فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

جحود ذوي السابقة

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 47 من 77 — فهرس الكتاب

من استهانة التنظيم بالمؤمنين أنه لا يقيم لأحد وزنا ولو طالت مدة خدمته في التنظيم، فالإخوان بالنسبة للتنظيم مجرد أرقام، يستطيع أن يشطب على أي رقم في أية ساعة، لا مشكلة لديه، وكم مرة جلست أتأمل في عديد من المؤمنين الذين انضموا إلى التنظيم منذ الثمانينات وقدموا الغالي والنفيس في سبيل الدعوة والزحف على معاقل الفساد السياسي ثم شطب عليهم التنظيم في رمشة عين، أجلس متأملا وأتخيل نفسي في مقامهم، لقد رماهم من أعلى عليي التنظيم إلى أسفل سافليه دون رأفة ولا رحمة، ومنهم من حتى شابت لحيته وتدهورت صحته وجد نفسه خارج السرب يعض على يديه وحيدا، وعندما أستقصي عن الاسباب أجدها تافهة لا تصل عقوبتها إلى هذا الحد من الحقد التنظيمي والتآمر الداخلي، شخص قضى في التنظيم أربعين سنة، عمره فاق الستين، شاب رأسه وشابت لحيته في التنظيم، كيف ترميه وتنزل توصيات تنظيمية بعدم زيارته؟ على الأقل دعه يخرج بوجه مشرف وأقله إقالة محترمة ولا تقطع أواصر المحبة والتزاور والاخاء بينه وبين الاخوان.

ألستم من علمنا المحبة؟ ألستم من علمنا الاخوة؟ ألستم من أعطيتمونا دروسا في الأخلاق؟ فما لكم تنزلون حضيضها؟ كيف تجحدون فضل المؤمنين الذين أنفقوا في ساعة العسرة وجاهدوا ساعة الهرج؟ إن النظام السياسي القائم بكل عيوبه لا ينسى خدامه ويصرف لهم إكراميات ورواتب شهرية ومعاشات سخية بعد انتهاء خدمتهم ولو خالفوه وارتكبوا في حقه أخطاء كبيرة، فكيف ينزل التنظيم الاسلامي توصيات تنظيمية بمقاطعة وعدم زيارة رجال مؤمنين يشهد الجميع بإيمانهم ويشهد الشجر والحجر أنهم قضوا زهرة عمرهم في خدمة الجماعة، هل التنظيم بهذا الضعف بحيث يخشى من قدمائه كلاما أو تصريحا أو ما شابه؟ ألهذه الدرجة يتنكر التنظيم الاسلامي لرجالاته؟ ومنهم من يعاني ماديا واجتماعيا وتربويا وصحيا فيتدخل التنظيم فوق ذلك لتشويه سمعته؟ يلومه على قلة ماله وضيق عيشه أو يعاقبه على قلة شواهده الدراسية أو يحقد عليه لصرامة مبادئه الاخلاقية أو يمكر به جراء رغبته في الزواج من امرأة ثانية تدخل على قلبه بعض السعادة عوض الكآبة التي زرعها التنظيم في حياته.

أتصفح الفايسبوك أحيانا فأجد الكثير منهم ينشط عبر هذه الوسيلة الافتراضية، وبين الكلمات تستشف المرارة التي يعانونها، تستشف القهر والكبت الذي يعانونه بألم وحرقة، أحيانا وهم العقلاء الذين كنا نعدهم من الحكماء والاولياء والرجال الذين صعد التنظيم على أكتافهم وعرق جبينهم نخشى أن يكونوا قد أصابهم الجنون من جراء الآلام والقهر الذي يعانونه، يخرج أحدهم بين الفينة والفينة بفيديو مباشر على الفيسبوك يتحدث بهلوسة وجنون وينطق كلاما غير متناسق، يهذي، يدخل على الخط براهش التنظيم الذين انضموا إليه قبل مدة قصيرة يستهزئون به ويضحكون عليه، أطفال التنظيم لم يؤسسوا الجماعة ولم يروا المرشد ولم يحضروا الزرواطة ويستهزؤون بمن شابت لحيته في صحبة الامام ومجالس الدعوة والتربية والتنظيم وارض البلاء، بينما مجرمو التنظيم الذين ذبحوه وتركوه يُفرطط على الفيسبوك صامتون، يرقبون موته من بعيد، ليس لديهم حسابات فيسبوكية أو لديهم حسابات مستعارة يدخلون ويخرجون دون أن يتركوا أي أثر، المليشيات الاعلامية التابعة للتنظيم ترفع التقارير الموثقة بصور التعليقات والتدوينات دون أن تُفلت صغيرة ولا كبيرة.

كنت دائما على يقين أن الهزيمة تأتي من الداخل، وما يحصل من جحود لذوي السابقة يخدم بكل تأكيد الفساد السياسي القائم، وعلى اعتبار أن مسؤولي التنظيم ليسوا أغبياء لتلك الدرجة التي لا يعرفون فيها هذه الحقيقة، فإن الأمر يستدعي شكا في نوايا التنظيم، إن الاستهانة برجالات التنظيم الذين شابوا فيه لهو دليل قوي على وجود خيانة داخل الصف، دليل قوي على تآمر خفي بين النظام والتنظيم على رجال القومة والاصلاح، أو على الأقل وجود تآمر الصمت، وما يؤكد هذه الشكوك هو أن البلاء النازل على المفصولين من التنظيم في أرزاقهم وحريتهم أكبر بكثير من ذلك النازل على مسؤولي التنظيم الذين يمرحون في رغد العيش لا يطالهم من النظام إلا خشاش البلاء بما يترك لهم ورقة اللعب بخرافة المظلومية والتضييق السياسي للإسترزاق به داخليا وأمام الفرقاء السياسيين.

ذوو السابقة هم الأكثر بلاء وتضييقا، ولقد كان من المفروض أن تنصب لهم المنابر ليحدثوا الناس عن تاريخ الدعوة ومطباتها التاريخية ليرفعوا الهمم وينقلوا التجربة لا أن يرمى بهم هكذا بكل نذالة إلى قاع المجتمع يعانون من الاضطهاد والتشويه وقلة الاحترام وضيق اليد، طاقات ضيعها التنظيم بحقارته المعهودة ومكره اللئيم المعروف، ثم هو اليوم يدفع لأغيلمته من إغراءات المناصب والأجر عند الله ليتجاسروا على من شيد لهم صرح الدعوة الذي يجلسون عليه، لا أجد الكلمات التي أصف بها حال البعض من رجالات الدعوة السابقين، فوالله الذي لا إلاه إلا هو لقد أصاب بعضهم الجنون.

فقط قبل كتابة هذه الفقرة كنت أتصفح الفايسبوك للاطلاع على آخر المستجدات وهو الوسيلة الاعلامية التي تنقل الخبر بمصداقية أكبر من وسائل الاعلام الرسمية، فإذا بأحد الاخوان الذين انضموا إلى قافلة الدعوة مع بداية 1980 يحدث الناس على المباشر بكل حمق، يجلس في بيته الكئيب ينشد طلع الدر علينا وشتتوني في البوادي وهي أناشيد قديمة كنا ننشدها في التسعينات في مناسبات دعوية مختلفة، ثم يفتح فاه متأملا، ثم يبحلق في الشاشة كأنه معتوه، اغرورقت عيناي من هول المشهد، لقد كان أيقونة التربية، كان وردة في حديقة الصالحين، فإذا بالتنظيم جعله أحمقا يغني على الفيسبوك.

كنت أتأمل وجهه البريء وهو ينشد بعفوية ويسلم على الاحباب على قلتهم من هنا وهناك ممن يدخلون عليه المباشر يردون التحية، لا يتعدى عددهم الخمسة عشر، وهو فرح بهم يرد التحية ويذكرهم بالأيام الخوالي، يذكر هذا بنشيد كذا والاخر بدجاجة عشاء كذا والاخر بيوم كذا، يتواصل بعفويته مع تلك الحفنة من المهلوكين أيضا ممن رمت بهم الايام إلى ناصية الفيسبوك ليقلبوا الاوجاع فيما بينهم، فكدت أبكي من هول المشهد، هل هؤلاء فعلا من كانوا يستعدون لحكم البلاد واقامة الخلافة الراشدة؟ لا زلت أتذكر جيدا هذا الرجل كيف كان آية من آيات الله تربية ومواقف شجاعة في ساحة السياسة، ترى ما الذي حدث؟ ماذا فعل به التنظيم؟ لم رمى به هكذا إلى الهامش، ما الجريمة التي اقترفها؟

ثم أنتقل إلى صفحة عمود آخر من أعمدة التنظيم الذين كانوا يرهبون الدولة كلها عندما ينزل إلى ساحة المدينة كانت تنزل كل قوى الامن وأعلى المسؤولين ليستفسروا عن سبب نزول الرجل، ثم يلاطفوه ليرجع ومحبوه إلى منازلهم معززين مكرمين مع وعود بحل الاشكال سبب النزول، أدخل صفحته فإذا به يهرطق أيضا بكلام لا معنى له وكأنه يشرب من نفس كأس ذاك الذي ينشد طلع البدر علينا على صفحته الشخصية، يا إلاهي، ما الذي أصاب القوم؟ هل هو الخرف الذي يصاحب مرحلة ما بعد مرحلة التنظيم؟ إن شيخنا يتحدث بلغة هي أشبه بلغة يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين، لي إحنا. . لي أنتو، هو في إيه يا كدعان؟ يخرج المسكين ويدخل في الكلام المباح لكأن شهرزاد تركته قبل طلوع الصباح.

أنتقل إلى صفحة أخرى لرمز آخر من رموز التربية والتنظيم المفصولين فإذا به يدندن حول نصر الله والخامنئي وبشار والحوثي، ينتظر فتحا ربانيا من هناك على شريعة أهل اللطم واللعن، تحدثه عن التنظيم والجماعة فيقولها في وجهك صراحة، عملاء باعوا الماتش، ولم يتبق غير الفتح من ايران، غسل يديه من التنظيم نهائيا ومن السنة كلهم، فهو ينتظر دخول الشيعة إلى البلاد لتأسيس نموذج أهل البيت، أما أهل السنة كلهم في نظره أبناء معاوية الذين لا يرجى منهم خير.

أنتقل إلى حساب آخر صاحبه يتنسم هوى التصوف والشيوخ من هنا وهناك، لكن على الأقل تحس بشعلة ربانية تشتعل داخله، تحس به وقلبه يهتف بآهات العاشقين لله ولرسول الله، نسي التنظيم والمكر ووجد بغيته في الكلام الصوفي الذي يطير في السماء مع نسمات العشق الالاهي وتأوهات المحبين، رجل أحبه رغم معرفتي به أيام التنظيم حيث كان يعبد التنظيم من دون الله، فإذا بالتنظيم يلذغه لذغة لن ينساها إلى آخر يوم في حياته، فما وجد المسكين راحته الا بين الاحوال الصوفية الثملة.

التفت حوالي فأجد العشرات وربما المئات اختفوا، ركنوا إلى بيوتهم هربا من التنظيم و حس التنظيم، تلقاهم تارة في الشارع، تلقي إليهم بالتحية، لكأنهم أشباح ميتة تمشي، وجوه يابسة، اكفهرار ظاهر، حزن في العيون بائن، شيب غزا الرأس واللحية، كلام قليل وتهرب من كل ما يمت إلى التنظيم بصلة، ومنهم من لم نره منذ سنين لا ندري ماذا فعل الله به، حتى إذا رأيناه صدفة وجناه وقد صار إنسانا عاديا بسيطا يمشي مع الوقت حيث سار.

هذا ما حضرني هذه اللحظة، على انني أحيانا أستفيق ليلا متذكرا أحباب الماضي من الرجالات الذين أحببناهم في الله وجالسناهم سنين في مجالس الايمان حتى شتت التنظيم كل شيء ولفظ كل شريف، ثم هو اليوم ينكر فضل كل سابق بالخيرات بإذن الله أفنى عمره في خدمة الدعوة ثم مات منسيا على الهامش، يموت فقيرا منبوذا في الربذة لا يسأل فيه أحد ولا يطلع على أحواله مع الدنيا أحد.

إن الانظمة السياسية الحاكمة رغم ظلمها الظاهر إلا أنها تحمي خدامها، توفر لهم أسباب العيش الكريم، تسمي الشوارع باسمهم، تصرف لهم معاشات سخية، تذكر الشباب الحالي أنهم في مأمن من النظام وأن لا أحد منهم سيندم يوما على نصرته للنظام، تشجعهم على مزيد من البذل والعطاء، والاغرب من ذلك أن بعض قيادات التنظيم الاسلامي تطمع في كرم النظام وعطائه، فهي تعمل بذكاء، تعمل داخل التنظيم وتحكي في الظاهر عن قصص الجهاد، لكنها من الجهة الاخرى تحافظ على علاقات طيبة مع النظام وتأخذ كل شهر معاشاتها من خزينته، وإذا سالتها ما بال إخوانك المعوزين الذين رماهم التنظيم في دائرة النسيان لم لا ينالهم كرم التنظيم، قالت لك إنهم كانوا يعملون مع الله وليس مع التنظيم، فليس لهم اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين التشويه والنميمة المنظمة والقطيعة والحقد.

ما أبشع التنظيم عندما يتحدث بلغة التصوف وهو أشد عداوة للصوفية والدائرين حول حمى التصوف، ما أبشع التلاعب بالدين والمفاهيم التربوية العالية، ما أبشع أن تستخدم أخاك وتفوت عليه فرص جمع المال والشواهد العليا ثم ترميه بسلطتك التنظيمية عندما يشتد ساعد التنظيم ويستغني عن الرجال، ما أبشع أخلاق التنظيم، لكننا نقول من صميم قلوبنا فعلا، من عمل شيئا فلله، وعلى الشباب الحالي في صفوف التنظيم الاسلامي أن يستشعروا هذا الأمر بكل واقعية، فعليهم أن يضربوا جهة مصالحهم قبل أن يرميهم التنظيم جثة هرمة، على الشباب اليوم أن لا ينساق وراء الحركية المفرطة والرمزية التنظيمية الخارجية، بل عليه أن يدرس ويحصل الشواهد العليا ثم يعمل على ضمان مستقبله المالي عن طريق الانخراط في مراكز العمل التي تدر دخلا كريما شريفا حتى يحمي نفسه وأسرته وأطفاله من طعنة التنظيم آخر العمر.

على الشباب أن يعي أن التنظيم لا كبد له على أحد، عليه أن يجمع بين المصلحة الشخصية ومصلحة التنظيم، عليه أن يستشعر الخطر خاصة عندما يتقدم به العمر، حينها سيعلم ما أقوله الان، سيعلم هؤلاء الشباب أن لا أحد سيكون بجوارهم سوى أباءهم وجيوبهم، لا اريد لهم المذلة التي وقع فيها رجال قضوا في التنظيم أربعين سنة ليجدوا أنفسهم مهزلة وملطشة وعالة يعانون الفاقة على ابواب "اللي يسوى وللي ما يسواش"، لا أريد لهم جهدا ضائعا في الفراغ، أريد لهم ربح أنفسهم، فإن هم ربحوا أنفسهم فقد ربحت الأمة.

إنه لا أمان للتنظيم، حية تسعى، فالحذر الحذر، لا يلذغنكم ثعبان التنظيم آخر العمر، فالاحتياط واجب، وتزودوا للدنيا فإن خير زادها الدبلوم والمال والوظيفة.


◀ الفصل السابق: تنظيم حقود

🔖 فهرس الكتاب

الفصل التالي: الاستنطاق التنظيمي

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية