📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 72 من 77 — فهرس الكتاب
التنظيم الحالي لا يتحاور، يأمرك، يهددك، ينزل عليك، يشوهك، يقصيك، تنظيم لا يملك آليات الحوار، ونقصد بالحوار الحوار الداخلي، وإلا فإن التنظيم يرفع شعارات من قبيل الحوار مع الفضلاء الديمقراطيين والحوار مع صديقي الماركسي وحوار مع القومية العربية وحوار مع النخبة الحداثية وحوار مع الفرقاء الديمقراطيين وحوار مع الغرب وحوار مع المرأة وحوار مع كوكب زحل، حوارات وهمية اقتبسها من حوارات حقيقية من تنظير الامام، حوار مع الخارج يبهرج كل حين لكن الحوار مع الرجال داخل الصف غير كائن، مرفوض بتاتا أن تطلب الحوار مع مسؤول تنظيمي ما وتناقشه دون خوف من الفصل، حوار التنظيم مع الأحرار الصادقين داخل الجماعة غير ممكن بتاتا، إنه جريمة في نظر تنظيم طغا حتى أصبح يرى أن حوار الآخر معه تطاول لا يُغتفر.
عرفت كثيرا من المؤمنين كانوا يطلبون فتح قنوات الحوار معهم داخل التنظيم، وحرصوا دائما على الادلاء بإفكارهم الجديدة ومقترحاتهم التي يرونها مفيدة، وكنت لا أتصور بتاتا أن يتعامل التنظيم مع هذه الطاقات الجيدة بهذا الصد والاعراض والاحتقار والتنقيص، ذلك أنني كنت داخل التنظيم أرى أن التنظيم لم يتواصل مع هذه الاشخاص إلا لعيب في سلوكياتهم أو لخلل في أخلاقهم أو لعوج في أفكارهم، فالتنظيم كان بالنسبة إلي شيئا لا يمكن أن يظلم أو يُخطئ، فدائما كنت أرى الصادحين بالحق عملاء من الخارج أو ربما سكنهم الشيطان أما رؤساء التنظيم فهم صحابة كرام، مؤمنون لا يخطئون.
عرفت لاحقا أن هؤلاء الطاقات المقهورة أشخاص مُبدعون رفضوا القوالب الجاهزة التي يضعها التنظيم أمامهم ويأمرهم بالتشكل وفقها دون أية مناقشة، وبعد أن قضا التنظيم عليهم ورمامهم جانبا وبعد أن وصل السيف إلى رقبتي بعدما بلغت سن النضج صرت أرى أن القضاء عليهم كان جريمة تنظيمية، وإذا كان الحورا مغيبا داخل أروقة التنظيم اللهم ذلك الحوار البارد الخادع الذي يخفي المكائد المنصوبة لمن يطالب بالحوار فإننا نطالب اليوم بكل قوة أن تفتح أبواب الحوار على أوسع نطاق حتى يدلي جميع أهل الدار من الجماعة ومن التنظيم وخارجه بأرائهم الحرة ومناقشتها دون قيود.
طبعا التنظيم الجبار الخوار يرى بمؤسساته التي تشيطنت بروح الديكتاتورية أن الحوار ضياع للتنظيم وانحلال للجماعة، التنظيم يرى أنه إما أنا أو لا أحد، الوطن أنا وأنا الوطن، تماما كما يرى الممسوسون بشيطان الدكتاتورية من أنظمة الجبر، أنا أو الخراب، والتنظيم الاسلامي على هاته الشاكلة يرى أنه وحده المؤهل في صيغته الحالية في سيادة المؤمنين والخروج بهم إلى بر الامان، لكنه في الحقيقة لا يريد إلا الخروج بمصالحه ورئاساته إلى الأمان، إنه يكره الحوار لأنه يخلق جوا من الشفافية ويضع الأصبع على كثير من أماكن الخلل، والمسؤولون ليسوا من الرجولة الكافية ليقبلوا الحقيقة، وليسوا من الصدق والفناء في المصحوب بحيث يفضلون مصلحة الجماعة على مصلحتهم الشخصية الرئاسية والمالية.
التنظيم الحالي ممسوس بمس التكبر والعجرفة والديكتاتورية واللوبيات وكثير من المصالح المرسلة على قيادة التنظيم، وبالتالي يصعب أن ينزل هؤلاء منزلة الحوار، اللهم الحوار المغشوش على شاكلة الحوار الذي يطرح أمام الفرقاء السياسيين و الذي يخفي التنظيم خلفه سكين الغدر، هذا الحوار ليس سوى استدراج إلى موقعة الركوب الانتخابي ثم الذبح السياسي بعده، أما الحوار الحقيقي فهو ليس من شيم التنظيم الحالي.
يحسب التنظيم بعدم نزوله إلى أرض الحوار أنه يترفع عن الحيوانات التي تطالب بالحوار، وأحيانا يريد قتل الآخر بالتغافل والبرود والتهميش، فيموت الآخر من تلقاء نفسه بعد مدة من التهميش حسب قوة تحمله، وقد قتل التنظيم رجالات تنظيمية كثيرة وقامات تربوية سامقة عديدة بالفصل أو التهميش، لكن القلم لا يموت، والورق لا يموت، إن الكتاب ينتقل في المكان والزمان، والأفكار تنتقل عبر الأجيال وتظل في الضمير الجماعي قرونا حتى تؤتي نتاجها، فلا يغترن التنظيم بإفلاته من جرائمه التاريخية، فلسنا ممن ينسى مثلا الفصل التعسفي للأستاذ الملاخ رحمه الله وكثير من أمثاله.
الجريمة تظل حية في الضمير الجماعي تنتظر الوقت المناسب لتطفو على الوجه، ثم يقتص الرجال من المجرمين.
التنظيم إذن لا يؤمن بحرية التعبير والاختيار، فهو مع تعامله مع الجماهير يستشعر فهمه الالاهي وتميزه الديني المقامي ويستبطن في نفسه مصادرة حق الناس في التعبير وسيطرته على الفهوم والارادات، إن التنظيم الاسلامي في صيغته الحالية إذا وصل إلى السلطة لن يتردد في فرض توجهاته الدينية وفهومه السياسية وبرامجه الداخلية على الجميع، إنه مستعد لمسخ الجميع ليعيش نموذجه المقدس، إنه مستعد حتى للانقلاب على أصدقائه الذين أوصلوه إلى السلطة وذبحهم جميعا، وما شعارات الحريات والحقوق والميثاق والطاولة المشتركة إلا مطية إلى السلطة، لعبة سياسية، وحينما يصل المسؤول الذي أعرفه جيدا إلى السلطة سيذبح الجميع، إنه لا يحب أن يشاركه السلطة أحد ولا أن يشاركه الفهم أحد، يعتقد أنه يفهم عن الله، لا فهم إلا فهمه، ولا عمل سوى عمله ولا رأي إلا رأيه، المسؤول الحالي عندما يصل إلى السلطة سيرى الجميع حجم الديكتاتورية الدينية والتنظيمية المكتنزة في التنظيم الاسلامي.
لقد رأيناها داخليا على مدار سنين، وسيراها الآخرون على أرض الواقع السياسي عيانا فيقول السابقون هل من محيص.
أكثر شيء مقته في حياتي هو تلك الابتسامة التي تطالب بالحوار التي يلقي بها مسؤولو التنظيم أمام الكامرات طالبين فيها الحوار مع اليسار الموحد والحوار مع اليسار غير الموحد والحوار مع الدولة والحوار مع المسؤولين في الدولة التي يرونها دكتاتورية وفق شروط من بينها الحرية وعدم وضع قواعد مسبقة ثم تقسيم الكعكة واستلام سلطة مريحة والعمل في أجواء كلها حرية.
يا أيها الحقير كيف تطلب الحرية لتنظيمك وأنت تمنع أعضاءك من الكلام وكل من يتكلم يرعف، هل تستطيع أيها التنظيم أن تحاور الرجل الذي أرسل لأمينك العام رسالة كلها حرقة ونصح ومد ليد التواصل والحوار، هل تستطيع أن ترسل بعض مسؤوليك ليتحاور مع عبد ربه الذي كواه وشواه مسؤولوك في طنجة، هل تستطيع أن تحاور كل غيور على مشروع التربية والزحف الذي دمره مسؤولوك بتنظيمهم الذي لا يملك أدنى شروط التنظيم الأخوي.
خراء التكبر يمنعك من الحوار أيها التنظيم الحقير.
دع عنك الحوار الرصين الذي لا تؤمن به وتعال إذا كنت رجلا إلى حوار السيوف، تعال نتحاور بالسيف كما تحاور به الصحابة الكرام ثم حسموا الخلاف بالوسائل التي يفهمها تنظيم عصرهم، لكنك لا تستطيع رغم تفوقك المادي والعددي أن تتحاور لا بالكلام ولا بالسيف، فالديوثة المقززة غزت مسؤوليك وحاشا أن يملكوا من الرجولة ما يحملهم على حمل سكين، مسؤولون تحكمهم نساؤهم، مسؤولون أقصى ما يواجهون به هو النميمة وجميمعات النساء، تنظيم يتحاور بالضرب تحت الحزام على طريقة النساء.
امكر أيها التنظيم الجبان كالنساء واضرب من الخلف كما اعتدناك، ويوم نطيح بك سنقيم تنظيم الرجولة بهياكل وقوانين واضحة تكفل الحوار إلى يوم الدين، نترك تنظيما حريصا على أحفادنا، يتحاور معهم ويفتح أمامهم كل وسائل النقاش الهادئ والحوار الرصين، يقبل أفكارهم، يقلب مقترحاتهم، لا يفصل، لا يحتقر، لا يهمش، لا يغتاب، لا يشوه، لا يقصي، لا يضرب تحت الحزام، تنظيم شجاع لا يخاف من حوار ولا يكيد في ظلام، تنظيم إسلامي على شريعة الاسلام لا تنظيم مصلحي على شريعة ميكيافيلي.
اترك تعليقاً