، ويسرن في اتجاه أن المرأة مخلوق أسمى من الرجل ويجب أن تحصل المرأة على امتيازات قانونية إضافة إلى المساواة مع الرجل في حقوقه وتقاسمه أمواله والدخول تحت نفقته والاحتفاظ بأموالهن خالصة دون أي تدخل قانوني.
في جملة واحدة الشريعة الاسلامية قد ظلمت النساء والله سبحانه لا يفهم في النساء، وبالتالي فالشريعة متجاوزة حاليا ولا تصلح لنساء القرن الواحد والعشرين.
هل نتحدث عن ضغط الشباب والمنظمات الدولية في إطار العلاقات الدولية للتنظيم الاسلامي مع محيطه الدولي أم نكتفي بهذا القدر لنثبت أن الشريعة الاسلامية أصبحت متجاوزة، أظن أن الأمر محسوم لصالح القانون الوضعي ولا داعي للإطناب، إذن نكاد نتفق على ضرورة صياغة قانون وضعي داخل التنظيم الاسلامي تماشيا مع القوانين الوضعية التي سارت عليها الانظمة الحاكم التي نعذرها الآن على خياراتها التي كنا نلومها عليها سابقا ونعتقد أنها كافرة.
لكني ومع كل هذا التيار الجارف لا زلت من القلائل الذين يُعتبرون من الراديكاليين إن صح التعبير، فشخصيا لست مستعدا للتنازل عن حرف واحد من الشريعة الاسلامية التي أرى أنها يجب أن تسمو في تراتبيتها القانونية على القانون الوضعي الذي يجب أن يحتل المرتبة الثانية خلفها، إنني أعتقد جازما رغم تمكني من عديد من فروع القانون الوضعي بأن الشريعة الاسلامية تفوقت على القانون الوضعي في كثير من الموضوعات القانونية، خاصة منها الشق الاسري، فالشريعة الاسلامية بالنسبة إلي أكثر تناسبا مع خصوصيات المجتمع المسلم، وأرى أن القانون الوضعي قد دمر الاسرة وأفسد المرأة وخنث الرجل وشتت الطفل، والمشرع الوضعي والتنظيم الاسلامي يتحملان المسؤولية في هذا التخنث وهذه الوضعية المزرية التي وصل إليها الرجل.
نرجع إلى ضرورة وجود القانون الداخلي داخل التنظيم كضرورة وجوده داخل كل شكل من أشكال العمل الجماعي، ونقدم نصيحة أخوية إلى القيادة بالعمل عاجلا غير آجل على صياغة قانون داخلي واضح للجميع، كفى من الغموض والماء العكر، نريد أن يعرف كل منا حقوقه وواجباته داخل التنظيم، نريد قانونا يؤطر علاقات الافراد والمؤسسات داخل التنظيم، وليس هذا بالأمر الذي يهدد التنظيم، القانون الداخلي يجب أن يعرفه الجميع، لتكن مجلة داخلية توزع على الاعضاء يصدر فيها القانون الداخلي للتنظيم، أما التذرع بفضح التنظيم فلكي نكون واضحين فالعملاء يسرحون ويمرحون بكل طلاقة داخل التنظيم ولا أحد يحاسبهم، أما تنظيم الحق والقانون والمؤسسات فلن يهدم التنظيم في شيء، يبدو أنها مجرد ذرائع للحفاظ على الوضع والمصالح.
بعد إصدار القانون الداخلي للتنظيم يجب العمل على تنصيب مؤسسة قضائية بقانون داخلي خاص أيضا يحدد مهامها وعلاقاتها مع القيادة، روح هذا القانون الخاص هو استقلالية الجهاز القضائي، استقلاليته المالية والادارية وسموه على باقي مؤسسات التنظيم فلا يخضع لرقابة أحد أو وصاية أحد اللهم رقابة القواعد التي يجب أن تراقب عمل هذه المؤسسة وتعطيها صلاحية تغيير القضاة كل مدة معينة بناء على انتخابات شفافة ونزيهة لا يقترب منها التنظيم، هذا الأخير يجب أن يغلق فمه أيضا تجاه كل قرارات القضاة ويحترم قراراتهم القضائية وإلا تعرض لعقوبات إدارية أقساها الحل وإعادة انتخاب الكوادر المسيرة للتنظيم من جديد.
هذا القانون وهذا القضاء شيء مخيف للتنظيم، قضاء بهذا الحجم من الاستقلالية والسلطة والقوة داخل هيكل التنظيم سيكون سيفا على رقبة مسؤولي التنظيم، أمر مفزع فعلا لتنظيم اعتاد السرح والمرح بين المؤمنين كيفما يشاء، القانون والمؤسسات القضائية سوف تحد من الشطط في استعمال السلطة وسيُخندق المسؤول التنظيمي داخل دائرة ضيقة من الرقابة والمحاسبة والشفافية ولن يجد المجال لمراوغاته التنظيمية الحقيرة، تضييق الخناق على التنظيم سيعود نتاجه على التنظيم ككل بالخير والسير إلى الامام، سيصلح الكثير من الاشكالات التي تعرقل السير، وسيطمئن الكثير من الاصوات الحرة المبحوحة، وسيرطب الكثير من القلوب المجروحة.
الضربة التي سيتلقاها التنظيم في جبروته التنظيمي وفرعنته الداخلية ستكون نتائجها باهرة على مستوى التربية والدعوة، وسوف يكون نموذج التنظيم الاسلامي في شقه المتعلق بالوضوح والحفاظ على الحقوق والكرامة مساعدا للناس على الانخراط فيه، أما أسلوب الدولة الدينية المقدسة فقد أثبت فشله في كثير من الدول والتنظيمات، وهو بالعقل فاشل قبل أن نراه واقعا، فلنا عقول ترى أن المستقبل للحرية والكرامة والعدل والقانون والمؤسسات، ولا مجال مستقبلا لدكتاتورية التنظيم باسم الدين.
اترك تعليقاً