📖 القانون الإداري — الفصل 8 من 12 — فهرس الكتاب
مدخل
تقوم على أساس توزيع مهام الوظيفة الادارية في الدولة بين الحكومة المركزية في العاصمة والهيئات الاخرى المحلية مع التمتع بنوع من الاستقلال في اتخاذ القرار والشخصية المعنوية المستقلة لكن تحت اشراف ورقابة الحكومة المركزية.
في هذا النظام تتمتع السلطة المحلية بقدر من الاستقلال في ممارسة اختصاصاتها، فتحتفظ الإدارة المركزية بإدارة بعض المرافق العامة الوطنية وتمنح الأشخاص المعنوية المحلية سلطة إنشاء وإدارة بعض المرافق العامة ذات الطابع المحلي، وعلى ذلك تظهر في هذا النظام إلى جانب الدولة أو الادارة المركزية اشخاص معنوية محلية أو مرفقيه يطلق عليها بالإدارة اللامركزية او السلطات الادارية اللامركزية.
تقوم اللامركزية على فكرة مفادها توزيع وتفتيت سلطات الوظيفة الإدارية في الدولة بين السلطة المركزية وبين هيئات ووحدات إدارية مستقلة متخصصة على أساس إقليمي جغرافي أو على أساس فني مصلحي مع خضوعها لرقابة إدارية وطنية لأجل ضمان وحدة الدولة السياسية والدستورية والإدارية.
الفقرة الاولى : عناصر اللامركزية
وهي وجود مصالح محلية متميزة عن المصالح الوطنية، وجود هيئات عامة مستقلة تؤمن هذه المصالح، ممارسة الوصاية الادارية من قبل السلطة المركزية على هذه الهيئات.
أولا : وجود مصالح محلية متميزة عن المصالح الوطنية
تتولى السلطة المركزية إدارة مصالح ومرافق تقدم خدمات لجميع المواطنين على أرض الدولة كالدفاع والامن والقضاء، أما الشؤون المحلية كشؤون النظافة والتطهير فإن صلاحية البث فيها ترجع للوحدات المحلية.
ولا يجوز للإدارة المركزية الانتقاص من اختصاصات المجالس المحلية كما لا يجوز للهيئات المحلية أن تتحلل من الاختصاصات المخولة لها قانونا.
ويوجد نهجان في تحديد الاختصاص وتوزيعه بين المستوى المركزي والمحلي، الاسلوب الانجليزي الذي يحدد اختصاصات الهيئات المحلية ويمنعها من أي اختصاص إلا بقانون جديد، أما الاسلوب الثاني وهو الاسلوب الفرنسي الذي يحدد اختصاصات الهيئات المحلية بشكل عام بمقتضاه أن جميع الشؤون المحلية هي من اختصاص الادارة المحلية ويترك لها حق المبادرة في تحديد هذه الاختصاصات ومواجهة جميع القضايا المحلية التي تعتبر في الشأن المحلي، هذا الاسلوب يوسع من اختصاص الهيئات المحلية لكن مع رقابة موازية من الادارة المركزية.
ثانيا : وجود هيئات عامة مستقلة تؤمن هذه المصالح
ينبغي أن تكون مستقلة ماليا فتكون لها القدرة على تمويل عمليات تدبير الشأن المحلي وتكون لها ميزانية خاصة مستقلة ومنفصلة عن ميزانية الدولة وتحدد أوجه إنفاق هذه الموارد لإشباع حاجيات الشأن المحلي.
ثالثا : ممارسة الوصاية الادارية من قبل السلطة المركزية على هذه الهيئات
الوصاية الادارية هي الرقابة والاشراف الذي تمارسه السلطة المركزية على الهيئات اللامركزية وذلك في إطار القانون فلا وصاية دون نص قانوني يقررها، وترتكز الوصاية الادارية على مبدأين متلازمان هما الشرعية والملاءمة. وتتمثل مراقبة الشرعية في مطابقة الاختصاصات الموكولة للوحدات اللامركزية للقانون، فإذا ما حادت هذه الاخيرة عن نطاق الشرعية تدخلت سلطة الوصاية لإلغاء الاعمال غير المشروعة، أما مراقبة الملاءمة فهي ضرورة مطابقة قرارات الهيئات المحلية للسياسة الموضوعة من طرف الدولة بحيث لا تتعارض مع المصلحة العامة.
نميز هنا بين الوصاية الادارية والرقابة الادارية ( الرئاسية )، فالرقابة الادارية تتسم بالشمولية وتتناول الموظف في جميع مراحل حياته الوظيفية من تعيين وتأديب وتمتد عبر الاعمال الوظيفية فتلغي وتعدل قرارات المرؤوس وأحيانا بلا سبب مقنع سوى قناعة الرئيس، أما الوصاية الادارية فتقتصر على الحالات والشروط التي يقررها القانون.
وهناك أربعة أوجه للرقابة :
• التصديق : بعض القرارات الخاضعة لسلطة الوصاية يفرض القانون التصديق عليها من سلطة الوصاية وبالتالي لا يعمل بها إلا بعد صدور التصديق من طرف سلطات الوصاية
• التوقيف : سلطة تأديبية تتمتع بها السلطة المركزية تتمثل بحق الايقاف أو العزل بأعضاء المجالس أو حل المجلس بكامله استنادا إلى القانون
• الالغاء : يسمح لسلطة الوصاية بإلغاء مقررات الهيئات المحلية تعتبرها مخالفة للقانون ويتم الطعن فيها بالإلغاء بسبب تجاوز استعمال السلطة
• الحلول : في حالة رفضت الهيئة المحلية القيام باختصاصات مسندة إليها بموجب القانون وبعد التنبيهات يكون الحلول من لدن سلطة الوصاية محل الهيئة المحلية.
يتضح أن الهيئات المحلية لا تتمتع سوى باستقلال نسبي حيث أن السلطات المركزية تتوفر على وسائل تقنية بناء على نص تشريعي.
الفقرة الثانية : صور اللامركزية
صورتين اساسيتين : اللامركزية الاقليمية و اللامركزية المصلحية أو المرفقية
أولا : اللامركزية الاقليمية
ومعناها أن تمنح السلطات المركزية إلى جزء من إقليم الدولة جانب من اختصاصاتها في إدارة المرافق والمصالح المحلية مع تمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وتستند هذه الصورة إلى فكرة الديمقراطية التي تقتضي إعطاء سكان الوحدات المحلية الحق في مباشرة شؤونهم ومرافقهم بأنفسهم عن طريق مجالس منتخبة منهم .
اللامركزية الاقليمية أقدم في نشأتها من اللامركزية المرفقية لأنها نشأت أول مرة على مستوى الاقليم وليس على مستوى العاصمة، وتعني الاستقلال الاداري والمالي والتمتع بالشخصية المعنوية وتحقيق المصلحة العامة على المستوى المحلي لجزء من التراب الوطني لكونه أدرى بمصالح الاقليم من الحكومة المركزية لكن كل هذا يتم تحت إشراف الحكومة المركزية ورقابتها.
ثانيا : اللامركزية المرفقية
يجد المشرع في أحيان كثيرة أنه من الضروري أن يمنح بعض المشاريع والمرافق والمصالح العامة الشخصية المعنوية وقدر من الاستقلال عن الإدارية المركزية مع خضوعها لإشرافها ، كمرفق البريد والتلفون والكهرباء والإذاعة والجماعات ، لتسهيل ممارستها لنشاطاتها بعيداً عن التعقيدات الإدارية .
اللامركزية المرفقية لا علاقة لها بالتقسيم الاداري الترابي، بل تكون على مستوى مرفق ممتد على المستوى الوطني كوكالات الماء والكهرباء وتوصف ب اللامركزية التقنية، وكان ظهورها نتيجة توسع دور الدولة من دولة حارسة تهتم بالدفاع والامن فقط إلى دولة الرفاهية حيث اصبحت تتدخل في مناحي اقتصادي واجتماعية متنوعة بهدف تأمين الرفاهية للشعب مما أدى إلى ظهور مرافق مختصة على أساس الحاجيات الشعبية وكان لها دور كبير بعد أزمة 29 وذلك لإيجاد حلول عجز عنها القطاع الخاص، لكن ما لبث أن عاد القطاع الخاص من جديد وتسلم تسيير هذه المرافق الخدمية بعد اعتبار السوق الحر والحد من دور الدولة.
ولا يستند هذا الأسلوب على فكرة الديمقراطية، إنما هي فكرة فنية تتصل بكفاءة إدارة المرفق، وعلى ذلك ليس من حاجة للأخذ بأسلوب الانتخابات في اختيار رؤساء أو أعضاء مجالس إدارة هذه الهيئات العامة .
هذا ويحرص المشروع دائماً تكون ممارسة هذه المؤسسات لنشاطها ضمن الحدود والاختصاصات التي أجازها ولا يمكن مباشرة نشاط آخر أو التوسيع من اختصاصاتها.
الفقرة الثالثة : تمييز اللامركزية الادارية عما يشابهها
اللامركزية الادارية أسلوب من التنظيم الاداري للدولة يعهد به إلى إعطاء سلطة البت في بعض الأمور والقضايا الادارية إلى هيئات عامة محلية تتمتع بنوع من الاستقلال يتمثل في شخصيتها المعنوية وعدم ارتباطها بالسلطة الادارية المركزية بتبعية مطلقة بل تخضع فقط لنوع من الوصاية هذا النظام يقترب من مفهومين آخرين هما اللامركزية السياسية و اللاتركيز الاداري.
أولا : اللامركزية الادارية و اللامركزية السياسية
اللامركزية الادارية أسلوب من اساليب التنظيم الاداري، أما اللامركزية السياسية فهي أسلوب من أساليب الحكم تتعلق بممارسة وظائف الدولة الاساسية كالتشريع والقضاء والادارة.
اللامركزية الادارية لا تمس وحدة الدولة القانونية والسياسية لكن اللامركزية السياسية ومثال ذلك في الولايات المتحدة الامريكية حيث توجد هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية تقاسم الدولة بعض مظاهر سيادتها.
أما الرقابة فتختلف كما ونوعا في النظامين، فهي في اللامركزية الادارية تكون بواسطة الحكومة عن طريق الوصاية الادارية بينما في اللامركزية السياسية تكون اختصاصات كل دويلة أو ولاية محددة في الدستور وتشرف المؤسسات الفدرالية على ضمان احترامها في إطار الحفاظ على الوحدة الفدرالية المنشودة من خلال تأسيس الاتحاد الفدرالي.
ثانيا : اللامركزية الادارية وعدم التركيز الاداري
يتقاسمان دور توزيع السلطات وعدم تركيزها في جهة واحدة، لكن عدم التركيز يختلف كونه لا يعتبر لامركزية بل يبقى الطابع المركزي مسيطرا وممثلي السلطة يخضعون للرقابة الرئاسية وغير مستقلين إداريا بل هو فقط استقلال عارض يمكن سحبه في أي وقت.
الفقرة الرابعة : تقدير نظام اللامركزية الادارية
أولا : مزايا اللامركزية الادارية
• تخفيف العبء الاداري الملقى على كاهل السلطة المركزية.
• ازدياد فرص المشاركة الديمقراطية للمواطنين عن طريق الانتخابات واختيار السكان لممثليهم المحليين.
• العدالة في توزيع الضرائب وحسن توزيع المداخيل على الاقاليم تبعا للحاجيات وليس تبعا لمقدار الضرائب المحصلة.
• التقليل من الروتين في التسيير والبطء وتسريع وثيرة اتخاذ القرار وتوفير أيسر السبل في تفهم الاحتياجات المحلية.
• القدرة على مواجهة الأزمات والخروج منها، سيما وأن الموظفين في الأقاليم المحلية أكثر خبرة من غيرهم في الادارة المركزية على مواجهة الظروف والأزمات المحلية كالثورات واختلال الأمن.
ثانيا : عيوب اللامركزية الادارية
• اسناد مهمات التدبير لأشخاص أقل خبرة ودراية من السلطة المركزية، ومن ثم فهي أكثر إسرافاً في الإنفاق بالمقارنة مع الإدارة المركزية.
• اللامركزية قد تمس وحدة الدولة من خلال توزيع الوظيفة الإدارية بين الوزارات والهيئات المحلية.
• قد تكون أساس القبلية والطائفية وتفتيت المجهودات الوطنية
• صعوبة تحديد المسؤولية لتداخل المساهمين والفاعلين
• قد ينشأ صراع بين الهيئات اللامركزية والسلطة المركزية لتمتع الاثنين بالشخصية المعنوية ولأن الهيئات المحلية غالباً ما تقدم المصالح المحلية على المصلحة العامة .
ورغم هذه العيوب تبقى اللامركزية الادارية قاعدة لتدبير الشأن المحلي وخيارا استراتيجيا لا مفر منه ولا يمكن أن يوجد بدون تعايش مع المركزية، فالسلطات المركزية تمارس الاختصاصات في ظل اللامركزية الادارية، وهذه الممارسة شرط أساسي في وجود اللامركزية الادارية ترابية كانت أم مرفقية، ولذلك فأن اغلب الدول اليوم تتجه نحو الأخذ بنظام اللامركزية الإدارية على اعتبار أنه الأسلوب الأمثل للتنظيم الإداري.
📗 خلاصة الباب
- اللامركزية الإدارية تقوم على عناصر أساسية (وجود شخصية معنوية مستقلة، هيئات منتخبة، استقلال مالي وإداري مع بقاء رقابة الوصاية)، ولها صورتان: اللامركزية الإقليمية (الجهات، العمالات والأقاليم، الجماعات) واللامركزية المرفقية (المؤسسات العمومية).
- تتميز اللامركزية عن اللامركزية السياسية (الفدرالية) وعن عدم التركيز الإداري، ولها مزايا (تقريب الإدارة من المواطن، التخفيف عن المركز، الديمقراطية المحلية) ومخاطر (المساس بوحدة الدولة، صعوبة تحديد المسؤولية، إمكانية الصراع مع السلطة المركزية).
اترك تعليقاً