📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 26 من 77 — فهرس الكتاب
الترميز هو صناعة القيادات، ليس صناعتها من حيث المضمون فذلك شيء محمود، بل نقصد بالترميز إعطاءها هالة من القداسة الفكرية والتنظيمية والتربوية الفارغة، أو لنقل هي عملية نقل الشخص من مرتبة عامة الاعضاء التي تُناقِش وتُناقَش إلى حوزة العناصر الخارقة التي تصنع الصواريخ وتفهم في كل شيء، العناصر التي تمر عبر عملية الترميز تنتقل إلى القيادة لتصبح لديها شبه حصانة ضد المناقشة، وتصبح لديها كاريزما تعادل آلاف الاصوات، فهي تستطيع أن توجه الرأي العام الداخلي بكل سهولة نظرا لأنها اكتسبت نوعا من القدسية التربوية والحصانة التنظيمية، فبمجرد أن تحضر تنتكس الرؤوس وتستنفر الاجهزة التنظيمية لتطيع الأوامر، وطبعا التنظيم هو الذي يقوم بعملية الترميز، على أنه في حالات أخرى يفرض بعض الاشخاص رمزيتهم كونهم يستحقون هذه الرمزية.
عملية الترميز تمر عبر دهاليز التنظيم، تنزل عبر مختلف مستوياته التنظيمية، حتى تصل إلى آخر عضو منتظم في التنظيم ومتعاطف على هامش التنظيم، تستعمل في سبيل ذلك كل الطرق الاعلامية والتوصيات الداخلية، تستنفر المليشيات الاعلامية لصنع تصاميم إليكترونية جذابة، تشرع القيادة في إجلاس المعني بالأمر بجانبها على منابر الخطابة والوعظ والنصيحة والتوجيه، يحدث التنظيم جلبة وهيلالة كبيرة كلما حضر فلان، تُضرب الاواني ببعضها ويجري المسؤولون في كل اتجاه ويصطدمون بعضهم ببعض دون أي معنى تعبيرا عن زيارة أميرية لشخص يفهم في كل شيء، ويستعمل هنا الدين أيضا كما يستعمل في باقي الامور السياسية، فتحضر الرؤى المكذوبة أو التأويلات المبالغ فيها، ومعنى ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى قد زكى فلانا من فوق سبع سماوات وأعطاه قيمة ورفعة ومكانة أسمى من باقي العباد، قد يكون الامر صحيحا فعلا، أما من كذب على الله ليظفر بهالة ترميزية تنظيمية فليتبوأ مقعده من النار [1].
استعمال الدين في التنظيم والسياسة موضوع كبير يستحق كتابا خاصا، ذلك أن استغلال الدين طامة كبرى تعاني منها جل التنظيمات الاسلامية بل والامة كلها، وأبشع ما يكون الاستغلال عندما يُستدعى علية القوم ليشهدوا في فلان شهادة الزور ليرمزوه، شهادة لها طابع ديني وتبعات سياسية ونتائج تنظيمية رئاسية لا تخدم الشفافية والنزاهة والمصداقية ولا تعطي القيمة الحقيقية للعناصر القيادية، تسمح بتسلق الاواني الفارغة إلى سدة الحكم، وتسمح باختراق التنظيم مخابراتيا بكل سهولة، كما تسمح بتمييع التربية وإفقادها معناها بل وسقوط أصحابها من أعين العارفين للحقيقة، معنى كل ذلك سقوط التنظيم سقوطا مدويا في أمراض يصعب اقتلاعها لانعدام أجهزة قضائية تسهر على حسن سير المؤسسات واستقامة المسؤولين، فبمجرد أن يتم التلاعب بالمراكز القيادية عن طريق الترميز المكذوب يتسلم المسؤول الغشاش السلطة بكامل الصلاحيات المطلقة داخل التنظيم ويبدأ مشروعه الشخصي في إعادة هيكلة المؤسسة التي يشرف عليها، تكون نفسه حاضرة بقوة، نقصد بمصطلح النفس المعنى الصوفي الذي يحمل معاني الانانية والخبث والمصلحة الشخصية الضيقة والأمر بالسوء [2].
