فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

وصاية التنظيم على التربية

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 39 من 77 — فهرس الكتاب

داخل التنظيم لا يستطيع رجل التربية أن يتحرك بـحرية ويتصرف بتلقائية ويسلك إلى الله بعفوية ويتنفس عبق التربية بسلاسة، رجل التربية دائما خائف من التنظيم، مرعوب من التنظيم وإرهاب التنظيم وفصل التنظيم، ترتعد فرائص رجل التربية عندما يحضر رجل التنظيم الجاثم على صدر الجماعة ويتلعثم لسان الدرويش ويرتبك وجدانه وينغلق فمه، وفي أحيان أخرى يقف وقفة الاحترام للمسؤول التنظيمي ويتلو على مسامعه قصائد التبجيل والتهليل كأننا أمام عالم من علماء البلاط دخل على سلطان من سلاطين الطغيان.

حالة التربية تحت وصاية التنظيم حالة مُزرية، تربية بدون فاعلية، تربية مقهورة مخنوقة، تربية على غرار تربية السلاطين التي رسخوها في الأمة، تربية تُنتج الخنوع والخوف والمراوغة واللحس والذل والهوان والتخنث، لذلك فهي ليست بتربية إيجابية ترتقي بالمؤمنين إلى معالي الدين والاخلاق بل هي تربية سلبية تنتج لنا مؤمنين سلبيين خانعين لا يرجى منهم تغيير واقع ولا تغيير نظام فبالاحرى تغيير نفوس.

تئن التربية المسكينة تحت وصاية التنظيم الجبار القهار الذي يحكم مجالسها ومفاصلها وبرامجها والمشرفين عليها، ولعل سقوط التربية في يد التنظيم وانتزاعها من يد ولي الله هي أكبر انتكاسة عرفتها الجماعة الاسلامية على طول مسيرتها، فالتربية العفوية لولي الله المتحررة من كل قيد تنظيمي التي كانت في بداية الجماعة شعلة البناء والتأسيس جعلها التنظيم اليوم صفراء وجهها خافت ضوؤها بارد جوها، هي اليوم مُصادَرة لا تساهم في البناء بل تساهم عكس ذلك في شرعنة المسؤولية، بمعنى الهدم، فمن بناء الجماعة إلى بناء الطغاة، كارثة كبيرة هي سقوط التربية في يد التنظيم، والحقير المنظم كان يحوم حولها لاصطيادها منذ البداية، ذلك أنه كان يعلم قوة التربية وسحرها ومددها ومفعولها التنظيمي وأثرها في نفوس المؤمنين، وعلى غرار الانظمة الشمولية التي تستغل الدين وتصادر مؤسسات الدين وتحاصر الدين وتلعب بالدين وتسخر الدين لخدمة زبانيتها فالتنظيم الاسلاموي برموزه الخائنة يسيطر على التربية الروحية ومعها ترسانة المفاهيم الدينية ويجعلها تخدم مصالحه السلطوية الداخلية والسياسية الخارجية، إنه لا يدع التربية متحررة تخدم برامج ولي الله وإرادته العلية التي يريدها معراجا إلى الكمال البشري ومقامات العرفان الروحي.

وإذا كانت الأنظمة المستبدة تصادر المال والذهب فإن التنظيم الاسلامي التلميذ الابليسي صادر ما هو أغلى من الذهب، صادر التربية الروحية، انقض بوحشية على الروح التي كانت تحرك الجماعة، القوة التي كانت تدير محركات الدعوة والتنظيم والسياسة، صادرها وجعلها تخدم اللوبيات السلطوية المتحكمة في مفاصل الجماعة وجعل الروحانية تسير في اتجاه دعم المصالح المالية والتنظيمية للطغمة المنافقة، التنظيم العاهر الذي يبيع المؤمنين للأنظمة المستبدة من تحت الطاولة ويذبح الطيبين بالفصل والتهميش والنميمة أصبح يتحدث عن التربية والحب ومعرفة الله، العاهر الذي لا يستحي من دعارته المعنوية وينشر ثقافة الخنوع التنظيمي والانبطاح السياسي ويحارب التعدد ويتخنث إلى جانب حقوق النساء أصبح يفتي في السلوك ويتحدث عن الاولياء والنبوة والصحبة ومصدر الصحبة والأدب مع الصحبة.

منتهى الحقارة والعار والاشمئزاز عندما يتحدث المنافق السياسي في القطاع السياسي عن التربية وأحوال أهل التربية.

لو كنت أيها العاهر المنظم تعرف الصحبة لما فصلت المؤمنين ولما مشيت بينهم بالنميمة والغيبة والحقد والكره والحسد، لو كنت تعرف الصحبة لما بعتهم إلى الجهة الأخرى، لو كنت تعرف الصحبة لما حاصرت الصحبة، لو كنت تعرف الصحبة لما آذيت المصحوب وفصلت الأصحاب، لو كنت تعرف التربية والصحبة لما جلست على منصة التربية تُهدد وتتوعد أهل الذوق والمعنى كالشيطان الرجيم، ولذلك فالمصادرة التنظيمية للتربية وقفز المسؤولين التنظيميين إلى منابر التربية والدلالة على الله طبيعي أن ينتج عنه ارتماء الصالحين في الحانات بين أيدي العاهرات، فالظلم النفسي والتصفية التنظيمية والقهر التربوي والذبح الاجتماعي للمؤمنين يفقد معادلة الرجل المناسب في المكان المناسب توازنها، فتنهار التربية وينهار التنظيم ويتوقف الزحف، كيف يزحف التنظيم إلى الخلافة الموعودة وهو يزحف على المؤمنين بالفصل والذبح.

التربية في أصلها شيء متحرر لا يخضع لمسؤول تنظيمي، شيء عفوي هكذا، شيء يسري كالماء، هلام ينتقل بين القلوب، وبالتالي فمصادرة التربية وقتل عفويتها جريمة تنظيمية تنضاف إلى جرائم التنظيم، القبضة التنظيمية الحديدية على التربية ومحاسبة المشرفين عليها على كل نفس يتنفسونه واحتقارهم والحط عليهم والضرب على قفاهم دائما جعلت من هذه التربية شيئا ميتا بدون روح، ماتت التربية وأصبحت أشكالا لا روح فيها، ترانيم وشعائر بدون معنى وكلام تربوي دون حقيقة جعلت رجالات التربية العميقة تهرب الى الحانات أو إلى خلوات التبتل تاركة الساحة التربوية للكلاب التنظيمية المقززة تُفتي في علوم الروح بغير ما أنزل الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.

تربية ركيكة أنتجها التنظيم بمصادرته للتربية العفوية المتحررة التي كانت تملأ الجو حلاوة إيمانية ونشاطا دعويا وروحانية عالية ومحبة قلبية وتلقائية سلوكية، أصبح السلوك قرارا تنظيميا والولاية مرتبة تنظيمية والمصحوب داهية تنظيمي، المسكينة التربية أهلكها التنظيم فجعلها عجوزا متهالكة بعد أن كانت عروسا في ريعان شبابها رائعة الجمال تمرح كالملائكة في جنان الذكر والتبتل.

التنظيم المجرم قتل التربية بمحاصرتها ومصادرتها وحساب أنفاس أهلها وفصل رجالاتها وتشويه كوادرها والتحكم في برامجها حتى غدت اليوم جثة هامدة تفوح منها روائح الموت الروحي ونسمات الفساد الاخلاقي.


شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية