📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 15 من 77 — فهرس الكتاب
لا نتحدث عن الجهاد بالقنابل والمدافع الرشاشة رغم أنه جهاد في موطنه، في موطنه وبشروطه، فالجهاد المسلح له حالات وشروط وضوابط شرعية وإلا انقلب إلى فتنة تحرق الأخضر واليابس، أقول هذا في وجه الزبد الذي حلق لحيته المعنوية وصار أشبه إلى النساء منه إلى الرجال الذين لا يستبعدون أي شيء من قاموس الجهاد، لست أدعو إلى الجهاد المسلح حتى لا ينصب لي ثعالب الاسلاميين والعلمانيين فخاخ الدعوة إلى العنف، لكنني أشير إلى عهد قريب قاوم فيه الرجال الاستعمار بالسلاح فأخرجوه ذليلا، ولا عزاء لأصحاب الانبطاح على حساب الرجولة، على أن في زمن الفتنة يكون السلاح غير صالح للاستعمال لاختلاط الحق بالباطل، هذا الاختلاط لا يصلح معه إلا سلاح التعليم والتربية وتسليط الاضواء الكاشفة حتى يتكشف الخيط الابيض من الاسود.
رغم حمولة الجهاد الدموية إلا أن للجهاد مفهوما آخر غير ما هو متصور لدى عامة الناس وخاصتهم من المتلونين بتلاوين الحضارة الغربية ذات الاخلاق الزائفة، يقرنون الجهاد بالإرهاب، لا نريد الخوض في تفاصيل تضيع فيها الحقائق لكننا نشير إلى المفهوم الواسع للجهاد، وأول مفهوم للكلمة هو مفهوم المكابدة والمصابرة والاقتحام، فالجهاد أول ما يوحي به هو تحمل الاعباء ومكابدة المصاعب واقتحام العقبات، الجهاد كلمة أقرب إلى العرق الدائم، تعرق في سبيل الله وليس في سبيل أي شيء آخر، فالجهاد جمع بين المكابدة مع النية الخالصة لله، فهو جهاد في سبيل الله، وعندما يصير الجهاد في سبيل النفس أو في سبيل التنظيم أو المسؤول أو المال أو المنصب أو النساء [1] لا يصبح الأمر جهادا، بل هو معاناة كما يعاني جميع البشر في سبيل تحقيق أهدافهم الدنيوية.
المعاناة المعاناة، المكابدة المكابدة، هي روح التنظيم الاسلامي، من القيادة إلى القاعدة، وعندما يترهل التنظيم يكون قد دخلت أوصاله ثقافة الرخاوة، واعتاد مسؤولوه الفطور بالشكولاتة وختم يومهم بالآيس كريم، سيارات فارهة تقف أمام باب المسؤول، وأعناق من تحته من المسؤولين مشرئبة إلى سيارة مماثلة، حياة رغدة مترفة وأبناء حنونون يتمرغون في النعم، اللهم لا حسد، لكني لا أتصور نصرا يأتي من تحت يد هكذا مسؤولين، إنهم يزرعون ثقافة الترهل والاستكانة إلى الدنيا في التنظيم، بينما مظاهر التقشف والاخشيشان هي ما يجب أن يميز المجاهد داخل جماعة المؤمنين.
هذه الرخاوة المنظمة يتم الترويج لها في القواعد [2] ويجعلونها أصلا مؤصلا حتى يزول العار من على عاتق المسؤولين، وهم بذلك يرتكبون جريمة فكرية في حق الدعوة، يحولون وجهة السباق من ميدان الجهاد في سبيل الله والقرب من الله إلى ميدان المزايدات المالية والتنافس على الدنيا والتطاول في البنيان، أكيد أنهم يلعبون بالدين عندما يغطون عورتهم التربوية هاته ويستعملون أحاديث في غير سياقها ومقولات مستوردة جديدة تنص على التوسع في الدنيا كي لا نخسر أصدقاءنا السياسيين ونظهر أمامهم بمظهر التحضر.
ما هذا يا حبيبي؟ ما هذا يا ساعيا نحو الخلافة الثانية؟ هل ستفسد أخلاق أمة من المؤمنين كي تربح حفنة من السياسويين الفاشلين؟ بئس البيع وهزلت الصفقة.
لقد انتشر العيش الرغد بين المسؤولين التنظيميين وانحرفوا عن الجادة، وأصبح المال غاية تدرك لا وسيلة تستعمل، أصبح معيار الترقي في المسؤولية هو المنصب والمال والعلاقة، والكارثة أن معيار الصلاح والقرب من الله اصبح أيضا هو المال، فكلما كنت ذا مال كلما كان ذلك تنظيميا علامة على ولايتك وعلى توفيق الله لك وكمال تربيتك، هذا الانحراف في صفوف المسؤولين سبب انحرافات كثيرة لمن هم أدناهم، لقد تغيرت الوجهة من الوجهة إلى الله نحو الوجهة إلى الدنيا، فبعد أن كان الاسلاميون أغلبهم يتحدث عن الدنيا كأنها كلب أجرب، أصبحوا الان يتباهون بمن أوتي حظا كبيرا منها، وقد وقفت على حالات كثيرة أكلت الدنيا فيها من كنا نظنهم يوما أنهم من أولياء الله الذين تخلصوا من الدنيا وأخلصوا دينهم لله، لكنني تفاجأت بعكس ذلك، وأيقنت أن التخلص من حب الدنيا ليس بتلك السهولة، وأن حياة الرخاوة يصعب التخلص من حلاوتها ويصعب معها بناء رجال مجاهدين.
الجهاد مجاهدة للدنيا، مجاهدة للنفس، مجاهدة للشيطان، مجاهدة للهوى، مجاهدة لأعداء الله، مجاهدة لانحراف المسؤولين داخل التنظيم الاسلامي المنوط به إحداث تغيير سياسي وأخلاقي في المجتمع، مجاهدة للاستبداد السياسي في بلاد المسلمين، مجاهدة للاستكبار العالمي، الجهاد فلسفة حياة، وطريقة عيش، ونمط تفكير، وأسلوب تعامل، ونتيجة ذلك الشهادة في سبيل الله، شهادة تتوج الجهاد عندما تنمحي الذات وتفنى النفس ويبقى وجه ربك ذي الجلال والاكرام، فغاية الجهاد بعد المجاهدة والصبر والعناء والمعاناة هو إفناء الذات والبقاء بالله، ولا عبرة هنا بالجسد، فالشهيد إما أن يكون شهيد معركة فيندثر جسده هنا وتصعد روحه هناك وإما أن يكون شهيد الطريق إلى الله، حيث يبقى الجسد حيا ويموت المجاهد معنى، يفنى عن الناس وعن نفسه، فيبقى مسيرا بالله، يمشي بالله، لا يتعامل بالشريعة إلا ظاهر القول، تسيره الحقيقة، وتُعنى به القدرة الالاهية، فهو ميت الأنا، حي الظاهر، طريح طريق الله، حتى إذا أنهض الله معناه أكمل المسير والتقت روحه بالأرواح الفانية في الله في الحضرة الالاهية، ولشهيد الجسد أيضا مسيرة أخرى يكملها هناك، فعمله لا ينحصر، وسريان حسناته لا يتوقف، وسمو روحه لا يفتر، وارتفاع مقاماته لا ينقطع، حتى جرحه لا يندمل، يسيل دما إلى يوم القيامة.
الشهادة إذن تاج الجهاد، وذروة سنام المجاهدين، بها فاتوا المسلمين والمؤمنين، المجاهدون زبدة المسلمين وعصارة المؤمنين، فمقامهم إلى جنب الصديقين والانبياء، ضحوا بالنفس والمال في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، فازوا في امتحان الدنيا [3] وسبقوا إلى الاخرة، خاضوا ميدان العمل وتركوا ميدان الزهادة للزاهدين وميدان الدنيا للغافلين، تركوا الضعفاء مع ضعفهم والمساكين مع فقرهم والمخلفين مع جبنهم والمنافقين مع شقاقهم، لم يفوتوا فرصة البيع مع الله فوضعوا أموالهم وأنفسهم في كفة الله، تاجروا مع الله، فقبل الله البيع وتم الشراء ونجحت الصفقة، جهادهم كان قلبا على النية وأرضا في ميادين مقارعة الباطل، قوم التحقوا بالرعيل الأول من الصحابة الذين وضعوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يملكون وناصروه ونصروه وماتوا بين يديه.
نالوا الخير الذي لا يتوقف والفضل الذي لا ينقطع، تركوا أصحاب الحساب لحسابهم، وضعوا كل شيء بيد الله ولم يستبقوا لأنفسهم شيئا، لذلك فَضلهم الله على غيرهم من القاعدين الذين استحلوا الكلام في المقامات وتمتعوا بحلاوة الايمان في الخلوات، المجاهدون ولجوا باب الكريهة وأرغموا النفس على ما تكره من مشاق الجسد والقلب، بينما المسلمون وقفوا مع الفرائض ووقف المؤمنون مع التزكية الفردية، أما المجاهدون فدخلوا على الله من كل باب، هجموا على الله فاستقبلهم خير استقبال، مَن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن جاءني مشيا أتيته هرولة [4].
لكننا نتساءل، هل مسؤولو التنظيم الاسلامي مجاهدون فعلا؟ كثيرا ما كنا نسمع من المسؤولين أنهم مجاهدون، وعندما نرى خللا في التربية أو العبادة نستنكر ذلك فيقال لنا لا بأس إنهم مجاهدون، نرى فراغ قلوب أصحاب التنظيم من الرحمة فيقال لنا إنهم مجاهدون، نرى غلظة أفعالهم في حق المؤمنين فيقال لنا إنهم مجاهدون، نرى برودة حديثهم عندما يتحدثون عن المعاني التربوية فيقال لنا إنهم مجاهدون، نرى رفاهية عيشهم فيقال لنا إنهم مجاهدون [5]، نرى مكرهم وضحكات استهزائهم بالضعفاء فيقال لنا إنهم مجاهدون.
واضح أن مسؤولي التنظيم يلعبون بالدين لعبا مفضوحا، لقد صادروا كلمة الجهاد وارخوها عليهم ونفوها عن بقية عباد الله، حتى عندما يستشهد بعض المجاهدين تراهم يحتقرون المجاهدين ويقللون من جهادهم ويـبخسونه قائلين إن هذا الجهاد الاصغر وهذه الشهادة الملطخة بالدم ليست شيئا صعبا ولا تستحق الذكر، فالجهاد الحقيقي هو قيادة التنظيم، والمجاهد هو حصريا المسؤول التنظيمي، واحيانا اخرى رأينا كيف يتم أحيانا الطعن حتى في نية المجاهدين بدعوى أن ليس لهم شيخا، التنظيم يفتخر أن له شيخ، وأن مجرد العمل القليل يرفع المسؤولين إلى أعلى درجات الشهادة دون أي قطرة دم، أي نعم ممكن، لكن الشيخ لم يقل ان تبخس الناس اشياءهم، ولم يقل أن تركب الفاره وتأكل ما لذ وطاب وتنام حتى الصباح ثم تدعي الجهاد.
الحقيقة انقشعت عندما ارتفع الشيخ إلى الرفيق الاعلى فانكشفت الساحة عن مسؤولين هم أكثر الناس تشبثا بالحياة وفرارا من الشهادة، صار الجهاد كلاما يُلاك ودعوى ترفع بدون أساس، صارت الشهادة غباء والشهداء مغفلون، تميع الجهاد واستُحقرت الشهادة، وتصدر المشهد أصحاب الدنيا الذين عرفوا من أين تُؤكل كتف المناصب، لم يعد للجهاد معنى وسط ربطات العنق الماكرة والابتسامات الصفراء التي تركب سيارات الدفع الرباعي وتلقي عليك التحية في احتقار، فهمنا اليوم أن الجهاد مقام في الدين لا يبلغه إلا المصطفون الاخيار الذين اجتباهم الله لمنزلة الشهادة فوفقهم إليها وسخر لهم سبل الجهاد كي ينالوها، أصبح واضحا أن الجهاد كلمة يشمئز منها التنظيم الاسلامي الذي وجد له نوتة نغم وسط جوقة دين الانسانية من حقوق المرأة وحقوق الحيوان وحقوق بيض الكمبري.
إننا لا ندعو إلى الجهاد المسلح لكننا لم نعتقد أن الأمر سيصل يوما إلى هذا التخنث.
أصبح مسؤولو التنظيم يهمسون بكلمة الجهاد في خفوت كي لا يسمعهم أحد فينعتهم بالرجعية، بينما انبرى الفاهمون قليلا الآكلون من موائد التنظيم للبحث في كتب القوم عن مخرجات ثقافية تقضي نهائيا مع كلمة الجهاد وتاريخها السياسي المفزع وتؤسس للغة جديدة لا تستعمل المصطلحات الثقيلة، ومنهم من شرع يلين من الجهاد بإضافة مستملحات ثقافية عليه ليضحك الناس من الجهاد، تمييع، ثم أصبحت تطلق كلمة الجهاد على المهمات السهلة البسيطة، تمييع، إنها جريمة مفاهيمية وضربة في الصميم إلى قلب الدعوة تتجاوز بكثير الاخطاء التنظيمية الاخرى ذات البعد الفردي، فاللعب بالمفاهيم الأصولية التي هي روح الدين الاسلامي جريمة ليست كباقي الجرائم العادية، إنها جريمة منظمة ودقيقة تصيب روح الإسلام في مقتل، فإذا بنا أمام شباب إسلامي حداثي مترهل لم يعرف تاريخ المسلمين مثيلا لترهله كأنه تربى في باحة الجمعيات النسائية، وشيوخ شابوا في التنظيم أشبه بعمرو بن العاص.
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَتَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقَالَ: يا أميرَ المؤمنينَ! عائِذٌ بكَ منَ الظُّلْمِ! قَالَ: عُذْتَ مُعَاذاً! قَالَ: سابقْتُ ابنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَسَبَقْتُهُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُنِي بِالسَّوْطِ ويقولُ: أنَا ابْنُ الأَكْرَمينَ! فَكتَبَ عُمَرُ إلى عَمْرو يَأْمُرُهُ بالقُدُومِ وَيَقْدُمَ بِابْنِهِ مَعَهُ، فَقَدِمَ، فقَالَ عُمَرُ: أيْنَ المِصْرِيُّ؟ خُذِ السَّوْطَ فَاضْرِبْ. فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِالسَّوْطِ وَيَقولُ عُمَرُ: اِضْرِبْ ابْنَ الأكْرَمِينَ! قَالَ أنَسُ: فَضَربَ! فوَاللَّهِ لَقَدْ ضَرَبَهُ وَنَحْنُ نُحِبُّ ضَرْبَهُ! فَمَا أَقْلَعَ عَنْهُ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ يَرْفَعُ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ لِلْمِصْرِيِّ: ضَعْ عَلَى صَلْعَةِ عَمْرو! فقَالَ: يا أَميرَ المُؤْمنينَ! إِنَّمَا ابْنُهُ الَّذِي ضَرَبَنِي، وَقَدِ اسْتَشْفَيْتُ مِنْهُ! فقَالَ عُمَرُ لِعَمْرٍو: مُذْ كَمْ تَعَبَّدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْراراً؟ قَالَ: يا أميرَ المُؤْمنينَ! لَمْ أَعْلَمْ وَلَمْ يَأْتِنِي! . [6]
لن نعلق كثيرا على الرواية، يكفينا أن الصحابة تمنوا أن يُضرب بن العاص وابنه، "فوَاللَّهِ لَقَدْ ضَرَبَهُ وَنَحْنُ نُحِبُّ ضَرْبَهُ"، كما نلاحظ الطريقة التي يتم بها صنع الاستبداد والظلم وقهر الناس واستعبادهم، كل ذلك من منطلق الجهاد عندما يتصدره من هم ليسوا في مقام الجهاد، فيقلبون الجهاد في سبيل الله إلى جهاد في سبيل المصالح الشخصية والعائلية والنعرات القبلية، ابن العاص هنا كان في مهمة جهادية وهي فتح مصر والسهر على تدبير أمورها الادارية والدعوية لكنه أخلف الوعد، نورد هنا قصة أخرى لنعلم كيف يتصرف دعاة الجهاد اللاعبين بدهاء بمفاهيم الجهاد وكيف يقلبون الحقائق الجهادية بمكر.
قال الحسن البصري: " أفسد أمر هذه الأمة اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، وَالمغيرة بن شعبة حين أشار على معاوية بالبيعة ليزيد، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة" [7]، فعمرو ابن العاص حسب الامام حسن البصري أفسد الأمة يوم أشار بدهاء على معاوية برفع المصاحف حين رأى خوار جيشه الذي يزعم الجهاد أمام الجهاد الحقيقي للإمام علي، ولولا هذه الحيلة لاستأصل علي شأفة الفتنة، وقد فطن علي إلى الخدعة لكن لا رأي لمن لا يطاع.
خدعة وحيلة ماكرة ما تزال سارية إلى يومنا هذا عندما يرفع في وجهك بخبث المسؤول التنظيمي مصحف جهاده، ثم يبزغ خبثه أكثر ما يكون الخبث عندما يحصر الجهاد في نفسه وجوقته من المطبلين له الدائرين في فلكه الراكعين لسلطته، يرفع في وجهك مصحف الجهاد ليفلت بجلده، ثم يهلك الامة بعد ذلك كما أهلك بن العاص الامة قبله، ذرية بعضها من بعض.
دورنا هنا أن نؤكد على ضرورة عودة الروح الجهادية إلى التنظيم الاسلامي الذي يحمل مشعل الأمة الاسلامية على كاهله، وأول مظاهر الروح الجهادية الاخشيشان، قال رجل عرف الجهاد والمجاهدة: " تمعددوا واخشوشنوا، فإن الحضارة لا تدوم"، إنه عمر ابن الخطاب الذي يرى أن الاشخاص المترهلين لا يصلحون للجهاد ولا للسيادة ولا للتنظيم ولا للدولة، سرعان ما ينهار تنظيمهم ودولتهم، ضُعف أجسادهم ونعومتها النسوية وتخنثهم يؤدي إلى اعتمادهم على المكر والخديعة وأفعال النساء وعدم الوقوف على أمور التنظيم بالقوة والامانة المطلوبة، بينما التنظيم الذي تسري فيه روح الاخشيشان يكون بأخلاق الاسلام وشهامة الأشاوس وشراسة الاسود وتواجهية الرجال، فمؤسسات التنظيم يجب أن تكون عرين أسود لا أوكار عهر سياسي يجتمع فيه المخنثون.
الجهاد هو نتيجة التربية والتنظيم، فالخلل في التربية والتنظيم ينتج عنه فشل الجهاد، فشله ماديا وفشله معنويا خذلانا من الله، وإذا كان للتربية نتيجة أخرى هي بلوغ الكمال الروحي فإن التنظيم لا نتيجة له سوى الاعداد للجهاد والشهادة، وعودا على بدء يكون النصر سببا لإعادة بناء مؤسسات التربية على أوسع نطاق وفق المدى الذي حققه الفتح، فما النصر إلا نصر الدعوة وما الجهاد إلا وسيلة للنصر للتمكين لدين الله والتمكين لأولياء الله خلفاء الله في الارض، فمتى زاغ المجاهدون عن الجادة كما زاغ بن العاص ومعاوية انهار الجهاد [8] وفشلت التربية وطغى التنظيم وطلع عليها جيل فاسد ثم استبدل الله قوما غير القوم [9].
نشير هنا إلى التربية لكننا نضع الاصبع على الصحبة كمفتاح للتربية ومفتاح تبعا لذلك للجهاد ككل، روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم". 30
هنا الفتح بالرؤية، لكن الرؤية في اصطلاح القوم تعني رؤية المحبة، تعني رؤية الكمال في المصحوب، تعني التشرب القلبي والتمثل الواقعي والصحبة الروحية والتلمذة والمعاشرة، تعني التصاق الهمة بالهمة ثم الاتباع خطوة خطوة، الرؤية التي يقصدها الحديث الشريف ليس فقط الرؤية المجردة، اللهم في حالات خاصة تكون العلاقة الروحية قائمة في الخفاء فتفجرها الرؤية تفجيرا، فتكون مجرد الرؤية الواحدة كافية للفتح الاعظم والنصر المبين.
وبذلك لا يكون الفتح للمجاهدين إلا امتدادا قلبيا للنصر الكبير الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصر متكرر متمدد مستمر غير منقطع، ولا نصر غير نصر رسول الله، فهو المنصور بالله، وصحبته صحبة لله، فأنهار الصحبة كلها تنتهي في رسول الله، وبحارها تجتمع في الحضرة الالاهية، فمن هناك يأتي النصر، ومن هناك يخرج الفتح، دعني من الدواهي، فلم يكن النصر يوما مرتبطا بدهاء أحد، ولو كان كذلك لكان معاوية خليفة الله، لكنه ليس كذلك، معاوية خليفة نفسه وخليفة آل أمية، معاوية ملك وليس خليفة، ونصره هزيمة للأمة وليس فتحا لها، وجهاده وفتوحاته بعد ذلك ليست سوى ذر للرماد في العيون، هي أقرب الى الاستعمار منها إلى الفتوحات، فالفتح فتح القلوب لا فتح البلدان، الفتح إعلاء لكلمة الله لا إعلاء للأشخاص، إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، النصر عزة بالله ونصر لرسول الله، ومن يقول غير ذلك فهو عدو لله، لاعب بالدين لتحقيق أهواء نفسه الساقطة.
وعلى ذلك فإذا كان الخلل في التربية باديا فإن توقف الجهاد لازم، ريثما يتم إصلاح النية والقصد والأساس التربوي الذي يقوم عليه رجال القومة، نفس الامر بالنسبة للتنظيم، فإصلاح التنظيم وبناؤه على أسس العدل والاحسان ضرورة من أجل استقامة القومة على المنهاج النبوي، ضرورة لازمة كي لا يعود الجهاد بنتائج عكسية، جهاد بلا تربية خراب للبلاد والعباد، وأول ما تتجلى التربية تتجلى في التنظيم داخليا، فحيثما رأيت تنظيما جبارا على أعضائه، خوارا في سياساته، ظالما في قراراته، طاغيا في تصرفاته، فاعلم أن هذا الجهاد نسخة مزيفة لا يراد بها وجه الله.
وإذا كانت الصحبة، صحبة أولياء الله هي المفتاح، فإن الزاد هو ذكر الله، والسيف هو الصدق، أخرج ابن أبي الدنيا حديثا مُرْسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي أهل المسجد خير؟ قال: " أكثرهم ذكراً لله عز وجل". قيل: أي الجنازة خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل". قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل" قيل: فأي الحجاج خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل". قيل: وأي العُبَّاد خير؟ قال: " أكثرهم ذكرا لله عز وجل". [10]
واضح أن أفضل المجاهدين أكثرهم ذكرا لله، ذلك أن ذكر الله قوة روحية وعقلية، قوة روحية تحرق شياطين العدو وتقوي عزيمة المجاهد ليخرق بها السماوات والاراضين، وهي قوة عقلية أيضا، فبذكر الله تفتح مغاليق العقول، وتستنير الفهوم، فالغافل شخص مطموس والذاكر لله شخص فطن، يرى بنور الله وله ضياء وكشف ونور يلقي به على الضباب فينقشع ويرسله على رقعة المعركة فيعرف سبل التحرك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه وهم في جهاد: "سبق المفردون" قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات". رواه مسلم عن أبي هريرة.
جهاد مفتاحه الصحبة وزاده ذكر الله وسيفه الصدق مع الله، ولنا عودة إلى الصدق.
📌 الهوامش
- [1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.
- [2] " لا تحسب أن الحب في الله المقبول عند الله، الذي يتقرب به إلى الله استراحة وتبادُل وُدّي للعواطف في مجالس الرخاوة والبطالة، بل لِلْحُبِّ في الله مُقتضيات وواجبات أدناها إماطة الأذى عن طريق من تحبهم في الله، وأعلاها مواجهة الـمُبْغَضين في الله في صف الأحباب في الله حتى الاستشهاد.". كتاب "الإحسان"ج-1.ص191
- [3] " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" سورة الملك.
- [4] يقول النبيُّ ﷺ في الحديث القدسي: يقول الله جلَّ وجل: مَن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومَن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ خيرٍ منه، ومَن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومَن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً.
- [5] ". . فإذا لم يكن المحسنون هم الذين يتكلمون ويتحدثون عن العدل، هم الذين يخططون للعدل، هم الذين يقودون مسيرة إقامة العدل في الأمة، هم الذين يعيشون فعليا مع المستضعفين فيشعرون بما يشعر به المستضعفون، سيكون نشدان العدل من أعلى نوعا من دكتاتورية طبقة من الطبقات، وهذه الطبقة تحمل شعارات العدل، لكنها تعيش في بحبوحة بينما يعيش المستضعفون في فقر، وبالفعل هذا ما حدث في روسيا التي كانت تنادي بدكتاتورية البروليتاريا." عبد السلام ياسين، حوار شامل، صفحة 64.
- [6] أخرجه ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر وأخبارها، ص: 183
- [7] السيوطي رحمه الله في «تاريخ الخلفاء»
- [8] " يوغل في الوهم والغرور من يظن أن الخارجين من المسجد لتطهير الساحة هم ملائكة نازلون من السماء، بارئون من كل عيب". محنة العقل المسلم، ص109.
- [9] " هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" محمد 38
- [10] وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العباد أفضل وأرفع درجة عند الله يوم القيامة؟ فقال: "الذاكرون الله كثيرا". قيل: ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما فإن الذاكر لله أفضل منه درجة". أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري.
اترك تعليقاً