يحسب البعض أننا نحسد الذين تسلقوا أدراج التنظيم، بل يقولها المسؤولون صراحة عندما تنتقد طريقة تدبيرهم لمؤسسة التنظيم، وهو كلام في حقيقته تلاعب بالدين وإدخال له عنوة في مجال التنظيم وتداول المسؤولية، فالمسؤول بمجرد أن تنتقده يرميك بتهمة دينية دون دليل ولا يأتيك بالعقل، يتهمك بالحسد والرياء والعجب وحب السلطة والانانية وأن نفسك حية ويجب أن تقتلها لكأنه يقبع داخلك ويعلم حقيقة نواياك، يخلع جبة التنظيم والعقل والمنطق والسياسة ويلبس عباءة الدين والفتوى والكشف والمشيخة والافضلية الدينية والنظر بنور الله، معنى ذلك يجب أن تسكت وتقتل حريتك وتقتل استقلاليتك وتقتل شخصيتك، يا سيدي أجبني إجابة تنظيمية عقلية واقعية ودع عنك البحث في النوايا والشكوك والاتهامات وهلوسات نفسك الخبيثة المريضة بالسلطة، هل ستمثل علي أنك ولي الله وأنك تكشف على القلوب والنوايا، "نوض جمع راسك يا برميل الخراء"، فأنت بشر كالبشر ولا مزية لك على الناس ولا كشف لك ولا نور ولا ولاية.
مجرد مسؤول تنظيمي حقير جزار حكار متنطع تسلم السلطة باللحس والتذلل والمكر والكذب.
الترميز أي نعم عندما ينطلق من منطلق الشفافية والصدق، الترميز صناعة لقيادة قوية يتألف حولها الرجال المؤمنون بصدق العهد وفناء الذات، ليست عملية تمثيلية وضحك على الذقون وشراء للذمم ومصالح مادية ومعنوية وتزوير للوقائع وتضخيم للأشخاص كما يفعل التنظيم فيطل علينا بأشخاصه الذين ذبحوا خيرة المؤمنين فصلا وتشويها بمسوح الطهارة و الفناء في دعوة الله، قسمة سلطوية ضيزى هي إن أصبحت فبركة تنظيمية لإيصال الناس "ديالنا" إلى مراكز القرار وإبعاد الناس "ديالهم" عن مركز التنظيم، الترميز أي نعم حتى يعلم الخصم قوة الجماعة وقوة القيادة وتماسكهما، تتاح الفرصة للعناصر السياسية المفوهة والوسيمة لتلقي بسحرها على الناس وتجذبهم إلى مواقف التنظيم وتخلق استقطابا سياسيا وسمعة مُرهبة، لكن فقط العناصر الربانية التي أفنت نفسها في الله من تستحق أن تعطى لها الرمزية التربوية والتنظيمية الأولى على هرم التنظيم، أما التي دون ذلك فتُعطاها رمزية سياسية وليس تربوية، رمزية سياسية فقط لا قداسة لها تلعب بها على أقرانها في السياسة دون أن تتحكم في قناة الصحبة وإرشادية التربية، فقط المصحوب العارف بالله من يجب أن يبقى آية لله على رأس الجماعة.
في مقابل الترميز هناك الشيطنة، وهي العملية التي يمارسها التنظيم ضد العناصر التي يريد أن يقطعها عن المسؤولية والقيادة، وهو يستعمل في ذلك نفس وسائل الترميز لكن بطريقة معكوسة، فيحضر الكذب والتلفيق والتنقيص والقطع الافتراضي عن الله، فالترميز جسور صاعدة إلى القيادة والشيطنة أدراج نازلة عنها، وهذان المفهومان غير مرتبطان بالتقوى، فقد يُشيطن الصالح ويُرمز الشيطان، وقد يُرمز الصالح ويشيطن الشيطان، هذا من الناحية النظرية أما في واقع العمل فالتنظيم هو من يتحكم في هذا الميزان ويتلاعب به كيف يشاء لصالح اللوبيات التي تُوجه التنظيم.
عندما يريد التنظيم أن يرفع أحدا لغاية في نفسه أو في نفس مسؤول كبير فيه يقوم بترميز المعني بالامر بالطرق التي ذكرناها آنفا، وعندما يريد نفس التنظيم أن يذبح أحدا من التنظيم ويقطعه اشلاء تنظيمية وتربوية مخافة وصوله إلى السلطة ينزل عليه بعصا الشيطنة حتى يُفقده كل الاحترام لدى القاعدة، يستعمل في ذلك التوصيات المباشرة التي تُتلى على اسماع الحاضرين في جلسات التنظيم حيث الخبر مقدس أو يطلق حملات تشويه ونميمة منظمة داخل القنوات الاعلامية وببغاواتها الذين يرددون كل ما يقول التنظيم دون تمحيص لمجرد الولاء التنظيمي.
ويا حسرة على قامات تربوية سامقة شيطنها التنظيم ظُلما وعدوانا لأنه اختلف معها في الأسس الفكرية أو الوسائل التربوية أو النظرة المستقبلية للجماعة، يُشيطنها بكل بساطة وكأنها نزلت للتو من الجحيم أو جاءت حالا من مثلث برمودا أو خرجت من كهف "شمهروش"، يطلق عليها كلابه الاعلامية تنهش لحمها داخل التنظيم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي على الخاص وفي كل درب وزقاق وفي كل جلسة على هامش الاجتماعات التربوية والتنظيمية وعلى أبواب المساجد عقب كل صلاة، ثم يُصدق الاعضاء المساكين كل ما يُقال لهم من الذين حققوا الرمزية التنظيمية والتربوية ويقتلون آخاهم تنظيميا واجتماعيا، فيصبح المسكين كالشيطان غير مرحب به في التنظيم، مكروها مرفوضا، يحاول الحفاظ على بعض كرامته بالصمت الطويل، وأحيانا يتحدث بكلام طيب عن التنظيم محاولا مسح ياقته تذللا، ينظر إليه المسؤولون نظرة اشمئزاز واحتقار وتكبر تنظيمي، نظرة تعني ألم تفهم أنك غير مرغوب بك، يقولون له بلسان الحال هيا انقلع من هنا أيها الحقير في صمت، لم تعد مرحبا بك من مسؤولي التنظيم.
الترميز خيانة والشيطنة جريمة تنظيمية وأخلاقية مكتملة الاركان، جريمة لا عقاب فيها، ولا قضاء يبحث فيها ولا قانون يزجر مرتكبها، وحتى إذا انكشفت الحيلة لاحقا أو دافع المذبوح عن نفسه بالتشهير المضاد فلا علاج له، إنه الاعدام لا يقبل الحياة مجددا، فالتنظيم الخبيث لا يتواضع أبدا ولا ينزل ليصلح أخطاءه، فرعون جبار خبيث يدهس ويمضي في برامجه التي يحسب أنها ستقيم الخلافة الراشدة.
الخلافة الراشدة سيبنيها الرجال الراشدون وليس المسؤول الذي يذبح إخوانه تنظيميا وتربويا.
الكلام الغاضب لن يجفف دماء مؤمنين كثر شيطنهم التنظيم عدوانا وبغيا، الكلام لن يفيد في استرداد شرف مؤمنين شيطنهم التنظيم بحقارته الاخلاقية، والكلام لن يُسقط من حصلوا الترميز المغشوش، الكلام الان في وجه من استغشوا ثياب التنظيم وجعلوا اصابعهم في أذانهم وجعلوا أنين المظلومين صرخة في واد، وحده العمل الدؤوب على النهوض بالتنظيم من كبوته الاخلاقية أو تصفيته الوجودية النهائية وتأسيس غيره من سيرجع الكرامة المهدرة والطاقات التربوية الضائعة والقامات الفكرية المذبوحة.
الحق يُؤخذ ولا يعطى، حتى في مواجهة من يسمي نفسه تنظيما إسلاميا.
📌 الهوامش
- [1] توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يكذب عليه متعمداً بأشد العذاب، وقد تواترت الأحاديث في بيان عِظم حرمة وجريمة الكذب عليه صلى الله عليه وسلم, وأن الكذب عليه ليس ككذب على أحد، وأن من كذب عليه متعمداً فقد تبوأ مقعده من النار. فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري، ورواه مسلم في مقدمة صحيحه. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليَّ فلْيَلِجِ النار. رواه البخاري. وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من أعظم الفِرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُريَ عينه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل"، رواه البخاري. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حدَّث عنِّي حديثًا وهو يرَى أنَّه كذِبٌ فهو أحدُ الكاذبَيْن" رواه ابن ماجه.
- [2] " إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي" يوسف، 53
اترك تعليقاً