فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 3 : تعريف الحريات الاساسية

📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 4 من 12 — فهرس الكتاب

مدخل

يعتبرها البعض هي الحقوق الدستورية ويعتبرها البعض حريات عامة.

لكن الواقع أن الحريات الاساسية مفهوم خاص مرتبط بالجماعة وطبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والحرية وبوظائف الفرد والدولة داخل الجماعة فالحريات الاساسية لها معاني بقواعد العيش المشترك :

• الحريات الأساسية هي الواردة في الدستور أما الحريات الاخرى فهي حريات عامة.

• الحريات الاساسية تمثل قيدا على الجميع افرادا و مؤسسات فلا يحق لأحد مصادرتها فهي مستلقة عن السلطة والافراد فالتدخل لا يمكن أن يكون إلا من أجل توسيع وضمان ممارستها.

• الحريات الاساسية مرتبطة بتعزيز قواعد العيش المشترك وبالتعايش بين مكونات المجتمع افرادا وسلطة ومؤسسات وليس فقط بالثنائية سلطة حرية.

• الحريات الاساسية لا تعني فقط التنصيص على الحقوق والحريات بل الاستمتاع بها وتوفير المستلزمات اللازمة لها كالإنارة و النظافة والطرق والمناطق الخضراء…

• الحريات الاساسية تنقلنا من منطق الصراع بين السلطة والحرية إلى منطق التعايش بأدوات ناعمة مبنية على الحقوق والواجبات بين الطرفين مع ربط الحق بالواجب للفرد وربط الواجب قبل الحق بالنسبة للسلطة.

• الحريات الاساسية ترتبط بترسيخ مجتمع الحقوق والحريات ودولة القانون والمؤسسات والمساواة بين افراد المجتمع، قائمة على التنظيم والتوجيه لا على الامر والنهي والزجر.

الفرق بين الحريات العامة وحقوق الإنسان

يقول دومينيك تيربان في التمييز بينهما :” في الوقت الذي نجد مفاهيم كل من حقوق الإنسان والحريات العامة كمترادفة، إلا أن هـذا لا يعني أن أحدهما يغطي الآخر، فالأولى قديمة جدا وطموحة جدا وواسعة جدا لكنها قليلة الدقة، كونها أكثر فلسفية وسياسية وهي اليوم أسست على كثير من القداسة، بينما الحريات العامة حديثة، كما أن دراستها مستقلة، متأخرة، ولها بداية محتشمة ومتواضعة، ولكن في نفس الوقت أكثر قانونية، وبالتالي أكثر دقة، ودون تردد يمكن اعتبارها نصرا كبيـرا”.

حقوق الإنسان هي مجموع الحقوق التي يمتلكها جميع البشر دون أي تمييز قائم على العرق، أو الدين أو الجنس أو اللون، كما هي حقوق متفق عليها عالميًا وثابتة غير قابلة للتغيير، ويكفلها القانون الدولي للجميع كونهم بشرًا، ويعد هذا المجال واسعًا ويضم عددًا كبيرًا من الحقوق التي لا حصر لها، وقد تُستحدث حقوق جديدة وفقًا لتطور الحياة العصرية، مثل الحق في حرية تكوين مجتمعات، والحق في المساواة أمام القانون، والحق في حرية التنقل، والحق في الحصول على الجنسية، والحق في حرية العمل وغيرها الكثير، بينما مفهوم الحريات العامة يشير إلى مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الفرد ويمارسها تحت سلطة الدولة التي يعيش فيها.

وفي مضمار التمييز بين المفهومين فإن مصطلح حقوق الإنسان يُعد دراسة العلاقات التي تخدم الحقوق المكتسبة للفرد بكونه بشرًا، بينما الحريات العامة هي ما تحدده وتفرضه الدولة بموجب نص القانون، إذ إن العلاقة بين الحريات العامة والدولة شديدة الارتباط ولا يمكن التطرق للحريات العامة إلّا ضمن إطار قانوني محدد، فهو الفرق الأساسي الذي يميز حقوق الإنسان عن الحريات العامة، إذ تنتمي الأخيرة إلى القانون الوضعي بينما تنتمي الأولى الى الحقوق الطبيعية التي يمتلكها أي إنسان فقط لكونه بشرًا، وتظل موجودة حتى لو لم يُعترف بها، بينما تتطلب الحريات العامة إقرار الدولة بها.

ولذلك فإن مفهوم حقوق الإنسان يعد أوسع وأشمل من مفهوم الحريات العامة التي تتضمن مجموعة محددة من الحريات التي اعترف بها القانون وكفلها بموجب نصوص خصصها لها، فهي مكفولة دستوري فقط، بينما حقوق الإنسان لا تقتصر على هذا المفهوم الضيق وتتعداه ليلامس كل ما تحتاجه الطبيعة البشرية كضمان الحماية الصحية والتعليم والثقافة، وبالتالي يُعد مفهومًا قابلًا للتطور بالتوافق والتزامن مع تطور الجنس البشري وتُعد حقوق الإنسان مكفولةً دوليًا، بينما تحدد الحريات العامة بإطار القانون ولا تتغير إلا بنص قانوني.

تُعدّ الحريات العامة نسبيةً، أي أنها تختلف من دولة إلى أخرى، وتختلف أيضًا من زمان إلى آخر، فمثلًا الحريات العامة بالأردن لا تتشابه مع الحريات العامة بالسويد على سبيل المثال، والحريات العامة بالمملكة العربية السعودية لا تتشابه مع الحريات العامة في الجمهورية المصرية، ويعود سبب هذا الاختلاف لأن الحريات العامة تكون من ضمن قوانين الدولة نفسها، وتضع كل دولة الحريات العامة الخاصة بها ضمن أيديولوجيتها الخاصة، على عكس تمامًا حقوق الإنسان فهي عبارة عن حقوق مطلقة وليست حقوق نسبية، ولا تتأثر حقوق الإنسان بأي متغيرات إيديولوجية أو سياسية، فجميع البشر على حد سواء يتمتعون بحقوق الإنسان بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللغة، فهي حقوق عالمية تشمل جميع البشر دون تميز، ولا يمكن تجزئتها، وهي حقوق غير قابة للتصرف ولا يمكن إخراج أي إنسان منها.

كما تختلف الحريات العامة عن حقوق الإنسان من حيث المصدر، فبالنسبة للحريات العامة هي من اختصاص الدولة وحدها ولا يحق لأي أحد التدخل فيها، وتفرض الدولة هذه الحريات بما يتوافق مع سياستها المتبعة، أما حقوق الأنسان فهي مستمدة من قانون الطبيعي المعد ليناسب جميع البشر ويحفظ كرامة الإنسان، ويمكن اعتبار مصطلح حقوق الإنسان أنه مؤشر على اهتمام المجتمع الدولي بالإنسان وحقه بالعيش الكريم؛ فهو مصطلح دولي متشابه في جميع دول العالم، بينما مصطلح الحريات العامة يستعمل داخل حدود الدولة ويطلق على مجموع الإمكانيات التي يتمتع بها الفرد سواء كانت حقوقًا أو حريات.

خلاصة القول أن الحريات العامة شكل من أشكال حقوق الانسان التي ترتبط بحرية الانسان فهي فرع متفرع من مبادئ حقوق الانسان المتعارف عليها عالميا ويتجلى الفرق بين الحريات العامة وحقوق الانسان في نقطتين:

الصورة التقليدية : فحقوق الانسان مستمدة من تصورات القانون الطبيعي الذي يعطي الانسان مجموعة من الحقوق كإنسان يحميها القانون الوضعي ويضمنها، أما الحريات العامة فهي تلك الحقوق المعترف بها من طرف السلطة العامة بمعنى أن السلطة تصرفت في القانون الطبيعي ومررته ليصبح قانونا وضعيا بتصرف منها، كما أن كلمة حقوق الانسان لها معنى طبيعي واسع بينما الحريات مقيدة دائما بالنصوص القانونية ونوع النظام السياسي القائم والظرف الاقتصادي والاجتماعي في كل دولة. وعليه فالحريات العامة ولدت من رحم حقوق الانسان، الذي يبقى أوسع مفهوما ودلالة من الحريات العامة التي تتطور دائما مع تطور المجتمع بينما تظل فلسفة حقوق الانسان هي الاصل ومادة أعمق والينبوع الذي تستقي منه الحريات العامة مفاهيمها المتجددة.

الصورة الحديثة : تحاول هدم الفرق بين حقوق الانسان والحريات العامة انطلاقا من كون كلاهما يسعى للسمو الانساني وتحقيق الكرامة الانسانية فالغاية واحدة فقط أن حقوق الانسان تستدعي تنزيلا لها، فحقوق الانسان مرتبطة بشخص الانسان بينما الحريات العامة تصل إلى تحديد طبيعة النظام السياسي السائد وعلاقته بالمشروعية وحماية الحريات العامة للأفراد والجماعات.

📗 خلاصة الباب

  • الحريات الأساسية هي نواة الحريات العامة التي لا يجوز المساس بجوهرها حتى عند تقييدها، وتختلف عن حقوق الإنسان من حيث النطاق والمصدر والآليات القانونية المؤطرة لها، فحقوق الإنسان أوسع نطاقا وذات بعد كوني، بينما ترتبط الحريات العامة أكثر بالتنظيم القانوني الداخلي لكل دولة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية