فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

التنظيم المضطهد والفرد المضطهد

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 56 من 77 — فهرس الكتاب

يشتكي التنظيم الاسلامي من الاضطهاد، وكذلك الفرد يشتكي بدوره من الاضطهاد مع اختلاف بسيط، فالتنظيم مضطهد من النظام، والفرد مضطهد من النظام والتنظيم، فهو الذي يقع عليه العبء الأكبر من الاضطهاد، وإذا كان التنظيم كشخص معنوي لا يتألم من الاضطهاد بل تتأخر برامجه أو تتعثر أو تفشل، فإن الفرد يكتوي بـنار الاضطهاد بشكل مباشر، تحترق أعصابه شيئا فشيئا وينال الاضطهاد من صحته ونفسيته وأخلاقه ودينه وماله ومستقبل أبنائه وهناء عيشته، فالاضطهاد يعني بالمقام الأول الفرد المنتمي إلى التنظيم لا التنظيم.

الاضطهاد مظلومية يرفعها التنظيم لتحقيق مكاسب سياسية على رقعة اللعبة السياسية تماما كما تفعل المرأة على رقعة قوانين الاسرة، وله كامل الحق في ذلك بما أنه تنظيم في الاصل يحق له العمل السياسي بكل حرية تماشيا مع حقوق الانسان ومع تعاليم الاسلام التي تسمح بالوصول الى السلطة بالوسائل الشرعية، مبدئيا نتفق أن الوصول إلى السلطة حق مشروع، وليس عيبا أن يرى الشخص أو التنظيم نفسه أهلا لتسيير شؤون العامة، شريطة أن يعمل للوصول إلى ذلك بالوسائل الشرعية لا بالعنف، فكل عمل بالاكراه باطل، ككل العقود المدنية والاجتماعية التي تنعقد بالتراضي كأهم ركن من أركان الانعقاد وتبطل بالاكراه والتدليس، كالسيف يضرب الارادة في صميمها فتبطل الاعمال التي تبنى عليه [1]، فلا جدال.

على أن الاضطهاد يقع عند عدم احترام حق من الحقوق الطبيعية للفرد أو التنظيم، فتتدخل قوة غاشمة لضرب المعني بالأمر والذي غالبا ما يكون في موقع تنازع على السلطة أو لمجرد الخشية منه أن ينازعها، فالتنظيم تتدخل الانظمة الحاكمة لضربه بما أن الدولة تحت سيطرة فئة معينة لا يخدم مصالحها سقوطها عن سدة الحكم [2]، والفرد يكون معرضا للاضطهاد من الدولة بما أنه عضو داخل هذا التنظيم الذي يهددها، ويكون هذا الفرد نفسه معرضا للاضطهاد إذا ما شكل تهديدا للمسؤول التنظيمي وطمع في منصب تنظيمي داخل التنظيم، فالصراع على السلطة هو سبب الاضطهاد دائما [3]، بما أن السلطة ملتقى كل المتع.

يكتب صديق دائما على صفحته في الفايسبوك عن مظالم التنظيم واضطهاده من النظام السياسي الحاكم، يبكي دائما مظلومية تنظيمه، يُشيطن النظام والفرقاء السياسيين الاخرين، وكذلك كنت أفعل إلى عهد قريب، فقد قضيت سنوات أمام الحاسوب والهاتف أضرب في الانظمة السياسية وأبرز مساوئها وأنتقد سياساتها، وقبل ذلك قضيت سبع سنوات في الجامعة أرجمها بشر النعوت لاضطهادها تنظيمنا الذي نرى فيه خلاصا أمتنا ومقيما لدولة العدل، وقضيت سنوات أخرى في التنظيم أنتقدها وأدعو الناس إلى الجماعة التي أنتمي إليها وأبشرهم بنظام وليد أكثر عدلا، كنت أنتقد دائما بشراسة برامج الانظمة السياسية في التنمية والسياسة الخارجية وطرق تدبير الشأن المحلي، فكنت معرضا دائما للاضطهاد.

الحرمان من الحقوق الوطنية عقوبة جنائية، وهي تقع من الانظمة السياسية دون محاكمة عندما يتعلق الأمر بمعارض سياسي، هذا الأخير يجب عليه ان ينسى الوظيفة وينسى جميع حقوقه التي يكفلها له الدستور، والحقيقة أنني كنت أتوقع كل هذا من النظام وكنت مستعدا له بل ومستعدا حتى للموت فبالأحرى الحرمان السياسي والتضييق الاقتصادي، هذا التضييق لم ينل مني الشيء الكثير، حتى إذا اختلفت مع مسؤول بسيط في التنظيم الاسلامي عبارة عن نقيب شعبة قام التنظيم بفصلي والتضييق علي وفتح مشاريع اقتصادية منافسة لضرب رزقي وتشتيت أسرتي والتفريق بيني وبين زوجتي وتأليب الجيران والاخوان وجميع الاصدقاء في مواقع التواصل الاجتماعي على الخاص ورفع الدعاوى القضائية ضدي واعطاء الرشاوى للقبض علي وارسال مذكرات إلى السلطة للتحذير مني.

هذه الغدرة التنظيمية لم أكن مستعدا لها ولم أكن أتصورها، فالاضطهاد السياسي كنت مستعدا له بل وكنت متشوقا له لأنه كان يضفي علي حرارة إيمانية وشعورا ممتعا بأنني أخدم قضية ربانية ترفعني إلى مصاف المجاهدين والصحابة الكرام، إن إذاية النظام لي شيء ممتع، يزيد من حرارة الايمان في قلبي ويعطي للحياة قيمة ومعنى، لكن غدرة التنظيم وطعنته في الظهر اضطهاد لم أتوقعه بتاتا، شيء مؤلم جدا، ورغم ضعفي وقلة حيلتي وندرة مواردي ومروري بأزمة صحية ومالية جراء المعاناة المتكررة مع التنظيم، إلا أن هذا الأخير أبان عن قلب قاس ومعاملة جافة ومكر وخبث كبيرين وباع طويل في التعامل مع السلطة ونكران عشرة وظلم وعدم قدرة حتى على الانصات والاستماع.

لقد وجدت أن الاضطهاد التنظيمي أكبر بكثير من الاضطهاد المخزني، لقد وجدت أن التنظيم يفوق النظام شرا بأشواط، وقد أصابني هذا الغدر في القلب مباشرة بعدما كان الاضطهاد المخزني لا يصيبني الا في الشكل، لقد تيقنت أن الاضطهاد التنظيمي شديد، قاس ماكر وحقير، لذلك توقف انتقادي للمخزن ريثما أجمع أوراقي، فقد وجدت نفسي أسير في الاتجاه الخطأ، فالتنظيم الذي أفنينا عمرنا في خدمته وضيعنا مستقبلنا ودراستنا الجامعة بسبب النضال في صفوفه ليس سوى تنظيم حقير مقتنص للطاقات يقضي بها حاجته ثم يرميها، لقد وجدت أن الاضطهاد التنظيمي أكثر حقدا من حقد النظام السياسي الذي يسمح بين الفينة والفينة للناس بالعيش في هدوء، على الأقل يسمح لك بالعيش في هدوء وصلح غير معلن، بينما حرب التنظيم حرب ضروس، ذلك أن التنظيم الاسلامي لا يكتفي بفصلك بل يعمل على تدميرك الدمار الشامل حتى لا تقوم لك بعد ذلك قائمة، حقد كبير دفين خسيس لا يمكن وصفه سوى بالحقارة وقلة المروءة وانعدام الاخلاق والانسانية.

اضطهاد التنظيم إذن من طرف النظام يبدو أمرا عاديا وطبيعيا بالنظر إلى الاضطهاد الذي يعانيه الافراد أيضا داخل التنظيم، بل وأصبحت مقتنعا أن التنظيم يحتاج إلى قمع أكبر، ليرجع إلى حاضنته الاجتماعية بشيء من التواضع والاهتمام والمروءة، فلا شيء يردع التنظيم سوى النظام، فأجمل شيء أن يضرب الله الظالم بالظالم ليعيش المظلوم، والمعول على الله الكريم الوهاب أن يدمر كلا التنظيمين ليعيش الناس في نظام يختارونه في أمان وحرية، ينتخبون من يولي أمورهم بكل ديمقراطية بعيدا عن وصاية الدين المقدسة ووصاية القهر المسلح، يحتاج الناس الى رفع الاضطهاد كيفما كان مصدره ليعيشوا في سلام وأمان، فالحياة في دوامة الاضطهاد تورث الخوف والخنوع والركوع وقلة المروءة، ومع ذلك فهي تصنع الرجال الاقوياء، لكن المعول على الحرية، فهي صمام أمان الناس لا الرجال الاقوياء الذين صنعتهم ظروف القهر، فالرجال معرضون دائما للنكوص، بينما نظام الحرية والمؤسسات التي تحميه لا يمكن أن ينتكس انتكاسة جماعية، إنه الخيار الأفضل والصائب لمستقبل زاهر للناس.

عندما ينضج التنظيم ويستقيم على الطريقة سيسقي الله الجميع ماء الحرية الغدق ويرفع الله البلاء ثم تأتي السبع التي يغاث فيها الناس ويعصرون، أما والحالة تنظيم ظالم قاهر فلا فرج يرجى في الأفق.


📌 الهوامش

  1. [1] القاعدة القانونية الراسخة تفيد بأن ما بنى على باطل فهو باطل، وهناك قاعدة قانونية أخرى تؤكد أن العقد شريعة المتعاقدين، وأهم ما يبنى عليه العقد هو الارادة الحرة.
  2. [2] الاستبداد السياسي هو التغلب والاستفراد بالسلطة، والسيطرة التامة على مقاليد الدولة بالقوة والعنف واغتصابها من الأمة دون مشورة و رضى منهم.
  3. [3] " كان أخْوَفَ ما يخافه حكام الجوْر أن تلتف الأمة حول رجال القومة والإصلاح. فكان الملوكُ يضطهدون المصلحين، ويبطِشون بالأمة بطش الجبارين، ليصرفوا وجوه الناس عن الرجال". كتاب: رجال القومة والإصلاح. ص45.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية