فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

التطور التاريخي للقضاء المغربي

📖 التنظيم القضائي — الفصل 2 من 12 — فهرس الكتاب

مدخل

القضاء لغة جمع أقضية، قضى يقضي قضاء : يعني حكم، وفي اصطلاح الفقهاء هو تبيين الحكم الشرعي والالزام به، قال ابن خلدون : وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة، وهو منصب الفصل بين الناس في الخصومات بالأحكام الشرعية المستقاة من الكتاب والسنة، أما القانون فيعرف القضاء بأنه : “الولاية العامة في المنازعات الناشئة عن المعاملات والعقود والضمان وكل ما يتعلق بالملكية والانتفاع والأنكحة وروابط الأسرة والجنايات سواء بين الأفراد فيما بينم أو بين الافراد والسلطة”.

القضاء سلطة مستقلة اتجاه السلطات الأخرى التشريعية والتنفيذية، تختص بـتحقيق الدعاوى والحكم فيها، ولا يحد من استقلاليتها أي قيد وهو ما نصت عليه الفصول من 107 إلى 128 من الدستور المغربي المكونة للباب السابع الذي يحمل عنوان السلطة القضائية، وهي الفصول التي ارست الاحكام العامة لاستقلالية القضاء وما يتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية.

جاء في الفصل 107 من دستور 2011 : ” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”.

والتنظيم القضائي هو الإطار القانوني الذي ينظم عمل قواعد العمل القضائي بشكل عام، من خلال الاشارة إلى المفاهيم المتعلقة بإنشاء المحاكم وتأليفها وأنواعها وترتيبها واختصاصاتها وطريقة اشتغالها والإجراءات التي تتبع أمامها، وهو ما تكلف به الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 ( موافق 15 يوليوز 1974) المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة، الذي تممته عدة قوانين ومراسيم، في انتظار المصادقة عل القانون رقم 38.15.

المادة الاولى من ظهير التنظيم القضائي حددت هيكلة التنظيم القضائي المغربي حيث جاء فيها : ” يشمل التنظيم القضائي المحاكم التالية :

1- المحاكم الابتدائية؛ 2- المحاكم الإدارية؛ 3- المحاكم التجارية ؛ 4- محاكم الاستئناف؛ 5- محاكم الاستئناف الإدارية ؛ 6- محاكم الاستئناف التجارية؛ 7- محكمة النقض. وتعين مقارها ودوائر نفوذها وعدد موظفيها بمقتضى مرسوم.”

ظهر القضاء مع تأسيس الدولة الإسلامية على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر التنظيم القضائي على يد الخلفاء الراشدين. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفصل في النزاعات بين الناس اعتمادا على أحكام الشريعة الإسلامية، وكان يصدر الأحكام والأوامر بتنفيذها، ومع توسع الدولة الإسلامية لم يعد بمقدور الرسول صلى الله عليه وسلم ممارسة العمل القضائي لوحده، فعين بعض الصحابة لمساعدته الذين كانوا يعتمدون أحكام القرآن وبعده أحكام السنة النبوية، وان لم يجدوا كانوا يجتهدون لإصدار الأحكام.

القضاء في الإسلام يعتمد على أحكام الشريعة الإسلامية في جميع المستويات، كما يحترم قواعد الأخلاق ويبتعد عن كثرة الشكليات، إضافة إلى المجانية الكاملة والعدالة المطلقة، والقضاء في ظل الدولة الاسلامية يتشكل من أربع جهات قضائية هي : القضاء العادي، قضاء الحسبة، قضاء المظالم، قضاء العسكر، هذا النوع من القضاء انتقل إلى المغرب وظل مع كل الدول التي حكمت المغرب إلى غاية عهد الحماية، فالمغرب ظل يعتمد على القضاء الإسلامي الذي يستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي، إلى أن فرضت عليه الحماية التي عملت على إصدار تشريعات أحدثت بمقتضاها محاكم جديدة لم تكن معروفة من قبل، واستمر العمل بهذا التنظيم القضائي إلى ما بعد الاستقلال.

القضاء المغربي قبل الحماية انتظم في أربعة أشكال من المحاكم، وهي: المحاكم الشرعية التي تطبق فيها الشريعة الاسلامية، المحاكم المخزنية وهي مختصة في الجرائم المتعلقة بالأمن، المحاكم العبرية ثم المحاكم القنصلية التي تفصل في نزاعات الاجانب. وقد تمخضت هذه المحاكم عن مجموعة من الاتفاقيات التي وقعها المغرب مع الدول الأوروبية.

أولا : التنظيم القضائي المغربي خلال مرحلة الحماية

اختلف التنظيم القضائي باختلاف مناطق النفوذ الاستعماري. وهي كالتالي:

القضاء بالمنطقة الجنوبية

تميز هذا التنظيم بالمحافظة على المحاكم الشرعية، المحاكم المخزنية والمحاكم العبرية، لكنه ألغى المحاكم القنصلية، كما تم استحداث محاكم جديدة هي المحاكم العرفية والمحاكم العصرية ومحكمة الاستيناف الشرعي.

التنظيم القضائي بالمنطقة الشمالية

انتظم العمل القضائي بهذه المنطقة بأربع جهات هي: المحاكم الشرعية، المحاكم المخزنية، المحاكم العبرية ثم المحاكم الاسبانية الخليفية ( التي كانت تتألف من محاكم الصلح، محاكم ابتدائية ومحكمة الاستيناف بتطوان )

القضاء بـــمدينة طنجة الدولية

نصت الاتفاقية الفرنسية- الاسبانية مع بريطانيا في دجنبر 1922م ـ في فصلها الثامن والأربعون ـ على إحداث محكمة دولية مختلطة يعهد إليها بتنظيم شؤون العدل بطنجة بالنسبة للأجانب والمحميين المغاربة، ومن مميزات هذه المحكمة أن أحكامها لم تكن قابلة للنقض. ثم صدر ظهير في 10يونيو 1953م نظم القضاء في عدة أنواع من المحاكم هي : محكمة الصلح، محكمة ابتدائية، محكمة استئناف ومحكمة الجنايات.

إذن في مرحلة الحماية كان التنظيم القضائي المغربي على الشكل التالي :

المحاكم الشرعية : تقلص دورها وتم الغاؤها لاحقا.

المحاكم المخزنية : منحها المستعمر صبغة قانونية.

المحاكم العبرية : اعيد تنظيمها.

المحاكم العرفية : تصدر احكاما بمقتضى العرف المحلي.

المحاكم العصرية : تأسست محاكم فرنسية.

المحاكم المختلطة : تأسست بمدينة طنجة.

المحاكم الخليفية : موجودة في منطقة الاستعمار الاسباني تطوان والريف والنواحي.

ثانيا : التنظيم القضائي قبل صدور قانون المغربة

بعد حصول المغرب على الاستقلال بادرت الحركة الوطنية إلى إعادة النظر في التنظيم الاستعماري للقضاء خاصة ما كان يسمى بالمحاكم العرفية حيث تم إلغاؤها.

وقد قسمت الظهائر التي صدرت خلال هذه المرحلة القضاء الى محاكم عادية (1956م)، محاكم عصرية، محاكم الشغل (ظهير29أبريل1957م) ثم المجلس الأعلى (27غشت 1957م). وانتظمت هذه المحاكم في عدة هيئات قضائية، وهي كالتالي:

محاكم الحكام المفوضين (قضاء فردي)

محاكم إقليمية (تأخذ بنظام القضاء الجماعي)

المحكمة العليا

محاكم القضاء الشرعي: تتكون من محاكم ابتدائية واستئنافية ومحكمة عليا للنقض.

ثالثا : التنظيم القضائي منذ صدور قانون المغربة والتعريب الى غاية صدور النظام الحالي

رغبة في الحد من دور القضاة الأجانب بالمغرب، وتعريب الأحكام، أصدر قانون المغربة بتاريخ 26 يناير 1956م، والذي ألغى المحاكم العصرية وأصبح بمقتضاه القضاء المغربي يتكون من محاكم السدد ومحاكم إقليمية ومحاكم اجتماعية، ومحاكم استئناف ثم المجلس الأعلى، غير أن هذا التنظيم لم يستمر طويلا حيث أعيد النظر فيه بمقتضى ظهير 15 يوليوز 1974م والذي أحدث التنظيم القضائي الحالي، ونحن الان بصدد مشروع جديد للتنظيم القضائي ويتمثل في قانون 38.15.

رابعا : مرحلة ما بعد دستور 2011

بعد صدور دستور 2011 عرفت المنظومة القضائية المغربية تطورا شمل كل المجلات المرتبطة به سواء على المستوى التشريعي عبر اصدار بعض القوانين او تعديل البعض الاخر، او على المستوى الدستوري عبر التنصيص على مستجدات عديدة تتلاءم والمرحلة الراهنة مثل :

– اعادة هيكلة المحاكم الابتدائية

– إحداث اقسام للجرائم المالية ببعض محاكم الاستيناف

– تغير تسمية المجلس الاعلى بمحكمة النقض

– توسيع مجالات القضاء الفردي

– حذف المحكمة العليا للعدل

– تخويل القضاة حرية التعبير والانخراط في جمعيات مهنية

– تدعيم مبدا استقلال القضاء

– ارساء مبادئ الحكامة القضائية

ولعل مؤسسة المجلس الاعلى للسلطة القضائية كانت من اهم الضمانات الدستورية الممنوحة للقضاة والتي نص عليها الدستور في الفصل 113.

و بتاريخ 8 ماي 2012 نصب صاحب الجلالة الهيئة العليا للحوار الوطني حول الاصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة حيت كلفها بالإشراف على الحوار الوطني وخلصت الى صياغة مشروع توصيات تم رفعها الى الملك في جزئين، الجزء الاول خصص لتشخيص الوضعية الراهنة للعدالة والتذكير برسالة القضاء وقيمته والرؤيا العامة للإصلاح، أما الجزء الثاني خصص للأهداف الاستراتيجية الكبرى لإصلاح منظومة العدالة وما تتطلبه من آليات التنفيذ.

الجزء الاول شخص الوضعية والرؤيا العامة لإصلاح منظومة العدالة وقد أكد على مكامن قوة العدالة المتجلية في :

صدور تشريعات متقدمة

وجود خبرات متميزة في اداة المرفق القضائي و قضاة يتمتعون بكفاءة عالية

تراكم اجتهاد قضائي مهم و وجود مهن قضائية متمرسة

وخلصت الى ان اصلاح منظومة العدالة مرتبط بتحقيق اهداف رئيسية :

توطيد استقلال السلطة القضائية

تخليق منظومة العدالة

تعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات

الارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء

انماء القدرات المؤسساتية لمنظومة العدالة وتحديث الادارة القضائية وتعزيز حكامتها.

📗 خلاصة الباب

  • القضاء نشأ مع الدولة الإسلامية معتمدا الشريعة، واستمر بهذا الشكل في المغرب عبر مختلف الدول التي حكمته حتى عهد الحماية.
  • خلال الحماية اختلف التنظيم القضائي باختلاف مناطق النفوذ الاستعماري (فرنسية، إسبانية جنوبية وشمالية، طنجة الدولية)، مع وجود محاكم شرعية ومخزنية وعبرية وقنصلية.
  • بعد الاستقلال مرّ التنظيم القضائي بمراحل توحيد القضاء والمغربة والتعريب، ثم مرحلة ما بعد دستور 2011 التي كرّست استقلالية السلطة القضائية.
  • تُوّجت هذه المسيرة بصدور القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي (الظهير الشريف 1.22.38 الصادر بتاريخ 30 يونيو 2022، المنشور بالجريدة الرسمية في 14 يوليوز 2022)، وهو التنظيم الساري حاليا.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية