فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 8 : المذهب الاشتراكي

📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 9 من 12 — فهرس الكتاب

مدخل

تبين أن الحريات في النظام اللبرالي زائفة وخادعة عند تطبيقها حرفيا، فالحرية المطلقة في الاقتصاد أدت إلى فوارق اجتماعية هائلة مما جعل الحرية السياسية حبرا على ورق وتأكد عدم المساواة بين المواطنين، فسلبية الدولة في النظام اللبرالي الحر نتج عنها أزمات اقتصادية وظهور احتكارات وطبقات اجتماعية، فكان لا بد من ظهور أفكار اشتراكية.

الاشتراكية كانت على مرحلتين، المرحلة الاولى هي الاشتراكية المثالية أو الطوباوية وامتدت حتى القرن 19 حيث كانت قائمة على مخاطبة الناس بالأحاسيس والضمائر قصد تحقيق مجتمع مثالي خال من الظلم والطبقية، لكنها لم تبين الوسائل من أجل بلوغ هذا الهدف فقد كانت عاطفية أكثر منها عملية، وقد نادى بهذه الفكرة العديد من الفلاسفة على سبيل المثال، كونفوشيوس الذي ظهر في الصين الذي نظر للفرد على أساس قيمته وليس على أساس الميلاد واعترف له بإمكانية الانتقال من طبقة اجتماعية لأخرى، ثم أفلاطون الذي دعا في كتابه الجمهورية إلى الشيوعية بإقامة المدينة الفاضلة على أساس مبادئ الاشتراكية فألغى الملكية الخاصة والاسرة لأن الملكية تعتبر أداة خلاف بين الناس، ثم طوماس مور في كتابه يوتوبيا حيث اقترح نظاما يماثل جمهورية أفلاطون المثالية واستبدال الملكية الفردية بالملكية الجماعية اعتبارا أن العدل لا يمكن تحقيقه في ظل الملكية الفردية. المرحلة الثانية هي الاشتراكية العلمية أو الماركسية.

أولا : الارهاصات الاولى لظهور مفهوم حقوق الانسان في المنظومة الاشتراكية

بدأت منتصف القرن 19 مع صدور البيان الاشتراكي لكارل ماركس الذي أضحى إنجيل الحركة العمالية الماركسية.

فقد انتقلت أفكار فولطير وروسو إلى روسيا سريعا ورافقتها اصلاحات قام بها القيصر لتغطية الحكم المطلق، لكن انكشف عوار هذه الاصلاحات الهشة مع الخسائر الكبيرة في الحرب العالمية الاولى مما ساهم في الثورة البولشفية بزعامة فلاديمير لينين المنادية بالحقوق والمساواة والعدالة الاجتماعية والاعتراف بحقوق العمال فتطور التمرد إلى ثورة حقيقية أدت إلى سقوط القيصر.

سنة 1917 وقع الاعلان عن أول حكومة حرة في روسيا بزعامة ليفوف التي قامت بمجموعة من الاصلاحات كالمساواة أمام القانون وإصدار بيان سمي حقوق الشعب العامل المستغل سنة 1918 حيث جاء بمفهوم جديد للحريات حيث تتدخل الدولة في النشاط الفردي كوسيلة ناجحة للحد من الفوارق الاجتماعية.

في هذا المضمار قال لينين : ” لا يمكن أن تكون هناك حريات حقيقية في مجتمع قائم على أساس سلطة المال الذي توجد فيه الطبقات الكادحة في بؤس، في حين لا توجد إلا فئة طفيلية من الاغنياء”.

ثانيا : المفهوم الاشتراكي للحقوق والحريات

لا يعترف واضعو البيان الشيوعي بالحقوق في ظل المجتمع البورجوازي، فقط انتصار البروليتاريا من سيحقق الكرامة الانسانية.

• التمييز بين الحريات الشكلية والحريات الواقعية

ميز ماركس بين الحريات الشكلية فأصبحت تدعى الحريات الكلاسيكية وحلت محلها الحريات الواقعية وهي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي لا يمكن أن توفرها سوى الدولة، فـ ماركس يرى أن رجال المال في الحرية الشكلية يتحكمون في المال وبالتالي يتحكمون في الصحافة والاعلام والحكومات إذن هذه الحرية صورية وشكلية ومزيفة.

• انتقاد اعلانات القرن 18 و 19

يرى ماركس أن اعلانات القرنين 18 و 19 ما هي إلا أدوات في يد البورجوازية استعملتها للقضاء على الاقطاعية ثم استعملتها بعد الثورات للقضاء على حقوق العمال، وبالتالي فهذه الاعلانات ما هي إلا نفاق سياسي، ويطرح ماركس أسئلة من قبيل : ” ما فائدة حرية السكن لشخص لا يملك سكنا ؟ ما قيمة حرية الصحافة إذا كانت الصحف بيد رؤوس الاموال ؟ ما قيمة الامن لشخص يموت جوعا ؟ .

رفض ماركس مفهوم الحريات في العالم الغربي وطرح بديلا تمثل في حريات في ظل مجتمع اشتراكي تنعدم فيه الطبقات وتشرف فيه الدولة على حقوق الانسان، وقال ماركس بـ ” أولوية الجماعة على الفرد ثم التضحية بحقوق الفرد من اجل حقوق الجماعة”، الدولة هي تدخلية ترتكز على الهيمنة السياسية عن طريق الحزب الواحد ثم الهيمنة الاقتصادية الممارسة من خلال المخططات الاقتصادية.

هكذا ظهرت حقوق جديدة لم تكن في إعلانات الحقوق الفرنسية والانجليزية والامريكية من قبيل الحق في العمل والحق في الراحة والحق في التامين والحق في التعليم، لكن الحقوق والواجبات في المذهب الاشتراكي وجهان لعملة واحدة فمن يطالب بالحق في الطعام والكساء عليه واجبات العمل ومن يطالب بالحرية عليه أن يحترم حقوق الاخرين.

• أزمة المذهب الاشتراكي

تركت النظرية الماركسية أثرا بالغا في تاريخ الانسانية ولعبت دورا كبيرا في تطور الفكر والسياسة في العصر الحديث، واستطاعت الثورة الاشتراكية في روسيا أن تطيح بالحكم الفردي المتمثل في القيصر وتؤسس دولة اشتراكية قوية اصبحت قوة عظمى عالميا قبل أن تعصف بها رياح التغيير في 1989 أدت إلى إعادة النظر في الكثير من مبادئ الاشتراكية، وقد تجلت أزمة المذهب الاشتراكي في حماية حقوق وحريات الفرد وثانيا من خلال ظهور مذهب التدخل الجزئي.

على مستوى حماية حقوق وحريات الافراد

حققت الاشتراكية بعض العدل في العمل وتوزيع الثورات لكن الفرد المسكين حوصر من كل جانب، فالسلطة والمال والاعلام والثورة والثقافة تركزت كلها بيد الدولة، وهذه الدولة يسيرها بشر، فالسلطة إذن لم تتلاشى ولم تتكون المدينة الفاضلة وسيطر الحزب الواحد ولم يفسح المجال للرأي الآخر وصودر الحق في العمل السياسي الحر والمشاركة في الحكم والتداول على السلطة وساد الحرمان، في حين كان الانسان الاوروبي ينعم بكامل حقوق الانسان وبالمشاركة السياسية الحرة مع تطور مسيرة الانتاج والرخاء.

ظهور مذهب التدخل الجزئي

في الاتجاه الاخر ومع ضغط المبادئ الاشتراكية اضطرت النظم اللبرالية إلى القبول بمبدأ تدخل الدولة جزئيا بدل الدولة الحارسة، وبدأت الدولة تضمن حقوق الافراد كالتعليم والتطبيب والكفالة الاجتماعية فاقتبست النظم الغربية من الاشتراكية بعض الافكار من قبيل تدخل الدولة لتنظيم لحقل الاقتصادي والاجتماعي و تغليب المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية و احترام الملكية الفردية، ثم تطور الأمر لاحقا حتى تدخلت الدولة في تحديد الاجور وساعات العمل وتأمين العمال، فتم في فرنسا مثلا إقرار الحق بالعمل لكل فرد ومنع الاساءة للعمال وتعويض العمال في حالات الحوادث أو البطالة وتم استصدار قانون الضمان الاجتماعي.

نلاحظ أن الحقوق جاءت نتيجة تراكمات فلسفية وفكرية أسهمت فيها جل الحضارات، فاستفاد اللاحق من السابق مؤكدا قوله تعالى أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الارض.

📗 خلاصة الباب

  • ظهر المذهب الاشتراكي كرد فعل على أزمة المذهب الفردي، منطلقا من إرهاصات فكرية مبكرة، وقدم مفهوما مغايرا للحقوق والحريات يقوم على تدخل الدولة لحماية الأفراد اقتصاديا واجتماعيا (لا الاكتفاء بحمايتهم من تدخل الدولة كما في المذهب الفردي)، وهو ما أدى تدريجيا إلى ظهور مذهب توفيقي يقوم على التدخل الجزئي للدولة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية