📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 24 من 77 — فهرس الكتاب
الاختلال في مؤسسة الطاعة لا يكون فقط في اتجاه العبودية، بل قد يجنح متطرفا نحو الاتجاه الآخر وهو الانقلاب، والانقلاب نوع من الغدر وعدم الانضباط، الانقلاب فن يُـتقنه دهانقة التنظيم ويمارسونه بحرفية كلما اقتضت ضرورة المصلحة ذلك، والانقلاب له علوم وفنون وطرق عديدة وأساليب مختلفة وغايات متعددة وتقنيات خاصة وأهداف كثيرة، فهو قد يشمل الافراد في مختلف مستويات التنظيم، وقد يطال مؤسسات تنظيمية بأكملها، كما أنه مُتصور أن يقوم به فرد وقد تُخطط له وتنفذه مؤسسة، وبذلك يكون نطاق الانقلاب شاملا لجميع الافراد والمؤسسات داخل التنظيم ابتداء من المرشد العام إلى نقيب الاسرة مرورا بقطاعات كثيرة.
إن الطاعة في حالتها الطبيعية هي قوام التنظيم وفكرته الاساسية، فلا جند دون طاعة، ولا نظام دون طاعة، ولا تنظيم دون طاعة، ولا مجتمع دون شعب ينطاع للحق والقانون، لكن قبل الطاعة هناك مسطرة يجب سلوكها لتقوم الطاعة على أساس غير فرعوني، وهي فلسفة النظم الديمقراطية التي تحترم الانسان ولا تستعبده، لكن ورغم ذلك تبقى الطاعة مؤسسة فكرية ضرورية خاصة في مواجهة تلك العناصر المريضة التي تتسلل إلى التنظيم لقضاء مصالحها الشخصية، هذه العناصر الوصولية لا تستحمل الطاعة بل تستقذرها لحاجة في نفسها وهي الوصول الى السلطة، إنها تنظر دائما إلى المسؤول نظرة عدوانية وترى كل قرار يتخذه المسؤول ضربا في أطماعها، شخصيات لا تحتمل الانصهار في الجماعة، بل تبقى فريدة منعزلة دائما تخطط لمصالحها ولا تطيع الاوامر إلا على مضض متربصة ريثما تحين ساعة الانقلاب.
الانقلاب بالنسبة إلى هذه العناصر المريضة هو أسلوب حياة، دائما من انقلاب إلى انقلاب.
لابد أن نشير هنا إلى أن هذا المرض لا يعني في عمقه بذور الحرية، بل هو دليل على عبادة النفس وفساد الضمير، الحرية جميلة دون انقلاب والطاعة ضرورية دون استعباد، ولكل نطاقه وحدوده، وبينهما برزخ لا يبغيان، فالعناصر الصالحة تذوب مع إخوانها وتستحلي طاعة الله والرسول دون الوقوع في عبودية البشر والخنوع الذليل للمسؤول، عناصر تمُيز جيدا بين الطاعة بالمعروف الخالصة لوجه الله والطاعة العمياء بالمعنى الإمعي العبودي، فهناك شعوب تعشق الحرية وتموت من أجلها، فترسي بلدانها على خط الديمقراطية والحرية والازدهار والعزة، وهناك شعوب ذليلة حقيرة خنوعة تستحلي الركوع فتؤسس بلدانها على ثقافة الركوع، وهناك شعوب مارقة تعشق الانقلابات، لا يعجبها أمير ولا تطيع زعيما، تنادي دائما بالإصلاح حتى إذا قام فيها شريف غدروا به، شعوب مريضة عاشقة للتنطع والتسيب، فهي في قاع الأمم لا محالة. كل أمة تعيش بما كسبت أيديها.
أما التنظيمات ففي كل تنظيم نماذج من هذه الحثالة الانقلابية التي تمص خيرات التنظيم وهي مستعدة في نفس الآن لتقلب الطاولة على الأمراء ولو كانوا صالحين، أخطر ما في الأمر أن هذه العناصر تتكتل أحيانا وتشكل لوبيات موازية للتنظيم تلعب برؤسائه من بعيد، ثم تضغط كل حين لتنفيذ برامجها غير المعلنة، فالصالحون داخل التنظيم مستهدفون دائما، سواء كانوا أعضاء أم مسؤولين، في الحالة الاولى مستهدفون بالتركيع والاذلال والتسخير للمصالح الشخصية والخندقة، وفي الحالة الثانية مستهدفون بالانقلاب أو لوي الذراع بوسائل الضغط غير المباشرة، وقد تلتقي هذه العناصر فتمارس الاكراه على من تحتها والانقلاب من فوقها، هنا فقط يجب أن يعمل سيف الفصل عمله لا أن يستعمل انتقاما من الدراويش عند زيارة ولي صالح أو رغبة في زوجة ثانية أو إسكاتا لصوت ينظر بأفكار مختلفة.
الفصل كعقوبة تنظيمية مجاله هو أمثال هذه العناصر التي تُعشعش داخل التنظيم وتخربه ذات اليمين وذات الشمال ومن فوقه ومن تحته، لكن كيف للتنظيم أن يحارب الانقلاب وقيادته انقلابية، ثم كيف يحارب الانقلاب في ظل ثقافة الخنوع للمسؤولين، لن يستطيع التنظيم الانتباه إلى هذه العناصر الخطيرة إلا إذا كان يمتلك آليات تنظيمية قانونية ومؤسساتية تضمن حرية التعبير داخل الصف ثم أجهزة قضائية تستمع من الطرفين وقانون لا يُحابي أحدا، دعني من الذين يقولون بأن الآن لم يحن، لا يا سيدي لقد صبرنا عشرات السنين على طغيان المسؤولين، فكفى من التأجيل، لقد كان الصمت ضرورة ريثما يقف التنظيم على قدميه، لقد وقف التنظيم الان على رجليه ومشى وجرى وذبح الناس وطحن الكثير، يكفي إذن، فقد آن الاوان لخلق أجهزة قضائية في أسرع وقت لأنه في حالة النكوص عن إقامة العدل داخل التنظيم فإن طغيان المسؤولين سيزداد، الوقت لا يرحم، والنتيجة أن هذا التنظيم سينهار على أم رأس قادته وتابعيهم.
لقد حان الوقت للضرب بأيدي من حديد على رؤوس الفسدة داخل التنظيم وإيقافهم عن حدهم كي تكون للمطالبة الخارجية بالعدل مصداقية ومعنى، فاقد الشيء لا يعطيه، ولا أتصور تنظيما يغزوه الظلم من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بمقدوره إحقاق الحق يوم يسيطر على مفاصل الدولة، سيقوم بنفس الامر، سيستحلي حالة الطوارئ الدائمة [1] ويقهر هذا ويفصل ذاك ويظلم الناس مُدعيا أن الوقت لم يسنح لإحقاق الحق، سيطلب مزيدا من الوقت حتى تقوم الدولة على قدمين، وفي تلك السنوات سينتشر الفساد وتتمكن القيادة ويتمأسس الظلم بنفس الطريقة التي انتشر بها داخل النظام المنهار.
نرجع إلى الانقلاب، هل هو تصرف كائن فعلا داخل التنظيم الاسلامي؟ وهل يُتصور داخل تنظيم يطمح إلى إقامة الدولة الاسلامية أن يكون الانقلاب شيمة المسؤولين فيه؟ دعونا أولا نشرح مفهوم الانقلاب ونعطي له دلالات واضحة ثم نقوم في خطوة ثانية بإسقاط المفهوم على واقع التنظيم الاسلامي الذي عرفت.
يُعرف الانقلاب على أنه حركة سياسية أو تنظيمية ينتج عنها إزاحة سلطة حاكمة بفعل مجموعة تنتمي إلى نفس السلطة، فإذا وصلت هذه المجموعة إلى السلطة سمي الامر انقلابا، وفي الانظمة السياسية غالبا ما يقود الانقلاب مجموعة تنتمي إلى العسكر، هذا هو النمط الكلاسيكي للانقلاب، فيستخدم الجيش القوة المسلحة وينقض على السلطة ويحتل مقر الاذاعة والتلفزة الرسمي ويذيع خبر انتقال السلطة إلى قيادة الجيش، على أن الفكر المعاصر يضيف بعض الانقلابات المدنية التي توصل الحركات الفاشية الى السلطة ويعتبرها انقلابات، والعنصر المميز هنا بين الانقلاب والثورة هو عنصر الزمن، فالثورة تأخذ سنين وربما عقودا، بينما الانقلاب يكون بين ليلة وضحاها، فعنصر المباغتة أمر حاسم في لعبة الانقلاب، إضافة إلى أن الثورة تقع من خارج المنظومة، بينما يقع الانقلاب من داخلها.
نتحدث هنا عن انقلابات سياسية في الدول [2] وليس انقلابات تنظيمية، والدول العربية نموذج للانقلابات العسكرية خاصة في القرن العشرين الذي عرف عشرات الانقلابات العسكرية على امتداد الوطن العربي [3]، على أن هناك نوعا آخر من الانقلابات الهادئة التي لا تتسم بالطابع العسكري، فعنصر الزمن يطول فيها وهنا يمكن الحديث عن ثورة بيضاء، والنتيجة في نهاية الأمر واحدة وهي إحداث انقلاب في هياكل التنظيم أو الدولة، هذا الانقلاب الهادئ غالبا ما يكون نتيجة صعوبة الاطاحة بالمنقلب عليه إما لقوته السياسية أو العسكرية أو لكاريزميته وشعبيته الكبيرة، فلا يتقبل الناس سقوطه ببساطة، فيلزم حينها وقت طويل حتى يحدث الانقلاب ويتقبل الناس صعود شخص أو نظام آخر إلى سدة الحكم.
هل حدث هذا في التاريخ الاسلامي؟ نعم، يمكن الحديث عن انقلاب معاوية، فهو أول انقلاب في تاريخ الدولة الاسلامية، ابتدأ تسربا وانقلابا تنظيميا لطيفا ثم ما لبث أن تحول الى انقلاب سياسي عسكري مُسلح.
إن ما يفعله الانقلابيون اليوم داخل التنظيم الاسلامي هو نفسه ما قام به معاوية بعد العهد النبوي، نفس الفكرة ونفس المنهج، فدائما هناك علي ومعاوية داخل التنظيم الاسلامي، في كل زمان ومكان، فمعاوية كل زمان يعرف كيف يلعب بمصطلحات الشورى ويخلط بين الحكم الشوري والحكم الاستبدادي بأحاديث الطاعة والولاء، ومعاوية دائما يستعمل بن عاص زمانه، شخصية ذكية داهية تستطيع ان تلعب بالدين وبالمصطلحات الاسلامية لتبرر وصول الانقلاب الاموي إلى السلطة والاطاحة بعلي، بن عاص كل زمان هو كل رجل باع آخرته واشترى دنياه واستخدم دهاءه لنصرة الاستبداد، وعلي كل زمان هو الرجل الشاهد بالقسط [4]، الرجل الامام الذي لا يستعمل أدوات المكر والخداع رغم علمه بها، يواجه معاوية كل زمان، الانقلابي المبثوث داخل الصف الاسلامي.
يطول الحديث عن الانقلاب الأموي وكيف قلب موازين السلطة في التنظيم الاسلامي الأول، لكننا نحاول أن نصل إلى نتيجة واحدة، وهو أن الانقلاب كائن وحقيقة داخل التنظيم الاسلامي، وإذا كان حدثا تاريخيا في التنظيم الاسلامي الأول فإنه الان حدث جغرافي في التنظيمات الاسلامية، ولو كان التنظيم الاسلامي اليوم بريء من الانقلابات لكان التنظيم النبوي أيام علي أحق بالبراءة من الانقلاب، لكن الحقيقة الساطعة أن داخل كل تنظيم اسلامي انقلابيون يسعون إلى السلطة، تغريهم الدنيا بزخرفها فيبيعون آخرتهم ويخونون العهد ويكيدون ويتآمرون للانقضاض على السلطة، تبرق في أعينهم حلاوة الرئاسة، فينقضون عليها بالطرق الانقلابية الخسيسة.
أحيل من يريد أن يطلع على أساليب الانقلاب إلى كتاب " تقنيات الانقلاب " لمؤلفه الايطالي كورزيو مالابارتي.
التنظيم الاسلامي ثورة هادئة في وجه الانظمة السياسية العربية، والانقلاب داخل الصف الاسلامي انقلاب لطيف على ثورة، تماما كما انقلب نابوليون على الثورة الفرنسية [5]، فالانقلاب خيانة للثورة، طعنة في ظهرها، تحويل لمسارها وتغيير لرموزها، وهو يتم داخل التنظيم الاسلامي بطريقة هادئة، حيث تُستدعى النميمة [6] أولا بطريقة توحي كأن النمام ينصح لله، ثم تتبعها التعبئة التحتية وتنزيل الاخبار المغلوطة وتوجيه الرأي العام الداخلي نحو إسقاط المستهدف، بعدها يتم التركيز على خلق عقبات متنوعة أمام الشخص المطلوب رأسه وإثارة المشاكل حوله، بعدها يتم ترصد ساعة الصفر واستغلال حدث ما كالانتخابات الداخلية أو اقتناص أخطاء تنظيمية أو أخلاقية يقع فيها جراء الضغط الممارس عليه تنظيميا وعصبيا واجتماعيا، ثم أخيرا يتم سحب الاجهزة من تحت يده ورميه الى الهامش، ومهما اختلفت الحالات فالغاية واحدة، وهي الانقلاب على المعني بطريقة سلسة، وتغيير القيادة والمنهج بطريقة لا تترك أي أثر خلفها.
برودة الاعصاب هنا طريق سالكة للنجاة من الانقلاب.
لقد مررت بهذه التجربة شخصيا، وشاهدت حالات كثيرة مشابهة حدث فيها انقلاب على الشرعية داخل التنظيم، ولذلك أقول إن معاوية فكرة، والفكرة لا تموت، تعيش دائما داخل التنظيمات، فعندما كنت مسؤولا تنظيميا على منطقة معينة كان دائما هنالك شخص خلفي يطمح إلى الإطاحة بي، كان يغلي شوقا إلى السلطة، وكنت أراه، وأرى تحركاته هنا وهناك يعبئ للإنقلاب بالنميمة وتهييج الرأي العام الداخلي، وكنت أدعه يعمل وأدعه يسير لأنني لم أكن حريصا أبدا على المسؤولية التنظيمية، هي فكرة تربوية كنت مقتنعا بها مفادها أننا يجب أن نُخرج حب السلطة من قلوبنا وأن لا نسعى خلفها إلا إذا كُلفنا بها، ولذلك لم أكن أبذل أي مجهود لأرد عليه بتعبئة مضادة أو نميمة مقابلة، كنت أراه يعمل للإنقلاب فأبتسم وأتسامح بل وأساعده على الانقلاب بترميزه والدفع به إلى الواجهة.
غلط تنظيمي.
هذا التعامل التربوي الذي لا يصلح في عالم التنظيم والسياسة كان يحمله صديقنا على محمل الضعف مني وعدم قدرة على نهج طريق النميمة والتعبئة، والحقيقة أنه كان يمكنني بكل سهولة أن أسلك مسلك النميمة والغيبة والتشويه والتزلف للمسؤولين الاكبر مني بالمداهنة واستغلال مقدرات التنظيم وسلطاتي التنظيمية المطلقة لتصفيته تنظيميا، لكني لم أفعل ذلك معتقدا أن ذلك لا يتماشى مع الاخلاق والدين والتربية الايمانية، كان قلبي الطيب يردعني وكانت التربية تقف حائلا أمامي، لكن المهووس بالتنظيم والمسؤولية التنظيمية كانت القوة بالنسبة إليه وبالنسبة إلى مسؤولي التنظيم عامة أن المسؤول القوي تنظيميا هو الذي الشخص الذي لا يستحي ولا يخاف الله في ما يتعلق بالفصل التنظيمي والنميمة التنظيمية، هو الشخص الذي يحيك المؤامرات بكل راحة ضمير دون أن يرمش له جفن، القوة بالنسبة إليه هو الحقارة التنظيمية والتربوية المعلنة ضُحى، بينما الاخلاق والتربية ضعف تنظيمي وعجز وقلة حيلة، معاوية فكرة والفكرة لا تموت، الانقلابي كان يعتقد القوة في المكر والضعف في الخلق، فاستعمل معاوية مكره واستعمل علي تربيته، انتصر معاوية وانهزم علي ظاهرا، وانتصر عليٌ وانهزم معاوية حقيقة.
