📖 التنظيم القضائي — الفصل 12 من 12 — فهرس الكتاب
أولا : الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية على ضوء القانون 108.13
الاختصاص الشخصي للمحكمة العسكرية
يمكن القول أن المستجدات الكبرى التي حملها القانون 108.13 والتي حظيت باهتمام الحقوقيين ورجال القانون المغاربة هي تلك المتعلقة بالاختصاص بشقيه النوعي والشخصي، ويقصد بتحديد اختصاص المحكمة العسكرية، تحديد القضايا التي يمكنها النظر فيها.
وتختص المحكمة العسكرية بالنظر في بعض الجرائم بطبيعتها، كما هو الشأن بالنسبة لجنحة الفرار وغيرها، كما يعود لها الاختصاص بالنظر في القضايا التي يرتكبها الجنود وأشباههم.
تحديد الفئات الخاضعة لقانون القضاء العسكري
لا يسري قانون القضاء العسكري بصورة عامة في مواجهة كافة أفراد المجتمع، بل إنه يطبق فقط على فئة معينة منهم، ووفقا للمعيار الشخصي نجد أن القضاء العسكري يختص بالنظر في الجرائم التي يرتكبها العسكريون وشبه العسكريون المخولة لهم هذه الصفة، مع الأخذ بعين الاعتبار نوع الجريمة هل تدخل في نطاق جرائم القانون العام أم تدخل في نطاق الجرائم المنصوص عليها في قانون 108.13.
بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في قانون 108.13، يختص بها دائما سواء وقعت في مكان له الصفة العسكرية أم في مكان أخر ليست له تلك الصفة، وسواء وقعت تلك الجرائم داخل تراب المملكة أو خارجها، ويلاحظ أن مقتضيات المادة 3 من قانون القضاء العسكري قلصت بشكل كبير الاختصاص الشخصي لهذه المحكمة وحصرته فيما يلي:
أولا: الجرائم العسكرية المرتكبة من طرف العسكريين وشبه العسكريين المخولة لهم هذه الصفة، والذين هم في وضعية خدمة
وبما أن المشرع قصر نظر المحكمة العسكرية في البت في الجرائم العسكرية المرتكبة من طرف العسكريين وأشباههم الموجودين في حالة خدمة، فإنه بذلك يكون قد منع المحكمة المذكورة من النظر في جرائم الحق العام المرتكبة من طرف هؤلاء وكذا الجرائم المنسوبة لرجال الدرك الملكي المرتبطة بمهام الشرطة القضائية والشرطة الإدارية، وبذلك فكلما توفرت الصفة العسكرية تطبق أحكام قانون 108.13 شريطة ان يكون الفعل المرتكب يعد جريمة عسكرية. على عكس ما كان عليه الامر في القانون القديم بحيث كانت تختص المحكمة العسكرية في كل الجرائم المرتكبة من طرف العسكريين أو أشباههم سواء ارتكبوا جرائم عسكرية أو جرائم الحق العام.
ثانيا: الجرائم المرتكبة من طرف أسرى الحرب أيا كانت صفة مرتكبيها
فالمشرع قصد بها جميع أنواع الجرائم المرتكبة من طرف أسرى الحرب ولم يميز بين الجرائم العسكرية أو جرائم الحق العام، فجعل اختصاص البت في كل الجرائم المرتكبة من طرف هذه الفئة من اختصاص المحكمة العسكرية
ثالثا: الجرائم المرتكبة في حالة حرب
سواء المرتكبة ضد مؤسسات الدولة أو ضد أمن الأشخاص أو الأموال إذا ارتكبت لفائدة العدو، أو كان لها تأثير على القوات المسلحة، وجرائم الإعداد لتغيير النظام أو الاستيلاء على جزء من التراب الوطني باستعمال السلاح والجرائم المرتكبة ضد النظم المعلوماتية التابعة للدفاع الوطني.
فهي حالة استثنائية تقتضيها ظروف الحرب التي تستلزم التعبئة العامة والشاملة وراء القيادة من أجل الدفاع عن حوزة الوطن والمصالح العليا للمملكة، لذلك فقد جعل المشرع كل الجرائم التي ترتكب في حالة الحرب وتستهدف القوات المسلحة الملكية أو المؤسسات الدستورية للدولة أو نظامها السياسي خاضعة لاختصاص المحكمة العسكرية، سواء ارتكبها مدنيون أو عسكريون.
الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية
العسكريون الخاضعون لاختصاص المحكمة العسكرية يدخل ضمنهم، الجنود بكل رتبهم العسكرية وعناصر الدرك الملكي والحرس الملكي والقوات المساعدة. إلا أن القانون لم يضع تعريفا محددا للجريمة العسكرية.
والجريمة العسكرية في مفهومها العام لا تختلف عن الجريمة الجنائية العادية إلا بالقدر الذي تقتضيه طبيعة المصلحة العسكرية، والتي هي الهدف من القانون العسكري وحمايتها هي الموضوع الأساسي لمعظم نصوصه.
ويمكن القول إن الجريمة العسكرية هي الجريمة التي تضر بمصلحة عسكرية سواء كان الضرر مباشرا أو غير مباشر وتقع بالمخالفة لقانون القضاء العسكري سواء ارتكبها أحد الخاضعين لأحكامه أو ارتكبها غير الخاضعين لأحكامه
ويمكن تقسيم الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة العسكرية إلى جرائم عسكرية بحتة، وجرائم عسكرية مختلطة، و جرائم القانون العام العسكري.
أولا: جرائم عسكرية بحتة
وهي تلك الجرائم التي ورد النص عليها في قانون القضاء العسكري فقط دون غيره من القوانين وهي الجرائم التي تقع بالمخالفة للواجبات والتعليمات والأوامر والنظم العسكرية ولا يتصور ارتكابها من غير المخاطبين بقانون القضاء العسكري.
ومن بينها:
العصيان والفرار من الجندية.
التمرد العسكري ونبذ الطاعة والاعتداء والإهانة والثورة
مخالفة الأوامر العسكرية
العطب المتعمد
التخلف عن المشاركة في جلسات المحكمة العسكرية أو رفض المشاركة فيها
الجرائم المرتكبة وقت الحرب أو أثناء العمليات العسكرية
اختلاس البدلات العسكرية والأزياء الرسمية والشارات والأوسمة والنياشين
ثانيا: الجرائم العسكرية المختلطة
هي تلك الجرائم التي ورد النص على تجريمها في قانون القضاء العسكري مع وجود نص آخر في القانون الجنائي العام أو القوانين المكملة له، وهو مسلك سلكه المشرع العسكري بغية تحقيق أهداف معينة قد يكون أهمها هو تشديد العقوبة المقررة لتلك الجرائم في القانون الجنائي العام، باعتبار أن المشرع نص عليها في قانون 108.13 تطبيقا للقاعدة المقررة أن الخاص يقيد العام.
ومن بين الجرائم نجد:
الشطط في استعمال السلطة
جريمة السرقة واختلاس الأشياء العسكرية واخفاءها
والجرائم الماسة بنظم المعالجة الالية للمعطيات والجرائم الماسة بنظم ووسائل الاتصال التابعة لدفاع الوطني
ثالثا: جرائم القانون العام العسكري
وهي تلك الجرائم التي ورد النص عليه في القانون الجنائي العام والقوانين المكملة، ولم يرد بشأنها نص في قانون 108.13 .
أسباب تقليص الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية
من الملاحظ أنه تم تقليص الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية وفتح المجال للمحاكم العادية، حيث تبقى الأولى مختصة في محاكمة العسكريين ومن في حكمهم في الجرائم العسكرية، أما المدنيون فلم يعد ممكنا محاكمتهم من طرف القضاء العسكري، بل يحالون على أنظار المحاكم الزجرية المدنية، نفس الأمر بالنسبة للجرائم المرتكبة من قبل الأحداث الذين يقل سنهم عن 18 سنة وقت ارتكاب الفعل سواء كانوا مدنيين أو عسكريين أو شبه عسكريين أو أسرى الحرب، وسواء في حالة الحرب أو في حالة السلم فهي تبقى من اختصاص القضاء العادي، وذلك راجع إلى احترام المغرب للالتزامات الدولية التي وقع وصادق عليها خصوصا في مجال حماية الطفولة والأطفال الجانحين.
كما أن المحكمة العسكرية لم تعد مختصة بالنظر في جرائم الحق العام المرتكبة من طرف العسكريين وشبه العسكريين سواء كانوا فاعلين أصليين أو مساهمين أو مشاركين. ولعل السبب وراء ذلك هو السرعة التي تمتاز بها الإجراءات المسطرية أمام المحاكم العادية، كما تم إخراج حالات الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي مهما كانت صفة مرتكبها، فهذه الجرائم كانت خاضعة سابقا لاختصاص المحكمة العسكرية أما قانون 108.13 الجديد فقد استثنى هذه الجرائم.
بالتوفيق
📗 خلاصة الباب
- تختص المحكمة العسكرية بالنظر في الجرائم العسكرية البحتة والجرائم العسكرية المختلطة وجرائم القانون العام التي يرتكبها العسكريون بمناسبة أداء وظيفتهم، وفق القانون رقم 108.13.
- ميّز المشرع بين الاختصاص النوعي (نوع الجريمة) والاختصاص الشخصي (صفة الفاعل) للمحكمة العسكرية، مع نظام خاص للجرائم المرتكبة زمن الحرب ولأسرى الحرب.
- شهد الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية تقليصا تدريجيا لفائدة القضاء العادي، تماشيا مع توجه عام نحو تقييد نطاق القضاء الاستثنائي.
◀ الفصل السابق: المحكمة الدستورية
اترك تعليقاً