📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 33 من 77 — فهرس الكتاب
من أسرار التنظيم التي يحرص هذا الأخير على بقائها بعيدا عن العامة والخاصة هو المال، طرق تحصيله وطرق إنفاقه، فهي من الأمور التي يُعتبر حتى السؤال عنها جريمة ومثار تهم عديدة، والأمر راجع بالدرجة الأولى إلى أهمية المال وقدرته على صنع الكثير من الاحداث المصيرية، فالمال كالسلاح، بل هو أقوى من السلاح الذي لا يستطيع سوى قتل الاجساد، فالمال يستطيع أن يقتل الجسد والروح والتكتلات السياسية والتنظيمات بمختلف أنواعها، وإضافة إلى القتل فالمال يستطيع أن يبني كل شيء على المقاس ويشتري ما يلزم من البشر والاشياء، يبني التنظيمات والعقول، يبني المؤسسات والأحزاب، يبني الانسان الذي نريد، يبني شبكة العلاقات التي نريد، يشتري القانون، يشكل السياسات، وبالمال أيضا نشتري الذمم والمناصب والنساء والآلات المختلفة والتجهيزات التي تؤثر في الناس، لنقل إن المال هو قوة الرجل وماء الحياة وعصب التنظيمات السياسية، وبدونه لا يقوم تنظيم ولا تقوم دولة ولا يقوم حزب ولا يقوم أي مشروع فكري ليصبح حقيقة واقعية.
المال هو الذي ينقل الأحلام من عالم الاوهام إلى الواقع المعاش، طبعا إذا وجد الرجال العاملين.
المال موضوع كبير، بحر لا ساحل له، هو عصب الحياة في القرن الحادي والعشرين، المال أصبح هو الهدف الذي يجري خلفه العالم بأسره، أينما ذهبت وجدت المال يحكم ويسيطر، فهو السلطان، ولا سلطان غيره، والتنظيم الاسلامي يعرف هذه الحقيقة ولذلك فهو يحرص على المال وجبيه، يحرص على امتلاك الاموال التي يستطيع بها أن يفرض نفسه سياسيا وإعلاميا واجتماعيا، وهو يعلم الافراد المنضمين كيف ينفقون أموالهم على التنظيم بما أنه مال الله، وهو برهان صدق انضمامهم إلى التنظيم، لا برهان أكبر من إنفاق المال، وهو سبيل صعود الدرجات التنظيمية، وهو الطريق السهل إلى قلوب المسؤولين.
الموضوع كبير وعريض ويلزمه كتاب خاص، وقد قلت غير ما مرة أني أمر على المواضيع المهمة مرور الكرام، لعلي أجد بقية في العمر فأكتب في كل موضوع كتابا على حدة، والمال بما أنه عصب الحياة اليومية للأفراد والتنظيمات [1] فضروري أن يكون الحديث عنه بكل شمولية، ريثما نجد الفرصة فنتحدث عن الأمور الدقيقة التي تجعلنا نفهم حدود هذا المال، ثم كيف نتعاطى معه، كيف نستفيد منه وكيف نتجنب أضراره، هل للمال أضرار؟ نعم صديقي العزيز، المال كالوحش، إن لم تستعمله جيدا افترسك.
نتساءل ونحن نتحدث عن التنظيم وعلاقته بالمال، هل استطاع التنظيم أن يوفر الأموال لأجهزته وبرامجه وأفراده؟ هل استطاع أن يجد مصادر مدرة للمال بالطرق التي يضمن بها استمرار أنشطته السياسية والدعوية؟ ثم هل استطاع التنظيم أن يتجنب أخطار المال، خاصة غوايته للقابضين عليه، هل يا ترى فعلا استطاع المسؤولون التنظيميون التحكم في المال بنوع من القوة الايمانية وحكموه ولم يحكمهم؟ هل تداولوا المال وفق الشريعة الاسلامية بما أنهم ذوي مرجعية إسلامية وينادون بتطبيق الشريعة أم أنهم يتداولونه بمنطق السوق اللبرالي؟ هل قسموا أموالهم بينهم قسمة أشعرية أم يضرب كل منهم جهة مصلحته؟ هل تخلصوا من حب المال وعبادة المال؟ هل ارتقت بهم التربية إلى اعتبار المال مجرد وسيلة للجهاد أم أن الحركة اتجهت إلى المال من أجل المتعة؟
أسئلة كثيرة تدور في الذهن سنحاول أن نعالجها بنوع من الحيادية والانصاف والواقعية، على أن الموضوع لن ينتهي هنا، بل هو موضوع متجدد ما دام التنظيم عاملا في ساحة الدعوة والسلطان.
قبل الحديث عن إنفاق المال يجب ان نتحدث أولا عن مصادره، فمن أين يستقي التنظيم أمواله التي يتحرك بها؟ إنه يحصلها من مصادر متنوعة، وأول مصدر أساسي لخزينة التنظيم هو جيوب الاعضاء المنخرطين فيه، لكن هذه الجيوب محدودة، فمع انتشار التنظيم وتوسعه يصعب أن يتم الاعتماد فقط على جيوب الاخوان، فهم على أي حال مستضعفون وينفقون من قلة، هذه النفقات لا يمكن أن تسير بالتنظيم سوى خطوات قليلة قبل أن يتوقف قطار السير لفراغ خزان التنظيم من المال، فالمال كما قلنا هو المحرك لكل الانشطة التي يقوم بها التنظيم، وبدون المال لا يمكن أن يتحرك التنظيم بتاتا.
في مجالس التنظيم لا رحمة في المال، فالمسؤول التنظيمي قد يسمعك من الكلام ما لا تحتمله إذا تهاونت في دفع الالتزام الشهري من المال، وهو يستعمل لغة دينية حنونة بالمقام الأول قبل أن يهوي عليك بلغة السياسة والتنظيم، التوقف عن دفع المال بلغة النص الديني خيانة لله والرسول وخيانة للجماعة وتولي يوم الزحف ومن أكبر الكبائر لأن ذلك يصيب قلب خزينة التنظيم، فالجماعة لها مصاريف ويجب أن تدفع وهذا كله في سبيل الله وفي سبيل دعوة الله، أما العضو فهو لا يعرف أي شيء عن مصير الاموال التي يدفعها، المؤمن يتصرف بثقة وبحسن نية في المسؤولين، يأخذ ما تيسر من أجرة شهره يقتطعها من خبز أبنائه ويسلمها للتنظيم بكل فرح ونشاط راجيا بها رحمة الله وغفرانه وعوضا منه، وهو صحيح، فما أنفق في سبيل الله فهو مخلوف من الله [2]، فقط يجب أن تكون النية صادقة، وأن يكون الانفاق فعلا في سبيل الله. [3]
الأموال التي تدفع إلى التنظيم لا يمكنها أن تعود، فهذه أول قاعدة، المال يصعد ولا ينزل، ولو نزل فهو لا ينزل على الجميع ولا يرجع بنفس قوة التدفق، ينزل شحيحا على بعض القطاعات بعد أخذ ورد ومعارك تنظيمية لا تستحضر فيها قاعدة أن الله يخلف للمنفق بل تحر قواعد الميكيافيلية، فالتنظيم في الانفاق يتصرف بناء على قناعات تنظيمية وحسابات سياسية وليس على قناعات دينية كالتي يستعملها عند الجبـي، وهنا يمكن الحديث عن السياسة المالية للتنظيم، أين يتم تشريع هذه السياسة ومن يسهر على تنفيذها؟ لنقل إنها من أسرار التنظيم ولا حاجة للنبش فيها.
لكن إذا علمنا أن عديدا من الثورات السياسية التي حدثت في العصر الحديث كان العنصر الحاسم فيها هو المال فهمنا لماذا يحرص التنظيم على المال، دعني من السطحيين البسطاء الذين يعتقدون أن الثورات لا تنجح إلا بالغضب الجارف والعوامل السياسية والاجتماعية المتدهورة، فالثورة السياسية لا يمكن أن تنجح إذا لم يكن في غمدها سيف المال، إن الحديث مثلا عن الثورة الشيعية لا يمكن اختزاله في الغضب الشيعي فقط، بل كذلك بالاستقلال المالي للمؤسسة الدينية الشيعية من خلال الدفع المنظم للزكاة والخمس والوصايا وإيرادات الأوقاف وما إلى ذلك من موارد مالية مهمة تنبع من الإيمان بنظرية الولاية، نفس الأمر يقال في الثورات الاشتراكية.
يمكن الآن أن نفهم عمق الحرب الاقتصادية بين الانظمة والتنظيمات، حرب مالية ضروس روحها العقيدة السياسية، والحرب الاقتصادية ليست حربا شكلية، بل هي أعمق حرب يمكن تصورها، فقطع الموارد المالية عن التنظيمات هي أقسى ضربة يمكن أن تصل تداعياتها إلى آخر عضو في التنظيم، هذه الضربات تكون أقوى من ضربات الهراوات وغالبا ما يتحملها الاعضاء في رزق أبنائهم عقابا لهم على اختياراتهم الانتمائية، والضرب في الرزق ينتج إشكالات تنظيمية حادة تسيل معها دماء اجتماعية وأخلاقية غزيرة لا يمكن للتنظيم أن يعالجها إلا بالفصل والتهميش لأن مسؤوليه فارغين تربويا ولأن أموالهم مخفية، فجرحى الطريق يقتلهم التنظيم كما قلنا ويدفنهم، خاصة جرحى الجيب، ذلك أن التنظيم ليس له من القدرات المالية ما يسعف به جرحاه، وفي الجهة الأخرى يهتبل بالاغنياء ويغدق عليهم من المسؤوليات والإطنابات التربوية، يرفعهم إلى مقام القطبية والغوثية بسهولة ليأخذ من أموالهم ويدفع بهم عرباته التنظيمية، وبنفس الطريقة يسحب التنظيم الولاية من كل فقير مدين ميؤوس من غناه.
يطرح إذن على التنظيم إشكالية توفير الموارد المالية لتسيير دواليبه، فهل يستدعي التمويلات من خارج القُطر فيسقط في التبعية الخارجية وهي الضربة القاضية على اعتبار أن النظام لن يقبل تبعية خارجية لتكتل داخلي، وبالتالي سيحاول أن يضرب بيد من حديد على رأس الخيانة الوطنية، أم أن التنظيم سيستلطف النظام ويقدم تنازلات ووعود سياسية مهمة ليحصل على إعانات مالية كافية لأجهزته وأنشطته السياسية والدعوية؟ بمعنى الركوع السياسي مقابل المال، أم أنه سيختار الخيار الأخير وهو الصمود الطويل على العوز المالي والاعتماد فقط على المساهمات المالية للأعضاء مع الاستعانة بمشاريع مالية صغيرة على الهامش وتحت أسماء مستعارة، وهي مخاطرة تكون فيها هذه المشاريع عرضة للتصفية متى تم فضح انتماء أصحابها إلى التنظيم المعني.
إشكالية المال لا تـتوقف هنا بل إنها تطال حتى على العلاقات المالية بين أعضاء التنظيم أنفسهم، إشكالية المال فشل التنظيم في حلها كما فشل سابقا في مؤسسة الزواج، فكلما دخلت الدنيا من الباب خرج التنظيم مهزوما من النافذة، لكأنه دليل على عدم اكتمال التربية أو فشلها من الأساس، فمعنى فشل الزواج التنظيمي و برودته و نمطيته ومعنى فشل المشاريع المالية بين أعضاء التنظيم هو أن التربية تعاني من خلل فظيع، فالمفروض أن العلاقات الشخصية والمعاملات المالية بين المؤمنين أكثر ائتمانية من المعاملات مع عامة المسلمين، لكن الحق يقال، المعاملات المالية مع اليهود أكثر جدية وائتمان وثقة من المعاملات المالية مع رجال التنظيم الاسلامي.
لقد عرف اليهود قيمة المال مبكرا، وتعاملوا بالمال بمنتهى الادراك بالقيمة التي يمثلها، بل وتعاملوا به بمنتهى الجدية والثقة والائتمان، صحيح أنهم جنوه من أصله قبل التعامل به بمختلف الوسائل الماكرة، لكن يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونعترف أنهم يتقنون حرفة المال ويحسنون أخلاقيات المال، وما الانتصارات التي أحرزوها على المسلمين إلا نتيجة ضبط صنعة المال، لقد فهموا أن العالم كله يتحرك بالمال، فأحرزوه، ومع إحراز المال تحقق لهم ما لم يتحقق بالخرافة والوهم والمكر والخداع لدى الاسلاميين.
إن كسب المال يعطي القدرة على تشكيل الناس تشكيلا بالمقاس، فالحكومة الخفية داخل الدول وهي حكومة المال تضغط على المشرع كي يستصدر قوانين على المقاس، هذه القوانين تساهم بشكل غير مباشر في تشكيل حياة الناس وعقلياتهم السلوكية وبالتالي تشكيل طريقة عيشهم وطريقة تعاملهم، إنها تتسرب حتى إلى عقولهم فتشكلها على نمط معين من التفكير والحياة، تتسرب حتى إلى التنظيم الاسلامي وتشكل طريقة عيش أعضائه وطريقة زواجهم وتربية أبنائهم وطريقة تعاملهم بالمال، الاغبياء فقط من يعتقدون أن القانون يخرج من تحت يد الشعب الحر، إن القانون يصنعه في الحقيقة أصحاب المال وأصحاب السلطة، فالشركات القوية والهيئات المنضوية تحت تجمعاتها الاقتصادية هي التي تصنع القانون، وهي التي تستصدره وفق المصالح المالية لهذه المؤسسات، هل تحسب أخي القارئ أن المشرع سيصغي إلى الطبقة الفقيرة ويخرج لنا قوانين في صالحها، لا أظن ذلك، إن القانون تصنعه اللوبيات الاقتصادية القوية التي تستطيع أن تمول حاجيات المشرعين الجالسين على كراسي التشريع، فالقانون أينما كان، ظاهره تشريع اجتماعي وباطنه تشريع اقتصادي أو ثقافي.
المال ذئب جائع، لا يشبع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان جائعان أُرسِلا في زريبةِ غَنَمٍ بأفسد لها من الحرص على المال والحسب في دين المسلم". [4]، معنى ذلك أن المال والسلطة هما الامتحانان اللذان يرسب فيهما أغلب الناس ولو كانوا اسلاميين يقرؤون الادعية في كل خطوة ويلبسون الجلابيب البيضاء ويطلقون اللحى الطويلة، والمسؤول في التنظيم الاسلامي بما أنه يعافس السلطة والمال صباح مساء هو أقرب المقربين إلى بلاء المال والسلطة، فجميع الشرور تجتمع في هاذين الذئبين المتوحشين، يفترسان دين الرجل وآخرته وهو يفترس أموال الناس وحريتهم بسلطته، بلاء مصلت على الجميع، المفترس بكسر الراء والمفترس بفتحها، دين الجميع تحت رحمة حسن استعمال المال والسلطة، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا". [5] فإعطاء المال إلى السفهاء وهو قيمة وقوة معناه الخراب المطلق، لكأنك تعطي مدفعا لشخص أحمق فيطلق النار على الجميع.
لقد أهلك المال الكثير من المؤمنين، فهو الامتحان الصعب على الاسلاميين، والاصعب منه حب السلطة، فالمال وزير السلطة، فالطاغية يستولي على السلطة ويترك للقارون المركز الذي يليه، ثم يتعاونان على افتراس الناس، والتنظيم الاسلامي يسير على نفس الخطى، فكهنة المعبد يسيطرون على المناصب وأصحاب المال من خلفهم يدعمون، فمتى تقوم الخلافة الثانية وفلسفة التنظيم لم تتجاوز الاقتتال على السلطة وتقديم أصحاب المال؟
لي يقين تام أن الخلافة لن تقوم إلا على أكتاف الفقراء إلى الله، الرجال الذين لا يمر صوت الذهب في أذانهم، أما هذه الطغمة الاقتصادية السلطوية فهي حتما إلى زوال، فآخر هذه الامة لا يصلح إلا بما صلح به أولها.
📌 الهوامش
- [1] " المال والجهد عصب الدعوة، وبذلهما التزاما بعهد، وتطوعا بالخيرات، هو المصدر الأول والوسيلة الأولى لتربية العصبة الخيرة. والمال والجهد مستقبل الدولة أيضا." المنهاج النبوي، ص202
- [2] " وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " سبأ 39
- [3] " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" البقرة 261
- [4] كعب بن مالك رضي الله عنه رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه.
- [5] النساء، الآية 5.
اترك تعليقاً