عجيب أن ينتصر المكر على التربية، لا أدري لم؟ لكن الله وضع هذا الناموس، فهمت هذا بعد أن أطاح بي عاشق السلطة عبر انقلاب تنظيمي عبأ له تحتيا في المجلس الذي كنت أسيره بينما كنت أعبئ في اتجاه الدعوة والتربية بتفان في مهمتي الادارية، لقد عبأ أيضا فوقيا عند المجلس الذي فوقنا وأقنع المسؤولين هناك بكفاءته وقوته وكثرة مناصريه وبرامجه التي يعتزم القيام بها بعد الاطاحة بي، كان يتقن المجاملة والمسكنة والمداهنة والتسويق لفهمه السديد ويعرف كيف يركع ويتمسكن ويتمرغ بين أيدي المسؤولين ويبدي صفحة وجهٍ تربوي متدروش، والمسؤولون يعشقون من يسيطر على من تحته، ويتمرغ عبودية بين يدي من فوقه، يسمونه القوي الأمين.
لقد فهمت الآن أن التربية الجاري بها العمل هي المكر التنظيمي، وليست الطقوس التعبدية التي نمارسها في الخلوات، التربية ليست هي حسن النية والأخلاق الحسنة [7]، بل يضاف إليها الأخلاق السيئة التي نحمي بها مراكزنا التنظيمية، ولذلك أعتقد أن الرجل الطيب يجب أن يكون ماكرا داخل التنظيم، فلا ينبغي التعامل مع مسؤوليات التنظيم بحسن نية وبأخلاق الاسلام التي نتعامل بها مع عامة الناس، إن بعض المسؤولين داخل التنظيم ليسوا سوى ذئاب وثعالب يجب التعامل معها بكل قسوة وعنف ومكر وخبث ووحشية مع كل راحة ضمير، تذبحه ولا تقول أنك ذبحته، تطعنه في كواليس التنظيم وتبتسم في وجهه ابتسامة ايمانية حنونة.
لكن ومع كل أسف فهمنا هذه التربية الأموية الميكيافيلية متأخرين بعد أن أطاح بنا الماكرون من مراكز التأثير الداخلي، ولو عادت بنا الكرة فسنتعامل بكل وحشية ومكر لنثبت أن النميمة والغدر ليسا بالشيء الصعب.
إن كل علي يخسر الحرب مع معاوية جراء تعامله مع الذئب بوداعة التعامل مع الحمل، ودائما يحاول جنود علي الطيبون أن يستعملوا الصفاء والنية الحسنة مع جنود معاوية الماكرين الخبثاء بينما معاوية لن يفهم إلا صوت المكر يقطع عليه استفراده بمكاسب انفراده بالقرار التنظيمي.
أي نعم صحيح أن الاخلاق تفرض علينا معاملة الناس بحسن النية والخلق الرفيع، لكن طيب الاخلاق لا يكون داخل تنظيم أموي.
إن المآسي التي تقع بعد سقوط علي من على رأس التنظيم كثيرة وآثارها مهولة، يتشرد الاطفال وتنتهك حرمة النساء وتذل الرجال، فكيف نتعامل بحسن نية مع المجرم ونجني على الابرياء؟ كيف نرحم المجرمين ونقتل الطيبين؟ واضح أن المكر يجابه بالمكر، والخداع بالخداع، والتعبئة بالتعبئة، والنميمة بالفضح، والغيبة بالغيبة، والدعاء بالدعاء، وشراء الذمم باستمالة القلوب، والكلام بالكلام، والفعل بالفعل، والسيف بالسيف، فمعاوية الانقلابي لا يكفيه سقوط علي، بل هو يعمل بعد إسقاطه على تشويهه سنوات داخل التنظيم حتى تروح هيبة علي نهائيا [8]، يقتل عليا مادة ومعنى، المسؤول التنظيمي الانقلابي لا يكتفي بفصل المسؤول الطيب، بل يعمد بعد ذلك إلى استمرار التشويه حتى يطمئن إلى عدم رجوع المطاح به نهائيا، يبيت خائفا من طيف علي، فيحاول أن يستأصل شأفته نهائيا بالتشويه الداخلي عبر تعليمات تنظيمية كي يضمن الراحة والاستقرار والعبودية له على الكرسي التنظيمي.
أكتب هذا بقلب حزين ونفس جريحة وخيبة أمل كبيرة، لقد وقفت على انقلابات كثيرة داخل التنظيم، ورأيت كيف تنسج وتنفذ، وهناك طرق أخرى أكثر خبثا تستدعى فيها أجهزة التجسس والبحث في الحياة الشخصية، رأيت كيف يذبح المسؤول الأخ حسن النية بعد أن ينجح الانقلاب، الأخ الدرويش يحسب أن تربيته ستنفعه، يحسب أنه ولي لله ستحميه العناية الالاهية، لكنه بعد الانقلاب يخسر التنظيم ويخسر التربية أيضا، فالهزيمة التنظيمية قاسية على القلب والروح، والشخص الحنون تنظيميا الرحيم تربويا يخسر دائما ويصفى تنظيميا وتربويا، يفهم ذلك لاحقا حين يتبين له أن التصفية لم تكن تنظيمية فقط، إنه يجد أن ما فرط من أجله وهو التربية هو أول شيء يخسره بعد خسرانه موقعه في التنظيم، فالتربية هنا لصيقة بالتنظيم، ومتى فقدت التنظيم فقدت التربية.
كان على الدرويش أن يفهم أن الأمور تغيرت ولم تعد تقاس التربية بالمفهوم الصوفي، وتبعا لذلك وللحفاظ على التربية يجب المحافظة على المركز التنظيمي، وما غفل عنه الطيب الكريم أن التنظيم كله انقلابات صغيرة، أينما وضعت رجلك وجدت انقلابا أو مشروع انقلاب، وهناك الانقلاب الكبير، الانقلاب على الولي المرشد، لكن هذا الانقلاب له أبعاد أكبر وطرق أكثر دقة وخطورة ويتطلب وقتا طويلا وعملا سريا وعمالة خارجية وشبكة تنظيمية قوية تحت السيطرة وشغلا آخر، فقط اتفق معي على أن الانقلاب أسلوب حياة داخل التنظيم، فإذا لم تكن انقلابيا أو متحيزا إلى انقلاب وقع الانقلاب عليك.
لقد كنت غبيا فعلا عندما اعتقدت سنين طويلة أنني مع إخواني في الله داخل التنظيم الاسلامي، لقد كنت ساذجا حسن النية، والأصح أنني كنت حمارا كبيرا، كيف اعتقدت كل هذه السنين الطويلة أنني مع إخوان الآخرة؟ حتى إذا حانت ساعة الحقيقة وجدت أن أكثر من أحببتهم في الله كانوا أفاعي تنظيمية تتمنى الفرصة لتلذغني، إنها صدمة العمر أن تقضي في التنظيم الاسلامي خمسا وعشرين سنة من العمل الصادق الجاد والقلب الصافي ثم تكتشف أنك كنت مخدوعا بالله [9]، تكتشف بعد أن قضيت زهرة شبابك في التنظيم أنك لم تكن تعني شيئا للتنظيم منذ البداية، تقف على حقيقة مفادها أنك كنت مجرد رقم تنظيمي تم استغلاله ثم تمت تصفيته بعد استنزافه وانهياره العصبي.
📌 الهوامش
- [1] قانون الطوارئ هو قانون لا يصبح نافذاً إلا بمرسوم يعلن إطلاق الأحكام العرفية أو ما يسمى حالة الطوارئ. يمكن فرض حالة الطوارئ على البلاد كافة أو على جزء منها كما تحدد بعض الدساتير فترة زمنية محددة لفرض حالة الطوارئ لا ينبغي تجاوزها. يتضمن قانون الطوارئ سحب بعض الصلاحيات من السلطات التشريعية والقضائية وإسنادها إلى السلطة التنفيذية مما يمنحها صلاحيات واسعة جداً. كما يتضمن قانون الطوارئ عادة خروقات لحقوق وحريات المواطنين مثل إلقاء القبض على المشتبهين لفترات غير محدودة دون توجيه اتهام لهم أو منع حق التجمع أو منع التجول في أوقات أو أماكن محددة. تسيء بعض الدول استخدام حالة الطوارئ وخاصة الدول الاستبدادية لفرض حكمها وسلب الشعب حقوقه.
- [2] الانقلاب هو إزاحة مفاجئة للسلطة الحالية بسلطة جديدة تتولى أمور الدولة. يكون الانقلاب من أشخاص ينتمون إلى مؤسسة الدولة، قد يكون الانقلاب عسكرياً أو مدنياً أو خليطاً من كليهما، لكنّ الأغلب أنه يكون عسكرياً، ويكون الانقلاب ناجحًا بوصول السلطة الجديدة للحكم وقد يفشل أحيانًا فتصير البلاد إلى حرب أهلية أو تعود السلطة القديمة أو تنقلب سلطة جديدة على السلطة المنقلبة.
- [3] 1ـ سوريا: إجمالي 34 انقلاب، 9 ناجح، 25 فاشل2ـ جزر القمر: إجمالي 24 انقلاب، 20 نجح و4 فشل3ـ السودان: إجمالي 16 انقلاب، 3 ناجحين، 13 فشلوا4ـ موريتانيا: إجمالي 7 انقلابات، 6 نجحوا، 1فشل5ـ ليبيا: إجمالي 7 انقلابات نجح واحد، 6فشلوا6ـ اليمن: إجمالي 7 انقلابات، نجح 5، وفشل انقلابان7ـ العراق: إجمالي 6 انقلابات، نجح 3، وفشل 38ـ المغرب: 6 محاولات انقلاب فاشلة9ـ لبنان: إجمالي 3 انقلابات، نجح اثنان وفشل واحد10ـ الجزائر: بإجمالي 3 انقلابات، نجح اثنان وفشل واحد11ـ قطر: انقلابان أبيضان ناجحان12ـ مصر: انقلابان13ـ تونس: انقلابان، أحدهما نجح والثاني فشل15ـ عمان: انقلاب السلطان قابوس على والده.
- [4] قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط (سورة المائدة، الآية: 8) الشاهد بالقسط القائم لله هو المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات. هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس، ولا يقعقع له بالشنان. هو المؤمن المسؤول. حوله تتألف الجماعة يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان، وبلطف معشره ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة. هو المجاهد القادر على بعث الإرادة الجهادية في الآخرين، وعلى توجيه التربية والحركة قبل قيام الدولة الإسلامية وبعدها. إنه تغيير واقع أمة فلا بد له من رجال أوتاد يمنعون الخيمة أن تعصف بها الرياح. حامل أعباء التربية والجهاد ينبغي أن يكون مركز إشعاع إيماني، ونموذجا للنشاط والإنجاز والضبط لمن حوله. هذا هو النقيب المرشد. هو حجر الزاوية في البناء لا قيام للجماعة بدونه. هو رجل الدعوة والدولة معا. عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي.
- [5] يسميها الفقه الاسلامي الان قومة اقتداء بقومات آل البيت عليهم الرضوان، والقومة تختلف عن الثورة التي تحمل معاني العنف والتدمير، فالقومة تحمل معاني القوة لا العنف، وتحمل معاني الغضب في وجه الظالمين لكن مع عقلية البناء والصبر، فهي عملية طويلة وبناء طويل قد يطول أجيالا، لا ينحصر مفهومها فقط في السياسة بل يطال قطاعات أخرى تربوية وفكرية.
- [6] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَرْنَا عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَامَ، فَقُمْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ لَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ حَتَّى رَعَدَ كُمُّ قَمِيصِهِ، فَقُلْنَا: مَا لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ » قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذَانِ رَجُلَانِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ»، قُلْنَا: مِمَّ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ»، وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».
- [7] " أمام العصبة المجاهدة مهمات كالجبل، الاستعداد لها يتنافى مع الغفلة والسذاجة التي يسميها العامة طيبوبة القلب، السذج بسطاء العقول خطر على الدعوة. لأن الواحد منهم يحسب أن الورع الفردي كفيل وحده بتغيير الواقع. ." المنهاج النبوي، ص190
- [8] نقل المؤرخون أن معاوية وجه إلى جميع ولاته وعماله في الأمصار يأمرهم بالدعاء على علي وآل البيت.
- [9] يقول ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن عمر، " وَكَانَ إِذَا أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ ماله يتقرب بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ عَبِيدُهُ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا لَزِمَ أَحَدُهُمُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَآهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَعْتَقَهُ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُمْ يَخْدَعُونَكَ، فَيَقُولُ: من خدعنا للَّه انْخَدَعْنَا لَهُ".
اترك تعليقاً