📖 القانون الإداري — الفصل 3 من 12 — فهرس الكتاب
مدخل
جرى الفقه على تقسيم قواعد القانون إلى قسمين، القانون الخاص والقانون العام، ويقوم هذا التقسيم على فكرة وجود الدولة باعتبارها سلطة عليا طرفا في العلاقة القانونية.
فالقانون العام هو مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات القانونية التي تكون الدولة طرفا فيها باعتبارها صاحبة سلطان وسيادة، وهو ينقسم إلى قانون عام خارجي وقانون عام داخلي، فالأول يتعلق بالقوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول والهيئات الدولية، أما الثاني فيشمل القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي، في حين أن القانون الخاص هو مجموع القواعد القانونية التي تنظم العلاقات التي لا تكون الدولة طرفا فيها بصفتها صاحبة سلطة.
وبذلك فالقانون الاداري فرع من القانون العام الداخلي الذي يُعنى بتنظيم ونشاط الإدارة، وهي مجموع السلطات والأعوان والهيآت المكلفة تحت إشراف السلطة السياسية بإنجاز مختلف تدخلات الدولة الحديثة، فهو بمعناه الذي ذكرناه فرع من فروع القانون العام إذ هو ينظم هيئات السلطة التنفيذية بالدولة ونشاط هذه الهيئات وعلاقاتها بعضها مع بعض ومع الأفراد.
الفقرة الاولى : علاقة القانون الإداري بفروع القانون العام
أولا : علاقة القانون الإداري بالقانون الدستوري
يعتبر القانونان الاداري والدستوري من القانون العام الداخلي ويشتركان في تنظيم نشاط السلطة التنفيذية، فالقانون الدستوري ينظم علاقة الحكومة بباقي المؤسسات الدستورية في الدولة، أما القانون الاداري فيتعلق بالإدارة، والحكومة والادارة وجهان لعملة واحدة، ومع ذلك فالقانون الدستوري يتميز عن القانون الإداري من حيث أنه يضع القواعد المتعلقة بتنظيم أسس الحكم في الدولة ويبين كيفية تكوين المؤسسات الدستورية بالدولة ويوضح طريقة توزيع المهام بين هذه المؤسسات، كما ينظم العلاقة بين بعضها البعض وتوزيع المهام بين مختلف مؤسساتها الدستورية، الملك، السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وأخيرا السلطة القضائية، أما القانون الإداري فينظم عمل هذه المؤسسات كل واحدة منها على حدة وكذا المرافق الحكومية، أي مختلف الوزارات المكونة للسلطة التنفيذية.
هكذا فالوزير مثلا هو في نفس الوقت سلطة سياسية وسلطة إدارية، فعندما يشارك في وضع السياسة العامة للحكومة وعندما يقف داخل قبة البرلمان فتصرفاته تندرج في إطار قواعد القانون الدستوري بمعنى أنه يتصرف كسلطة سياسية، وعندما يتخذ مختلف القرارات لتنظيم وزارته عندئذ تخضع كل نشاطاته لأحكام القانون الإداري ووفق ضوابطه بما أنه يتصرف كسلطة إدارية.
نلاحظ إذن تداخلا بين القانونين فيصعب التمييز بينهما، وهو انعكاس للعلاقة بين الحكومة والادارة داخل السلطة التنفيذية والمتمثلة في تبعية الادارة للحكومة.
جاء في الدستور المغربي لسنة 2011 :
الفصل 89 : تمارس الحكومة السلطة التنفيذية. تعمل الحكومة، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين. والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.
الفصل 90 : يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، ويمكن أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء. تحمل المقررات التنظيمية الصادرة عن رئيس الحكومة التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها.
ثانيا : علاقة القانون الإداري بقانون المالية
يهتم قانون المالية العامة بدراسة النشاط المالي للدولة أي مداخيل الدولة وكيفية تحصيلها ثم نفقات الدولة وكيفية صرفها ومراقبتها، وبذلك فإن علم المالية العامة يشارك القانون الإداري في تنظيم جزء مهم من نشاط الإدارة.
هناك علاقة وثيقة بين القانون الاداري والمالية العامة، إذ لا يمكن لأي إدارة أن تعمل بدون توفرها على وسائل مالية تستطيع بواسطتها تلبية حاجيات المواطنين ومتطلبات التنمية المنشودة سواء كانت هذه الوسائل عقارات أو منقولات، وبالرجوع إلى صلاحيات واختصاصات الإدارة نجد أن السلطات الإدارية والسلطات المالية مرتبطة بنفس الإطار القانوني، فمثلا القوانين التنظيمية المتعلقة بالجهات أو بالعمالات والأقاليم أو بالجماعات تتضمن بنودا متعلقة بميزانية هذه الجماعات الترابية، فهذه القوانين التنظيمية رغم كونها تندرج ضمن القانون الإداري إلا أنها تنظم النشاط المالي للهيئات المحلية، وبالتالي تفرض مراقبة مالية صارمة على هذه الهيئات من طرف سلطات الوصاية، ونفس الأمر ينطبق على الميزانية العامة للدولة.
نلاحظ أن علم المالية العامة يشارك القانون الإداري في تنظيم جزء هام من نشاط الإدارة بل الدولة، لذا فإن فصلهما عن بعضهما يبدو أمرا صعبا خاصة وأن دراسة الموارد الطبيعية للدولة أي أملاك الدولة العامة تدخل في نطاق القانون، أما دراسة الموارد النقدية كالضرائب والرسوم فتدخل في نطاق المالية العامة، والإدارة لا يمكنها أن تقوم بتلبية الحاجيات العامة دون إمكانية مالية.
ولقد أحسن الدكتور محمد مرغني حين وصف الارتباط بين القانون الإداري والمالية العامة بجناحين لطائر واحد، فلا يمكن للإدارة أن تنطلق إلا بهما معا.
ثالثا : علاقة القانون الإداري بعلم الادارة
القانون الإداري ينطلق من مقاربة قانونية في دراسته للإدارة، فهو يركز في دراسته على القواعد القانونية التي تنظم الإدارة وتحكم سلوكها خاصة فيما يمس علاقتها مع الأفراد، أما علم الإدارة فيهتم بحركة الإدارة وأعضائها ويساهم في الرفع من مردوديتها والتقوية من إنتاجيتها، فـعلم الادارة ينظر للإدارة من الجانب التقني العضوي في حين ينظر القانون الاداري إلى الادارة من الناحية الوظيفية والمادية.
الفقرة الثانية : علاقة القانون الاداري بـفروع القانون الخاص
القانون الخاص يرتكز أساسا على مبدأ المساواة في التصرفات، فلا فرق بين أطراف الدعوى مثلا، أما القانون الإداري فإنه يمنح للإدارة حق إصدار قرارات فردية ملزمة للأفراد قد تؤثر على حريتهم أو وضعيتهم المادية، كما تستطيع الادارة أن تبرم عقودا مع الخواص وتفرض شروطا غير مألوفة في العقود المتداولة بين الخواص، فـتنفذ قراراتها دون اللجوء إلى القضاء، كل هذا من أجل أداء المهام المنوطة بها لضمان حسن سير المرافق العامة بانتظام واضطراد تحقيقا وحماية للمصلحة العامة.
أولا : علاقة القانون الاداري بالقانون المدني
القانون الاداري يهتم بالنشاط الاداري للإدارات والاشخاص العامة بينما القانون المدني يهتم بنشاط الافراد كأطراف متكافئة، ويستمد القانون الاداري أسسه وجذوره من القانون المدني، لكنه أخذ لاحقا ينفصل تدريجيا عن قواعد القانون المدني ويستقل بنظرياته ومبادئه الخاصة التي تناسب العلاقات التي تكون السلطة العامة طرفا فيها عندما تتصرف باعتبارها حامية للمصلحة العامة، بل إن القانون الاداري اصبح يغزو معاقل القانون المدني خاصة في الجمعيات والشركات والنقابات حيث أصبحت تخولها الدولة التصرف كسلطة عامة وتطبيق القانون الاداري على بعض هذه التصرفات خاصة عندما تمارس نشاطا إداريا أو عندما تساهم في تسيير مرافق عمومية، ومن أمثلة ذلك الشركات المتعاقدة مع الادارة العامة في إطار تسيير المرافق العمومية وكذلك النقابات المهنية والجمعيات الرياضية.
لكننا نجد بالمقابل أن الإدارة في أحيان كثيرة تطبق قواعد القانون الخاص المدنية والتجارية والاجتماعية في تعاملاتها، كما هو الشأن في تسييرها للمرافق التجارية والصناعية، أو خلال قيامها بالتزود من السوق دون اعتماد أساليب الصفقات العمومية، فنجدها تتعامل كما يتعامل الخواص، نفس المقتضى بالنسبة إلى مساطر التقاضي حيث نلاحظ أن القضاء الإداري يطبق قواعد المسطرة المدنية على المنازعات الإدارية، وحتى عند وجود مسطرة إدارية خاصة فإن مبادئها غالبا ما تكون مستوحاة من قانون المسطرة المدنية.
ثانيا : علاقة القانون الاداري بالقانون الجنائي
القانون الجنائي أو قانون العقوبات هو فرع من فروع علم القانون التي لها صلة بالجريمة، فهو مجموعة القوانين التي تضعها الدولة إزاء السلوك المنهي عنه الذي يهدد الأمن والسلامة العامة فتتدخل عن طريق سن العقوبات الرادعة على منتهكي القانون الجنائي، هذا الأخير يحدد أركان الجريمة والمبادئ العامة للتجريم والعقاب والجزاء المخصص لكل جريمة والإجراءات الواجب إتباعها في البحث والتحقيق ومسطرة محاكمة مقترف هذه الجريمة وكيفية تطبيق العقوبة التي حوكم بها عليه، أما القانون الإداري فهو يسعى إلى المحافظة على النظام العام ومن ورائه النظام الاجتماعي، ووسيلته في ذلك هي عملية الضبط الاجتماعي بواسطة تدابير الضبط الإداري المتمثلة في الأمر والمنع.
يلتقي القانون الجنائي والاداري في كون بعض الافعال المجرمة إداريا مجرمة جنائيا كاعتداء موظف على موظف آخر بمقر العمل فيستلزم عقابا إداريا وجنائيا، لكنهما يختلفان في تعريفهما لقضايا معينة نظرا لطبيعة المبادئ والأسس التي يرتكز عليها كلا القانونين كـتعريف الموظف العمومي، كما أن الجزاء الجنائي يختلف عن الجزاء الاداري وكذلك تختلف الجريمة الادارية عن الجريمة الجنائية من بعض الزوايا.
📗 خلاصة الباب
- يلتقي القانون الإداري بفروع القانون العام (الدستوري، المالية العامة، علم الإدارة) في تنظيم نشاط السلطة التنفيذية وتدبير المال العام، ويتميز عنها بمقاربته القانونية الصرفة لعمل الإدارة.
- يفترق عن فروع القانون الخاص (المدني، الجنائي) بمنح الإدارة سلطة إصدار قرارات فردية ملزمة وإبرام عقود بشروط استثنائية غير مألوفة، مع التقائهما أحيانا حين تُخضع الإدارة نفسها طواعية لقواعد القانون الخاص.
اترك تعليقاً