📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 4 من 77 — فهرس الكتاب
لكل تنظيم قيادة عليا، وللتنظيم الاسلامي قيادة عليا كغيره من التنظيمات، هذه القيادة هي رأس الأمر وبيدها كل شيء وعليها المعول في معادلة التربية والتنظيم والزحف، هي المسؤولة في الأصل عن كل ما يجري داخل التنظيم، فلا تربية دون قيادة ربانية، ولا تنظيم بدون قيادة حازمة، ولا زحف بدون قيادة صلبة ذكية هادئة عنيدة قوية وصالحة، ومن يفهم في التربية والسياسة يفهم جيدا دور القيادة في الكثير من الميادين الحاسمة في الصراع الأزلي الأبدي بين الحق والباطل.
معضلة القيادة من أخطر المعضلات التي كان يبحث الانسان فيها منذ زمن، وقد تناولتها بالدراسة مختلف النظم السياسية والمدارس الفلسفية، معضلة كبيرة هي لأن دوام الحكم وصلاح الناس يعتمد على دور القيادة نظرا لما فيها من تسليم للزمام، زمام التكتلات البشرية التي تريد أن تطمئن إلى قائد محنك أو قيادة ذكية وأمينة لا تخون تستأمنها على نفسها ورزقها وأمنها ومستقبلها، إشكالية الثقة هذه أدت بالفكر الغربي إلى إبداع كيفية ضبط مهام القيادة بعدما ساهمت القيادات غير المنضبطة في الخراب الكبير الذي ليس أوله الاقطاع المتسربل بالدين وليس آخره نتائج الحرب العالمية الثانية، فأنتجت ضوابط سياسية ومؤسساتية وقانونية صارمة تحصر القيادة في ملعب ضيق كي لا تجنح برعونتها إلى الطغيان على الناس واستعبادهم، ولو استطاعوا الاستغناء عن القيادة لفعلوا لكنها ضرورة في كل نظام.
الاشتراكيون ورغم دعواتهم إلى الشيوعية إلا أنهم يعترفون للقيادة بدورها المهم في الحفاظ على النظام، وصراعهم مع القائد المستبد لا يخفى على أحد، وكذلك معاناتهم مع الستالينية والقيادة الجماعية [1]، التنظيم الحزبي الاشتراكي غالبا ما يتحول إلى نظام دولة اشتراكية بكل عناصره الحزبية، بمعنى أنه يتحول من حزب إلى دولة محافظا على كل رجالاته وقوانينه الادارية الداخلية، فيتحول التنظيم إلى نظام، وهو نفس منطق التفكير لدى التنظيمات الاسلامية التي تستعد القيادات الاسلامية دائما فيها إلى استلام السلطة منتقلة بجميع كوادرها إلى الدولة، فتتحول أجهزة التنظيم إلى أجهزة دولة، وقد يحدث ذلك حتى قبل تسلم الدولة بسنوات حين يستشعر التنظيم في أحلام اليقظة أنه دولة، فيتعامل العضو داخل التنظيم مع القيادة كأنه يتعامل مع رئاسة دولة.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث اثنين أو أكثر أمر أحدهم على الأخرين وأمر الآخرين بطاعته حتى لا تتفلت الامور وحتى لا ينشب الخلاف المفسد للأخوة وحتى لا يتشتت الأمر بعد انجماع، على أن رسول الله عندما أوصى بضرورة القيادة ودورها الحاسم جعل لذلك ضوابط نبوية يمكن اختزالها في احترام الشورى والقرآن والسنة، فلا قيادة آتية من اللعب بالشورى ولا قيادة تخالف شريعة الله، ورغم الهيبة النبوية وقوة الصحابة في الحق فقد جنح الأمر بالقيادة بعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلـم بالرفيق الاعلى بسنوات قليلة إلى نظام التوريث والتخلي عن نظام الشورى، فتغيرت بنية التنظيم النبوي وانقلبت رأسا على عقب، ورغم مزاعم الملوك بأنهم خلفاء إلا أن طريقة الوصول إلى الحكم عن طريق التغلب أو التوريث كلها كانت مؤشرات تؤكد فساد القيادة ولا تترك أي مجال للقول بصلاحها رغم ذر الرماد في العيون بالفتوحات التي كانت تأتي غنائمها إلى الجواري لا إلى المسلمين.
دعني من ديدان القراء الذين باعوا آخرتهم بمتاع من الدنيا قليل، فـمع استحضار حجم الفساد الاجتماعي الذي تبع فساد القيادة يبدو واضحا دور مؤسسة القيادة ودورها الكبير في صلاح من تحت إمرتها، بل يمكن القول إن القيادة لها الدور الحاسم في صلاح الناس أو فسادها، فالناس على دين ملوكها، فإذا زهدت القيادة صلحت القاعدة وإذا غنت القيادة رقصت القاعدة.
على أن القيادة في التاريخ الاسلامي لها خصوصية تميزها عن القيادة في باقي الأمم، فهي تنقسم إلى قسمين، قيادة سياسية وقيادة دينية، دولة ودعوة، وعلى العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين الاربعة كانت القيادتان مجتمعتان في النبي المرسل والخليفة الراشد، لكن بعد قفزة معاوية إلى سدة التنظيم النبوي وترسيخه للتوريث بقوة السيف وتنحيته للشورى انفصلت القيادة الدينية عن القيادة السياسية واتجهت صوب العمل الدعوي تاركة خلفها بعض الادعاءات الدينية للقيادة السياسية ترسخ بها حكمها، لكن القيادة الدينية الحقيقية كانت تجتمع بين يدي علماء ربانيين استطاعوا الحفاظ على الارث النبوي بعيدا عن رجس القيادة السياسية، فهم خلفاء الله في الأرض معنى، بينما القيادة السياسية كانت خليفة الله في الارض ظاهرا، هذا الأمر خلق نوعا من الازدواجية الامارية داخل المجتمع المسلم، فالقيادة السياسية تحكم بالتغلب والقيادة الدينية تحكم بما أتـاها الله من علم واحترام بين الناس، القيادة السياسية تخضع الناس بالسيف والقيادة الدينية تخضع الناس بالصلاح والعلم والكرامة الربانية.
داخل التنظيم الاسلامي اليوم تجتمع القيادتان معا إما في شخص واحد أو في مجموعة من الاشخاص يكونون مجلس القيادة حيث ينفرد كل واحد منهم بقيادة جزئية، فهذا رجل دعوة وهذا رجل سياسة، وينشأ تكتلان داخل القيادة، تكتل لرجال الدعوة وتكتل لرجال السياسة، كل تكتل يعمل في إطار اختصاصه ويحاول في آن واحد جر الجماعة كاملة إلى ميدان اختصاصه، فرجل التربية يجر إلى الرباط والقيام والذكر والقرآن والحب في الله، ورجل السياسة يدفع في اتجاه العمل الجمعوي والمشاركة السياسية واللعبة السياسية والتفاعل السياسي والجلوس مع الفرقاء السياسيين، هدف رجل التربية الوصول إلى معرفة الله وهدف رجل السياسة الوصول الى السلطة، والقواعد التنظيمية مرتع خصب للتنافس التنظيمي.
لكن رجل السياسة نظرا لتكوينه الميكيافيلي البرغماتي فهو يحاول ركوب أي شيء ليصل إلى السلطة بما في ذلك التنظيم الدعوي، ولذلك تنشب عادة حرب باردة بين التكتلين لا تُراعى فيها أخلاقيات الاسلام إلا من جانب رجال التربية الحقيقيين، فميدان الزعامة ميدان ينسى فيه رجل السياسة أخاه وأمه وأباه، فلا لذة أحلى من الزعامة ولا غاية أكبر من الرئاسة، هذا التطاحن بين السياسيين والدعاة داخل التنظيمات الاسلامية غالبا ما ينتهي بفوز السياسيين وسيطرتهم على التنظيم ثم ذبح رجال الدعوة والتربية بسكين تنظيمية باردة وأخيرا رميهم إلى مزبلة التهميش متبوعين بالتعبئة الداخلية لضمان عدم رجوعهم إلى الساحة.
لنا رجوع إلى الموضوع في قابل محاور هذا الكتاب لنعرف أهمية القيادة الربانية ودورها الحاسم داخل التنظيم الاسلامي، وسنتجاوز الحديث الآن عن الآليات الديمقراطية لتعيين القادة، ففيها كلام كثير بين الطرق الشورية في النظام الاسلامي والطرق الديمقراطية في النظم الحديثة والطرق المسلحة في التاريخين الاسلامي والغربي، كما أننا سنتجاوز الحديث عن حقوق القيادة كالطاعة في المنشط والمكره فهي من أبجديات النظام القوي، فلا نظام إذا فعل كل عضو في التنظيم ما يحلو له، لأننا في الحقيقة لم نأت لنُطبل للقيادة ونتحدث عن حقوقها فذلك أمر يقوم به التنظيم بكل إتقان، لكننا جئنا صراحة لننتقد إهمال هذه القيادة لأدوارها الحقيقية وكذا طغيان هذه القيادة وتصرفاتها الدكتاتورية التي حادت بقطار الجماعة عن سكته اللاحبة، ولذلك فإن حديثنا سيتركز بالخصوص على مظاهر الخلل في مؤسسة القيادة داخل الصف الاسلامي، على أننا لن نحصيها عددا وإنما سنحاول أن نستشف منهج تقويمها وسبل إرغامها على الثبات على المحجة البيضاء.
إننا لا نريد إزاحة هذه القيادة إلا في حالة أصرت على تقديس نفسها متناسية تاريخا القريب عندما لم تكن شيئا مذكورا، كما أننا لا نريد القضاء عليها ولا نية لدينا في المشاركة في خطة تصفيتها تصفية مادية أو المساهمة في نسفها داخليا ما دام لدينا قليل من الأمل في قيامها بدورها التربوي والتنظيمي في حده المقبول، لكننا سننتقد بالقدر الذي نحافظ به على القيادة إكراما لسابقتها وغنائها في الاسلام ثم لدورها الاساسي والمهم في بقاء الجماعة واستمرار الزحف.
نشير بداية إلى أن القيادة الربانية هي الأصل والرمز والمعيار داخل صف التنظيم الاسلامي [2]، فالقيادة السياسية السياسوية لا تصلح لقيادة جماعة المؤمنين، وحدهم أولياء الله من يستطيعون ذلك لتنسلهم من معين الايمان، ومتى قفز السياسويون إلى السلطة على رأس تنظيم المؤمنين سقط التنظيم أو انحرف عن الغاية، ذلك أن جماعة المؤمنين غايتها الله ورجال السياسة غايتهم السلطة، أولياء الله نهجهم التوكل على الله ورجال السياسة نهجهم التوكل على "تحرامياتهم" السياسية، فشتان ما بين الثرى والثريا، فكان منطقيا أن يصلح السياسويون لقيادة جماعة من المتحزبين الراجين قطعة من الكعكة السياسية لا قيادة جماعة من المؤمنين الطالبين وجه الله، نقول هذا لما رأينا من كوارث يفعلها هؤلاء السياسويون في المؤمنين ظنا منهم أنهم على طريق تأسيس الخلافة الراشدة أو كما يوهموننا، ذلك أن كثيرا منهم يفعلها عن سبق إصرار وترصد قاصدا حصته من السلطة التي يتصارع عليها بعض السياسيين المجردين من أي مبدأ أو خلق أو دين.
القيادة الغارقة في السياسوية المتوكلة على جهد عقلها السياسي غير العارفة بالله تصلح لتسيير مؤسسات تنظيمية سياسية غير تنظيم المؤمنين، هذه القيادة الداهية العاصية أشد خطرا على جماعة المؤمنين من خطر الذئب بين الغنم وأشد فتكا بالمؤمنين من النظم الاستبدادية التي تزخر بها بلدان المسلمين، فهي قيادة دنيوية ماكرة تراهن على مصالحها، وكلما نكصت القيادة الربانية عن مزاحمتها ريادة التنظيم انحرفت بالجماعة إلى جوار الطغيان، فهذه القيادة السياسوية كالقنبلة الموقوتة داخل الصف كلما سنحت لها الفرصة طحنت عباد الله وكانت سببا في استمرار الاستبداد قرونا أخرى، الوصوليون من السياسيين هو المرض العضال الذي يشكو منه التنظيم الاسلامي منذ قرن ونيف.
إن اختراق الهوس السياسي للصف القيادي والغفلة عن الله كارثة لا تقابلها كارثة بالنسبة للتنظيم الاسلامي، ذلك أن لهذا الأخير خصوصية تميزه عن الاحزاب السياسية الاخرى والحركات غير الدينية المتصارعة على السلطة، فالقيادة بالنسبة للتنظيم الاسلامي تقتضي شفافية تربوية، شفافية تسمح بالربط الإيماني بين الصحبة والجماعة، الصحبة ولي الله الوارث لرسول الله والقاعدة المؤمنون الذين أعطوا صفقة يدهم وثمرة قلبهم للولي الدال على الله، فهي ولاية لله، صحبة واصلة بالله، ثم بعد ذلك ولاية إيمانية قلبية للقيادة الربانية التي تسمح بمرور الارزاق الايمانية بين الدال على الله والمؤمنين، فالقيادة الربانية منوط بها مهمة الوساطة بين الولي الوارث والسالكين المنتظمين في سلك التنظيم الجامع بين التربية والحركة التغييرية للمجتمع، ومتى انقطعت هذه الوصلة بين الصحبة والجماعة وأصبحت القيادة عنصرا غير موصل للكهرباء التربوية اختلت الجماعة وتضعضع المؤمنون تربويا وساءت أخلاقهم وفشل الزحف وانهار التنظيم على رؤوس أصحابه.
نتحدث هنا عن الحركة الاسلامية التي تعترف بالشيخ كمركز نوراني للحركة الدعوية والسياسية، أما الحركات الاسلامية التي تُنكر دور الشيخ المحوري في عملية الزحف الاسلامي نحو السلطة فإن حركتها فاشلة من البداية قبل كل كلام، الحركات التي ليس لها شيخ عارف بالله حركات تخبط خبط عشواء، وتسيء الى الاسلام من حيث تريد أن تنفعه، سألوه كيف سقط؟ أجابهم أنه خرج من الخيمة مائلا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم" [3].
معنى ذلك صديقي العزيز أن المقطوع عن رؤية من صحب رسول الله لا يفتح له باب الجهاد، فقط من رأى من رأى رسول الله ومن صحب من صحب رسول الله يفتح له، افهمها أو لا تفهمها ذلك شأنك، لكنك ستفهمها بعد أن تطحن نفسك وتطحن معك عباد الله في السجون وترمل الارامل وتيتم اليتامى وتضلل الناس في سراديب السياسة العقيمة والفلسفة الجنونية أو ترميهم على بساط الانبطاح، ثم دع فلان أو علان من فقهاء الزواق ينفعوك بشعوذاتهم الدينية التي نهلوها من القلوب القاسية الغافلة المليئة بالحجر والوسخ والشهوة والنفاق والمروق من الدين.
نكاد نتفق إذن على أن الصالحين فقط وحصريا من يصلح للقيادة داخل التنظيم الاسلامي، فهم فسطاط الدعوة وقادة التنظيم وحجر الزاوية وأصحاب الرأي في كل صغيرة وكبيرة والقوة الضاربة المقتحمة للعقبات الجماعية في طريق البناء، وككل شمس واضحة في واضحة النهار يحاول الشيطان التغطية عليها يحاول السياسويون أن يغطوا عوار عدم صلاحيتهم لقيادة الصف الاسلامي بالمنطق المزيف والعقل القاصر بينما الحقيقة أن الأمر مسألة قلب يجمع لا عقل يتفلسف.
لكننا نتساءل، كيف تصل هذه العناصر الدنيوية إلى رأس التنظيم الاسلامي وتخترق مواقع القيادة فيه، يقول القيادي المتاذكي بلسان الكذب والركوب على الدين نحن نفعل ما نستطيع وقد يصل منافق إلى رأس التنظيم، نيتنا حسنة ونحن لا نسرق، طيب يا حبيبي الذي تصلي ولا تسرق، أين البرامج المدروسة؟ وأين مؤسسات الرقابة الادارية الصاحية؟ وأين القانون الداخلي الواضح؟ وأين الاجهزة القضائية المستقلة؟ وأين المخططات المدروسة؟ وأين البصيرة النورانية الكاشفة؟ وأين العقل الفطن المتدبر؟ وأين الأذن المستمعة إلى النصيحة؟
صحيح أن القيادة غير منزهة عن الخطأ والزيغ والزلل والفتور والطغيان وسائر نقائص البشر، ونحن لا نحاسبها على النقص البشري الذي يمكن أن يعتريها، لكننا نحاسبها على إهمالها وتناومها ولعبها بالدين وتقصيرها في وضع برامج وقوانين ومؤسسات واضحة تسهر على حسن السير وإشراك الجميع في دواليب التنظيم وإلا فهي مشاركة في الجريمة، يكفي أن تكون هناك آليات قانونية ومؤسسات مستقلة ساهرة على حسن النظام العام وتطبيق القرارات المبرمجة على ضوء الشورى، أن تكون هناك شفافية ووضوح في تسيير شأن التنظيم. إنه لا إشكال لدينا بتاتا في زلة القيادة، بل الاشكال أن نذبح الجماعة لمجرد إهمال العناصر القيادية لمسألة تنظيم الجماعة أو تواطؤها مع معاوية.
القيادي هو في نهاية الأمر بشر يتغوط في اليوم مرة أو مرتين، ويحتاج أن يغتسل بين الفينة والفينة، وله احتياجات وشهوات جسدية ونفسية، وقد يعصي الله وقد يذنب وقد يستغفر، بمعنى أنه بشر اكثر من العادي، ولا غرابة بتاتا أن يخطئ، ونفضل أن يصحح أخطاءه كل حين لا أن ينتفخ علينا، والأكاذيب التي يروجها التنظيم عن عصمة قيادييه وولايتهم ومقارنتهم بالصحابة والانبياء "وعندك تهضر تتأذى" هي من أخطاء التنظيم الفادحة التي أهلكت الكثير من المؤمنين الذي صدموا آخر الامر بتصرفات خسيسة من بعض قيادييه، كما أهلكت هياكل التنظيم بالبيروقراطية والمحسوبية والمحاباة ووضع الرجل غير المناسب في المكان المهم، ووضع الرجل المناسب في سلة التهميش.
القيادي المسكين في نظر الحقيقة أصبح يحمل على عاتقه أطنانا من التكلف المصطنع حمله إياها التنظيم ليخفي بشريته الطبيعية ويصنع له كاريزما يقضي بها أغراضه التنظيمية، ليس بإمكانه أن يأكل هكذا ولا أن يمشي هكذا ولا أن يجلس هكذا ولا أن يحك أنفه هكذا ولا أن يتزوج هكذا ولا أن ينام هكذا، وقد كان الأولى بالتنظيم الاسلامي أن يتعلم من النظم الكافرة بالله في بلاد الغرب التي تحترم عقول الناس وتتصرف على بشريتها بكل عفوية طبيعية طرق التدبير الحكيم مادام أنه معجب بقوانين هذه النظم ومتأثر بثقافتها هارب من شريعته الاسلامية، وإذا كان عكس ذلك فلم لا يستمع بأذن التنفيذ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدثه قائلا: " أَنَا وَالأَتْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِي بَرِيئُونَ مِنَ التَّكَلُّفِ" [4].
رسول الله وهو أمير التنظيم النبوي الأول وأمير كل تنظيم صادق إلى يوم الدين كان يتصرف بطريقة عادية أمام الناس دون هذا التكلف الذي نراه في قيادة التنظيم الاسلامي اليوم.
نقول هذا في سياق النقد الذاتي للتنظيم الاسلامي الذي يجب أن ينصاع للنقد في واقع إخفاقه التربوي والسياسي، وقد اظهرت التنظيمات الاسلامية بصفة عامة فشلا ذريعا في تسيير الشأنين العام والخاص وتعاطت مع مطالب الناس داخل الصف وخارجه بكثير من المكر السياسي والحسابات السياسية والمصلحية الفئوية أو الشخصية، فصار أمرا ملحا أن يُقابَل الاسراف في أمر الأمة بالنقد اللاذع والكلمة القوية.
لكننا نرى أن النقد يجب أن يكون له قنواته ووسائله وأدبياته وألسنته وأذانه التي يجب أن يفتحها التنظيم في وجه أعضائه حتى لا يصبح النقد لغطا وفوضى تنذر بانهيار التنظيم على أم رأس الذين بنوه، النقد في نظرنا سياط موجه إلى ظهر القيادة يذكرها أن خلفها رجالا لا نعاجا، وأن من حق الرجال أن يجلدوا ظهور الزائغين، ومن واجب القيادة أن تذعن للحق، فالنقد مع الصدر الرحب توبة، والنقد مع الحركة نصيحة، والنقد مع الصدق استقامة، والنقد مع التحدي شجاعة، والنقد مع أداء الثمن رجولة، والنقد مع الصبر امتثالٌ لأمر الله بالصبر مع المؤمنين، والقيادة التي تصبر على النصيحة هي قيادة صالحة، لكنها قيادة ناقصة، فكان الاولى أن لا يثير فيها النقد أي صبر، ذلك أنه لا شيء يثير الغرابة في النقد، ولا نقد يستدعي الصبر، فالصبر على النقد دليل على كبر في النفس وشعور بالرفعة على المؤمنين، النقد في الأصل شيء يُفرح ولا يُغضب، فليكن النقد لما لشمل الجماعة وتصالحا مع ذاتها لا حربا طاحنة بين النفوس المظلومة المكبوتة والنفوس المستعلية الرعناء.
هي أزمة قيادة إذن، وكم من الانظمة والتنظيمات انهارت لندرة العناصر القيادية أو لعدم قدرتها على الجمع بين الاخلاق والدين والسياسة، كاريزمات قيادية تحتاجها التنظيمات الاسلامية أكثر من أي وقت مضى وإلا فانهيار المشروع الاسلامي أمر محتوم في ظل سطوة المبير وبجانبه الكذاب على مراكز القرار داخل التنظيم الاسلامي، صحيح أن الأمر ليس بتلك السهولة داخل تنظيمات هي سليلة مجتمع مريض ونظام قاهر، لكن الأمر هو من آكد الأولويات التي يجب أن يحلها التنظيم عندما يجعل من التربية ورجال التربية رأس الأمر عوض التاحراميات والحرايمية.
التربيتان الايمانية والأخلاقية كفيلتان بإنتاج جيل من المؤمنين تخلصوا من الدكتاتورية الموروثة عن ثقافة المجتمع والسلطة ثم بناء الانسان الذي هو أهم شيء يجب أن يساعد فيه التنظيم رجال التربية حتى يشتد الزرع ويستغلظ ويستوي على السوق ثم يؤتي أكله سبعة أضعاف والله يضاعف لمن يشاء، لكن القيادة الحالية لا يمكنها فعل ذلك لأنها أشربت الدكتاتورية في قلبها، فيلزم من شباب الدعوة أن يثوروا على الذئاب العجوزة التي سيطرت على التنظيم سنين طويلة ويخلصوا الدعوة من بين أيدي الفاشلين الفاسدين المتسربلين بلباس الولاية الجاثمين على صدور المؤمنين بالطاعة العمياء المطيحين بهم بالفصل والتشهير.
عقلية ثائرة هي تلك التي تلزم شباب الدعوة اليوم حتى يُطهروا الصف الاسلامي من موروثات الاختراق وطغيان النفوس وتُخمتها من المسؤولية التنظيمية، فتوة هي ورجولة لا ضلال، ولا يهدم الباطل إلا فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، أما الشيوخ فتكوينهم البيولوجي يميل أكثر إلى الحيلة والمهادنة لما انعدمت أو قلت فيهم هرمونات الفتوة والنشاط والحركة والبذل والتضحية وشدة المراس، الفتوة هي القوة الوحيدة القادرة على الثورة وقلب الطاولة على الألاعيب الدينية، فُتوة تهدم الباطل وفتوة أخرى تبني صرح الاسلام المجيد على أسس المحبة والاخوة والبذل والمصلحة العامة بعيدا عن حب المسؤولية والشح والانانية والتسلط والظلم والفصل، فتوة جديدة تُطلق سراح الفتوة التي تم تركيعها باسم الدين وركبوا عليها باسم الحكمة لصالح اللوبيات التنظيمية التي تعمل صباح مساء لصالح جهات مشبوهة داخل التنظيم وخارجه.
لكن الذئاب العجوزة ليست بتلك السهولة التي يتصورها الفتية المؤمنون، فهي ذئاب شرسة ماكرة، تطحنت في التنظيم سنين وتعرف جيدا اللعب بالتربية والتنظيم، ذئاب بشوارب ولحى كثيفة مشوبة بالبياض تـنم عن طول عهد بالمكر، فهي كما النظام تهوي بالعصا وتغري بالجزرة، تنزل على بعض الفتية بعصا الفصل وتقرب الاخرين بجزرة الكلام التربوي المعسول النابع من حضيض النفاق وبعض المسؤوليات الفارغة، كلام معسول منمق بالشذرات الايمانية التي تستطيع أن تُسقط أي فحولة إيمانية في شراك التبعية والإمعية وسلب الارادة، أما المفصولون فلا شيء فيهم يغري مكيافيلية الذئاب الهرمة، فلا منصب لأباءهم ولا مال لأمهاتهم ولا وظيفة لهم في الدولة فالذبح إذن والرمي في المزبلة أسهل شيء، أما من فيه نسمة مال أو وظيفة أو مكانة اجتماعية فيرمى إليه بالجزرة المعسلة بالكلام الإيماني لعله يسقط في الشراك ويتخلى عن ثورته ضد الفساد الاسلامي القابض على أجهزة التنظيم.
كي نكون واقعيين يجب أن لا نعمم، ففساد القيادة داخل التنظيم الاسلامي ليس بهذا السوء أبدا، بل هو صراع خفي بين الحمائم والصقور، ليس حمائم السياسة وصقورها، بل حمائم الفساد وصقوره، الحمائم الساكتين على الفساد والصقور المصرين على الفساد، هناك داخل القيادة دائما نخبة تحمل على كاهلها ما لا يعلمه إلا الله من أثقال تنوء بحملها الجبال، وهي في ذلك تحمل الهم وتتحمل الخيانة من داخل القيادة، صابرة تنظر بعيدا في أفق فعل الله وتخشى على الصف من الانشقاق الذي يجعل الزحف كله في مهب الريح وتجعل الاستخلاف في خبر كان، والولي العارف يستطيع أن يبتسم في وجه الفاجر لأنه يعرف حقيقته ويعرف قدرة الله وحكمته، ولربما يتحمل فجوره إذا رأى فيه خيرا حتى يأخذ بيده إلى طريق النجاة أو يقضي الله به أمرا كان مفعولا، رحمة نبوية، لكن هذه الرحمة قد لا تكون في محلها فتتدخل العناية الالاهية سريعا بسيف الجبروت والقهر الالاهي فتخسف الأرض بالقارون التنظيمي ومن معه.
مما يروى في هذا الشأن أن بعض اليهود قصدوا زاوية مولاي العربي الدرقاوي رحمه الله وطلبوا منه المبيت فلاقاهم بالابتسامة [5] والترحيب وأكرهم غاية الكرم وأخذ في خدمتهم بيده الشريفة ومؤانستهم بحكايات اليهود وإسرائيلياتهم وتعظيم أنبياءهم مع غاية الادب معهم حتى مال بقلوبهم إليه، فلما جن الليل واختلوا بأنفسهم قال أحدهم إن الإسلام أخذ بباطني فهيا نهرب بديننا، فخرجوا ليلا على غفلة من الشيخ، فلما أصبح الصباح حزن مولاي العربي الدرقاوي رحمه الله على فراقهم ولام الفقراء على تسريحهم، فلما كانوا في الطريق التقوا ببعض القاصدين زيارة الشيخ فقالوا لهم من أنتم فأخبروهم أنهم من فقراء مولاي العربي الدرقاوي، فقال اليهود بحسرة اشكروا الله على ملاقاتكم للشيخ فلو كان عشرة مثله في الوجود لما بقي على الارض يهودي.
الروايات عن القلوب الكبيرة كثيرة، لكن الحق يقال، معاناة القيادة الصادقة مع الخيانة داخل القيادة أكبر من مجرد مداراة واستضافة لليلة واحدة، بل هي معاشرة وتحمل يومي لا يعلم آلامه ومعاناته إلا الله، وقد جربت ذلك بنفسي فما استطعت، ولو كنت في زمن غير هذا لخرجت عليهم بالحسام المهند ما رحمت في الكفرة الفجرة عرقا واحدا وما راعيت في المكر العاهر إلا ولا ذمة، تأبى نفسي مداراة الحقيرين ومعاشرتهم طيلة الوقت، ربما بين الفينة والفينة أمر ممكن على كل حال.
ولذلك فإن العناصر القيادية يلزمها كثير من وضوح الرؤية وبُعد النظر والهدوء المستكين وسعة الصدر وكتمان الأمر والرفق في اللغة وقلة الكلام والتمهل في الأمر كله، فإخراج السفينة من الامواج أمر لا يكون بالعنف وفقدان الاعصاب، بل هو موقف أحوج ما يكون فيه القيادي إلى رزانة وضبط أعصاب وقوة فعل في التوقيت المناسب، لا قبل ولا بعد، القيادي هو الذي يستطيع أن يحافظ على جذوة الايمان والجهاد مشتعلة رغم الاعاصير الداخلية والخارجية، يربي من معه من الرجال ويتربى معهم ويتخذ القرارات الشجاعة دون تردد بقلب من حديد، يخرج بالسفينة من الاعصار بهدوء وعزم ويقظة وذكاء، لا يدعها تغرق أو يسيطر عليها القراصنة أو تصطدم بالصخور، يحسن التعامل مع بحر تظهر فيه كل يوم موجات عاتية وألغام بحرية ونتوءات حجرية وقروش دموية وتعقيدات مستجدة.
وسط كل ذلك لا يتخذ القرارات الانفرادية إلا إذا رأى ضعفا في من حوله، فيعزم عليهم ويطيعونه بما لهم من تربية تنظيمية ثم يلطف الخواطر لاحقا، فالمبادرة ساعة العاصفة ضرورية لتلافي ضياع الفرص وسط هراء الديمقراطية، الوقت لا يرحم، والموج لا ينتظر اجتماع السقيفة، الأمر جلل وأرواح عباد الله ثقل كبير وأخلاق على مهب الريح ودين في خطر ومصير عائلات بين اليد ومستقبل دعوة بين فكاك الذئاب، فلا مهرب إلا إلى جنب الله والتوكل عليه، وعندما يختلط الحابل بالنابل وتشتد العاصفة وتتداخل المشاكل وتتشعب الخيوط ويهرف كلٌ بما يعرف وبما لا يعرف تكون القيادة في أمس الحاجة إلى ثقة بالله وتوكل عليه، يفيض منها التوكل على مدراء التنظيم ودهماء القاعدة.
هنا يُبرز التنظيم مدى تربيته للمؤمنين على الضبط والانضباط لا مدى نشره للإمعية والطاعة العمياء، يبرز عمل التنظيم أيام الرخاء وزرعه لمفاهيم القيادة الضابطة والطاعة المنضبطة، فمن طبع الإنسان أن يتمرد إذا لم يتربى على أن الطاعة وقت العزم قوة لا ضعف، وما المراوغات هروبا من الطاعة إلا هوى في النفس وشهوة جارفة تقبض بملاقطها على الناصية أو كسل وتناوم لا يليق بالرجال المقتحمين لعقبة نهضة أمة.
إن ما أقوم به الآن رغم ما يبدو عليه ظاهريا من فقدان اعصاب أو غضب منفجر إلا أن مُنطلـقه الحقيقي هو الاقصاء، إننا كنا نصبر على فساد المسؤولين لما كانوا يسمحون لنا بالمشاركة والمعافسة والتغيير من الداخل بما استطعنا، فكنا نتحمل صفاقتهم ونشارك في البناء على أمل، ننظر بعيدا في أفق نضجهم ونضجنا والغاية الكبرى التي تجمعنا وتدخل عنصر الزمن من أجل ضبط ساعة الاختلاف، لكن لما استلوا سيوفهم علينا وفصلوا رؤوسنا فلم يعد هنالك أية حاجة إلى السكوت، أصبح السكوت خيانة والسكينة جبن والحكمة عارا.
داخل الصف القيادي يطول النزاع بين الحمائم والصقور، بين الخيانة والصدق، بين الشورى والملك، بين حب السلطة وحب الله، بين المكر والصفاء، بين الرجولة والنذالة، بين الدعوة والسياسة، حتى يمسك الأقوى أو الأدهى أو الأصدق زمام الأمر، فيذبح الاخرين.
واضح أن تعاون القيادة وانصهارها في مشروع واحد أمر صعب يتطلب فناء الجميع في ذات المشروع، وهو أمر لا يتحقق في ظل محافظة كل طرف على كيانه ونفسه، القيادة الواحدة تتطلب أن يذبح كل قيادي نفسه لا أن يذبح غيره، أن يفنى نفسه ومطامعه التسلطية لا أن يفني الآخرين تركيعا أو فصلا، وهنا ترجع بنا الفكرة إلى التربية باعتبارها السكين الذي يذبح به الرجال أنفسهم، يفصلون بالتربية أنانياتهم ولا يفصلون بسلطاتهم التنظيمية غيرهم، القيادة المنصهرة تتطلب القضاء على النفوس المتعجرفة والعقول المتألهة والقلوب المتحجرة الواقفة حجر عثرة أمام وحدة التنظيم وزحفه نحو المجد التاريخي، وإلا فإن البديل هو قيادة الرجل الواحد، الإمام الذي يمنع كل نزاع أو انشقاق على مستوى القيادة، ويمنع بالتالي كل تصدع لجسم التنظيم، وهنا نفهم لم يميل عامة الناس إلى الملكية [6] باعتبارها من الانظمة السياسية الضامنة لاستمرار الجماعة وتفاديا لصراع العناصر القيادية على السلطة وعدم قدرتها على الانصهار فيما بينها.
واضح أن الاشكال تربوي بالدرجة الاولى، فالنفس البشرية كأنها ذئب جائع للسلطة، والتربية منوط بها ترويض هذا الذئب، هذا الأمر حاسم في إشكالية السلطة، ولا يتفوق على التربية في هذا الشأن إلا النظام المحصن ضد الطغيان بآليات إدارية وقضائية وقانونية صارمة، مع رقابة تحتية يقوم بها الرجال الصادحون بالحق وبركان ثوري قاعدي يغلي دائما، ما عدا ذلك من التنظيمات غير المحمية تنظيميا فاحتمال كبير أن يسودها الذئاب ويخضع فيها الامعات من الرجال المخنثين للقوة التنظيمية القاهرة وتغيب فيها الرقابة التحتية من القواعد والرقابة الفوقية من الأجهزة القضائية.
يبدو أن دور التربية أساسي حيث ينبع الزجر من الداخل دونما حاجة إلى تدخل العناصر الخارجية، ولعل القيادة الربانية الممسوكة بالصحبة أقرب إلى هذا الأمر من القيادة السياسية المقطوعة من يد الله التي تستطيع أن تبيع القضية في أية لحظة عندما يُدفع الثمن المناسب، ويبقى أن التصور المثالي هو اجتماع كل من الرقابة الداخلية والخارجية لحسن سير المؤسسات التنظيمية وسمو القيادة عن الوقوع في تخبطات الانفرادية في التسيير وركوع القاعدة للفاسدين وغزو العملاء وغياب البرامج والتواكلية والتيارات الهامشية والاجهزة الموازية.
التناغم بين القيادة والقاعدة لا يمكن بناؤه إلا على أساس هذا الجو الشفاف الذي تحميه المؤسسات لا الاشخاص، فالقيادة يجب أن تعلم أنها متى انفردت بالسلطة وابتعدت عن القاعدة أوشكت أن تقع في حالة من التغريد بعيدا عن الواقع خارج سرب الجماعة، والقاعدة متى نكصت عن الوقوف في وجه القيادة بالنصح الدائم والثورة عند الزيغان أوشكت أن تقع في العبودية ومسخ الشخصية وضياع مصالحها الدنيوية والاخروية وخراب بيوتها التربوية والتنظيمية والسياسية، فمعادلة القيادة والقاعدة يلزمها أن تبقى على حالة من التوازن بين الحقوق والواجبات التي يخولها الشرع لكل من أولي الأمر ومن تحتهم من المؤمنين، كل ذلك دون نسيان الغاية الاحسانية [7] التي تجمع الطرفين، فلا معنى لأي مسؤولية قيادية إذا كانت ستؤدي بصاحبها إلى قاع جهنم مع الفرعون بعيدا عن الجنة الموسوية، ولا معنى لأي إمعية إذا كانت ستؤدي بصاحبها إلى الحرمان من البركات الايمانية والمقامات الاحسانية الموضوعة تحت ظلال المسؤولية التنظيمية.
خلاصة القول أن القيادة ليست بتلك القداسة التي كنا نتصورها بداية انضمامنا إلى الصف الاسلامي، بل إنها أحيانا ليست حتى بتلك الانسانية المفترضة في عامة الناس، إننا لا نعمم لكن نورانية القيادة وولايتها وكشفها وحبها للمؤمنين وفنائها في الجماعة وتعلقها الدائم بالله وتوفيق الله لها كل طرفة عين وفي كل خطوة تخطوها لم تكن سوى أكذوبة روج لها التنظيم لقضاء مآربه السلطوية، لقد كان الأمر خدعة ماكرة حقيرة، بينما الحقيقة أن القيادة ليست سوى مجموعة من البشر العاديين كباقي البشر الذي يخطئ ويصيب، يغدر أو يصدق، يحب أو يتآمر، يمرض ويموت، يؤيده الله أو يخذله، يرى بنور الله أو يكون شخصا مطموس البصيرة مظلم الروح عديم النورانية، وليا لله أو شيطانا رجيما، فقط الظروف والملابسات المحيطة بالدائرة القيادة هي التي تحدد من يلتحق بالقيادة أو لا يلتحق، تتداخل في ذلك مصالح أطراف كثيرة، وعلاقات اجتماعية كالزواج، أو مراكز وظيفية في الدولة أو أموال في الرصيد أو طريقة كلام مؤثرة في العوام أو وسامة في الوجه أو شواهد جامعية في اليد أو حتى قوة عضلية في الجسم أو حتى جبهة عريضة لا تستحي.
هكذا هي القيادة تُعطى للقوي أو الذكي أو الغني أو المثقف أو الصهر أو الوسيم أو الموظف أو طليق اللسان، ولذلك فقدسية القيادة ليست كلاما صحيحا، والكلام الذي يروج عن تأييد الله المطلق لها وكل من انتقدها سيؤذى من الله هو مجرد كذبة لضبط التنظيم وتأليفه حولها، والصواب أن كل تجمع بشري ولو كانت مرجعيته إسلامية معرض لغزو العناصر الخارجية المدسوسة، ومعرض في غياب القيادة الحكيمة كغيره من التجمعات السياسية والدعوية لأمراض التنظيم من انشقاقات ومسابقات على الرئاسة وسوء تدبير للأمور واستغلال سيئ للنفوذ واختلاس لأموال الجماعة ومشيخة على عباد الله.
القيادة داخل التنظيم الاسلامي كان من المفترض أنها مبنية على أسس الصلاح والولاية والغناء لا على هذه الاعتبارات الدنيوية المنحطة، لذلك فالتنظيم الاسلامي لا يستقيم إلا وهو تحت أيادي موصولة بالله وبرسول الله، أشخاص تخلصوا من الدنيا بالكلية فاستحقوا أن يسودوا المؤمنين، أخوة الآخرة تجمع بينهم وبين القاعدة، أما غير ذلك من السياسيين الوصوليين فمكانهم هو الحزب "الاسلامي" الذي يجمعهم وينظمهم ويدفع بهم إلى الساحة السياسية ليجروا فيها جري الوحوش، تاركا المؤمنين الطيبين في حمى أهل الله ليأخذوا بقلوبهم إلى الله.