📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 35 من 77 — فهرس الكتاب
جميل هو التنظيم حينما يختلط بالحب في الله، وبشع هو عندما يندثر فيه الحب في الله فيصير عسكرا منضبطا أو عصابة منظمة أو شركة سياسية، جاف مُر مرارة العلقم هو التنظيم عندما يخلو من المحبة، ولذلك كان التنظيم الاسلامي بالخصوص في حاجة ماسة إلى ربط أواصر المحبة بين أعضائه، بل يمكن الجزم بأن الفتل في خيوط المحبة يسبق الضبط والانضباط المطلوبين في كل تنظيم، ذلك أن الخطأ التنظيمي يسهل تصحيحه بقرار تنظيمي آخر لا يستهلك سوى قليل من الجهد والوقت، وأحيانا يكون الضبط مجرد شكليات فارغة لا معنى لها سوى استقرار الوضع أو المحافظة على نظرة الاغيار، بينما هدم أواصر المحبة طعنة في قلب التنظيم وخطأ قاتل للإدارة.
الحب في الله يختلف عن حب الله، بل يمكن اعتباره فرعا متفرعا عنه ونتيجة لازمة له، فالأصل حب الله، وما حب المؤمنين في الله بعضهم لبعض إلا مظهر من مظاهر صدق حب الله، وحب سيد المؤمنين وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر دليل على حب الله، وحب صحابته وأوليائه كذلك، وحب عامة المسلمين لا شك، والأمر ليس اختياريا بل هو فرض مفروض، فالحب في دين الاسلام فرض لا ندب، قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلاَ أدلكم على شيء إن فعلتموه تحابَبْتم؟ أفشوا السلام بينكم" [1].
أي نعم، السلم والسلام يفشيان المحبة والحرب والأذية تهدمان المحبة.
وإذا كانت الجنة محرمة على غير المتحابين بالنسبة إلى عامة المسلمين فإن الاحسان وهو مقام العبودية الخالصة محرم على غير المحبين لرسول الله، روى البخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك! » فقال عمر: فإنه الآن والله لأنْتَ أحبُّ إلي من نفسي! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر! ».
ولذلك نجد في السيرة النبوية من المحبة التي كان يكنها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم للجناب الشريف الشيء الكثير، شيء يذهل له العقل، والأمر عند المسلمين دين وليس مجاملة اجتماعية أو انبهار سياسي، الأمر دين وآخرة وسلوك ومقامات ودرجات عند الله، ثم آخر الأمر محبة من الله هابطة على العبد المحب المحبوب، قال الله تعالى لموسى عليه السلام: " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي [2]"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القَبول في الأرض. وإذا أبْغض عبدا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إنِّي أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيُبغضه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء إن الله يُبغض فلانا فأبغضوه. ثم توضع له البغضاء في الأرض".
لن نغوص في أدبيات المحبة وشروطها ونتائجها، لكننا نريد في هذا المحور أن نناقش علاقة الحب في الله بالتنظيم وأجهزته، فهل الحب في الله شيء لازم للهياكل التنظيمية أم مجرد هراء تربوي؟ وكيف يتعامل التنظيم مع هذه المحبة وهل يرعاها بالشكل المطلوب؟ ثم هل يستعملها بطريقة تخدم تربية الفرد وسياسة التنظيم أم أنه يستغلها للركوب والضحك على المحبين؟
إنني أكاد أجزم أن الحب في الله هو أساس التنظيم الاسلامي وسر بقائه، فقتل المحبة داخل التنظيم الاسلامي بالخصوص ليس مجرد خطأ شكلي بل هو خطأ استراتيجي، فعندما تصاب المحبة بخدش يصاب التنظيم تلقائيا في مقتل ولا يبقى منه سوى شكليات فارغة ومصالح يحرص عليها المنتظمون فيه وتقارع عقيم وحديد يفل الحديد، دعني من المجاملات الرئاسية الباردة والابتسامات الصفراء الفاقع لونها وكلمات الايتيكيت الاداري المنافقة، إن الحب في الله بالنسبة إلى التنظيم الاسلامي كالماء بالنسبة للكائنات الحية، إنه ليس شيئا ثانويا على الاطلاق، إنه أساس، أقول التنظيم الاسلامي لأن أشكال التنظيم السياسية والاجتماعية الاخرى قد لا تحتاج حبا في الله، ذلك أنها تقوم على أسس أخرى، حاجات اجتماعية أو استرزاق سياسي أو مصالح مالية، هذه الاشكال الادارية المادية قد تسير سيرها الطبيعي مع احترامات شكلية وقانون يحمي وحقوق مالية وبرامج مضبوطة ومؤسسات تدور محركاتها بجفاء.
التنظيمات التطوعية التي يغيب فيها أي مقابل مادي لابد من ترسيخ المحبة فيها لتستمر دواليبها في الدوران، فيكون المقابل معنويا، أريحية نفسية وانتعاشة روحية وأخوة دافئة وسياحة ممتعة بين الفينة والفينة تدفع من يعيشها إلى مزيد من الذوبان في التنظيم والبذل في سبيل المجموعة، والتنظيم الاسلامي نوع من هذه التنظيمات التطوعية التي لا يتقاضى العاملون فيها أي مقابل مادي اللهم المقابل الديني الروحي المعنوي، أفلا يستحق العامل في الصف الاسلامي أجواء محبة داخل التنظيم.
نرجع ونهمس في اذان القلوب التي تشح المحبة في إخوانها ونقول لها بصدق العبارة بأن المحبة شيء فرض لا مندوب، ذلك أن الحب في الله بالنسبة إلى التنظيم الاسلامي ليس شيئا زائدا عبارة عن خزعبلات تربوية يدندن بها المجاذيب والحمقى داخل التنظيم، إن الحب في الله رغم ما يحمله من حمولة تربوية صوفية إلا أن له دلالات تنظيمية قوية، إنه زيت المحركات التنظيمية التي تدور صباح مساء، وفي غياب هذا الزيت الذي يكاد يضيء تسخن المحركات التنظيمية وتشتعل النيران فيها، تعطب الآلة التنظيمية جراء احتكاك العناصر الجافة بعضها ببعض، ثم تطحن الآلة نفسها بنفسها بعدما كانت مُعدة لتطحن الفساد.
قال صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [3] معنى ذلك أيها المسؤول التنظيمي الذي يستهزئ بالمُـحبين أن تداعي مؤمني التنظيم الاسلامي ومسؤوليه لمرض العضو وتهممهم بـمُصابه من علامات المحبة والتراحم والتآزر وليس من ضياع الوقت، فمتى كان التنظيم قاسيا في تعامله أنانيا في مصالحه لا يهمه إلا برامجه وأهدافه وأوامر رؤسائه كان ذلك دلالة على انعدام المحبة داخل التنظيم الاسلامي، والأصل في الاسلام كما في الحديث الذي روينا قبل قليل أن المؤمنين في مجموعهم يجب أن يتألموا لمصاب أحدهم ويتآزروا لحمله إن هو أصيب بجرح في الطريق أو بمرض في الجسم أو الروح، على الاقل الشعور بالحمى إن أعجزهم مد يد العون، وذلك اضعف الايمان.
خلال تجربتي المتواضعة وقفت على حالات كثيرة كانت تنعدم فيها المحبة بوضوح، فتنكسر المؤسسة التي يغيب فيها عنصر الحب في الله والتآزر بين أفرادها، فقد يقضي الفرد في جماعة المؤمنين عشرات السنين بذلا وعطاء ومجالسة وبناء، ثم قد يحدث أن يمر بحالة عرضية من الابتلاء في النفس أو الدين أو الولد أو الصحة، فيُعامل بجفاء ونكران من الاخوان، وأحيانا يحاول التنظيم التخلص منه بسرعة والاجهاز عليه بفصله سريعا أو بالرفع من المعاناة وتأجيج البلاء على المصاب حتى يفصل نفسه بنفسه، فيكون الأمر بطعم الغدر والطعن من الخلف، وهذا دليل واضح على غياب مادة الحب في الله والانحراف عن سنة النبي الكريم الذي كان يتألم لمصاب إخوانه، الحب في الله أول ما يعنيه تألـمٌ للمبتلى ومحاولة إنقاذه ثم التهمم لمصابه ومد يد العون له والاحساس بمعاناته، على الاقل الدعاء له إذا كان هذا التنظيم ضعيفا عاجزا عن تقديم أية مساعدة مادية.
"جسم الجماعة إذا لم يكن يسوده الوئام الكامل، والوحدة الوجدانية العقدية والتحاب في الله عز وجل، لا يستطيع أن يؤثر في مجتماعتنا الفتنوية الفاسدة التي يسيطر عليها الحقد الطبقي، والخلاف الحزبي، والنعرات القومية" [4]. وكيف يؤثر جسم الجماعة في الفساد وهو فاسد القلب عديم المحبة، أم كيف يؤثر في الفساد وأوصاله ممزقة بالتباعد والتنافر والتباغض واهتمام كل ذي نفس بنفسه، قلنا وأوضحنا أن التغيير يتطلب تنظيما قويا منسجما متماسكا ومتآزرا، بمثابة الجسد الواحد، وكذلك كان التنظيم النبوي الأصيل الذي سحق الفساد لما حقق معادلة المحبة.
قال سبحانه وتعالى: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ" [5] ركز معي على رحماء بينهم، فالتنظيم النبوي ممثلا في محمد والذين معه تنظيم أساسه الرحمة بين المؤمنين والعزة على الكافرين، والرحمة صورة من صورة المحبة ونتيجة لها، فمتى كان التنظيم شديدا على اعضائه فهو ليس بتنظيم إسلامي، سمه ما شئت، لكن يبقى تنظيما آخر غير التنظيم المحمدي النبوي الذي يقوم على المحبة والرحمة والاحساس بالعضو والسهر معه بالتضميد والعناية.
قال تعالى أيضا: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" [6]، والانفضاض من حول القائد هو عين فشل التنظيم، يُترك المسؤول التنظيمي وحيدا في المعمعة مع الذئاب بما أنه قاسي القلب، فيبحث عن وسائل بديلة لتركيع المجموعة كالتخويف والتهديد والابتزاز والتشويه والعمل الموازي في سراديب النميمة وضرب هذا بذاك حتى يستقيم له التنظيم، وسائل بديلة لما عجز القلب عن الحب عن الوسيلة الأصل وهي المحبة، وسائل تبقى ضعيفة وآثارها جد محدودة ووقتية، فما دام أن التنظيم لم يتألف بناؤه على المحبة وجُمع شمله بالحديد والنار فلا خير يرجى منه، ومع ارتفاع درجة حرارة البغضاء والشحناء والاحتكاك الجاف يحدث التمرد والشقاق وتتمزق خيوط البناء التنظيمي الجبار الخوار، ثم تبدأ معارك التصفية التنظيمية الحامية والكيد الخارجي الخسيس، وتضيع بعد ذلك الاهداف الحقيقية للتنظيم تحصيل حاصل.
واضح إذن أن هناك علاقة وطيدة بين التنظيم والمحبة، علاقة عكسية، فعندما تتجلى الرئاسة في صورتها التنظيمية الجافة تخرب المحبة، تقتل الرئاسة المحبة بقلة تربيتها، ولا نعني بالتربية أدب الحديث ولباقة الكلام والشواهد الدراسية، بل نعني بقلة التربية التجبر على خلق الله والبعد عن الله وقلة ذكر الله وشح القلب عن الحب في الله، فحب الرئاسة يجعل الرئيس التنظيمي حريصا على مصالحه النفسية قبل المادية، يُغذي تكبره من ظهر الجماعة، يقضي متعته النفسية في صفوف التنظيم عبر احتقار المرؤوسين، فتـتكسر المحبة ويسقط التنظيم لأنه خرج عن السكة الاصلية وهي العمل لصالح الجماعة والتنزه عن المصالح الشخصية المادية والمعنوية، ولذلك كان ذكر الله وباقي الأوراد الايمانية ضمانة تربوية ضد طغيان الرئيس وحصنا للجماعة من نزواته النفسية التي يقضيها على ظهر المرؤوسين، فيقضي نزواته بعيدا عن استعباد المؤمنين، أو ينزعها الله منه ويعوضه خيرا منها قربات منه ورحمة في قلبه تغنيه عن احتقار الضعفاء الأقل منه أكتافا تنظيمية، وهذا وجه من أوجه العلاقة التي تجمع التربية بالتنظيم.
في غياب التربية الايمانية داخل التنظيم الاسلامي تكون النتيجة استنساخا آخر من الرئيس الطاغية [7]، الرئيس الجبار الخوار المريض نفسيا، المهتز تربويا، المختل عقليا، الرئيس الذي يخرب التنظيم كليا، ويجلب الخراب للمجموعة كلها بــعفن أخلاقه وانحطاط مستواه التربوي.
يضيف الله سبحانه وتعالى: " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ" [8]، والعفو عن المرؤوس تجاوز عن هفواته وتأليف لقلبه وعطف عليه، وهو في حقيقة الأمر تقوية للصف لا إضعاف له، فالرحمة على المؤمنين ليست تهاونا تنظيميا كما يتصوره التنظيم الحكار، فالمرؤوس مغلوب على أي حال، والرئيس غالب في جميع الاحوال، والقسوة على المرؤوس إمعان في إذلاله وحط من كرامته التي تعاني أصلا من مرؤوسيته لغيره، فالتجاوز والرحمة والعفو [9] من صفات القائد الذكي الحكيم، ولذلك كان الحلم سيد الأخلاق وأساس فن القيادة، وكان الرئيس الذي يرحم مرؤوسه قائدا ناجحا، وكان الزوج الذي يسبق إلى استرضاء الزوجة أنجح في بيته لأنه ينزل وهو الرئيس، هذا قبل القوانين المستوردة حيث كان الرجل غالبا والمرأة مغلوبة أسيرة عنده، أما عندما يستوي الرئيس والمرؤوس في التنظيم أو يستوي الزوج والزوجة في البيت فلا نتحدث عن الرحمة والعفو والتجاوز لأنها تصير من قبيل الذل والتنازل عن الحقوق العادلة، نتحدث حينها من موقع التكافؤ لا من موقع الرئاسة، والطرفان مدعوان إلى أخذ الحق الذي يكفله القانون والنظام العام.
قال الحليم الداهية معاوية بن أبي سفيان: " يا بني أمية فارقوا قريشًا بالحلم، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتمًا وأوسعه حلمًا، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدني، وأثور به فيثور معي، وما وضع الحلم عن شريف شرفه" [10]، لاحظ معي كيف يزيد الحلم من قوة الرئيس، رغم أن الحلم أقل من المحبة بما يحتويه من كظم للغيظ وكف عن الرد قد لا يرقى إلى مرتبة الحب في الله، بل قد يكون خبثا ومكرا وتربصا وإخفاء لانتقام مؤجل إلى وقته.
قال رجل لمعاوية يوما: " ما رأيت أنذل منك "، فقال معاوية: " بلى ".
معاوية لم يكن يحمل الحب لأصحابه كذاك الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ولم يكن أصحاب معاوية يحملون المعاني الايمانية التي عاشها الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على طول مسيرته الدعوية، فمعاوية من مسلمة الفتح، مسلمي آخر ساعة، لكنه استعاض عن الحب في الله الصادق الصافي في تدبير التنظيم والشأن العام بالحلم وكظم الغيظ لما كانت الجزيرة العربية لم تألف بعد حكم الملوك.
بيت القصيد عندنا أن تأليف القلوب بالمحبة أو بالحلم حول الرئيس من علامات التنظيم الجيد وأمارات الادارة الحكيمة، كتب معاوية يوما إلى نائبه زياد [11] قائلا: " إنه لا ينبغي أن يسوس الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا، ولا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة، وأنا للين والألفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابًا يدخل منه"، هذه الحيلة هي بالضبط ما يفعله طغاة اليوم داخل التنظيمات والانظمة، يُؤمرون على الناس شرار الخلق من القساة الغلاظ الشداد، ثم يفتحون لهم بابا من الرحمة الكاذبة والطيبة المزيفة والمحبة المخادعة حتى يقول الناس إن مديرنا حنون حكيم.
نلاحظ كيف تتداخل الاخلاق بالتنظيم عامة، وكيف تتداخل التربية الايمانية بالتنظيم الاسلامي خاصة، هذا الأخير يختلف كليا عن التنظيمات الادارية الأخرى، ذلك أن الدين حاضر في علاقة المؤمنين بعضهم ببعض، دين دولة ودعوة ومجتمع وعلاقات شخصية وعبادة وأخلاق وفطرة، والتنظيم الاسلامي تبعا لذلك تنظيم محبة وتآلف، تنظيم يجمع القلوب قبل أن يجمع الاجساد، "وما دام جند الله في مراحل الدعوة فهم نسمة لطيفة تدخل على جو الكراهية تنعش ما استطاعت من آمال، وتهذب ما استطاعت من أخلاق وعلاقات" [12].
رحمك الله سيدي على هذه الكلمات اللطيفة والمعبرة، مسؤولين تنظيميين يقتبسون من مشكاة الحب في الله، نسمة الهواء التي تدخل على المؤمنين فتنعش آمال الدعوة وتقضي مع جو الكراهية، ترحم الضعيف وتواسي المبتلى وترأف بالصغير وتوقر الكبير، فيصبح كل المؤمنين علامة مسجلة للمحبة والرحمة والمواساة، ثم يفيضون على غيرهم بركة وخيرا فيرتفع منسوب التربية والاخلاق داخل الصف، وتتحسن العلاقات الاجتماعية والشخصية بين المؤمنين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" [13]، هذا بالنسبة إلى المؤمن العادي مطلوب منه أن يحب لإخوته ما يحب لنفسه، فكيف بالمؤمن القائد المسؤول الذي يمثل رأس التنظيم والدين، رأس الايمان، النقيب المربي، نموذج المؤمن القائم براية الدعوة والاسلام، هو أولى أن تتمثل فيه أخلاق الاسلام ومعانيه ما دام أنه يسود ويرأس المؤمنين.
خلاصة القول أن المحبة جمع، والكراهية شتات، القائد المحُب لإخوته يجمع، والقائد الجبار يُشتت، الحب في الله رباط تنظيمي قوي، والشحناء حالقة لأواصر التنظيم قبل أن تكون حالقة للدين، فلا فائدة من من تنظيم متجبر ولا فائدة من قائد جبار، لا فائدة من ضبطه وتنظيمه ومكره و"تخراج عينيه"، إنما السيادة بالدين والخلق، والمحبة أوثق عرى التنظيم والدين [14].
📌 الهوامش
- [1] رواه مسلم وأبو داوود والترمذي.
- [2] سورة طه، 39.
- [3] رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.
- [4] المنهاج النبوي، ص82
- [5] الفتح، 29
- [6] ال عمران، 159
- [7] " إن ضاع من المسلمين مفتاحُ التربية الإحسانية، وجف من القلوب الشوقُ إلى الله عز وجل، فيا حسرة على العباد ".رجال القومة والإصلاح، ص96.
- [8] آل عمران.
- [9] "إنَّ أَخْذَ العفو والإعراض عن الجاهلين، ما لم يكن الإعراض ضعفا وتضعيفا للحق، لهما الخصلتان النبويتان الراشديتان، بِهما تكمل القوة والأمانة، إذ هما عنوان امتلاك النفس ومن ثم امتلاك الموقف". الإحسان،ج2، ص317.
- [10] علي بن محمد، صور من سير رجال حول الرسول، ص116
- [11] زياد بن أبيه أو زياد بن سمية، هو أخو معاوية من أبيه أبو سفيان وأمه سُمَيَّة جارية الحارث بن كلدة، يقال إن ابا سفيان كان سكرانا عام الهجرة فأتوه بباغية اسمها سمية فولدت زيادا، أقر أبو سفيان ببنوته في عهد عمر، كما استماله معاوية لتقوية صفوفه واعترف بأخوته.
- [12] المنهاج النبوي، ص284
- [13] رواه الشيخان وغيرهما عن أنس.
- [14] عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ. حسنه محققو المسند وكذا حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (3030).
اترك تعليقاً