فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

طاحونة التنظيم

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 71 من 77 — فهرس الكتاب

التنظيم طاحونة كبيرة، تطحن النفس الخبيثة في الحالة السليمة وتطحن النفس الطيبة في الحالة العكسية، فالتنظيم مكون من دوائر منظمة وبرامج مسترسلة وعجلات إدارية تدور بصفة مستمرة، والذي لا يعرف اللعب مع هذه العجلات تسرقه الايام فيجده نفسه مطحونا في ذاته وفي قلبه وفي روحه وفي عقله وفي إرادته وفي آخرته، ولذلك فالمتبصر لابد أن يلاحظ الاعداد الهائلة من الرجال الذين طحنتهم آلة التنظيم ثم رمت بهم جانبا بعدما أفنوا ذواتهم في سبيل دوران عجلاتها.

لابد لنا أن نتعلم فنون اللعب مع آلة التنظيم الحادة قبل أن ندخل غمار العمل الاسلامي المنظم وأي عمل منظم بصفة عامة.

يقول أهل الحكمة إن التربية إذا لم ترافق العملية التنظيمية على طول مسارها وإذا لم يحكم ولي الله التنظيم ويقبض عليه من قفاه وإذا لم يتمكن رموز التربية داخل الجماعة من الافلات من قبضة مسؤولي التنظيم والعلو على دوامة الحركية التنظيمية الفارغة كادت آلة التنظيم أن تطحنهم في نفوسهم وقلوبهم وأرواحهم وآخرتهم، فنجد أنفسنا آخر الأمر أمام هياكل تنظيمية فارغة وذمم إيمانية نخرة، ثم يقال لنا بعد ذلك لقد مر من هنا مؤمنون صالحون، كانوا وكانوا قبل أن يستنزفهم التنظيم ويطحنهم طحنة العمر.

رويدك يا فوزي، ماذا تقول بالله عليك؟ كيف يطحن التنظيم المؤمنين وهو يشغلهم بالتنظيم والجهاد والعمل المنظم لإعلاء كلمة الله وإرساء أسس الخلافة الاسلامية الراشدة؟ هل غرك الشيطان أم هي هلوسات أذية المؤمنين المتربعين على عروش المسؤوليات التنظيمية؟

أجيبك أخي الكريم قائلا إن ما يبدو لك جهادا وعملا تنظيميا دؤوبا يفتل في الخلافة الراشدة ما هو إلا نزيف للروح والقلب وإدخالهما في طاحونة الدنيا والصراع الدنيوي وإفراغ القلب من معاني الصفاء والمحبة والتعلق بالله، فالخلافة الاسلامية والدولة الاسلامية والانتصار الاسلامي والفوز الانتخابي والكيد للفرقاء السياسيين وتحريض المؤمنين على الجهاد وأحيانا المكر بهم خفية ثم معالجة الاكراهات التنظيمية التي تلعب على التناقضات وتُؤذي الاقرب قبل البعيد وأخيرا الدخول في دوامة من المجلس إلى المجلس ومن الساحة الى الساحة ومن اللقاء إلى اللقاء، كلها عوامل تؤدي إلى تفتت الكيان الداخلي للمؤمن وتُكسر التميز الشخصي وتقتل الابداع الداخلي وتُجهز على جميع الملكات الثقافية والروحية الخاصة، فيتحصل لدينا مؤمن كبير في السن، راح وغدا في أزقة التنظيم طويلا، فارغ تربويا، عديم الشخصية، غير واصل إلى الله، خال من الابداع والعطاء الفردي، فإذا لم يكن قياديا بارزا تتبعه طبول التبريكات مات يوما وأصبح كأن لم يكن ثم راحت غدواته التنظيمية سدى الله اللهم إذا باركتها نية صالحة.

ولذلك كان التوازن بين التربية والتنظيم من آكد الأمور التي تحفظ قلوب المؤمنين وأرواحهم وتحفظ الجماعة من الدخول في متاهات التنظيم التي لا تنقطع ومغامراته التي لا تنتهي، فالتربية رغم أنها ذات طابع شخصي إلا أن لها تأثيراتها ذات أبعاد تنظيمية، وما يهمنا هنا هو الحفاظ على الكيان الخاص للمؤمن أن يستهلكه التنظيم ثم يرمي بصاحبه بعد ذلك إلى مزبلة الفصل والنسيان أو يبقيه تائها في قاع طاحونة التنظيم، فإذا كانت مهمة التنظيم هي إقامة الدولة الاسلامية فمهام ولي الله هي تتـميم الأخلاق وتنوير الارواح والزج بالقلوب التي ينشط أصحابها داخل التنظيم في الحضرة الالاهية، أما غير ذلك فهو السراب في السراب وعمل سياسي فارغ لا يمكن أن يخدم الفرد في قلبه وروحه بل يمكن أن يُستعمل كل لحظة لقضاء مآرب رئاسية أو يُركب عليه لتعزيز امتدادات مذهبية.

التنظيم يجب أن لا يكون طماعا في المناصب السياسية على حساب أرواح المؤمنين الذين يعملون في أروقته، فالكمال الذي تميز به التنظيم النبوي الأول هو الحرص على دنيا المؤمنين وقبل ذلك الحرص على قلوبهم التي لا يجب أن يطحنها التنظيم بأعماله الروتينية ومغرياته الرئاسية والمالية، فرأسمال التنظيم الحقيقي ليس المال وليس السلطة وليس المقرات الفارهة وليس المشاريع السياسية والاقتصادية، بل هو المؤمنون في حد ذاتهم، فمتى حافظ التنظيم على قلوب أعضائه ودنياهم فقد أوشك أن يربح الرهان الحضاري واللعبة السياسية أيضا.

ويبقى السؤال: مَنْ لجيل أو جيلين طحنهم التنظيم فأصبحوا اليوم حطاما بشريا وإشكالية أخلاقية؟ طبعا لهم الله، والدرس الذي يجب أن يستفاد هو ضرورة خلق سياسيات تنظيمية جديدة تحافظ على الشخصية المنضمة إلى التنظيم كي لا يطحنها هذا الأخير في دواليبه ثم يرمي بها، هذه السياسات يجب أن ينبري لها أهل العلم والسابقة وتفتح لها أوراش كبيرة في أجواء ديمقراطية من أجل الخروج بأوراق تكون ملزمة للتنظيم يستطيع بها الأفراد ثم يعملوا دون خوف من الطاحونة التربوية والتنظيمية.

وحدها الإجراءات والتدابير التنظيمية الصارمة يمكنها أن توقف الطاحونة التي تطحن حياة الناس، وفي انتظار ذلك أملنا أن يسقط تنظيم يؤمن بالدكتاتورية ويصعد تنظيم جديد يؤمن بالحوار.


شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية