فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المركزية الادارية

📖 القانون الإداري — الفصل 7 من 12 — فهرس الكتاب

مدخل

تختار الدول اسلوبها الاداري بما يتلاءم مع ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فتلجأ الدول في بداية نشأتها إلى أسلوب المركزية لضمان وحدتها وتطبيق القانون والقضاء على النزعات الانفصالية، لكن مع مرور الوقت وتزايد الضغوط الخارجية والسوق الحر والعولمة والخوصصة وتنازل الدولة عن بعض مهامها للخواص توجهت الكثير من الدول النامية نحو اللامركزية كأسلوب إداري حديث.

يقصد بالتنظيم الاداري إعداد جهاز إداري سليم قادر على تدبير المرفق العام بانتظام واضطراد وباقل تكلفة، والمركزية واللامركزية هما صورتا التنظيم الاداري في الدولة المعاصرة وأسلوبان من أساليب توزيع النهوض بالوظيفة الادارية في الدولة، والاختيار بينهما أو الجمع بينهما يعود لظروف كل دولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومدى الوعي لدى أفراد المجتمع من حيث اهتمامهم بالشؤون العامة، ورغم التناقض بينهما إلا أنهما يشتركان في عقلنة تدبير الشأن العام عن طريق إدارة القرب ويقومان على أسس عامة لكن مضامينهما مختلفة.

المركزية هي أسلوب من أساليب الادارة ترمي إلى احتكار الوظيفة الادارية بيد الحكومة بمعنى أن تقتصر على ممثلي الحكومة المركزية في العاصمة، أي الوزراء الذين يبـتون في القضايا الادارية دون مشاركة أي أطراف أخرى ويعتمدون على أعوان سواء في العاصمة أو الاقاليم مع خضوعهم جميعاً للرقابة الرئاسية التي يمارسها عليهم الوزير، فكل وزارة لا تتمتع بشخصيتها المعنوية وإنما تعتبر ممثلة للسلطة الادارية المركزية وجميع الوزارات تعتبر مرافق عمومية.

• الفقرة الاولى : عناصر المركزية

أولا : تركيز السلطة بين أيدي الادارة المركزية :

ويعني إشراف العاملون التابعون للسلطة المركزية على جميع المرافق والهيئات الادارية ولا مكان لمجالس اقليمية منتخبة أو مجالس مرفقية مستقلة للإشراف على المرافق العمومية، والوزير هو الذي يصدر القرار ويتكلف الموظفون المحليون بتنفيذه، فتركيز السلطة يكون في أيدي الحكومة المركزية، هذه السلطة مأخوذة بمعناها الواسع، أي أن رجال السلطة التنفيذية في مدارجها العليا في العاصمة وعمالها من موظفي المصالح الخارجية لهذه السلطة في الاقاليم، فيكون تركيز ولاية البت النهائي في يد رجال الحكومة المركزية وكذا تركيز الاختصاصات الفنية في يد أخصائيين في العاصمة.

ثانيا : التبعية الهرمية :

هي من لوازم المركزية الادارية، وهي خضوع الموظف الاقل درجة للموظف الاعلى درجة إلى أن يصل إلى الوزير الذي يخضع له الجميع في وزارته، وليس للمرؤوس حق الاعتراض على أوامر رئيسه.

ثالثا : السلطة الرئاسية :

وهي جوهر النظام الاداري المركزي، حيث يخضع الموظفون لسلم إداري يترأسه الوزير الذي يعتبر الرئيس التسلسلي للموظفين العاملين بوزارته وهي تخول للرئيس تعيين الموظفين التابعين له وتحديد مهماتهم واختصاصاتهم ونقلهم من مصلحة الى اخرى حسب متطلبات العمل وتوقيع الجزاء التأديبي في حق الموظف، وعلى المرؤوس دائما حق الطاعة والتنفيذ، ويمارس الرئيس رقابة سابقة ولاحقة على المرؤوسين، والرقابة السابقة هي الاوامر الفردية لفرد بعينه أو لمجموعة من الموظفين يوجهها إليهم وتسمى بالتعليمات المصلحية أو الدوريات، ثم هنالك رقابة لاحقة وهي سلطات التعقيب على تصرفات المرؤوسين، فله أن يقرها أو يعدلها أو يلغيها أو يستبدلها وله أن يفوض بعض صلاحياته للمرؤوسين وتمارس هذه السلطة دون نص صريح.

• الفقرة الثانية : صور المركزية الادارية

لا يقوم الوزير بتسيير المرفق المناط بوزارته لوحده بل يستعين بعدد كبير من المستخدمين والفنيين، وتتخذ المركزية الإدارية 3 صور : التركيز الإداري وعدم التركيز الإداري ثم التفويض.

أولا : التركيز الاداري :

وهي الصورة البدائية للمركزية الإدارية، ويطلق عليها أيضاً المركزية المتطرفة، ومعنى التركيز الإداري أن تتركز سلطة اتخاذ القرارات في كل الشؤون الإدارية بيد الوزراء في العاصمة، بحيث لا يكون لأية سلطة أخرى تقرير أي أمر من الأمور، إنما يتعين على كافة الموظفين في الأقاليم الرجوع إلى الوزير المختص لإصدار القرار، هذه الصورة غير ممكنة التطبيق في الواقع العملي نظرا لتعدد مهام الدولة والوزراء.

ثانيا : عدم التركيز الاداري :

يطلق على هذه الصورة من المركزية الإدارية المركزية المعتدلة، ومقتضاها تخفيف العبء عن الحكومة المركزية بتخويل بعض الموظفين في الأقاليم المختلفة سلطة البت في بعض الأمور ذات الطابع المحلي دون الحاجة للرجوع للوزير المختص في العاصمة، لكن تحت رقابة السلطة المركزية في العاصمة.

تطبيقا لهذا المبدأ صدر مرسوم 11 عمل على توزيع الاختصاصات بين الادارة المركزية والمصالح الخارجية، المادة 2 المتعلقة بالإدارة المركزية ” تقوم الادارة المركزية على المستوى الوطني وتحت سلطة الوزراء بمهمة التخطيط للأعمال الداخلية في نطاق اختصاصاتها وتنظيمها وإدارتها ومراقبة ذلك مع مراعاة النصوص المتعلقة بتحديد اختصاصاتها وتنظيم الوزارات”.

المادة 3 المتعلقة بالمصالح الخارجية : ” يعهد إلى المصالح الخارجية في نطاق اختصاصاتها بتنفيذ سياسة الحكومة وجميع القرارات والتوجيهات الصادرة عن السلطات المختصة في إطار أحكام النصوص التشريعية والتنظيمات الجاري بها العمل”

هكذا يجوز للوزراء أن يفوضوا إلى رؤساء المصالح الخارجية التابعة لهم التصرف باسمهم ضمن الحدود الداخلية وفي نطاق اختصاصاتهم.

القطاعات الوزارية هي الوزارات والادارات التي تترأسها سلطة حكومية أو سلطة معينة بظهير يخولها وضعية مماثلة لوضعية الحكومة، والبنيات الادارية المكونة للقطاعات الوزارية مصنفة على المستوى المركزي : كتابة عامة، مفتشية عامة، مديريات مركزية، اقسام، مصالح.

أما على المستوى اللامركزي فهي : مديريات جهوية، مديريات إقليمية، مصالح.

هكذا تم انشاء لجنة تنظيم الهياكل الإدارية واللاتمركز الاداري تسهر على البث في مشاريع المراسيم والقرارات المتعلقة بتحديد اختصاصات وتنظيم القطاعات الوزارية وتتكون من :

• ممثل عن السلطة الحكومية المكلفة بتحديث القطاعات العامة رئيسا

• ممثل عن السلطة الحكومية المكلفة بالمالية

• ممثل عن السلطة الحكومية المعنية بالمشروع المعروض على اللجنة

• يمكن للرئيس دعوة ممثلين عن المرافق العمومية الاخرى المعنية لاختصاصها بالمشروع

• يضاف إليهم عند دراسة مشاريع التصاميم المديرية للاتمركز الاداري ممثل عن السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، ممثل عن السلطة الحكومية المكلفة بإعداد التراب الوطني، ممثل عن السلطة الحكومية المكلفة بالشؤون الاقتصادية، ممثل عن الامانة العامة للحكومة، ممثل عن السلطة الحكومية المكلفة بالتخطيط.

أما اختصاصات الادارات المركزية والمصالح اللاممركزة فهي حسب نفس المرسوم :

• تطبيق السياسة الحكومية المرتبطة بمجالها نشاطها وتطبيقها وتقييم نتئجها

• إعادة مشاريع النصوص التشريعية أو التنظيمية

• توجيه ومراقبة عمل المصالح اللاممركزة وتقييم الوسائل الضرورية لسيرها

يستفاد أن المصالح اللاممركزة تمارس اختصاصاتها عن طريق التفويض وهو استثناء من مبدأ الممارسة الشخصية ويجب أن يكون بنص وهو نوعان : تفويض الاختصاص وتفويض الامضاء.

ثالثا : التفويض

تستلزم ضرورات العمل الإداري وحسن سير المرافق العامة أن يفوض بعض الموظفين المختصين بعض أعمالهم إلى موظفين آخرين غالباً ما يكونون مرؤوسين بالنسبة لهم، ويقصد بالتفويض أن يعهد صاحب الاختصاص بممارسة جزء من اختصاصاته إلى أحد مرؤوسيه.

شروط التفويض :

للتفويض شروط عامة استقر على إيرادها الفقه وأحكام القضاء، يجب مراعاتها حتى يكون التفويض صحيحاً هي:

الشروط الموضوعية : يلزم حتى يكون التفويض صحيحاً أن يسمح القانون بالتفويض، فإذا منح القانون الاختصاص إلى جهة معينة فليس لهذه الجهة التنازل عن هذا الاختصاص أو تفويضه إلى سلطة أخرى إلا إذا أجاز القانون ذلك ومن الضروري أن يصدر قرار صريح من الجهة صاحبة الاختصاص الأصيل عن رغبتها في استخدام التفويض الذي منحه لها القانون .

الشروط الشكلية : أن يكون التفويض وفق الشكل الذي حدده القانون.

أنواع التفويض :

تفويض الاختصاص :

هو أن تعهد السلطة المفوضة إلى سلطة مفوض لها بجزء من اختصاصها، هذا النوع من التفويض ينقل السلطة بأكملها إلى المفوض إليه، وهذا يمنع الأصيل المفوض من ممارسة الاختصاص الذي تم تفويضه أثناء سريان التفويض، وهنا تكون قرارات المفوض إليه في نطاق التفويض منسوبه إلى المفوض إليه وتأخذ مرتبة درجته الوظيفية، ويوجه تفويض الاختصاص إلى المفوض إليه لا بصفته الشخصية، فلا ينتهي التفويض بشغل موظف آخر لوظيفة المفوض إليه.

الفصل 90 من الدستور يعطي الحق لرئيس الحكومة تفويض بعض سلطاته للوزراء، فيرتبط التفويض بالوظيفة ويكتسي صبغة الاستمرار، لكن يجب أن يكون التفويض جزئيا، أما في حالة التفويض الكلي فهو تنازل، كما أن التفويض يجب أن يستمد من نص قانوني صريح وينشر في الجريدة الرسمية.

تفويض الإمضاء أو التوقيع :

هو تفويض شخصي بخلاف تفويض الاختصاص، ذلك أنه يأخذ بعين الاعتبار شخصية المفوض إليه، فهو ينطوي على ثقة الرئيس به، ومن ثم فهو ينتهي بتغير المفوض أو المفوض إليه، هذا التفويض يسمح للمفوض إليه بممارسة الاختصاصات المفوضة ولا يمنع ذلك من ممارسة الرئيس ذات الاختصاص رغم التفويض، كما أن القرارات الصادرة في نطاق التفويض تأخذ مرتبة قرارات السلطة المفوِضة.

تفويض الإمضاء أو التوقيع مجرد عمل مادي حيث يُوقع المفوض له على الوثائق ولا يتدخل في توزيع الاختصاصات.

خصائص تفويض الإمضاء :

• ينطلق من قاعدة قانونية.

• لا يسمح للسلطة المفوض لها إلا بالتوقيع على القرارات المسندة إليها بحكم التفويض.

• ينتهي تلقائيا متى تغير المفوض أو المفوض له.

• يخفف العبئ على الرؤساء ويحقق عدم التركيز الاداري.

• يحقق السرعة والفاعلية والمرونة في أداء الأعمال مما يسهل على المواطنين قضاء مصالحهم

• تدريب المرؤوسين على القيام بأعمال الرؤساء مما ينمي فيهم القدرة على القيادة وتحمل المسؤولية.

أثار التفويض :

بالنسبة للمفوض : يجب أن يكون التفويض في دائرة اختصاصه إذا حدد القانون ذلك.

بالنسبة للمفوض إليه : الالتزام المكاني والزماني، الذي وضع له من طرف القانون.

بالنسبة للتفويض : بداية يجب أن نميز بين التفويض والحلول، فالحلول هي أن يحل شخص في مكان شخص آخر له الاختصاص الأصيل، أما التفويض فهو أن يعهد صاحب الاختصاص بممارسة جزء من اختصاصاته إلى أحد مرؤوسي.

يقصد بالحلول أن يصبح صاحب الاختصاص الأصيل عاجزاً لسبب من الأسباب عن ممارسة اختصاصه كأن يصاب بعجز دائم أو بمرض أو غيره، فيحل محله في مباشرة كافة اختصاصاته موظف آخر حدده القانون سلفاً، كما قد يحصل أن تحل إحدى الجهات الإدارية محل جهة إدارية أخرى.

• الفقرة الثالثة : تقدير نظام المركزية الادارية

أولا : مزايا المركزية الادارية

• تقوية الدولة في بداية نشأتها وفرض هيبتها في جميع أنحاء البلاد واحترام سلطتها العامة

• التساوي في توزيع الخدمات على أنحاء البلاد بفضل التنظيم الموحد في الاشراف على المرافق

• تجانس النظم الادارية في القطر لصدورها من سلطة مركزية إدارية واحدة

• التقليل من النفقات العمومية لعدم الحاجة إلى المجالس والهيئات اللامركزية

• إنجاز مشاريع كبرى تعجز عنها الهيئات اللامركزية ذات القدرات المحدودة

ثانيا : عيوب المركزية الادارية

• التشدد والمبالغة في تطبيق النظام الاداري

• البطء والروتين الاداري في أداء مصالح المواطنين والخدمات

• النظرة الشمولية التي لا تلقي بالا لخصوصية بعض الحاجيات المحلية حيث تطغى العاصمة ونواحيها وتستأثر بحصة الاسد من اهتمام الادارة المركزية.

• اغراق المسؤولين في الاعمال التنفيذية وضعف التخطيط المستقبلي والتنسيق الكلي

• انعدام المشاركة الشعبية في التسيير المحلي بأسلوب مخالف للديمقراطية المحلية

بعد تعدد واجبات الدولة وتنوع خدماتها قامت اللامركزية.

📗 خلاصة الباب

  • المركزية الإدارية أسلوب تنظيمي يقوم على وحدة الشخصية المعنوية العامة والسلطة الرئاسية، وتتفرع إلى تركيز إداري (احتكار السلطة المركزية للقرار) وعدم تركيز إداري (تفويض جزء من الاختصاصات لممثلين محليين تابعين لها) والتفويض (بالسلطة أو بالإمضاء) بشروطه وآثاره الخاصة.
  • للمركزية مزايا (وحدة القرار، تجانس السياسة الإدارية، قوة الدولة) وعيوب (بطء الإجراءات، بعد الإدارة عن حاجيات المواطنين، تراكم الملفات في المركز)، وهو ما دفع نحو تطوير أساليب اللامركزية.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية