📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 38 من 77 — فهرس الكتاب
الأحوال التربوية تفاعلات روحية، حالات وجدانية أو نفسية أو جسدية تعتري أحيانا السالك إلى الله، لا يهمنا في هذا المقام دراسة هذه الظاهرة الروحية، لكن ما يهمنا هنا هو تعاطي التنظيم معها، بما أنه المسؤول أولا، وثانيا بما أنه يتفاعل مع كل صغيرة وكبيرة داخل الجماعة ويفرض سيطرته عليها، سنحاول بداية إعطاء إطار نظري ومفاهيمي للظاهرة قبل أن نعرج على دراسة تفاعل التنظيم معها.
لنقل إن الأحوال التربوية هي مواجيد باطنية [1]، أمور محسوسة يستشعرها السالك إلى الله في قلبه وروحه وأحيانا في جسمه، وقد رأيت أحوالا كثيرة وعشت بعضها، لكن الأصل فيها أنها تبقى باطنة غير ظاهرة لذي عين، فبمجرد أن ينضم السالك إلى الله إلى جماعة المريدين وجه الله يتغير حاله تلقائيا، ومع البداية تأتيه الأحوال الربانية، فهو مع برودة روحه وبعدها عن حلاوة الايمان يستشعر حرارة الاحوال من اللحظة الاولى التي يضع فيها قدمه داخل حوزة الصحبة المباركة، وعندما تسخن روحه لا يكاد يستشعر هذه الحرارة بنفس الحدة التي عاشها أول مرة، لكن قد تباغته أحوال أخرى أكثر قوة مع توغله في الطريق، قد يتحملها وقد لا يتحملها، فيحدث اضطراب نفسي أو جسدي أو هما معا، وهذا ما يصطلح عليه داخل التنظيم الاسلامي بالأحوال، والأحوال نقيصة داخل التنظيم، ومعناها أن صاحب الاحوال رجل أحمق غير مستقيم يخلط الاوراد ويخلط المشايخ ولا يصلح للتنظيم، المعيار هنا معيار مادي بسيط، فبدون معرفة حتى ماهية الحال وسببه يكاد يجزم المسؤول التنظيمي أن صاحب الحال شيطان رجيم ويروج ذلك في المجالس الفوقية والتحتية قبل أن يرميه خارج التنظيم منبوذا.
الأحوال التربوية عقبات أمام السالك إلى الله، عقبات كؤود، صعبة المراس، معاناة، لكنها في أحيان أخرى مواجيد حُلوة تدعو صاحبها الى القعود والتملي [2]، فهي في جميع الاحوال مرها وحلوها عقبات في الطريق من المفروض تجاوزها، والأصل في التنظيم أنه فاهم لمجريات السلوك غير جاهل بها، المفروض في التنظيم أنه يد المرشد، شيء يساعده على تربية السالكين، لا سيف يقتل أبناءه المكافحين على طريق النجاة، فالطريق وعرة والاعداء مبثوثون على طولها، وإنما الحال كـريح إلاهية تزعزع السالك وتحرك قلبه ووجدانه، فالحال مُتحول، يأتي في حالات ويختفي أغلبها، فقد يأتي بكدر وقد يأتي بصفاء، وقد يأتي بقبض وقد يأتي بـبسط، بلذة نفسية وطرب أو بعذاب نفسي واضطراب سلوكي، لكن المعول على الثبات، ثبات القلب والروح في هذه المواطن علامة النضج والرجولة الايمانية، فالقلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، والمطلوب من السالك أن يثبت على الاستقامة وعلى طول الطريق وشدة المراس وحلاوة الاغراء، " يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ" [3].
هو أمر الله إذن، قراره، رحمته وعذابه، فإما أن يورد السالك خيرا وإما أن يورده الهلاك، وما نحن بأهل قرار ولا مشورة، إنما نقول بلسان الحال: " ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" [4]، لكننا نسأل الله السلامة ونُعامل المبتلى بظاهر الحال، نلتمس لأخينا في الطريق سبعين عذرا [5]، ودون تشفي نمد له يد العون، لا نذبحه لأننا لا ندري أَشَرٌّ أُرِيد بِمن فِي الحال أَمْ أَرَاد بِهِ رَبُّهُ رَشدًا، فمعاملتنا كأفراد يجب أن تنطلق من هذا المنطلق، فكم من المبتلين بالأحوال صلح حالهم واصبحوا من الاولياء والدعاة والعارفين، وكم منهم انقلب حاله وأصبح من إخوان الشياطين، فبما أن الامر مختلط هكذا وجب علينا التسليم للفارغ حتى ننجو من الملآن، على أن الامر مختلف بالنسبة للتنظيم، فهذا الأخير ليس مطالبا بالسلبية والتسليم بل هو مطالب بالتدخل للمساعدة، بما أنه آلة المرشد والعنصر المانع من ملاقاة الصاحب بالمصحوب والاسترشاد بإرشاداته والاسشفاء من يده الشريفة، فبما أن التنظيم نائب وحاجز تنظيمي في آن واحد وجب عليه أن يساعد المبتلى بالأحوال لا أن يقطع رأسه بالفصل.
صحيح أن سيف الشريعة قاطع للرؤوس [6]، لكن الأمر يتطلب ثبوت أحوال شيطانية قوية بارزة تهدد الاستقرار الايماني والنفسي للمحيط، كما أن هذا الاعدام يتطلب فتوى من ذوي الاختصاص ثم ولي أمر يحكم بما أنزل الله، وهذان الامران لا يتوافران في التنظيم، فلا هو يملك أجهزة قضائية لأنه لا يملك سوى أجهزة تنفيذ، ولا هو يمتلك أهل اختصاص بما أنه يهمش أهل التربية والقرآن والشريعة جانبا على هامش القرار، ثم إنه ليس ولي أمر ينفذ في المسلمين الاحكام الشرعية، فهو مجرد جماعة صغيرة من المسلمين، كما أن التنظيم لا يعترف أصلا بالشريعة الاسلامية كمصدر للأحكام والسياسيات بل يؤمن بالقانون الوضعي.
التنظيم إذن حاضن وحارس، ومن المفروض أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، يقدم لهم يد المساعدة في إطار الأخوة الايمانية التي تجمعه بالمؤمنين، فـإذا رأى حالة من احتراف الدجل والنصب وثبت له غلبة الحال الشيطاني على المعني فصله من التنظيم فصلا تأديبيا يحتمل الرجوع في حالة التوبة والتخلص من العوارض الضارة بالصف، ومع الفصل تواصل إنساني ومتابعة أخوية لإنقاذ المبتلى من براثن الشيطان، شيء يشبه حرص النبوة على إنقاذ كل رجل من براثن النار والافلات به إلى جنة الخلد.
الأحوال التربوية ليست كلها شيطانية، فإذا كان السالك عرضة للشيطان الجني أكثر من غيره من الناس كون المؤمن السالك إضافة نوعية إلى كوكبة الصالحين الذين يهددون كيان الشيطان وشبكاته، فإن المؤمن مُعرض أيضا للأحوال الربانية، قال سبحانه وتعالى: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ، ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ" [7].
لاحظ معي أخي القارئ كيف وصف الله حال شرح الصدر بنورانية من الله، ولاحظ معي كيف توعد القلوب الخالية من الاحوال الربانية القاسية من ذكر الله بالويل والضلال المبين، ولاحظ معي كيف تقشعر جلود الصالحين ذوي الاحوال الربانية من ذكر الله وقراءة القرآن، أي نعم تقشعر، لاحظ معي كيف وصفهم الله بالهدى ولم يصفهم بالضلال والتخليط، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، فرغم أن القرآن الكريم يصف من تقشعر جلودهم من ذكر الله بالهدى لكنني رأيت أكثر من مرة كيف يستنكر التنظيم هذه القعشريرة، يحسبها ضلالا وتخليط أوراد، والمؤمن الفطن يتظاهر بالتفاهة أو يحك شعر رأسه أو يحدث أحدا حديثا خارج السياق كي يهرب من هذه القشعريرة حتى لا تسبب له مشاكل تنظيمية مع زبانية التنظيم.
بعد ذلك يصير المؤمن متمكنا من الحال، يستشعره رغم قوة وارداته وهو ضاحك مبتسم، لكن الحق يقال هناك أحوال لا طاقة للمؤمنين بها، أحوال قوية من قوتها أنها تذهب بالعقل للحظات أو لأيام أو لسنوات، كلٌ وابتلاؤه، هؤلاء يُطلق عليهم المجاذيب، وهم أشخاص والهين في الله، من شدة أحوال حبهم لله ومن عدم قدرتهم على تحمل الواردات الربانية يختلط لديهم الواقع بالمعنى، أعرف أيها القارئ أنك ستقول أوهام، لكن ولأقرب إليك الفهم بالمحسوس، اعتبرهم كمجانين ليلى، ألم يكن قيس مجنونا سائحا في البراري من عشق ليلى؟ ألم يكن يـهذي؟ فهل قيس خرافة؟ فكذلك مجانين الله، مجانين في حب الله، وليس في الأمر عيب، فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ" [8]، فيا سعدك وسعدنا لو كنا مجانين الله.
لاحظ معي أخي الكريم أن هذا الجنون سببه ذكر الله وليس الشعوذة أو الخرافة، وقد روى التاريخ عن كثير من المجانين الذين تجد سيرهم في الطبقات، والكثير منهم غير معروف الاسم والنسب، اقرأ كتاب صفة الصفوة إن شئت، لكن الحق يقال، صحبة المجاذيب فتنة، وخطر شديد، فنحن نحسن الظن بهم ونعاملهم لحبهم لله بالمحبة، لكن ليس كل مجذوب مجنون، فهناك مجاذيب بكامل قواهم العقلية، ولا كل مجنون مجذوب، فهناك أصحاب الامراض العقلية، والمجاذيب على كل حال لا يُصحبون أبدا ولا يُتخذون أخلاء، صحبتهم صعبة لا تطاق، نلتقي بهم في الطريق ونطلب منهم الدعاء ثم نكمل طريقنا غير مفتونين.
لكن هناك من يستعذب صحبتهم لظهور خوارق العادة عليهم، فالمجاذيب أصحاب كرامات ودعاء مستجاب [9]، فهممهم عالية ومتيقظة، همم خطرة، تفعل فعلها في الكون والناس، والفضوليون على المجاذيب غالبا ما يجنون خيبات أمل وضررا روحيا كبيرا يصعب علاجه، كيف تصحب الحمقى يا هذا؟ الصحبة فقط للمجاذيب قلبا الصاحين عقلا الذين يستقبلون الاحوال الربانية بكل ثبات وصحوة عقل، وهذا حال الصحابة رضوان الله عليهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ، شِبْهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام" [10]، وجاء في سنن الترمذي: " أَبُو ذَرٍّ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ بِزُهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام" [11].
سيدنا أبي ذر سيد الصادقين الواضحين، وصدقه جعله دائما نبراسا للحق، فها هو يصدع بالإسلام صادقا حتى تكاد تقتله قريش فتخشى على نفسها من قبيلة غفار، وها هو يذهب وهو رابع السابقين إلى الاسلام فيأتي بقبيلة قطاع الطرق مسلمة، وها هو يقف جانب علي كرم الله وجهه أيام الفتنة لا يقول إلا صدقا، كيف لا وقد خبر عليا منذ أن كان يأخذه وهو لا يزال صبيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وخبره في المواقع كلها، ومع أنه كان إلى جانب علي إلا أنه حافظ على تفرده واندفاعه ووضوحه الكامل، وقبل ذلك كان يعارض السياسة المالية في دولة الخليفة عثمان رضي الله عنه وظهور طبقة النبلاء، كما فطن رضي الله عنه إلى خطر معاوية وهو في الشام، ولذلك كان معاوية يبغض أبا ذر ويخشى منه ويبعث بالتقارير الكاذبة الى دار الخلافة المقر، المركزي للتنظيم، تماما كما يفعل التنظيم مع غفارى اليوم من المؤمنين الصادقين الصادحين بالحق المنتقدين لظهور طبقة النبلاء داخل التنظيم.
التنظيم اليوم يكره الأحوال التربوية ويكره الجذب، يكره الصدق الصريح، يكره المنتقدين له، يُقبل بوجهه البشوش على معاويات العصر مشيحا بوجهه عن الصادقين أمثال أبي ذر.
عندما كان أبو ذر يعلم الناس دينهم في الشام حدث أن اختلف مع معاوية في معنى الآية الكريمة: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" التوبة، 24. فظاهر الآية يوحي بأن المعني بها هم أحبار اليهود ورهبان النصارى، ولذلك قال معاوية بأنها نزلت في أهل الكتاب، إلا أن أبا ذر الغفاري صاح فيه غاضبا: "نزلت فينا وفيهم" [12]، معنى ذلك أن أبا ذر كان يعتقد أن من المسلمين بل ومن مسؤولي التنظيم أحبارا ورهبانا يكتنزون الذهب والفضة وينفردون بهما عن المسلمين، وهو يقصد طبعا في إشارة ذكية معاوية وحاشيته من النبلاء المتلاعبين بالدين الذين أغدق عليهم بالذهب، اشترى آخرتهم ليخدموا مشروعه التوريثي، فكتب معاوية يشكو أبا ذر إلى الخليفة عثمان بن عفان مدعيا أنه أفسد عليه تنظيمه في الشام، وانتهى الأمر بأبي ذر مفصولا من تنظيم الصحابة منبوذا في الربذة حتى توفاه الله وهو على الحق [13].
وكذلك يفصل التنظيم اليوم مع الصادقين الصادحين بالحق، يريد التنظيم أن يهيئ الاجواء لمعاوية، لكن يوم يتمكن معاوية من رأس التنظيم سيقتل رجال التنظيم ويستعبد أطفال التنظيم ويسبي نساء التنظيم، وسيعرف التنظيم أن نصرة أبا ذر كانت أولى من نصرة معاوية.
التنظيم اليوم ينتظر منك أقل قشعريرة ربانية حتى يرميك جانبا، ينتظر منك أقل هفوة تربوية حتى يعبئ ضدك، ينتظر منك كلمة حق غِفارية ليفصلك من التنظيم، ينتظر منك أن تزل قدمك فيذبحك وأنت واقع على الارض، لا يستطيع التنظيم أن يذبحك وأنت واقف، لا يعاملك رجلا لرجل، بل يضرب دائما غدرا، ولذلك فإن السلوك اليوم داخل التنظيم يقتضي إخفاء كل التجليات الايمانية والاحوال الربانية، يقتضي تقليد الطبقات الارستقراطية والتظاهر بالقوة وإظهار الجلف المخلوط بالتخنث ولبس الموضات الحديثة والاستعانة بالبريستيج السياسي والاجتماعي الاحدث.
خطأ كبير أن تنتظر اليوم من التنظيم أن يساعدك في تفهم أحوالك التربوية فأنا أن يرحمك عندما تختلط عليك الاحوال فلا تعرف ربانيتها من شيطانيتها، وحده الشيخ من يستطيع مساعدتك لأنه أدرى وأحن، ولأنه مر من هناك، ولأنه حريص عليك حرص الاب على ولده، ولأنه يحمل بين جنبيه قلبا رحيما و روحا شفافة يساعد بها عباد الله، لكن هذا الأمر يقتضي أن يكون المبتلى تحت عناية الشيخ ونظره، قريبا منه جسدا، وهو أمر يستحيل في ظل الحصار الذي يضربه التنظيم على المرشد حيا أو عندما يقفز بعد موته إلى منبر التربية ويدعي المشيخة ويفصل كل من له خيط في التربية، إذا كان التنظيم "شيخا" فعليه أن يحل المعضلات التربوية ويخفف الاحوال الربانية ويعالج الأحوال الشيطانية، عليه أن يحضن الاخوان ويأخذ بيدهم لا أن يفصلهم، هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا يفعل الصالحون من هذه الأمة.
نخلص الى القول بأن التنظيم لم يستطع احتواء الاحوال الربانية والارتقاء بها إلى مصاف ملح التربية، ذلك أنه ضرب بشدة على كل من ظهرت عليه أعراضها غير مكتف بتجريده من المهام التنظيمية ريثما تستقيم أحواله القوية، بل تعامل بالفصل التنظيمي في قسوة عسكرية لا تتناسب مع مبادئ الأخوة الايمانية والتضامن التنظيمي، فالأحوال التربوية ليست جرائم أخلاقية ولا هي اختراقات سياسية أو فكرية، بل إن أصحابها ينطق لسان حالهم قائلا: " رب إني مغلوب فانتصر".
ونتيجة التعامل التنظيمي القاسي مع مؤسسة الأحوال التربوية هو فراغ الصف من كل مظاهر رقة الدين وعمق التربية، فأصبح الجفاء دينا، وانتشر التدين السطحي، وسيطرت السياسة على الجميع، وعندما تلتفت إلى جنبات التنظيم تجد آلاف الحمقى والمرضى نفسيا والموسوسين والمتخبطين في حبائل النفس والشيطان والتائهين في عوالم الروح، لا يوجد رجل يحتضن ويأخذ باليد ولا تنظيم يرحم ويرعى المبتلين، والله المستعان على ما تصفون.
إن الأحوال التربوية لا يفلت منها لا نبي ولا ولي ولا سالك طريق، فرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تجلى له الله سبحانه وتعالى في سدرة المنتهى بقي ثابتا، قال سبحانه: " وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ " [14]، ما زاغ البصر يعني أنه رزق الثبات والأدب في حضرة المشهود، بينما لم يتحمل موسى عليه السلام هول المشاهدة وخر من شدة النور مصعوقا، قال تعالى: " وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا " [15]. لم يتحمل موسى واردات المشاهدة فخر صعقا ثم استفاق لاحقا، والصعق حال رباني وليس ضلالا، الجبل نفسه لم يتحمل المشاهدة فصار ترابا، وقد رأيت حالات كثيرة من الصعق، لكن أغلبها لا يأتي من حالة المشاهدة بل من واردات بسيطة في السلوك، القلوب الضعيفة تصعق من واردات روحية مفاجئة تكون بالنسبة إلى ضعفها قوية، وهناك حالات يصبح الصعق فيها في حالة المشاهدة موتا محققا.
يقول الامام عبد القادر الجيلاني حاكيا عن نفسه: " كنت أشتغل بالعلم، فيطرقني الحال، فأخرج إلى الصحاري ليلا أو نهارا، وأصْرُخُ وأهيم على وجهي، فصرخت ليلة فسمعني السارقون ففزعوا فجاؤوا فعرفوني، فقالوا عبد القادر المجنون، أفزَعْتَنَا، وكان ربما يغشي علي، فَيَلُفُّونني ويحسبون أني مت من الحال التي تطرقني" [16].
إنه الامام عبد القادر الجيلاني يُغشى عليه ويصعق من الاحوال الربانية ويسقط ويهيم على وجهه في الصحارى ويقال عليه مجنون.
الأنبياء والاولياء ايضا رغم رفعة مقامهم لهم أحوال خاصة، وعلى ذكر المقام فالمقام ليس سوى ثبوت حال، بمعنى أن الحال الرباني عندما يستقر لا يبقى معه اضطراب ظاهر، فيمر الحال مر السحاب على النبي والولي وهو جالس معك لا تكاد تفطن له، يطير وينزل وتمر عليه الاحمال الربانية القوية وأنت لم تلاحظ شيئا، وهذا هو المعنى الاشاري للآية الكريمة: "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ" [17].
الحق يقال، هناك قامات تنظيمية جمعت بين الحال التربوي الرباني والمنصب التنظيمي السامي دون أن تفقد اتزانها، وأنا أشهد لها بذلك، ما زاغ بصرها وما طغا، لكن هذه الفئة قليلة، فأغلب مسؤولي التنظيم لا أحوال تربوية لهم، ولذلك يسهل عليهم قيادة التنظيم، مجرد مسيرين، باردون قساة جفاة لا تقشعر جلودهم من ذكر الله، أولائك في ضلال مبين.
📌 الهوامش
- [1] قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الاحسان، ج1، ص22.
- [2] "همّ الأمة لا يحمله الورع القاعد، لكن يحمله وينهض بمقتضياته الأقوياء بالعلم والخبرة الأمناء بخوف الله والوفاء بعهده"، المنهاج النبوي، ص53.
- [3] سورة إبراهيم، الآية 27
- [4] سورة البروج، الآية 16
- [5] خرج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكرام رضي الله عنهم إلى تبوك، وأمرَ من استطاعَ من أصحابه أن يخرج، وألا يتخلَّف أحدٌ إلا ضِعافُ الناس، ومن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُكث لحاجةِ الناس. وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع الفيافي والقِفار مع أصحابِه الكرام، في حرٍّ شديدٍ، وجهدٍ جهيدٍ، حتى بلغوا تبوك، وبينما هو صلى الله عليه وسلم جالس بين أصحابِه افتقد كعب بن مالك ولمْ يرَه، فقال: ما فعلَ كعبٌ؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه ُبَردُاه، ونظرُه في عِطْفه. يعني: منعَه من الخروجِ إعجابُه بنفسِه ولباسِه. فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله ما علِمنا عليه إلا خيرًا. صحيح البخاري: [4418]، صحيح مسلم: 2769.
- [6] قال الإمام عبد القادر الجيلاني حين سُئل عن الحلاج: عثر الحلاج ولم يكن في زمانه من يأخذ بيده، ولو أدركته لأخذت بيده.
- [7] الزمر، 23
- [8] رواه الإمام أحمد في " المسند " (18/195، 212)
- [9] " رُبَّ أَشعَثَ أَغْبرَ ذِي طِمْرَينِ مَدفُوعٍ بالأبوابِ لَو أَقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّهُ" رواه مسلم.
- [10] سنن الترمذي
- [11] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضُهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيٌّ بن كعب. ولكل قوم أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. وما أظلت الخضراءُ، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر. أشبه عيسى في وَرَعِهِ". قال عمر: أفتعرف له ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم، فاعرفوا له ذلك". رواه الترمذي عن أنس بن مالك، وقال: حديث حسن صحيح.
- [12] الطبقات الكبرى لابن سعد
- [13] كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه من أكبر المعارضين للسياسة المالية فكان يرى عطايا عثمان لمروان بن الحكم واخاه حارث فينكر ذلك ويستنكره، وكان يتلو قول الله عز وجل: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقوها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم" وقد شكا مروان بن الحكم إلى عثمان من قول أبو ذر، فارسل عثمان اليه من ينهاه فقال أبو ذر:" أينهاني عثمان عن قراءه كتاب الله؟" ولم يتوقف أبو ذر حتى الح في نقده واستنكاره لهذه السياسات حتى امره عثمان بالخروج من المدينة والذهاب إلى معاوية في الشام. وعند وصوله الشام صار ينتقد معاوية اشد الانتقاد لجمعه المال وبناء القصور الفارهة فانتقده بشكل كبير لبناء قصر الخضراء وقال:" ان كنت بنيتها من مال المسلمين فهي الخيانة، وان كنت بنيتها من مالك فهذا اسراف" وكان يقول: "ويل للأغنياء من الفقراء" حتى أصبح الناس يسمعون له ويتجمعون حوله، فخاف معاوية من أن ينقلب أهل الشام عليه فكتب إلى عثمان يشكو له أبو ذر، فامر عثمان بان يجلبوا له أبو ذر إلى المدينة، فلما بلغ المدينة أصبح يقول: " وبشر الاغنياء بمكاو من نار تكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم". حتى ضاق به عثمان فنفاه خارج المدينة إلى الربذة فمات هناك غريبا وحيدا حتى عجزت زوجته عن دفنه.
- [14] النجم 18
- [15] الاعراف 143
- [16] شذرات الذهب ج 4 ص 202.
- [17] النمل، 87
اترك تعليقاً