📖 القانون الإداري — الفصل 5 من 12 — فهرس الكتاب
مدخل
سعى الفقه والقضاء نحو إيجاد أساس أو فكرة عامة تصلح أن تكون دعامة تقوم عليها مبادئ ونظريات القانون الإداري وتحديد المعيار المميز لموضوعاته عن موضوعات القوانين الأخرى، والهدف هو بيان الأساس النظري لأحكام ومبادئ القانون الإداري، ثم وضع الأسس الكفيلة بتعيين الاختصاص بين القضاء الإداري والقضاء العادي.
والملاحظ أن نشاط الادارة لا يخضع في مجمله لقواعد القانون الاداري بل هناك بعض الانشطة التي تخضع لقواعد القانون الخاص، وهذا ما يطرح صعوبة تطبيق قواعد القانون الاداري واستبعاد قواعد القانون الخاص، فكان لابد من وضع معيار ثابت ومستقر لتحديد أساس القانون الإداري، وقد ظهرت في هذا المجال عدة نظريات.
أولا : معيار السلطة العامة
يعتبر معيار السلطة العامة معيارا أساسيا لتطبيق أحكام القانون الاداري، فالإدارة بوصفها سلطة عامة لا يمكنها الخضوع لمقتضيات القانون الخاص نظرا لتمتعها بالنفوذ والامتيازات غير المألوفة لدى الخواص، كما أن قراراتها إلزامية ونافذة على الجميع.
لقد حاول الفقه الدفع في اتجاه فكرة السلطة العامة لتصلح أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري، ومن هؤلاء الأستاذ جورج فيدل الذي ذهب إلى أن فكرة السلطة العامة لا تعني فقط استخدام الإدارة لامتيازات وسلطات القانون العام باعتبارها سلطة آمرة، وإنما تشمل أيضاً القيود التي تحد من حرية الإدارة وتفرض عليها التزامات أشد من الالتزامات المفروضة على الأفراد في ظل القانون الخاص، ومن هذه القيود عدم إمكانية تعاقد الإدارة إلا بإتباع إجراءات وشروط معينة لا نظير لها في القانون الخاص، كاتباعها أسلوب المناقصات أو المزايدات عند اختيار المتعاقد معه.
ومن ثم لا يكفي اتصال نشاط الإدارة بمرفق عام حتى تكون بصدد تطبيق القانون الإداري، وإنما يجب أن تكون الإدارة قد استخدمت في نشاطها امتيازات وسلطات استثنائية لا مثيل لها في القانون الخاص أو التزمت بقيود وحدود غير مألوفة في هذا القانون، وفي الحالتين يختص القضاء الإداري بالمنازعات الناشئة عن مباشرة هذا النشاط.
إذن وفق هذه النظرية فمعيار السلطة العامة هو المعيار المميز لاختصاص المحاكم الادارية وبالتالي تحديد مجال تطبيق القانون الاداري.
للإشارة فقد تم تقسيم أعمال السلطة العامة والادارة إلى قسمين : أعمال السلطة العامة التي تحتكم الى القانون الاداري وتقاضى عليه أمام المحاكم الادارية، ثم أعمال التسيير التي بمقتضاها يمكن للإدارة أن تحتكم إلى القانون الخاص مع التقاضي أمام المحاكم العادية.
ثانيا : معيار المرفق العام
ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر أصبحت الفكرة الأساسية التي تعتمد عليها أحكام مجلس الدولة الفرنسي كأساس للقانون الإداري ومعيار لاختصاص القضاء الإداري هو فكرة المرفق العمومي، فكلما تعلق الأمر بمرفق عام تم تطبيق قواعد القانون الاداري، أما خارج هذا الاطار فـيتم تطبيق القانون الخاص ولو كانت الادارة حاضرة.
وتطبيقاً لهذه النظرية فإن أساس القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري هو كل نشاط تديره الدولة أو تهيمن على إدارته ويستهدف تحقيق المصلحة العامة، والمرفق العام بهذا المعنى هو النشاط الذي تتولاه الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى التابعة لها مباشرة أو تعهد به إلى جهة أخرى تحت إشرافها ومراقبتها وتوجيهها وذلك لإشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام.
وقد عزز هذا الاتجاه أن وضع العميد ديجي Duguit لأسس نظريته عن المرافق العامة التي كان لها شأن كبير بين نظريات القانون الإداري حتى باتت تقوم على اعتبار المرفق العام ومقتضيات سيره المبرر الوحيد لوجود نظام قانوني خارج عن المألوف في قواعد القانون الخاص، وقد تجاوزت هذه النظرية الانتقادات التي وجهت لمعيار التفرقة بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية، فشملت جميع نشاطات الإدارة المتصلة مباشرة بالمرافق العامة التي يحكمها القانون الإداري.
هكذا أصبح القضاء الإداري يختص بالنظر في المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية والأعمال المادية للإدارة سواء التي صدرت عن الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى التابعة لها ما دامت تستهدف هذه الأعمال إشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام.
لكن يمكن القول أنه مع ظهور المرافق الخاصة المنافسة للمرفق العام وقع التباس حقيقي في مفهوم المرفق العام وتحقيقه للمصلحة العامة، مما أدى إلى عدم مسايرة المرافق العامة للتطورات الاقتصادية الواقعة فاصبح معيار المرفق العام وحده غير كاف لتطبيق القانون الاداري.
ثالثا : المعيار المختلط
يمزج بين معيار السلطة العامة والمرفق العام، حيث يقضي هذا المعيار أن يطبق القانون الاداري عندما يتعلق الامر بنشاط تقوم به الادارة بما لها من سلطة من أجل تسيير مرفق عام مستهدفة إشباع حاجة عامة. هذا المعيار هو الرائج حاليا، ويستنتج أن المرفق العام شرط أساسي لتطبيق القانون الاداري لكنه ليس كافيا لتطبيقه ويتعين تتميم معيار المرفق العام بفكرة الادارة العامة التي هي اوسع من مفهوم السلطة العامة.
📗 خلاصة الباب
- لتحديد نطاق تطبيق القانون الإداري اعتمد الفقه والقضاء ثلاثة معايير متكاملة: معيار السلطة العامة (استعمال الإدارة امتيازاتها الاستثنائية)، معيار المرفق العام (كل نشاط يهدف لإشباع حاجة عامة)، والمعيار المختلط الذي يجمع بينهما لتفادي قصور كل معيار منفردا.
◀ الفصل السابق: مصادر القانون الاداري
الفصل التالي: الشخصية المعنوية كأساس للتنظيم الإداري ▶
اترك تعليقاً