فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 6 : نشأة وتطور الحقوق والحريات العامة

📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 7 من 12 — فهرس الكتاب

مدخل

تاريخ حقوق الانسان والحريات العامة واحد، وهو عبارة عن نضال بشري ضد الاستبداد والتسلط من أجل الحرية والكرامة الانسانية، فالثقافة الحقوقية لها أصول فلسفية و سياسية واجتماعية وهي ليست وليدة حقبة معينة أو إيديولوجية واحدة بل هي نتاج تراكمات تاريخية متعاقبة أغنتها الديانات السماوية.

أولا : شريعة حمورابي

ظهرت في بابل في1790 ق.م، احتوت على282 بندا، وهي تدوين للعادات والعقوبات الشائعة في تلك الحقبة، وقد تضمنت تشريعات تهم الزراعة والممتلكات وحقوق المرأة والأطفال والعبيد، عالجت شؤون المرأة والأسرة من زواج وطلاق وإرث، ونصت على احترام بعض الحقوق كحرية الملكية الفردية.

ثانيا : حقوق الانسان في الحضارة الاغريقية

من الباحثين من يعترف للحضارات السابقة بالإسهام في بلورة ثقافة حقوق الانسان ومنهم من يجعلها قاصرة على المصدر الغربي متجاهلا دور الحضارات السابقة.

الانسان الحر عند الاغريق هو الشخص الذي له الحق في الكلام والتعبير والمساهمة في تسيير المدينة والحكم وخصوصا المشاركة في الأمور السياسية أي أنه يكتسب صفة المواطنة بينما المزارعون والعمال والاجانب والنساء فكانوا كما يقول أفلاطون وأرسطو عبيدا بطبيعتهم، فقد كانوا لا يطالبون بأي حرية وكانوا يعتبرون كالآلات مسخرين لخدمة الاسياد. لذلك لا يمكن اعتبار الفكر اليوناني مرجعية لحقوق الانسان.

ظهرت بعض حقوق الانسان في اليونان بين القرنين 6 و7 (ق.م) من بين أهم مظاهرها :

• إعلان العفو العام لتصفية آثار الماضي.

• السماح للمنفيين بالعودة إلى الوطن وتمتيعهم بالحقوق المدنية.

• إحداث مجلس الأربعمائة المنتخب والممثل للقبائل وإحياء مجلس الشعب.

• إحداث مجلس المحلفين الذي يبت في المنازعات.

• حظر الاسترقاق بسبب العجز عن أداء الدين.

• الإفراج عن المسجونين بسبب الدين.

ثالثا : حقوق الانسان عند الرومان

استعمل الرومان كلمة حرية للتخلص من الطغاة لكن تطبيقه على الواقع ظل بعيدا من خلال ما يلي :

• عدم اعترافهم بالمساواة بين سكان الرومان الاصليين والاجانب بل كانوا يستعبدونهم.

• اباحتهم للرق.

• التفرقة حتى بين الرومان الاشراف وعامة الشعب الروماني.

خلاصة القول أن الحرية لم تكن معروفة في الازمنة القديمة خصوصا أن الانظمة السياسية أنذاك كانت لا تعترف سوى بالحقوق بين المواطنين ولا حق للمواطن على السلطة وبقي الامر على ما هو عليه حتى جاءت الديانة المسيحية التي أقرت من الناحية العملية الكرامة الانسانية والمساواة، لكن يمكن الحديث عن قانون الألواح الإثني عشر، وقد ظهر في روما في منتصف القرن الخامس (ق.م). ومن أهم إصلاحاته:

• نشر القانون الرماني فلم يعد سرا.

• أصبح القانون دنيويا بعد أن كان كهنوتيا.

• الألواح الثلاثة الأولى تتعلق بنظام الدعاوى.

• اللوحتان 4 و5 تتعلقان بأحكام الأسرة.

• اللوحتان 6 و7 تتعلقان بأحكام الأموال والتصرفات القانونية.

• الألواح الخمسة الأخيرة تخص نظام الجرائم.

رابعا : حقوق الانسان في الديانات السماوية

ساهمت الديانات السماوية في بلورة ثقافة حقوق الانسان عكس المدنيات القديمة.

• الديانة اليهودية

جاءت رسالة نبي الله موسى عليه السلام لإخراج بني اسرائيل من ظلم فرعون، وجاءت الوصايا العشر الالاهية التي كلم الله بها نبيه موسى والتي تضمنت عشر حقوق من حقوق الانسان كالحق في الحياة والملكية وغيره، ويمكن اعتبار هذه الوصايا الاهية لنبي الله موسى عليه السلام بمثابة إعلان لحقوق الانسان لما تضمنته من مبادئ انسانية وتوجيهات ربانية لبني الانسان ليتخلصوا من استعباد البشر وعبادة الله وحده.

لكن يعاب على اليهودية أنها أبقت على العبودية، كما أنها نادت باحتقار الشعوب الأخرى واعتبار اليهود شعب الله المختار.

• الديانة المسيحية

سارت المسيحية على نفس النهج حيث اعتبرت عبادة البشر وثنية وشركا بالله، ونادت بالحرية العقدية وأن الانسان خلق على شاكلة الله لأنه انحدر من انسان واحد وهو آدم عليه السلام.

• التأكيد على الكرامة الانسانية اعتبارا أن الله هو من خلق الانسان وخصه بهذه الكرامة.

• رسمت حدود السلطة الدنيوية بمقتضيات تناسب طبيعة الانسان والمجتمع كما خلقه الله سبحانه.

• اعتبار الفرد غاية التنظيم الاجتماعي والزام الجماعة بالحفاظ على حقوقه.

هكذا حرمت الديانة المسيحية الإكراه في الدين ونادت بحرية الفكر والعقيدة، لكن رجال الكنيسة تورطوا فيما بعد في الاستبداد والتحكم في البلاد باسم الدين وساندوا الطغاة والملوك وأوغلوا في الدماء والتعسف ومحاكم التفتيش والارهاب وباعوا صكوك الغفران، حتى ظهر مارتن لوثر في حركته الاصلاحية للكنيسة.

• حقوق الانسان في الديانة الاسلامية

اعترف الاسلام بحرية الانسان وحارب الرق والعبودية وجعل مقابل ذلك أجرا وثوابا وجعل مبدأ الحرية وثيق الصلة بالعقيدة الاسلامية مصداقا لقوله سبحانه وتعالى : ولقد كرمنا بني آدم، الاسراء17.

لقد سخر الله الكون للإنسان، قال سبحانه : ” إني جاعل في الأرض خليفة..”.

نماذج من الحقوق والحريات في الاسلام

طالت حقوق الانسان في الاسلام كل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل فصل هذه الحقوق بشكل جزئي معطيا كل ذي حق حقه انطلاقا من الجار والمرأة والطفل والرضيع والكهل والمطلقة والعجزة والضعيف وعابر السبيل واليتيم والأسير إلى غير ذلك، وساهم الاسلام في بناء منظومة حقوق الانسان بشكل كبير بل ربما بشكل يفوق بعض ما جاءت به بعض مواثيق حقوق الانسان من ذلك:

• مبدأ الحرية : حرية الانسان في الاسلام مقدسة اعتبارا أنها صفة تولد مع الانسان مصدقا لقول عمر رضي الله عنه : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

• مبدأ المساواة : مصدقا لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. ثم اقر المساواة بين الرجل والمرأة في قوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ولقوله صلى الله عليه وسلم : النساء شقائق الرجال. فمبدأ الاسلام هو المساواة في الحقوق والواجبات مع أحكام أخرى على حسب الخصوصية.

• الحق في العدالة : العدل أساس استمرار المجتمعات والأنظمة، وقد وردت آيات كثيرة تأمر بالعدل منها قوله سبحانه وتعالى : ” إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي”.

• الحق في المشاركة في الحياة العامة : حيث نبذ الاسلام الحكم الفردي المستبد الذي كان يسود في ملكيات هرقل والفرس واعتبر الحكم الفردي من الظلم ورسخ مبادئ المشاركة الجماعية في تسيير الشأن العام عن طريق آلية الشورى بين المسلمين مصداقا لقوله تعالى : وأمرهم شورى بينهم.

• الحق في الحياة : حيث كان متداولا أنذاك قتل الاسرى وإعدام العبيد ووأد البنات وجاء الاسلام وحرم قتل البنات والاسرى والاقليات واعتبر من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا.

• حرية العقيدة : ومنه قوله تعالى : “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” ، باستثناء المرتد الذي يعدم لقوله تعالى : ” من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا”، حيث أنها كانت عادة المشركين لإدخال روح الفشل في المسلمين بالدخول في الاسلام ثم الخروج منه، فكأنه اللعب بالدين، يسلم ثم يكفر. لكن الاسلام حافظ بالمقابل على حقوق الاقليات المسيحية واليهودية وعاشت هذه الاقليات في ظل الاسلام قرونا طويلة دون أن يمسها من المسلمين أي اضطهاد أو اكراه على الدخول في الاسلام.

• حق الانسان في الترفيه مصداقا لقوله تعالى : “لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم”.

• حق الانسان في عدم التجسس عليه، مصداقا لقوله تعالى : “ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا”.

• حقوق الابناء، مصداقا لقوله تعالى : “يوصيكم الله في أولادكم”.

• حق اليتيم، مصداقا لقوله تعالى : “إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا”.

• حق ذوي القربى والمساكين و ابن السبيل، لقوله تعالى : “وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم”.

• حق الانسان في العفو، لقوله تعالى : “وأن تعفوا أقرب للتقوى”.

📗 خلاصة الباب

  • تعود جذور حقوق الإنسان إلى شريعة حمورابي، ثم عرفت تطورا في الحضارة الإغريقية والرومانية (بمفاهيم كالمواطنة والعدالة)، وفي الديانات السماوية الثلاث التي كرّست كرامة الإنسان، وصولا إلى نماذج متعددة من الحقوق والحريات المكرَّسة في الإسلام (كحق الحياة والملكية والعدل والمساواة).

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية