📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 11 من 12 — فهرس الكتاب
مدخل
عرف مجال حقوق الإنسان والحريات العامة منذ الإستقلال تطورا مطردا ولا زال هناك نقص حاد وتذبذب في هذا الإطار، وتتأرجح المصادر الحقوقية في المغرب بين ما هو قانوني وما هو ايديولوجي كالمرجعية الاسلامية والغربية، وهي تطرح الكثير من الصدام بين ما هو اسلامي وما هو غربي، وتبقى مدونة الحريات العامة أهم ما ميز المصادر القانونية.
أولا : المصادر القانونية
• المصادر القانونية السابقة على تبني مدونة الحريات العامة
مشروع دستور 1908
تضمن مجموعة من الحقوق حيث ميز بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
الحقوق المدنية والسياسية، مثل عدم الضرب بالعصي والجلد والتعذيب والتشهير وإنشاء مجالس منتخبة ومجلس لتمثيل الأمة، ثم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثل حق التعليم كإلزامية التعليم الابتدائي و حق الملكية واصدار الصحف وتنظيم التجمعات السياسية والنقابية حيث ساوى بين المغاربة والاجانب.
مصادر أخرى
ونقصد به كلا من القانون المتعلق بالحرية النقابية الصادر في 1957 و مرسوم 1958 بشأن ممارسة الموظفين للحق النقابي ثم العهد الملكي الصادر سنة 1958 جاء على شكل خطاب ملكي تم الاعتراف فيه بحرية التعبير والنشر والتعليم والاجتماع و التحزب وتكوين الجمعيات شريطة احترام النظام الملكي.
• المصادر اللاحقة على مدونة الحريات العامة
مدونة الحريات العامة : ويطلق على أربعة قوانين أساسية بالإضافة إلى القانون المتعلق بالحرية النقابية الذي يضيفه البعض إلى مدونة الحريات العامة، لكن الملاحظ أنه رغم إصدار المغرب للمدونة العامة للحريات التي اعتبرت قفزة نوعية مهمة على مستوى الحريات في المغرب، إلا أن وضعية حقوق الإنسان لم تكن مطمئنة بالنظر لظرفية عدم الإستقرار السياسي والصراع حول السلطة والتباعد بين التشريع والممارسة وضعف الوعي الحقوقي.
القانون المتعلق بالجمعيات : صدر بظهير شريف رقم 1.58.376 متضمنا 41 فصلا موزعة على سبعة أجزاء تم تعديله سنة 1973، لكن هذا القانون عرف تضييقات كثيرة حتى عرف باسم القانون الجنائي للحريات العامة بل إن ممارسته أوجدت قانونا عرفيا للحريات العامة تمثل في منطق التعليمات الشفوية و التهديدات البوليسية والتعذيب والترهيب.
القانون المتعلق بالتجمعات العمومية : صدر بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.58.377 ويضم 26 فصلا تنظم الاجتماعات العمومية والتجمهر وعقوبات حمل السلاح في وجه الأمن..
القانون المتعلق بالصحافة بالمغرب : صدر بمقتضى الظهير الشريف رقم : 1.58.378 ويضم 80 فصلا على 5 ابواب تضمن قوانين الطباعة وترويج الكتب والصاق الاعلانات والنشرات والمتابعات وقد تم إدخال العديد من التعديلات عليه بما يخص الاعلام والصحافة والطبع والنشر.
مصادر أخرى
نختزلها في القانون الاساسي للمملكة الصادر في 1961 و الدساتير المغربية.
القانون الاساسي للمملكة
وقد أصدره الملك الحسن الثاني تمهيدا لإصدار أول دستور فشكل بذلك مرجعية قانونية لحقوق الانسان والحريات نظرا لما تضمنه من مبادئ عامة للمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وصيانة كرامة الانسان واقرار نظام اقتصادي بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وحاول إرساء دعائم مجال سياسي قانوني يساعد على ممارسة هذه الحقوق منها دعامتين مهمتين هما فصل السلط و استقلال القضاء.
المصدر الدستوري
حيث عرف المغرب 5 دساتير 1962-1970-1972-1992-1996 فكانت مجرد تغييرات على الدستور الأم وهو دستور 1962 .
ومن الانتقادات الموجهة إلى هذه المرحلة:
• احتدام الصراع حول السلطة بين المؤسسة الملكية والأحزاب الوطنية.
• ممارسات مشينة للسلطة على مستوى قمع الحركات الاحتجاجية والاختطافات، وإعلان حالة الطوارئ.
• تراجع مثير في دستور 1970 على بعض المكاسب الدستورية لسنة 1962.
• محاولتين انقلابيتين عسكريتين فاشلتين.
• بروز قضية النزاع على الصحراء.
• تميز الانتخابات بغياب النزاهة بتزوير حاد ومتحكم فيه في نتائج الانتخابات.
لكن يمكن اعتبار دستور 2011 نقلة نوعية في مجال حقوق الانسان في المغرب حيث نص على مجموعة من الحقوق والحريات الاساسية للأفراد والجماعات في الباب الثاني تحت اسم الحريات والحقوق الاساسية من الفصل 19 إلى الفصل 40 أي حوالي 22 فصلا.
دستور 2011 أتى نتيجة للاحتجاجات العارمة لحركة 20 فبراير التي عمت مختلف المدن المغربية في إطار ما سمي بثورات الربيع العربي، ويشكل هذا الدستور تطورا نوعيا وقفزة مهمة على مستوى إقرار حقوق الإنسان والحريات العامة بالمغرب بالمقارنة مع الدساتير السابقة ودساتير معظم الدول العربية والإفريقية.
وللديباجة أهمية بالغة في مجال حقوق الإنسان ونلاحظ في ديباجة دستور 2011 تأكيدها على:
• بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون ويتمتع فيها الجميع بالأمن والحرية والكرامة الانسانية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم.
• التشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليه عالميا والالتزام بما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات.
• الالتزام بحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة.
الحقوق المدنية والسياسية في دستور 2011
• المساواة : نص عليها الفصل 19 من دستور 2011 على الرجل والمرأة على حد سواء والحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في الدستور والاتفاقيات الدولية التي و قع عليها المغرب كل ذلك تحت ثوابت المملكة وقوانينها.
• الحق في الحياة : الفصل 20 تحدث أول حق وهو الحق في الحياة ويحمي القانون هذا الحق.
• الحق في السلامة الشخصية : حيث تطرق إلى سلامة الاشخاص والممتلكات و التراب الوطني.
• منع الاعتقال التعسفي والحق في الصمت حتى الحصول على مساعدة قانونية.
• الحق في المحاكمة العادلة.
• الحق في ظروف اعتقال انسانية والاستفادة من برامج التكوين والتأهيل.
• منع العنصرية والكراهية والعنف والتحريض.
• منع جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية.
• حرمة المنزل، والاتصالات الشخصية والمال الشخصي.
• حرية التنقل والاستقرار.
• حرية الرأي والتعبير.
• الحق في المعلومة الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات التي تسير المرفق العام.
• حرية الصحافة فلا يمكن تقييدها بموجب الفصل 28 مع وضع القوانين المنظمة لذلك.
• الفصل 29 المنظم للاجتماعات العمومية والتجمهر وتأسيس الجمعيات والنقابات والاحزاب.
• الحقوق المرتبطة بالانتخابات سواء بالتصويت أو الترشح والتمتع بالحقوق السياسية والمدنية و تكافؤ الفرص.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في دستور 2011
نص دستور 2011 على مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالأفراد والجماعات :
• الحقوق المرتبطة بالفرد : من خلال الفصل 31 للاستفادة من العلاج والصحة العمومية والضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والتعليم والتكوين المهني والتربية البدنية والسكن اللائق والشغل والوظائف العمومية والماء والتنمية المستدامة.
• الحقوق المرتبطة بالأسرة : من خلال الفصل 32 فالأسرة هي الخلية الاساسية للمجتمع وتعمل الدولة على ضمان حماية الاسرة والاعتبار المادي والمعنوي للطفل.
• حقوق الشباب : من خلال الفصل 33 فيشجع على التنمية الاجتماعية ومساعدة الشباب على الاندماج في الحياة العملية النشيطة وتيسير ولوج الشباب لعالم التكنولوجيا والانشطة الترفيهية والفن والرياضة مع توفير الاجواء المناسبة لذلك فتم استحداث مجلس استشاري للشباب.
• حقوق ذوي الحاجات الخاصة : من خلال الفصل 34، من خلال إعادة تأهيلهم والاعتناء بهم.
• حق الملكية، حيث نص الفصل 35 عليه وممارسته بموجب القانون وتضمن الدولة حق المبادرة والتنافس الحر والحفاظ على الثورات الطبيعية وعلى حقوق الاجيال القادمة.
التشريع الدستوري المغربي في مجال حقوق الانسان يتميز بما يلي :
• يميز بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق الفردية والجماعية.
• الباعث من دسترة بعض الحقوق في دستور 2011 بالاسم هو امتصاص الغضب الشعبي وتحسين صورة المغرب في المنتظم الدولي.
• توسيع مضمون الحقوق والحريات ليتم الانتقال إلى المفهوم الحديث لها.
• تطرق الفصلين 41 و 42 إلى الحقوق الدينية والحقوق الفردية والجماعية .
• انتقال المغرب من مجال الحريات العامة إلى مجال الحريات الاساسية مراهنا بذلك على الانخراط في المنظومة الدولية لحقوق الانسان .
• التناقض القائم في عملية السرد الدستوري للحقوق والحريات وكذلك تعدد المرجعيات الإيديولوجية.
• توسيع مجالات الحقوق والحريات الواردة في الدستور وتسميتها بالأساسية فضلا عن طابعها العام والكوني.
• تسمية الحقوق والحريات في الباب الثاني بالأساسية يجعلنا نؤكد وجود حقوق عادية غير اساسية.
ثانيا : المصادر الأيدولوجية
• المرجعية الاسلامية
من خلال الخطب الملكية
• من خلال طبيعة النظام السياسي القائم في المغرب أي النظام الملكي القائم على البيعة التعاقدية.
• الاحالة الملكية في الخطب على المرجعية الاسلامية.
من خلال الدستور
• من خلال الفقرة 2 من التصدير ” المملكة المغربية دولة اسلامية “
• ما نص عليه الفصل 3 من أن الاسلام دين الدولة.
• ما نص عليه الفصل 41 من أن الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين.
• ما نص عليه الفصل 42 من أن أولوية الشريعة الاسلامية على ما عداها من الشرائع.
من خلال الاتفاقيات والمعاهدات
وتظهر من خلال التحفظات التي يسلكها المغرب كأسلوب للمصادقة عليها
• تحفظ المغرب على حرية الدين للطفل نظرا أن الاسلام هو دين الدولة.
• تحفظ المغرب عل مقتضيات كل اتفاقية تتعارض مع أحكام الشريعة الاسلامية.
• المرجعية الغربية
• ما نصت عليه الفقرة 3 من تصدير الدستور من أن المغرب عضو نشيط في إطار المنظمات الدولية.
• في عملية تنظيم مختلف أنواع الحريات العامة.
• في عملية تصنيف الحقوق الواردة في الدستور المغربي حيث نجد تصنيفا قسم الحقوق إلى الحقوق المدنية والسياسية كالحق في الحياة والمساواة وتحريم الاعتقال التعسفي وحرية التعبير والعبادة والانتخاب والترشح والفكر والصحافة والتنقل ثم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كالحق في الشغل والتعليم والاضراب والعلاج والسكن والتجارة والمنافسة الشريفة وحق الملكية وتكافؤ الفرص ثم الحقوق البيئية وهي الحق في الماء والعيش في بيئة سليمة والتنمية المستدامة ثم الحقوق الخاصة كحقوق الطفل والمرأة والاسرة والشباب والاشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والاشخاص المسنين.
📗 خلاصة الباب
- تستمد حقوق الإنسان والحريات العامة بالمغرب مصادرها القانونية من دستور 2011 (الذي كرَّس حقوقا مدنية وسياسية واسعة إلى جانب حقوق اقتصادية واجتماعية) ومن الاتفاقيات الدولية المصادَق عليها، إضافة إلى مصادر أيديولوجية (دينية وفكرية) شكلت الخلفية الثقافية لهذا التكريس الدستوري.
- ميّز دستور 2011 بشكل صريح بين الحقوق المدنية والسياسية (كحرية التعبير والتنقل والانتخاب) والحقوق الاقتصادية والاجتماعية (كالحق في الشغل والصحة والتعليم)، في تكريس دستوري غير مسبوق لشمولية منظومة حقوق الإنسان بالمغرب.
◀ الفصل السابق: المحور 9 : النظم الدولية لحماية حقوق وحريات الانسان
الفصل التالي: المحور 11 : دراسة نماذج من الحقوق والحريات في المغرب ▶
اترك تعليقاً