فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

إسعاف جرحى الطريق أم تصفيتهم؟

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 57 من 77 — فهرس الكتاب

جرحى الطريق لا ينحصرون في المفصولين فقط، بل هم كثير، فالفصل جرح من جهة خارجية تقتنصك لتقتلك، وهي التنظيم وأفاعيه، وكذلك يقتنصك إبليس اللعين على الطريق، وقد يقع الجرح جراء عوامل داخلية في المؤمن السالك طريق الجهاد والتربية، من بينها رعونة الطبع وشهوات النفس وانحلال العزم وخوار الهمة ورياح الهوى وخسة المعدن.

نستشف إذن أن جراح السالك مصدرها بالأساس إما رعونة في النفس وإما غواية الشيطان وإما مكائد التنظيم.

إن المؤمن السالك يحمل في نفسه عوامل النجاح وعوامل الموت في آن واحد، فهو يستطيع بصدقه وصفاء سريرته واجتهاده في الطاعة وابتعاده عن المعصية وإلجام نفسه بذلك أن يسلك الطريق دون خطورة تذكر، يبقى له عدوان خارجيان، الشيطان يستعيذ منه ويحصن نفسه منه بالمعوذات القرآنية والوضوء الدائم وكثرة الاذكار وتجنب المال الحرام، ويبقى التنظيم آخر عدو يجب الحذر منه، هياكل أو أفراد، فالإخوان السالكون هم عامل خطير قد يطعن السالك في ظهره في أي وقت، إما حسدا وإما مكرا وإما فصلا وإما تسلطا وبلاء وإذاية، حتى إن المؤمن ليفر أحيانا نحو الشيطان والنفس هاربا من أذى الاخوان، فيقع ضحية لتآمر الاعداء الداخليين والخارجيين الذين يتعاونون عليه يساعد بعضهم بعضا [1]، همهم الوحيد قطع طريق السالك وإيراده موارد الهلاك، وقد ينجحون آخر الأمر فيتحصل لدينا جريح في الطريق أو قتيل لا قدر الله.

القتيل إكرامه دفنه، والجريح يختلف فيه اثنان، فالتنظيم يرى أن الجريح يُقتل أو يُهمل ليموت ببطء، وأولياء الله ينظرون إلى الجريح بعين الرحمة، فيحتضنونه ويداوونه ويعالجونه ليستأنف الطريق من جديد.

من أدبيات الحرب لدى الكفار أن الجريح يُنقذ، فجريح الحرب أخ للمحاربين الآخرين، وجب عليهم أخلاقيا أن يحملوه للمارستان، وقد يستدعي الأمر المخاطرة بالنفس من أجل ذلك، أما التنظيم الاسلامي فالمفروض بما أنه تنظيم إنساني يجتمع فيه بشر من سلالة بني آدم إضافة إلى حمله مشعل الشريعة الاسلامية ومعانيها وأسرارها ورغبته في سيادتها على الناس تحت ظل الامام العادل فردا كان أو مؤسسة فهو مدعو لأن يكون أكثر حرصا على إنقاذ جرحى الحرب، فهو الخادم لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمفروض أنه أحرص الناس على إنقاذ جرحى الطريق النبوي، فأولى بالتنظيم أن يتشبه برسولنا الكريم الذي ما كان يترك أصحابه يموتون جرحى في ساحة الحرب، بل كان صلى الله عليه وسلم يتفقدهم في ساحة الكريهة ويدافع عنهم ويبحث عنهم، فإذا كانوا جرحى عالجهم، وإذا استشهدوا أكرم مثواهم ثم فرض لورثتهم عطاء يخفف به عنهم مصابهم، وإذا وقعوا في الأسر اشترى حريتهم.

فالأصل إذن في السنة النبوية ودين الانسانية أن الجريح يُنقذ ويعالج ويحظى بعناية أخوية تليق بمقام الصحبة والاخوة في الدين ورفقة الخندق، لكن في أحيان كثيرة عندما يَفسُد التنظيم ويحيد عن الأصول وتبرق في عينيه شهوة السلطة وتعجبه الطريق المختصرة السهلة يضحي بأفراده الجرحى ويقتلهم سريعا إهمالا وتجاوزا كي يستمر السير دون مثبطات، اجتهاد ميكيافيلي عقلي ماكر وذكي وخسيس، لكنها وجهة نظر سياسية وتنظيمية تُناقش.

في نظري المتواضع وحسب ما رأيت من تجارب فالجرحى منظرهم مقزز خاصة عندما يهمل التنظيم علاجهم وتفوح من جراحهم روائح منتنة، أتحدث عن معاني وليس وقائع مادية، فما أقصده بالحرب والسلاح والجراح هي حرب السلوك إلى الله وجراح القلب والروح، فالطريق التي نتحدث عنها الاصابات فيها قلبية وروحية وأحيانا مالية وأسرية ولا نتحدث عن جرحى الحرب في الصراعات المسلحة.

التنظيم السلمي من المفروض أن يكون حريصا عل جنوده بما أنه يسميهم جند الله، لا مستهترا بهم ومتشفيا فيهم حينما يصابون في قلوبهم وأرزاقهم، فهم جنود الله المعبؤون للموت في سبيل الله وليس للموت إهمالا داخل أروقة التنظيم، هم جنود مُعدون للموت في ساحة الحرب مع العدو الخارجي لا الموت إهمالا داخل الصف الاسلامي، وعندما يُهمل التنظيم جنوده لكأنه يستهتر بحياتهم وبقلوبهم وبعائلاتهم جملة ويقتلهم في الثكنات قبل الحرب، لكأنه يقول لهم أنتم مجرد بيادق لا غير على رقعة لعبة سياسية ولا قيمة لكم في ميزان التنظيم، هذا الأمر يُعد انحرافا تنظيميا عن الجادة، خراب للأخوة داخل التنظيم الاسلامي الذي من المفروض أنه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسد التنظيم بالسهر والحمى [2].

أن يتألم التنظيم للعضو بالسهر والحمى أمر مبالغ فيه في عقلية التنظيم اليوم، فهذا الأمر كان في عهد الصحابة الذين يدعي التنظيم اليوم أنه يفوقهم مقاما وصلاحا، والحقيقة أن التنظيم لا يساوي ذرة في قدم صحابي كأبي ذر، القامات السامقة للصحابة الذين كانوا يموتون في ساحة الحرب دفاعا عن إخوانهم لا يمكن مقارنتهم بأشباه الرجال في التنظيم الذين يطعنون المؤمنين ويغدرون بهم ويفصلونهم ويغتابونهم ويأكلون مالهم ووقتهم ثم يرمونهم، لا يمكن بتاتا مقارنة الرجال الصحابة الكرام بحثالة مسؤولي التنظيم اليوم الذين يفتخرون أن نساءهم تحكمهم، نخوة الصحابة وشهامتهم ورجولتهم لا توجد بتاتا في مسؤولي التنظيم اليوم، فهؤلاء مجرد إداريون ملتحون قفزوا إلى المسؤولية بطرق خبيثة ماكرة وأصبحوا يتطاولون على الصحابة ويقارنون أنفسهم بالسدة العالية بالله وبرسول الله، بل وأحيانا يدعون أنهم أفضل من الصحابة.

أستغفر الله.

لنكن واقعيين وصريحين، التنظيم الاسلامي اليوم تسوده الانانية والبرغماتية و"التاحراميات"، فجرحى الطريق من المؤمنين داخل التنظيم ليس لهم إلا الله، فبمجرد أن يصاب المؤمن في قلبه أو روحه أو جيبه أو أسرته يتفرق الجميع من حوله ويتركونه للذئاب المادية والمعنوية تنهشه، يولونه أدبارهم ويشيحون عنه بوجوههم لكأنهم ما عرفوه ولا عرفهم، هذا إذا لم يطعنوه طعنة الغدر جزاء وفاقا على إخلاصه ورفعه لواء الولاء والاخوة سنين، ولعمري إنها خسة ما بعدها خسة، رحم الله الأستاذ عبد السلام ياسين عندما كان يزور أخاه سيدي محمد العلوي السليماني بعد خروجه من السجن، كان يصله ويحمل عنه ويخفف عنه جراحه حتى استعاد الرجل عزمته ونهض لإكمال الطريق.

الأخوة في الله داخل التنظيم تستدعي إنقاذ الجريح والأخذ بيده لينهض ويكمل الطريق إلى الله لا قتله والاجهاز عليه، الأخ الحقيقي تجده ساعة العسرة والعدو محيط والقتل مستشر والخطر داهم، هناك فقط تبرز الاخوة الصادقة لتكون يدا واحدة شفاء وبلسما للأخ المبتلى، غير ذلك ادعاء في ادعاء وكلام في كلام وخواء في خواء وهراء في هراء يُلقى على الاسماع لتشنيف الاذان لا غير، والحق يقال، الأخ الحقيقي نادر داخل التنظيم، فالقليل القليل من تجده يحملك عندما تصيبك رصاصة العدو، أكثرهم يدهسك بقدمي أنانيته وهو هارب أن يصاب، وقد يراك جريحا تتأوه ألما من طعنات الفقر أو الاحوال التربوية أو الفصل أو التهميش أو المس أو السحر ثم يتظاهر بالعمى لكأنه لم يرك، يعرف أن ثمن الأخوة غال فيأبى أن يؤديه فيتجاهلك متظاهرا بعدم رؤيتك، معنى ذلك إضمار تصفية الجرحى وقتلهم، يقول لك توكل على الله ومت موتتك الطبيعية بعيدا عني، لكن وبالمقابل هناك قلة من المؤمنين يُعالجون ويُداوون ويطببون جراح الجرحى في سرية تامة وخوف من التنظيم أن يفصلهم، أولئك فقط حُق لهم أن ينسبوا أنفسهم إلى كوكبة الجهاد والجندية والأخوة.

هناك الطيبون دائما، لا يخلوا منهم زمن، يقفون عليك ساعة العسرة والدم يسيل منك والقروح تُؤلمك، يحملونك إلى مكان آمن ثم يشرعون في تطبيبك أولا بلطيف الكلام ورفع الهمة وزرع اليقين في نصر الله الذي وعده عباده الصابرين، رفع المعنويات دواء، والكلام الطيب دواء، خاصة عندما يخرج من قلب صادق محب فيقع على قلب الجريح فيداويه ويرفع من معنوياته ليقتحم عقبات الجراح، ورفع الهمة أمر ضروري ليعلم الجريح أن الأمر طبيعي في طريق الله، فطريق الله خطرة جدا وليست نزهة ممتعة على شواطئ الامان والسلامة، إنها عقبات كؤود وحيوانات ضارية مفترسة على الطريق وحُفر عميقة ومطبات متوالية وحشرات ضارة وقطاع طرق مسلحون وسيوف ورماح وجراح، ولذلك فالإخوان الحقيقيون لا يذبحونك لا إهمالا ولا تآمرا، بل يرفعون معنوياتك لتعلم أن الامر طبيعي في طريق الله، فالجرح ليس معناه الاستسلام والموت، الإخوان الحقيقيون يساعدونك على جمع الهمة والنهوض من جديد.

المفروض من التنظيم الاسلامي أن يُنظم عملية التطبيب والمعالجة للعناصر الجريحة لا أن يتأفف من دمائها وقيحها ولا أن يترك التطبيب للإرتجال والعفوية، التنظيم الاسلامي ومسؤولوه يجب عليهم أن يضعوا أيديهم في يد الجريح ويجروه إلى خارج المعركة ليتلقى العلاجات الضرورية مع كامل الحب والتقدير والاحترام والخير، وإذا كان التنظيم منشغلا بالسياسة فعليه أن يؤسس لجنة لهذا الغرض يتم تكليف عناصرها بمهمة الوقوف على الجرحى وإسعافهم، فالعضو الذي يقع في إخلالات أخلاقية عادية يجب أن يُستتاب ويُزوج ويزج به في اعتكافات ربانية يغسل فيها زلته، والواقع في حبائل السحر والشيطان يجب أن يُنقذ بالرقية والدعاء والتحصين وفك السحر [3]، رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس التنظيم كان يفسخ السحر لنفسه ولأصحابه [4]، أُخوة وتربية واقتحام عقبة جماعية وحرص على التنظيم، والواغل في معاناة روحية يجب ان يجد له التنظيم وليا لله يعالج روحه المشتتة الجريحة بطب ولايته، والفاتر الذي انحطت نيته وجب على التنظيم أن يرفع معنوياته ويشحذ همته بالمعاني السامية الراقية، والذي غلبت عليه شهوته يجب على التنظيم أن ينظر كيف يُزوجه لا أن يلومه على رغبته في الحلال وينتظر زلته ليفصله.

كل جريح من الاخوان المجروحين على الطريق وجب على التنظيم أن يداويه ويعالجه عن طريق مصحات وأدوية وأطباء يسهرون على علاج جرحى الطريق وتطبيبهم والاخذ بيدهم حتى يسترجعوا مكانتهم داخل التنظيم ويكونوا جنودا لله مرة ثانية بعزيمة أكبر، وقوة ومعنويات أكثر ارتفاعا، وأجساد أكثر تحملا، وأرواح أكثر صفاء، وقلوب أكثر اتساعا.

على التنظيم أن يفعل ذلك عاجلا وإلا فليرفع يده عن الجهاد بالمرة، فالزج بالمؤمنين في معمعان الحرب ثم التخلي عنهم ليست من الأخوة ولا من المروءة في شيء، فالجهاد قبل أن يكون زحفا هو أُخوة ورُفقة صالحة وتعاون وتحاب وتظافر جهود على قضية المؤمن نفسه لا مصلحة التنظيم فقط.


📌 الهوامش

  1. [1] وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ. الانعام 112
  2. [2] قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.
  3. [3] أخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أبي صالح عن ابن عباس قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضا شديدا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لَبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
  4. [4] فقد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم من قبل يهودي من بني زريق يقال له: لبيد بن الأعصم، وكان من نتيجة ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، ولكن الله تعالى عافاه بقدرته، وأرسل إليه ملكين فأخبراه بمن سحره وفيم سحره وأين هو ذاك الذي سحر به والقصة مذكورة بالتفصيل في صحيح البخاري وغيره، وقد كان رسول الله يعالج اصحابه فهو المعالج وهو سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن ماجه في سننه عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، قال: لما استعملي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلي! فلما رأيت ذلك، رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " أين ابن أبي العاص " قلت: نعم، يا رسول الله! قال: " ما جاء بك؟ " قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: " ذاك الشيطان ادنه " فدنوت منه، فجلست على صدور قدمي. قال، فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: " اخرج عدو الله " ففعل ذلك ثلاث مرات. ثم قال: " الحق بعملك " والحديث صححه الألباني.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية