المدونة

  • اللوبيات التنظيمية

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 6 من 77 — فهرس الكتاب

    تحدثنا عن جهازي الدعوة والدولة، وقلنا بأنهما جهازان أساسيان داخل التنظيم الاسلامي، وتحدثنا عن الخطر الذي يشكله جهاز السياسة على كيان التنظيم عندما يتحول إلى نظام دولة أو قبل ذلك، وتحدثنا عن التهديد الذي يشكله الجهاز السياسي على كيان الجماعة ككل عندما يسيطر على جهاز الدعوة والتربية، لكن ليس هذان الجهازان فقط من يشكل التنظيم، بل هناك أجهزة أخرى موازية، قد تنتمي إلى الجهاز السياسي وقد تنتمي إلى الجهاز الدعوي وقد تكون مستقلة لا علاقة لها لا بدين ولا بسياسة ويكون لها تأثير على القرار داخل الجماعة، هذه الاجهزة الموازية أو اللوبيات [1] ليست ضمن الهندسة التنظيمية للتنظيم، بل هي كيانات موازية تنشأ على هامش التنظيم في سرية تامة، هذا الأخير من المفروض أن يقضي عليها لأنها سلطة موازية، مثل حالة الأشخاص أو المؤسسات ذوات النفوذ الذين ينشؤون جماعات موالية لأشخاصهم الذاتية أو المعنوية داخل نفس التنظيم، لكن هذا الأخير لا يستطيع القضاء عليها، إنه يتعامل معها، وفي أحيان متقدمة تكون هذه اللوبيات الموازية هي عين التنظيم.

    فلسفة اللوبي فلسفة خطرة، ذلك أنها تنطوي على نية مبيتة تتمثل في الحفاظ على مصالح خاصة غير مصالح الجماعة، وقد تتطور هذه النية إلى العمل على جعل هذه المصلحة يعمل من أجلها كل التنظيم لا عناصر اللوبي فقط، فاللوبي غاية غاياته أن يسيطر على التنظيم من بعيد ويحركه كيف يشاء، ويبقى هدفه القريب هو العمل على هامش التنظيم من أجل مصالح ضيقة لا ترقى إلى المصلحة العامة، هذه الاعمال تُفوت على التنظيم فرصا عديدة وتهدر طاقات كثيرة كان من المفروض أنها في خدمة الدعوة لا في خدمة كتلة تقتات على ظهرها وتحاول الاخذ بناصيتها.

    لكن القضاء على هذه اللوبيات ليس بالأمر السهل خاصة عند تشعب التنظيم وطول الزمن عليه واستفحال الامراض التنظيمية فيه واستقرار المسؤولين في نفس المنصب عشرات السنين، وإلا فإن التنظيم مسؤول عن وقف تمدد هذه اللوبيات وتغولها ومنع تحكمها في مصادر القرار فيه، أقل ما يمكنه أن يفعله التنظيم هو الوقوف ضد ذبح طاقاته الفاعلة أو تحويل مجراها نحو اتجاهات هامشية تخدم مصالح خاصة غير مصالح الجماعة.

    في بداية نشأة التنظيم الاسلامي لم يكن يعرف هذا الأخير هذه اللوبيات والكيانات الموازية، بل كان الجميع على قلب رجل واحد، ومع دخول الافكار السياسية والمكر السياسي إلى دفة تسيير التنظيم أصبح الخداع السياسي لا يقتصر على معاملة التنظيم مع النظام، بل أصبح الخداع السياسي داخل التنظيم نفسه، بين الافراد فيما بينهم وبين المؤسسات فيما بينها، ولذلك فإن ظهور الكيانات الموازية دليل على صراعات داخل التنظيم أو هو تعبير عن وجود أزمة نظام أو ربما غياب توافق نظري فكري بين أجنحة التنظيم أو ربما أطماع سياسية، فتكوين اللوبي بالطريقة السرية ليس سوى تعبير عن رفض للآخر الذي هو أخ في نفس التنظيم، وهو سلوك عبارة عن عمل سري غايته القضاء على الآخر أو على الأقل تهميشه وإقصاؤه تنظيميا من بعيد أو توجيهه إلى وجهة معينة، معنى ذلك أن السفينة تنحى وجهة معينة إما بنية صافية حسنة وإما تحت تأثير إغراء مادي أو رئاسي وإما بتأثير اختراق خارجي وإما لمجرد عناد تنظيمي مع العناصر المسؤولة وحب للعب على الهامش.

    نتأمل في اللوبيات التنظيمية فنجدها إما شبكات تنظيمية، سياسية أو تربوية.

    تتنوع دواعي تأسيس اللوبي الذي لا يتأسس بالطريقة الرسمية، لكن النتيجة واحدة وهي خلق كيان موازي للتنظيم، كيان له برامجه وأهدافه الخاصة إضافة إلى برامجه وغاياته المعلنة التي لا يمكنه التملص منها كونها هي من تعطيه شرعية العمل داخل التنظيم وهي من يستغلها للعمل بهذه السرية، على أن تكون اللوبي داخل التنظيم ليس بتلك الطريقة التي يتكون بها اللوبي داخل الدولة، فهنا تختلف الطريقة ويختلف حتى هيكل اللوبي، فهو كائن تنظيمي هلامي لا حدود له، يتأسس بعفوية وقد يظهر لاحقا وقد لا يظهر بتاتا، غير معترف به حتى من زعمائه، أما اللوبيات السياسية الكلاسيكية داخل الانظمة السياسية فهي كائنات تنظيمية معترف بها وتعقد اجتماعاتها على الملأ دون استحياء من عملها السياسي ذي التأثير على القرار السياسي الرسمي، كل ذلك في إطار الديمقراطية والحرية والحق في العمل والنشاط والسير والابداع والتأثير من قريب أو بعيد.

    داخل التنظيم الاسلامي يختلف الأمر، فاللوبي التنظيمي يعمل بطريقة سرية، رغم أنه من المفروض أن الجميع على قلب التنظيم الواحد ومؤسساته أو على قلب ولي الله القابض على دفة سير المؤسسات التنظيمية، فيبدو اللوبي داخل التنظيم الاسلامي أشبه بالخيانة، ولذلك فهو يحتفظ لنفسه قدر المستطاع بهلامية حتى لا يُنحر تنظيميا، تماما كما يحتفظ كل لاعب في الماء العكر بقدر من الاختلاط والتلبس والتخفي المقتبس من اختلاف المذاهب الفقهية والسياسية وغبار الصراعات الفكرية، هذا السياق المصلحي يتكون تلقائيا عبر تلاقي مجموعة من المصالح غير المعلنة، فالجميع يدندن بحب الله والجهاد في سبيل الله والأخوة والمحبة لكن المضمون والحقيقة أن اللوبي لا يمكن أن يجتمع إلا على مصالح مادية أو رئاسية أو مذهبية أو قلبية ولائية غير معلنة يعمل لها أصحاب اللوبي بكل إخلاص من أجل إشباع رغباتهم الرئاسية أو المالية، أو لمجرد الانتصار النفسي المعنوي لجهة فكرية أو تربوية أو سياسية أو تنظيمية معينة.

    من اللوبيات داخل التنظيم ما هو سياسي يعمل من أجل جر التنظيم إلى خط سياسي معين، هذه اللوبيات هي أخطر الكيانات الموازية التي تهدد السير العام للجماعة، وهناك اللوبيات المالية التي تجتمع فيها رؤوس الأموال الضخمة محاولة استصدار القرارات التنظيمية التي في صالحها، تماما كما تتحكم في الدول من بعيد رؤوس الاموال الضخمة في البرلمانات وتستصدر من القوانين ما يلائمها باسم الديمقراطية بعد أن تدعم حملة فلان أو علان الانتخابية، وهناك داخل التنظيم لوبيات ما قبل الانتخابات الداخلية وهي لوبيات تنظيمية سلطوية موسمية لا تنشط إلا قبيل الانتخابات التنظيمية لانتخاب المسؤولين فتعبئ في اتجاه شخص معين، أما طيلة السنة فتنشط في المطاعم الفاخرة في إطار العزومات الفخمة التي لا يُعرف سببها، وهناك اللوبيات القطاعية التي تضرب في اتجاه مصلحة قطاع تنظيمي معين، نقابي أو اعلامي أو سياسي أو فئوي، وهنا قد يتحول قطاع تنظيمي معين إلى خط سياسي قائم بذاته يريد فرض رؤيته على باقي التنظيم، وأحيانا أخرى تكون له مصالح مالية معينة يلذغ كل مقترب منها ولو كان من نفس التنظيم، وما تدخله في باقي القطاعات إلا خطوة استباقية لعدم اقتراب خطر الرقابة منه.

    أخطر ما في اللوبي هو أنه يشق الصف مع مرور الزمن، فـتتم بلقنة التنظيم أو ينشأ تنظيم برأسين معلنا بداية الفشل والوهن في جسم التنظيم، حكومة ظاهر وحكومة ظل، أجهزة رسمية وأجهزة خفية، وما يتبع ذلك من مس تنظيمي يتخبط التنظيم، فيكون العمل وتكون الحركة دون أي نتيجة، والخطر الثاني هو الاختراق وتقديم الولاءات الخارجية، فالكيان الذي يعمل في الخفاء يسهل اقتياده الى العمالة المزدوجة في غفلة تامة عن التنظيم، أما الخطر الثالث فهو تصفية الطاقات التنظيمية والتربوية الوازنة التي تسعى إلى فضح اللوبي، والخطر الرابع هو تمكن اللوبي من السيطرة على التنظيم والتحكم فيه وفقدان الاجهزة التنظيمية الرسمية القدرة على اتخاذ القرار دون اللجوء إلى خفافيش الظلام.

    اللوبيات والكيانات الموازية والولاءات الشخصية أمراض تنظيمية مستشرية داخل التنظيم الاسلامي، وأعتقد أنه لا يمكن معالجتها إلا بأمرين، أولهما إشاعة روح الجماعة والمصلحة العامة داخل التنظيم، وأول من يجب أن يفعل ذلك هم رؤساء التنظيم وقيادته، فالتربية تنزل من أعلى ولا تصعد من تحت، فلغة مطالبة القاعدة بالتربية بينما تغوص القيادة في السلطة والمال لغة ركيكة لا تدخل الاذان، أما الأمر الثاني فهو سن قوانين داخلية رادعة ضد كل من يثبت تورطه في ولاءات هامشية، على أن هذا الأمر من الصعوبة بمكان، ذلك أن الاستعمال السياسي لهذه القوانين قد يؤدي إلى تصفية الحسابات السياسية والرئاسية التنافسية داخل التنظيم بطرق شرعية، فتكون هذه القوانين أداة تصفية، ولا ضمانة لهذا الأمر سوى ما تحدثنا عنه سابقا وهو إحداث شبه جهاز قضائي داخل التنظيم يكون مستقلا عن التنظيم من جهتي الرقابة الادارية والمالية ليمارس مهامه في حسن تطبيق القانون الداخلي والضرب على يد من تسول له نفسه اللعب التنظيمي.

    اللوبي حصانة تنظيمية من المحاسبة واستنزاف طاقي وبؤرة موبوءة ومرتع للفساد الاداري والمالي وذئب مقتنص للجماعة يجب تصفيته قبل أن يصفي الجميع.


    📌 الهوامش

    1. [1] اللوبيات هي الجماعات أو المنظمات الاقتصادية أو السياسية التي يحاول أعضاؤها التأثير على صناعة القرار في هيئة أو جهة معينة. هذه المجموعات منظمة ولها أهداف ومصالح بعيدة المدى هدفها الوصول إليها عن طريق ممارسة ضغط كبير منظم وممنهج قصير المدى على صناع القرار، قد تكون هذه المجموعات من اصحاب الاموال تستخدم اموالها للتأثير على السياسة العامة ضمن ما يخدم مصالحها أو من أجل تأسيس قوى ومجموعات أخرى ذات قدرة على اتخاذ القرار، ويبرز هنا دور الصحافة والاعلام ووسائل التعبية التحتية كعنصر مهم جداً في عملية الضغط السياسي أو الحث من أجل تشكيل أكبر ضغط ممكن. تظهر جهات ممارسة الضغط على شكل جماعات غير رسمية ولكن تتفق أهدافها ومصالحها لتحقيق ضغط على صناع القرار أو الرأي العام.

  • أجهزة التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 5 من 77 — فهرس الكتاب

    ذكرنا آنفا أن التنظيم هو الآلة التي ينتظم فيها الافراد معبرين عن رغبتهم في تحقيق غاية جماعية، مبرهنين على هذه الرغبة عبر أعمال يؤدونها وفق نسق معين وداخل نطاقات زمنية ومكانية ووظيفية معينة، هذا النسق عبارة عن قوانين داخلية واضحة وبرامج مدروسة ومؤسسات مستقلة ومنسجمة وغايات محددة، والتنظيم رغم ذلك هو ليس جهازا واحدا بل أجهزة متعددة تجمع بينها حدود محددة بدقة بحيث لا تتداخل الاختصاصات، فمن حيث المكان هناك أجهزة قد تشترك في المهام لكنها تختلف في النطاق المكاني، ومن حيث الزمان فهناك أجهزة تشتغل في أوقات معينة بينما تشتغل الاخرى طيلة السنة، ومن حيث الوظائف هناك أجهزة تختلف اختلافا كليا في وظيفتها، بينما تشترك مع الاخرى في مرحلة معينة من السلم الاماري أو حتى في نظامها الداخلي، ومع ذلك تستقل بوظيفة ومهمة محددة وفق النسق العام القادم من أعلى.

    أجهزة التنظيم تعني مؤسسات لكل منها شخصية معنوية [1] مستقلة عن التنظيم ككل، هي عبارة عن مكاتب وأوراق وبرامج ودراسات وأرشيف وإحصائيات وتقارير ومسؤول عن المكتب ومسؤولين فرعيين عن المهام المنبثقة عن المهمة الرئيسية للجهاز، أجهزة التنظيم هي نموذج مصغر لأجهزة الدولة ووزاراتها، هي مرحلة ما قبل أن تصبح هذه الاجهزة فعلا أجهزة الدولة، على أنه من النظري أن تبقى أجهزة الدعوة مستقلة عن الدولة [2] كي لا تصبح الدعوة وهي الاصل مجرد وسيلة سياسية منحطة يستعملها السياسيون أو تطحنها الدولة أثناء دوران عجلاتها [3]، فمن الضروري أن تبقى أجهزة الدعوة بين قوسين بعيدة عن أجهزة الدولة، نقول بين قوسين لأن الدعوة ليست بتلك الرسمية التي عليها أجهزة الدولة، فالدعوة قبل أن تكون مكاتب وأوراق هي قلوب وأرواح، على أننا نقبل بكل واقعية أن تكون للأجهزة التنظيمية الموجهة أنشطتها نحو رقعة السياسة برامج وأوراق وحسابات، أما الدعوة فالمفترض أن لديها شبه أجهزة فقط لأنها أقرب إلى العفوية منها إلى الرسمية، ومتى دخلت الرسمية إلى الدعوة نفر الناس منها نفورا فكانت دعوة عكسية.

    ولذلك فإن نزول رجل الدعوة إلى الساحتين الدعوية أو السياسية يجب أن يكون محركه ومنطلقه هو القلب لا جهاز الدعوة، باعثه لا التقارير بل عفوية الدعوة وملامستها للقلوب بصدق الحديث والنية والتوكل على الله والهجوم على الناس بما فتح الله في القلوب لا بما برمجته مكاتب الدراسات، مكاتب الدراسات والشكليات التنظيمية هي الطعنة القاتلة التي أصابت الدعوة في قلبها وتركت الأرواح جريحة تسيل دما على شواطئ التربية، هذا التسرب جاء من المؤسسات السياسية التي لا يؤمن أصحابها بالتوكل على الله، فالسياسيون وإن كانوا إسلاميين فهم يعتمدون بالأساس على أوراقهم وإحصائياتهم وخبرائهم وزبانيتهم داخل الاجهزة الداخلية ولا يتوكلون على الله إلا من باب الضحك على الذقون وذر المصطلحات الايمانية في العيون، إنهم لا علاقة لهم بالله ولا علاقة لهم بمعاني التوكل وسائر معاني أهل القلوب، العلاقة الوحيدة التي يؤمنون بها هي علاقتهم بميكيافيلي، فلا تحدثهم عن التوكل على الله أن يرجموك.

    نتفق إذن على أن أجهزة التنظيم تشمل كلا من مؤسسات الدعوة والدولة، وأجهزة السياسة أكثر صرامة وأوراقا في مجالها من أجهزة الدعوة أو هكذا يفترض، لكن الواقع يشهد أن الدعوة انبهرت بالأوراق لما تأمرها الفارغون روحيا فـتركت القلب وسارت خلف البريستيج.

    إننا عندما نولي للقلب أهمية كبرى داخل أجهزة الدعوة لا نلغي بذلك عقولنا، فالأجهزة كيفما كان نوعها يلزمها سير على هدى من العقل، ومن العقل تنظيم العمل، لكن ليس لتلك الدرجة التي تتحكم فيها شكليات تنظيمية حقيرة في مصائر رجال وقلوب وأرواح مؤمنين طاهرين، إن الدعوة أكبر وأوسع من الشكليات التنظيمية، فماذا نكسب إن نحن كسرنا قلوب المؤمنين لنحافظ على هياكل التنظيم؟ نهدم المضمون ونحافظ على الشكل، فيتحصل لدينا تنظيم فارغ من المعنى، مليء بالمنافقين، ورجال مؤمنون قتلى على جنبات التنظيم.

    إننا لا نلغي دور التنظيم، ولا ننكر بأي حال من الاحوال دوره في التربية والزحف، لكننا نريد أن نوصل فكرة مفادها أنه لا يجب أن نقدس التنظيم ونجعله فوق النقد، لا نجعله مضمونا من حيث أنه ليس سوى هياكل شكلية تافهة يمكن تغييرها في أية لحظة بل والاستغناء عنها بالمرة.

    التنظيم وسيلة لا غاية.

    نؤكد إذن على أن كل حركة إصلاحية أو اقتصادية أو سياسية يجب أن تنتظم في تنظيم، لقد ولى عهد الافراد وحل عهد المؤسسات، والناظر اليوم في الساحة الدولية يلحظ تولي دور الاشخاص وسطوع نجم المؤسسات، لا مكان الساعة لأناس مثل الاسكندر والظاهر والناصر والغازي والمنتصر والزعيم والامبراطور وفلان الفلاني، إن العالم يخلو من أي شخصيات ذات كاريزما بالمعنى البطولي للكلمة، الساحة تملكها المؤسسات، هذه النتيجة هي تطور بشري طبيعي جاء عقب فشل الكاريزمات في إدارة العالم وخلقها للحروب، فاقتنع البشر أن أهم عنصر قادر على قيادة العالم بأمان هو المؤسسات، ومباشرة بعد الحرب العالمية الثانية تبلورت عدة مؤسسات دولية أمسكت بالعلاقات الدولية وأصبحت الدول التي تحكمها المؤسسات أقوى من الدول التي يحكمها الافراد.

    لقد اقتنع البشر في عصر توافرت فيه المعلومة وتشعبت فيه الروابط الاجتماعية وظهرت تكتلات اقتصادية عابرة للقارات وكيانات سياسية تجاوزت مفهوم الدولة القطرية إلى أنه يصعب الحديث عن تنظيم يسيره فرد واحد وإن كان سليل شجرة الاذكياء والاقوياء والشرفاء، كان البطل قديما شخصا يحمل سيفا ويهجم على الاعداء، يتبعه أفراد القبيلة في حماس متأثرين بشجاعته وقوته، يُأمرونه عليهم بعد ذلك ليفعل فيهم ما يشاء، ثم يعبدونه لاحقا بعد أن يستضعفهم، أما اليوم فلا مجال لعبادة الكاريزمات، فالأفراد لا يستطيعون حتى تسيير فرع صغير من مؤسسة بسيطة نظرا لتداخل الادوار وتشابك المصالح وصعوبة الاحاطة بكل تفاصيل العمل، ولذلك نجد أن لكل تنظيم سواء اقتصادي أو سياسي مكاتب وأوراق وشعب وتخصصات ورجال متخصصون ساهرون على إنجاح المشروع، إنه عصر العمل الجماعي المشترك، ولذلك كان العمل المنظم أقرب طريق نحو إقامة برامج السياسية والدعوية للراغبين في ذلك.

    قلنا بأن التنظيم الاسلامي وأجهزته مشروع دولة إسلامية فهو في نظر مسؤوليه نموذج مصغر للدولة، وقلنا بأن هذا الأمر قد سبق وحدث في التجربة الاشتراكية وهو اليوم أيضا منطلق التنظيم الاسلامي الشمولي، أما التنظيم الاسلامي الجزئي الذي يعمل على رسم اهداف بسيطة وتحقيق أهداف سياسية بسيطة فهو ابعد ما يكون عن تأسيس نظام سياسي بمعنى الكلمة، إنه مجرد أرنب سباق دوره محدود في تنشيط السباق السياسي، أقصى أمانيه أن يفوز بوزارة الثقافة ويرمي على الناس بعض الخطب عن انتصار الاسلام وقوة الاسلام وحكمة الاسلام ووسطيته واعتداله وصلاحه لكل زمان ومكان، هذه التنظيمات الاسلامية القاصرة هراء ليس إلا، لعب عيال، إننا عندما نتحدث عن التنظيم الاسلامي نتحدث عن ذلك التنظيم الذي يمتلك مشاريع كبيرة تستبطن إزاحة الظلم وإحلال العدل بصفة شمولية، هذا النمط من التنظيمات غير موجود إلا في حركات قليلة على الساحة العربية، نتحدث عن تنظيمات سلمية، أما التنظيمات السلفية الجهادية فيحيطها الغموض من كل جهة، لا ندري كيف تسير، ولا إلى أين تذهب.

    التنظيم الاسلامي الموازي لأجهزة الدولة قد تكون له امتدادات داخل الدولة نفسها، استفادة من تجاربها أو ركوبا عليها أو أخذا للخبرة منها أو حتى اقتباسا من أفكارها واستعانة برجالها أو محاولة لاستدراجهم إلى التنظيم بناء على فكرة أن الاسلام يحتاج إلى رجال أقوياء بعلم الادارة لإقامة دولته، هذا يسمى تسربا لطيفا إلى أجهزة الدولة من أجل تقويضها من الداخل وجلب رجالها المشموم فيهم رائحة الاسلامية إلى مشروع التنظيم والاستفادة من تجربتهم في التسيير والادارة، لكن الدولة ولئن كانت غير ديمقراطية بالقدر الكافي فإنها ومع ذلك ليست بذلك الغباء بحيث تترك مساحة للتنظيمات الاسلامية باختراق أجهزتها، فهي تصنع حدودا لمنع وصول العناصر الاسلامية إلى عمق الدولة، كما تحاصر داخليا كل من ثبت عمله لصالح تنظيم إسلامي معين يهدد النظام العام للدولة، وفي أحيان أخرى تقوم بعملية استباقية فتغري من يريد اختراقها وتجعل منه عميلا مزدوجا [4]، فبينما يعتقد التنظيم الاسلامي أنه تمكن من زرع عناصره داخل أجهزة الدولة تكون هذه العناصر هي نفسها عناصر اختراق التنظيم الاسلامي.

    إن الصراع لا ينحصر نطاقه فقط بين الأنظمة والتنظيمات، بل إن هذا الصراع متصور أيضا حتى بين أجهزة التنظيم الواحد، وقد عشت تجارب يطغى فيها جهاز تنظيمي على آخر أو يحتويه أو يدمره نهائيا، فكثير من الشعب التنظيمية والجهات قامت بتصفية شعب أخرى أو مجموعات الانشودة الاسلامية حتى صرنا اليوم في حالة تنعدم فيها هذه الفرق الانشادية بعدما كانت كل شعبة تنظيمية في وقت ما تملك فرقة تستعملها في أنشطتها الدعوية، لن نناقش الاسباب هي شرعية أم غير شرعية وهل البيانو حلال أم حرام، لكن المفيد أن التصفية قد حصلت فعلا.

    القطاعات الطلابية أيضا عانت من هذه التصفيات، ففي إطار الصراع الخفي الذي كان بين فصيل الطلبة ونقباء الشعب والجهات كان الطلبة محاصرون ويعانون من الاقصاء والانتقاص بدعوى أنهم قوم غافلون وحركيون ولا ينضبطون للتنظيم ولا يذكرون الله كثيرا وليسوا مؤهلين للتنظيم بل مجرد سياسيين حركيين نشيطين غافلين عن الله ولا يعول عليهم في بناء دولة الاسلام، فكان التعامل معهم على أنهم مجرد وسيلة وقتية يجب الاستفادة منها في إبراز قوة التنظيم ثم القضاء على القطاع في أقرب أو إبقائه تحت السيطرة الكلية للتنظيم.

    هاذان مثالان بسيطان فقط وإلا فإن الصراع بين الأجهزة له أمثلة أكثر حدة خاصة بين مؤسستي السياسة والدعوة على مستوى القيادة والذي غالبا ما ينتهي بتصفية المؤسسات التربوية ورجال التربية، تجد هذا الصراع أيضا بين مؤسسات الاعلام التابعة للتنظيم وتلك التابعة للدوائر السياسية، وبين الجمعيات والتنظيم، وبين تقطيعات التنظيم نفسها هنا وهناك التي تحاول أن تحتوي بعضها.

    إن صراع الاجهزة هو أكثر الامراض شيوعا داخل التنظيمات الاسلامية، ذلك أن تبعية الاجهزة التنظيمية للأفراد يجعلها تقوم عل ساحة معركة السلطة بأدوار قتالية بالوكالة [5]، فبينما يختفي أمراء الحرب وراء أجهزتهم التنظيمية التي يدعون خدمتها للدعوة والصالح العام للجماعة، تنبري الاجهزة التنظيمية لتطحن بعضها، وقد يحدث أن يكون أغلب أعضاء الاجهزة غافلون عن حقيقة الصراع بين الاجهزة فيخوضون هذه المعارك بنية حسنة بناء على النميمة التي يتقنها الأمراء وتجعلهم يسلبون بها عقولهم، فتنحرف هذه الاجهزة التنظيمية عن الغايات التي وضعت أصلا من أجلها، ثم تنخرط في معارك هامشية هي عبارة عن حسابات وتصفيات رئاسية بالأساس، يكون حطب نارها السذج من العاملين في هذه الاجهزة، فيغيب الهدف الاساسي وهو الدعوة إلى الله ويحضر منطق السلطة والصراع من أجل نصرة جهاز على جهاز والقضاء على جهاز ليبقى جهاز ثم الاستفراد بحصة معينة داخل كعكة الرئاسة التنظيمية العامة.

    أمراض التنظيم كثيرة، لا يمكن حصرها، لكننا بما أننا نتحدث عن أجهزة التنظيم لابد أن نقف على أمراض من نوع خاص غير ذات بُعد فردي، بل هي صراعات أجهزة تنظيمية داخل منظومة واحدة، هذا الصراع التنظيمي يكتسي أحيانا طابعا سلطويا شخصيا بين أمراء التنظيم، وفي أحيان أخرى يكون صداما بين مدارس فكرية متباينة داخل نفس التنظيم، هذه المدارس تكون أحيانا ذات صبغة دينية كالصراع بين العقليتين السلفية [6] والصوفية [7]، وأحيانا أخرى ذات صبغة سياسية كالصراع الإيديولوجي بين الراديكاليين [8] الثوريين والحداثيين الاصلاحيين الذين يقبلون الانخراط داخل منظومة السياسة من أجل تحقيق غايات جزئية تخالف غاية التأسيس، كما تكون بين الاجهزة السياسية والاجهزة التربوية صراعات أزلية ينتهي الخلاف فيها غالبا بدخول التربية داخل بيت طاعة السياسة.

    نشير هنا إلى أن الأسلحة في هذه المعارك الهيكلية تختلف عن تلك المستعملة في الصراع الفردي بين المنخرطين داخل التنظيم، فإذا كانت الاسلحة في الصراع الفردي أسلحة خفيفة وذات بُعد شخصي انتقامي أو رئاسي أو نفسي كالحسد والغيرة والنميمة والتشويه الفردي، فإن الاسلحة المستعملة في الصراعات بين الاجهزة هي أسلحة ثقيلة تدخل فيها مختلف الاسلحة الاقتصادية والسياسية، فتمولها أحيانا جهات داخلية بالمال والرجال والنفوذ والاعلام، وفي الحالات الماكروسياسية تتدخل غالبا الجهات الخارجية عن التنظيم، فاللعب الكبير تلعب فيه الاطراف الخارجية دائما دورا مهما، بينما الصراعات بين الافراد والاجهزة الصغيرة داخل التنظيم غالبا ما يتم حلها داخليا، تنحاز أجهزة التنظيم العليا إلى طرف دون طرف وتساهم في تفكيك الجهاز غير المرغوب فيه بناء على مصالح التنظيم.

    الصراع بين الاجهزة غالبا ما يكون بابا لاختراق التنظيم، فالشتات القلبي والتنظيمي نذير بدخول الغير على الخط، ذلك أن بعض الجهات الخارجية غالبا ما يهمها اختراق التنظيم الاسلامي، فلا فرصة أكبر من صراع أجهزة التنظيم للتدخل عبر تمويل أجنحة فيه كي تتغلب على منافسيها، فيكون المنتصر نهاية الأمر هو تلك الفروع التنظيمية القادرة على اللعب من خارج التنظيم لعبتها للقضاء على أي خطر يهدد كيانها، تقرأ في تاريخ المسلمين عن الاستنصار بالغير من النصارى والمغول على الإخوة المنافسين، فالأمر يشبه ذلك إلى حد كبير لكنه يتم وفق تفاهمات وصفقات سياسية بعيدة كل البعد عن الدين.

    بالمقابل فالصراع بين أجهزة التنظيم هو باب كبير للعمل الصالح، ويقف على هذا الثغر كثير من الرجال، فالثغرة التي قد يتسرب منها العدو يجب أن تغلق، وبناء أجهزة التنظيم على أسس الشفافية والعدل والقانون هو حفاظ على تربية وقلوب المؤمنين، فبانهيار التنظيم تنهار الجماعة في شقها السياسي ريثما يتشكل تنظيم جديد، بينما تستمر الدعوة في جميع الاحوال بناء على القلوب الحية الفاعلة لا على أساس التنظيم والأوراق، ولذلك كان من أولى مهام الرئيس الأول للتنظيم أن يحرص على استقلال أجهزة التنظيم داخليا وخارجيا وعدم بغي بعضها على بعض والضرب على كل من تسول له نفسه اللعب بمصير التنظيم لتحقيق غايات خارجية أو أطماع شخصية، فاستقلال الاجهزة وعملها بانتظام بكل شفافية وإخلاص وانتظام بعيدا عن المصالح الشخصية هو الضامن لاستمرار الجماعة وتحقيق غاياتها الدعوية والسياسية، وإضافة إلى سن القوانين الداخلية وترسيخ أجهزة العدالة الادارية داخل التنظيم فإن باب المسؤول العام للتنظيم يجب أن يبقى مفتوحا دائما على مصراعيه طيلة أيام الاسبوع حتى يستشعر الجميع قوة الحق وضعف الباطل، فلا يعقل أن يكون المسؤول الأول للتنظيم كاراكوزا يفرق الابتسامات الفارغة والحنان الزائف على زبانية التنظيم وإمعات التنظيم ويصدر قرارات لا سامع لها إلا الحيطان وصاحبها، ثم تفعل السلطة الفعلية داخل التنظيم عملها، تذبح من سكات وتضرب بفاعلية.

    المسؤول الأول للتنظيم هو الضامن لسير مؤسسات التنظيم واستقلاليتها، وباب العدالة الادارية الذي يجب أن يبقى مفتوحا دائما أمام التظلمات.

    تحدثنا عن صراع الاجهزة ولم نتحدث كثيرا عن تشكيلات الاجهزة، والحقيقة أنه لا يمكننا الحديث عن كل أنواع الأجهزة التنظيمية التي من المفروض أن تنشط داخل التنظيم الواحد، لكننا نشير إلى أنها كثيرة وتمس مختلف النواحي التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقابية، على أن التنظيم قد يحتاج أحيانا أجهزة ولجانا مهمة فيجب أن يستحدثها، بينما تشيخ أخرى فلا يجب أن يُبقي التنظيم عليها لتعيش فقط من أجل العيش، بل يتعين تصفيتها وتفريق أعضائها على اللجان الاخرى الأكثر احتياجا وتناسقا مع كفاءات أفرادها، فالتنظيم يجب أن يتميز بالكفاءة العالية في ميدان تقسيم العمل بين أعضائه وتوزيع المهام ليخرج من الجمود والروتين القاتل، فلا أجهزة ثابتة في مكانها دهرا ولا مسؤولين في مناصبهم قرنا ولا مؤسسات فوق مبدأ التفكيك وإعادة التجميع كلما دعت الضرورة.

    التنظيم نفسه يجب أن يعاد فيه النظر كل حين، وجميع الاجهزة يجب أن يعاد النظر فيها بين الفينة والفينة وفي كفاءة رجالها، والدماء الجديدة مطلوب أن تجري داخل التنظيم كل حين ليتجدد، سواء الدماء الطبيعية أو المعنوية وهي الهياكل الجديدة التي تُستحدث لسد فراغ أو لإصلاح خلل أو لخلق توازن فعال بين الاجهزة أو حتى لإيجاد وظائف لطاقات عاطلة عن العمل داخل التنظيم قد تموت أو تنفر من التنظيم إذا ملت من العطالة.

    على أن أجهزة الدعوة يجب أن تكون لها امتيازات خاصة تميزها عن الأجهزة السياسية داخل التنظيم كونها تحمل أمانة الله، ورغم عدم إنتاجيتها المالية إلا أنه يجب أن تخصص لها كل الامكانيات لتمارس وظيفتها الدعوية بقوة وحيوية على ساحة الفساد والغفلة، أما الاجهزة السياسية فإنها تحتاج إلى انضباط أكثر أمام برامج المؤسسات التربوية، ولا سبيل إلى ذلك الا بقوة القانون الداخلي، ذلك أن أفرادها معرضون أكثر من غيرهم لأن يقلبوا الطاولة على الجماعة فتصير هرقلية بعدما كانت شورى، ولست محتاجا إلى تبيان ما يتبع ذلك من فساد أخلاقي وتربوي، الخطر كل الخطر من الاجهزة السياسية أن تنتج لنا الداهية الطاغوت، أما الاجهزة الدعوية فلا خطر منها سوى أن تنتج لنا شيخا مُستدرجا [9] خلفه ناعقون، شيطان آخر يريد أن يستعبد الصف من باب آخر وهو الدين.

    أحمق مدلس عليه من يجر معه شطرا من الجماعة بنورانية مزيفة لا أساس لها إلا السراب الشيطاني. ولا أخبث من سياسي يقلب الشورى وراثة.


    📌 الهوامش

    1. [1] الشخصية المعنوية هي الهيئات والمؤسسات والجماعات التي يريد المشرع أن يعترف بها، ويعطيها الحق في ممارسة كافة أنواع التصرفات القانونية في التعامل، وفي اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، وأن يكون لها ذمة مالية مستقلة شأنها في ذلك شأن الأشخاص الطبيعيين.
    2. [2] في مرحلة الزحف نحو الحكم تسعى الجماعة لإيجاد أجهزة للدعوة. وعند قيام الدولة الإسلامية تبقى مؤسسات وأجهزة الدعوة مستقلة عن مؤسسات وأجهزة الدولة ليمكن للدعوة -وهي اليد اليمنى في حياة المسلمين- أن تؤدي وظيفتها في تعاون مع اليد الأخرى، لكن من مكان التوجيه والتربية والمراقبة. المنهاج النبوي، ص78
    3. [3] الدولة في واقعنا المر الكئيب مركب أجهزة يعلوها ويستخدمها ذوو السلطان لأهداف وغايات منفصلة تماما عن أهداف وغايات الدعوة، ومتى قام رجال الدعوة يؤدون مهمتهم ويجاهدون ليعود الأمر إلى نصابه بعد أن انقلب رأسا على عقب أصبحوا غرماء للدولة وجردوا من حقهم الإلهي بحق الدولة في صيانة نفسها كإدارة مستقلة متمردة على الله، وهكذا لوحق الدعاة وشردوا وقتلوا تقتيلا على مر عصور العض والجبرية. المنهاج النبوي، ص78
    4. [4] العميل المزدوج هو الشخص الذي يعمل لفائدة جهتين أو منظمتين مختلفتين بدون علم منهما، وعبارة عميل مزدوج يمكن أن تنطبق على عدة وضعيات من ذلك أن شخصا ما يمكن أن يعمل لدى جهة عسكرية لبلد ما ويمد بلدا آخر بنسخ من الوثائق السرية. وكذلك يمكن لشخص ما أن يعمل في مخبر بحثي لشركة ما ويمد منافس تلك الشركة بما لديه من معلومات، وغالبا ما يستعمل العميل المزدوج لتمرير التضليل بين المنظمات أو لكشف العملاء الأخرين في إطار عمليات مكافحة التجسس. من الأسباب التي تحول شخصا ما إلى عميل مزدوج ما يمكن أن يسلط عليه من تعذيب من قبل جهة ثانية تدخل على الخط أو إغراءه بالمال مقابل تحوله إلى عميل مزدوج.
    5. [5] حرب بالوكالة هي حرب تنشأ عندما تستخدم القوى المتحاربة أطرافا أخرى للقتال بدلا عنها بشكل مباشر. فيتم استعمال المرتزقة بشكل أكثر، حيث تأمل القوى أن تتمكن هذه الأطراف من ضرب أطراف أخرى دون الانجرار إلى حرب شاملة معلنة.
    6. [6] السلفية هي اسم لمنهجٍ يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، والأخذ بنهج النبوة والتابعين وتابعي التابعين باعتباره يمثل نهج الإسلام، والتمسك بأخذ الأحكام من كتاب الله، ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن السلف. وهي تمثل في إحدى جوانبها إحدى التيارات الإسلامية العقائدية في مقابلة الفرق الإسلامية الأخرى. وفي جانبها الآخر المعاصر تمثل مدرسة من المدارس الفكرية الحركية السنية التي تستهدف إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع والحياة عمومًا إلى ما يتوافق مع النظام الشرعي الإسلامي بحسب ما يرونه. برزت بمصطلحها هذا على يد أحمد بن تيمية في القرن الثامن الهجري وقام محمد بن عبد الوهاب بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد في القرن الثاني عشر الهجري والتي كانت الحركة الإصلاحية التي أسسها من أبرز ممثلي هذه المدرسة في العصر الحديث. ومن أهم أعلامهم: عبد العزيز بن باز ومحمد ناصر الدين الألباني ومحمد بن صالح بن عثيمين ويعقوب الباحسين.
    7. [7] الصوفية أو التصوف هو مذهب إسلامي، لكن وفق الرؤية الصوفية ليست مذهبًا، وإنما هو أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مقام الإحسان، مقام التربية والسلوك، مقام تربية النفس والقلب وتطهيرهما من الرذائل وتحليتهما بالفضائل، الذي هو الركن الثالث من أركان الدين الإسلامي الكامل بعد ركني الإسلام والإيمان، وقد جمعها حديث جبريل عليه السلام، وذكرها ابن عاشر في منظومته (المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)، وحث أكثر على مقام الإحسان، لما له من عظيم القدر والشأن. قال العارف بالله، أحمد بن عجيبة: "مقام الإسلام يُعبّر عنه بالشريعة، ومقام الإيمان بالطريقة، ومقام الإحسان بالحقيقة. فالشريعة: تكليف الظواهر. والطريقة: تصفية الضمائر. والحقيقة: شهود الحق في تجليات المظاهر. فالشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده". وقال أيضاً: "مذهب الصوفية: أن العمل إذا كان حدّه الجوارح الظاهرة يُسمى مقام الإسلام، وإذا انتقل لتصفية البواطن بالرياضة والمجاهدة يُسمى مقام الإيمان، وإذا فتح على العبد بأسرار الحقيقة يُسمى مقام الإحسان".
    8. [8] الراديكالية وتقابلها باللغة العربية حسب المعنى الحرفي للكلمة "أصل" أو "جذر"، ويقصد بها عموما التوجه الصلب والمتطرف والهادف للتغيير الجذري للواقع السياسي أو التكلم وفقا له، ويصفها قاموس لاروس الكبير بأنها "كل مذهب متصلب في موضوع المعتقد السياسي".
    9. [9] مثال الاستدراج بَلَعَم بن باعوراء الذي تعلم اسم الله الأكبر ودعا به على نبي الله موسى عليه السلام فأخزاه الله وجعله مثلا سيئا يُتلى في القرآن. قال تعالى: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث. .".

  • القيادة العليا

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 4 من 77 — فهرس الكتاب

    لكل تنظيم قيادة عليا، وللتنظيم الاسلامي قيادة عليا كغيره من التنظيمات، هذه القيادة هي رأس الأمر وبيدها كل شيء وعليها المعول في معادلة التربية والتنظيم والزحف، هي المسؤولة في الأصل عن كل ما يجري داخل التنظيم، فلا تربية دون قيادة ربانية، ولا تنظيم بدون قيادة حازمة، ولا زحف بدون قيادة صلبة ذكية هادئة عنيدة قوية وصالحة، ومن يفهم في التربية والسياسة يفهم جيدا دور القيادة في الكثير من الميادين الحاسمة في الصراع الأزلي الأبدي بين الحق والباطل.

    معضلة القيادة من أخطر المعضلات التي كان يبحث الانسان فيها منذ زمن، وقد تناولتها بالدراسة مختلف النظم السياسية والمدارس الفلسفية، معضلة كبيرة هي لأن دوام الحكم وصلاح الناس يعتمد على دور القيادة نظرا لما فيها من تسليم للزمام، زمام التكتلات البشرية التي تريد أن تطمئن إلى قائد محنك أو قيادة ذكية وأمينة لا تخون تستأمنها على نفسها ورزقها وأمنها ومستقبلها، إشكالية الثقة هذه أدت بالفكر الغربي إلى إبداع كيفية ضبط مهام القيادة بعدما ساهمت القيادات غير المنضبطة في الخراب الكبير الذي ليس أوله الاقطاع المتسربل بالدين وليس آخره نتائج الحرب العالمية الثانية، فأنتجت ضوابط سياسية ومؤسساتية وقانونية صارمة تحصر القيادة في ملعب ضيق كي لا تجنح برعونتها إلى الطغيان على الناس واستعبادهم، ولو استطاعوا الاستغناء عن القيادة لفعلوا لكنها ضرورة في كل نظام.

    الاشتراكيون ورغم دعواتهم إلى الشيوعية إلا أنهم يعترفون للقيادة بدورها المهم في الحفاظ على النظام، وصراعهم مع القائد المستبد لا يخفى على أحد، وكذلك معاناتهم مع الستالينية والقيادة الجماعية [1]، التنظيم الحزبي الاشتراكي غالبا ما يتحول إلى نظام دولة اشتراكية بكل عناصره الحزبية، بمعنى أنه يتحول من حزب إلى دولة محافظا على كل رجالاته وقوانينه الادارية الداخلية، فيتحول التنظيم إلى نظام، وهو نفس منطق التفكير لدى التنظيمات الاسلامية التي تستعد القيادات الاسلامية دائما فيها إلى استلام السلطة منتقلة بجميع كوادرها إلى الدولة، فتتحول أجهزة التنظيم إلى أجهزة دولة، وقد يحدث ذلك حتى قبل تسلم الدولة بسنوات حين يستشعر التنظيم في أحلام اليقظة أنه دولة، فيتعامل العضو داخل التنظيم مع القيادة كأنه يتعامل مع رئاسة دولة.

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث اثنين أو أكثر أمر أحدهم على الأخرين وأمر الآخرين بطاعته حتى لا تتفلت الامور وحتى لا ينشب الخلاف المفسد للأخوة وحتى لا يتشتت الأمر بعد انجماع، على أن رسول الله عندما أوصى بضرورة القيادة ودورها الحاسم جعل لذلك ضوابط نبوية يمكن اختزالها في احترام الشورى والقرآن والسنة، فلا قيادة آتية من اللعب بالشورى ولا قيادة تخالف شريعة الله، ورغم الهيبة النبوية وقوة الصحابة في الحق فقد جنح الأمر بالقيادة بعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلـم بالرفيق الاعلى بسنوات قليلة إلى نظام التوريث والتخلي عن نظام الشورى، فتغيرت بنية التنظيم النبوي وانقلبت رأسا على عقب، ورغم مزاعم الملوك بأنهم خلفاء إلا أن طريقة الوصول إلى الحكم عن طريق التغلب أو التوريث كلها كانت مؤشرات تؤكد فساد القيادة ولا تترك أي مجال للقول بصلاحها رغم ذر الرماد في العيون بالفتوحات التي كانت تأتي غنائمها إلى الجواري لا إلى المسلمين.

    دعني من ديدان القراء الذين باعوا آخرتهم بمتاع من الدنيا قليل، فـمع استحضار حجم الفساد الاجتماعي الذي تبع فساد القيادة يبدو واضحا دور مؤسسة القيادة ودورها الكبير في صلاح من تحت إمرتها، بل يمكن القول إن القيادة لها الدور الحاسم في صلاح الناس أو فسادها، فالناس على دين ملوكها، فإذا زهدت القيادة صلحت القاعدة وإذا غنت القيادة رقصت القاعدة.

    على أن القيادة في التاريخ الاسلامي لها خصوصية تميزها عن القيادة في باقي الأمم، فهي تنقسم إلى قسمين، قيادة سياسية وقيادة دينية، دولة ودعوة، وعلى العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين الاربعة كانت القيادتان مجتمعتان في النبي المرسل والخليفة الراشد، لكن بعد قفزة معاوية إلى سدة التنظيم النبوي وترسيخه للتوريث بقوة السيف وتنحيته للشورى انفصلت القيادة الدينية عن القيادة السياسية واتجهت صوب العمل الدعوي تاركة خلفها بعض الادعاءات الدينية للقيادة السياسية ترسخ بها حكمها، لكن القيادة الدينية الحقيقية كانت تجتمع بين يدي علماء ربانيين استطاعوا الحفاظ على الارث النبوي بعيدا عن رجس القيادة السياسية، فهم خلفاء الله في الأرض معنى، بينما القيادة السياسية كانت خليفة الله في الارض ظاهرا، هذا الأمر خلق نوعا من الازدواجية الامارية داخل المجتمع المسلم، فالقيادة السياسية تحكم بالتغلب والقيادة الدينية تحكم بما أتـاها الله من علم واحترام بين الناس، القيادة السياسية تخضع الناس بالسيف والقيادة الدينية تخضع الناس بالصلاح والعلم والكرامة الربانية.

    داخل التنظيم الاسلامي اليوم تجتمع القيادتان معا إما في شخص واحد أو في مجموعة من الاشخاص يكونون مجلس القيادة حيث ينفرد كل واحد منهم بقيادة جزئية، فهذا رجل دعوة وهذا رجل سياسة، وينشأ تكتلان داخل القيادة، تكتل لرجال الدعوة وتكتل لرجال السياسة، كل تكتل يعمل في إطار اختصاصه ويحاول في آن واحد جر الجماعة كاملة إلى ميدان اختصاصه، فرجل التربية يجر إلى الرباط والقيام والذكر والقرآن والحب في الله، ورجل السياسة يدفع في اتجاه العمل الجمعوي والمشاركة السياسية واللعبة السياسية والتفاعل السياسي والجلوس مع الفرقاء السياسيين، هدف رجل التربية الوصول إلى معرفة الله وهدف رجل السياسة الوصول الى السلطة، والقواعد التنظيمية مرتع خصب للتنافس التنظيمي.

    لكن رجل السياسة نظرا لتكوينه الميكيافيلي البرغماتي فهو يحاول ركوب أي شيء ليصل إلى السلطة بما في ذلك التنظيم الدعوي، ولذلك تنشب عادة حرب باردة بين التكتلين لا تُراعى فيها أخلاقيات الاسلام إلا من جانب رجال التربية الحقيقيين، فميدان الزعامة ميدان ينسى فيه رجل السياسة أخاه وأمه وأباه، فلا لذة أحلى من الزعامة ولا غاية أكبر من الرئاسة، هذا التطاحن بين السياسيين والدعاة داخل التنظيمات الاسلامية غالبا ما ينتهي بفوز السياسيين وسيطرتهم على التنظيم ثم ذبح رجال الدعوة والتربية بسكين تنظيمية باردة وأخيرا رميهم إلى مزبلة التهميش متبوعين بالتعبئة الداخلية لضمان عدم رجوعهم إلى الساحة.

    لنا رجوع إلى الموضوع في قابل محاور هذا الكتاب لنعرف أهمية القيادة الربانية ودورها الحاسم داخل التنظيم الاسلامي، وسنتجاوز الحديث الآن عن الآليات الديمقراطية لتعيين القادة، ففيها كلام كثير بين الطرق الشورية في النظام الاسلامي والطرق الديمقراطية في النظم الحديثة والطرق المسلحة في التاريخين الاسلامي والغربي، كما أننا سنتجاوز الحديث عن حقوق القيادة كالطاعة في المنشط والمكره فهي من أبجديات النظام القوي، فلا نظام إذا فعل كل عضو في التنظيم ما يحلو له، لأننا في الحقيقة لم نأت لنُطبل للقيادة ونتحدث عن حقوقها فذلك أمر يقوم به التنظيم بكل إتقان، لكننا جئنا صراحة لننتقد إهمال هذه القيادة لأدوارها الحقيقية وكذا طغيان هذه القيادة وتصرفاتها الدكتاتورية التي حادت بقطار الجماعة عن سكته اللاحبة، ولذلك فإن حديثنا سيتركز بالخصوص على مظاهر الخلل في مؤسسة القيادة داخل الصف الاسلامي، على أننا لن نحصيها عددا وإنما سنحاول أن نستشف منهج تقويمها وسبل إرغامها على الثبات على المحجة البيضاء.

    إننا لا نريد إزاحة هذه القيادة إلا في حالة أصرت على تقديس نفسها متناسية تاريخا القريب عندما لم تكن شيئا مذكورا، كما أننا لا نريد القضاء عليها ولا نية لدينا في المشاركة في خطة تصفيتها تصفية مادية أو المساهمة في نسفها داخليا ما دام لدينا قليل من الأمل في قيامها بدورها التربوي والتنظيمي في حده المقبول، لكننا سننتقد بالقدر الذي نحافظ به على القيادة إكراما لسابقتها وغنائها في الاسلام ثم لدورها الاساسي والمهم في بقاء الجماعة واستمرار الزحف.

    نشير بداية إلى أن القيادة الربانية هي الأصل والرمز والمعيار داخل صف التنظيم الاسلامي [2]، فالقيادة السياسية السياسوية لا تصلح لقيادة جماعة المؤمنين، وحدهم أولياء الله من يستطيعون ذلك لتنسلهم من معين الايمان، ومتى قفز السياسويون إلى السلطة على رأس تنظيم المؤمنين سقط التنظيم أو انحرف عن الغاية، ذلك أن جماعة المؤمنين غايتها الله ورجال السياسة غايتهم السلطة، أولياء الله نهجهم التوكل على الله ورجال السياسة نهجهم التوكل على "تحرامياتهم" السياسية، فشتان ما بين الثرى والثريا، فكان منطقيا أن يصلح السياسويون لقيادة جماعة من المتحزبين الراجين قطعة من الكعكة السياسية لا قيادة جماعة من المؤمنين الطالبين وجه الله، نقول هذا لما رأينا من كوارث يفعلها هؤلاء السياسويون في المؤمنين ظنا منهم أنهم على طريق تأسيس الخلافة الراشدة أو كما يوهموننا، ذلك أن كثيرا منهم يفعلها عن سبق إصرار وترصد قاصدا حصته من السلطة التي يتصارع عليها بعض السياسيين المجردين من أي مبدأ أو خلق أو دين.

    القيادة الغارقة في السياسوية المتوكلة على جهد عقلها السياسي غير العارفة بالله تصلح لتسيير مؤسسات تنظيمية سياسية غير تنظيم المؤمنين، هذه القيادة الداهية العاصية أشد خطرا على جماعة المؤمنين من خطر الذئب بين الغنم وأشد فتكا بالمؤمنين من النظم الاستبدادية التي تزخر بها بلدان المسلمين، فهي قيادة دنيوية ماكرة تراهن على مصالحها، وكلما نكصت القيادة الربانية عن مزاحمتها ريادة التنظيم انحرفت بالجماعة إلى جوار الطغيان، فهذه القيادة السياسوية كالقنبلة الموقوتة داخل الصف كلما سنحت لها الفرصة طحنت عباد الله وكانت سببا في استمرار الاستبداد قرونا أخرى، الوصوليون من السياسيين هو المرض العضال الذي يشكو منه التنظيم الاسلامي منذ قرن ونيف.

    إن اختراق الهوس السياسي للصف القيادي والغفلة عن الله كارثة لا تقابلها كارثة بالنسبة للتنظيم الاسلامي، ذلك أن لهذا الأخير خصوصية تميزه عن الاحزاب السياسية الاخرى والحركات غير الدينية المتصارعة على السلطة، فالقيادة بالنسبة للتنظيم الاسلامي تقتضي شفافية تربوية، شفافية تسمح بالربط الإيماني بين الصحبة والجماعة، الصحبة ولي الله الوارث لرسول الله والقاعدة المؤمنون الذين أعطوا صفقة يدهم وثمرة قلبهم للولي الدال على الله، فهي ولاية لله، صحبة واصلة بالله، ثم بعد ذلك ولاية إيمانية قلبية للقيادة الربانية التي تسمح بمرور الارزاق الايمانية بين الدال على الله والمؤمنين، فالقيادة الربانية منوط بها مهمة الوساطة بين الولي الوارث والسالكين المنتظمين في سلك التنظيم الجامع بين التربية والحركة التغييرية للمجتمع، ومتى انقطعت هذه الوصلة بين الصحبة والجماعة وأصبحت القيادة عنصرا غير موصل للكهرباء التربوية اختلت الجماعة وتضعضع المؤمنون تربويا وساءت أخلاقهم وفشل الزحف وانهار التنظيم على رؤوس أصحابه.

    نتحدث هنا عن الحركة الاسلامية التي تعترف بالشيخ كمركز نوراني للحركة الدعوية والسياسية، أما الحركات الاسلامية التي تُنكر دور الشيخ المحوري في عملية الزحف الاسلامي نحو السلطة فإن حركتها فاشلة من البداية قبل كل كلام، الحركات التي ليس لها شيخ عارف بالله حركات تخبط خبط عشواء، وتسيء الى الاسلام من حيث تريد أن تنفعه، سألوه كيف سقط؟ أجابهم أنه خرج من الخيمة مائلا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم" [3].

    معنى ذلك صديقي العزيز أن المقطوع عن رؤية من صحب رسول الله لا يفتح له باب الجهاد، فقط من رأى من رأى رسول الله ومن صحب من صحب رسول الله يفتح له، افهمها أو لا تفهمها ذلك شأنك، لكنك ستفهمها بعد أن تطحن نفسك وتطحن معك عباد الله في السجون وترمل الارامل وتيتم اليتامى وتضلل الناس في سراديب السياسة العقيمة والفلسفة الجنونية أو ترميهم على بساط الانبطاح، ثم دع فلان أو علان من فقهاء الزواق ينفعوك بشعوذاتهم الدينية التي نهلوها من القلوب القاسية الغافلة المليئة بالحجر والوسخ والشهوة والنفاق والمروق من الدين.

    نكاد نتفق إذن على أن الصالحين فقط وحصريا من يصلح للقيادة داخل التنظيم الاسلامي، فهم فسطاط الدعوة وقادة التنظيم وحجر الزاوية وأصحاب الرأي في كل صغيرة وكبيرة والقوة الضاربة المقتحمة للعقبات الجماعية في طريق البناء، وككل شمس واضحة في واضحة النهار يحاول الشيطان التغطية عليها يحاول السياسويون أن يغطوا عوار عدم صلاحيتهم لقيادة الصف الاسلامي بالمنطق المزيف والعقل القاصر بينما الحقيقة أن الأمر مسألة قلب يجمع لا عقل يتفلسف.

    لكننا نتساءل، كيف تصل هذه العناصر الدنيوية إلى رأس التنظيم الاسلامي وتخترق مواقع القيادة فيه، يقول القيادي المتاذكي بلسان الكذب والركوب على الدين نحن نفعل ما نستطيع وقد يصل منافق إلى رأس التنظيم، نيتنا حسنة ونحن لا نسرق، طيب يا حبيبي الذي تصلي ولا تسرق، أين البرامج المدروسة؟ وأين مؤسسات الرقابة الادارية الصاحية؟ وأين القانون الداخلي الواضح؟ وأين الاجهزة القضائية المستقلة؟ وأين المخططات المدروسة؟ وأين البصيرة النورانية الكاشفة؟ وأين العقل الفطن المتدبر؟ وأين الأذن المستمعة إلى النصيحة؟

    صحيح أن القيادة غير منزهة عن الخطأ والزيغ والزلل والفتور والطغيان وسائر نقائص البشر، ونحن لا نحاسبها على النقص البشري الذي يمكن أن يعتريها، لكننا نحاسبها على إهمالها وتناومها ولعبها بالدين وتقصيرها في وضع برامج وقوانين ومؤسسات واضحة تسهر على حسن السير وإشراك الجميع في دواليب التنظيم وإلا فهي مشاركة في الجريمة، يكفي أن تكون هناك آليات قانونية ومؤسسات مستقلة ساهرة على حسن النظام العام وتطبيق القرارات المبرمجة على ضوء الشورى، أن تكون هناك شفافية ووضوح في تسيير شأن التنظيم. إنه لا إشكال لدينا بتاتا في زلة القيادة، بل الاشكال أن نذبح الجماعة لمجرد إهمال العناصر القيادية لمسألة تنظيم الجماعة أو تواطؤها مع معاوية.

    القيادي هو في نهاية الأمر بشر يتغوط في اليوم مرة أو مرتين، ويحتاج أن يغتسل بين الفينة والفينة، وله احتياجات وشهوات جسدية ونفسية، وقد يعصي الله وقد يذنب وقد يستغفر، بمعنى أنه بشر اكثر من العادي، ولا غرابة بتاتا أن يخطئ، ونفضل أن يصحح أخطاءه كل حين لا أن ينتفخ علينا، والأكاذيب التي يروجها التنظيم عن عصمة قيادييه وولايتهم ومقارنتهم بالصحابة والانبياء "وعندك تهضر تتأذى" هي من أخطاء التنظيم الفادحة التي أهلكت الكثير من المؤمنين الذي صدموا آخر الامر بتصرفات خسيسة من بعض قيادييه، كما أهلكت هياكل التنظيم بالبيروقراطية والمحسوبية والمحاباة ووضع الرجل غير المناسب في المكان المهم، ووضع الرجل المناسب في سلة التهميش.

    القيادي المسكين في نظر الحقيقة أصبح يحمل على عاتقه أطنانا من التكلف المصطنع حمله إياها التنظيم ليخفي بشريته الطبيعية ويصنع له كاريزما يقضي بها أغراضه التنظيمية، ليس بإمكانه أن يأكل هكذا ولا أن يمشي هكذا ولا أن يجلس هكذا ولا أن يحك أنفه هكذا ولا أن يتزوج هكذا ولا أن ينام هكذا، وقد كان الأولى بالتنظيم الاسلامي أن يتعلم من النظم الكافرة بالله في بلاد الغرب التي تحترم عقول الناس وتتصرف على بشريتها بكل عفوية طبيعية طرق التدبير الحكيم مادام أنه معجب بقوانين هذه النظم ومتأثر بثقافتها هارب من شريعته الاسلامية، وإذا كان عكس ذلك فلم لا يستمع بأذن التنفيذ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدثه قائلا: " أَنَا وَالأَتْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِي بَرِيئُونَ مِنَ التَّكَلُّفِ" [4].

    رسول الله وهو أمير التنظيم النبوي الأول وأمير كل تنظيم صادق إلى يوم الدين كان يتصرف بطريقة عادية أمام الناس دون هذا التكلف الذي نراه في قيادة التنظيم الاسلامي اليوم.

    نقول هذا في سياق النقد الذاتي للتنظيم الاسلامي الذي يجب أن ينصاع للنقد في واقع إخفاقه التربوي والسياسي، وقد اظهرت التنظيمات الاسلامية بصفة عامة فشلا ذريعا في تسيير الشأنين العام والخاص وتعاطت مع مطالب الناس داخل الصف وخارجه بكثير من المكر السياسي والحسابات السياسية والمصلحية الفئوية أو الشخصية، فصار أمرا ملحا أن يُقابَل الاسراف في أمر الأمة بالنقد اللاذع والكلمة القوية.

    لكننا نرى أن النقد يجب أن يكون له قنواته ووسائله وأدبياته وألسنته وأذانه التي يجب أن يفتحها التنظيم في وجه أعضائه حتى لا يصبح النقد لغطا وفوضى تنذر بانهيار التنظيم على أم رأس الذين بنوه، النقد في نظرنا سياط موجه إلى ظهر القيادة يذكرها أن خلفها رجالا لا نعاجا، وأن من حق الرجال أن يجلدوا ظهور الزائغين، ومن واجب القيادة أن تذعن للحق، فالنقد مع الصدر الرحب توبة، والنقد مع الحركة نصيحة، والنقد مع الصدق استقامة، والنقد مع التحدي شجاعة، والنقد مع أداء الثمن رجولة، والنقد مع الصبر امتثالٌ لأمر الله بالصبر مع المؤمنين، والقيادة التي تصبر على النصيحة هي قيادة صالحة، لكنها قيادة ناقصة، فكان الاولى أن لا يثير فيها النقد أي صبر، ذلك أنه لا شيء يثير الغرابة في النقد، ولا نقد يستدعي الصبر، فالصبر على النقد دليل على كبر في النفس وشعور بالرفعة على المؤمنين، النقد في الأصل شيء يُفرح ولا يُغضب، فليكن النقد لما لشمل الجماعة وتصالحا مع ذاتها لا حربا طاحنة بين النفوس المظلومة المكبوتة والنفوس المستعلية الرعناء.

    هي أزمة قيادة إذن، وكم من الانظمة والتنظيمات انهارت لندرة العناصر القيادية أو لعدم قدرتها على الجمع بين الاخلاق والدين والسياسة، كاريزمات قيادية تحتاجها التنظيمات الاسلامية أكثر من أي وقت مضى وإلا فانهيار المشروع الاسلامي أمر محتوم في ظل سطوة المبير وبجانبه الكذاب على مراكز القرار داخل التنظيم الاسلامي، صحيح أن الأمر ليس بتلك السهولة داخل تنظيمات هي سليلة مجتمع مريض ونظام قاهر، لكن الأمر هو من آكد الأولويات التي يجب أن يحلها التنظيم عندما يجعل من التربية ورجال التربية رأس الأمر عوض التاحراميات والحرايمية.

    التربيتان الايمانية والأخلاقية كفيلتان بإنتاج جيل من المؤمنين تخلصوا من الدكتاتورية الموروثة عن ثقافة المجتمع والسلطة ثم بناء الانسان الذي هو أهم شيء يجب أن يساعد فيه التنظيم رجال التربية حتى يشتد الزرع ويستغلظ ويستوي على السوق ثم يؤتي أكله سبعة أضعاف والله يضاعف لمن يشاء، لكن القيادة الحالية لا يمكنها فعل ذلك لأنها أشربت الدكتاتورية في قلبها، فيلزم من شباب الدعوة أن يثوروا على الذئاب العجوزة التي سيطرت على التنظيم سنين طويلة ويخلصوا الدعوة من بين أيدي الفاشلين الفاسدين المتسربلين بلباس الولاية الجاثمين على صدور المؤمنين بالطاعة العمياء المطيحين بهم بالفصل والتشهير.

    عقلية ثائرة هي تلك التي تلزم شباب الدعوة اليوم حتى يُطهروا الصف الاسلامي من موروثات الاختراق وطغيان النفوس وتُخمتها من المسؤولية التنظيمية، فتوة هي ورجولة لا ضلال، ولا يهدم الباطل إلا فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، أما الشيوخ فتكوينهم البيولوجي يميل أكثر إلى الحيلة والمهادنة لما انعدمت أو قلت فيهم هرمونات الفتوة والنشاط والحركة والبذل والتضحية وشدة المراس، الفتوة هي القوة الوحيدة القادرة على الثورة وقلب الطاولة على الألاعيب الدينية، فُتوة تهدم الباطل وفتوة أخرى تبني صرح الاسلام المجيد على أسس المحبة والاخوة والبذل والمصلحة العامة بعيدا عن حب المسؤولية والشح والانانية والتسلط والظلم والفصل، فتوة جديدة تُطلق سراح الفتوة التي تم تركيعها باسم الدين وركبوا عليها باسم الحكمة لصالح اللوبيات التنظيمية التي تعمل صباح مساء لصالح جهات مشبوهة داخل التنظيم وخارجه.

    لكن الذئاب العجوزة ليست بتلك السهولة التي يتصورها الفتية المؤمنون، فهي ذئاب شرسة ماكرة، تطحنت في التنظيم سنين وتعرف جيدا اللعب بالتربية والتنظيم، ذئاب بشوارب ولحى كثيفة مشوبة بالبياض تـنم عن طول عهد بالمكر، فهي كما النظام تهوي بالعصا وتغري بالجزرة، تنزل على بعض الفتية بعصا الفصل وتقرب الاخرين بجزرة الكلام التربوي المعسول النابع من حضيض النفاق وبعض المسؤوليات الفارغة، كلام معسول منمق بالشذرات الايمانية التي تستطيع أن تُسقط أي فحولة إيمانية في شراك التبعية والإمعية وسلب الارادة، أما المفصولون فلا شيء فيهم يغري مكيافيلية الذئاب الهرمة، فلا منصب لأباءهم ولا مال لأمهاتهم ولا وظيفة لهم في الدولة فالذبح إذن والرمي في المزبلة أسهل شيء، أما من فيه نسمة مال أو وظيفة أو مكانة اجتماعية فيرمى إليه بالجزرة المعسلة بالكلام الإيماني لعله يسقط في الشراك ويتخلى عن ثورته ضد الفساد الاسلامي القابض على أجهزة التنظيم.

    كي نكون واقعيين يجب أن لا نعمم، ففساد القيادة داخل التنظيم الاسلامي ليس بهذا السوء أبدا، بل هو صراع خفي بين الحمائم والصقور، ليس حمائم السياسة وصقورها، بل حمائم الفساد وصقوره، الحمائم الساكتين على الفساد والصقور المصرين على الفساد، هناك داخل القيادة دائما نخبة تحمل على كاهلها ما لا يعلمه إلا الله من أثقال تنوء بحملها الجبال، وهي في ذلك تحمل الهم وتتحمل الخيانة من داخل القيادة، صابرة تنظر بعيدا في أفق فعل الله وتخشى على الصف من الانشقاق الذي يجعل الزحف كله في مهب الريح وتجعل الاستخلاف في خبر كان، والولي العارف يستطيع أن يبتسم في وجه الفاجر لأنه يعرف حقيقته ويعرف قدرة الله وحكمته، ولربما يتحمل فجوره إذا رأى فيه خيرا حتى يأخذ بيده إلى طريق النجاة أو يقضي الله به أمرا كان مفعولا، رحمة نبوية، لكن هذه الرحمة قد لا تكون في محلها فتتدخل العناية الالاهية سريعا بسيف الجبروت والقهر الالاهي فتخسف الأرض بالقارون التنظيمي ومن معه.

    مما يروى في هذا الشأن أن بعض اليهود قصدوا زاوية مولاي العربي الدرقاوي رحمه الله وطلبوا منه المبيت فلاقاهم بالابتسامة [5] والترحيب وأكرهم غاية الكرم وأخذ في خدمتهم بيده الشريفة ومؤانستهم بحكايات اليهود وإسرائيلياتهم وتعظيم أنبياءهم مع غاية الادب معهم حتى مال بقلوبهم إليه، فلما جن الليل واختلوا بأنفسهم قال أحدهم إن الإسلام أخذ بباطني فهيا نهرب بديننا، فخرجوا ليلا على غفلة من الشيخ، فلما أصبح الصباح حزن مولاي العربي الدرقاوي رحمه الله على فراقهم ولام الفقراء على تسريحهم، فلما كانوا في الطريق التقوا ببعض القاصدين زيارة الشيخ فقالوا لهم من أنتم فأخبروهم أنهم من فقراء مولاي العربي الدرقاوي، فقال اليهود بحسرة اشكروا الله على ملاقاتكم للشيخ فلو كان عشرة مثله في الوجود لما بقي على الارض يهودي.

    الروايات عن القلوب الكبيرة كثيرة، لكن الحق يقال، معاناة القيادة الصادقة مع الخيانة داخل القيادة أكبر من مجرد مداراة واستضافة لليلة واحدة، بل هي معاشرة وتحمل يومي لا يعلم آلامه ومعاناته إلا الله، وقد جربت ذلك بنفسي فما استطعت، ولو كنت في زمن غير هذا لخرجت عليهم بالحسام المهند ما رحمت في الكفرة الفجرة عرقا واحدا وما راعيت في المكر العاهر إلا ولا ذمة، تأبى نفسي مداراة الحقيرين ومعاشرتهم طيلة الوقت، ربما بين الفينة والفينة أمر ممكن على كل حال.

    ولذلك فإن العناصر القيادية يلزمها كثير من وضوح الرؤية وبُعد النظر والهدوء المستكين وسعة الصدر وكتمان الأمر والرفق في اللغة وقلة الكلام والتمهل في الأمر كله، فإخراج السفينة من الامواج أمر لا يكون بالعنف وفقدان الاعصاب، بل هو موقف أحوج ما يكون فيه القيادي إلى رزانة وضبط أعصاب وقوة فعل في التوقيت المناسب، لا قبل ولا بعد، القيادي هو الذي يستطيع أن يحافظ على جذوة الايمان والجهاد مشتعلة رغم الاعاصير الداخلية والخارجية، يربي من معه من الرجال ويتربى معهم ويتخذ القرارات الشجاعة دون تردد بقلب من حديد، يخرج بالسفينة من الاعصار بهدوء وعزم ويقظة وذكاء، لا يدعها تغرق أو يسيطر عليها القراصنة أو تصطدم بالصخور، يحسن التعامل مع بحر تظهر فيه كل يوم موجات عاتية وألغام بحرية ونتوءات حجرية وقروش دموية وتعقيدات مستجدة.

    وسط كل ذلك لا يتخذ القرارات الانفرادية إلا إذا رأى ضعفا في من حوله، فيعزم عليهم ويطيعونه بما لهم من تربية تنظيمية ثم يلطف الخواطر لاحقا، فالمبادرة ساعة العاصفة ضرورية لتلافي ضياع الفرص وسط هراء الديمقراطية، الوقت لا يرحم، والموج لا ينتظر اجتماع السقيفة، الأمر جلل وأرواح عباد الله ثقل كبير وأخلاق على مهب الريح ودين في خطر ومصير عائلات بين اليد ومستقبل دعوة بين فكاك الذئاب، فلا مهرب إلا إلى جنب الله والتوكل عليه، وعندما يختلط الحابل بالنابل وتشتد العاصفة وتتداخل المشاكل وتتشعب الخيوط ويهرف كلٌ بما يعرف وبما لا يعرف تكون القيادة في أمس الحاجة إلى ثقة بالله وتوكل عليه، يفيض منها التوكل على مدراء التنظيم ودهماء القاعدة.

    هنا يُبرز التنظيم مدى تربيته للمؤمنين على الضبط والانضباط لا مدى نشره للإمعية والطاعة العمياء، يبرز عمل التنظيم أيام الرخاء وزرعه لمفاهيم القيادة الضابطة والطاعة المنضبطة، فمن طبع الإنسان أن يتمرد إذا لم يتربى على أن الطاعة وقت العزم قوة لا ضعف، وما المراوغات هروبا من الطاعة إلا هوى في النفس وشهوة جارفة تقبض بملاقطها على الناصية أو كسل وتناوم لا يليق بالرجال المقتحمين لعقبة نهضة أمة.

    إن ما أقوم به الآن رغم ما يبدو عليه ظاهريا من فقدان اعصاب أو غضب منفجر إلا أن مُنطلـقه الحقيقي هو الاقصاء، إننا كنا نصبر على فساد المسؤولين لما كانوا يسمحون لنا بالمشاركة والمعافسة والتغيير من الداخل بما استطعنا، فكنا نتحمل صفاقتهم ونشارك في البناء على أمل، ننظر بعيدا في أفق نضجهم ونضجنا والغاية الكبرى التي تجمعنا وتدخل عنصر الزمن من أجل ضبط ساعة الاختلاف، لكن لما استلوا سيوفهم علينا وفصلوا رؤوسنا فلم يعد هنالك أية حاجة إلى السكوت، أصبح السكوت خيانة والسكينة جبن والحكمة عارا.

    داخل الصف القيادي يطول النزاع بين الحمائم والصقور، بين الخيانة والصدق، بين الشورى والملك، بين حب السلطة وحب الله، بين المكر والصفاء، بين الرجولة والنذالة، بين الدعوة والسياسة، حتى يمسك الأقوى أو الأدهى أو الأصدق زمام الأمر، فيذبح الاخرين.

    واضح أن تعاون القيادة وانصهارها في مشروع واحد أمر صعب يتطلب فناء الجميع في ذات المشروع، وهو أمر لا يتحقق في ظل محافظة كل طرف على كيانه ونفسه، القيادة الواحدة تتطلب أن يذبح كل قيادي نفسه لا أن يذبح غيره، أن يفنى نفسه ومطامعه التسلطية لا أن يفني الآخرين تركيعا أو فصلا، وهنا ترجع بنا الفكرة إلى التربية باعتبارها السكين الذي يذبح به الرجال أنفسهم، يفصلون بالتربية أنانياتهم ولا يفصلون بسلطاتهم التنظيمية غيرهم، القيادة المنصهرة تتطلب القضاء على النفوس المتعجرفة والعقول المتألهة والقلوب المتحجرة الواقفة حجر عثرة أمام وحدة التنظيم وزحفه نحو المجد التاريخي، وإلا فإن البديل هو قيادة الرجل الواحد، الإمام الذي يمنع كل نزاع أو انشقاق على مستوى القيادة، ويمنع بالتالي كل تصدع لجسم التنظيم، وهنا نفهم لم يميل عامة الناس إلى الملكية [6] باعتبارها من الانظمة السياسية الضامنة لاستمرار الجماعة وتفاديا لصراع العناصر القيادية على السلطة وعدم قدرتها على الانصهار فيما بينها.

    واضح أن الاشكال تربوي بالدرجة الاولى، فالنفس البشرية كأنها ذئب جائع للسلطة، والتربية منوط بها ترويض هذا الذئب، هذا الأمر حاسم في إشكالية السلطة، ولا يتفوق على التربية في هذا الشأن إلا النظام المحصن ضد الطغيان بآليات إدارية وقضائية وقانونية صارمة، مع رقابة تحتية يقوم بها الرجال الصادحون بالحق وبركان ثوري قاعدي يغلي دائما، ما عدا ذلك من التنظيمات غير المحمية تنظيميا فاحتمال كبير أن يسودها الذئاب ويخضع فيها الامعات من الرجال المخنثين للقوة التنظيمية القاهرة وتغيب فيها الرقابة التحتية من القواعد والرقابة الفوقية من الأجهزة القضائية.

    يبدو أن دور التربية أساسي حيث ينبع الزجر من الداخل دونما حاجة إلى تدخل العناصر الخارجية، ولعل القيادة الربانية الممسوكة بالصحبة أقرب إلى هذا الأمر من القيادة السياسية المقطوعة من يد الله التي تستطيع أن تبيع القضية في أية لحظة عندما يُدفع الثمن المناسب، ويبقى أن التصور المثالي هو اجتماع كل من الرقابة الداخلية والخارجية لحسن سير المؤسسات التنظيمية وسمو القيادة عن الوقوع في تخبطات الانفرادية في التسيير وركوع القاعدة للفاسدين وغزو العملاء وغياب البرامج والتواكلية والتيارات الهامشية والاجهزة الموازية.

    التناغم بين القيادة والقاعدة لا يمكن بناؤه إلا على أساس هذا الجو الشفاف الذي تحميه المؤسسات لا الاشخاص، فالقيادة يجب أن تعلم أنها متى انفردت بالسلطة وابتعدت عن القاعدة أوشكت أن تقع في حالة من التغريد بعيدا عن الواقع خارج سرب الجماعة، والقاعدة متى نكصت عن الوقوف في وجه القيادة بالنصح الدائم والثورة عند الزيغان أوشكت أن تقع في العبودية ومسخ الشخصية وضياع مصالحها الدنيوية والاخروية وخراب بيوتها التربوية والتنظيمية والسياسية، فمعادلة القيادة والقاعدة يلزمها أن تبقى على حالة من التوازن بين الحقوق والواجبات التي يخولها الشرع لكل من أولي الأمر ومن تحتهم من المؤمنين، كل ذلك دون نسيان الغاية الاحسانية [7] التي تجمع الطرفين، فلا معنى لأي مسؤولية قيادية إذا كانت ستؤدي بصاحبها إلى قاع جهنم مع الفرعون بعيدا عن الجنة الموسوية، ولا معنى لأي إمعية إذا كانت ستؤدي بصاحبها إلى الحرمان من البركات الايمانية والمقامات الاحسانية الموضوعة تحت ظلال المسؤولية التنظيمية.

    خلاصة القول أن القيادة ليست بتلك القداسة التي كنا نتصورها بداية انضمامنا إلى الصف الاسلامي، بل إنها أحيانا ليست حتى بتلك الانسانية المفترضة في عامة الناس، إننا لا نعمم لكن نورانية القيادة وولايتها وكشفها وحبها للمؤمنين وفنائها في الجماعة وتعلقها الدائم بالله وتوفيق الله لها كل طرفة عين وفي كل خطوة تخطوها لم تكن سوى أكذوبة روج لها التنظيم لقضاء مآربه السلطوية، لقد كان الأمر خدعة ماكرة حقيرة، بينما الحقيقة أن القيادة ليست سوى مجموعة من البشر العاديين كباقي البشر الذي يخطئ ويصيب، يغدر أو يصدق، يحب أو يتآمر، يمرض ويموت، يؤيده الله أو يخذله، يرى بنور الله أو يكون شخصا مطموس البصيرة مظلم الروح عديم النورانية، وليا لله أو شيطانا رجيما، فقط الظروف والملابسات المحيطة بالدائرة القيادة هي التي تحدد من يلتحق بالقيادة أو لا يلتحق، تتداخل في ذلك مصالح أطراف كثيرة، وعلاقات اجتماعية كالزواج، أو مراكز وظيفية في الدولة أو أموال في الرصيد أو طريقة كلام مؤثرة في العوام أو وسامة في الوجه أو شواهد جامعية في اليد أو حتى قوة عضلية في الجسم أو حتى جبهة عريضة لا تستحي.

    هكذا هي القيادة تُعطى للقوي أو الذكي أو الغني أو المثقف أو الصهر أو الوسيم أو الموظف أو طليق اللسان، ولذلك فقدسية القيادة ليست كلاما صحيحا، والكلام الذي يروج عن تأييد الله المطلق لها وكل من انتقدها سيؤذى من الله هو مجرد كذبة لضبط التنظيم وتأليفه حولها، والصواب أن كل تجمع بشري ولو كانت مرجعيته إسلامية معرض لغزو العناصر الخارجية المدسوسة، ومعرض في غياب القيادة الحكيمة كغيره من التجمعات السياسية والدعوية لأمراض التنظيم من انشقاقات ومسابقات على الرئاسة وسوء تدبير للأمور واستغلال سيئ للنفوذ واختلاس لأموال الجماعة ومشيخة على عباد الله.

    القيادة داخل التنظيم الاسلامي كان من المفترض أنها مبنية على أسس الصلاح والولاية والغناء لا على هذه الاعتبارات الدنيوية المنحطة، لذلك فالتنظيم الاسلامي لا يستقيم إلا وهو تحت أيادي موصولة بالله وبرسول الله، أشخاص تخلصوا من الدنيا بالكلية فاستحقوا أن يسودوا المؤمنين، أخوة الآخرة تجمع بينهم وبين القاعدة، أما غير ذلك من السياسيين الوصوليين فمكانهم هو الحزب "الاسلامي" الذي يجمعهم وينظمهم ويدفع بهم إلى الساحة السياسية ليجروا فيها جري الوحوش، تاركا المؤمنين الطيبين في حمى أهل الله ليأخذوا بقلوبهم إلى الله.


    📌 الهوامش

    1. [1] عبادة الشخصية التي هيمنت خلال ديكتاتورية ستالين، وهي تعبير عن الانحطاط البيروقراطي لأول دولة عمالية، حيث اغتصبت شريحة اجتماعية ذات امتيازات ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية مع استعمال بعض الأشكال الفظة كالإرهاب البوليسي والتطهيرات الجماعية واغتيال أفضل الكوادر الحزبية القديمة للحزب الشيوعي، وتسعى الستالينية الى تبرير هذه الاخلالات باسم حاجات الدفاع عن الثورة.
    2. [2] " الوصلة الصحيحة بين الصحبة والجماعة قيادة ربّانية واحدة " الاحسان ج1 ص213
    3. [3] رواه الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه.
    4. [4] أخرجه الدارقطني في الأفراد من حديث الزبير بن العوام مرفوعا
    5. [5] " التبسم لإخوتك والبِشر والتبشير حق المسلمين عليك، لكن محاسبة النفس في حقوق الله هي واجبك نحو الله". كتاب الإحسان، ج1.ص317
    6. [6] الملكية هي نظام حكم حيث يكون الملك على رأس الدولة وتتميز بأن الحكم غالباً ما يكون لفترة طويلة حتى وفاة الملك وينتقل بالوراثة إلى ولي عهده، في المجتمعات القديمة كانت للملك جميع السلطات فكان هو المشرع والقاضي والحاكم، لكن الانظمة السياسية اليوم تحترم مبدأ الفصل بين السلط الذي جاء به منتيسكيو، وللحكم الملكي أشكال مختلفة: نظام الحكم الملكي المطلق. و نظام الحكم الملكي الدستوري. الملكية المطلقة: يكون الملك هو صاحب جميع السلطات في الدولة هو يصدر القوانين ويفسرها ويقوم بتنفيذها وللملكية المطلقة أمثلة في التاريخ ومن أشهرها الملكية الفرنسية في عهد لويس الرابع عشر الذي أعلن الدولة هي أنا، ويرى الفيلسوف هوبز أن النظام الملكي المطلق هو أفضل أنظمة الحكم ويعلل ذلك بأن مصالح الملك الشخصية مرتبطة بمصالح رعيته، فحرية الملك واسعة في الاستشارة فهو يستشير من شاء من أصحاب الرأي، أما حين تكون السيادة للبرلمان فإن المعارضة تكثر بين الأعضاء نتيجة للتنافس أو الحسد. أما الملكية المقيدة فهي تلك التي يقودها الدستور وهي تطور للملكية المطلقة، فقد يضطر الملك المطلق أن يتنازل للشعب عن كثير من الحقوق الدستورية.
    7. [7] رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المسارعة وقبلة الرجاء. . . الغاية الإحسانية إذن هي كلمة الإسلام، واقتراحه، وثمرته الموجهة لكل فرد. والأهداف الجماعية للأمة، من تحرر عن الجاهلية، ونجاح في الاقتصاد، وظهور في الأرض، شروط ضرورية ليسمع الإنسان تلك الكلمة، ويقبل ذلك الاقتراح، ويجني تلك الثمرة. فذلك السباق الذي عرضه الله على كل منا إلى مغفرته وجنته ورضاه والنظر إلى وجهه هو رسالتنا للعالم الشقي بحضارته المادية، . . . فالخلافة الإسلامية وهي جوهر الحضارة الإسلامية المرجو بناؤها، ما هي بديل لحضارة المادة من حيث صناعتها وإنجازاتها الاجتماعية والسياسية والحياتية، بل تكون استمرارا على شكل جديد لنفس الحضارة المادية إن لم تكن الدعوة إلى الله، البالغة إلى كل إنسان، الملحة عليه، المتحببة إليه بالعيش الكريم تحت ظلها، والإيواء الكريم إلى كنفها، هي روح الحضارة ومهمة الخلافة. نحن المسلمين موعودون بالخلافة في الأرض لنعمرها، لكن عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه بعد الموت. بهذا نحن قوة لا تقاوم. المنهاج النبوي، ص 11-12.

    ◀ الفصل السابق: ضرورة التنظيم

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: أجهزة التنظيم

  • ضرورة التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 3 من 77 — فهرس الكتاب

    يكفي للقول بضرورة التنظيم أن نتبصر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأول ما بدأ به بعد الوحي إليه هو تشكيل التنظيم النبوي، " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ" [1] ورغم بساطة التنظيم النبوي في بدايته وضعف أنصاره وقلة موارده إلا أنه سيتقوى فيما بعد وسيتحول إلى أقوى نظام سياسي على الساحة الدولية آنذاك، لقد استطاع الرسول الكريم أن يكون نعم المربي والمنظم لذلك الرعيل الأول، سهر على تربيته تحت شعار الآية الكريمة: " إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا " [2]، واستطاع تنظيمه تحت شعار الآية الكريمة: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ" [3].

    لقد انتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مُبكرا إلى أنه لا سياسة دون تنظيم، ولا تربية دون جماعة، فالسياسة دون تنظيم انتحار، والتربية دون جماعة برد روحي قارس لا يكاد يفقس معه بيض، ورغم الأذى الذي كان يلحقه وأصحابه إلا أنه كان حريصا على بناء الصف الداخلي الذي به سينتصر دين الله فيما بعد، بعد توفيق الله طبعا، ولا أدل على ذلك من الاهتمام الذي كان يوليه رسول الله لأعضاء تنظيمه الجديد، احتضانا وإرشادا وتعهدا، تربية وتعليما، تأليفا وتشجيعا.

    لقد اختلطت التربية النبوية بالتنظيم النبوي ولم تنفصل عنه أبدا، والتصقت التربية بالتنظيم بشكل أقل زمن الخلافة الراشدة نظرا لغياب الوالد المربي، رسول الله، ثم ما لبثت التربية أن انفصلت عن التنظيم تماما في عهد التوريث الملعون، لقد استطاع معاوية بمكره وحرصه على الرئاسة أن يقطع أوصال البناء النبوي، فانفصلت التربية عن التنظيم، وانفرد معاوية بالتنظيم وحول مجراه لخدمة أهدافه السلطوية، ثم استقل كبار الصحابة وآل البيت بمؤسسة التربية، أنوار محمدية حملت مشعل الدلالة على الله وعلى مشكاة رسول الله، ذلك أن الشكل السياسي للدولة أنذاك في صيغته الأموية العضوض لم يعد قادرا على احتواء التربية لكثرة تناقضاته معها، ربما لطهارتها ووساخته، فالتنظيم النبوي كان مبنيا في أصله على رجاء الله والدار الآخرة، بينما كان هدف معاوية وفئته الباغية السيطرة على التنظيم النبوي والسطو على الدولة وتوريثها إلى اليزيد اللعين، فمتى دخل أصحاب الدنيا لتحصيل الدنيا، خرج أصحاب التربية طالبين وجه الله وسنة رسول الله.

    وإذا كانت الدعوة المحمدية وهي المؤيدة بالله وبرسول الله لم تستطع أن تستغني عن التنظيم فبالأحرى الدعوات الأقل منها مكانة وقيمة، إن ضرورة التنظيم بالنسبة للحركات الاجتماعية البارحة واليوم وغدا هي كضرورة الهيكل العظمي للجسم البشري، كضرورة الأوردة الدموية لتغذية الأعضاء البشرية، كضرورة العقل في الجسد، كضرورة قانون السير في الطرقات، كضرورة الجيش في الحرب، كضرورة مجلس الادارة في الشركة، كضرورة خلية النحل لإنتاج العسل، فالفردانية والعشوائية لم تكن يوما سبيلا واصلا إلى تحقيق الأهداف الكبرى للمجتمعات.

    إن الناظر بعين التفكر لابد أن يلاحظ كيف ينتظم مجتمع الحيوانات والحشرات بشكل معين من أجل تحقيق أهداف العيش المشترك وإنتاج الاشياء المفيدة التي خُلق من أجلها، أفيخرق الانسان هذا المبدأ الأصيل والقانون الطبيعي ويكسر الفطرة الالاهية ثم يدعو بكل صفاقة الى فلسفة الشتات، لو دخلت كل نحلة سوق رأسها لما أكلنا عسلا، أمت علينا ديننا أيها المنعزل وأسقطت الرجولة في أوحال فكر الزبيبة والحفاظ على البيضة، ويا ليتها كانت بيضة طازجة، إنها بيضة فاسدة كريهة رائحتها ثم تنصح عباد الله بالخنوع لمفسدها، الإسلام براء من ثقافة الركوع والشتات والعشوائية.

    التنظيم ضرورة اجتماعية وسياسية واقتصادية، وتقسيم المهام بين أعضاء المجموعة وحده الكفيل بتحقيق الادارة السلسة والتدبير السليم لمصالح الجماعة، فالأفراد لا يستطيعون القيام بمهمات كثيرة في آن واحد، فوجب تقسيم الادوار حتى ينشأ نظام معين يضمن التوزيع السليم للمهام والوظائف على كافة القوى العاملة فيه مما يساهم في تنفيذ كافة الأعمال المطلوبة على وجه الدقة والاتقان، الاختصاص يفرض نفسه فرضا خاصة في زمن أصبح فيه هذا المقتضى مبدأ ثابتا في جميع العلوم وضرورة واقعية في مختلف المجالات.

    حتى نفهم ضرورة التنظيم دعونا نتصور حركة مجتمعية تغييرية بدون تنظيم، حركة سياسية مجتمعية دينية أو تقدمية أو غيرها، كيف سيكون شكلها في غياب أجهزة تنظيمية تسهر على حسن سير الجماعة أو الحزب؟ لن تجد هذه المجموعة أمامها سوى أسلوب الزعيم والقطيع، ستعود إلى عهود خلت خضعت فيها الناس إلى أوامر الفرد المقدس المطاع، الشخصية الكاريزمية المؤثرة في من حولها، وللناس أن تختار حينها ما بين ذي الانف المسنن أو ذي العضلات القوية أو ذي الاموال الطائلة أو ذي النفوذ أو ذي الاصل المميز والعائلة العريقة أو ذي الصوت الجهوري المطنب أو الرجل "المبارك" ذي الاتباع والكرامات الظاهرة.

    حكم الفرد هو من الاشكال الادارية القديمة، حيث تعبد الجماهير الفرد المقدس، الفرعون الصغير الذي يكبر حتى يتأله نتيجة خلو الجو من الرجال، حكم الفرد شكل من أشكال التخلف الاداري، وإلا فإن المذاهب المعاصرة تقوم بعد التطور الاداري والسياسي الحاصل على دولة المؤسسات [4] والقانون، والقانون هو الخيط الرابط بين المؤسسات والفيصل بينها، لقد اهتدى الانسان في تطوره الانساني إلى أن حكم الفرد فساد مطلق، فالفرد ضعيف أمام نزواته الجسدية والنفسية، فهو قادر في أية لحظة على تدمير الجماعة بطيشه أو تهوره أو تجبره أو جنونه أو لمجرد نزوة عابرة لم تجد لها من متنفس.

    وعليه فإن الانسانية تكاد تُجمع اليوم على أن الحكم للمؤسسات، هذه المؤسسات يجب أن تعمل وفق قانون متفق عليه مُسبقا، وتحت علم الجميع بهذا القانون وموافقتهم عليه، فالقانون [5] يخرج من رحم الجماعة ولا يُفرض عليها من خارج، هذا هو المفترض، ولذلك كان القانون نابعا من ضروريات الجماعة واحتياجاتها، ملبيا لرغباتها، لا فرق في هذا الامر بين القانون الوضعي والسماوي سوى أن الناس في القانون الوضعي تضع القانون بأيديها بينما تستمده في دولة القانون السماوي من الشريعة الالاهية، على أن العنصر الأهم هو الرضى، فرضى الناس بالقانون هو القوة التي يضرب بها القانون، كونه نابع من الامة لا مفروض عليها، والانسان جبل على طاعة ما صدر منه واحترام ما أقره عن طواعية واختيار، نافر من القوانين التي تُفرض عليه وتُجهز على حريته في الاختيار.

    لكننا نتساءل، إذا كان التنظيم ضرورة، فلم يهرب أغلب الناس من العمل المنظم؟ ولم يتحاشاه الكثير؟ ولم تحارب السلطات العامة في الدول المتخلفة العمل المنظم وتضيق عليه وتخشاه؟ ولماذا تتكاثف الانظمة الدولية على استكشاف كل التنظيمات العاملة في الساحة الدولية والداخلية في الدول المراقبة؟ إننا قبل الاجابة عن هذه الاسئلة نستكشف أهمية التنظيم، فلولا هذه الأهمية لما سخرت القوى العالمية والداخلية أجهزتها لجمع كل صغيرة وكبيرة عن التنظيمات النشطة، هذه القوى تعرف جيدا أن الافراد المشتتين لن يستطيعوا زعزعة نملة من جـحرها، فأنى لهم بتغيير الخريطة السياسية للدول، ولذلك نكاد نجزم بأن التنظيمات هي الأقوى والأقدر على إحداث الفارق السياسي والطفرة العمرانية والتغيير الاجتماعي في الدول، لابد للناس من تنظيمات قوية تقوم بدور التأطير.

    الناس الموضوعية فهمتنا، الفاعلون الجمعويون فهومنا، الجمعيات النسائية النشيطة فهمتنا، الاحزاب فهمونا، لكن صديقنا المتدين الملتحي لم يقتنع بعد، يريد النص ولا شيء غير النص، يريد الدليل، فلتستمع صديقي إلى قوله تعالى: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [6]. ولتكن منكم أمة، منكم هي الكل، أمة هي البعض، البعض المنظم، الداعي إلى الخير، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، غير المفرق ولا المشتت ولا المختلف، هي الجماعة المنظمة المتآلفة، هدفها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أمر لا يقوم به الافراد إلا في حدود ضيقة، ولكن تضطلع به الكتل البشرية المنظمة، فهي وحدها القادرة على مواجهة الفساد المنظم، الفساد المنظم لا يقدر على ردعه سوى الاصلاح المنظم، لكن هذا العمل المنظم يختلف كليا عن مفهوم الحزبية الضيقة التي تساهم في تشتيت الجهود وتضييع الاهداف الجماعية بمصلحيتها الضيقة وغاياتها الفئوية.

    يريد المتذاكي أن يدخل علينا بدعوى الحزبية ليضرب العمل المنظم جملة مستدلا بقوله تعالى: " مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " [7]، لكني أقول لك صديقي العزيز إن الحقوق من الوارد جدا أن يتم استعمالها بسوء نية، وهنا ينتصب القانون ليعاقب سيئ النية لا ليمنع الحقوق، فالحرية حق، لكن لا يجب أن تستعمل بسوء نية، فنضرب بالقانون على يد من يسيء استعمال الحرية ولا نحرم الجميع منها، والسكن حق مشروع، لكننا نضرب بالقانون على يد من يبني بناء بسوء نية ليمنع الشمس عن جاره ولا نمنع جميع الناس من البناء، والتزوج بـالنساء حق مشروع للرجال، لكن هناك من يريد أن يستعمله بسوء نية، فنضرب بالشريعة على سيء النية ولا نمنع جميع الرجال من التعدد، ولذلك فنحن لا نقول بالعمل المنظم الذي في كرشه عجينة سوء النية، ذلك العمل الذي يريد أن يزيد من تشتيت الشتات ويخلق مزيدا من التفرقة، بل نؤيد العمل المنظم الذي يريد أن يجمع الشتات ويوحد الصفوف ويجمع المصلحين على غاية واحدة وهي الاصلاح، ما استطاع.

    العمل المنظم لا يجب أن يقع في التشيع الخبيث والحزبية النتنة والمروق من الجماعة، فالتشيع [8] لا يعني العمل المنظم، بل يعني المروق والشتات، يعني التكتل المارق المشتت، تشكيلة من المارقين لا تربطهم بالعمل المنظم صلة، بل تجمعهم روابط الحقد والمروق من الدين والجماعة، فرحين بما عندهم من ظاهر الحق الذي يأخذ بضعاف العقول، فرحين بما عندهم من مراكز اقتصادية أو سياسية أو دينية، هي حزبية ضيقة بغايات ضيقة، جماعة مارقة مجتمعة على جيفة الطائفية النتنة، مصالح مستعجلة أو أهداف يغذيها الشيطان والنفس المشيطنة المجبولة على بغض الصالحين ومحاربة كل أشكال الاصلاح.

    ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير تعني التنظيم الذي يعمل على تكريس الحق والقانون لا الطائفية، هذا الحق أساس الخير، والقانون طريق الحق [9]، فعندما يُطبق القانون يتحصل الحق، ثم يتبعه الخير، على أننا نشير إلى الآية التي قبلها من سورة عمران حيث يقول فيها سبحانه وتعالى: " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [10].

    هذه الآية تشير إلى روح التنظيم، وهو القلوب المؤلفة، فأصبحتم إخوانا، القلوب المؤلفة تؤدي إلى الاخوة، وقد كنتم من قبل على شفا حفرة من النار، وهي نار الحقد في القلب ونار العداء والحرب والشتات على الارض وخسران الدنيا والآخرة، كذلك يبين الله لكم أن التنظيم المتآلف القلوب هو آية من آيات الله التي تؤدي إلى طريق النجاة والهداية والفوز، ويكون إضافة نوعية إلى جماعة المسلمين لا وبالا عليها.

    دع عنك الاوهام الكثيرة التي يبثها بعض المتفقهين وديدان القراء، هي أوهام جاءت في سياق واحد وهو الدفاع عن تنظيم مسيطر ليضرب التنظيمات الصاعدة التي تنافسه على الكعكة، تنظيم مُتغلب طائفي يجمع كثيرا من الفسدة والناهبين والخائنين والعملاء والجاهلين والمخنثين والامعات المنبطحين والمتفيقهين الخانعين، يقفون كلهم فكريا على نظرية المتغلب [11]، ولا يحبون من ينسف أساسهم الفكري المبني على ثقافة الركوع والخنوع، والمفروض أن المتحدثين باسم الدين بما عندهم من علم بالكتاب واقفين على أسس الصدق التي كانت عند أبي ذر، لكنها حربائية متقنة تلك الطريقة التي يستعملها السياسيون عندما يلعبون بالحداثة تارة ثم يلعبون بالدين تارة أخرى، ينتظمون تحت راية المكيافيلية ثم يهاجمون كل تيار صاعد منظم يريد أن يطفو على وجه تدبير الشأن العام [12] ليساهم في تغيير الواقع الفاسد، كتلة من الفساد تسبح في بركة آسنة من الامراض الادارية والمالية، ثم تتحدث باسم الدين والتنمية والحداثة.

    تأكد صديقي أنك لو طلبت جمعية ثقافية بسيطة في دولة متخلفة ثم لمس منك المعنيون بالأمر نسبة ضئيلة من القدرة على العمل المنظم ضد الفساد فلن يمكنوك من توصيل قانوني لتعمل بشكل شرعي حر فاعل، ذلك أنهم يعرفون أن أكبر خطر يهدد مصالحهم هو العمل المنظم لا العمل المشتت، حتى الرامبو لا يخيفهم وقد تخيفهم جمعية، الرامبو والرجال الخارقون الآخرون الذين يتم الترويج لهم على وسائل الاعلام ليسوا سوى حلم جميل للكمال البشري، فلا تزعج نفسك بالانعزال في جبال الروكي لـتنزل إلينا بعضلات مفتولة لتغير الواقع، صح النوم صديقي العزيز، الرامبو الحقيقي الذي يخيف هو التنظيم القوي المنجمع المؤمن بقضيته.

    لاحظ معي أن الأنظمة السياسية الحاكمة دائما منظمة، والقوى الدولية الضاغطة مؤسسات منظمة، والشركات الكبرى منظمة، وكل قوي على الساحة السياسية أو الاقتصادية أو النقابية أو الدينية هو عبارة عن شكل منظم، دائما القوة للعمل المنظم، حتى ذلك الفساد الصغير داخل الدول والشركات والجمعيات والتنظيمات الاسلامية والتجمعات الصغيرة التي لا تلقي لها بالا هو فساد منظم، له مؤسسات خفية وهياكل تعمل وقانون عُرفي ومراسيم تنظيمية متفق عليها ونسق معين، ولولا ذلك لما قامت له قائمة، الفساد أيضا ليس عملا فرديا، إنه شبكات مُنظمة.

    هذا الفساد المنظم في الأنظمة والتنظيمات لا يردعه سوى الاصلاح المنظم، من هنا يمكن الحديث عن ضرورة وجود تنظيمات حقيقية تنافح عن الحق والقانون وتضغط على الفساد المتغلب من أجل الرضوخ إلى الحق والاستماع الى صوت المظلوم، تنظيمات متحررة تستطيع أن تقف في وجه الفساد المنظم وتخاطبه باللغة التي يفهمها وهي لغة الضغط، لكن عندما يُصادر حق الانتظام فلا يمكن الحديث عن الإصلاح، اللهم المشاركة في لعبة الضحك على الذقون [13].


    📌 الهوامش

    1. [1] سورة المدثر، الآية1
    2. [2] سوة المزمل، الآية 5
    3. [3] سورة الصف، الآية 7
    4. [4] يُطلق على دولة ما اسم دولة المؤسسات حينما يكون هناك استقلال حقيقي لسُلطة الدولة ويكون هذا الاستقلال ذو صِفة قانونية وتكون هذه السُلطة ذات طابع قانوني ودُستوري وغير شخصي وتابعة لمؤسسات وليس لأشخاص، ومن المبادئ التي تقوم عليها دولة المؤسسات هو أن يكون جميع المواطنين مُتساويين في الحقوق والواجبات أمام القانون، ويجدر الإشارة إلى أنه لا بد أن تكون المؤسسات في هذه الدولة هي مؤسسات ممثلة للشعب، وتنحصر مهمة الأفراد في هذه الدولة بالقيام بالإشراف على تنفيذ الخطط التي تضعها تلك المؤسسات الممثلة للشعب.
    5. [5] القانون هو مجموعة من القواعد والأسس التي تنظم سلوك أفراد المجتمع، والتي يجب على أفرادها اتباعه. وهو علم من العلوم الاجتماعية، موضوعه الإنسان وسلوكه مع أخيه الانسان أو مع الدولة، بالإضافة إلى ذلك فهو يحدد العقوبات لأولئك الذين لا يلتزمون بالقواعدَ المؤسسة للقانون.
    6. [6] ال عمران، 104
    7. [7] الروم، 32
    8. [8] لا نعني به المذهب الشيعي
    9. [9] في حديث نبوي رواه ابن ماجة بسند صحيح يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: " لا قُدِّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غيْرَ مُتَعْتَع".
    10. [10] آل عمران، آية 103
    11. [11] نظرية المتغلب أو إمامة المتغلب تعني أن من استولى على الإمارة بالقوة والسيف والقتل حتى قهر خصومه واستولى على البلاد وسلّم له العباد، فهو إمام شرعي تجب طاعته ولا تجوز معصيته ولا الخروج عليه.
    12. [12] مفهوم الشأن العام يخص كل القضايا التي ترتبط بصفة مباشرة بالمعيش اليومي للناس ويتم تدبيرها من طرف الدولة أو الهيئات العامة.
    13. [13] لقد ضمن المشرع المغربي حق الانتظام في جمعيات، فالمواطن المغربي نجده قد حصل على حق تأسيس الجمعيات المنظمة في المغرب بموجب الظهير الشريف رقم1. 58. 376 صادر في 15 نونبر 1958 الذي يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات، كل ذلك منسجم مع الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان التي أكدت في المادة 115 منها على أنه لكل شخص الحق في حرية الاجتماع السلمي و حرية تكوين الجمعيات، ونظام تأسيس الجمعيات بالمغرب يعتبر نظاما حرا إذ يعتبر من أهم الحريات العامة التي تحدد مجموع الحقوق والحريات الفردية والجماعية المعترف بها من طرف الدولة. والتي تتحمل مسؤولية ضمان ممارسته، وذلك طبقا لمقتضيات الفصل الثاني من ظهير 1958 الخاص بالجمعيات والذي ينص على أنه: ” يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل5“. ومع ذلك سار الفصل 29 من الدستور الذي نص على أنه: ” حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمونة ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات".

    ◀ الفصل السابق: مفهوم التنظيم

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: القيادة العليا

  • مفهوم التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 2 من 77 — فهرس الكتاب

    إذا كان كل فرد يحمل بين جنباته ملكات كثيرة ومهارات سخرها له الله سبحانه وتعالى ليقضي بها حاجاته، فإن هذا الفرد قد يعجز أحيانا عن تلبية بعض حاجياته اعتمادا على نفسه فقط، ولذلك فقد اهتدى الافراد إلى أسلوب العمل الجماعي المنظم وفق نسق معين من أجل تقسيم العمل والخروج بأفضل النتائج بما يخدم مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة معا.

    وإذا كانت عقلية الفرد تتميز بالأنانية وحب الذات فإن تنظيم الجهود غالبا ما يتطلب تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة الضيقة، ولذلك فإن العمل المنظم تعترضه آفات الأنا، فيطغى أحد أفراد الجماعة على الاخرين محاولا تسخير مقدرات الجماعة لنفسه، فيجعلها مصلحة خالصة لنفسه الباغية على الجماعة، قال تعالى: ". . قال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ. . ." [1]، أي نعم قليل ما هم، فأغلب الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، وأكثر الناس تحب أن تستأثر بما للآخرين لنفسها، وتحب أن تركب على جهود الاخرين والوصول بأقل مجهود، وتشتهي الاستئثار بمقدرات الجماعة البشرية والمالية لفائدة مصلحتها الفردية، ثم السطاج الأخير وهو التأله، قال تعالى: " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين، فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ" [2]، فالسكون للطغيان التنظيمي الفرعوني والاستخفاف بالنفس وانحناءة الافراد أمام الطغمة الباغية يستتبعه الغرق الشامل للجماعة وفرعونها الذاتي أو التنظيمي الجماعي جزاء وفاقا من الله على ضعف النفوس والخلود إلى الأرض والرضى بالدنية [3].

    التنظيم إذن هو تلك الفلسفة التي تُنسق الجهود وتمنع الطغيان، تلك الطريقة التي تجمع الهمم على تحقيق غايات معينة لا يستطيع الافراد تحقيقها في كهف عزلتهم الفردية، فهي عملية توجيه دائمة للمجهودات الفردية للوصول إلى أهداف جماعية مرسومة، بأقلّ وقت وجهد وتكلفة، وبذلك كان التنظيم يعادل القدرة على تعبئة الطاقات دون هدرها، مع تحقيق الغايات الجماعية، فرجل التنظيم الكفء هو الرجل المتفوق في مهمة جمع الجهود، الرجل القادر على ربط العناصر بعضها ببعض لا تشتيتها، الرجل المغناطيس ذو القلب الجامع لا صاحب القلب القاسي الذي يذبح العناصر المتميزة والطاقات المنافسة له مع أول منعرج.

    التنظيم ليس وليد الحركة الاسلامية، بل هو وليد الضرورة الإنسانية منذ القدم، فقد ظهرت مختلف أشكال التنظيم مع ظهور الحياة الانسانية، وتطور المفهوم مع ضرورة استجلاب الرزق من حرث وتجارة وصناعة، ثم ترسخ مع الحروب والصراعات الانسانية، وأخيرا أصبح علما قائما بذاته مع ظهور مفهوم الدولة في شكلها المنظم الحديث، حتى أصبح التنظيم اليوم أسلوب حياة وضرورة عملية وعلمية تقوم عليها مختلف أشكال المؤسسات الاقتصادية والسياسية الوطنية والدولية من شركات وبنوك وجمعيات وهيئات مجتمع مدني، وغالباً ما يتخذّ هذا التنظيم الشكل الهرمي، تصنّف فيه الفئات الموجودة من أعلى الهرم التنظيمي إلى أسفله بطرق مختلفة، ونسمع اليوم بين الفينة والفينة عن تنظيم جديد جماهيري شائع.

    يقول أبو الاقتصاد الياباني الفيلسوف دوكو: " إن المصانع اليابانية ليست إلا أسرة، إنها حياة العائلة الواحدة، بكل ما في كلمة العائلة من معنى، فالمصنع عائلة مرتبطة تماماً، وعمال المصنع قد ولدوا ليموتوا في داخله، وإذا ترك الواحد منهم هذا المصنع فإنه لن يذهب مطلقاً إلى مصنع منافس، وإذا حاول أحد عمال هذه المصانع أن يذهب إلى مصنع منافس، فان المصنع لا يقبله لأن العائلات أسرار، والعائلات اليابانية تتنافس ولكنها لا تتصارع، إنما تتفوق على المصانع الأوروبية والأمريكية من أجل رفاهية وعظم الشعب الياباني كله" [4].

    يضيف الاستاذ عبد السلام ياسين فيقول في كتابه المنهاج النبوي: " وإذا كان المؤمنون جواهر نفيسة كل منهم على حدة، فإنهم إن انتظموا في عقد ازدادوا نفاسة". [5] قلت: ازدادوا نفاسة في أنفسهم تربية، وازدادت مع نفاستهم نفاسة الجماعة المنظمة، فالتنظيم الصحيح هو الأسلوب الذي يعمل بروح العائلة، بروح الفريق الواحد أو الأسرة الواحدة، ولذلك سمى الأستاذ عبد السلام ياسين أصغر أشكال التنظيم "أُسرة"، ولذلك سمى الفيلسوف دوكو المصنع الياباني "أسرة"، هذا الأسلوب التنظيمي المتآخي المترابط هو بالضبط ما ينادي به اليوم علم الإدارة الحديثة من أجل تطوير العلوم والشركات والادارات وغيرها من اشكال التنظيم المجتمعي، وتحقيق تبعا لذلك التقدم المنشود للمجتمعات والأمم.

    الشريعة الاسلامية كانت سباقة إلى بث هذا المفهوم في الأمة وهي التي تشير غير ما مرة إلى مُجتمعيْ النمل والنحل، بخلاف المفهومين السلفي والصوفي اللذان يدعوان الناس إلى الشتات ودخول "سوق الراس"، الشتات مفهوم غريب عن المجتمعات الانسانية السوية، بل إنه عقاب، تماما كما عاقب الله بني اسرائيل بالشتات والتيه في الأرض، هذا يخبط في ذاك، أمة لا قرار لها، ولذلك فإنه لا معنى لأي إسلام حقيقي في ظل ثقافة " دخول سوق الراس"، ولا معنى لأي دولة ولا ديمقراطية ولا خلافة ولا نهضة ولا تقدم ولا دعوة دون تنظيم قوي متآلف منضبط وفق ضوابط الاحترام المتبادل والفناء في مشروع الجماعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الفيصل بيننا أيها الدرويش السلبي المنعزل ويا أيها السلفي المتفيقه الذي يكره الجماعات، فإذا كان رسول الله هو الفيصل بيننا حقا فدعونا نستمع إليه، قال صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك أصابعه" [6]، شبك أصابعه معناه بالتاعرابت: " تموت عليا ونموت عليك"، ومعناه بلغة السياسة: " التنظيم".

    ويقول أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يد الله مع الجماعة" [7]، ويقول في موضع آخر: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [8]، ثم يحسم الجدل سبحانه تعالى بقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [9].

    واضح جدا أن العمل الفردي لم يدعُ إليه الرسول الكريم، ولا أمر به الله سبحانه وتعالى، ولا وصى به أحد من علماء هذه الأمة، اللهم خوار الركب الذين أصلونا لثقافة الانعزال والشتات وفرقوا الناس شيعا وتسببوا في كوارث الأمة لما سمحوا للفساد المصفوف المنتظم بغزو معاقل الصلاح المشتت ودك صروحه وتقويض أسسه، إن الصلاح الفردي ما هو أصل ولا أساس، ولو كانت العزلة أصلا لكانت صلاة الفرد تعلو على صلاة الجماعة، ولو كان الجهاد فرادى لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته جماعة، فكيف تُقنع الناس أيها الخطيب على منبر الاسلام بعظيم أجر صلاة الجماعة ثم لا تقنعهم بعظيم أجر العمل الدعوي الجماعي المنظم ورفعة مقام حركة الجماعة عند كل واد حسي أو معنوي يقطعه المؤمنون لإعلاء كلمة الله، لابد أن هناك خيانة ترتكب باسم الدين، أو لربما جهلا مركبا بالدين.

    لاحظ معي أخي الكريم كيف ينتظم الفساد المحلي والدولي في كنتونات منظمة تعمل بفاعلية وانتظام وتعاون، بينما يُطلب منك أيها المؤمن الصالح الذي ترجو صلاحا في نفسك وأمتك أن تدخل "سوق راسك"، بالله عليك، أليست هذه خيانة لله وخيانة لرسول الله وأولياء الله، لكني أعذرك أيها المؤمن الاناني عندما يلتبس عليك الأمر "فتشد الارض"، تنبطح أو تنعزل لعلك تفهم ما يجري، أعذرك عندما تضعف أمام نفسك المذلولة فتهرب من الجماعة، كما أعذرك عندما تُفلت برقبتك من الذين شوهوا العمل المنظم وركبوا عليه لقضاء مآربهم الشخصية ووصلوا إلى السلطة على أكتاف الغير.

    التنظيم يقتضي وجودَ أكثر من شخص، فمفهوم التنظيم لا يستقيم مع شخص واحد، مجموعة من الاشخاص الطبيعية بالمفهوم القانوني تنتظم في إطار قانوني أو اجتماعي منظم وفق قانون معين وتحت قيادة معينة بطريقة معينة ولأهداف معينة، في هذا التنظيم تتكامل الجهودُ وتتناسق الافكار، التخطيط أولا ووضع القانون ثانيا والتنظيم ثالثا ثم التنفيذ رابعا، والتنظيم بذلك ليس إلا عملية توزيع للمسؤوليات والسلطات حسب طاقاتِ الاشخاص وقدراتهم وإمكاناتهم المادية من مال وفكر وعضلات بقصْدِ تَحقيق الأهداف والغايات المرسومة مسبقا بدقة من الهيئات الادارية المخول لها ذلك، طبعا مع الاستشارة والاستخارة.

    عرف الفقيه كونتز دونيل التنظيم  بأنه: " تجميع أوجه النشاطات اللازمة لتحقيق الأهداف والخطط، وإسناد هذه النشاطات إلى إدارات تنهضُ بها، وتفويض السُّلطة والتنسيق بين الجهود".

    كونتز يرى بأن التنظيم ما هو إلا جمع للجهود لتحقيق أهداف محددة، عن طريق إدارة النشاطات التي يتم برمجتها في مؤسسات التنظيم أو فرضها من القيادة العليا مع تنسيق الجهود وتتبع مردودية هذه البرامج، على أن كونتز يرى بضرورة تفويض السلطة عن طريق تفويض الصلاحيات والسلطات للآخرين من طرف المسؤولين وتحفيزهم لتنفيذ الأعمال التي هي من صميم مسؤولياتهم دفعا للطاقات وتشجيعا للمبادرات لما في ذلك من أثر طيب على المشروع من خلال تحميله لأكبر عدد من الرجال [10]، إلا أننا نرى أن تفويض المسؤوليات رغم نتائجه الطيبة وشحذه للطاقات داخل التنظيم يجب أن لا يصل إلى حد التواكل وتمييع المسؤولية والتملص من المحاسبة وإفشاء الاسرار التنظيمية وذوبان دور المسؤول في التوجيه والاشراف ثم التخلي عن المسؤولية في اللحظات المصيرية التي يجب أن يُظهر فيها المسؤول كل قوته وعزيمته وطاقته ومعارفه وحنكته ويتخذ القرارات الحاسمة دون أي تفويض فارغ.

    لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية التفويض والاشراك، وقد كان يفوض كثيرا من مهامه وسلطاته إلى الصحابة رضوان الله عليهم عند إرسالهم في مهمات الدعوة وتلقين الناس أمور الدين، ومثال ذلك عندما أرسل الصحابي الجليل معاذ بن جبل إلى اليمن، ومما يذكر بهذا الخصوص أنه صلى الله عليه وسلم خرج ماشيا يُشيعه، سيدنا معاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته يوصيه قائلا: " يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري"، فيبكي معاذ لفراق رسول الله [11]، ثمَّ يلتفت صلى الله عليه وسلم نحوَ المدينةِ ويقول: " إنَّ أهلَ بيتي هؤلاءِ يرَوْنَ أنَّهم أَوْلى النَّاسِ بي وإنَّ أَوْلى النَّاسِ بي المتَّقونَ مَن كانوا وحيث كانوا، اللَّهمَّ إنِّي لا أُحِلُّ لهم فسادَ ما أصلَحْتَ وايمُ اللهِ لَيَكفَؤونَ أمَّتي عن دِينِها كما يُكفَأُ الإناءُ في البَطحاءِ".

    كما اتبع الخلفاء الراشدون منهجَ الرسول الكريم في التفويض، فكان الخليفة في الدولة الإسلامية يُفوض سُلطته إلى الوُلاة والعمال في الولايات والإمارات الإسلامية، من ذلك ما حصل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث جاء بعضُ الناس قائلين إن عياض بن غنيم وهو من كبار المسؤولين في الدولة آنذاك أنه يتوسع كثيرًا في إعطاء الأموال، فقال لهم عمر:  "إن ذلك شأن أبي عبيدة"، ويقصد بذلك أنَّ أبا عبيدة بن الجراح هو المختص بمراقبة التصرُّف في مال المسلمين، فأحالهم عليه لما له من حق السلطة في التأكد والتحقق من تصرف الولاة في أموال الدولة.

    يُفهم مما سبق أن التنظيم ليس إلا توزيعا للمهام ووضعا للمسؤولين في الهيكل التنظيمي مع إقامة الصلاحِيَّات والمسؤوليات والعلاقات التي تربطهم فيما بينهم، ثم تلك التي تربط بينهم وبين الأغيار بُغية تحقيق الأهداف والغايات التي من أجلها تم خلق التنظيم مع تجنب تداخل المؤسسات والمسؤوليات، بمفهوم المخالفة فإن التنظيم لا يجب أن يتطاول بيده إلى مؤسسات أخرى لا تدخل ضمن مسؤولياته ولا ضمن نطاق اختصاصاته، وكذلك مسؤولوه الذين من المفروض أن ينكفئ كل منهم بنطاقه المكاني والوظيفي المحدد.

    مثال ذلك مؤسسة التربية التي تبقى مؤسسة متميزة نطاقا وممارسة ووسائل وغايات، فإذا كانت غاية التنظيم تحقيق أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية مادية محسوسة، فإن الأهداف الروحية لعملية التربية تختلف كليا عن الأهداف الأرضية للتنظيم، نظرية "المسؤول التنظيمي المربي" أثبتت فشلها، وضحاياها بالآلاف، التربية هدفها الأسمى هو دلالة الفرد على الله والسلوك به إلى الله، والتجربة العملية أثبتت أن التنظيم لا يمكنه بتاتا أن يدل الناس على الله، ولذلك فإن التربية كمؤسسة تربوية قائمة بذاتها يجب أن تنفرد وتستقل عن التنظيم لما لها من خصوصية، مع بقاء التنسيق طبعا بينها وبين التنظيم الاداري للجماعة وكذا باقي المؤسسات السياسية التابعة له.

    نكاد نخلص إلى قاعدة مفادها أن التنظيم ضرورة، لكننا ومع ذلك نشير إلى أن التنظيم أفعى خطرة، وقد تلتهم أو تلدغ في أي لحظة من يقترب منها.


    📌 الهوامش

    1. [1] ص، آية24
    2. [2] الزخرف، آية54
    3. [3] " ما التمكين إلا من الله عز وجل، لكننا ننظـر في الأسبـاب والإمكانيات الظاهرة وهي من وضعه تعالى وخلقه وتسخيره". العدل: الإسلاميون والحكم، ص35.
    4. [4] علي بن نايف الشحود، الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل، ج 9، ص 59
    5. [5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص81
    6. [6] البخاري، الحديث رقم 481
    7. [7] سنن الترمذي، باب ما جاء في لزوم الجماعة، حديث رقم: 2166
    8. [8] رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير
    9. [9] المائدة، آية2
    10. [10] أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية التفويض، ولذلك أوجد لكل طاقة ما يناسبها من عمل، ووزع المسؤوليات، وفرض المهام ومنح أجزاء متساوية من المسؤولية والسلطة لأصحابه، فقد تولى على بن أبي طالب وعثمان بن عفان كتابة الوحي، كما كان يقوم بذلك أيضاً أثناء غيابهما أُبي بن كعب وزيد بن ثابت وكان الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت يقومان بكتابة أموال الصدقات، وكان حذيفة بن اليمان يعد تقديرات الدخل من النخيل، وكان المغيرة بن شعبة والحسن بن نمر يكتبان الميزانيات والمعاملات بين الناس. وقد كان تفويض السلطة في عهد الخلفاء الراشدين حينما كان عمر بن الخطاب يطلق الحرية لعماله في الشؤون الوظيفية، ويقيدهم في المسائل العامة، أي يفوضهم بعضاً من السلطات ويراقب عملهم في حدود ذلك التفويض، وكان يختبر موظفيه بين الحين والآخر ليتأكد من كفاءاتهم وقدرتهم، ويبدو ذلك جليًا في موقفه مع كعب بن سور حينما كان جالسًا عند عمر فجاءته امرأة تشكو زوجها فقال لكعب: اقض بينهما فلما قضي قضاءه قال لكعب: " اذهب قاضيًا على البصرة ". لذلك فالتفويض ليس تهربا من المسؤولية لأن المسؤول في النهاية هو الذي يتحمل نتائج إدارته، فهو تفويض للعمل لا تفويض للمسؤولية.
    11. [11] عن معاذ بن جبل، صحيح ابن حبان، الحديث 647.

    ◀ الفصل السابق: توطئة

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: ضرورة التنظيم

  • توطئة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 1 من 77 — فهرس الكتاب

    الإهداء

    إلى الذين احترقت أرواحهم على موقد التنظيم

    إلى الذين فصلوا بعد ثلاثين سنة من العطاء

    إلى الذين تقطعت أكبادهم حرقة على الجماعة

    إلى الذين يبكون كل ليلة سبعين مرة من إهانة التنظيم

    إلى الذين يبيتون مع ربهم يشكون حكرة التنظيم

    إلى الذين ذاقوا مرارة غدر التنظيم

    إلى الذين ألحدوا بعد شمتة التنظيم

    إلى الذين تدمرت حياتهم على يد التنظيم

    إلى أولائك الذين رمى بهم التنظيم إلى الحانات

    إلى الذين انزووا في الخلوات

    إلى الشباب المقبل لأول مرة على التنظيم

    أهدي هذه الصفحات. . .


    "من العدل الى المصلحية" كتاب يحكي كيف تحول تنظيم إسلامي من هدف تحقيق الغايات السامية كمعرفة الله وعبادته والتقرب اليه والبر بالانسان والسهر على حسن معاملته والرحمة به والإحسان إليه ونيله حقوقه إلى هدف مصلحي ضيق متمثل في عبادة السلطة وتبعية المصلحة الشخصية والتنظيمية، هذا التحول الخطير في مسار الإسلاميين الذين كانوا يطلبون إلى عهد قريب معالي الأمور ثم أصبحوا اليوم يطلبون سفسافها يجب أن يكون محط دراسة موضوعية دقيقة للوقوف على مكامن الخلل التربوي والتنظيمي الذي أصاب التنظيم الاسلامي في مقتل ثم النظر في كيفية إصلاح هذه الاعطاب التنظيمية مع جبر الكسور التربوية التي فتكت بأجيال كاملة من رجال التربية والتنظيم وأفشلت أغلب المشاريع السياسية للإسلاميين.

    إنه حري بنا ونحن نلامس موضوعا مهما له تبعات سياسية وتنظيمية مهمة أن نتحرى الصدق في النية والدقة في التشخيص ثم طرح البدائل التربوية والتنظيمية التي يمكن أن تساعد الأجيال المقبلة على تجاوز المهالك المزروعة في ميدان العمل التنظيمي داخل صفوف التنظيمات الاسلامية، فالداخل التنظيمي ليس كما يبدو عليه الأمر من خارج العمل الاسلامي، ذلك أن الكثير يعتقد أن العمل التنظيمي داخل الجماعة الاسلامية هو على خطى السنة النبوية والقرآن الكريم، لكن الحقيقة أن العمل داخل التنظيم الاسلامي على غير ذلك، فهو مليء بالمتناقضات التي تُخالف في أحيان كثيرة المنهاج النبوي والأمر الرباني الذي يرفع شعاراته التنظيم الاسلامي كل حين من قبيل الحب في الله والأخوة في الله والدعوة إلى الله وإقامة الخلافة على منهاج رسول الله، فتجد نفسك وأنت في خضم التنظيم الاسلامي في مشاريع سُلطوية ومصالح شخصية واستقطابات مذهبية لا علاقة لها بتاتا بالشعارات المرفوعة أمام الداخل والخارج.

    وإذا كان الكلام في هذه الموضوعات من الخطورة بمكان خاصة في ظرف سياسي لا يحتمل الكلمة الصريحة والرأي الحر فإن الأمانة التي حملناها على عاتقنا والعهد الذي قطعناه لله ولولي الله يستوجب منا أن نقف وقفة الرجل الذي لا يخاف في الله لومة لائم حاملين شعار الاصلاح أو الحرب، يقتضي منا أن نقدم أعناقنا على مقصلة التاريخ قربانا للمشروع الذي قضينا فيه زهرة شبابنا، إننا نكاد ننتحر سياسيا واجتماعيا عندما نقف أمام تنظيم إسلامي جبار بإمكانات بشرية ومالية واجتماعية قوية محاولين تقويم هياكله التنظيمية التي لا نملك ذرة من مُقدراتها، لكننا ألفنا الانتحارات، فالطريق الذي سرنا فيه من البداية كان كله مغامرات ومهالك ومخاطر كنا دائما نفلت منها دائما بكرامات إلاهية، أما والحال يشهد أنه لم يعد لنا أي شيء نخسره ولا أية فرصة للتواصل والحوار فأكيد أن الانتحار الكلي سيكون أحلى، وكيف لا ننتحر والذين كنا نظنهم من إخوان الآخرة وجدناهم ساعة الحقيقة ذئابا بشرية، إنه لا معنى من حياة تافهة.

    إن ألف كتاب نكتبه لا يمكنه أن يصف حقيقة الغدر ومرارة طعنة الغدر التي يستشعرها الكثير من الصادقين الذين عملوا داخل التنظيم سنين طويلة، إنها غدرة العمر التي يصعب هضمها، الغدرة التي لم يكن يتصورها أحد وهو يفني حياته في سبيل نجاح مشروع بدأ أخويا ثم تحول لاحقا إلى مشروع مصلحي يسيطر عليه وسط غفلة الحركة الكثيرة والسلبية المتصوفة رموز سياسويون لم يشربوا من منبع الولاية الصافي.

    في ساحة انتحارنا سنحاول الاجابة عن السؤال المحوري وهو كيف انتقل التنظيم الاسلامي بهذه البشاعة من العدل إلى المصلحية؟ من الإحسان إلى الانحطاط الأخلاقي؟ ثم سنحاول بعد ذلك الاجابة على عدة أسئلة فرعية تنبثق كلها من إشكالية الانحراف عن المحجة النبوية الأخوية والالتحاق بالميكيافيلية المصلحية، مثال هذه الاسئلة ماذا استفاد التنظيم من فصل خيرة الإخوان؟ ماذا استفاد من أكل أبنائه؟ ماذا استفاد من تدميرهم؟ ماذا استفاد من مقاطعتهم وتحطيم أعصابهم وضرب أرزاقهم وتشويه سمعتهم؟ ماذا استفاد من المكر بهم؟ ماذا استفاد التنظيم من تقطيع أواصر الأخوة والمحبة؟ وماذا استفاد من تدمير الجماعة ككل؟ هل حققت له الميكيافيلية الخلافة الراشدة؟ أم تراه زاغت به الافكار ولعبت به الأهواء وأطاح به الغزو الغربي؟ أم أن الميكيافيلية يا ترى من شعب الايمان ونحن لا ندري؟

    هل غدرة آخر العمر حقيقة واقعية أم هي مجرد مسرحية درامية لم ير العالم مثيلا لمرارتها؟

    نرجع إلى ألف باء التنظيم ونؤكد على أن التنظيم في أصله كفكرة سياسية أثبتت نجاحها عبر التاريخ، خاصة في أفق النهضة الاسلامية الشاملة حيث يتزايد الاهتمام فيها بالدور الذي تلعبه التنظيمات بصفة عامة والإسلامية منها بصفة خاصة نظرا للوزن السياسي القوي الذي تتمتع به هذه الأخيرة داخل المجتمعات المسلمة، هذه التنظيمات الاسلامية طفت على الساحة السياسية منذ مطلع القرن العشرين، وراكمت منذئذ تجارب سياسية ودعوية عديدة محاولةً بلورة تصورها للحكم الاسلامي على أرض المسلمين بطرق مختلفة تتراوح ما بين فن الممكن وفلسفة قلب الطاولة، هذه التنظيمات الإسلامية حسب الكثيرين كانت إلى عهد قريب هي المعول عليها في غد التغيير، وكانت الوحيدة المؤهلة لسد الفراغ السياسي المـُحتمل على كرسي السلطة نظرا لتاريخها السياسي النقي وشبابها المتحمس ما دام أن التنظيمات السياسية اللادينية قد نخر هياكلها سوس الانبطاح والفساد والخيانة، وما دام أن عامة الناس ليس بأيديهم الا الانتفاضة الغاضبة، ثم تسليم السلطة آخر الأمر الى تنظيم ما.

    الشتات لم يكن يوما معولا عليه لبناء، والافراد لم يكن بمقدورهم يوما الوصول إلى السلطة وتنفيذ برامج الاصلاح إلا اعتمادا على تنظيم معين، يستثنى من ذلك حالات خاصة تحضر فيها الكاريزما والاجواء الديمقراطية والآليات السلسة للانتقال الديمقراطي، بينما لا فائدة في المجتمعات المُتخلفة عن الركب الانساني من أي كاريزما ولا جدوى من أي أجواء ديمقراطية ما دام أن الاستبداد هو سيد الموقف ولا صوت يعلو على صوت أصحاب النفوذ والمال والدعم الفوقي والتحتي، الداخلي والخارجي.

    التنظيمات السياسية بصفة عامة والاسلامية منها بصفة خاصة منوط بها خوض مهمات التعبئة العامة المنظمة وتأطير أفراد الأمة التأطير السياسي الصحيح ثم دخول معترك الصراع السياسي بدرجات متفاوتة من الوسائل المادية والمعنوية، مع برامج معلنة ونوايا صادقة وأهداف وطنية، لكنها رقعة شطرنج سياسية بقوانين واضحة وأخرى مستترة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والايديولوجية ويتنوع فيها اللاعبون ويتغير فيها القانون باستمرار وتتبعثر خلال ذلك كثير من الاوراق السياسية وتولد أخرى، والغاية دائما لا تتغير وهي السلطة [1]، فعلى السلطة مدار الأمر كله، بما أنها تحوي كل أنواع اللذات الحسية والمعنوية التي يتصارع عليها الناس.

    هي بعوضة لا تساوي شيئا في ميزان الله، لكنها في ميزان البشر تساوي الدنيا كلها.

    حول السلطة تتجمع كل الشرور، وعليها يتصارع الصالحون والطالحون، كما تظهر معادن الناس عند الاحتكاك بها، وحول السلطة الملعونة تسيل الدماء أنهارا ويتسمم الافراد قلبا وقالبا، على مسلخها ينتحر الاشخاص الضعفاء أو يُنحرون، بينما يتمركز ذوو القلوب الحديدية والشخصيات المدعومة والأموال القذرة في معمعانها، هي جيفة نتنة تحوم حولها كثير من السباع البشرية، تتهارشها الانفس الدنيوية، وتتقاذفها الايادي المتسخة، جيفة هي بالنسبة لمن حام حولها بحثا عن متاع دنيوي زائل، جهاد هي لمن طلبها إعلاءً لكلمة الله، وبين هذا وذاك هي مصيدة ومحرقة للكثير من المغفلين والناقمين ممن لا ناقة لهم ولا جمل في لعبة السلطة، هي بالنسبة إليهم فرن يحرقهم ليضيء الكون، وكذلك جعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون! ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.

    حول الجيفة السياسية المسماة "سلطة" يحوم اليوم كل شيء، تماما كما حام عليها الرجال منذ الازل، على أننا في الأسطر الموالية لن نحلل التركيبة السياسية للنظم السياسية وكيفية إدارتها للشأن العام التي ربما نخصص لها مطبوعا مستقلا، إلا أننا سنركز الحديث في كتابنا هذا على حواشي هذه الدائرة، وبالضبط حيث توجد التركيبات السياسية الطامحة إلى بلوغ مركز النظام السياسي وبالتالي السيطرة على العتاد والرجال والقانون والمال والناس، أحد هذه القوى الحية الطموحة إلى السلطة هي التنظيمات الاسلامية بمختلف أشكالها المتدرجة من أقصى يمين الانبطاح إلى أقصى يسار الثورة، تنظيمات يختلط فيها السياسي بالديني بالنقابي بالثقافي بالاجتماعي بالتربوي بالاقتصادي، يتفاعل معها الناس والدولة كل حين، وتتفاعل هي مع المحيط الداخلي والدولي ومع نفسها أيضا كل يوم.

    سأحاول في هذا الكتاب أن أبحر بالقارئ الكريم في دهاليز التنظيم الاسلامي واستكشاف أغواره والإشارة إلى مطباته اعتمادا على تجربة شخصية في تنظيم جماعة العدل والاحسان بمدينة طنجة المغربية، على اعتبار أنه أحد أبرز التنظيمات الاسلامية وأقواها على الساحة المغربية، سأحاول أن أضع الاصبع على مكامن الخلل في التنظيمات الاسلامية بصفة عامة انطلاقا من تجربة خاصة دامت خمسا وعشرين سنة تقلدت فيها كثيرا من المسؤوليات التنظيمية المختلفة وانغمست من خلال هذا التنظيم في العمل التربوي والتنظيمي والتدافع السياسي والدعوي مع مختلف الفرقاء السياسيين والفاعلين الدعويين منذ أن كنت تلميذا صغيرا في الاعدادي إلى أن بلغت سن الاربعين، خلال هذه المدة التي ليست بالهينة فتحت عيني على حقائق كثيرة، وشاءت الاقدار بعد محنة شديدة مع هذا التنظيم أن تشتعل في نفسي رغبة في توثيق هذه التجربة ونقدها ومحاولة الارتقاء بها إلى الافضل أو تدميرها بالمرة بما يضمن عدم الوقوع في نفس الإشكالات التربوية والتنظيمية لاحقا.

    لست أوجه اللوم إلى جماعة العدل والاحسان كـكل بل إلى تنظيمها فقط، ذلك أن الجماعة من المنظور العام فكرة سامية لا يمكن هدمها أو الانتقاص من مكانتها بما أن رسول الله حض على الجماعة ونهى عن الفرقة، وجماعة العدل والاحسان تبقى في أصلها محضنا تربويا على غرار الكثير من الجماعات الاسلامية الصوفية والحركية التي تجمع الناس على الله وعلى إعلاء كلمة الله، كما أن الكثير من الاخوان الذين ينشطون في هذه الجماعة ما تزال تربطني بهم روابط المحبة والأخوة والتواصي بالخير.

    اقول هذا حرصا على بقاء أواصر الترابط الديني بين المسلمين وهروبا من شخصنة التحليل رغم الخسة التي عاملني بها بعض المسؤولين في هذا التنظيم بمدينة طنجة والمكائد الكثيرة التي نصبوها لي، فليس في نيتي الآن عقد محاكمات شخصية، كما أنني لا أجمع الكل في سلة واحدة، فالتنظيمات بصفة عامة مرتع خصب للغث والسمين، ولا يُؤخذ الرجل بجريرة أخيه.

    لكني بالمقابل خضت تجربة، وعرفت خير التنظيم وعرفت سُمه، وخلصت إلى نتائج وخلاصات كثيرة، وأريد بالعمل التنظيمي والدعوي الاسلامي أن يسير قدما في محجة الاصلاح الحقيقي ويخرج من براثن المصلحية الضيقة، ومما تعلمناه في حضن الجماعة المباركة المبارك شيخها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه لله والتي لا نُنكر في جميع الأحوال فضلها وفضله علينا أن نكون فاعلين متفاعلين مع المستجدات التنظيمية والسياسية الحاصلة لا مجرد كراكيز وإمعات تحركها القوى الخفية كيف شاءت يمنة ويسرة، فلست أبغي أن أصير واحدا من الذين تم رميهم جانبا، ثم سكتوا، ثم ماتوا موتتهم الطبيعية، ثم تعفنوا في هدوء دون أي يدري بهم أحد، ثم ضاع ما بحوزتهم من تراكمات تربوية وسياسية وتنظيمية وفكرية غنية لا تقدر بثمن جمعوها على مدار عشرات السنين من العمل التنظيمي والتحصيل التربوي تاركين الساحة للضباع التنظيمية.

    إن أهم غاية لهذا الكتاب ليست سوى وقف زحف ضباع التنظيم المتوحشة الهاجمة على معاقل التربية والصحبة والتنظيم والنفوذ السياسي ثم تخليق العمل الاسلامي السياسي والدعوي بما يتناسب مع الطرح الشرعي في أصوله الدينية والاخلاقية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والأخلاق الانسانية السامية، غاية الكتاب البعيدة المدى هو إنقاذ الاجيال المقبلة من مطبات التنظيم الاسلامي وحُفره المُـهلكة والمقصلة الاجتماعية والتربوية والتنظيمية والسياسية التي ينتهي إليها أغلب الفاعلين فيه، هذه المقصلة يجب أن تتوقف، وقطع الرؤوس يجب أن يتوقف، فـالأمة تحتاج إلى كل عرق ينبض في شبابها وشاباتها، والناس محتاجة إلى كل صالح أو على طريق صلاح ليأخذ بأيديها، يسقي زرعها ويتعهد غرسها ويهديها إلى واحة العزة والايمان.

    لست أدعي الحقيقة المطلقة، ولا أحب الذين يدعون امتلاكها، لكني سأتحدث بكل صراحة من منطلق التجربة ومن موقع الممارس لا من أريكة المتفرج المتكئ ولا من أبراج المُـفكر الموهوم، سأتحدث من زاويتي الخاصة لا من زاوية أحد، لا أتحدث باسم أحد ولا أريد أن يتحدث باسمي أحد، ولا أحد يستطيع الآن أن يُلزمني بوجهة نظره بعدما زهقت من قبضة التنظيم المتحكمة وتحررت من آفاقه الضيقة وخرجت من عباءته القاهرة وأفلتت من مصائده القاتلة، سأحاول جاهدا أن أتحدث بصدق ووضوح وإنصاف، دون غباء المبتدئ ولا تسليم الدراويش ودون وصاية الفكر ولا تبعية البيدق، دون خوف من انتقام التنظيم ولا رهبة من دعاء الباعورائيين.

    الحقائق التي سأتحدث عنها في قابل الصفحات عشتها بدمي وعقلي واعصابي وقلبي وهمتي، فهي وليدة مخاض ومعاناة، غايتي نقل تجربة من السلف إلى الخلف، مع محاولة تقويم ما أمكن تقويمه من اعوجاج في العزم والسير لدى مسؤولي التنظيم الاسلامي وأجهزته، مع فرضية قائمة وهي أن الكمال لله، وهذا لا يمنع من النصح والتقويم بما تيسر من تجربة سنوات طويلة في دواليب التنظيم، أضف إلى ذلك أنني لست تافها لتلك الدرجة التي تجعلني صامتا صمت القبور ولا جبانا لأخشى انتقام التنظيم، فالغيب والواقع يشهدان أنني صحبت الرجال، شهدت الحق، وعرفت الصواب، ووقفت على الخلل في نفسي وفي التنظيم، فكان من حقي أن ألجأ إلى الورق والقلم لأرسم خريطة لمن خلفي ناصحا إياهم أن لا يضعوا كل بيضهم في سلة التنظيم.

    سأحاول أن أكون خلال التحليل خصما شريفا لا يتجاوز خط الحق، كما أنني لن أتوقف عند النقد المجرد، فالكتاب ليس كله نقد في نقد، بل سأبحر بالقارئ الكريم قليلا في العموميات، مع تقليب الصفحات، وافتراض النظريات، واقتراح الحلول [2]، والنظر للتجربة في إطار من الانصاف والدراسة المتزنة والتحليل الموضوعي، فقد تعلمنا في حضن ولي الله أن العمل يكون في العلانية، مع حفظ الأسرار التنظيمية بعيدة عن أعين الفساد الكبير المتمثل في أنظمة القهر، على أن التنظيم الاسلامي ليس معصوما من القهر، فهو في حد ذاته آلة سياسية حادة، ويمكن أن يتحول في أية لحظة إلى ماكينة سياسية للقهر والتفقير والتجهيل والتقتيل، ولذلك فإنني أميز جيدا بين علانية النصح والحفاظ على سرية المؤسسات والرجال والاوراق والبرامج والفاعلين داخل هذا التنظيم الذي ما تزال تجمعني بالكثير من أعضائه روابط الأخوة ووشائج المحبة، فضروري من الحفاظ على سرية المؤسسات التنظيمية ورجالها، خاصة إذا كانت هناك مخططات موازية تسعى إلى اقتناص كل معلومة لتستعمل لاحقا في تصفيات حسابات سياسية لن يكون ضحيتها إلى البسطاء من المؤمنين الطيبين الذين نحبهم ويحبوننا.

    قد يقول ناقم من جهتي لم تعد هناك أسرار بعد الاختراق الكبير للتنظيم الاسلامي فلم الاحتفاظ بالاسرار التنظيمية؟ فما يعرفه المخترقون من معلومات وأسرار أكبر بكثير مما يعرفه أعضاء التنظيم أنفسهم، ولذلك فالتفجير واجب، وإسقاط زعامات التنظيم الاسلامي الفاسد التي خرجت عن الجادة من آكد الواجبات عن طريق فضح جرائمها وإعلام العام والخاص بألاعيبها، لكني لا أحب هذا المنطق، لقد اخترت موقع الكلام العام المتزن النزيه عوض موقع المصفي للحسابات التنظيمية الضيقة، تصفية الحسابات له طعم لذيذ في قلب المظلوم، لكني تجاوزت مرحلة كان فيها كل همي هو الانتقام الشخصي من زبانية التنظيم الحكارين إلى مرحلة أنظر فيها إلى أبعد من التنظيم ومسؤوليه، إنني الان لا أنظر إلى نفسي ولا إلى مسؤولي التنظيم المجرمين بقدر ما أنظر بعيدا في أفق التغيير القلبي والدعوي والسياسي للواقع المرير الذي نعيشه تحت ظل تعدد مصادر الاستبداد والفساد الاسلامي والسياسي.

    لقد تصدقت بنفسي في سبيل الله وفي سبيل الصالحين، لم أعد أخشى شيئا، ولم يعد لي حقيقة شيء أخشى عليه أصلا، فقد فقدت كل شيء بعد أن وضعت في التنظيم كل البيض، على أن ذلك يدفعني إلى مزيد من الايجابية في التعاطي مع الظواهر التي مررت بها، فكان أول مطلب أريده هو الشهادة لله ثم للتاريخ، مع ما يرافق ذلك من التفاعل الايجابي مع الواقع والتأثير فيه لا التأثر به فقط [3].

    معي الله، توفيق الله، عناية الله، وجنود الله.

    تتجلى أهمية الموضوع في كون التنظيم يشكل أهم حلقة في دائرة الاصلاح، يعضده عنصرا التربية والزحف، فالتربية هي المبدأ والمعاد، هي المبتدأ والمنتهى، والتنظيم هو المحك، وهو البرهان، وهو الوسيلة التي تنقل بها التربية من سماء الاحلام الى أرض الواقع، من النظر إلى التطبيق، من الوهم إلى الحقيقة، بل إنه الوسيلة التي تنتشر بها التربية على أوسع نطاق وتتمدد ويشتد عودها عندما تنسجم معه، وهو الوسيلة التي تنتظم بها التربية وفقا لمعادلات أفقية وعمودية، وبالتنظيم يتقوى درع المؤمنين المحصن في مواجهة الفتنة الغازية والشيطان القرين والمكر الايديولوجي والسياسي المحيطين.

    التنظيم ليس فكرة جديدة، بل هو قرينة الدولة، فالدولة تبتدئ تنظيما وتنتهي نظاما، وخلال مسارها السياسي الطويل تقطع أشواطا، ويقع في طريقها ضحايا كثر يكونون الوقود الذي يؤسس الهياكل ويشعل نار البناء وتزهر بأرواحهم ودمائهم حدائق الجماعة، ولذلك فإن الانبياء والمصلحين والزعماء السياسيين دائما ما يسعون إلى تأسيس تنظيمات سياسية تكون بمثابة اليد القوية التي يضربون بها دولة الفساد لإسقاطها، ثم يؤسسون دولة العدل التي ما تلبث أن ينهار نظامها أيضا عندما تسقط هي نفسها خلال مرحلة تدبير الشأن العام في نفس الفساد الذي كانت تحاربه في مرحلة التأسيس، فتقصمها من جديد سنة الله عن طريق فتية آمنوا بربهم وآمنوا بالحرية، أشبال تنظيم جديد صاعد صادق يؤمن رجاله بالعدل والاحسان فعلا، يصرفون جهودهم في سبيل إنصاف المظلوم وإعزاز المصحوب، فتُسقط دولتهم العادلة الصاعدة دولة الفساد النخرة الحاضرة، وتلك الدورة التاريخية التي جبل الله الارض ومن عليها إلى قيام الساعة.

    أعلم أن سيلا من الشتائم والاتهامات الباطلة سينهال علي من هنا وهناك بعد مدة قصيرة من صدور هذه الوريقات، بل ولربما مضايقات وحروب خفية وظاهرة، وأنا مستعد لكل شيء، ذلك أني حقيقة تجاوزت مرحلة كنت فيها أتألم من مجرد العتاب، وتجاوزت بعدها مرحلة كنت أحزن فيها من مجرد كلام الإخوان وتنابزهم ونشرهم للإشاعات في التنظيم والشارع ومواقع التواصل، كما أنني تجاوزت مرحلة كنت أخاف فيها من المكائد التنظيمية والغدر والتبليغ والتخابر والضرب تحت الحزام والتسلل إلى الاسرة، تجاوزت الخوف من الافعى ولذغاتها بعدما أخذت نصيبي من سُمها، تجاوزت المراحل الصعبة بجروح، وبعد أن شفيت قروحي صار قلبي الان أقسى من زبر الحديد في مواجهة الذئاب، لم أعد الآن أولي لكلام التنظيم ونميمته أي اهتمام، ما عادت تؤلمني التعبئة التحتية والفوقية والفيسبوكية، وما عدت أكترث للحشد التنظيمي الذي يتم تعبئته ليتكلم بحقارة ويضرب في كل مكان حساس.

    لقد شب عمرو عن الطوق بفضل الملك الوهاب، صار الفتى الطيب الحنون نسرا قويا قاسيا يطير بجناحيه في سماء الله دون وصاية ولا رقابة ولا قهر من التنظيم، ورغم الغضب الذي لن يخفى على كل قارئ لكتابي، إلا أن كلامي ينطلق من منطلق البوح بتجربة كي يطلع عليها الاخرون فيتعظوا، فصدق النية مع الله ومع الناس يجعلني حريصا على مستقبل الشباب الصاعد الواعد الذي لا أريد له المهلكة التنظيمية التي وردتها يوما بحسن نية، كانت لي أحلام تربوية ودعوية كبيرة لكن التنظيم أجهضها ببشاعة، والان لا أعول حقيقة أن تعود علي النصيحة المبثوثة في هذا الكتاب بفائدة مادية ولا معنوية، بل لربما رجعت علي بمزيد من الأذى والكيد والتحريض والتفقير والاشاعة الكاذبة، لكني أرجو من الله بذلك في جميع الاحوال مغفرة وثوابا ومحبة في قلوب عباده المصطفين الأخيار، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.

    سيبقى الغدر الذي عشته من التنظيم بعد عِشرة طويلة مُلهما لي خلال هذا الكتاب، نبراسا لي على طول الصفحات القادمة، فالغدر من صفات التنظيم حتى وإن طالت لحى مسؤوليه وتدلت شواربهم، فالعبرة ليست باللحية ولا بالشارب ولا بالجلباب، بل بحسن النية وصدق العهد مع الله.

    أكيد أننا سنرتفع خلال صفحات هذا الكتاب عن شكليات الشوارب واللحى التافهة، فليست إلا مظاهر تخدع الرائي وتحمل إليه دلالات دينية وتصورات سياسية واجتماعية واقتصادية مزيفة، بينما الحقيقة أن اللحية ليست أساس الأمر ولا غايته، ولا يعول عليها ساعة الكريهة، الزغبات الممشوقة التي تملأ وجوه بعضهم والجلابيب "الدوريجين" التي يلبسونها تعطي مظهرا إسلاميا متميزا ورونقا دينيا رفيعا ومكانة عالية في التنظيم والجماعة والمجتمع، لكنها مصيدة خادعة، نفعها لأصحابها مكانة وهيبة ومركزا وسلطة وقضاء حاجات، بينما يبقى ضررها للناس المخدوعة بها عندما تصير اللحية وسيلة للضحك على الذقون والايقاع بالبُلهاء حسني النية في شباك مقاصد السياسة والنفوذ والمال.

    لست أدعو إلى التشاؤم والهروب من الميدان، ففي الواقع مروءات وهمم عالية تعمل لله في الخفاء والعلانية، تحتاج إلى من يشد عضدها ويُشعل حماسها ويرفع معنوياتها ويُؤنس غُربتها ويحمل معها أعباء تاريخ مُثقل بخيبات الأمل ورواسب الفساد المستشري من الراس إلى الساس في هياكل المؤسسات وتشعبات المجتمع، لكني أثير الانتباه فقط إلى حجم الدمار الذي يخلفه السكوت بحجة الحفاظ على البيضة وحجم الخراب التي يسببه الخنوع الذي يترك الباب مفتوحا أمام مخرومي المروءة لـيدخلوا منه نادي المسؤولية ويُذلوا بعد ذلك رقاب الرجال.

    سأجول في صفحات هذا الكتاب حرا طليقا متحررا من كل شيء، وسأتحدث مع القارئ حديث القلب إلى القلب، حديث التجربة والبرهان، لا حديث الخرافة والوصاية والسفسطة، فاصبر علي أيها القارئ الكريم وأنا أستعمل كلمات قاسية ليست من اللغة العربية في شيء، وأنا أستعمل جملا ليست من البروتوكول ولباقة الحديث في شيء، وأنا أستعمل عبارات قوية بين الفينة والفينة أهوي بها على الرؤوس المتحجرة والأيادي المجرمة، إنها كلمات تخرج من شغاف القلب ساخنة لا وقت لديها لبديع اللغة وجميل البيان وقواعد البريستيج وشكليات المقال وقوالب اللباقة وأعراف التأليف.

    لست حريصا على كـم معين من المبيعات ولا حريصا على شرف المدح ولا مريدا سُمعة بين الناس ولا باغيا أجرا من أحد، فلست أبغي سوى رضوان من الله وفوز منه بنظرة في وجهه الكريم، لست أبغي سوى رحمة من الله تلم شعثي وتمسك بتلابيب روحي وتأسر قلبي وتقربه إلى حضرة ذي الملك والملكوت، فوالله الذي لا إلـه الا هو لم يعد لي رغبة لا في مال ولا في ثناء ولا في سلطة ولا في حياة، ولن تهنأ روحي حتى يقال لها ادخلي من أي أبواب الجنة شئت، ولن يرتاح قلبي حتى يدخل على الله، ولن يتوقف عقلي عن الحركة حتى تصير هذه الأمة عزيزة في الارض، قوية رائدة بين الأمم.

    الاثنين 24 دجنبر 2019

    طنجة – المغرب


    📌 الهوامش

    1. [1] السلطة ظاهرة اجتماعية لها القدرة الفعلية على احتكار وسائل القمع والإكراه داخل الجماعة بهدف تحقيق الانسجام والأمن الاجتماعي لصالح هذه الجماعة، ولعل من المفيد أن نذكر بأن السلطة السياسية هي عنصر من عناصر تكوين الدولة الثلاثة وهي: الشعب، الإقليم، السلطة السياسية أو النظام.
    2. [2] " إن نهوض الأمة من كبوتها رهين بقدرتها على نقد ذاتها، وكشف أمراضها، وتطبيق العلاج على الخاصة من رجال الدعوة أولا، قبل أن يمكن تطبيقه على العامة". كتاب "العدل: الإسلاميون والحكم".ص69.
    3. [3] " نكون نحن الإسلاميين الفَرَس الغريبَ في الميدان إن لم ننتقِل بثقة وعزم من مرحلة النظر إلى الأفق الواسع والنقلة البعيدة لننخرط في الواقع". العدل، ص640.

📚 المكتبة القانونية