📖 القانون الإداري — الفصل 2 من 12 — فهرس الكتاب
مدخل
التنظيم الإداري ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق الغايات التي تستهدفها الدول كما أنه أسلوب لتحديد نوعية الأعمال اللازمة لتنفيذ السياسة العامة للدولة وتوزيع هذه الأعمال بين أقسام الإدارة والعاملين فيها وبيان كيفية إنجازها باستخدام الإمكانات المتاحة بأقل نفقة وأيسر جهد.
أولا : تعريف القانون الإداري
القانون الاداري “هو مجموع القواعد القانونية التي تحكم الإدارة أو السلطة الإدارية سواء كانت مركزية أو لا مركزية”. طبقا لهذا التعريف فالقانون الإداري هو قانون الإدارة، لكن هذا التعريف يتماشى مع المفهوم التقليدي حيث كانت الدولة تنعت بالحارسة على الأمن والصحة والدفاع، لكن بعد التطورات الاقتصادية أصبح القانون الاداري يتدخل في مجالات كثيرة اقتصادية واجتماعية نتج عن هذا إحداث ا لكثير من المرافق العمومية والاستعانة بالخواص لتسيير بعض المرافق وعليه يمكن تعريف القانون الإداري : ” هو مجموعة القواعد القانونية التي تحكم نشاط الإدارة سواء قامت به هذه الأخيرة أو قام به الخواص”.
ثانيا : تعريف الادارة
الإدارة هو الجهاز الاداري الذي يسهر على تنفيذ القوانين، وقد ذهبت الدراسات الأكاديمية إلى تحديد معنيين للإدارة، المعنى الأول شكلي أو عضوي والمعنى الثاني موضوعي أو وظيفي.
المعنى العضوي للإدارة يعتبر الإدارة مجموعة من الأجهزة والهيئات والمؤسسات أو المنظمات العمومية الخاضعة للدولة والتي تهدف إلى التدخل في الحياة العامة لتحقيق المصلحة العامة، فالتركيز هنا ينصب على الجانب الهيكلي والتنظيمي للإدارة أي المؤسسات العمومية المختلفة أيا كانت طبيعتها، والجانب الثاني في هذا المعنى هو الأشخاص القائمة على تسيير دواليب الإدارة كـرئيس الحكومة، وزير الدولة، الوزراء، الكتاب العامون، رؤساء المصالح إلى أن تنتهي إلى آخر مستخدم في الوزارة أي الأعوان.
أما المعنى الوظيفي لتعريف الإدارة فهو ينطلق من كون الإدارة هي ذلك النشاط الذي تقوم به الدولة أو السلطات العامة باستعمال وسائل تتوفر عليها من أجل تحقيق المصلحة العامة، وهذا النشاط هو الذي يؤدي إلى احتكاك الإدارة بالأفراد فتنتج عنه روابط مختلفة، فمن الأفراد من يتلقى هذا النشاط في صورة خدمات عامة، ومنهم من يدخل في روابط تعاقدية مع الإدارة ومنهم من يقوم بتحقيق هذا النشاط كالموظفين والمستخدمين الذين قد يتسبب بعضهم في أضرار مادية أو معنوية لأشخاص القانون الخاص الأمر الذي تثبت معه مسؤولية الإدارة في التعويض، ومنهم من يمس بحقوق الخواص أو حرياتهم أو وضعياتهم القانونية.
تجدر الإشارة إلى أن القضائي المغربي يأخذ بالمعنيين معا لتحديد معنى الإدارة، فهو يأخذ بالمعنى العضوي تارة وبالمعنى الوظيفي تارة أخرى.
ملاحظات
• قواعد القانون الخاص وجدت بصفة أساسية لتنظيم علاقات الأفراد على قدم المساواة، بالإضافة إلى قيامها على مبدأ الارادة الحرة والعقد شريعة المتعاقدين، أما قواعد القانون الإداري فهي تقوم على مبدأ آخر وهو تمييز الإدارة الساعية إلى تحقيق المصلحة العامة.
• تستطيع الإدارة أن تصدر أوامر ملزمة للأفراد بإرادتها المنفردة ( القرارات الإدارية) فتلزمهم بأداء معين أو تمنعهم من القيام بتصرفات معينة فتحد بها من حرياتهم حفاظا على النظام العام.
• تستطيع الإدارة أن تنفذ قراراتها جبرا على الأفراد ولها أيضا أن تقضي ما تراه حقا لها دون حاجة إلى اللجوء إلى القضاء.
• للإدارة أن تنزع الملكية الخاصة من أجل القيام بمشروعات تدخل في إطار المصلحة العامة.
• للإدارة أن تعدل في بنود العقود التي تبرمها مع أشخاص القانون الخاص بغير موافقة الطرف الاخر إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك بشرط التعويض المالي.
• تتوفر أعمال الإدارة على قرينة السلامة، بمعنى أنه يُفترض أن المقرر الصادر عن الإدارة صحيح وخال من العيوب وعلى الأفراد الخضوع له وعدم مقاومة الإدارة عندما تشرع في تنفيذه حتى ولو تشككوا في مشروعيته، ولهم الحق بعد التنفيذ في اللجوء إلى القضاء الإداري بطلب إلغاء القرار الاداري بدعوى تجاوز استعمال السلطة.
ثالثا : خصائص القانون الاداري
قانون حديث النشأة، قانون قضائي، قانون غير مقنن.
حديث النشأة :
يستلهم القانون الإداري مجموعة من قواعده من القانون المدني، كما أن الشريعة الإسلامية تشتمل على قدر مهم من قواعد القانون الإداري مثل نزع الملكية من أجل المنفعة العامة وجمع الخراج والحصول على الأموال لغرض الدفاع عن دار الإسلام، وقضاء المظالم والحسبة والبريد.
ورغم ذلك فإن القواعد والأفكار القانونية لم تكن تجسد القانون الإداري بمعناه الاصطلاحي، لذا فإن فرنسا التي تعتبر أم القانون الإداري اتخذت عدة تدابير منها إبعاد السلطة القضائية عن الإدارة العامة وعن القضايا الإدارية، حيث إنه تم إبعاد القاضي العادي عن النظر في أية دعوى تقام في مواجهة الإدارة، حيث كان مجلس الدولة الذي أنشئ في العاصمة هو الذي ينظر في الدعوى ويقدم عنها تقريرا إلى رئيس الإدارة المشتكى ضدها أي الوزير المختص، وكان لهذا الأخير الحق في الأخذ بالحل الذي يتضمنه التقرير أو رفضه.
لكن وبمقتضى مرسوم 30 سبتمبر 1953 تم إحداث المحاكم الإدارية إلى جانب مجلس الدولة فلم يبق هذا الأخير هو الوحيد المختص للنظر في دعاوى الإلغاء في تجاوز السلطة، بل أصبحت المحاكم الإدارية الفرنسية هي التي تنظر في جميع القضايا الإدارية بصفة ابتدائية على أساس إمكانية الطعن فيها أمام مجلس الدولة.
القانون الاداري إذن وليد فرنسا الحديثة أما المغرب فلم يعرفه إلا سنة 1906 مع معاهدة الجزيرة الخضراء التي تضمنت بنودا بتنظيم بعض المرافق العامة وتحديد طرق نزع الملكية وتنظيم إنجاز الاشغال العامة، ويمكن القول أن أول نواة لتكوينه الفعلي بدأت بالفصل الثامن من ظهير 12 غشت 1913 الذي كان يجعل المحاكم العصرية مختصة للنظر في المادة الإدارية في الدعاوى الرامية إلى مطالبة الإدارات العمومية بالتعويض عن الأضرار الناجمة:
عن تنفيذ العقود المبرمة من طرف الإدارة
الأشغال العمومية التي أمرت القيام بها
جميع أعمالها التي تسببت ضررا للأفراد
كما أن الفصلين 79 و 80 من ظهير 12 غشت 1913 بمثابة قانون الالتزامات والعقود المغربي يتعرضان لمسؤولية الدولة والبلديات التقصيرية عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها.
هذه النصوص لم تنظم جانبا مهما من القضاء الإداري وهو الطعن بإلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة، بل لقد سارع الفصل الثامن من ظهير التنظيم القضائي إلى منع المحاكم صراحة من النظر في دعاوى إلغاء القرارات الإدارية أو طلب وقف تنفيذها. وأمام إلحاح موظفي إدارة الحماية الفرنسية ومعظمهم من الفرنسيين فقد فتح تغرة ظهير فاتح شتنبر 1928 لهم الطعن بالإلغاء في القرارات التي تمسهم كموظفين أمام مجلس الدولة الفرنسي. ولقد بقيت الوضعية على هذا الحال إلى أن أنشئ المجلس الأعلى في 27 شتنبر 1957 حيث كان من اختصاصه البت في دعاوى الإلغاء للشطط في استعمال السلطة ضد المقررات الصادرة عن السلطات الإدارية، لكن هذه الوضعية ستتغير بعد إنشاء المحاكم الإدارية بموجب قانون 41.90 والتي بدأت تعمل منذ 3 مارس 1994 والتي وزعت على الجهات الاقتصادية السبع التي أنشئت سنة 1971، كما تم إحداث محاكم الاستئناف الإدارية سنة 2006، كما أن المجلس الأعلى أصبح محكمة نقض بعد وضع دستور 2011.
قانون قضائي
يتميز القانون الاداري بـكون معظم نظرياته ومبادئه الرئيسية لم يرد بها نص تشريعي بل ولدت في حضن القضاء، كما أن القاضي الاداري يُفسر ويؤول القاعدة القانونية الادارية المكتوبة والتي يشوبها نوع من الغموض معتمدا على سلطة تقديرية وما تمليه عليه ظروف النازلة من النظر في المبادئ العامة وخصوصيات المجتمع.
هكذا نجد القاضي الاداري أبعد مدى من القاضي العادي، فهو يبحث عن التوازن بين المصالح الخاصة والعامة، وكثيرا ما يجد نفسه مضطرا لخلق القانون وصياغة مبادئ تشريعية لا تستند إلى نص تشريعي، وهكذا يبرز دور القاضي الاداري في خلق القاعدة القانونية وجرأته في تفسير القانون ويعطي للقانون الاداري كثيرا من معالمه، فإذا كان التشريع بصفة عامة يلعب دورا أساسيا في خلق القواعد القانونية التي تضبط السلوك والعلاقات، فإن التشريع بمعنى التقنين في القانون الإداري لا يزال محدود المجال نظرا لتنوع أطراف العلاقة وتجدد نشاطات الإدارة وتنوعها واتساعها المطرد وامتداد مفهوم الصالح العام، هذه الأمور كلها تؤدي إلى نشوء علاقات ونزاعات مستجدة تتطلب الاجتهاد والحلول الآنية، وهنا يتجلى دور القاضي الإداري المُطالب بخلق نوع من التوازن بين أسبقية الإدارة وسلطتها الشرعية وقرينة الصالح العام من جهة، ثم الحريات الفردية والمصالح الخاصة في ضوء أحكام الدستور والقوانين الأخرى من جهة أخرى.
كل هذا يحدو بالقاضي إلى الاجتهاد القضائي وبالتالي خلق قواعد قانونية جديدة، مما يعني أن للقاضي الاداري دورا مهما في تطوير القانون الإداري.
قانون غير مقنن
التقنين هو جمع القواعد القانونية التي تحكم مجالا معينا من مجالات النشاط الانساني في كل جوانبه أو معظمها في مدونة خاصة، مثال ذلك القانون المدني الذي يجمع القواعد القانونية المتعامل بها في المعاملات المدنية، أما القانون الاداري فلم تصدر بشأنه أية مدونة خاصة ولم يضع له المشرع أي قواعد تنظم المجال الاداري.
هكذا نجد القانون الإداري قانونا مرنا يتطور مع تطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فهو قانون قضائي بالدرجة الاولى يعتمد على اجتهاد القاضي الاداري وحنكته وإلمامه بالحياة الإدارية، فنصوص القانون الإداري لا تجتمع بين دفتي كتاب كما هو الشأن مثلا بالنسبة للقانون الجنائي وقانون الالتزامات والعقود، ورغم عدم وجود مدونة متكاملة للقانون الاداري إلا أن بعض مجالاته قد تقننت في تشريعات خاصة، مثال ذلك النظام الأساسي للوظيفة العمومية، والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وقانون نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، وقانون التعمير وغيرها، لكن الغالب أن الإدارة تعتمد في أعمالها على العرف الإداري والملاءمة مع المستجدات الميدانية.
ومع ذلك يمكن القول أن تدوين القانون الاداري سيساهم في تحسين العمل الاداري والرفع من جودته وخلق جو سليم بين الادارة والمواطن.
📗 خلاصة الباب
- القانون الإداري فرع من القانون العام الداخلي يحكم الإدارة والسلطة الإدارية (مركزية أو لامركزية)، ويمنحها امتيازات السلطة العامة (القرار الإداري الملزم، التنفيذ الجبري، نزع الملكية) مقابل التزامها بتحقيق المصلحة العامة.
- يتميز بثلاث خصائص جوهرية: حديث النشأة (وليد فرنسا الحديثة، عرفه المغرب سنة 1906 مع معاهدة الجزيرة الخضراء)، قانون قضائي (معظم مبادئه اجتهاد قضائي لا نص تشريعي)، وقانون غير مقنن (مرن يتطور مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية).
اترك تعليقاً