فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 1 : ماهية حقوق الانسان

📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 2 من 12 — فهرس الكتاب

مدخل

تعتبر حقوق الإنسان حقوق طبيعية وغريزية تولد مع ولادة الإنسان فقد كرستها واعترفت بها كل الأديان السماوية والدول والمنظمات الدولية في العصر الحديث، فهي تمس بصفه مباشرة جوهر الإنسان في كرامته.

والحديث عن حقوق الإنسان حديث قديم متجدد، فهي موجودة مع وجود الإنسان في حد ذاته وباقية على وجه الأرض، وهي نابعة من ضرورة الاحترام المتبادل بين الإنسان وأخيه الإنسان، وقد كان الإسلام سبَّاقاً في تثبيت الحقوق الأساسية للإنسان باعتباره كائنا كرمه الله بالعقل واصطفاه على سائر مخلوقاته، وجعله سيداً في الأرض وأمده بالوحي السماوي والرعاية الإلهية والشرع القويم وأرسل له الأنبياء والرسل وأنزل عليه الكتب ليسير على الهدى السديد والصراط المستقيم، وشرَّع له الأحكام لبيان الحقوق والواجبات.

أولا : تعريف حقوق الانسان

المفهوم اللغوي للحق

في المعاجم العربية يقال في اللغة حق إذا وجب وثبت، ويأتـي بخمسة مفاهيم : 1- نقيض الباطل 2- اليقين 3- حقوق العباد 4- واجب شرعي وقانوني 5- المباح سواء أخلاقي أو قانوني.

في المعاجم الأجنبية الحق right يدل أحيانا على القانون law ويعني في الاصل اللاتيني للكلمة السير بصورة مستقيمة وحسب قاعدة معينة، فكلمة droit بالفرنسية تعني مجموعة القواعد التي تنظم علاقات الناس في المجتمع وتعني أحيانا حقوق الانسان.

المفهوم الاصطلاحي لحقوق الانسان

ليس هناك اتفاق على مصطلح واحد لحقوق الإنسان، بل هناك مصطلحات عدة تستخدم للدلالة عليها، منها: حقوق الإنسان، الحقوق الإنسانية، حقوق الشخصية الإنسانية، ولكن أكثر المصطلحات شيوعاً منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا هو مصطلح “حقوق الإنسان”، كما اختلف الباحثون في تعريفاتهم لحق الإنسان، لكننا نأتي بثلاثة تعاريف أساسية : تعريف تقني وتعريف علمي وتعريف عام.

التعريف العلمي لحقوق الانسان

عرفه ريني كاسان الحائز على نوبل للسلام سنة 1968 بقوله : “هو فرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية موضوعه دراسة العلاقات القائمة بين الاشخاص وفق الكرامة الانسانية مع تحديد الحقوق والخيارات الضرورية لتفتح شخصية كل كائن انساني”. نستنبط من هذا التعريف ثلاثة عناصر أساسية لمفهوم حقوق الانسان :

• ضرورة إضفاء الطابع العلمي على كل تعريف لحقوق الانسان

• ضرورة اعتبار الكرامة الانسانية معيارا أساسيا في وجود هذا العلم

• ضرورة تميز اي تعريف بالبحث عن الخيارات التي من شأنها ضمان هذه الكرامة الانسانية.

التعريف التقني

ذهب بعض الباحثين وعلى رأسهم كارل فاساك إلى إعطاء مقاربة تقنية لعبارة حقوق الانسان من خلال إدخال 50.000 كلمة في الحاسوب واستخراج تعريف جامع مانع تقني لكلمة حقوق الانسان جاء كالتالي “علم يهم كل شخص ولا سيما الإنسان العامل الذي يعيش في إطار دولة معينة، والذي إذا ما كان متهما بخرق القانون أو ضحية حالة حرب، يجب أن يستفيد من حماية القانون الوطني والدولي، وأن تكون حقوقه وخاصة الحق في المساواة مطابقة لضرورات المحافظة على النظام العام”.

يستشف من هذا التعريف ثلاثة نقط :

• ارتباط الحديث عن حقوق الانسان بوجود دولة وسلطة.

• لا يتصور الحديث عن حقوق الانسان إلا إذا كان هناك خرق لحماية قانونية وطنية أو دولية

• ضرورة الأخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن حقوق الانسان متطلبات الحفاظ على النظام العام.

التعريف العام لحقوق الانسان

ارتبط هذا التعريف بالفرنسي ايف ماديو الذي عرفها بأنها : ” دراسة الحقوق الشخصية المعرف بها وطنياً ودولياً والتي في ظل حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى”.

نستنتج من هذا التعريف :

• وجود بعدين لحقوق الانسان بعد وطني وآخر دولي من المفروض أن لا يتعارضا استنادا إلى كونية وشمولية حقوق الانسان وعدم قابليتها للتجزئة.

• ضرورة الأخذ بعين الاعتبار حدود الحقوق والحريات الشخصية المتمثلة في المحافظة على النظام العام.

تعاريف أخرى لحقوق الانسان

أمام تعدد التعاريف كان لا بد من الخروج بتعريف خاص مبسط وشامل.

تعريف ليا ليفين :

عرفت حقوق الانسان بأنها : ” مطالب أخلاقية أصيلة وغير قابلة للتصرف مكفولة لجميع بني البشر بفضل إنسانيتهم وحدها، فُصِّلَتْ وصيغت هذه الحقوق فيما يعرف اليوم بحقوق الإنسان، وجرت ترجمتها بصيغة الحقوق القانونية وتأسست وفقاً لقواعد صناعة القوانين في المجتمعات الوطنية والدولية، وتعتمد هذه الحقوق على موافقة المحكومين بما يعني موافقة المستهدفين بهذه الحقوق”. نفهم من هذا التعريف أن :

• الانسان لمجرد أنه إنسان له حقوق ثابتة وطبيعية وهذه هي الحقوق المعنوية النابعة من إنسانية كل كائن بشري تستهدف ضمان كرامته.

• حقوق الانسان هي الحقوق القانونية التي أنشئت طبقا لعمليات سن القوانين في المجتمعات الوطنية والدولية.

تعريفنا الخاص

• حقوق الانسان تنصرف للدلالة على كل ما يساهم في سمو الانسان سواء كانت ذا مصدر طبيعي أو ديني أو وضعي بشكل يحافظ على الكرامة الانسانية ويدعم العيش المشترك الذي يستلزم في نفس الوقت مراعاة قواعد النظام العام. هذا التعريف يركز على ثلاثة عناصر أساسية :

• سمو الانسان وتعزيز المبادئ الانسانية كمنع الرق أو عبادة البشر وحرية التصرف والحق في العيش الكريم.

• مصدر حقوق الانسان هو القانون سواء كان طبيعيا أو وضعيا، وطنيا أو دوليا.

• موضوع حقوق الانسان مفتوح على جميع الإيديولوجيات ما دامت تتوخى ضمان سيادة مظاهر الانسانية.

• ثانيا : المفهوم الاسلامي لحقوق الانسان

تميز مفهوم حقوق الانسان في الاسلام بتركيزه على مفهوم الحق بشكل مستقل عن صاحبه.

مفهوم الحق في القرآن الكريم

• بمعنى الله سبحانه، ذلك بأن الله هو الحق، الانعام 63

• بمعنى العلم، إن الظن لا يغني من الحق شيئا، النجم 28

• بمعنى نقيض الباطل، ولا تلبسوا الحق بالباطل، البقرة 41

• بمعنى كتب الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، المائدة 85

• بمعنى العدل، قال رب احكم بالحق، الانبياء 111

• بمعنى الصدق، والله لا يستحيي من الحق، الاحزاب 53

• بمعنى النصيب أو الحصة، في أموالهم حق للسائل والمحروم، الذاريات 19

• بمعنى الهداية والصواب، فماذا بعد الحق إلا الضلال، يونس 55

مفهوم الحق في السنة النبوية

• بمعنى حق المسلم على المسلم، وهي رد السلام و عيادة المريض واتباع الجنازة وإجابة الدعوة وتشميت العاطس.

• بمعنى حق الولد على والده أن يعلمه السباحة والكتابة والرماية وأن لا يطعمه إلا حلالا.

وبالتالي مفهوم حقوق الانسان في الاسلام يدخل في مجال الضروريات والواجبات ابتداء من محاسبة أولي الامر وحفظ النظام العام و مرورا بحرية الفكر والاعتقاد والتعبير ثم انتهاء بواجبات الملبس والمأكل والمسكن والأمن. وهكذا نظر الاسلام إليها باعتبارها واجبات وضروريات وليست حقوقا فقط.

نخلص إلى أن مفهوم حقوق الانسان يتأرجح بين خطابين، الخطاب الطبيعي ذو المصدر الغربي الذي يركز على ذاتية الانسان والخطاب الديني الذي يستند إلى التكريم الالاهي للإنسان وهو لا يتعارض في مضمونه مع المذهب الطبيعي الغربي ما دام أن الهدف هو صيانة حقوق الانسان.

ثالثا : خصائص حقوق الإنسان

يمكن إدراج أهم خصائص حقوق الإنسان في ما يلي:

حقوق الإنسان لا تشترى ولا تكتسب ولا تورث فهي ملك الناس لأنهم بشر.

حقوق الإنسان واحدة لجميع البشر بغض النظر عن العنصر أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو الرأي الأخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، فقد ولدنا جميعا أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق فحقوق الإنسان عالمية، وعالمية حقوق الإنسان لا تتعارض مع فكرة التنوع الثقافي والخصوصية الثقافية.

حقوق الإنسان لا يمكن انتزاعها، فليس من حق احد أن يحرم شخصا أخر من حقوق الإنسان وان لم تعترف بها قوانين بلده أو عندما تنتهكها تلك القوانين فحقوق الإنسان ثابتة وغير قابلة للتصرف.

حقوق الإنسان غير قابلة للتجزؤ.

رابعا : مصادر حقوق الإنسان

تتعدد مصادر ومنابع حقوق الإنسان لتشكل هذا التيار الذي يسعى لحماية الإنسان في كل زمان ومكان و يمكن تلخيصها في ما يلي:

• المصادر الدولية:

المواثيق العالمية هي التي تتسع دائرة خطابها لتشمل الأسرة الإنسانية الدولية بأسرها دون أن تتقيد بإقليم محدد أو بجماعة بعينها. والأمثلة الظاهرة على هذه المواثيق ما صدر عن منظمة الأمم المتحدة من إعلانات واتفاقات وعهود لحماية وتطوير حقوق الإنسان، بدءا من ميثاق الأمم المتحدة ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،ثم العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى اتفاقية إزالة كافة أشكال التميز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل وما سبق وتلا ذلك من اتفاقات وإعلانات.

ويأتي في مقدمة المصادر العالمية لحقوق الإنسان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948. هذا الإعلان وإن كان ذو طابع أدبي غير ملزم إلا أنه من المستقر عليه دولياً أن مبادئ هذا الإعلان تدخل في قواعد القانون الدولي العرفي التي استقرت في وجدان وضمير البشر، وتعتبر قواعد دولية آمرة لا يجوز انتهاكها بصرف النظر عن قبول الدول به من عدمه.

• المواثيق الإقليمية:

وهي تلك المواثيق التي تخاطب نطاقاً إقليمياً محدداً أو مجموعة جغرافية خاصة غالباً ما يجمعها جامع ثقافي متميز عن غيرها رغبة من تلك المجموعات في التأكيد على الحقوق المنصوص عليها في المواثيق العالمية وإكسابها طابعاً إلزامياً إقليمياً أكثر إلزامية مما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية، بالإضافة إلى تضمين المواثيق الإقليمية حقوقاً جديدة لم تتضمنها المواثيق العالمية استجابة لاعتبارات الخصوصية الثقافية الإقليمية. و تنص هذه المواثيق على مبادئ حقوق الإنسان محل الحماية التي تتفق في مجملها مع المبادئ والمعايير الدولية وإن عكست خصوصية كل مجموعة إقليمية بالتركيز على أنواع معينة من الحقوق. ومن أهم المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان «الميثاق الأوروبي، والميثاق الأمريكي، والميثاق الأفريقي ثم الميثاق العربي لحقوق الإنسان”.

• المصادر الوطنية:

وهي التشريعات الوطنية التي تنص على مبادئ حقوق الإنسان. وتأتي في مقدمة هذه المصادر الدساتير الوطنية التي لا يخلو أي منها من فصل خاص بالحقوق والحريات الأساسية. ثم تتوزع مبادئ حقوق الإنسان بين مختلف فروع التشريع العادي. فالقانون الجنائي يضع النصوص الزجرية التي تجرم انتهاكات حقوق الإنسان وتعاقب عليها، وقانون المسطرة الجنائية يتضمن النصوص الخاصة بحقوق وضمانات المتهمين في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة، وقوانين الأحزاب والمشاركة السياسية يتضمن الحق في المشاركة السياسية، وقوانين الجمعيات تنظم حق تكوين الجمعيات، وقوانين المطبوعات والصحافة تنظم الحريات الصحفية وقوانين التعليم والإسكان والرعاية الصحية والنقابات تنظم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلخ.

📗 خلاصة الباب

  • حقوق الإنسان لغة مستمدة من “الحق” بمعنى الثابت واللازم، واصطلاحا هي مجموعة الحقوق والامتيازات اللصيقة بالإنسان لكونه إنسانا، بغض النظر عن جنسه أو دينه أو عرقه، وقد تعددت تعريفاتها العلمية والتقنية والعامة (كتعريف ليا ليفين) دون الاستقرار على تعريف جامع مانع.
  • للحق حضور أصيل في القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث كرّس الإسلام مبادئ الكرامة الإنسانية وحفظ النفس والعرض والمال منذ ظهوره، ولحقوق الإنسان مصادر متعددة (دينية، فلسفية، طبيعية، وضعية) شكلت أساسا لتطورها التاريخي.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية