📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 32 من 77 — فهرس الكتاب
عادة ما يتهم الاسلاميون بأنهم أعداء الفن والثقافة، وإذا كان في الأمر قليل من المبالغة فإن في الأمر نوع من الحقيقة، ذلك أن المسؤول التنظيمي داخل التنظيم الاسلامي غالبا ما يكون شخصا متحجرا على فهم تنظيمي معين يستقيه من المسؤولين الأكبر منه، والتحجر غالبا ما يأتي من العمل التنظيمي الروتيني الذي يتطلب عقلية متحجرة تنفذ ما يقال لها بالحرف والنقطة والفاصلة دون أن تفهم الحكمة من القرارات التي تنفذها، فيصعب على هذا النوع من البشر أن يتأقلم مع الفن أو يعتبره من العلوم الانسانية والاذواق الروحية التي تحتاجها النفس البشرية.
التنظيم كآلة تستهلك كل شيء يدور في فلكها وتستنزف كل شخص يدخل في دواليبها يعتبر الفن مجرد وسيلة سياسية لقضاء مآرب تنظيمية، الفن في حد ذاته مجرد لعب عيال وحرفة التافهين، أما التنظيم فهو حرفة الأقوياء الاصفياء الكاملين، لذلك يتحدث المسؤول عن الفن كشيء حقير، ويتحدث عن الفنانين بمختلف مشاربهم وتخصصاتهم وكأنهم حثالة تافهة يجب أن يستغلها تنظيميا فقط دون أن يدنس بها مراكزه المهمة، أما الشخص المتحجر المطيع المنضبط، العبد الذي يفصل الاخوان ويستعبد الاخوان فهو يستحق التقدير والصدارة ومراكز القرار ومنابر التربية.
لذلك تجد تجارب الفنانين داخل التنظيم تجارب مريرة مرارة الدم، والأغلبية منهم غادر التنظيم أو تخلى عن تخصصه الفني وجلس في الهياكل التنظيمية يقوم بأدوار تنظيمية بسيطة، فبالاضافة الى الاحتقار هناك الوصاية التنظيمية، فالطاقات الفنية داخل التنظيم لا تستطيع أن تبدع أو تتخطى الوصاية التنظيمية الجاثمة على صدر إبداعها، والحقيقة أن الابداع الفني ليس وحده من يعاني من القبضة الحديدية القاهرة للتنظيم، بل كل إبداع إنساني فكري أو تربوي أو حركي يعاني من الوصاية التنظيمية الخانقة، فكل إبداع يجب بالضرورة أن يمر من قنوات التنظيم ويحرز على المصادقة التظيمية حسب فهم مسؤولي التنظيم ورؤيته، لذلك وكما يموت الابداع الفني والعلمي داخل الانظمة السياسية الاستبدادية المتخلفة لانعدام جو الحرية، يموت الابداع بشكل عام داخل التنظيم الاسلامي لانعدام جو الحرية وهيمنة الوصاية التنظيمية الصارمة للمسؤول التنظيمي.
نستحضر هنا الفرق الفنية للموسيقى والإنشاد، نستحضر الكتبة والشعراء، نستحضر المسرح، أما الرسم والنحت والسينما فهي فنون موؤودة داخل التنظيم حتى قبل ولادتها، تجهض وتدفن في صمت، ويبقى على الساحة فن المونتاج لقضاء مآرب التنظيم الاعلامية وصناعة بعض الرموز الاعلامية على وسائل التواصل، أما أغلب المشاريع الفنية الحقيقية فقد آلت إلى الزوال حيث لا تجد اليوم أي مشروع فني ناجح داخل التنظيم الاسلامي.
جفاف فني قاحل.
تظهر أمامي عناصر فنية كثيرة كانت نهايتها درامية داخل التنظيم، تم فصل أغلبها لاقترابها من دائرة القرار والتربية، تم تشويه البعض الآخر، تم تفتيت المجموعات الفنية والقضاء على كوادرها، تم إفراغ باقي المشاريع الفنية من مضامينها الابداعية وتحطيم أهدافها السامية، وأخيرا وقف جزارو التنظيم وقفة المنتصر المظفر يزأرون على أشلاء الاشخاص الرقيقة الاحساس التي كانت تريد أن تبني مشاريع فنية سامقة في حضن الجماعة المؤمنة من أجل المساهمة في مشروع الدلالة على الله من باب الفن.
يمكن القول أن كل شيء جميل يموت داخل التنظيم، الفن وغير الفن، كل إحساس جميل فني أو تربوي أو إنساني يذبل ويموت تلقائيا داخل تنظيم متعفن بالتكبر والقسوة والمكر والعُجب والمسؤولية، فلا يمكن للجمال أن يعيش داخل ثكنة آسنة مليئة بالوحوش، فقط هذه الأخيرة تبقى صامدة، تفترس كل من يقترب منها، تدخل في تكتلات وحشية تدافع عن وحشيتها وتمكر باستمرار بالجميلين للحفاظ على مواقعها التنظيمية التي تمكنها من الافتراس.
راح الجمال مع أهله وبقيت الساحة للوحوش، اختنقت الزهور في جو الكراهية والغدر، تكدرت القلوب الطيبة في جو الحقد والحرب فانطمس الابداع فيها، بقي وحده فن التعذيب النفسي والقتل المعنوي يصول ويجول، ولأهل التنظيم علوم وفنون في التصفية التنظيمية والمكر السياسوي والتشويه الاجتماعي.
تمنيت لو كانت لي سلطة وقوة فأنصب المشانق والمقاصل للطغاة التنظيميين داخل التنظيم الاسلامي على قوارع الطرق، لكنها حكمة الله أن جعل البقاء للأقوى وليس للألطف، إنه نفس الناموس الذي يحكم السلطة داخل المجتمعات والأنظمة، لذلك فالضعفاء اللطفاء يمنون النفس فقط بموقع قدم داخل التنظيم، أما الواقع فهو أن التنظيم لا تستمر فيه سوى الوحوش الضارية سلطة ومالا.
نرجع إلى سؤال الفن ونطرح الأسئلة التالية، هل كان التنظيم النبوي مغتالا للفن؟ هل كان يمارس الوصاية على فناني عهد النبوة؟ هل الفن ممنوع في دين الاسلام؟ هل الابداع مقترن فقط بالدولة العلمانية التي تفتح الابواب لكل مبدع؟ ألا يمكن تصور تنظيم إسلامي أو دولة إسلامية ينتعش فيها الفن ويأخذ حصته من الحرية الفنية الابداعية؟ ثم كيف يمكن تحسين الأداء الفني داخل التنظيم الاسلامي علما أن هذا الأخير انسلخ أصلا عن دين الاسلام وتبع دين الجمعيات الدولية؟
التنظيم الاسلامي غربي الهوى إسلامي الكلام، فلـماذا لا يفتح الابواب للفنانين داخله كي يبدعوا بكل أريحية فنية كتلك التي يتمتع بها فنانون الغرب؟ أم تراه يؤمن فقط بحق المرأة في التسلط على الرجل ويعتبر القيثار زندقة والعود فاحشة؟
الحقيقة أن التنظيم الاسلامي في أصله جاء للتجديد في عديد من نواحي حياة المسلمين، وهو بذلك يعتبر طفرة فكرية واجتماعية تستند إلى مشروع مجتمعي يرمي إلى تأسيس مجتمع مسلم ودولة اسلامية، وبالتالي فإن المشروع الكلي للتنظيم يجب أن يعمل على السير قدما نحو إقامة صرح فني إسلامي يظهر الوجه الحقيقي للإسلام المنسجم مع الفطرة البشرية، أما غير ذلك من المشاريع الفاشية المتصادمة مع النفس البشرية في مطالبها الطبيعية فإنها ستهوي بالتنظيم إلى محاربة الناس في غرائزها الطبيعية ثم أخيرا فشل المشروع وقتل أفراده.
يجب أن يتعلم التنظيم كيف يفسح المجال للفن ويسمح له بالانتعاش والعمل خارج الوصاية التنظيمية القاهرة فوقه، يجب أن يرفع التنظيم يده عن الاشياء التي لا يفهم فيها والتي لا تنسجم مع جينات مسؤوليه، يجب أن يعلم التنظيم أنه ليس إلاها، بعد ذلك هنالك مشوار طويل يجب أن يقطعه الفن الاسلامي بصيغته الحضارية المعاصرة قبل أن يستقر على المنصة الدولية مزاحما كتفا بكتف عمالقة الفن الانساني.
اترك تعليقاً