المدونة

  • الركوب عل التربية

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 37 من 77 — فهرس الكتاب

    يركب التنظيم على كثير من الاشياء ليصل إلى مبتغاه، يركب أحيانا على الاشخاص ويركب أحيانا أخرى على الفرقاء ويركب على الانظمة ويركب على الخلافات الفكرية ويركب على الصراعات السياسية ويركب على المستجدات الدولية ويركب حتى على الدين، التنظيم مستعد ليركب على أي شيء في طريقه لتحقيق برامجه، واستغلال طاقة الاخرين وتوفير الطاقة طريق سالكة نسبيا، وكلما كان هذا الآخر قويا كلما حرص التنظيم على الركوب عليه أكثر لاستنزاف هذه القوة.

    لقد عملت في التنظيم سنوات طويلة ولم يخطر ببالي يوما أن أكون حمارا يركب عليه التنظيم، كنت أعمل لله وفي سبيل الله ونصرة لأولياء الله، لم يخطر ببالي بتاتا أن يكون التنظيم يلعب بالدين ومصطلحاته ومؤسساته التربوية حتى اكتشفت حقارة المسؤولين التنظيميين الذين يضحكون على عباد الله بالكلمات التربوية، يحدثك عن الرضى بـلُؤم وهو يطحنك من خلفك، يحدثك عن التضحية ليقضي أغراضه الشخصية، يحدثك عن الصحبة في الجماعة ليستقر التنظيم الالـه ويستمر هو في مسؤوليته التنظيمية، يحدثك عن المحبة وهو يحفر المصائد، يحدثك عن النبوة ويفعل فعل ميكيافيلي، يحدثك عن السلام وجيوش التنظيم تحاربك في الخفاء، يخدعك بالدين، أفيون الشعوب، فالناس تثق في الدين، لذلك كانت أسفل دركات الحقارة هو استغلال الدين واللعب بالمصطلحات التربوية لقضاء المآرب السياسية.

    التربية يجب أن يكون الغرض منها التقرب إلى الله وليس الاستغلال التنظيمي أو السياسي، ليكن التنظيم رجلا بشوارب رجولية يقضي مآربه التنظيمية بالتنظيم وبهياكل التنظيم وببرامج التنظيم وليس بالركوب على التربية، فاللعب بالدين سمة المنافقين والمسترزقين، ليتعلم دروس التنمية البشرية وفنون التأثير على الشخصيات بالتدرب على الايهام والنكز والإحتواء والخداع الاجتماعي في التكوينات التي ينظمها الكثير من المؤطرين وليبتعد عن استغلال التربية الطاهرة المطهرة من كل رجس سياسي.

    إذا كان التنظيم يركب على التربية ويستغل المصطلحات التربوية لقضاء مآربه التنظيمية فالعلمانية إذن أفضل من هذا التنظيم اللاهوتي، فالعلمانية تترك مساحة كبيرة من الاعتماد على الذات التنظيمية بعيدا عن اللعب بالمصطلحات الدينية ولا تتيح للتنظيم العلماني الركوب على التربية وأهلها، أما الانظمة والتنظيمات التي يختلط فيها الدين بالتنظيم فيكون فيها استغلال الدين أمرا محتوما ما دام أن رؤساء التنظيم لم يبلغوا شيئا في التربية.

    هيا أيها الإخوان لدينا مسيرة في العاصمة، لدينا رباط، نريد من يطهو ويغسل الاواني والارضية، لدينا نفقات تنظيمية ساهموا معنا، لدينا نشاط نريد من يؤطره، لدينا زيارة الجميع سيحضر، لدينا مباراة كرة دعوية، لدينا فرقة تلاميذ نريد محتضنا، لدينا مظاهرة في الجامعة، لدينا معرض كتب نريد من يبيع الكتب، لدينا تسجيل طلبة نريد من يقف في الساحة لإرشاد الطلبة، لدينا أمسية نريد من ينظم، لدينا إنزال رفاقجي نريد إنزالا مضادا، لدينا معركة نضالية نريد شجاعا، وفي كل هذا يتم الركوب على التربية والصحبة واستجلاب المصطلحات التربوية للتغرير، وليس المعني بالركوب على التربية التحفيز الديني الذي يعتمد على الاحاديث النبوية والقرآن الكريم المحفزة فذلك أمر مشروع، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفز الصحابة على فضائل الاعمال بالثواب عند الله والحور العين في الجنة، فلا عيب في ذلك ما دام أن النفس البشرية تتوق إلى الجزاء للتحفيز على العمل، لكن الركوب على التربية نقصد به استعمال التربية لتمرير قرارات تنظيمية تخدم مصالح فئوية أو شخصية داخل التنظيم ولا تخدم المخاطب بها، فالتنظيم الذي يركب على التربية لا تهمه آخرة العضو أو مصلحته الدنيوية بقدر ما يهمه قضاء مآربه التنظيمية بالركوب على المؤسسات التربوية.

    قامت مؤخرا نداءات من هنا وهناك تطالب بالمصحوب الرجل فقامت قيامة التنظيم استدعى خلالها الترسانة التربوية ليقطع رؤوس أصحاب النظرة الصوفية للصحبة، الناس تتساءل عن صحبة رجل أو صحبة جماعة فإذا بالتنظيم يرتمي على الصحبة ليسيطر عليها مستعملا مصطلحات تربوية وأصبحنا نرى مسؤولي التنظيم الذين لا يفقهون شيئا في التربية ومسؤولي السياسة الذين لا يؤمنون بالجن ولا بالملائكة ولا بالتربية ولا بالصوفية ولا بالسلوك يفتون في الصحبة ويتصدرون مجالس التربية ويستعملون كلاما تربويا لتمرير قرارات نعلم ويعلمون أنها تنظيمية لا علاقة لها بالحرص على تربية أحد.

    هل سيقنعنا أحد من مسؤولي التنظيم أنه حريص على تربيتنا وآخرتنا، الكذب واضح في وجهك ايها المسؤول الدجال وأنت تكذب وتقول أنك تريد فلاحا لنا، لقد رأينا كيف تفصل وتقطع الرؤوس وتتدخل في الحياة الشخصية وكيف تكذب علينا وتتجسس علينا لتفضحنا وكيف تمكر بنا وكيف تريد أن ترسلنا إلى السجن وكيف تغتابنا وتعض على أصابعك عندما يصيبنا خير، هل ستتمنى لنا خيرا فعلا؟ لا أظن ذلك أيها المسؤول الحقير.

    لا تركب يا شيطان التنظيم على التربية ودع التربية لأهلها الذين يتوضؤون ظاهرا وباطنا قبل أن يحدثوا الناس عن الله وعن السلوك إلى الله وعن الدلالة على الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابة رسول الله وعن المنهاج الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    التربية دلالة على الله وليست متروكة ليلعب بها أمراء التنظيم ليقضوا بها أغراضهم التنظيمية الخسيسة، التربية صفاء ومحبة وأخوة وغيرة وصدق وأشعرية واقتحام لعقبات النفس ومكائد الشيطان.

    فارفع يدك النجسة عن التربية أيها التنظيم الحقير.


  • صحبة المسؤول أم صحبة المصحوب؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 36 من 77 — فهرس الكتاب

    من هو المسؤول ومن هو المصحوب، المسؤول هو مرتبة تنظيمية داخل التنظيم، والمصحوب هو ولي الله القائم على تربية الجماعة الطالب أهلها وجه الله، المسؤول مصحوب جُزئي مباشر، نوع من قنوات الصحبة، وولي الله مصحوب كُلي غير مباشر، فهو ينبوع الصحبة، وفوق كل ينبوع ينبوع، ولي الله بعيد بميزان الحواس لكنه أكثر قُربا بروحانيته إلى العضو من المسؤول، فقد اقتضت ضرورة التنظيم أن يبقى ولي الله بعيدا ويظل المسؤول قريبا، هذا المسؤول هو شخص غير مؤهل بتاتا للتربية، لأنه أصلا لم يُحصل التربية، إنه شخص ناقص تربويا، وربما شخص عادي بأخلاقه العامية التي يشترك فيها مع عامة البشر، بل وقد يكون أسوأهم خلقا وتربية.

    بالمقابل فالمصحوب شخص كامل التربية، شخص حاز الولاية وأجازه عليها أهل الله، وبلغ من مراتب الدين ما جعله يد الله التي يبطش بها وعينه التي يبصر بها ورجله التي يمشي بها، ولو رفع يده أُجيبت فدعوته مجابة، المصحوب رجل مستجاب الدعاء لأنه حبيب الله، إنه ليس تنظيما ولا هياكل تنظيمية ولا مؤسسات ولا شركة ولا جمعية، إنه رجل يرى بنور الله ويمشي بالله ويتحرك بالله [1]، شخص حوى بين أضلعه حب الله ومعرفته، ما وسعتني السماوات والارض ووسعني قلب عبدي المؤمن، لكن هذا المصحوب في حالة الجماعة التي يُسيرها التنظيم بعيد عن الصاحب، غير موجود حسا معه، والصاحب هو عضو التنظيم الذي أعطى صفقة يده وثمرة قلبه للمصحوب.

    وهنا نضع الأصبع على الاشكالية التربوية التالية: إذا كان المصحوب رجلا محاصرا محجوبا حسا عن الصاحب، أو كان غير معترف به أو غير محدد أصلا، وكانت الصحبة المباشرة متوفرة فقط في المسؤول التنظيمي وللمسؤول التنظيمي، فهل تكتمل تربية الصاحب؟

    هذه الاشكالية غير مطروحة في التنظيمات التي لا تؤمن بالمصحوب وتؤمن فقط بالمؤسسات، وهي غير مطروحة أيضا بالنسبة للجماعات التربوية التي يـخالط فيها المصحوب الصاحب صباح مساء وليس لها مسؤولين تنظيميين يقطعون الطريق أمام الصاحب، فالشيخ متاح للمريد في أي وقت، يراه ويخالـله ويستشيره في مدلهمات الطريق كلما طرق باب الشيخ واستأذنه، لكنها إشكالية مطروحة بقوة على التنظيم الذي يؤمن بالمرشد كـمربي ويؤمن في آن واحد بالمسؤول التنظيمي المربي كقائم على تدبير أمور التنظيم وتربية أعضائه، فالمسؤول التنظيمي وفق هذه المدرسة بمثابة المربي لمن معه ولمن تحته، لكنه في حقيقة الأمر لا يربي أحدا، لأنه ببساطة أعجز من أن يربي نفسه على أن يربي غيره، المسؤول التنظيمي في أحسن أحواله واستواء استقامته عنصر يوصل الصحبة، قناة موصلة للمدد الذي يبثه الشيخ في الجماعة، فتشعب التنظيم وضرورة بث التربية في كل أجهزته والزحف على قلاع الظلم في آن واحد جعل التنظيم يحاول تعويض الدور التربوي للمرشد عن طريق خلق مسؤوليات تنظيمية ثم إسنادها عملية التربية، لكن هذه الاجهزة التنظيمية لا تستطيع إلغاء الدور المحوري للمرشد في العملية التربوية، بل طرحت عليها إشكالية أخرى وهي إشكالية التوفيق بين صحبة المرشد وصحبة المسؤول، هم آخر ينضاف إلى هموم التنظيم.

    نشير هنا إلى أن الجمع بين الأمرين هو الأصوب في زمن يصعب فيه الاستغناء عن التنظيم، لكن التنظيم غالبا ما يفرط في المصحوب ويقدم المسؤول، التنظيم يؤمن بالملموسات أكثر من الغيبيات التي يسترزق بها لتنزيل بعض القرارات التنظيمية، والتفريط في الاصول يمنع الوصول، التفريط في الولي المرشد هو الضربة القاصمة التي تجعل التنظيمات الاسلامية مجرد هراء وخبط عشواء وخبالا حركيا وطاحونة دون دقيق.

    تصور معي مجموعة من الشباب يجتمعون في تنظيم معين يؤسسونه، لديهم نوايا حسنة لا شك، برامج ومؤسسات وخطط ومجهودات تبذل، تنظيم مضبوط، برامج مضبوطة، كل شيء تمام التمام، لكنهم غير مقتنعين بالولي المرشد، إذن ينقصهم قطب الرحى، ينقصهم صاحب الفتح، ينقصهم الخيط الرابط بين الارض والسماء.

    هذا التنظيم يسمى "لعب الدراري" الذي يقتنصه الشيطان الانسي والجني مع أول منعرج [2].

    لو كان الأمر في مجتمع غير مسلم لكان لهذا التنظيم حظ وافر للنجاح لأن المعادلة حينها مكونة من عناصر مادية بحتة، مادة تفل المادة، والغلبة للأقوى والاذكى والأكثر إتقانا لقوانين المادة، أما والأمر في مجتمع مسلم ومعادلة يقول فيها عمر:" كنا أذل أمة فأعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، فالأمر ضرب من الخيال أن نتعامل بالمادة والمادة، إننا لا ننتصر على النفس ولا ننتصر على العدو إلا مع وجود ولي لله على رأس الجماعة وشريعة إلاهية تحكم ثم وجود هياكل تنظيمية ملتفة على قلب الولي، هياكل متآخية مع بعضها، ومسؤول تنظيمي أخ في الله، مُـحب محبوب، لا جنرال تنظيمي.

    صُحبة الولي فلاح وصحبة المسؤول هلاك، صحبة الولي صفاء وصحبة المسؤول كدر، صحبة الولي نور وصحبة المسؤول حجاب، صحبة الولي نعيم وصحبة المسؤول عذاب، صحبة الولي غذاء للروح وصحبة المسؤول سلب للقلب والروح، صحبة أولياء الله الغذاء الكامل المكمل وصحبة المسؤولين السم المكدر الحاجب السالب، فرق كبير إذن بين الصحبتين، فالأصل في الصحبة أنها لولي الله وليست للتنظيم، صحبة التنظيم حجاب عن الله، وصحبة المرشد صحبة واصلة إلى الله، وقد سمعت غير ما مرة من سيدي محمد العلوي رحمه الله كلمة يقولها ويكررها: " الدراري ما يربيو الدراري"، بمعنى أن الاطفال لا يربون الاطفال، فمن يربي الاطفال هم الرجال، والمسؤولون التنظيميون ذراري لم يبلغوا حُلم التربية، قاصرون في قانون التربية، غير مؤهلين لتربية أنفسهم فبالأحرى تربية غيرهم، ولذلك من تعلق بهم واعتبرهم مصحوبين هلك، فالتنظيم ليس له ما يعطيه تربويا اللهم ما يحمله من قلب الولي الصالح ويفرقه على الفقراء، هذا إذا كانت قنواته واسعة موصلة ونظيفة، أما إذا كانت متسخة ضيقة حرجة فهي السم الزعاف والموت المحقق للمخنوقين في التنظيم و جبة المسؤول.

    ولذلك فإن صحبة المسؤول التنظيمي في حالتها الطبيعية هي صحبة للمرشد في حقيقتها، لأن المسؤول ليس له ما يعطيه تربويا، فصحبة المسؤول رافد من روافد الصحبة لا بحرها، وبحر الصحبة روافده كثيرة، أهمها الصحبة المباشرة بالنظرة المباشرة، ثم أذكار المصحوب وأوراده، ثم موائده الايمانية، فهي مدد الشيخ وبركته وحصنه، ثم حركة الصاحب داخل الجماعة، فهي باب من أبواب الصحبة، فـالصاحب ينال من حركته داخل الجماعة وخارجها بركات المصحوب التي جعلها في ميدان الحركة، ثم ينال من دعائه وبعض نفحات الصحبة التي ينالها المسؤولون التنظيميون بصحبتهم للمرشد والحلقة الضيقة التي تحيط به، وهناك أمور أخرى لا داعي للحديث عنها أن يكفرنا أحد.

    خلاصة القول أن الصحبة مصدرها المصاحبة والمخاللة والنظرة والمحبة والتعظيم والاتباع والتنفيذ لا شقشقة اللسان ومجالس البطالة والنميمة وتصدر المجالس [3]، وهي تتحقق للمقربين غالبا بنظرتهم في الولي ودخولهم عليه، ويحرم منها الاعضاء لعدم حصولهم على رتب تنظيمية وبقائهم بعيدا على الهامش.

    سنعود للحديث لاحقا عن هذه الكارثة الكبيرة، وهي أن يصبح التنظيم قاطع طريق، لكننا نركز الان على التمييز بين مؤسستين تربويتين هما صحبة المرشد وصحبة المسؤول، نركز عليهما لأن التنظيم يحاول الخلط بين الصحبتين، أو بمعنى آخر يريد أن يركب على الصحبة ويقضي مآربه التنظيمية مستغلا الخلط في المفاهيم، أو لنقل إنه يريد أن يتمشيخ علينا، يريد أن ينزع المشيخة من المرشد ويؤلف القلوب حول المسؤولين، فنجد أنفسنا أمام "التنظيم الشيخ"، وهو مفهوم جديد يريد التنظيم أن يؤسس له ويريد أن ينسبه إلى المنهاج النبوي قائلا إن الصحابة عاشوا صحبة التنظيم في العهد النبوي.

    التنظيم لا يدعي بالمشيخة صراحة لأنه يعرف أن مجرد ادعائها مثلبة فيه، فهو يختبئ حول مفهوم الصحبة في الجماعة ليصادر التربية ويحاصر أهلها، فيقول إننا نصحب الشيخ في التنظيم، فيكون الشيخ حيا محاصرا بالتنظيم، وميتا متمثلا في المسؤولين التنظيميين، طاعتهم من طاعته، ومحبتهم من محبته، فيصادر التنظيم التربية ويتحدث باسمها ثم يصادر الشيخ أيضا وينطق باسمه، معنى ذلك أن المصحوب لا يكون حاضرا في جميع الاحوال، فيغيب الشيخ دائما ويحضر التنظيم على الدوام، ثم يقال إن روحانية الشيخ حاضرة حصريا في التنظيم كي يسد الباب على كل جهة تريد تنافسه المشيخة، بينما في واقع الممارسة فالتنظيم يمحي صورة الشيخ نهائيا تربية وفكرا وتنظيما وسياسة، وقد كان يمحيها وهو حي فكيف لا يمحيها وهو ميت، يحاصره حيا فكيف لا يحاصره ميتا، والمنغمس في التنظيم لا يكاد يرى إلا التنظيم والمسؤول التنظيمي والمسؤوليات التنظيمية والمجالس التنظيمية والحراك السياسي، فيقع الانحراف القلبي ثم يتبعه الانحراف التربوي ثم يليه الانحراف السياسي ثم الكوارث الأخلاقية.

    يعبد مسؤولو التنظيم التنظيم العجل وكذلك يفعل الإمعات التابعين ظانين منهم أن التنظيم شيخ، وهذا هو مقصد التنظيم وغايته، فهو يستحلي الطاعة العمياء التي تضمنها له عباءة المشيخة، وهذا غش، ومن غشنا فليس منا، غاية سياسية تنظيمية لا تربوية تؤكد أن التنظيم لم يكن حريصا يوما على آخرة فلان أو صلاح علان أو بلوغه مقامات الكمال، التنظيم منهمك في الحسابات التنظيمية والسياسية والمؤمنون تحت يده مجرد أرقام، بينما كان الشيخ المربي عكس ذلك حاضنا قلبيا ورجلا حريصا كل الحرص بحنان الأب على أبنائه المؤمنين، حريص على آخرتهم ودنياهم معا، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهكذا كان المصحوب الأكبر صلى الله عليه وسلم ومن بعده ورثته الصالحون.

    صحبة ولي الله دواء وترياق وغذاء ونور وبركة ووصول، وصحبة المسؤول التنظيمي ضنك وضيق وخندقة وعذاب وانقطاع وانحراف عن القصد إذا كان المصحوب محاصرا.

    كنت أود أن أناقش موضوع صحبة رجل أم صحبة تنظيم، لكن المقام لا يتسع، والأمر له هيبة خاصة، كما أن القضية سبقني إليها أخ عزيز، وقد أفاض فيها [4]، وبقي الامر متروكا للأيام كي تحسم فيه، وسنرى كيف توتي صحبة التنظيم نتاجها، وقد رأينا عربونها سابقا عندما قطعت رؤوس الكثير من الأحبة ورمي بهم خارج التنظيم بالفصل التعسفي، جلباب التنظيم ضيق لا يتسع إلا للجفاة والطائعين والمنافقين واللحاسين والمخنثين والعملاء وأصحاب النفوذ وأهل الكلام وسحرة فرعون السلطة وقارونات المال، عباءة التنظيم تضيق بالأحرار الصالحين وبالرجال الاقوياء، لا يقبل بهم التنظيم الا على مضض ما داموا صامتين ريثما تحين الفرصة المناسبة فيصفيهم.

    نكاد نخلص إلى أن صحبة المسؤول التنظيمي ليس سوى صحبة أفقية بسيطة مُكملة للصحبة الاصلية الاساسية وهي الصحبة العمودية النازل مددها من ولي الله، فصحبة ولي الله هي المعول عليها، أما صحبة المسؤول ففي أحسن الأحوال تكون مساعدة ومكملة وقناة واصلة، وهي في أسوأ الاحوال خبال وفتنة وعذاب وبلاء وحجاب عن الله.


    📌 الهوامش

    1. [1] عن أبي هريرةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: منْ عادى لي وَلِيّاً. فقدْ آذنتهُ بالْحرْب. وَمَا تقرَّبَ إِلَيَ عبْدِي بِشْيءٍ أَحبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ: وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلنِي أَعْطيْتَه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه رواه البخاري.
    2. [2] روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام (جماعة) من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم».
    3. [3] ". . . وكان لهم على الخصوص الشُّربُ المباشر من قلبه الكريم على الله. قلوب شربت من قلب. . . . الصحبة تشرُّبٌ قلبي، وقدوة ماثلة، وتعلُّم" تنوير المؤمنات، ج2، ص337.
    4. [4] محمد العربي أبو حزم، "في الحاجة إلى صحبة رجل".

  • التنظيم والحب في الله

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 35 من 77 — فهرس الكتاب

    جميل هو التنظيم حينما يختلط بالحب في الله، وبشع هو عندما يندثر فيه الحب في الله فيصير عسكرا منضبطا أو عصابة منظمة أو شركة سياسية، جاف مُر مرارة العلقم هو التنظيم عندما يخلو من المحبة، ولذلك كان التنظيم الاسلامي بالخصوص في حاجة ماسة إلى ربط أواصر المحبة بين أعضائه، بل يمكن الجزم بأن الفتل في خيوط المحبة يسبق الضبط والانضباط المطلوبين في كل تنظيم، ذلك أن الخطأ التنظيمي يسهل تصحيحه بقرار تنظيمي آخر لا يستهلك سوى قليل من الجهد والوقت، وأحيانا يكون الضبط مجرد شكليات فارغة لا معنى لها سوى استقرار الوضع أو المحافظة على نظرة الاغيار، بينما هدم أواصر المحبة طعنة في قلب التنظيم وخطأ قاتل للإدارة.

    الحب في الله يختلف عن حب الله، بل يمكن اعتباره فرعا متفرعا عنه ونتيجة لازمة له، فالأصل حب الله، وما حب المؤمنين في الله بعضهم لبعض إلا مظهر من مظاهر صدق حب الله، وحب سيد المؤمنين وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر دليل على حب الله، وحب صحابته وأوليائه كذلك، وحب عامة المسلمين لا شك، والأمر ليس اختياريا بل هو فرض مفروض، فالحب في دين الاسلام فرض لا ندب، قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلاَ أدلكم على شيء إن فعلتموه تحابَبْتم؟ أفشوا السلام بينكم" [1].

    أي نعم، السلم والسلام يفشيان المحبة والحرب والأذية تهدمان المحبة.

    وإذا كانت الجنة محرمة على غير المتحابين بالنسبة إلى عامة المسلمين فإن الاحسان وهو مقام العبودية الخالصة محرم على غير المحبين لرسول الله، روى البخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك! » فقال عمر: فإنه الآن والله لأنْتَ أحبُّ إلي من نفسي! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر! ».

    ولذلك نجد في السيرة النبوية من المحبة التي كان يكنها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم للجناب الشريف الشيء الكثير، شيء يذهل له العقل، والأمر عند المسلمين دين وليس مجاملة اجتماعية أو انبهار سياسي، الأمر دين وآخرة وسلوك ومقامات ودرجات عند الله، ثم آخر الأمر محبة من الله هابطة على العبد المحب المحبوب، قال الله تعالى لموسى عليه السلام: " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي [2]"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القَبول في الأرض. وإذا أبْغض عبدا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إنِّي أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيُبغضه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء إن الله يُبغض فلانا فأبغضوه. ثم توضع له البغضاء في الأرض".

    لن نغوص في أدبيات المحبة وشروطها ونتائجها، لكننا نريد في هذا المحور أن نناقش علاقة الحب في الله بالتنظيم وأجهزته، فهل الحب في الله شيء لازم للهياكل التنظيمية أم مجرد هراء تربوي؟ وكيف يتعامل التنظيم مع هذه المحبة وهل يرعاها بالشكل المطلوب؟ ثم هل يستعملها بطريقة تخدم تربية الفرد وسياسة التنظيم أم أنه يستغلها للركوب والضحك على المحبين؟

    إنني أكاد أجزم أن الحب في الله هو أساس التنظيم الاسلامي وسر بقائه، فقتل المحبة داخل التنظيم الاسلامي بالخصوص ليس مجرد خطأ شكلي بل هو خطأ استراتيجي، فعندما تصاب المحبة بخدش يصاب التنظيم تلقائيا في مقتل ولا يبقى منه سوى شكليات فارغة ومصالح يحرص عليها المنتظمون فيه وتقارع عقيم وحديد يفل الحديد، دعني من المجاملات الرئاسية الباردة والابتسامات الصفراء الفاقع لونها وكلمات الايتيكيت الاداري المنافقة، إن الحب في الله بالنسبة إلى التنظيم الاسلامي كالماء بالنسبة للكائنات الحية، إنه ليس شيئا ثانويا على الاطلاق، إنه أساس، أقول التنظيم الاسلامي لأن أشكال التنظيم السياسية والاجتماعية الاخرى قد لا تحتاج حبا في الله، ذلك أنها تقوم على أسس أخرى، حاجات اجتماعية أو استرزاق سياسي أو مصالح مالية، هذه الاشكال الادارية المادية قد تسير سيرها الطبيعي مع احترامات شكلية وقانون يحمي وحقوق مالية وبرامج مضبوطة ومؤسسات تدور محركاتها بجفاء.

    التنظيمات التطوعية التي يغيب فيها أي مقابل مادي لابد من ترسيخ المحبة فيها لتستمر دواليبها في الدوران، فيكون المقابل معنويا، أريحية نفسية وانتعاشة روحية وأخوة دافئة وسياحة ممتعة بين الفينة والفينة تدفع من يعيشها إلى مزيد من الذوبان في التنظيم والبذل في سبيل المجموعة، والتنظيم الاسلامي نوع من هذه التنظيمات التطوعية التي لا يتقاضى العاملون فيها أي مقابل مادي اللهم المقابل الديني الروحي المعنوي، أفلا يستحق العامل في الصف الاسلامي أجواء محبة داخل التنظيم.

    نرجع ونهمس في اذان القلوب التي تشح المحبة في إخوانها ونقول لها بصدق العبارة بأن المحبة شيء فرض لا مندوب، ذلك أن الحب في الله بالنسبة إلى التنظيم الاسلامي ليس شيئا زائدا عبارة عن خزعبلات تربوية يدندن بها المجاذيب والحمقى داخل التنظيم، إن الحب في الله رغم ما يحمله من حمولة تربوية صوفية إلا أن له دلالات تنظيمية قوية، إنه زيت المحركات التنظيمية التي تدور صباح مساء، وفي غياب هذا الزيت الذي يكاد يضيء تسخن المحركات التنظيمية وتشتعل النيران فيها، تعطب الآلة التنظيمية جراء احتكاك العناصر الجافة بعضها ببعض، ثم تطحن الآلة نفسها بنفسها بعدما كانت مُعدة لتطحن الفساد.

    قال صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [3] معنى ذلك أيها المسؤول التنظيمي الذي يستهزئ بالمُـحبين أن تداعي مؤمني التنظيم الاسلامي ومسؤوليه لمرض العضو وتهممهم بـمُصابه من علامات المحبة والتراحم والتآزر وليس من ضياع الوقت، فمتى كان التنظيم قاسيا في تعامله أنانيا في مصالحه لا يهمه إلا برامجه وأهدافه وأوامر رؤسائه كان ذلك دلالة على انعدام المحبة داخل التنظيم الاسلامي، والأصل في الاسلام كما في الحديث الذي روينا قبل قليل أن المؤمنين في مجموعهم يجب أن يتألموا لمصاب أحدهم ويتآزروا لحمله إن هو أصيب بجرح في الطريق أو بمرض في الجسم أو الروح، على الاقل الشعور بالحمى إن أعجزهم مد يد العون، وذلك اضعف الايمان.

    خلال تجربتي المتواضعة وقفت على حالات كثيرة كانت تنعدم فيها المحبة بوضوح، فتنكسر المؤسسة التي يغيب فيها عنصر الحب في الله والتآزر بين أفرادها، فقد يقضي الفرد في جماعة المؤمنين عشرات السنين بذلا وعطاء ومجالسة وبناء، ثم قد يحدث أن يمر بحالة عرضية من الابتلاء في النفس أو الدين أو الولد أو الصحة، فيُعامل بجفاء ونكران من الاخوان، وأحيانا يحاول التنظيم التخلص منه بسرعة والاجهاز عليه بفصله سريعا أو بالرفع من المعاناة وتأجيج البلاء على المصاب حتى يفصل نفسه بنفسه، فيكون الأمر بطعم الغدر والطعن من الخلف، وهذا دليل واضح على غياب مادة الحب في الله والانحراف عن سنة النبي الكريم الذي كان يتألم لمصاب إخوانه، الحب في الله أول ما يعنيه تألـمٌ للمبتلى ومحاولة إنقاذه ثم التهمم لمصابه ومد يد العون له والاحساس بمعاناته، على الاقل الدعاء له إذا كان هذا التنظيم ضعيفا عاجزا عن تقديم أية مساعدة مادية.

    "جسم الجماعة إذا لم يكن يسوده الوئام الكامل، والوحدة الوجدانية العقدية والتحاب في الله عز وجل، لا يستطيع أن يؤثر في مجتماعتنا الفتنوية الفاسدة التي يسيطر عليها الحقد الطبقي، والخلاف الحزبي، والنعرات القومية" [4]. وكيف يؤثر جسم الجماعة في الفساد وهو فاسد القلب عديم المحبة، أم كيف يؤثر في الفساد وأوصاله ممزقة بالتباعد والتنافر والتباغض واهتمام كل ذي نفس بنفسه، قلنا وأوضحنا أن التغيير يتطلب تنظيما قويا منسجما متماسكا ومتآزرا، بمثابة الجسد الواحد، وكذلك كان التنظيم النبوي الأصيل الذي سحق الفساد لما حقق معادلة المحبة.

    قال سبحانه وتعالى: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ" [5] ركز معي على رحماء بينهم، فالتنظيم النبوي ممثلا في محمد والذين معه تنظيم أساسه الرحمة بين المؤمنين والعزة على الكافرين، والرحمة صورة من صورة المحبة ونتيجة لها، فمتى كان التنظيم شديدا على اعضائه فهو ليس بتنظيم إسلامي، سمه ما شئت، لكن يبقى تنظيما آخر غير التنظيم المحمدي النبوي الذي يقوم على المحبة والرحمة والاحساس بالعضو والسهر معه بالتضميد والعناية.

    قال تعالى أيضا: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" [6]، والانفضاض من حول القائد هو عين فشل التنظيم، يُترك المسؤول التنظيمي وحيدا في المعمعة مع الذئاب بما أنه قاسي القلب، فيبحث عن وسائل بديلة لتركيع المجموعة كالتخويف والتهديد والابتزاز والتشويه والعمل الموازي في سراديب النميمة وضرب هذا بذاك حتى يستقيم له التنظيم، وسائل بديلة لما عجز القلب عن الحب عن الوسيلة الأصل وهي المحبة، وسائل تبقى ضعيفة وآثارها جد محدودة ووقتية، فما دام أن التنظيم لم يتألف بناؤه على المحبة وجُمع شمله بالحديد والنار فلا خير يرجى منه، ومع ارتفاع درجة حرارة البغضاء والشحناء والاحتكاك الجاف يحدث التمرد والشقاق وتتمزق خيوط البناء التنظيمي الجبار الخوار، ثم تبدأ معارك التصفية التنظيمية الحامية والكيد الخارجي الخسيس، وتضيع بعد ذلك الاهداف الحقيقية للتنظيم تحصيل حاصل.

    واضح إذن أن هناك علاقة وطيدة بين التنظيم والمحبة، علاقة عكسية، فعندما تتجلى الرئاسة في صورتها التنظيمية الجافة تخرب المحبة، تقتل الرئاسة المحبة بقلة تربيتها، ولا نعني بالتربية أدب الحديث ولباقة الكلام والشواهد الدراسية، بل نعني بقلة التربية التجبر على خلق الله والبعد عن الله وقلة ذكر الله وشح القلب عن الحب في الله، فحب الرئاسة يجعل الرئيس التنظيمي حريصا على مصالحه النفسية قبل المادية، يُغذي تكبره من ظهر الجماعة، يقضي متعته النفسية في صفوف التنظيم عبر احتقار المرؤوسين، فتـتكسر المحبة ويسقط التنظيم لأنه خرج عن السكة الاصلية وهي العمل لصالح الجماعة والتنزه عن المصالح الشخصية المادية والمعنوية، ولذلك كان ذكر الله وباقي الأوراد الايمانية ضمانة تربوية ضد طغيان الرئيس وحصنا للجماعة من نزواته النفسية التي يقضيها على ظهر المرؤوسين، فيقضي نزواته بعيدا عن استعباد المؤمنين، أو ينزعها الله منه ويعوضه خيرا منها قربات منه ورحمة في قلبه تغنيه عن احتقار الضعفاء الأقل منه أكتافا تنظيمية، وهذا وجه من أوجه العلاقة التي تجمع التربية بالتنظيم.

    في غياب التربية الايمانية داخل التنظيم الاسلامي تكون النتيجة استنساخا آخر من الرئيس الطاغية [7]، الرئيس الجبار الخوار المريض نفسيا، المهتز تربويا، المختل عقليا، الرئيس الذي يخرب التنظيم كليا، ويجلب الخراب للمجموعة كلها بــعفن أخلاقه وانحطاط مستواه التربوي.

    يضيف الله سبحانه وتعالى: " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ" [8]، والعفو عن المرؤوس تجاوز عن هفواته وتأليف لقلبه وعطف عليه، وهو في حقيقة الأمر تقوية للصف لا إضعاف له، فالرحمة على المؤمنين ليست تهاونا تنظيميا كما يتصوره التنظيم الحكار، فالمرؤوس مغلوب على أي حال، والرئيس غالب في جميع الاحوال، والقسوة على المرؤوس إمعان في إذلاله وحط من كرامته التي تعاني أصلا من مرؤوسيته لغيره، فالتجاوز والرحمة والعفو [9] من صفات القائد الذكي الحكيم، ولذلك كان الحلم سيد الأخلاق وأساس فن القيادة، وكان الرئيس الذي يرحم مرؤوسه قائدا ناجحا، وكان الزوج الذي يسبق إلى استرضاء الزوجة أنجح في بيته لأنه ينزل وهو الرئيس، هذا قبل القوانين المستوردة حيث كان الرجل غالبا والمرأة مغلوبة أسيرة عنده، أما عندما يستوي الرئيس والمرؤوس في التنظيم أو يستوي الزوج والزوجة في البيت فلا نتحدث عن الرحمة والعفو والتجاوز لأنها تصير من قبيل الذل والتنازل عن الحقوق العادلة، نتحدث حينها من موقع التكافؤ لا من موقع الرئاسة، والطرفان مدعوان إلى أخذ الحق الذي يكفله القانون والنظام العام.

    قال الحليم الداهية معاوية بن أبي سفيان: " يا بني أمية فارقوا قريشًا بالحلم، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتمًا وأوسعه حلمًا، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدني، وأثور به فيثور معي، وما وضع الحلم عن شريف شرفه" [10]، لاحظ معي كيف يزيد الحلم من قوة الرئيس، رغم أن الحلم أقل من المحبة بما يحتويه من كظم للغيظ وكف عن الرد قد لا يرقى إلى مرتبة الحب في الله، بل قد يكون خبثا ومكرا وتربصا وإخفاء لانتقام مؤجل إلى وقته.

    قال رجل لمعاوية يوما: " ما رأيت أنذل منك "، فقال معاوية: " بلى ".

    معاوية لم يكن يحمل الحب لأصحابه كذاك الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ولم يكن أصحاب معاوية يحملون المعاني الايمانية التي عاشها الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على طول مسيرته الدعوية، فمعاوية من مسلمة الفتح، مسلمي آخر ساعة، لكنه استعاض عن الحب في الله الصادق الصافي في تدبير التنظيم والشأن العام بالحلم وكظم الغيظ لما كانت الجزيرة العربية لم تألف بعد حكم الملوك.

    بيت القصيد عندنا أن تأليف القلوب بالمحبة أو بالحلم حول الرئيس من علامات التنظيم الجيد وأمارات الادارة الحكيمة، كتب معاوية يوما إلى نائبه زياد [11] قائلا: " إنه لا ينبغي أن يسوس الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا، ولا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة، وأنا للين والألفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابًا يدخل منه"، هذه الحيلة هي بالضبط ما يفعله طغاة اليوم داخل التنظيمات والانظمة، يُؤمرون على الناس شرار الخلق من القساة الغلاظ الشداد، ثم يفتحون لهم بابا من الرحمة الكاذبة والطيبة المزيفة والمحبة المخادعة حتى يقول الناس إن مديرنا حنون حكيم.

    نلاحظ كيف تتداخل الاخلاق بالتنظيم عامة، وكيف تتداخل التربية الايمانية بالتنظيم الاسلامي خاصة، هذا الأخير يختلف كليا عن التنظيمات الادارية الأخرى، ذلك أن الدين حاضر في علاقة المؤمنين بعضهم ببعض، دين دولة ودعوة ومجتمع وعلاقات شخصية وعبادة وأخلاق وفطرة، والتنظيم الاسلامي تبعا لذلك تنظيم محبة وتآلف، تنظيم يجمع القلوب قبل أن يجمع الاجساد، "وما دام جند الله في مراحل الدعوة فهم نسمة لطيفة تدخل على جو الكراهية تنعش ما استطاعت من آمال، وتهذب ما استطاعت من أخلاق وعلاقات" [12].

    رحمك الله سيدي على هذه الكلمات اللطيفة والمعبرة، مسؤولين تنظيميين يقتبسون من مشكاة الحب في الله، نسمة الهواء التي تدخل على المؤمنين فتنعش آمال الدعوة وتقضي مع جو الكراهية، ترحم الضعيف وتواسي المبتلى وترأف بالصغير وتوقر الكبير، فيصبح كل المؤمنين علامة مسجلة للمحبة والرحمة والمواساة، ثم يفيضون على غيرهم بركة وخيرا فيرتفع منسوب التربية والاخلاق داخل الصف، وتتحسن العلاقات الاجتماعية والشخصية بين المؤمنين.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" [13]، هذا بالنسبة إلى المؤمن العادي مطلوب منه أن يحب لإخوته ما يحب لنفسه، فكيف بالمؤمن القائد المسؤول الذي يمثل رأس التنظيم والدين، رأس الايمان، النقيب المربي، نموذج المؤمن القائم براية الدعوة والاسلام، هو أولى أن تتمثل فيه أخلاق الاسلام ومعانيه ما دام أنه يسود ويرأس المؤمنين.

    خلاصة القول أن المحبة جمع، والكراهية شتات، القائد المحُب لإخوته يجمع، والقائد الجبار يُشتت، الحب في الله رباط تنظيمي قوي، والشحناء حالقة لأواصر التنظيم قبل أن تكون حالقة للدين، فلا فائدة من من تنظيم متجبر ولا فائدة من قائد جبار، لا فائدة من ضبطه وتنظيمه ومكره و"تخراج عينيه"، إنما السيادة بالدين والخلق، والمحبة أوثق عرى التنظيم والدين [14].


    📌 الهوامش

    1. [1] رواه مسلم وأبو داوود والترمذي.
    2. [2] سورة طه، 39.
    3. [3] رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.
    4. [4] المنهاج النبوي، ص82
    5. [5] الفتح، 29
    6. [6] ال عمران، 159
    7. [7] " إن ضاع من المسلمين مفتاحُ التربية الإحسانية، وجف من القلوب الشوقُ إلى الله عز وجل، فيا حسرة على العباد ".رجال القومة والإصلاح، ص96.
    8. [8] آل عمران.
    9. [9] "إنَّ أَخْذَ العفو والإعراض عن الجاهلين، ما لم يكن الإعراض ضعفا وتضعيفا للحق، لهما الخصلتان النبويتان الراشديتان، بِهما تكمل القوة والأمانة، إذ هما عنوان امتلاك النفس ومن ثم امتلاك الموقف". الإحسان،ج2، ص317.
    10. [10] علي بن محمد، صور من سير رجال حول الرسول، ص116
    11. [11] زياد بن أبيه أو زياد بن سمية، هو أخو معاوية من أبيه أبو سفيان وأمه سُمَيَّة جارية الحارث بن كلدة، يقال إن ابا سفيان كان سكرانا عام الهجرة فأتوه بباغية اسمها سمية فولدت زيادا، أقر أبو سفيان ببنوته في عهد عمر، كما استماله معاوية لتقوية صفوفه واعترف بأخوته.
    12. [12] المنهاج النبوي، ص284
    13. [13] رواه الشيخان وغيرهما عن أنس.
    14. [14] عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ. حسنه محققو المسند وكذا حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (3030).

  • التربية أولا أم التنظيم؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 34 من 77 — فهرس الكتاب

    هل البيضة سابقة على الدجاجة، أم الدجاجة سابقة؟ هل التربية سابقة على التنظيم في نشأتها و أهميتها وممارستها؟ أم التنظيم قبل التربية نشأة وأهميةً وممارسة؟ أم هما معا وفي آن واحد كالمشي على قدمين، أم هما الشيء نفسه؟ إنه نقاش فلسفي إسلامي لم يحسمه أحد بعد، وبين النظريات فلسفةً والواقع ممارسةً حقائقُ تضيع، ورقاب تطير.

    دعونا نفصل قليلا في المصطلحات قبل أن نحسم الأمر من وجهة نظرنا، على أن لكل فهمه الخاص ووجهة نظره المحترمة، فماذا نعني بالتربية؟ وماذا نعني بالتنظيم؟ هل نعني بالتربية التعليم؟ هل تعني أن تكون ذا شخصية مسلمة مستقيمة على منهاج القرآن الكريم والسنة النبوية؟ هل هي عملية تربوية مستمرة لتحسين الاخلاق والارتفاع بمستوى العبادات واليقينيات الغيبية؟ بكل تدقيق، هل التربية مرادف للإيمان والارتفاع به؟ ثم ماذا عن التنظيم؟ هل هو برامج أم مؤسسات أم هياكل أم شخصيات تنظيمية أم وجوه خشنة عابسة مكفهرة، أم هو بنايات بمرايا نظيفة بها مكاتب فارهة وأشخاص وسيمون يتخذون القرارات ويدبرون أمور الجماعة بكل حذاقة؟

    المتحاذق التنظيمي يحيلك دائما على التربية مُتهما تربيتك بالقصور حينما تغرق سفنه التنظيمية أو حين تختلف معه في الفهم أو الحركة، يضربك في نيتك اعتمادا على مركزه التنظيمي الذي يخول له العصمة والكشف على النوايا وينعتك بقلة التربية ويحيلك على بحر التربية الذي لا ساحل له لتشربه قبل أن تناقشه في التنظيم، لكأنه قد اجتاز بحر التربية بنجاح قبل أن يتسلم المسؤولية التنظيمية، يقصيك من ميدان مناقشة قراراته الدكتاتورية بالتربية، استغلال للدين في الدنيا، يبعدك عن ميدان العمل والفاعلية بتذاكٍ مستذئب، حقٌ أريد به إقصاء.

    نوع آخر من فراعنة التنظيم يحيلك على التربية الشكلية الجافة الدائرة في الخواء السياسي لترقص على الواحدة ونص في جوقة السياسة دون أن يدلوك على الاصل وتربيع الرجلين أمام القبلة، يغشونك عندما لا يدلونك على الله، ومما نقل إلينا من كلام العارف بالله المولى عبد السلام بن مشيش عندما سأله تلميذه عن قوله صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا قوله: "من دلَّكَ على الدنيا فقد غشك، ومن دلَّكَ على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك، فإذا دلك على الله فقد غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى".

    بهذا الفهم تكون التربية دلالة على الله يقوم بها ولي الله، دلالة على "الله" لا دلالة على الاعمال الصالحة رغم كبر قدر الحسنات في أعين الناس، ومن الأعمال الصالحة الانضمام إلى التنظيم الاسلامي من أجل نصرة الاسلام ونصرة المستضعفين، وتحت راية التربية تجتمع كل مفردات الخُلق والدين، تنضاف إليها في التنظيم الاسلامي معاني اكتساب الملكات الحركية لتأسيس دولة العدل، فيختلط بالنسبة للمؤمن الحركي مع ما ذكرنا معان تربوية أخرى غير المعاني التربوية في القاموس الصوفي لاختلاف الميدان واختلاف الغاية والهمة والوسط، فغاية التربية بالنسبة للمؤمن داخل التنظيم الاسلامي هي إقامة دولة الاسلام الثانية الموعودة [1]، مع ما يتطلب هذا الأمر من إعداد وتكوين ذاتي وجماعي وتعبئة للجهود والسواعد والعقول لتكوين القوة التي يناط بها توجيه ضربة إلى الظلم وإسقاطه ثم إرساء أسس دولة الحق والقانون، بينما ينكفئ المؤمن الفرد المهتم بتربية نفسه في ميدان نفسه، لا عدو له إلا نفسه، يضربها وتضربه، فهو في حرب مباركة، فالنفس وما أدراك ما النفس، إسقاطها من علياء خبثها لكأنه إسقاط دولة، إن شاء الله نصر هذا العبد الزاحف عليها بالطاعات والمخالفات فأصبح وليا لله، وإن شاء الله سقط هذا العبد حسن النية شهيدا في معركة نفسه، رحم الله شهداء الطريق.

    التربية إذن هي الأساس وهي رأس الأمر كله، هي المنتهى والغاية، التربية أولا وآخرا، والتربية وسطا [2]، فخلال أداء المهام التنظيمية لابد من تربية، اكتسابا وتعلُما، ثم تعليما وترسيخا وممارسة، فالمؤمن في تربية دائمة، يتربى ويُربي، دون أن ينكشف رأس سلوكه عن خوذة التربية، حتى يلقى الله على ذلك، وهذا هو الفهم السليم للتربية الذي أخذناه عن الأكابر، أولياء الله المرشدين الدالين على الله، وليس أمراء التنظيم الذين هم أحوج الناس إلى من يُربيهم، وأستغرب كيف ينادي اليوم أمراء التنظيم بأحقيتهم في الدلالة على الله [3] والوصاية على التربية، إنني أعرفهم جيدا واحدا واحدا، معرضون للفساد أكثر من غيرهم لاجتماع السلطة في يدهم، والسلطة تطغي، خاصة إذا لم يكن لها من رادع، فكيف ستردع التربية التنظيم إذا كانت تحت وصايته، هل سيتواضع معاوية مع علي مثلا؟ لا أظن ذلك، إن التنظيم عندما ينادي بالوصاية على التربية كالذئب الذي يريد الوصاية على الراعي والرعية.

    رجال الله هم القائمون المفترضون على التنظيم، المقلمون لأظافر طغيانه لأنهم تخلصوا من نفوسهم بشهادة رجال الله وتزكيتهم الموصولة كابرا عن كابر، بينما يغرق أمراء التنظيم في وحل النفس وأوساخ الدنيا وهم يعتقدون في أنفسهم مشيخة تربوية، رجل التنظيم ليس سوى مشروع طاغوت ما لم يمسكه رجال الله من قفاه، رجال التنظيم ذئاب يخشى منهم أن يفتكوا بالجماعة ويطيحوا بخيرة رجالها كلما برزت نفوسهم الخبيثة وتطلعت إلى السلطة، ولذلك ورثة النبوة [4] هم المؤهلون لسيادة الجماعة لا مسؤولو التنظيم، وهو ما يصطلح عليه بكل لباقة لسان أن يسود رجال الدعوة على رجال الدولة، ويسود أهل الله مؤسسات التنظيم والسياسة، رجال التنظيم حقيرون بالوراثة، ماكرون من البداية، فهم أسسوا مناصبهم بالمكر والخداع والدهس على الرقاب إلا النادر منهم، ورجال التربية وصلوا إلى منصبهم بالله، قتلوا نفوسهم في طريق الله، فتخلصوا من الخبث النفسي الذي في داخلهم، فحق لهم أن يسودوا الأرض والسماء والتنظيم، على الأقل من وراء حجاب.

    إننا عندما نصف رجال التنظيم والسياسة بصفة عامة بالحقارة بالوراثة فإننا لا نتحامل على أحد، ونقصد هنا عموم اللفظ دون تشخيص أو تعميم كل المرشحين البارزين لغد السلطة في صفوف التنظيم الاسلامي، ذلك أن الكثير من هؤلاء مجرمون حقيقيون تسلقوا المراكز التنظيمية داخل التنظيم الاسلامي بالمكر والذبح والمكائد، واستعملوا كل الطرق الخبيثة التي يمكن أن يستعملها غيرهم من السياسيين في التنظيمات الأخرى، وقد تميزوا عليهم بخبث إضافي وهو استغلال الدين لتثبيت مراكزهم التنظيمية، فهم منافقون من الدرجة الأولى، وهم أشد خطرا على البلاد والعباد من رجل السياسة اللائكي [5] الذي علمونا صغارا أنه عدو لله، إن الطاغوت اللائكي البسيط يسهل اقتلاعه، ويسهل تقويمه، أما الطاغوت المركب المختلط بالدين فيصعب اقتلاعه حينما يسيطر على السلطة، يصعب تقويمه لأنه يستند على شيء مقدس في نفوس الناس اسمه "الدين".

    إن الدين الاسلامي في حقيقته لا يوصي بالطاعة العمياء التي يريدها السياسيون اليوم باسم الدين، لكن الشياطين السياسية تلتبس على الناس عندما تختلط بالدين، خاصة عندما يفتي لها أصحاب اللحى الطويلة ممن يتقنون اللعب بالمصطلحات والاحاديث ويمزجونها أحيانا بالدموع المنافقة، ولذلك كانت هاته الفئة من السياسيين والمتدينين هي شر الخلق على الاطلاق وأول من تسعر بهم نار جهنم لأنه لا نفاق فوق هذا النفاق.

    قلة قليلة من المؤمنين المتصدين للتنظيم والادارة والحكم تستطيع أن تبقى نظيفة اليد والقلب واللسان، أفراد، وربما واحد في كل زمان، وربما لا أحد، فالجمع بين الدعوة والدولة يصعب على كبار الكبار من الصالحين فأنى بالحثالة من عبدة الدنيا والبشر، ولذلك فإن مسك التنظيم أن يزيغ لا تكون إلا من أحد طريقين، المؤسسات أو رجال الله الذين يفهمون الميدان حيث يدور المسؤول التنظيمي المتذاكي، المؤسسات تستطيع أن تقهر طغيان النفوس البشرية الجالسة على رأس التنظيم عن طريق قوانين تكفل حق الرقابة والتأديب، فـتـتجرع الدكتاتورية القابعة في النفس مرارة قهر المؤسسات الرقابية، وإلا قهرها رجال الله لما تكون بيدهم السلطة الفعلية على الكلاب السياسية اللاهثة وراء السلطة وعبادة البشر لهم، رجال التنظيم وراء السلطة دائما لاهثون، إن تتركهم لهثوا وراء السلطة وإن تحمل عليهم مسؤولية لهثوا وراء مزيد من السلطة [6].

    رجال الله يقهرون النفوس بالتربية، فالتربية مُرة مرارة العلقم، لأنها ذبح للنفس، النفس الأمارة بالسوء وليس النفس الطيبة التي أمرنا الله أن نزكيها، فالنفس البشرية تتصارعها نفسان، نفس خبيثة أمارة بالسوء ونفس طيبة أمارة بالخير، شيطان يزين السوء من جهة وملك يأمر بالخير من جهة أخرى، والله كفل للإنسان حرية الاختيار، وعلم بعلمه الكاشف السابقة والخاتمة، والتربية بهذا المعنى تقوية للنفس الطيبة وذبح للنفس الخبيثة، فأهل الله ينمون فيك الجانب الطيب ويفنون فيك الجزء الخبيث، وليس كما يفعل رجال التنظيم المنكوسون الذين يتركون النفس الأمارة بالسوء ترتع في التنظيم بسمومها وفسادها وتجبرها وطغيانها ثم يذبحون النفوس الطيبة والرجال الطيبين.

    التربية فن الصالحين العلماء وليست من اختصاص التنظيم الجويـهل.

    التربية إذن صمام أمان التنظيم، والتربية متميزة عن التنظيم، لا تختلط به إلا ممارسة، لكن مصادرها وأسبابها وغاياتها ووسائلها مختلفة كل الاختلاف عن أسس التنظيم ووسائله وغاياته، التنظيم غايته الدولة والسلطة، والتربية غايتها الانسان وعبودته لله، التنظيم وسائله البرامج والاموال والرجال، والتربية وسيلتها الصحبة الصالحة والصدق وذكر الله الكثير [7]، التنظيم أساسه العدل [8] والتربية أساسها الاحسان [9]، التنظيم مجرد وسيلة والتربية غاية الغايات، التنظيم ينتهي دوره بتحقق أهدافه، أما التربية فلا تتوقف ولا تنتهي، ولو بعد إقامة الدولة العادلة، التنظيم سنده الشرعي: " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" والتربية سندها الشرعي: " من أصبح وهمه غير الله فليس من الله"، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: " مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ غَيْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَمَنْ لَمْ يَهْتَمَّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ [10] ".

    حديث يجمع التربية والتنظيم، لكنه يميز بينهما، فالتنظيم وحمل هموم المسلمين جائزته الكينونة مع المسلمين، أما جائزة التربية وحمل هم الله فهي الكينونة مع الله، رغم أن معنى "من الله" تعني ما هو أكثر من الكينونة مع الله، ربما تعني ما تعنيه حرفيا.

    يبدو جليا أهمية التربية على التنظيم، وتميزها وتفردها عنه، ومقامها العالي بالله، ويبدو التنظيم كم هو وضيع حقير وخطر على الدين والدنيا رغم ضرورته، فالتربية مادة الحياة وهي صمام الامان بينما يبقى التنظيم ضرورة كأكل الجيف، فهو العدو الداخلي المتربص بالمؤمنين، فالتربية لب والتنظيم قشر، التربية عمق والتنظيم مظاهر، التربية مضمون والتنظيم شكل، التربية فوز والتنظيم خسران مبين [11] إذا لم يكن في خدمة رجال التربية فحاد بالناس إلى مواقع الهلاك وأوردهم الموت القلبي والسياسي بما جنت أيدي قليلي التربية الذين تسلطوا على رقاب الناس بمواقعهم التنظيمية التافهة في ميزان الحقيقة.

    ولذلك نقول ونؤكد دائما على أن التنظيم ورجاله يجب أن يخضعوا للتربية ورجال التربية، أما إذا اخترق رجال التنظيم مواقع التربية ومراكزها وسيطروا على رجال التربية فلننتظر ساعة فناء الجماعة وفشل الدعوة وانهيار التنظيم وتشيطن المؤمنين وتشتت الاسر وخراب البلاد والعباد، وكل ذلك سببه وصاية التنظيم على التربية.

    التنظيم وسيلة ضرورية للتغيير وإقامة العدل، أي نعم لا نُنكر على التنظيم أهميته، وبرجوعنا إلى التاريخ نجد أنه لم ينجح فرد في إقامة العدل منفردا، بل دائما ما يرتبط العدل وإقامته بالحركة الجماعية، ونقصد بذلك التنظيم الذي ينتظم فيه رجال اجتمعت قلوبهم وعقولهم وسواعدهم على التغيير والزحف نحو إقامة دولة العدل التي ينصرها الله ولو كانت كافرة [12].

    والتنظيم اليوم ورغم حمولته الثقيلة وصيته المتسخ وظلاميته المرعبة وشبهاته المخابراتية لكن يمكن أن نستعمله لأن المعني بكلامنا هم رجال التنظيم، على أن الكلب قد يتحول إلى عجل، فاللاهث وراء السلطة يتحول إلى إلــه في لحظة تمكنه، يقول بصريح العبارة أو بالمعنى "أنا ربكم الاعلى"، وما يكره رجال التنظيم شيئا أكثر ممن ينتقد عجلهم عندما يعبدونه، العجل الذهبي المعبود هو التنظيم، ذهبي بسطوع بريق مؤسساته وأمواله وأجهزته، فلذلك كان من أهم غاياتنا في هذا الكتاب هو تـتبير قدسية التنظيم، وإنزاله إلى أرض الواقعية والنقد، ثم تذكير التنظيم بأنه ليس إلا خادما الدعوة، وسيلة لا غاية في حد ذاته، وأخيرا تذكير رجاله بأنهم بشر عادي، بل هم أكبر خطر على الأمة إن هم تمطوا رقاب التربية وتجاوزوا أهلها، فلا داعي لتلك المشية الخيلاء، رجال التربية هم الصفوة، وصفوة الصفوة.

    التربية إذن أولا ووسطا وآخرا، والتربية بكل ما تحمله من معنى هي الغاية التي خلق الله من أجلها الناس، التربية هي لب هذه الحياة بكل لذاتها ومكائدها وزخارفها، قال تعالى: " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" [13]، الرزاق ذو القوة المتين، هو الله وليس البشر، البشر ضعيف حقير ويظن مغرورا أنه من يصنع الارزاق، ورجال التنظيم أكثر حقارة عندما يظنون أنهم يصنعون الارزاق الروحية، حاشا لله، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، فما الدنيا إلا ملعب كبير لاختبار الناس، واختبار مدى عبادتهم لله وخضوعهم له، فالغاية من خلق الناس ليست الارزاق بل الغاية هي العبادة، عبادة الله الواحد القهار، والتنظيم بما أنه وسيلة لإقامة العدل يجب أن لا يتطاول على مقام التربية، فهي المعنية بـكلمة "ليعبدون"، وبذلك تكون معرفة الله هي الغاية وليس التنظيم، فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الانس والجن للتنظيم، بل خلقهم ليعبدوه، قال بن جريج في معنى إلا ليعبدون: " إلا ليعرفون" [14]، وقال البغوي رحمه الله معقِّبا على قول مجاهد إلا ليعرفوني: " وهذا أحسن، لأنه لو لم يخلقهم لم يُعرف وجوده وتوحيده [15]."

    اللهم اجعلنا من العابدين العارفين بك.

    التربية إذن غاية الغايات، ومحط همم الاولياء، ووسيلة ناجعة لتقليم أظافر التنظيم وأنيابه خاصة عندما تتعاون أجهزة التربية مع أجهزة القضاء، العصا والجزرة، التربية التي من أجلها بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، التي من أجلها يخسف الله الارض بالناس إذا لم يعبدوه ولم يشكروا له، التربية عليها مدار الأرض والسماوات، ومن أجلها يجب أن يخصص التنظيم برامجه ويُفرد رجاله، فالتنظيم عندما يخطط ويبرمج يجب أن لا يتجاوز التربية، وعليه أن يضع في حسبانه أن رجالا لهم قدر من الايمان والخلق هم الضمانة لتحقيق العدل في الارض، دعني من التنظيم اللائكي الذي موضوعه تحقيق الثراء للناس والسلاح واللذة، نحن نتحدث عن التنظيم الذي يناط به إقامة العدل على منهاج القرآن، فيختلط فيه إقامة العدل مع إقامة العبودية لله، ولذلك فالتنظيم المجرد من مهام التربية أسهل شأنا، بينما يستشكل التنظيم الذي يجمع بين مهام إقامة العدل ومهام إيصال الناس بنورانية ولي الله.

    نستحي أن نتكلم في التربية، وهي المعين الطاهر الذي لا يقربه إلا المُطهرون، ولا يستقي منه إلا الطيبون، ولا تستقر فيه إلا القلوب الصادقة الصافية المحبة الشفافة الموجهة بوصلتها نحو سدرة المنتهى والقبة الخضراء وحفرة القبر، لكني لاحظت في مسيرتي التربوية أمرا غريبا، إنني لم أجد عدوا للتربية أشرس من التنظيم، لكأن الشيطان شخصيا من يُعين المسؤولين في التنظيم، ولا زلت لا أفهم إلى يومنا هذا لم يكره التنظيم التربية ورجال التربية، وما زلت لم أستوعب لحد الان كيف يفتح التنظيم أحضانه للفارغين والمنافقين والمتظاهرين والمشبوهين والجواسيس وكثير من اليساريين والعلمانيين، بينما ينزل بكل وحشية وقسوة على المؤمنين السالكين طريق التربية [16]، لا أفهم لم يكره التنظيم التربية ولم يحاول تصفيتها، ربما لأنه يراها سيفا على رقبته.

    ما زلت أشاهد جرائم التنظيم في حق المؤمنين ماثلة أمامي، عشرات الجرائم التي حضرتها ومئات أخرى سمعت عنها من مناطق مختلفة، نفوس رجال التنظيم الخبيثة الملوثة بالرئاسة والتشوف للسلطة تكره مصطلح التربية وتنفر من مجالس التربية وتتقزز من رجال التربية ومستعدة لذبح أهل التربية.

    إن التنظيم مستعد ليصرف النظر بتاتا عن التغيير السياسي وعن العدل وعن الدولة الاسلامية جُملة مقابل إرواء حقده على التربية وتصفية رجال التربية، التربية غصة في حلق التنظيم ورجاله، فإما أن يبتلع التربية ويضعها في كرشه وإما أن يقضي على أهلها ويدفنهم، وهو في ذلك يبذل جهودا مُضنية ويضيع طاقات كثيرة وأوقاتا طويلة ليحتوي التربية ورجالها ويضعهم تحت وصايته التنظيمية، القضاء على رجال التربية أو فرض الاقامة الجبرية عليهم مسألة حياة أو موت بالنسبة للتنظيم.

    لاحظت هذا الأمر غير ما مرة، فالمسؤول التنظيمي دائما يتحسس رقبته، ليس من المسؤولين الذين فوقه الذين من المفروض أن يحسب لهم ألف حساب من منطلق السلم الرئاسي ويقوم بالواجب خدمة للتنظيم بل يتحسس رقبته من رجال التربية، المسؤول الفوقي سهل أمره، فمجرد طاعته تضمن المركز التنظيمي، لكنه يتحسس رقبته من أناس متواضعين لا مسؤولية لديهم في التنظيم، لا يملكون شيئا، لا مال ولا جاه ولا منصب ولا وظيفة، أناس ضعاف بالميزان المادي الذي يحترمه التنظيم ويقدسه ويوزع المسؤوليات بناء عليه، أناس لهم نورانية وقبول لدى الناس، نورانية إيمانهم تعطيهم نوعا من الكاريزما [17] التربوية، هذه الكاريزما التربوية وهذا الاستقطاب التربوي هو أشد ما يخشاه التنظيم ويكرهه التنظيم ويُسخر في سبيل القضاء عليها كل طاقاته بما في ذلك المؤسسات التنظيمية والجواسيس المؤمنين، حتى أنه لا يتردد في الضرب تحت الحزام، فيبحث كيف يسقطهم أخلاقيا مستعملا النساء.

    إنني عندما أتحدث عن حصار رجال التربية والحرب التنظيمية الموجهة ضدهم لا أظلم التنظيم، بل أصارحه بجريمته المتلبس بها على رؤوس الاشهاد، وأصارحه بالسبب الحقيقي للفشل الدعوي ليتوب، وأذكره أنه ليس في الاصل سوى نوع من التربية، وهو إذ يستشيط غضبا ويـبهت كالذي كفر عندما تواجهه بالحقيقة الساطعة، يبتلع ريقه عندما تنصحه برفع يد القمع عن التربية ورجالها، لكن عدو الله خائف على مركزه التنظيمي وسُلطته التنظيمية، يحاول أن يبرر ذلك بأن التنظيم يجب أن يسود وتكون له الكلمة من أجل رفع راية الاسلام، يختبئ خلف الاسلام والجهاد.

    يا سبحان الله، أصبح الاسلام متوقفا على مركزك التنظيمي وعبقريتك التنظيمية الفذة، لكأن الله عاجز ينتظر تنظيمك، ولكأن نسل الرجال الفاهمين انقطع ولم يتبقى سوى فهمك وفهم مسؤوليك، دع عنك يا هذا، فالإسلام لا يبنى على أشلاء المؤمنين، الاسلام لا يبنى على الاستبداد التنظيمي ولا على الاستبداد التربوي حتى، الاستبداد والقمع والفصل والتشويه لا يبنى عليه شيء من العدل والاحسان.

    كنت في ما مضى أعتقد أن نظاما ما هو من يحاصر رجلا ما، لكنني مع توالي الايام واقترابي من الدائرة الضيقة وجدت أن هناك نوعا آخر من الحصار، وهو ما أشرنا إليه سابقا، الحصار الداخلي التنظيمي ومحاولة فرض الوصاية [18] على الرجل وعلى أصدقاء شبابه من رجال التربية الذين يحبهم، لقد أتت الضربة القوية من الداخل، فأصبح التنظيم هو من يحاصر الرجل، أصبح التنظيم يحسب عليه أنفاسه ويُنظم حتى حياته الشخصية ويحدد من يلتقي وبمن لا يلتقي، يحاول أن يحتوي حركاته وأقواله ولقاءاته مع الناس، يحاول نسب نجاح الدعوة للتنظيم وحتى روحانية الجماعة للتنظيم، لقد أصبح التنظيم الجبار الخوار أداة للحصار، وحاجزا بين ولي الله والمؤمنين، انقلب التنظيم على عقبيه فعوض أن يكون قناة واصلة موصلة نقية لتصريف الصحبة والارزاق المعنوية، أصبح هو الحاجز والمانع والحجر العثرة أمام سريان نور الصحبة.

    ومما بلغنا من رجال ثقات أن الرجل مات وفي حلقه مرارة من غدرة التنظيم، ووجدنا في المحصلة تنظيما غير قادر لا على تربية ولا على تنظيم ولا على زحف، تنظيم بريستيجي مرتع للجواسيس والمنافقين وأصحاب المال والوظيفة.

    لم أكن أستطيع قول هذا وأنا في السلم التنظيمي، فعبادة التنظيم كانت شرطا لولوج محاضن التربية، فالقاعدة المعمول بها هي "الصمت مقابل المجالس"، وهذا الخضوع التنظيمي منه يقتات المؤمنون الراكعون للتنظيم، التربية مقابل التواطؤ والسكوت، هاك المجالس الايمانية وهات التطبيل، حضور مجالس التربية مقابل الصمت عن الجرائم التنظيمية وأحيانا التواطؤ والمشاركة في الجريمة، لكني فهمت ذلك بوضوح عندما اقتربت ساعتي التي كان يخطط لها التنظيم منذ مدة، وجدت أنني لا أساوي شيئا لدى التنظيم، مجرد رقم يستطيعون أن يذبحوه في أية لحظة، وقد كان ذلك.

    ذبحوني كما ذبحوا المئات وربما الالاف، لكنني بهذه الذبحة التنظيمية خرجت من الشرنقة التي كنت أظنها سبيلا إلى اقامة العدل في الارض، لقد وجدت أنني كنت في بئر التنظيم محروما من التفكير والابداع، محروما حتى من الحياة الطبيعية، حرمان وحصار وقهر وتجسس ومتابعة وتدخل في الحياة الشخصية، وفهمت الان أن التنظيم هو أكبر خطر على الاسلام وعلى الدعوة وعلى الاسلام، فالملحدون الان يخرجون من تحت يدي التنظيم بالعشرات، والمنافقون بالمئات [19]، فهو يستطيع أن يذبح المؤمنين بكل تستر وقلب للحقائق، شر مستطير يستطيع أن يدمر روح الاسلام بدكتاتوريته الدينية وخبثه التنظيمي ومكره السياسي ولعبه بالمصطلحات الدينية والمفاهيم السياسية.

    نحوم ونرجع إلى القول بأن التربية هي صمام الأمان داخل التنظيم، سواء على المستوى فردي أو الجماعي، وعليها المدار كله، فهي المبدأ والمعاد، ورجالها يجب أن يسيطروا على مؤسسات التنظيم لا أن يسيطر التنظيم عليهم، فالتربية يجب أن تمسك التنظيم الجبان من قفاه، أما التربية الخانعة الخاضعة الراكعة التي ترتكز على النص الديني على شاكلة تربية شيوخ السلطان تحت الوصاية السياسية والتنظيمية للطغيان التنظيمي فلا يأتي منها خير، تصبح وسيلة للاستبداد التنظيمي والديني لا غير.

    التربية التي نريد هي تربية متحررة لا يقيدها تنظيم ولا مسؤول، تربية مشاعة في الأمة لها مؤسساتها العفوية الحرة التي لا يتحكم فيها تنظيم معين، تربية ليس بينها وبين الله حجاب، خيط نوراني واصل عن طريق صحبة ولي الله، صحبة عفوية شخصية خالصة لوجه الله، وأوثق عراها الحب في الله، وحوالي ولي الله مؤسسات تربوية هادئة نشيطة متحررة لينة تعمل وسط الأمة بالشفافية والحب للناس، هذه الاواصر القلبية يجب أن تتحرر من التنظيم وسيطرته، القلوب والارواح خارجة عن نطاق النفوذ التنظيمي وخارجة عن دائرة تلاعباته السياسية، وهي إن سقطت في يد التنظيم أصبحت وسيلة استبداد، هذا الاستبداد إذا تمكن من الدولة فاقرأ الفاتحة على مستقبل الاسلام وعلى المسلمين، فالاستبداد التربوي المختلط بالسياسة هو أشد أنواع الدكتاتوريات التي يصعب اقتلاعها فيما بعد، يصعب اقتلاعها لأن الحق يلتبس فيها مع الباطل، فيتحدث الباطل باسم الدين ويكون لهذا الباطل أنصار من المؤمنين المدوخين، ويسكت المؤمنون الآخرون الصادقون الفاهمون خوفا على الجماعة من الانقسام، وهنا يلعب شيطان التنظيم الذي يتقن وضع التربية في هذا المأزق، فيموت دين المؤمنين داخل التنظيم وتنتحر أخلاقهم.

    ولذلك كان الذي يضرب بالسيف في هذه اللحظات الدقيقة الحاسمة أكثر الناس إيمانا وأوضحهم رؤية وأكثرهم علما، ذلك أنه يستطيع أن يميز بين الحق والباطل حتى في أحلك الظروف، فلا تنطلي عليه حيلة شياطين التنظيم من قبيل شعار الحفاظ على البيضة، مثال ذلك علي كرم الله وجهه الذي لم ينخدع برفع المصاحف [20] ودعاوى الحفاظ على بيضة الاسلام، أما ذاك الذي يتمنى على الله سيفا ذكيا يميز بين الحق والباطل فإنه غير ممتلك لذاك القلب المميز، فالقلب يجب أن يميز، أما السيف الحديدي القادم من السماء الذي نتمناه أن يميز لنا بين المجرمين والصالحين فهو غير موجود، السيف هو القلب.

    نحاول أن نقول بأن التربية أولا وآخرا والتنظيم عوان بين ذلك، التربية في كل حين والتنظيم للضرورة، التربية غاية الغايات والتنظيم مجرد وسيلة تربوية وسياسية وقد تتغير كل حين، رجال التربية يجب أن تكون لهم الكلمة الاولى والاخيرة، ورجال التنظيم يجب أن يخضعوا لرجال الله وينخرطوا بشكل فعلي في العملية التربوية، وإذا كان في حويصلتهم نوع من خبث أو مكر فليوجهوه إلى الخارج، فميدان السياسة والسياسوية والتدافع السياسي والاقتصادي ميدان واسع للمكر والخبث بعيدا عن أهل المحبة والصفا ورجال الحق والمعرفة.


    📌 الهوامش

    1. [1] أخرج أهل الحديث روايات متقاربة في هذا الشأن و الذي صح عند الإمام أحمد قول النبي عليه الصلاة والسلام:" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ثم سكت". وهو حديث صحيح.
    2. [2] " الواجهة الأولى في الجهاد هي واجهة التربية. نعني تربية الإيمان بمفهومه اقتحاما للعقبة وبكل شعبه. التربية أولا ووسطا وآخِرا، ولا آخَر، ودائما. لا نفرغ من تقويم أنفسنا. ومتى ظننا أننا أتممنا تهذيبها فذلك نزغ الغرور، وغرة بالله، وطيش في ميزان الرجولة". عبد السلام ياسين، مجلة الجماعة، الجزء11، ص17.
    3. [3] "الدعوة إلى الله، الطريق إلى الله، السلوك إلى الله، الدَّلالة على الله. هذه عبارات تروج على ألسنة عوامِّ القلب لا مدلولَ لها. وكيف يثبت لها مدلول مع الغفلة عن الله" إمامة الأمة، ص129.
    4. [4] قال رسول الله صلى الله علين وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"، رواه أبو داود والترمذي، وقال تعالى: " إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء " سورة فاطر، آية 27. لاحظ معي العلم المقرون بخشية الله.
    5. [5] مفهوم يعبر عن فصل الدين عن شؤون الحكم والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشئون الدينية للناس.
    6. [6] " فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث " الاعراف 176.
    7. [7] " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" رواه البخاري.
    8. [8] الله عز وجل يريد لأولئك ومن هؤلاء عدلا شاملا في حقـوق العباد الدنيوية ييسر لهم أمور آخرتهم. لا معنى للعدل الدنيوي إلا من كونه تيسيراً للمسافر يصون مسيرته إلى الدار الآخـرة أن يفتنه عنها هم الرزق وظلـم الناس. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. القسط العدل بمعناه الشامل: العدل الاستقامة في حقوق الله وفي حقوق العباد. فرضٌ أكيدٌ به بعث الله الرسل يدعـون إليه. وأنزلَ معهم الكتاب والبينات تؤكد الدعـوة وتلح عليها. وأنزل بأس الحديد المتمثلَ في وازع السلطان ليُفرَض العدل بقوة الدولة إن استهان الناسُ بصوت الدعوة. العدل، ص222.
    9. [9] الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى، لها الأهمية القصوى. الإحسان غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال. لأهمية الإحسان هذه البالغة شاء الله جل شأنه أن يرتب للصحابة رضي الله عنهم ولنا من بعدهم حادثة تلفت النظر وتعلق بالخيال، وتخاطب العقل والوجدان، لكيلا يفهم المسلمون دينهم فهما مسطحا. هذه الحادثة هي نزول جبريل عليه السلام لاستجواب الرسول الكريم وهو بين أصحابه في مجلس تعليمه. رأوا الملك المقرب جميعا وشهدوا الحوار. هذه لوحة خالدة للتعليم الرباني يرويها الشيخان وأبوداود والنسائي رحمهم الله عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما بصيغة مقتضبة نمسك منها عبارة أن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». الاحسان،ج1، ص16.
    10. [10] ابحث عن تخريج الحديث بنفسك أخي القارئ.
    11. [11] ". . . . وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها "، رواه مسلم. وفي حديث آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: " إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة"، رواه البخاري.
    12. [12] سمع عمرو بن العاص المستوردَ بن شدادَ يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس. قال له عمرو: أبصر ما تقول؟ فقال المستورد: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك. رواه مسلم. هذه الخصال هي السبب في بقائهم وكثرتهم، وفي المقابل يكون الظلم وتضييع الأمانة وإهدار الحقوق هي معالم الخراب والهزيمة، وهذا أصل مقرر في علم الاجتماع، وقد عقد له ابن خلدون في مقدمته فصلا بعنوان: الظلم مؤذن بخراب العمران، والمقصود أن الأمم الكافرة إن توفرت على معالم قيام الدول ونهضتها أقامها الله وجازاها بجنس عملها، ولا يظلم ربك أحدا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها. رواه مسلم.
    13. [13] الطور، 58.
    14. [14] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.
    15. [15] معالم التنزيل، للبغوي7/ 380.
    16. [16] من أبرز المواقف التي تدلّ على رفق النبي عليه الصلاة والسلام مع المخطئ، ردّه على الشاب الذي جاء يستأذنه بأن يسمح له بالزنا، فلم يُعنّفه، ولم يوبّخه، ولم يضربه، ولم يهنه، حيث قرّبه إليه، ثمّ قال له: أتحبُّهُ لأُمِّكَ؟ فتحركت مشاعر الغيرة عند ذلك الشاب وقال: لا واللَّهِ جعلَني اللَّهُ فداءَكَ، فقال له: ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لأمَّهاتِهِم، ثمّ وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده الشريفة على صدر الشاب، إلى أن استطاع أن يُطهّر قلبه ممّا فيه من الدخن، ويطفئ نار شهوته، حتى استقبح الشاب الزنا، ثم دعا له قائلاً: اللَّهمَّ اغفِرْ ذنبَهُ وطَهِّر قلبَهُ، وحصِّن فَرجَهُ. رواه الوادعي، في الصحيح المسند، عن أبي أمامة الباهلي 501 صحيح.
    17. [17] الكاريزما هي الجاذبية المقنعة أو السحر الذي يُمكن أن يلهم التفاني في الآخرين، يقول ماكس فيبر معرفا الكاريزما: " هي القدرة التي يتمتع بها شخص معين للتأثير في الآخرين إلى الحد الذي يجعله في مركز قوة بالنسبة لهم وبحيث يمنحه الواقعون تحت تأثيره حقوقا تسلطية عليهم كنتيجة لقدرته التأثيرية".
    18. [18] الوصاية عبارة عن اعتبار الشخص قاصرا لا يمكن أن يكون مؤهلاً لإدارة شؤونه بنفسه، فهي علاقة تراتبية هرمية تسمح لأحد الطرفين بالاستئثار والاستبداد بالسلطة، وتمنع الآخر من المشاركة الفاعلة في إدارة شؤونه العامة، وتحديد حقوقه وواجباته، فيكون القانون النافذ هو قانون الوصي، الأمر الذي يؤدي إلى قبر شخصية الطرف الاخر وحريته في التصرف بإرادة منفردة، والوصاية قد يمارسها فرد أو تنظيم أو دولة.
    19. [19] «أخوف ما أخاف عليكم كل منافق عليم اللسان» رواه أحمد.
    20. [20] لمّا رأى معاوية بن أبي سفيان انتصارات جيش علي على جيشه، دعا عمرو بن العاص إلى خطّة للوقوف أمام هذه الانتصارات، فقام عمرو بن العاص بخدعة، حيث دعا جيش معاوية إلى رفع المصاحف على أسنّة الرماح ليدعوا جيش علي رضي الله عنه إلى "حكم القرآن".

  • أموال التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 33 من 77 — فهرس الكتاب

    من أسرار التنظيم التي يحرص هذا الأخير على بقائها بعيدا عن العامة والخاصة هو المال، طرق تحصيله وطرق إنفاقه، فهي من الأمور التي يُعتبر حتى السؤال عنها جريمة ومثار تهم عديدة، والأمر راجع بالدرجة الأولى إلى أهمية المال وقدرته على صنع الكثير من الاحداث المصيرية، فالمال كالسلاح، بل هو أقوى من السلاح الذي لا يستطيع سوى قتل الاجساد، فالمال يستطيع أن يقتل الجسد والروح والتكتلات السياسية والتنظيمات بمختلف أنواعها، وإضافة إلى القتل فالمال يستطيع أن يبني كل شيء على المقاس ويشتري ما يلزم من البشر والاشياء، يبني التنظيمات والعقول، يبني المؤسسات والأحزاب، يبني الانسان الذي نريد، يبني شبكة العلاقات التي نريد، يشتري القانون، يشكل السياسات، وبالمال أيضا نشتري الذمم والمناصب والنساء والآلات المختلفة والتجهيزات التي تؤثر في الناس، لنقل إن المال هو قوة الرجل وماء الحياة وعصب التنظيمات السياسية، وبدونه لا يقوم تنظيم ولا تقوم دولة ولا يقوم حزب ولا يقوم أي مشروع فكري ليصبح حقيقة واقعية.

    المال هو الذي ينقل الأحلام من عالم الاوهام إلى الواقع المعاش، طبعا إذا وجد الرجال العاملين.

    المال موضوع كبير، بحر لا ساحل له، هو عصب الحياة في القرن الحادي والعشرين، المال أصبح هو الهدف الذي يجري خلفه العالم بأسره، أينما ذهبت وجدت المال يحكم ويسيطر، فهو السلطان، ولا سلطان غيره، والتنظيم الاسلامي يعرف هذه الحقيقة ولذلك فهو يحرص على المال وجبيه، يحرص على امتلاك الاموال التي يستطيع بها أن يفرض نفسه سياسيا وإعلاميا واجتماعيا، وهو يعلم الافراد المنضمين كيف ينفقون أموالهم على التنظيم بما أنه مال الله، وهو برهان صدق انضمامهم إلى التنظيم، لا برهان أكبر من إنفاق المال، وهو سبيل صعود الدرجات التنظيمية، وهو الطريق السهل إلى قلوب المسؤولين.

    الموضوع كبير وعريض ويلزمه كتاب خاص، وقد قلت غير ما مرة أني أمر على المواضيع المهمة مرور الكرام، لعلي أجد بقية في العمر فأكتب في كل موضوع كتابا على حدة، والمال بما أنه عصب الحياة اليومية للأفراد والتنظيمات [1] فضروري أن يكون الحديث عنه بكل شمولية، ريثما نجد الفرصة فنتحدث عن الأمور الدقيقة التي تجعلنا نفهم حدود هذا المال، ثم كيف نتعاطى معه، كيف نستفيد منه وكيف نتجنب أضراره، هل للمال أضرار؟ نعم صديقي العزيز، المال كالوحش، إن لم تستعمله جيدا افترسك.

    نتساءل ونحن نتحدث عن التنظيم وعلاقته بالمال، هل استطاع التنظيم أن يوفر الأموال لأجهزته وبرامجه وأفراده؟ هل استطاع أن يجد مصادر مدرة للمال بالطرق التي يضمن بها استمرار أنشطته السياسية والدعوية؟ ثم هل استطاع التنظيم أن يتجنب أخطار المال، خاصة غوايته للقابضين عليه، هل يا ترى فعلا استطاع المسؤولون التنظيميون التحكم في المال بنوع من القوة الايمانية وحكموه ولم يحكمهم؟ هل تداولوا المال وفق الشريعة الاسلامية بما أنهم ذوي مرجعية إسلامية وينادون بتطبيق الشريعة أم أنهم يتداولونه بمنطق السوق اللبرالي؟ هل قسموا أموالهم بينهم قسمة أشعرية أم يضرب كل منهم جهة مصلحته؟ هل تخلصوا من حب المال وعبادة المال؟ هل ارتقت بهم التربية إلى اعتبار المال مجرد وسيلة للجهاد أم أن الحركة اتجهت إلى المال من أجل المتعة؟

    أسئلة كثيرة تدور في الذهن سنحاول أن نعالجها بنوع من الحيادية والانصاف والواقعية، على أن الموضوع لن ينتهي هنا، بل هو موضوع متجدد ما دام التنظيم عاملا في ساحة الدعوة والسلطان.

    قبل الحديث عن إنفاق المال يجب ان نتحدث أولا عن مصادره، فمن أين يستقي التنظيم أمواله التي يتحرك بها؟ إنه يحصلها من مصادر متنوعة، وأول مصدر أساسي لخزينة التنظيم هو جيوب الاعضاء المنخرطين فيه، لكن هذه الجيوب محدودة، فمع انتشار التنظيم وتوسعه يصعب أن يتم الاعتماد فقط على جيوب الاخوان، فهم على أي حال مستضعفون وينفقون من قلة، هذه النفقات لا يمكن أن تسير بالتنظيم سوى خطوات قليلة قبل أن يتوقف قطار السير لفراغ خزان التنظيم من المال، فالمال كما قلنا هو المحرك لكل الانشطة التي يقوم بها التنظيم، وبدون المال لا يمكن أن يتحرك التنظيم بتاتا.

    في مجالس التنظيم لا رحمة في المال، فالمسؤول التنظيمي قد يسمعك من الكلام ما لا تحتمله إذا تهاونت في دفع الالتزام الشهري من المال، وهو يستعمل لغة دينية حنونة بالمقام الأول قبل أن يهوي عليك بلغة السياسة والتنظيم، التوقف عن دفع المال بلغة النص الديني خيانة لله والرسول وخيانة للجماعة وتولي يوم الزحف ومن أكبر الكبائر لأن ذلك يصيب قلب خزينة التنظيم، فالجماعة لها مصاريف ويجب أن تدفع وهذا كله في سبيل الله وفي سبيل دعوة الله، أما العضو فهو لا يعرف أي شيء عن مصير الاموال التي يدفعها، المؤمن يتصرف بثقة وبحسن نية في المسؤولين، يأخذ ما تيسر من أجرة شهره يقتطعها من خبز أبنائه ويسلمها للتنظيم بكل فرح ونشاط راجيا بها رحمة الله وغفرانه وعوضا منه، وهو صحيح، فما أنفق في سبيل الله فهو مخلوف من الله [2]، فقط يجب أن تكون النية صادقة، وأن يكون الانفاق فعلا في سبيل الله. [3]

    الأموال التي تدفع إلى التنظيم لا يمكنها أن تعود، فهذه أول قاعدة، المال يصعد ولا ينزل، ولو نزل فهو لا ينزل على الجميع ولا يرجع بنفس قوة التدفق، ينزل شحيحا على بعض القطاعات بعد أخذ ورد ومعارك تنظيمية لا تستحضر فيها قاعدة أن الله يخلف للمنفق بل تحر قواعد الميكيافيلية، فالتنظيم في الانفاق يتصرف بناء على قناعات تنظيمية وحسابات سياسية وليس على قناعات دينية كالتي يستعملها عند الجبـي، وهنا يمكن الحديث عن السياسة المالية للتنظيم، أين يتم تشريع هذه السياسة ومن يسهر على تنفيذها؟ لنقل إنها من أسرار التنظيم ولا حاجة للنبش فيها.

    لكن إذا علمنا أن عديدا من الثورات السياسية التي حدثت في العصر الحديث كان العنصر الحاسم فيها هو المال فهمنا لماذا يحرص التنظيم على المال، دعني من السطحيين البسطاء الذين يعتقدون أن الثورات لا تنجح إلا بالغضب الجارف والعوامل السياسية والاجتماعية المتدهورة، فالثورة السياسية لا يمكن أن تنجح إذا لم يكن في غمدها سيف المال، إن الحديث مثلا عن الثورة الشيعية لا يمكن اختزاله في الغضب الشيعي فقط، بل كذلك بالاستقلال المالي للمؤسسة الدينية الشيعية من خلال الدفع المنظم للزكاة والخمس والوصايا وإيرادات الأوقاف وما إلى ذلك من موارد مالية مهمة تنبع من الإيمان بنظرية الولاية، نفس الأمر يقال في الثورات الاشتراكية.

    يمكن الآن أن نفهم عمق الحرب الاقتصادية بين الانظمة والتنظيمات، حرب مالية ضروس روحها العقيدة السياسية، والحرب الاقتصادية ليست حربا شكلية، بل هي أعمق حرب يمكن تصورها، فقطع الموارد المالية عن التنظيمات هي أقسى ضربة يمكن أن تصل تداعياتها إلى آخر عضو في التنظيم، هذه الضربات تكون أقوى من ضربات الهراوات وغالبا ما يتحملها الاعضاء في رزق أبنائهم عقابا لهم على اختياراتهم الانتمائية، والضرب في الرزق ينتج إشكالات تنظيمية حادة تسيل معها دماء اجتماعية وأخلاقية غزيرة لا يمكن للتنظيم أن يعالجها إلا بالفصل والتهميش لأن مسؤوليه فارغين تربويا ولأن أموالهم مخفية، فجرحى الطريق يقتلهم التنظيم كما قلنا ويدفنهم، خاصة جرحى الجيب، ذلك أن التنظيم ليس له من القدرات المالية ما يسعف به جرحاه، وفي الجهة الأخرى يهتبل بالاغنياء ويغدق عليهم من المسؤوليات والإطنابات التربوية، يرفعهم إلى مقام القطبية والغوثية بسهولة ليأخذ من أموالهم ويدفع بهم عرباته التنظيمية، وبنفس الطريقة يسحب التنظيم الولاية من كل فقير مدين ميؤوس من غناه.

    يطرح إذن على التنظيم إشكالية توفير الموارد المالية لتسيير دواليبه، فهل يستدعي التمويلات من خارج القُطر فيسقط في التبعية الخارجية وهي الضربة القاضية على اعتبار أن النظام لن يقبل تبعية خارجية لتكتل داخلي، وبالتالي سيحاول أن يضرب بيد من حديد على رأس الخيانة الوطنية، أم أن التنظيم سيستلطف النظام ويقدم تنازلات ووعود سياسية مهمة ليحصل على إعانات مالية كافية لأجهزته وأنشطته السياسية والدعوية؟ بمعنى الركوع السياسي مقابل المال، أم أنه سيختار الخيار الأخير وهو الصمود الطويل على العوز المالي والاعتماد فقط على المساهمات المالية للأعضاء مع الاستعانة بمشاريع مالية صغيرة على الهامش وتحت أسماء مستعارة، وهي مخاطرة تكون فيها هذه المشاريع عرضة للتصفية متى تم فضح انتماء أصحابها إلى التنظيم المعني.

    إشكالية المال لا تـتوقف هنا بل إنها تطال حتى على العلاقات المالية بين أعضاء التنظيم أنفسهم، إشكالية المال فشل التنظيم في حلها كما فشل سابقا في مؤسسة الزواج، فكلما دخلت الدنيا من الباب خرج التنظيم مهزوما من النافذة، لكأنه دليل على عدم اكتمال التربية أو فشلها من الأساس، فمعنى فشل الزواج التنظيمي و برودته و نمطيته ومعنى فشل المشاريع المالية بين أعضاء التنظيم هو أن التربية تعاني من خلل فظيع، فالمفروض أن العلاقات الشخصية والمعاملات المالية بين المؤمنين أكثر ائتمانية من المعاملات مع عامة المسلمين، لكن الحق يقال، المعاملات المالية مع اليهود أكثر جدية وائتمان وثقة من المعاملات المالية مع رجال التنظيم الاسلامي.

    لقد عرف اليهود قيمة المال مبكرا، وتعاملوا بالمال بمنتهى الادراك بالقيمة التي يمثلها، بل وتعاملوا به بمنتهى الجدية والثقة والائتمان، صحيح أنهم جنوه من أصله قبل التعامل به بمختلف الوسائل الماكرة، لكن يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونعترف أنهم يتقنون حرفة المال ويحسنون أخلاقيات المال، وما الانتصارات التي أحرزوها على المسلمين إلا نتيجة ضبط صنعة المال، لقد فهموا أن العالم كله يتحرك بالمال، فأحرزوه، ومع إحراز المال تحقق لهم ما لم يتحقق بالخرافة والوهم والمكر والخداع لدى الاسلاميين.

    إن كسب المال يعطي القدرة على تشكيل الناس تشكيلا بالمقاس، فالحكومة الخفية داخل الدول وهي حكومة المال تضغط على المشرع كي يستصدر قوانين على المقاس، هذه القوانين تساهم بشكل غير مباشر في تشكيل حياة الناس وعقلياتهم السلوكية وبالتالي تشكيل طريقة عيشهم وطريقة تعاملهم، إنها تتسرب حتى إلى عقولهم فتشكلها على نمط معين من التفكير والحياة، تتسرب حتى إلى التنظيم الاسلامي وتشكل طريقة عيش أعضائه وطريقة زواجهم وتربية أبنائهم وطريقة تعاملهم بالمال، الاغبياء فقط من يعتقدون أن القانون يخرج من تحت يد الشعب الحر، إن القانون يصنعه في الحقيقة أصحاب المال وأصحاب السلطة، فالشركات القوية والهيئات المنضوية تحت تجمعاتها الاقتصادية هي التي تصنع القانون، وهي التي تستصدره وفق المصالح المالية لهذه المؤسسات، هل تحسب أخي القارئ أن المشرع سيصغي إلى الطبقة الفقيرة ويخرج لنا قوانين في صالحها، لا أظن ذلك، إن القانون تصنعه اللوبيات الاقتصادية القوية التي تستطيع أن تمول حاجيات المشرعين الجالسين على كراسي التشريع، فالقانون أينما كان، ظاهره تشريع اجتماعي وباطنه تشريع اقتصادي أو ثقافي.

    المال ذئب جائع، لا يشبع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان جائعان أُرسِلا في زريبةِ غَنَمٍ بأفسد لها من الحرص على المال والحسب في دين المسلم". [4]، معنى ذلك أن المال والسلطة هما الامتحانان اللذان يرسب فيهما أغلب الناس ولو كانوا اسلاميين يقرؤون الادعية في كل خطوة ويلبسون الجلابيب البيضاء ويطلقون اللحى الطويلة، والمسؤول في التنظيم الاسلامي بما أنه يعافس السلطة والمال صباح مساء هو أقرب المقربين إلى بلاء المال والسلطة، فجميع الشرور تجتمع في هاذين الذئبين المتوحشين، يفترسان دين الرجل وآخرته وهو يفترس أموال الناس وحريتهم بسلطته، بلاء مصلت على الجميع، المفترس بكسر الراء والمفترس بفتحها، دين الجميع تحت رحمة حسن استعمال المال والسلطة، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا". [5] فإعطاء المال إلى السفهاء وهو قيمة وقوة معناه الخراب المطلق، لكأنك تعطي مدفعا لشخص أحمق فيطلق النار على الجميع.

    لقد أهلك المال الكثير من المؤمنين، فهو الامتحان الصعب على الاسلاميين، والاصعب منه حب السلطة، فالمال وزير السلطة، فالطاغية يستولي على السلطة ويترك للقارون المركز الذي يليه، ثم يتعاونان على افتراس الناس، والتنظيم الاسلامي يسير على نفس الخطى، فكهنة المعبد يسيطرون على المناصب وأصحاب المال من خلفهم يدعمون، فمتى تقوم الخلافة الثانية وفلسفة التنظيم لم تتجاوز الاقتتال على السلطة وتقديم أصحاب المال؟

    لي يقين تام أن الخلافة لن تقوم إلا على أكتاف الفقراء إلى الله، الرجال الذين لا يمر صوت الذهب في أذانهم، أما هذه الطغمة الاقتصادية السلطوية فهي حتما إلى زوال، فآخر هذه الامة لا يصلح إلا بما صلح به أولها.


    📌 الهوامش

    1. [1] " المال والجهد عصب الدعوة، وبذلهما التزاما بعهد، وتطوعا بالخيرات، هو المصدر الأول والوسيلة الأولى لتربية العصبة الخيرة. والمال والجهد مستقبل الدولة أيضا." المنهاج النبوي، ص202
    2. [2] " وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " سبأ 39
    3. [3] " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" البقرة 261
    4. [4] كعب بن مالك رضي الله عنه رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه.
    5. [5] النساء، الآية 5.

  • التنظيم والفن

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 32 من 77 — فهرس الكتاب

    عادة ما يتهم الاسلاميون بأنهم أعداء الفن والثقافة، وإذا كان في الأمر قليل من المبالغة فإن في الأمر نوع من الحقيقة، ذلك أن المسؤول التنظيمي داخل التنظيم الاسلامي غالبا ما يكون شخصا متحجرا على فهم تنظيمي معين يستقيه من المسؤولين الأكبر منه، والتحجر غالبا ما يأتي من العمل التنظيمي الروتيني الذي يتطلب عقلية متحجرة تنفذ ما يقال لها بالحرف والنقطة والفاصلة دون أن تفهم الحكمة من القرارات التي تنفذها، فيصعب على هذا النوع من البشر أن يتأقلم مع الفن أو يعتبره من العلوم الانسانية والاذواق الروحية التي تحتاجها النفس البشرية.

    التنظيم كآلة تستهلك كل شيء يدور في فلكها وتستنزف كل شخص يدخل في دواليبها يعتبر الفن مجرد وسيلة سياسية لقضاء مآرب تنظيمية، الفن في حد ذاته مجرد لعب عيال وحرفة التافهين، أما التنظيم فهو حرفة الأقوياء الاصفياء الكاملين، لذلك يتحدث المسؤول عن الفن كشيء حقير، ويتحدث عن الفنانين بمختلف مشاربهم وتخصصاتهم وكأنهم حثالة تافهة يجب أن يستغلها تنظيميا فقط دون أن يدنس بها مراكزه المهمة، أما الشخص المتحجر المطيع المنضبط، العبد الذي يفصل الاخوان ويستعبد الاخوان فهو يستحق التقدير والصدارة ومراكز القرار ومنابر التربية.

    لذلك تجد تجارب الفنانين داخل التنظيم تجارب مريرة مرارة الدم، والأغلبية منهم غادر التنظيم أو تخلى عن تخصصه الفني وجلس في الهياكل التنظيمية يقوم بأدوار تنظيمية بسيطة، فبالاضافة الى الاحتقار هناك الوصاية التنظيمية، فالطاقات الفنية داخل التنظيم لا تستطيع أن تبدع أو تتخطى الوصاية التنظيمية الجاثمة على صدر إبداعها، والحقيقة أن الابداع الفني ليس وحده من يعاني من القبضة الحديدية القاهرة للتنظيم، بل كل إبداع إنساني فكري أو تربوي أو حركي يعاني من الوصاية التنظيمية الخانقة، فكل إبداع يجب بالضرورة أن يمر من قنوات التنظيم ويحرز على المصادقة التظيمية حسب فهم مسؤولي التنظيم ورؤيته، لذلك وكما يموت الابداع الفني والعلمي داخل الانظمة السياسية الاستبدادية المتخلفة لانعدام جو الحرية، يموت الابداع بشكل عام داخل التنظيم الاسلامي لانعدام جو الحرية وهيمنة الوصاية التنظيمية الصارمة للمسؤول التنظيمي.

    نستحضر هنا الفرق الفنية للموسيقى والإنشاد، نستحضر الكتبة والشعراء، نستحضر المسرح، أما الرسم والنحت والسينما فهي فنون موؤودة داخل التنظيم حتى قبل ولادتها، تجهض وتدفن في صمت، ويبقى على الساحة فن المونتاج لقضاء مآرب التنظيم الاعلامية وصناعة بعض الرموز الاعلامية على وسائل التواصل، أما أغلب المشاريع الفنية الحقيقية فقد آلت إلى الزوال حيث لا تجد اليوم أي مشروع فني ناجح داخل التنظيم الاسلامي.

    جفاف فني قاحل.

    تظهر أمامي عناصر فنية كثيرة كانت نهايتها درامية داخل التنظيم، تم فصل أغلبها لاقترابها من دائرة القرار والتربية، تم تشويه البعض الآخر، تم تفتيت المجموعات الفنية والقضاء على كوادرها، تم إفراغ باقي المشاريع الفنية من مضامينها الابداعية وتحطيم أهدافها السامية، وأخيرا وقف جزارو التنظيم وقفة المنتصر المظفر يزأرون على أشلاء الاشخاص الرقيقة الاحساس التي كانت تريد أن تبني مشاريع فنية سامقة في حضن الجماعة المؤمنة من أجل المساهمة في مشروع الدلالة على الله من باب الفن.

    يمكن القول أن كل شيء جميل يموت داخل التنظيم، الفن وغير الفن، كل إحساس جميل فني أو تربوي أو إنساني يذبل ويموت تلقائيا داخل تنظيم متعفن بالتكبر والقسوة والمكر والعُجب والمسؤولية، فلا يمكن للجمال أن يعيش داخل ثكنة آسنة مليئة بالوحوش، فقط هذه الأخيرة تبقى صامدة، تفترس كل من يقترب منها، تدخل في تكتلات وحشية تدافع عن وحشيتها وتمكر باستمرار بالجميلين للحفاظ على مواقعها التنظيمية التي تمكنها من الافتراس.

    راح الجمال مع أهله وبقيت الساحة للوحوش، اختنقت الزهور في جو الكراهية والغدر، تكدرت القلوب الطيبة في جو الحقد والحرب فانطمس الابداع فيها، بقي وحده فن التعذيب النفسي والقتل المعنوي يصول ويجول، ولأهل التنظيم علوم وفنون في التصفية التنظيمية والمكر السياسوي والتشويه الاجتماعي.

    تمنيت لو كانت لي سلطة وقوة فأنصب المشانق والمقاصل للطغاة التنظيميين داخل التنظيم الاسلامي على قوارع الطرق، لكنها حكمة الله أن جعل البقاء للأقوى وليس للألطف، إنه نفس الناموس الذي يحكم السلطة داخل المجتمعات والأنظمة، لذلك فالضعفاء اللطفاء يمنون النفس فقط بموقع قدم داخل التنظيم، أما الواقع فهو أن التنظيم لا تستمر فيه سوى الوحوش الضارية سلطة ومالا.

    نرجع إلى سؤال الفن ونطرح الأسئلة التالية، هل كان التنظيم النبوي مغتالا للفن؟ هل كان يمارس الوصاية على فناني عهد النبوة؟ هل الفن ممنوع في دين الاسلام؟ هل الابداع مقترن فقط بالدولة العلمانية التي تفتح الابواب لكل مبدع؟ ألا يمكن تصور تنظيم إسلامي أو دولة إسلامية ينتعش فيها الفن ويأخذ حصته من الحرية الفنية الابداعية؟ ثم كيف يمكن تحسين الأداء الفني داخل التنظيم الاسلامي علما أن هذا الأخير انسلخ أصلا عن دين الاسلام وتبع دين الجمعيات الدولية؟

    التنظيم الاسلامي غربي الهوى إسلامي الكلام، فلـماذا لا يفتح الابواب للفنانين داخله كي يبدعوا بكل أريحية فنية كتلك التي يتمتع بها فنانون الغرب؟ أم تراه يؤمن فقط بحق المرأة في التسلط على الرجل ويعتبر القيثار زندقة والعود فاحشة؟

    الحقيقة أن التنظيم الاسلامي في أصله جاء للتجديد في عديد من نواحي حياة المسلمين، وهو بذلك يعتبر طفرة فكرية واجتماعية تستند إلى مشروع مجتمعي يرمي إلى تأسيس مجتمع مسلم ودولة اسلامية، وبالتالي فإن المشروع الكلي للتنظيم يجب أن يعمل على السير قدما نحو إقامة صرح فني إسلامي يظهر الوجه الحقيقي للإسلام المنسجم مع الفطرة البشرية، أما غير ذلك من المشاريع الفاشية المتصادمة مع النفس البشرية في مطالبها الطبيعية فإنها ستهوي بالتنظيم إلى محاربة الناس في غرائزها الطبيعية ثم أخيرا فشل المشروع وقتل أفراده.

    يجب أن يتعلم التنظيم كيف يفسح المجال للفن ويسمح له بالانتعاش والعمل خارج الوصاية التنظيمية القاهرة فوقه، يجب أن يرفع التنظيم يده عن الاشياء التي لا يفهم فيها والتي لا تنسجم مع جينات مسؤوليه، يجب أن يعلم التنظيم أنه ليس إلاها، بعد ذلك هنالك مشوار طويل يجب أن يقطعه الفن الاسلامي بصيغته الحضارية المعاصرة قبل أن يستقر على المنصة الدولية مزاحما كتفا بكتف عمالقة الفن الانساني.


  • إشكالية الزواج من أخت التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 31 من 77 — فهرس الكتاب

    لا نريد هنا أن نعمم ولا نريد أن ندوس على مشاعر التنظيم اللطيف، لكن الزواج من أخت التنظيم يطرح فعلا إشكالات كثيرة، ربما أكثر بكثير من الزواج من بنت الشعب العادية، ورغم إيجابيات أخت التنظيم المتمثلة في تدينها وحرصها على مظهرها الديني والاجتماعي وبعض الدروس الدينية التي تحضرها والبرامج التربوية التي تخوض غمارها ومسؤولياتها السياسية والتنظيمية الرفيعة مقارنة بنظيراتها الأخريات اللواتي لا يهمهن سوى الخبز والسيطرة على رجل، إلا أن الزواج من أخت التنظيم له سلبيات كثيرة، فإذا كان الزواج القانوني أصلا من منظور الرجل يعتبر ورطة كبيرة فإن هذا الزواج من أخت التنظيم ورطة مضاعفة.

    أخت التنظيم للإنصاف امرأة محافظة، متدينة، لا تخون زوجها، تصلي، تحضر بعض الجلسات التربوية، تفكيرها أعلى بقليل من مستوى تفكير النساء الاخريات، تحلق عاليا وتتحدث عن الأمة وعن الخلافة وعن الفرقاء السياسيين وعن الدلالة على الله، تحمل فوق ظهرها مسؤوليات كثيرة من الالتزامات الدعوية والتربوية، لكنها في علاقاتها الزوجية متناقضة مع مشروعها الاسلامي كونها متأثرة بالنموذج الأسري الغربي الفاشل في موطنه وتؤمن بالمواثيق الدولية في مجال المرأة وتريد كغيرها من النساء أن تدمر الرجولة وتنشر الانوثة على أوسع نطاق أو تجعل الرجل في أحسن الاحوال تحت وصايتها تماشيا مع موجة حقوق المرأة التي تريد أن تقول لنا إن المرأة كائن متفوق ينفق عليه الرجل.

    التنظيم في هذه الموضوعات القوية التي تمس هوية المجتمع ليس واضحا كما عهدناه، يسبح في الماء العكر بسياسويته المعهودة ومصلحيته المعروفة، جبان من أن يدخل المعارك الفكرية الحاسمة لإنه لا يستطيع أن ينطق بالشريعة الاسلامية التي يدعي أنه يؤمن بها، يخشى أن يبدو بمظهر راكب الجمال المتخلف عن ركب دين المرأة الجديد، الدين العالمي الذي يبشر بمستقبل مشرق للبشرية، ولذلك يترك التنظيم نساءه تائهات في عالم حقوق المرأة الذي يراد به تفتيت الأسرة المسلمة ثم يغطس رأسه في الرمال كالنعامة الجبانة، هذا السكوت التنظيمي والضلال النسوي ينغص كثيرا عيش الرجال المتزوجين من هؤلاء النسوة التائهات بين الاسلام الذي ينسبن أنفسهن إليه وبين دين المرأة الذي تهفو أنفسهن اليه، والنتيجة تغول للمرأة داخل التنظيم وداخل الأسرة وسيطتها بشكل مضطرد على مناحي كثيرة من الحياة اليومية دون أن تتخلى عن سلاحها القوي وهو ضعفها، فتقف بمطلب النفقة في حلق رجل فقد أغلب صلاحياته ومقومات قوته.

    إن الشيطان لما أيس من عبادة الناس للأصنام الحلوانية التقليدية أخرج لهم أصناما أكثر حلاوة عبارة عن حقوق وحريات وعربدات لذيذة وشيكات اجتماعية على بياض تهفو نفوس النساء إليها، وإذا كانت المرأة العادية تقف على قدمي القانون والمواثيق الدولية فإن الأخت في التنظيم الاسلامي قد أسست صنمها على أساس ثالث وهو الدين، فإذا كان حديث "ما أكرمهن الا كريم" يعني مما يعنيه أن المرأة تحت كنف الرجل يُكرمها من جهة وتطيعه هي من جهة أخرى، فإن الدين الجديد يعني أن يُكرمها الرجل من جانبه بينما تناطحه هي من جهتها، فيكون التكريم الرجالي للنساء في الدين الجديد تكريما للمرأة بطعم الذل للرجل.

    قال لي ذات مرة مسؤول تنظيمي كبير في العدل والاحسان: " كلنا تحكمنا نساؤنا" تأملت في وجهه المثير للغثيان وهممت أن أهدم أسنانه لكني تعوذت بالله من العنف، شخصيا لا أقبل أن تحكمني زوجتي، ولا أرضى لأي رجل في هذه الدنيا أن تحكمه زوجته، يتحرك في نفسي شيء ما تجاه معاني الرجولة، تصيبني غيرة علينا معشر الرجال، ولذلك فالمدوخ وحده من يعتقد أن أخت التنظيم تتبع السنة النبوية أو القرآن الكريم أو الدين الاسلامي، الحقيقة أن أخت التنظيم تتبع التوصيات الدولية والدين الجديد القادم من الغرب.

    هذا الاشكال الفكري يمكن تجاوزه حين تكون أخت التنظيم أكثر سلفية، فتخضع لله أكثر من خضوعها للإمبريالية الحقوقية، لكن الاشكال الحقيقي الذي لا يمكن علاجه هو الاختراق التنظيمي لبيت الزوجية من باب الزوجة التنظيمية، فتصور معي أن أخت التنظيم التي دفعت أنت صداقها وسهرت على كل تعقيدات الزواج بها حتى تزوجتها على سنة القانون توصل جميع حياتك الشخصية بما فيها الجنسية الى التنظيم، توصل كل حياتك بتفاصيلها الى المسؤول التنظيمي.

    كيف سيكون ردك عندما يواجهك المسؤول التنظيمي بتفاصيل حياتك الشخصية محاولا تركيعك في نقطة تنظيمية خلافية ما؟

    لابد أنك ستشعر أن هذا التنظيم هو أحقر شيء على وجه الأرض، وهو نفس الاحساس الذي انتابني حينما كنت أجد كل صغيرة وكبيرة تقع في بيتي بين أيدي التنظيم، يعرف التنظيم نوع آثاث البيت الذي أشتريه وكميات الطعام التي أجلبها، يعرف نوع رخام البيت ويحاججني بنوعه الرديء، يعرف الاكل الذي آكله والشراب الذي أشربه، يعلم كم أصرف في الشهر والاسبوع، يعرف متى أنفق ومتى لا أنفق، يعرف التفاصيل الجنسية بطولها وعرضها وزمنها وطريقتها، والتنظيم يستعمل كل هذه المعلومات بوقاحة من أجل التركيع التنظيمي، ولذلك فالتنظيم الذي عملت فيه سنوات طويلة معتقدا أنه يؤسس الخلافة الاسلامية الراشدة ليس تنظيما إسلاميا في شيء، فنحن لم نسمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسير تنظيمه بمثل هذه الحقارة، الامر ليس منهاجا نبويا بالمرة ولا علاقة له بالنبوة لا من قريب ولا من بعيد، الأمر ميكيافيلية صرفة ومصلحية حقيرة.

    التخابر مع التنظيم والتجسس على الزوج لصالح التنظيم هو أبشع شيء في أخت التنظيم يضاف إليه التكبر بالدين، فالاستهتار بالحياة الخاصة للزوج ونشرها وجعلها مشاعة داخل المستويات الدنيا للتنظيم أمر حقير، هذا التسريب يتم داخل التنظيم من باب التنظيم النسوي، فيكره الرجل اليوم الذي تزوج فيه من أخت التنظيم ويتمنى لو تزوج عاهرة تستره عوض إخوانية تنظيمية تفضحه.

    لذلك يعيش المتزوج من أخت التنظيم حياة لا خصوصية فيها مخافة الفضيحة، فهو يأكل بحذر مع زوجته كأنه غريب، يلبس ملابسه كاملة وهو في عقر داره، ينكح في الظلام وبصمت أن يتسرب شيء إلى التنظيم، يحسب كل خطوة في بيته مع أخت التنظيم كي لا يجد خبره هناك في مجالس التنظيم فتسقط مكانته التربوية وهيبته التنظيمية التي بناها خلال سنوات طويلة، حصار تنظيمي مطبق قد ينتهي بالانفجار الكبير.

    الاشكال في اصله هو سيطرة التنظيم على حياة الناس، فالتنظيم الاسلامي تنظيم أخطبوطي شمولي لا يقنع إلا بالسيطرة على كل الحياة الشخصية للفرد، والرجل عندما ينغمس مع التنظيم لابد أن يبيع أباه حتى يمتلك كمال الولاء، والزوجة عندما تغوص مع التنظيم تبيع زوجها لتكون سالكة طريق الحق، فالناس المنغمسة في التنظيم يبتلعها هذا الاخير فيسخرها له، والتنظيم بطبعه استغلالي حقير، لذلك فحياة الرجل مع أخت التنظيم لابد أن يتحكم فيها التنظيم بما أنه يملك ناصية الزوجة، فأخت التنظيم تحترم التنظيم وتطيعه أكثر مما تطيع الرجل، فيصبح التنظيم هنا صاحب صولجان السعادة، يسمح لمن يريد بالسعادة الزوجية، ويدمر الحياة الزوجية لمن يشاء، عندما تطيع التنظيم يتركك في سعادة مع زوجتك، وعندما تختلف معه يدخل عليك من باب زوجة التنظيم فيدمر حياتك الاسرية إذا لم تتفطن مبكرا فتسحب زوجتك من التنظيم.

    ولذلك لاحظت أن الكثير من اخوان التنظيم يفضلون الزواج من خارج التنظيم حتى لا تتسرب حياتهم الشخصية إلى التنظيم، فيستشيط التنظيم الرجالي غضبا لأنه فقد أداة سيطرة على العضو، ويغضب التنظيم النسوي لأنه أضاع رجلا يمكن التغلب عليه عن طريق الفضح التنظيمي، وقد كنت أول مرة من المنافحين عن التنظيم النسوي وأحقية أخت التنظيم بالأسبقية في الزواج من أخ التنظيم حتى لا تضيع الأخوات مع مسؤوليات الزواج من رجل لا يعرف التنظيم، فأغلب الأخوات اللواتي تزوجن من خارج التنظيم فترت علاقتهن بالتنظيم بعد الزواج، لذلك وحرصا على الأخوات كنت دائما أتمنى أن يتزوج الاخوان من الأخوات.

    لكنني أعترف الان أنني كنت على خطأ وكان المتزوجون من خارج التنظيم على صواب، فالتنظيم النسوي مرتع كبير للنميمة وافشاء الاسرار الزوجية والمخططات المنظمة والتكالب على الأخ خاصة عند رغبته في الزوجة الثانية، كما أن هذا التنظيم النسوي باب كبير يدخل منه التنظيم الرجالي على الحياة الشخصية للإخوان، ولذلك أفهم الان جيدا لماذا يتزوج الاخوان من سلفيات منقبات أو بنات عاديات جدا، كل ذلك حتى يتمتعوا بحياة زوجية مستقرة هانئة بعيدة كل البعد عن أجواء التنظيم وتدخلاته.

    الزواج إذن من أخت التنظيم ليس بذلك التدين المفترض ولا بتلك السعادة المفترضة، وحتى لو فرضنا فرضا أن أخت التنظيم تستطيع كبح جماح فمها أمام التنظيم، وحتى لو سلمنا أن أخ التنظيم يعيش كامل الخصوصية الشخصية مع أخت التنظيم، فهناك إشكالا عويصا آخر يطل برأسه، إشكال تحترق معه عروق الكثير من الاخوان في صمت، وهو الحرمان الجنسي، فالزوجة التنظيمية تعتقد أنها ولية لله، شيء هكذا فوق مستوى الممارسة الجنسية التي تُسعد الرجل، فتقول له في كبرياء متدين أن يبحث له عن عاهرة، تتعامل مع زوجها المتعطش لحياة جنسية ممتعة على أنه فاسق يريد الجنس مع أميرة طاهرة عذراء متحجبة، ومع منع التعدد تنظيميا وتجريم الفساد قانونيا تصبح الحياة مع أخت التنظيم جحيما مستعرا.

    إن من أهم الاشكالات الزوجية مع أخت التنظيم هو اعتقادها أنها ولية الله، ولية لله تجاهد في سبيل الله وتقارع الخصوم السياسيين وتنظر للخلافة الاسلامية الراشدة وتؤسس للدولة الاسلامية وتدل الناس على الله، وبالتالي فهي لا تنزل منزلة التواضع الجنسي مع زوجها، بينما تفعل الزوجة العادية ذلك بكل سرور فتسعد زوجها وتكسبه طول حياتها.

    أخت التنظيم لا تستطيع أن تكون عاهرة زوجها، تحس بإهانة كبيرة عندما تتواضع مع زوجها كونها تشربت فكر المساواة بالرجل مع نكهة دينية ممزوجة بالطهرانية، احترام كبير في الحياة الزوجية بين أخت التنظيم وأخ التنظيم، جنس مسروق تحت الظلام وخوف أن يغضب الله من ممارسة جنسية ممتعة وخوف أن يتسرب شيء من ذلك إلى التنظيم، كبت جنسي مخيف يعشعش داخل بيت الزوجية الاخواني، طرطقة أعصاب وضغط نفسي وحرمان عاطفي، يفكر الرجل أن يهرب ناحية التعدد باحثا عن عاهرة يتزوجها فيقف له التنظيم بالمرصاد برجاله القانونيين وتنظيمه النسوي، وتقف له زوجة التنظيم بسلاح الفضح داخل التنظيم، يحترق الرجل ويُشوى بين الانفجار العصبي الشامل وبين الانفجار الجنسي الكبير، فإذا اختار الزوجة القاهرة ورضخ للتنظيم القاهر بدأ جسمه في الموت البطيء، يعيش كالقابض على الجمر حتى يأكله الجمر وتلتهمه النار، أما إذا غلبه الانفجار الجنسي تم فصله من التنظيم وخسر أولاده وسمعته.

    إن أخت التنظيم الاسلامي التي ترفض التعدد وتستعين على الرجل بالقانون الوضعي يقع على عاتقها القيام بجميع المسؤوليات الجنسية التي تقوم بها أربع نساء حتى تحمي زوجها من الانفجار الجنسي الكبير، إنه يقع على عاتقها أن تكون عاهرة فراش زوجها لا مرشدة دينية له، فالرجال يتزوجون بالأساس من أجل الجنس والتحصين الجنسي لا من أجل الارشاد الديني.

    أوليس من حق الرجل أن يتزوج ويتمتع جنسيا ويعيش حياته الخاصة بعيدا عن التنظيم وتدخلاته؟

    في ختام هذا المحور نسجل سبع سلبيات في الزواج من أخت التنظيم نتمنى أن يجد التنظيم النسوي لها علاجا.

    التكبر الديني

    النميمة التنظيمية

    المساواة بالرجل

    تفضيل الافكار الغربية على الشريعة الاسلامية

    إفشاء الحياة الخاصة للزوج داخل التنظيم

    الحرمان الجنسي

    رفض التعدد


  • تنظيم نسائي داعم أم عائق؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 30 من 77 — فهرس الكتاب

    المرأة زهرة الدنيا بالنسبة إلى الرجل، بها يستعين على شقاء الحياة، "لتشقى" جاءت متعلقة بالرجل، بينما المرأة لم تخلق لتشقى، بل خلقت لتخلق السعادة وتنشرها داخل بيت الرجل بنتا وأما وزوجة، خلقها الله ليسكن إليها الرجل فتحتضنه بحنانها وعنايتها وقلبها الوديع، وهي لا تفعل ذلك تكلفا بل فطرة فطرها الله عليها، فقلبها مليء بالود والحنان الممنوح من الله الحنان المنان خالقها كي تعطيه للرجل وتخفف به عنه شقاء الحياة، فليس مطلوبا من المرأة أن تنافسه الشقاء وتزاحمه على أبواب المعامل والشركات، ليس مطلوبا منها أن تظل اليوم تشقى في عمل الرجل ثم تأوي إليه لتجد الحنان والمودة والرحمة، إنما المطلوب منها أن تعيش أنوثتها وفطرتها وتؤدي رسالتها التي خلقها الله من أجلها، تترك الرجل ليعيش شقاه الذي كتبه الله عليه ثم تستقبله آخر اليوم بالأحضان، تمسح عرقه بيد المودة والحب وتبتسم في وجهه بثغر الطيبة والامتنان.

    أما حين تطلب المرأة المساواة بالرجل فعليها أن تتخلى عن إنفاق الرجل وعناية الرجل وحنان الرجل، عليها أن تكون رجلا ولا تتنطط بين الرجولة والانوثة حسب مزاجها.

    صحيح أننا معشر الرجال نريد نساء بكامل أنوثتهن ولا نحب المرأة المسترجلة التي تنافسنا في مياديننا، نحب المرأة التي تنزل تلك الدرجة التي أمرها الله أن تنزلها، فما بال نساء اليوم يردن الإسترجال علينا ويطلع لهن شنب وتنبت لهن لحية ويصير لهن ما للرجال، هل أغراهن الشيطان بزيف المساواة والحقوق أم هو طيش المرأة الفطري واعوجاجها الخلقي الذي نفخ فيه إبليس اللعين بنفث وعوده الزائفة ليخرج لنا من تحت يد النساء مصائب لا أول لها ولا آخر؟

    يقول الكثير أن المرأة ليست مساوية للرجل مساواة مطلقة، فالرجل يبقى هو الأصل والمرأة هي الفرع، آدم هو الأصل خلق من طين وحواء هي الفرع خلقت من لحمه، والفرع يتبع الاصل ويدور معه حيث دار، ولذلك فهم يقولون بأن المرأة ليست مساوية للرجل لا جسما ولا قلبا ولا عاطفة ولا عقلا ولا قوة ولا نفسية، يقولون ومنهم باحثون غربيون بأن المرأة تختلف كليا عن الرجل، فإذا كان الرجل قد خُلق من حجر صلب فالأنثى خلقت من لحم طري، هي كائن خاص، له نقاط ضعفه وله نقاط قوته، وفي جميع الاحوال تبقى كائنا هشا ضعيفا خُلق ليُسعد الرجل، فالغاية التي من أجلها خلقت المرأة هي مؤانسة الرجل وإسعاده والاهتمام به ومده بالحنان والرعاية والمودة والأبناء، تسانده وتخفف عنه وتحتضنه وتساهم في استمرار نسله، هي لم تخلق لتنافسه على المهام الموكولة إليه والتي تتطلب جسدا وقلبا شديدا من صخر يغالب الحياة على كوكب الأرض القاسي.

    إنها مهمة مقدسة يقول كثير من الفقهاء من أجلها خلق الله المرأة لا إهانة لها تلك الابتسامة الحنونة التي تستقبل بها المرأة زوجها وتنحني تغسل رجليه من تعب العمل ثم تؤتيه من زاد يقيم به صلبه قبل أن تحنو عليه وتضمه إلى صدرها الحنون ماسحة على شعره بيد الود والرحمة، مهام متكاملة لا مساواة، وإمكانيات يكمل بعضها بعضا، هذا يكمل ذاك، للرجل مهامه وللمرأة مهامها، ولا يوجد مساواة في المهام، بل تعاون كل يعمل على شاكلته وفق الامكانيات والمؤهلات التي أعطاه الله إياها، فالمرأة جاءت بعد الرجل لتسد ثغرة وتقوم بمهمة لم يستطع وحده القيام بها، جاءت أولا لتؤنس وحدته، وثانيا لتسعد نفسه، وثالثا لتلد نسله، مهام أساسية للمرأة، إسعاد الرجل والعناية بأطفاله، وتبقى للرجل درجة على المرأة [1] كونه القيوم عليها وعلى أبنائه، فهو الأصل، وهو الرئيس، وهو السيد، وهو صاحب الأمر والنهي، وهو القائم على تدبير شؤون المرأة والطفل، فإذا تساوى الرجل مع المرأة اختل التوازن.

    يقول سبحانه وتعالى وللرجال عليهن درجة، هذه الدرجة نلحظها كل يوم في كثير من المظاهر البائنة والخفية، فهو بطول قامته يفوقها درجة، وبحكمة عقله يفوقها درجة، وبقوة عضلاته يفوقها درجة، وبثبات أعصابه يفوقها درجة، وبنظرته البعيدة يفوقها درجة، وبقوة تحمله يفوقها درجة، وبقدرة تعامله مع الشدائد يفوقها درجة، وبقدرته على سياقة السيارة يفوقها درجة، وفي كل شيء يفوقها درجة، إنه ليس عنصرية ولا ذكورية يقول الباحثون أن نقول إن الرجل يتفوق على المرأة درجة، بل هو الواقع المعاش والحقائق الكاشفة في وضح النهار يؤيدها القرآن.

    حكمة الله من جعل الرئاسة بيد الرجل أن لا تقوم الحرب بين المتساويان كما تقوم المناطحة بين التيوس [2]، وتلك الحكمة من خلق الرجل قويا وخلق المرأة ضعيفة.

    قياسا على ذلك فالتنظيم النسائي داخل جماعة المصلحين ليس تنظيما موازيا لتنظيم الرجال، بل هو تنظيم تابع للأصل، التنظيم الأصل هو تنظيم الرجال والتنظيم الفرع هو تنظيم النسوة، ولا مساواة بين الجهازين ولا سيطرة للتنظيم النسوي على التنظيم الرجالي كما تسيطر الآن النساء على الرجال بقوة القانون.

    التنظيم الإسلامي من المفروض أن يكون متحركا وفق المبادئ الفطرية العامة التي تستلزم أن تساعد المرأة الرجل وتساهم في دعمه واسناده وتنظيم بعض شؤونه، التنظيم النسائي ليس منافسا للرجل في ميدان المسؤوليات على غرار الافكار الغربية التي غزت المسلمين وجعلتهم عبيدا بين أيدي نسائهم، الرجل من المفروض أن يكون أسدا، ضرغاما، سبعا، وحشا كاسرا، كائنا من صخر تنهد أمامه العقبات، الرجل هو القوام على المرأة وليست المرأة القوامة عليه، الرجل هو القوي وليس المرأة هي القوية، الرجل حامي المرأة وهي تحت عباءته وكنفه ومظلته وليس هو تحت رعايتها وحمايتها ومظلتها وكنفها، الرجل هو القوي حامي الحمى ومتى خرجت المرأة من تحت عباءته عرضت نفسها للمخاطر رغم ما تستشعر به من انطلاق وحرية وحماية قانونية وقوة مزيفة.

    يقول بعض الباحثين في الشأن الاجتماعي أنه متى ساوينا الرجل بالمرأة فقد ضربنا الرجل في قلبه، قتلنا رجولته وأفسدنا المجتمع برجاله ونساءه وأطفاله.

    التنظيم النسائي من المفروض أن يكون تابعا للتنظيم الرجالي في جميع هياكل التنظيم مساندا له إلا في ما اختصت به النساء عن الرجال فلهن حينها المسؤولية الكاملة فيما خصهن به الله، الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم إذا كان لهم مال، وإذا لم يكن للرجال مال فهم قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، برجاحة العقل وخصوصية الجسد والروح، وطاعة المرأة لزوجها من صميم دينها [3] ولو كان هذا الزوج فقيرا معسرا فإن فقره وإعساره لا يُسقط قوامته ولا ينهي رجولته، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفقد قوامته لأن خديجة كانت أكثر مالا منه، ولذلك فإن قوامة المرأة على الرجل أو مساواتها به اعتبارا لمالها طعنة في قلب الرجولة وضرب في مؤسسة الطاعة، والله سبحانه عندما جعل القوامة للرجل لم يجعلها مؤقتة بزمن الصحابة بل جعلها للرجال على النساء إلى قيام الساعة.

    قال تعالى: " وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا" النساء34، والمعنى واضح وهو إقرار مبدأ طاعة الزوجة لزوجها [4] فإذا نشزت في غياهب النشوز وخرجت عن حاضنة الطاعة استحقت الهجر والضرب بصريح الآية، هذه المقتضيات التشريعية هي عكس ما جاءت به القوانين الوضعية التي ترى أن المرأة مساوية للرجل، الآية القرآنية الكريمة تشير بوضوح إلى أن الزوجة التي تريد تفادي البغي من زوجها وتفادي الضرب والهجر فعليها أن تطيعه فيما يأمر به داخل سفينة الزوجية، طبعا لا طاعة في معصية، وإنما الطاعة في الأمور الحياتية العادية حتى لا يحدث الشقاق داخل الاسرة.

    يقول الحكماء من الرجال أن القانون الذي يخلق المساواة داخل الاسرة يساهم في الشقاق، ثم يكمل الشتات عندما يسحب الطلاق من الرجل ويجعله مقيدا ثم يضعه بيد الزوجة شيكا على بياض.

    الجيل الجديد من الباحثين لا يرى أي مساواة بين المرأة والرجل كما يراها التنظيم الاسلامي التابع للجوقة الغربية الغازية، لا يرى أي مساواة من حيث الحقوق والواجبات، فلكل حقوقه وواجباته المختلفة، وطبعا هناك حقوق وواجبات مشتركة كالحق في العيش الكريم والتعليم والتطبيب والمساهمة في نهضة الامة، وقد صرنا نرى من نتائج فكرة المساواة إصرار بعض مسؤولي ومسؤولات التنظيم على نفي طاعة المرأة لزوجها وهي المبدأ الشرعي الأساسي في العلاقة بين الرجل والمرأة المتزوّجَيْن، ذلك أنها في نظرهم تتناقض مع فكرة المساواة التامة التي أخذت رواجا في وقتنا الحالي وتُطبل لها القنوات المدبلجة والمواقع الاعلامية صباح مساء، ومن ثم يذهب هؤلاء إلى تأويل كل نصّ ديني يظهر فيه مبدأ الطاعة واضحًا صريحًا ويؤولونه تأويلا شيطانيا محاولين لَـيَّ عنق النص عنوة ليثبتوا أن المرأة رجل والرجل امرأة، في حالات أخرى يحاولون تضعيف النص الديني لأدنى علّة فيه حتى لو ثبت بطرق أخرى، بل حتى لو كانت تؤيّده نصوص شرعية أخرى عديدة [5].

    هذا الانحراف عن الفطرة وعن الدين الاسلامي يدل على سير التنظيم الاسلامي خلف التعاليم الغربية وانبهاره بالمد الحضاري الغربي الغازي، وهو أمر لا تخطئه عين بالنظر في حياة مسؤولي التنظيم، فمظاهر الحضارة الغربية حاضرة في حياة هؤلاء المسؤولين ونبرات كلامهم وطريقة لباسهم ولغة حديثهم ومنطق أفكارهم، إنهم نفس الاسلاميين الذين كانوا ينتقدون طه حسين بداية انضمامنا للتنظيم الاسلامي لانبهاره بالحضارة الغربية أصبحوا اليوم ينافحون عن الغرب وفلسفته وطريقة عيشه، يقولون لك عندما تواجههم بارتدادهم إلى منطق طه حسين إنهم يخدعون الغرب مؤقتا لتأسيس الخلافة الاسلامية ثم سيعودون لاحقا إلى الشريعة الاسلامية، لكن الحقيقة التي أعلمها يقينا أنهم متشبعون بالثقافة الغربية والفلسفة الغربية حتى النخاع.

    التنظيم النسائي أكثر تشبعا بالثقافة الغربية من التنظيم الرجالي كون النساء تكره التعدد وكل مشروعهن في الدنيا قائم على الاستفراد برجل، فلا غرابة أن تدافع النساء بكل شراسة عن الثقافة الغربية وتصفق بحرارة للمسؤولين السابحين في فلك الغرب كارهة كل مؤمن يتحدث باسم الشريعة، إن الشريعة هي العدو الأول للنساء بما أنها تتعارض مع المفاهيم الغربية "الجميلة" التي أشربها قلب النساء في المدارس والقنوات والمسلسلات وكواليس النميمة، فلا غرابة أن تطالب نساء الاسلاميين اليوم بالمساواة مع الرجال، نتيجة عادية لتفاعلات ثقافية وطعنات فكرية في عقل المرأة المسلمة.

    أما في نظرنا المتواضع فإن التنظيم النسائي ليس مساويا للتنظيم الرجالي ولا منافس له، إنه لا يراد بالتنظيم النسائي أن ينافس الرجال على كراسي الدولة ومناصب التنظيم ومنابر التربية، ولا يراد به أن يزاحم الرجال في كل صغيرة وكبيرة هي تفاصيل رجالية بامتياز، لا يجدر ذلك بالمؤمنات اللواتي يتلين كتاب الله أناء الليل وأطراف النهار يوصيهن الله في آيات كثيرة بطاعة الرجل واحترامه وعدم النشوز عن كنفه، إن دورهن يجب أن يقتصر على الأمور التي تساعد الرجال وتسهل عليهم مهمة الجهاد والتدافع مع قوى الشر، وهي مهام كثيرة تركتها المرأة للشيطان يعبث بها ويتسلل منها إلى أخلاق المجتمع وراحت تريد مكانا لها بين الرجال محاولة إثبات مساواتها بهم.

    حُمق.

    إن إخراج المرأة من ثكنتها الانثوية والتربوية، ثكنة البناء الداخلي وتربية النشء واحتضان الرجل الذي يشقى والزج بها مع الرجال في مهام أكبر منها لهو خدعة إبليسية ليعيش الرجل المسلم الخذلان والشتات والفتنة، والشيطان يقفز دائما في خطوة ذكية على الحائط القصير وهو النساء، الحائط السهل، يلعب الشيطان بالنساء بسهولة إذا استفرد بهن ثم يوحي إليهن أنهن في مصاف الرجال، والحقيقة أن فطرة النساء تأبى أن تكون رجالية وترفض بكل شدة أن تقارن بالرجال، فالنساء ورغم مطالبتهن بالمساواة بالرجل لا زلن يستشعرن في قرارة أنفسهن أنهن نساء مختلفات كليا عن الرجال، وحتى عندما يطلبن المساواة بالرجال فهن يطلبنها على استحياء، إنهن يعرفن تمام المعرفة أنهن يطلبن أكثر مما يستحقن، يضمرن في نفوسهن حقيقة أنهن أقل قليلا من الرجال، يستشعرن ذلك حين يقفن على أبواب الرجال يطلبن النفقة، يعترفن بذلك حين يطلبن رجلا قويا تحتمي فيه أنوثتهن الرقيقة، يعترفن في الصلاة أن الرجل هو إمام المرأة، ويفهمن حكمة أن الرجل يرث ضعف المرأة، ولا يثقن كثيرا في شهادة المرأة، يعرفن أن الرجل راجح العقل على المرأة، قوي على المرأة، متميز بأخلاقه عن المرأة بالشهامة والكرم والشجاعة والتضحية والنخوة والكلمة والصدق والعفة والعقل والدين والإمامة.

    يقول أهل العلم والحكمة إن مساواة الرجل بالمرأة وجعلها منافسة له اجتماعيا وتنظيميا وأسريا لهو فعل من أفعال الشياطين.

    إننا عندما نريد تنظيما نسويا تابعا للتنظيم الرجالي لا نحقر المرأة ولا نقلل من شأنها، بل هي معززة مكرمة فاضلة لها كامل حقوقها التي فرضها الله وفرضتها الطبيعة والفطرة السوية، حقوق تنقلها من مقام العبودية للرجل إلى مقام التكريم والتشريف ومنافسة الرجل في الفضائل والعلم والتربية والدين والخيرات التي تقرب الى الله، لكن ليس للمرأة نفس حقوق الرجل، فمجرد جنس الرجل يعطيه حقوقا تميزه عن جنس النساء، لكننا لا نقول بأفضلية الرجال المطلقة على النساء، إننا نتحدث فقط من باب توزيع الحقوق وامتلاك المؤهلات وليس من باب الافضلية، فالأفضل والأكرم هو الاتقى عند الله، فمن المتصور جدا أن توجد نساء أكثر تقوى وخشية لله من بعض الرجال، لكن هذه المرأة المؤمنة ولو كان زوجها فاسقا فمجرد رجولته تعطيه حق الطاعة عليها، فإذا أمرها أبرته.

    إننا نجزم أن هناك نساء فاقت بعض الرجال نخوة ودينا وشهامة وكرما وعقلا وقوة جسدية، رغم قلة هذه الحالات، ومع ذلك يبقى الرجل رجلا والمرأة امرأة، حكما عاما من الله، ذلك أنه ولو توافرت في بعض النساء ما يتفوقن به عن بعض الرجال فإن الشرع لا يبيح للمرأة أن تكون إماما في الصلاة على الرجل، ولا أن ترث مثله ولا أن تشهد كشهادته، ولا أن تزاحمه المهام الخاصة التي اوكلها الله إليه، طاعة آسية المؤمنة للفرعون الفاسق واجبة كونه زوجها، لكن الافضلية لآسية كونها أكثر تقوى من فرعون، وطاعة المؤمنة لزوجها لا تصل إلى حد طاعته في معصية الله بل تحد في طاعته داخل بيت الزوجية، تطيعه إذا دعاها إلى فراشه وتطيعه إذا منعها من الخروج من البيت وتطيعه إذا اقسم عليها بعمل مشروع أن تقوم به، وبذلك تكون قد أدت حق زوجها، فإذا زادت طاعة ربها كانت كريمة عند الله وفاقت زوجها في مقامات الصلاح.

    طاعة الزوجة لزوجها ليس تنقيصا من قيمة المرأة [6] ولا تنقيص من دين المرأة، فقد يكون هو عين فلاحها وقد يكون عين خسران زوجها، فالمرأة الطائعة لزوجها رابحة مع ربها، والزوج المتعسف في استعمال هذا الحق خاسر مع ربه، فماذا نفعت الطاعة الرجل وماذا أضرت الطاعة بالمرأة؟

    لقد تسربت ثقافة المساواة إلى داخل جسم التنظيم الاسلامي وهو الذي من المفروض ان يسهر على بقاء الرجولة حية نابضٌ قلبها، فما معنى أن تُعافس النساء الرجال في كل ثغر داخل التنظيم الاسلامي، هل هو موضة جارفة أم تشبه بالثقافة الدخيلة أم رضوخ للواقع الثقافي الدولي الهاجم بقوة الخيل والرجل الاعلامي والفكري والمؤسساتي، ثم ما معنى أن تحشر المرأة أنفها في كل صغيرة وكبيرة في شؤون الرجال رغم علمها أنها ليست بالكفاءة دائما لتدبير كل الامور، إننا نعلم أنها ضعيفة في بعض الامور ومتقلبة في أحيان كثيرة ثم يصر البعض على الزج بها عنوة في كل مهنة وكل وظيفة وكل قضية وكل لجنة وكل مؤسسة عن طريق الكوطا.

    مساواة بالعنف.

    هل هذا الأمر طبيعي موافق للطبيعة البشرية، وهل هذا المقتضى موافق للنص الديني؟ أم هو التنطع الفكري الذي يريد أن يقول نحن إسلاميون جميلون متحضرون لا نركب الجمال ولا تطيعنا المرأة ونساؤنا يجالسننا في كل لجنة ويلجن معنا في كل جحر ندخله، أم هو فقط مزايدات فكرية وسياسية من أجل الظهور بمظهر الحداثة في جوقة حقوق المرأة التي يقودها ابليس شخصيا.

    أكاد أعتقد أن القبول بهذا الاختراق الايديولوجي هو ضعف تنظيمي وفكري في منظومة التنظيم الاسلامي ومحاولة لاسترضاء الغرب وعملاؤه بيننا للحصول على موقع سياسي، فمن لا يدين اليوم بدين المرأة وحريتها وحقوقها وسموها على الرجل لا مكان له على رقعة السياسة، إنه الخراب الدعوي والسياسي للتنظيم الاسلامي الذي أصبح مترهلا تحكمه فلسفة النساء وتقود دفته النساء وأشباه الرجال، بينما ينزوي الرجال القوامون في الزاوية مفصولين أو مهمشين، رجعيون متخلفون لا يفهمون في ثقافة المرأة المتحضرة.

    ماذا لو تراجعت المرأة الاسلامية قليلا وعرفت قدرها وعرفت مهامها الحقيقية واهتمت بزوجها وأبنائها وشمرت عن ساعد احتضانهم وتربيتهم وحماية ظهورهم [7] من فتنة العري والتردي عوض تشميرها عن ساعد تحديهم وطعنهم في ظهورهم بغية الوصول الى مساواة غير موجودة فعليا، ماذا لو اهتمت المرأة بسعادة زوجها وأطاعته بطيب نفس عوض التناطح معه على المساواة، ماذا لو اهتمت المرأة بنقاء أطفالها ونظافتهم وحسن تربيتهم عوض أن تعافس الرجال على أبواب المعامل والشركات، هل هو تنقيص من المرأة عندما نطالبها بالرجوع إلى أنوثتها؟ هل هو احتقار لها؟ ماذا لو اهتمت بقرآنها وعبادتها وعفتها وطهارتها وجمالها وتربيتها وترفعت عن مخالطة من هب ودب من الرجال الصالحين والطالحين؟ ثم هل تستطيع المرأة فعلا أن تنافس الرجال في السياسة والتنظيم والتربية والمسؤولية والنقابة والشركة والمعمل ثم تأتي مسرعة لتنشر المحبة والحنان والمودة داخل بيت زوجها؟ ترى هل تستطيع أن تقوم بالدورين معا؟

    الواقع يشهد أن المرأة الإسلامية مهزومة في كلتا المعركتين، فلا هي احتضنت زوجها الذي يجري خلف كل فتاة حنونة باحثا عن أنثى حقيقية، ولا هي تركت الرجل يعطي مثالا حيا للطفولة كيف تكون الرجولة، لقد ضحك عليها الشيطان ضحكة العمر فدمرت بسراب مساواتها المزعومة الطفولة والرجولة، دمرت بيتها وهي الآن تهرب إلى الأمام في عناد تطلب من الرجل أن يكون مخنثا يقتسم معها شؤون البيت وتحمله مسؤولياتها الانثوية، ومع ضغوط القانون والمجتمع يرضخ فعلا بعض الرجال لدعوات التخنيث مرغمين فيصير لدينا أشباه رجال وأشباه نساء وبينهما أطفال تائهين أي جنس يختارون لأنفسهم.

    النساء المتدينات عندما يستشهدن بأحاديث مساعدة النبي لأهله في البيت يكدن يخدعن الرجل، لكأن النبي الكريم المقتحم لعقبات الدعوة والتربية والجهاد والسيف كان جالسا في البيت طوال الوقت يطهو الطعام ويخيط الثياب ويغسل الاواني و خِرق الاطفال في إطار حقوق المرأة والمساواة بالمرأة، لا يا سيدتي، النبي الكريم لم يكن مخنثا، لقد كان يفعل ذلك بين الفينة والفينة مواسيا أزواجه ومتواضعا معهن مشيرا بفعله إلى أن عمل البيت ليس عيبا ولا هو انتقاص، أما كامل وقته صلى الله عليه وسلم فقد كان يذهب في اتجاه التربية وتدبير أمر الامة، ثم أنه صلى الله علي وسلم كانت له إحدى عشر زوجة ولم يكن له الوقت الكافي ليطهو الطعام ويغسل الاواني لإحدى عشر زوجة، رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجلا كامل الرجولة ولم يكن مخنثا كبعض رجال اليوم الذين يساوون أنفسهم بالنساء، كان يواسي إحداهن في المطبخ أحيانا بعض دقائق ويحمل عنها بعض الاشغال ثم ينطلق إلى أموره التي كلفه الله بها.

    إنه لا وقت للنبي للطبخ.

    السياق العام الآن يتجاوز هذا بكثير، فبعد أن أعطى الكثير من الرجال الدنية من أنفسهم واقتنعوا بمساواتهم بالمرأة أصبح الكثير منهم اليوم من يعتقد بتفوق جنس المرأة عليه، فهي الجنس السامي وهو الجنس الوضيع، يقف العاهر أمام زوجته مرتعد الفرائص يتحدث معها بتذلل كأنه يقف أمام مخلوق مقدس، ولعمري إن هذا نتيجة طبيعية للتدمير الممنهج الذي تعرض له الرجل والتنمية التي استفادت منها المرأة، فحجم الموارد المالية والنصوص القانونية التي تم تخصيصها للمرأة ومخططات التنمية البشرية التي استفادت منها جعلت المرأة متقدمة على الرجل في عديد من القطاعات، جعلتها تسيطر رغم ضعفها على مناصب الشغل في القطاع الخاص وعلى المراتب الاولى في الجامعات والمراكز الاولى في الوظائف العمومية، وبقي الشباب الذي ينضح قوة في حضيض التنمية البشرية عاطلا مشردا في الازقة، مدمرا نفسيا بالتهميش الممنهج، مستهدفا بالمخدرات، محروما من العمل، وفوق ذلك كله مطالب بأداء نفقة المرأة العاملة تحت طائلة دخوله السجن.

    مرأة تعمل ورجل عاطل، عاطل مُطالب بالنفقة وعاملة تقبض الراتب من الشركة والنفقة من العاطل.

    التنظيم الاسلامي بما أنه لا يملك أي نموذج اسلامي حقيقي في التنمية الاجتماعية وغير مقتنع أصلا بالشريعة الاسلامية انساق مع هذه الموجة العاتية الغازية القادمة من النظرة الغربية الديوثية، لقد تبنى التنظيم الطرح المجتمعي القادم من وراء البحار، وأصبح يدفع بالمرأة إلى كل ثقب في التنظيم، يريد أن يظهر بمظهر الحداثة المتقدمة، يحشر النساء في جميع المسؤوليات لعلهن يثبتن مساواتهن، وأحيانا بنظام الكوطة، أي المساواة كرها، وبذلك تحولت الغاية من إنشاء التنظيم النسوي من غاية مساعدة الرجل إلى هدف مزاحمته والتنغيص عليه.

    المهمة الأصلية للتنظيم النسوي كانت القيام بالأعمال التي خص الله بها النساء كالتعليم وتربية الأبناء على قيم الدين والاخلاق والقرآن والاهتمام بجميع شؤون البيت حافظات للغيب بما حفظ الله، ثم الارتقاء بالعلاقة الزوجية إلى الدرع الأخلاقي والأسري الذي يحمي الرجل المجاهد في حضن التنظيم الاسلامي الرامي إلى إقامة العدل والدين في الارض، الإهتمام بالرجل وتوفير جو السكينة في البيت معاملة ونظافة وحنانا، للأسف لقد تم إلغاء كل هذا الدور الجليل واعتباره إهانة للمرأة ثم تم الدفع بالنساء داخل التنظيم إلى مزاحمة الرجل في مهامه السياسية والتنظيمية، ترك التنظيم النسوي جبهته الداخلية المقدسة وجاء يقاتل في جبهة الرجل تاركا عورة الرجل مكشوفة في بيته وأبنائه، وعندما يطالب الزوج بزوجة ثانية تهتم به يصبح سلفيا رجعيا متخلفا.

    عاهرات كثيرات وآلاف الأطفال الضائعين تركهن التنظيم النسوي للضياع وذهب المنكوس يبحث عن أحقية المرأة في إمامة الرجال، من يا ترى سيحتضن هذه الأعداد الهائلة من المحتاجات إلى من يأخذ بأيديهن إلى الهداية؟ هل هو الرجل يا أخت الدعوة؟ وكيف يحتضنهن وزوجته ترفض التعدد، هل سيفعل ذلك كما يحتضن ولي الله الرجل المؤمن، لا أظن، الرجل عندما يحتضن المرأة دعويا لابد أن تتحرك في نفسه شهوة نكاحها، ولذلك كان انضمام المرأة إلى جبهة القتال السياسي ومعافسة الرجال لا يقوم إلا في حالة النفير العام، وهي حالة خاصة ولها ظروف خاصة، أما الأصل فهو أن للرجال مهام الشقاء الخبزي والتدافع السياسي وللنساء مهام التربية الأسرية والتطبيب العاطفي للرجل واحتضان النساء الراغبات في سلوك طريق الله.

    أعلم أن هذه الحقائق تزعج النساء المندفعات في عوالم الرجال وتزعج بالخصوص أشباه الرجال الديوثيين المخنثين الذين يقبلون غسل الصحون في المطابخ بينما تعافس نساؤهم رجال الغير في المقرات الدعوية، ومع ذلك فهم لا يحبون أن يفضح أحد تخنثهم وعهرهم المقنع بالحداثة والإسلام العصري خاصة المسؤولين التنظيميين، لكن الحق يجب أن يُنطق به، ويجب أن يعرف الجميع أصل المشكلة لأنه تتفرع عنها إشكالات كثيرة وخطيرة كلها تنبثق من فضيحة المساواة بين الرجل بين المرأة، مساواة غير واقعية ولا منطقية ولا دينية، ولعل أكبر الاشكاليات المتفرعة عن هذه البركة الاسنة هي إشكالية نشوز المرأة المشتتة للأسرة، تليها إشكالية الفتنة التي يقع فيها الرجال بالمعافسة اليومية للنساء حتى داخل بيوت التنظيم، وما يزيد الامر تعقيدا هو منع التعدد، والنتيجة الواضحة خراب البيوت وانتشار الفتنة القلبية والفساد الاخلاقي الناتج عن كبت الرجل المحب للنساء وقيده مع امرأة واحدة في واقع تموج فيه النساء موجا، دون أن ننسى الاشكاليات التنظيمية المتعلقة بتميُع التنظيم وتخنثه وتخبطه جراء الاختلاط، فالمخالطة الكثيرة للنساء تنتج التخنث.

    الثقافة الغربية الدخيلة على واقع المسلمين جعلت العلاقات الاجتماعية في بلاد المسلمين عامة وداخل التنظيم الاسلامي خاصة يسودها عدم الثقة بين الرجل والمرأة، فالرجل أصبح يرى في المرأة عدوا يريد سجنه والسيطرة عليه، حجر عثرة أمام تطلعاته الوظيفية وتميزه الاجتماعي، والمرأة كذلك اصبحت ترى في الرجل عدوا يقف حجر عثرة أمام مسيرة تحررها الشيطاني الذي تم زرعه في عقلها المستفز المتحمس للانعتاق من قبضة الرجل، ثم تطورت مطالبها وأصبحت ترى أن الرجل يجب أن يكون عبدا لها وإلا فهو ظالم، مكتفيا بها وإلا فهو خائن، أصبحت المخدوعة بعاطفتها تحس أنها مظلومة عندما لا تتمكن من السيطرة على الرجل، وأصبح التعدد وهو الحق الطبيعي للرجل وتشوفه دائما إلى الزوجة الثانية يساوي عندها الخيانة العظمى التي يستحق مرتكبها القتل في ساحة عامة من التشويه، أصبح الحق في عقلها منكرا والمنكر حقا، وكذلك يكون حُكم النساء.

    لقد كانت ضريبة التقدم الغربي وصناعة الآلة أن يفرض عليك المخنث المتصنع ثقافة مساواته مع المرأة، الرجل المُصنع اكتسب بعض العلوم المادية والتقنية التي مكنته من خلق هالة حوله من المهابة و التقدير والاحترام، لا نبخسه أشياءه، وفي ميدان التقنية والعلم نرفع له القبعة عاليا، لكنه في علاقاته الشخصية ديوث، لقد نجح في السيطرة على المادة وتسخيرها لمصالحه ورفاهية عيشه وقهر غيره لكنه فشل فشلا أخلاقيا ذريعا، وهو يريد أن يعطينا قليلا من صناعته وعلومه التقنية بضريبة باهضة وهي أن نتبنى ديوثيته ونشرعن لها في قوانيننا ونتبناها في مجتمعاتنا، يريدنا نسخة مشوهة منه، نسخة لا هي مصنعة تصنيعا كاملا ولا هي محافظة على نجاحها الاجتماعي، والساحر العلمي الحداثي يزحف على مجتمعاتنا بما فيهم المجتمعات التنظيمية الاسلامية الصغيرة ويفرض عليهم انهياره الاخلاقي تحت لافتات حرية المرأة وحقوق المرأة ومساواة المرأة بالرجل.

    ومع حجم البؤس الذي يعيشه الرجل أصبح يرى المرأة إشكالية كبيرة في طريق تحقيق ذاته، فقد أصبح ينظر إليها نظرة العداوة الدائمة والخوف المستديم، يراها سكين غدر في ظهره، عقبة كؤود هي في حُمقها وتمردها ونشوزها ومساندة القانون لها ونزغ الشيطان لها في تمردها الفاسد المفسد، لم تعد المرأة مخلوقا لطيفا ولا كائنا حنونا كما وصفها شعراء الغزل، إنها الان وحش كاسر يكشر عن أنيابه الحقوقية كل حين، لقد خسر الرجل درعه الخلفي وأصبح ظهره مكشوفا للأعداء، وبالتالي وجب عليه أن يعتمد على نفسه كليا ويعيش وحيدا حذرا من الغدر النسوي ولو كان متزوجا.

    لقد أصاب الشيطان الرجل المؤمن في عقر داره بشعارات حقوق المرأة وحريتها، رفع الملعون راية الحق مريدا بها عين الباطل، وانتصر الرجيم وخسر الرجل الكريم، ساعدته المرأة والتنظيمات الاسلامية وأجنحتها النسوية، هذه التكتلات النسوية لو كان لها من العقل شيء لرجعت بالمرأة المارقة إلى كنف الرجل وحضن الشريعة الاسلامية العادلة ولهربت من المصيدة الشيطانية الحلوة المسماة حرية ومساواة، إنها مصيدة ومحرقة سيدتي الفراشة الجميلة وليست أنوارا كما تتصورين.

    إن التنظيم الاسلامي باعتباره قائما على مصالح الرجال والنساء السائرين في طريق الحق لهو أحق أن يتدخل من أجل تصحيح الفهوم وإعطاء الحقوق قبل أن يجني ثمار تكاسله وسلبيته، وقبل ذلك عليه أن يقوم بمراجعات فكرية وتصالح مع الشريعة الاسلامية السمحة، خاصة التنظيم النسائي الذي عليه أن يرجع إلى الله وإلى شريعة الله، فلو عرفت النساء ما في شريعة الاسلام لكفتهن رغم ما يبدو لهن فيها من مرارة، ولو عرفن ما يراد بهن في حلاوة عسل الحقوق والحريات والمساواة مع الرجل لفررن منها فرارهن من قسورة، يكفي أن يلقين نظرة على حال مجتمعات الحريات والحقوق النسوية المبالغ فيها والمساواة مع الرجال وسوف تتكشف لهن المصائب والطوام التي يعيشها مجتمع مساواة الرجل بالمرأة، إنه لا خير في قانون يخالف شريعة الله، ولا خير في قوم يفضلون قانون البشر الموضوع على قانون الله المنزل، ولا خير في تنظيم يغش أعضاءه وعضواته، يربطهم ويربطهن بالقانون ويبعدهم ويبعدهن عن شريعة الله.

    لقد رأيت نتائج التنطع النسوي وقفزه الى مقام الرجال، رأيت حجم المصيدة التي وقع فيها جيل من النساء المتأثرات بنظيراتهن هناك، لا هن التحقن بالصحابيات ولا هن صرن سيدات لاس فيغاس، والنتيجة أكوام من النساء الملتزمات المتدينات المتكبرات المتعجرفات المائعات العانسات المفتخرات بعذريتهن وإسلاميتهن، نساء مفسودات من حيث المعنى لا يصلحن لا لزواج ولا لمعاشرة، نفخة وتكبر وعلياء وكلام أكبر منهن بكثير، يتحدثن بالعلوم الروحانية الكبيرة بينما لا يُطلب منهن ذلك، يتحدثن في أمر الأمة وليس شغلهن ذلك، إنه لا يطلب منك سيدتي سوى حنان المرأة وخفض جناحك للرجل.

    يا سيدي الكريمة الفاضلة، إنه لا يطلب منك أن تزاحمي الرجال في علومهم التربوية والسياسية ولا أن تسيطري على التنظيم ولا أن تحكمي الدولة ولا أن تؤمي الرجال في الصلاة والجهاد، إنه لا يطلب منك سيدتي سوى إدخال السعادة على قلب الرجل، فرح تدخلينه على قلبه الذي شبع من كلم الفقهاء والعلماء والوعاظ والاخوان، يكفي حديثا في الدين وأتقني فنا آخر لا يوجد عند الرجال، أتقني فن الإسعاد تنالين به محبة زوجك وتنقذينه من قنوات العهر وتنالين بذلك محبة الله ورضاه، إن جنتك في إسعاد زوجك، في خدمة زوجك، في طاعة زوجك لا في المساواة معه، من كذب عليك وقال لك بأنك رجل، الرجوع إلى الله يا أمة الله فإذا لم تكوني تؤمنين بالله فالرجوع إلى الطبيعة، إن الطبيعة تقول لك بلسان علمي فصيح: أنت لست رجلا، فكفى خبالا! .

    أقسم لك سيدتي المتدينة المتعجرفة المتساوية مع زوجك إن عاهرة تائبة متواضعة لزوجها مطيعة له خير منك سبعين ألف درجة، هي تُقرب زوجها إلى الله وأنت تبعدينه عن الله، هي تكفي زوجها عن الحرام وأنت تدفعينه إلى الفساد، فهي في الجنة وأنت في النار دنيا وآخرة.

    إن المرأة المتواضعة المطيعة لزوجها هي بالفعل سيدة نساء هذا الزمان، المرأة السهلة مع زوجها هي سيدة نساء الجنة، المرأة السائرة مع شريعة الله حيث سارت هي قمة التربية والايمان والصلاح والتقوى، التقوى ها هنا وليس بكثرة الشواهد والعجن في الكلام، التقوى في الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، الدين الرجوع إلى الفطرة، والشريعة التي تخالف الفطرة شريعة ضالة، ولذلك تجد شريعة الاسلام تسير مع الطبيعة، مع الفطرة، فالذي خلق الطبيعة جعل من قوانينه الالاهية أن من يخالف الطبيعة يعرض نفسه للكوارث، إن الدين عند الله الاسلام، والاسلام استسلام لناموس الله لا منازعة لله بقانون العقل المستورد.

    تُعجبني تلك المؤمنة السُكرة، الحلوة، البسيطة، المبتسمة، الراضية بما قسم الله لها، السائرة مع شريعة الله، المتواضعة مع زوجها، الكريمة الفائضة روحها بالحب والحنان والمودة، المحبة لله ولرسول الله ولرجال الله، منضوية تحت لواء تنظيم إسلامي له أهداف كبيرة لكنها صغيرة متواضعة مع زوجها لا تحسب نفسها سوى أمة من إماء الله، زهرة الدنيا هي تلك المؤمنة اللطيف البشوش، لا ترى نفسها رجلا بل تعيش أنوثتها، فخورة هي بأنوثتها التي خلقها الله عليها، تحترم الرجل وتوقره وتكفل مكانته في قلبها وبيته، تطيعه محتسبة أجرها على الله، هي أمة الله فعلا لا أمة الثقافة الدخيلة، تربي بناتها على طاعة الأب لا على كرهه، تعلم بناتها أن الأخ قوة، والزوج رحمة، والأب أمان، لا تزرع الحقد القادم من الحقوق ولا تنشر الفساد القادم من وراء البحار.

    صحابية هي في عهد الفساد الديني والأخلاقي والسياسي، جوهرة ثمينة هي أوصى بها الرسول الكريم أن اظفر بذات الدين تربت يداك، وذات الدين هي المؤمنة السائرة مع شريعة الله حيث سارت، مع الفطرة الصافية حيث سارت، مع سيادة الرجل، دعني من ذوات الدين اللواتي يرين أنفسهن رجالا، هؤلاء لسن من أوصى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هن البلاء بعينه، المرض بعينه، الاعصاب بعينها، دمار المخ والكبد والطحال والامعاء وجميع الاجهزة.

    إن انتشار الزنى في العالم وفي المجتمعات الاسلامية أيضا معناه أن شيئا ما ليس على ما يرام، معناه أن المفاهيم الجديدة لحقوق المرأة والتي لم يعشها جدي وجدتي قد أفسدت الناس، أفسدت الرجولة والانوثة على حد سواء، كيف يصفون جدي بالظالم وجدتي بالمظلومة وقد رأيتهما كيف عاشا قمة الحب والوفاء، لقد عاشا في طهارة ونقاء دون هذه الترسانة من القوانين التي تحمي المرأة زعما، كل هذه القوانين الحقوقية التي تنفخ في المرأة وحقوق المرأة لم تستطع أن تنجب رجلا يحب امرأة كما أحب جدي جدتي، تلك الجدة المتواضعة الحنون وذلك الجد القوي المهاب، لن تستطيع هذه الأكاذيب الحقوقية إرساء الحب والحنان، بل ستمسخ الهوية الجنسية وتسبب الانحرافات.

    سيكتشف العالم يوما أن مساواة المرأة بالرجل قنبلة مدمرة، لكنهم للأسف سيعرفون ذلك بعد الفتنة في الأرض والفساد الكبير.

    عافانا الله وإياكم من امرأة ترى نفسها رجلا ومن تنظيم نسوي يريد الإمامة على الرجال.


    📌 الهوامش

    1. [1] " أعطى الله سبحانه الرجل زوجا وإماما الدرجة على المرأة. وأمره كما أمرها بالعدل والإحسان" تنوير المؤمنات، ج1، ص219.
    2. [2] قال ابن عباس رضي الله عنهما: خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبَلوا قول الفقهاء بعضِهم على بعضٍ، فإنهم يتغايرون كما تتغايَرُ التُّيوس في الزَّريبة». الاحياء، جزء1، ص40.
    3. [3] روى ابن حبان عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا صلت المرأة خمسها و صامت شهرها و حصنت فرجها و أطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت ". صححه الألباني في صحيح الجامع برقم 660.
    4. [4] قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ". رواه البخاري 4899.
    5. [5] روى ابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال ما هذا يا معاذ قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تفعلوا فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه" والحديث صححه الألباني. وعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: " لا يحِلُّ للمرأةِ أن تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه، ولا تَأذَنَ في بَيتِه إلَّا بإذنِه، وما أنفَقَتْ مِن نفَقةٍ عن غيرِ أمرِه فإنَّه يؤدَّى إليه شَطْرُه" (متفق عليه). وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في خطبتِهِ عامَ حجَّةِ الوداعِ يقولُ: "لا تنفقُ امرأةٌ شيئًا من بيتِ زوجِها إلَّا بإذنِ زوجِها". قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ ولا الطَّعامُ؟ قالَ: "ذاكَ أفضلُ أموالِنا" أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد.
    6. [6] جاء في خطبة الوداع: "أَلَا واسْتَوْصُوا بالنساءِ خيرًا، فإنما هُنَّ عَوَانٌ عندَكم، ليس تَمْلِكُونَ منهن شيئًا غيرَ ذلك إِلَّا أن يَأْتِينَ بفاحشةٍ مُبَيِّنَةٍ، فإنْ فَعَلْنَ فاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، فإنْ أَطَعْنَكُم فلا تَبْغُوا عليهِنَّ سبيلًا. أَلَا وإنَّ لكم على نسائِكم حَقًّا، ولنسائِكم عليكم حَقًّا، فأما حَقُّكُم على نسائِكم فلا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تَكْرَهُونَ، ولا يَأْذَنَّ في بيوتِكم لِمَن تَكْرَهُونَ. أَلَا وإنَّ حَقَّهُنَّ عليكم أن تُحْسِنُوا إليهِنَّ في كِسْوَتِهِنَّ وطعامِهِنَّ" سنن الترمذي، وهو حديث حسن صحيح. واضح جدا تأكيد هذا الحديث النبوي على طاعة الزوجة لزوجها نافيا أي مساواة داخل بيت الزوجية، وما يزيد من أهميته موقعه من خطبة الوداع حيث يُعدّ محوريّا في تأكيد طبيعة علاقة الزوجين داخل بيت الزوجية وأحقية الرجل بطاعة زوجته.
    7. [7] روى أحمد والحاكم عن الحصين بن محصن أن عمة له أتت النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة ففرغت من حاجتها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أذات زوج أنت؟ قالت نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت ما آلوه ( أي لا أقصّر في حقه ) إلا ما عجزت عنه. قال: " فانظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك ".

  • التعدد بين حاجة الرجل ومنع التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 29 من 77 — فهرس الكتاب

    لا أريد هنا أن أبرر للتعدد، فقد أحله الله دون حرج التبرير، والنقاش في الواضحات يفسدها، فالتعدد شريعة الله وقانون الطبيعة ولا جدال، والقول بأنه من الماضي الذي يجب إلغاؤه تماشيا مع الهجمة الغربية الحداثية هو تحريف للقرآن واعتداء على أحكامه، فالتعدد غير قابل للتحريم ولا للتجريم ولا للمنع، فما أحله الله لم يكن لبشر أن يُحرمه، وما حرمه الله لم يكن لتنظيم أو قانون أن يحله، لكني أريد في هذا المحور أن أناقش كيف يتعامل التنظيم مع مطالب التعدد داخل صفوفه، نريد أن نستشف ونحن نقلب مؤسسة التعدد موقف التنظيم من هذه قضية الشائكة في المجتمع المعاصر التي يتقاذفها الشرع والقانون، هل هو مع الشريعة أم مع القانون الغربي المستورد، ثم إننا نريد أن نناقش مدى أحقية التنظيم في التدخل في الحياة الشخصية للاعضاء، هل له الصفة والحق في منع التعدد كما تمنعه الزوجة والقانون، أم أنها قضية شخصية رجالية تخضع للباب المفتوح انكحوا ما طاب لكم وتقدير فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً؟ فإما أن ينكح أو يخاف.

    إننا لا ننكر صعوبة التعدد في العصر الحالي لأن غيرة المرأة الطبيعية قد تم إرساؤها اليوم على أسس قوية بعدما كانت مجرد مضايقة بسيطة، لقد تمت مأسسة الغيرة واعتبارها اعتداء على حقوق المرأة وحقوق الانسان بعدما تبنى القانون مطالب المرأة اعتمادا على أساسين، أولهما ادعاء المرأة أن الرجل القديم كان ظالما للمرأة والاساس الثاني هو أن الرجل الحالي رجل ضعيف، طبعا من حق المرأة أن تغطي غيرتها وتكذب وتقول إنها مع الشريعة وأنها لا تمانع في التعدد ومن حق الرجل أن ينبش في الأصول ليفرض حقه الطبيعي، لكننا لا نناقش غيرة المرأة وبحثها المستميت طيلة حياتها الزوجية عن الانفراد بزوجها فذاك أمر طبيعي، إنما نناقش دور التنظيم وتدخلاته في حياة المؤمنين المنضوين تحت لوائه وكيف يضغط عليهم حتى لا يتزوجوا الزوجة الثانية، نناقش أحقية التنظيم في التدخل في الحياة الشخصية للرجل بعدما تدخل فيها الغرب والشرق.

    الاسلاميون عموما فشلوا في تدبير مؤسسة الزواج، وقبل ذلك فشلوا في مأسسة هذه المؤسسة وإرسائها على أسس شرعية قوية، فأغلب من نجح في زواجه كان باجتهاد فردي وتغييب للتنظيم عن أموره الشخصية أن يفسدها المسؤولون، أما الذين سمحوا للمسؤولين التنظيميين بغشيان أمورهم الخاصة فقد جنوا خيبة أمل كبيرة، فالتنظيم عنصر إفشال دائما في الحياة الشخصية، فمتى دخل التنظيم في مؤسسة الزواج انتهى هذا الاخير بالطلاق والحروب التي لا تنتهي، فالتنظيم ليس له ما يُرسي به الاسرة أو يجمعها من لجان مختصة وثقافة جنسية ووساطة في الزواج وبحث عن الحلول الأسرية وستر لأسرار المؤمنين بقدر ما يملك من العوامل التشتيت التي تفتت الأسرة وتشتت الابناء، التنظيم عنصر حقير للتجسس والنميمة والتآمر وتناقل الأخبار والاستمتاع بمشاكل المؤمنين وزرع الوساوس ودخول على الناس في بيوتها واستعمال المعلومات الشخصية وتسخير كل ذلك لمصالحه التنظيمية والرئاسية.

    التنظيم لا يملك مؤسسات داخلية تحترم خصوصيات الازواج وتتدخل باليد البيضاء للمساعدة كلما أشكل أمر أو استعصى حل بل يملك مؤسسات كبيرة للنميمة، ومرد ذلك إلى أن التنظيم لا يهمه سوى مصالحه التنظيمية وهو لا يتردد في استعمال الحياة الخاصة لأفراده لقضاء مآربه مسؤوليه الرئاسية، تماما كما تفعل الأنظمة الحاكمة عندما لا تواجه مواجهة الشرفاء، فتضرب في البيت، وبالضبط في نقطة ضعف الرجل وهو امرأته، فإذا لم يجد زوجة بحث هل هناك عشيقة يدخل منها، ولذلك كانت الحافظية سمة الزوجة الصالحة، فهي تحفظ ظهر زوجها أن يطعنه التنظيم أو النظام أو الاغيار في ماله أو شرفه أو أطفاله أو خصوصياته الشخصية.

    هل التنظيم يدخل على المؤمنين من باب المرأة، أي نعم يفعلها الحقير.

    التخبط التنظيمي إذن في معالجة مؤسسة الأسرة واضح، وأحيانا العشوائية والسلبية والحرب التحتية، غياب للمؤسسات والمناهج، ارتجاج فكري واضح بين القانون الغربي والشريعة الاسلامية، وكثير من قياديي التنظيم متأثرون تأثرا لا تخفاه عين بالنزعة الغربية للزواج مع أنهم لا يُصرحون بذلك أمام الملأ الشعبي مخافة سقوط هيبتهم الدينية ومكانتهم التنظيمية لدى الكتلة الداخلية والخارجية الناخبة، ولذلك فهم يحافظون على شكليات الزواج الاسلامي من قبيل طلع البدر علينا حتى لا يفقدوا رصيدهم الاسلامي وقوتهم السياسية، أما مضامين الزواج الاسلامي في واقعه فهو يخضع للقانون الغربي مع جميع الامتيازات التي يكفلها للمرأة تنضاف الى ذلك مكاسب الشريعة الاسلامية، فالمرأة المسلمة الآن طالعة واكلة نازلة واكلة، تأكل بيد القانون المستورد وتأكل بيد الشريعة الاسلامية، بينما يتضور الرجل المؤمن جوعا حقوقيا وجنسيا، أما المسؤول في التنظيم الاسلامي فهو فرح بالذل النازل عليه من المرأة ويوصي المؤمنين بطاعة الزوجة لأن الحديث يقول: "ما أكرمهن إلا كريم".

    الرسول الكريم يوصي بإكرامهم وليس بالركوع لهن.

    المرأة حرة والرجل عبد، المرأة غير مسؤولة والرجل مسؤول، المرأة تعمل ولا تنفق والرجل يقبض نفس أجرتها وينفق، الشراكة من حق الزوجة وطاعتها لزوجها رجعية وشيء من الماضي المتجاوز، توثيق عقد الزواج لدى المحاكم والجهات القضائية واجب وتوثيق الزواج الثاني لدى العدول ممنوع، "التطليق" الغريب عن الشريعة حق مكفول للمرأة متى شاءت ودون تبرير ذلك، بينما الطلاق الشرعي حق مقيد بالنسبة للرجل بأداء المستحقات المالية الكثيرة من متعة وعدة وحضانة وسكن ونفقة تحت طائلة السجن، الطلاق من حق المرأة شيك على بياض أما الرجل فحقه في الطلاق مشروط بشروط تعجيزية لكأنه كان مكتري، الزواج راحة المرأة ومناط حريتها ومكاسبها المالية أما بالنسبة إلى الرجل فهو التزامات كثيرة واتهامات متعددة وتقييدات من كل يد ومحاكم وقضاء وشرطة وسجون ومستحقات مالية.

    لقد رضي التنظيم بهذه الكوارث بل أُشربها في قلبه وتبناها في هياكله ويدافع عنها بشدة مراس، والأنكى من ذلك هو إقحام الدين في كل حضيض يؤمن به التنظيم، إنه الان يستعمل الدين ويبرر تغول المرأة بأحاديث نبوية شريفة تحث على تكريم المرأة.

    أي نعم تكريم المرأة لا يجادل فيه مُجادل، ولم تقل الشريعة يوما باحتقار المرأة رغم أنها الضلع الأعوج والكائن الناقص العقل، بل قال الرسول الكريم بالاستمتاع بالضلع على عوجه والصبر على نقص العقل حتى لا ينكسر، ولذلك فتح باب التعدد للرجل حتى لا يقع أسير كائن أحمق، فالتكريم النبوي للمرأة لا يعني إلغاء كرامة الرجل وجعله عبدا تحت أقدامها بل يعني حفظ حقوق المرأة من تعليم ونفقة وغيرها من الحقوق مع حفظ حق الرجل في الاستمتاع وتغيير العتبة كلما لم يعد يرتاح فيها، أما تدمير الرجل ومحاصرته فليس من حقوق المرأة، إن تدمير الرجولة لـحساب الانوثة ليس من الاسلام في شيء، والقضاء على الرجولة يتجاوز بكثير حقوق المرأة، فالرجولة يجب أن تبقى هي المهيمنة على بيت الزوجية وبيدها عصمة الزواج، وسيطرة المرأة على بيت الزوجية وحصولها عليه على شيك أبيض هو في حقيقة الأمر خراب للأسرة والرجل والمرأة والطفل، هي مفاهيم شيطانية جاء بها الشيطان الحضاري الغازي وتلقفها التنظيم الاسلامي بلهفة ليتبرأ من الشريعة السلفية المتخلفة ويظهر بمظهر الاسلامي الحداثي المتقدم.

    إن من آثار تغول المرأة في الواقع المعاش أن أصبحت تُحلل وتحرم وتفتي في شرع الله بغيرتها وتقلبات هرموناتها، أصبحت تُوافق أو لا توافق على حق الرجل في الزوجة الثانية وتقف متحدية أمام الله والرسول، تبتز الرجل بالقانون المستورد كيفما شاءت، وأضحى الرجل قاصرا لا يستطيع إبرام عقد زواجه حتى تأذن له المرأة وتأذن له المحاكم، يقف الرجل ليبرر احتياجاته ويفتح دفتر حياته الشخصية أمام الكافة ويطلع على خصوصياته واحتياجاته كل المحيط ليوافق له أو لا يوافق له على حق كفله الله له، بينما يمكنه بسهولة أن يحصل على عشيقة أو عدة عشيقات في الحرام فلا يعارضه أحد، تفرح الزوجة على تفردها به، ويصفق له الجيران على دهائه، ويصفق له الاصدقاء على رجولته، وتصفق له عائلة الزوجة على حرصه على بيت الزوجية، ويصفق له التنظيم الاسلامي على ذكائه الاستراتيجي، ويصفق له العالم على تحضره.

    لابد أن هناك خللا ما في منظومة التنظيم والقانون والمجتمع، كيف أصبح الحرام حلالا والحلال حراما، والقانون يؤثر في ثقافة الناس، فكيف أصبحت العشيقة حلالا والزوجة الثانية حراما؟ كيف يقبل المجتمع والقانون والاسلاميون العشيقة ويرفضون الزوجة الثانية، والحقيقة أنني لحد كتابة هذه السطور لم أفهم سبب هذه الحرب الشعواء على حق الرجل في الزوجة الثانية، فمن المفروض أنه أمر محسوم في شريعة الله ولا نقاش، والرسول صلى الله عليه وسلم تزوج الكثير من النساء ولم يستشر يوما زوجة ولا محكمة ولا محاميا ولا مسؤولا تنظيميا ليتزوج، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يعيش على الماء والتمر شهورا طويلة ويتزوج النساء ولم يضرب أحد في قوامته ولم يقلل أحد من رجولته، فما بال نساء اليوم يربطن الرجولة بالجيب؟

    وعلى خطى الاسلام سار المسلمون قرون طويلة، كل ما كان يفعله الرجل عند ممارسة حقه الطبيعي في التعدد هو اتخاذ القرار، ثم تأتي محاولة العدل بين الزوجتين قدر المستطاع دون الوقوع في كل الميل، وتلك سلطة تقديرية بيد الرجل لا بيد المحكمة ولا بيد الزوجة، فإذا خاف الرجل من الميل الكبير المنهي عنه رجع إلى الميل الخفيف المسموح به، وإذا مال عن العدل في الحب رجع إلى العدل في النفقة والمبيت، فإذا مال كل الميل طلق الزوجة ولم يتركها كالمعلقة حتى لا يأتي يوم القيامة وشقه مائل من ظلمها، مع إعطائها متعتها بالمعروف حقا على المتقين، بالمعروف أي حسب قدرته المالية وليس بالملايين المملينة، فسعادة الرجل وحقه في الطلاق والإفلات من ورطة الزوجة الناشز غير مرتبط شرعا بقدرته على أداء الملايين لتلك التي كرهها قلبه ونفرت منها روحه ولم تستطع إسعاده.

    نرجع إلى تعاطي التنظيم مع مطالب التعدد داخل صفوفه وكيف يتعامل معها، فمن خلال تجربتي لاحظت أن التنظيم يكره التعدد كرها شديدا خاصة التنظيم النسائي، وهو يتجند خلف الزوجة المراد التزوج عليها جندا مجندا ضد عضو التنظيم الذي ينوي الزواج بزوجة ثانية، تتحرك آلة التنظيم النسائي عبر وسائلها الخاصة فتخطط وتبرمج وتتصل بالزوجة وتحاول تذكيرها بحقوقها القانونية التي كفلها لها القانون الوضعي، الشريعة الاسلامية غير حاضرة بالمرة لدى التنظيم النسائي وكذلك مسؤولي التنظيم من الرجال الذين غالبا ما يركعون أمام التنظيم النسائي حفاظا على استقرار البيت أن تدمره الزوجة بالقانون وحفاظا على وحدة الصف الداخلي للتنظيم وعلى ولاء القطاع النسائي للتنظيم، والمرأة هي المرأة وكما هي دائما، تخلط بين التنظيم والحياة الشخصية، وتتحرك داخل التنظيم النسائي كما تتحرك مع نساء الحي كيدا ومكرا ومُحاِولةً فرض سيطرتها على الرجل وإنهاكه نفسيا وماديا واجتماعيا وتنظيميا كي لا يفكر بتاتا في زوجة ثانية.

    ضرب النساء يكون خبيثا وضيعا في مجالس النميمة [1] فهناك تنسج الخطط الحربية التحتية وتحاك المؤامرات الشيطانية ثم تُرسل النساء بلباس الايمان والتقوى والحب في الله والاصلاح إلى بيت الزوجية لمحاولة كشف الاسرار والاطلاع على الخفايا، هي متعة نسائية في تداول الاخبار الشخصية قبل أن تكون اكتشافا لأرضية الحرب المقبلة، فيتم تلقين الدروس إلى الزوجة المراد التزوج عليها وكيفية كسر زوجها، بينما يستدعي المسؤول التنظيم الرجل الراغب في التعدد لمحاولة كسر رغبته في الزواج، يحاول إقناعه بأن الزمن تغير والمرأة لها حقوق الان ومن بين الحقوق حقها في رجل مُعتقل لديها، وبأن التعدد كان في زمن النبي الكريم والصحابة حيث كان التخلف والرجعية وظلم المرأة، بينما التنظيم الاسلامي الان يسير في اتجاه الغرب والحضارة والتقدم والعلمانية والحداثة والمساواة بين الجنسين وكلام كثير من قبيل أن العالم يتطور ويجب أن نحذف التعدد من القرآن والواقع، فإذا تشبث الرجل بحاجته الى الزوجة الثانية ولم يستطع المسؤول التنظيمي ثنيه عن رغبته غير المسؤول من نبرة كلامه وهدد وأوعد وأرغد وأزبد ولوح بسيف الفصل، نفس سياسة العصا والجزرة التي تستخدمها الأنظمة السياسية التي ينتقدها التنظيم.

    ولذلك كنت دائما أعتقد أن التنظيم والأنظمة السياسية يتشابهان في كثير من السياسات الادارية، وتبعا لذلك لم يعد يعز علي التنظيم عندما يكيد النظام له ويفصل مسؤوليه من مهامهم الوظيفية، فالتنظيم يتعامل بنفس المنطق مع الاعضاء، التنظيم نفسه يستقوي على الاعضاء ويفصلهم ويعفيهم من مهامهم تعسفا، كما تدين تدان صديقي التنظيم.

    على أن التهديد والوعيد التنظيمي هو أقل ما يمكن أن يناله راغب التعدد، أما الأخطر من ذلك فهو أن كل تاريخ الرجل وغناؤه في التنظيم يصبح في مهب الريح بسبب رغبته في امرأة ثانية، وما بين الاسوأ والأقل سوءا بحر من المكائد والمصائد، والتنظيم عندما يتحالف مع المرأة فهو يفعل ذلك من أجل مصالح يعرفها خاصة أن المرأة في وضعها الحالي تحتل مركزا قانونيا قويا يفرض الاحترام وتُطلب مودتها، والتنظيم تنظيم مصلحي يسير دائما جنب القوي، فالمرأة أخذت قوتها من القانون والضغط الغربي والانسياق التشريعي والمجتمعي، والتنظيم عنصر ضعيف ينساق مع الموجة وليس له من الاليات الفكرية والتنظيمية ما يواجه به الموجة النسوية العالمية العاتية، والأنظمة السياسية الحاكمة في الدول المتخلفة عندما مكنت للمرأة من الوظائف العامة والخاصة بل وأعطتها مكانة السبق ومكنتها من الاستقلال المالي وأعطتها نفس امتيازات الرجل القانونية وفوق ذلك حقها في أن يصرف عليها من أجرته التي تساوي أجرتها فقد بوأتها مكانة سامية لا يصل الرجال اليها من الرفعة والاحترام والدلال لتكسر بها قوة الرجل القوي الذي هزم الاستعمار، ثم هي تضرب من جهة ثانية الحركات الاسلامية في مقتل لأن هذه الحركات تموت عندما تسيطر عليها النساء ولو بصفة غير مباشرة من داخل الأسرة.

    كل ذلك يسمى حقوق المرأة، ولا أدري أي حق للمرأة في طحن الرجل.

    النساء تتحكم في التنظيم في حالات أخرى بوسائلها الخفية كما قرأنا في كتب التاريخ عن جواري القصور اللواتي كن يوجهن سياسات الدولة من غرف النوم، الحب والغرام والحنان والرقص والفراش مقابل تسليم مقاليد الدولة والنظام والتنظيم، حيلة نسائية معروفة على مدى التاريخ حيث تستغل المرأة فراشها لفرض نوع من العبودية على الرجل، ولذلك جعل الله التعدد حقا بيد الرجل لا يحتاج موافقة الزوجة لكسر هذا الاحتكار والعبودية الجنسية، مخرج شرعي للرجل كي يفلت من العناكب التي تريد أن تستفرد بالفريسة، فالذل لا يليق بالرجال خاصة أمام النساء.

    حكمة الله وشريعته تخالف ما سمعت غير ما مرة من مسؤول مدينة طنجة في تنظيم العدل والاحسان وهو يفتخر بذله أمام زوجته قائلا: "كلنا تحكمنا نساؤنا"، يقول هذا محاولا تركيع الرجال الاحرار أمام زوجاتهم، يا أيها النذل تحدث عن نفسك ودع الرجال، إذا كانت تحكمك زوجتك أيها الديوث فلا داعي أن تعمم هوانك على الفحول، تمتع بـذُلك وهوانك وعبوديتك لزوجتك ودع ما بقي من الرجولة يعيش.

    إذا بقي الرجل مصرا على التعدد انتقل التنظيم من التهديد إلى التطبيق، والتطبيق خبيث حيث يتعاون التنظيمان الرجالي والنسائي للقضاء على طالب التعدد، من بين الطرق استعمال المساطر القانونية وهي في هذا الاطار معروفة كلها في صالح الزوجة، والتطليق الذي وضعه القانون في صالح المرأة وما يتبعه من خسارة الرجل للملايين وخسارة الابناء ومتابعته لدى الجهات الامنية وارد جدا، فعقد الزواج وهو الورقة البسيطة يصبح كابوسا للرجل، فيكره اليوم الذي أبرم فيه هذا العقد، يكره اليوم الذي رغب فيه بالحلال، وبالموازاة مع ذلك يتم ارسال الجواسيس المؤمنين إليه، والجواسيس المؤمنين قوم دراويش يأتون طالب التعدد بصفة المآزرين، لكن دورهم الحقيقي هو تبليغ التنظيم بكل خطوة يقوم بها حتى يصنع التنظيم الرد المناسب بالتنسيق مع الزوجة.

    تنشط النساء بكثافة في هذه الموضوعات ويتصلن بالزوج في محاولة استدراجه إلى كلام ذي إيحاءات جنسية على مواقع التواصل الاجتماعي، يعرفن حاجة الرجل الجنسية فيتطلعن إلى الايقاع به عبر وسائل الانترنيت، التنظيم طبعا على الخط ويتم تبليغه بكل الكلام الرومانسي الذي قد يلقيه المتحمس للزوجة الثانية على الأخت الفيسبوكية، وقد يسعى إلى اختراق الحسابات الشخصية للمعني بالأمر، وعندما يستدعي التنظيم الزوج مرة ثانية يواجهه بكلامه على الانترنيت، تسجيلات صوته وتعليقات يده وتدوينات صفحته، يهدده بالمتابعة القضائية وبالفضيحة التنظيمية وبالفصل من التنظيم، هنا إما أن يتراجع طالب التعدد وإلا فالذبح التنظيمي والاجتماعي ينتظره، تتحرك الالة النسوية للتشهير به في الحي وفي شبكة الانترنيت على الخاص، أن احذروا فلان فإنه شيطان يريد زوجة ثانية، يُجوع أولاده ويعتدي على زوجته، والناس تتعاطف مع الزوجة تلقائيا وتحسد الرجل الذي يريد الحلال من طرف خفي وتريد جره إلى بركة الفساد الاسنة.

    هذه الحملات التشويهية التي تقوم بها نساء التنظيم ومسؤولو التنظيم يسمى الذبح البارد، ذبح دون أي قرارات تنظيمية رسمية، القرارات الساخنة تأتي لاحقا بعد وقوع مبررات شرعية من الزوج الراغب في التعدد، فتُستخدم الشريعة لذبح المعني بعدما كانت نفس الشريعة من قبل تخلفا ورجعية.

    في خضم الحرب المسعورة من النساء والتنظيم على طالب الزوجة الثانية يفقد هذا الأخير منصبه التنظيمي ويُعبأ ضده داخليا وخارجيا اللهم إذا كان صاحبنا مسؤولا تنظيميا رفيعا حيث يستدعى جوكير الشريعة وتستدعى فقرة التعدد من كتاب تنوير المؤمنات ويسمح له بالزواج، أما صاحبنا الذي لا يأبه له تنظيميا فيبدأ في استشعار نظرات الحقد والكره من أعضاء التنظيم، يقال عنه إنه شخص يحب الجنس ويضرب زوجته ويشرد أولاده رغم أنه في الواقع يحاول إرضاءها بكل الطرق كي تقبل بالتعدد ويبكي دما على أبنائه المهدد بسرقتهم وتعبئتهم عقولهم بالأكاذيب من الزوجة، فهي السيدة والآمرة الناهية والتي بيدها أمر زواجه من عدمه، ولو لم يكن قبولها أمرا قانونيا مفروضا لما تشتت بيت ولما ضاع طفل، لكنه القانون اشترط إبلاغها بالزواج بل ضرورة حضورها وموافقتها عليه.

    وكهروب من هذه الحرب غير المتكافئة ما بين رجل فرد وأجهزة تنظيمية إخوانية متشعبة طويلة اليد ومحاكم ومتابعات وضياع سمعة وفقدان منصب تنظيمي وأمراض أعصاب ومقاطعة اقتصادية، أصبح الكثير من الرجال داخل التنظيم يلجؤون إلى الزواج العرفي بعيدا عن المحاكم وبعيدا عن التنظيم، ومنهم من يُزور شهادة العزوبة ثم يتزوج بعيدا عن الاضواء، كل ذلك بغية الحلال وإلا فإن الكثير يخرج من تعقيدات الحلال ويتخذ خليلات يعاشرهن في الخفاء وأحيانا تعرف الزوجة ذلك فتغمض عينيها معتقدة أن كرامتها مصونة، فالكرامة عندها مقرونة بدخول زوجة ثانية على الخط، أما بقاؤها الزوجة الوحيدة للرجل فتلك عين الكرامة، ولا إشكال في الخليلات اللواتي يتخذهن الزوج، فالغضب يذهب بعد عتاب وشجار من الزوجة وكلمات حب وغرام مصطنع من الزوج، وتستمر الحياة، زوجة واحدة وعشيقة كل حين، وحياة زوجية بوليسية كلها فر و كر ومتابعات وتجسس وبحث عن العشيقة الجديدة.

    لكني أشير إلى أن هذه المعاناة يعانيها فقط أعضاء التنظيم البسطاء، أما المسؤولون الكبار فيتزوجون بكل حرية لأن التنظيم يضغط من جانبه على الزوجة مستدلا هنا بالقرآن الكريم والاحاديث الشريفة، فلكل شيء كما قلنا دليل من الدين، التعدد ممنوع بالدين على الاعضاء وحلال بالدين على المسؤولين، حرام على العضو البسيط حلال على المسؤول الكبير.

    الواقع من خلال معايشتي لحالات كثيرة من طالبي التعدد أن المتضرر من منع التعدد ليس الزوج وحده، فالزوجة ولو تراجع الزوج عن مطلب التعدد تحت ضغط التنظيم والقانون والمجتمع، إلا أن الزوجة تظل في معاناة مع كره الزوج وبغضه لها، يراها عدوة له، يبغضها من أعماق قلبه، ولا يستريح معها ولا يطمئن لها قلبه ولا يثق بها، يرى زواجه منها غلطة العمر، يلعنها كلما استدار إلى ناحية، يبيت الليل يلعنها في نفسه وقلبه، كلما تحركت أمامه أثارت اشمئزازه ولو أظهرت ودها له وبعض التذلل كي يهدأ، والزوجة تستحمل هذا العذاب وهذه القطيعة وتعيش في عذاب طول حياتها ما دام أنها الزوجة الوحيدة، فأهم شيء في حياة المرأة هو عدم التزوج عليها، وفي أحيان أخرى تنهار فتطلب الطلاق، وكما قلنا الزوجة طلاقها بيدها شيك على بياض في كل حين دون أي نفقات مالية.

    لكن الغريب الذي لاحظته أن المرأة تستحلي الرجل القذر السكير إذا رضي بها واحدة، وتستحلي الرجل الجاهل غير المعدد، وتستحلي الرجل المدخن غير المعدد، وتعشق الرجل الذي لا يصلي غير المعدد، وتستحلي نكد العيش وشقاء العمر وأكل ما لا يؤكل وشرب ما لا يشرب مقابل عدم التزوج عليها، بل إنها قد تستحلي مع كل ذلك حتى مشقة العمل خارج البيت وحمل جميع مسؤوليات البيت مقابل عدم الزواج عليها، والزوج الخسيس يأخذ ثـمن صرف النظر عن فكرة التعدد تهاونا في القيام بمسؤولياته داخل البيت وإلقاء كل شيء على عاتق الزوجة، والزوجة تقبل الصفقة، يترك لها كل شيء داخل البيت وينطلق باحثا عن فتاة أحلامه في الشارع في كل فتاة يراها، يدخل الرجل عالم النساء القذرات، تاركا الزوجة منتصرة انتصارا بطعم النكد والعذاب والمسؤوليات الكثيرة، فتفشل تربية الابناء ويضيع كل شيء جميل في البيت، ومع ذلك فالمرأة لا يهمها ضياع الرجل ولا يهمها ضياع الابناء ولا يهمها ضياع نفسها، المهم أن زوجها لم يتزوج عليها، وهذا أكبر إنجاز في حياة المرأة.

    أما في أحيان أخرى فلا تتحمل الزوجة نفور الزوج وكرهه لها فينفجر الوضع ويحدث الطلاق البشع، تتحمل الزوجة كره الزوج ونكد العيش معه طويلا ثم تنهار ويحدث طلاق مع دوي كبير، انفجار نووي، وقد كان بإمكانها أن تكسب قلبه أول مرة بالتعدد، لكنها رفضت، فحدث طلاق بشع غير عادي لا يحفظ أي قدر من الود بعده، طلاق تبقى أثاره سنين وسنين وتنتقل إلى الابناء والاحفاد، طلاق أحقاد وحروب وجروح، كل ذلك بسبب إحساس الرجل بجرح كرامته جراء حرمانه من التعدد وتشتيت أسرته من طرف التنظيم والمرأة كي لا ينال حقه الطبيعي، ومع حجم الاذاية التي يكون قد تعرض لها الزوج ومع حجم التعنت الذي أبدته الزوجة لا يمكن أن ترجع الامور إلى مجاريها أبدا ولو بعد سنين، الطلاق الذي يُهان فيه الرجل وتُمس فيه كرامته ويُمنع فيه من التعدد هو أبشع أنواع الطلاق على الاطلاق، وقد ينتهي أحيانا بجريمة بشعة.

    لكن هذا النصر الظاهر الذي أحرزته المرأة والتنظيم على الرجل لا يكون في صالح جميع النساء، بل هو فقط في صالح المرأة المتزوجة، أما غيرها من النساء غير المتزوجات فيتشوفن دائما إلى الحصول على رجل، هؤلاء النسوة غير المتزوجات أحيانا يقبلن بالتعدد، وكم من مرة تحس أنهن مستعدات للزواج برجل متزوج مقابل لا شيء، حتى إذا انعقد العقد غيرت الزوجة من نبرة صوتها واصبح لها حقوق.

    أحيانا كثيرة تدخل عليك فتاة عانس في مواقع التواصل الاجتماعي وبمجرد أن تقول لها سلام عليكم بغيت نتعرف عليك أختي، تنهال عليك بعشرات الصور دفعة واحدة، صورها منذ خلقت مرورا بجميع رحلاتها السياحية وانتهاء بصورها داخل البيت، تنهال عليك المسكينة بكل ألبوماتها تريد أن تتزوج، تشتم فيك رائحة الاحترام والجدية فتريد أن تؤسس بيتها وتلد أبناءها، وبمجرد أن تقترح عليها التعدد تقبل بدون تردد، وكثير من هؤلاء النسوة من التنظيم الاسلامي، لكن هذا الأخير يتركهن للشتات والعذاب وخطورة التعارف مع رجال من قاع المجتمع، فالتنظيم لا يبذل أي جهد في سبيل حماية حقوق هاته الفئة من النسوة الضائعات، وكثير منهن قد بذلوا جهودا جبارة في التنظيم وفي دعوة الله، فكان على التنظيم نظرا لعلاقاته المتشعبة أن يبحث لهن عن أزواج مناسبين، لكنه التنظيم الحقير يتملص دائما من المسؤولية ويقول لك أخاف من فشل الزواج وتحمل التبعات، يا سيدي تخاف من فشل الزواج ولا تخاف أن تتساقط نساؤك داخل تنظيمك في براثن الفساد والكبت وتلاعب الرجال بهن، وأنت تعلم أيها التنظيم العاهر أن هناك مؤمنين مستعدين للزواج بهن وسترهن وحفظهن من مغامرات لا أمان فيها، شباب كثير يرغب في التعدد، فلم تتدخل أيها السوس المنظم ضد الطبيعة وتمنع شرع الله وتمنع المؤمنات من الحصول عل زوج وتمنع المؤمنين من الحصول على زوجات.

    تخاف فعلا من فشل الزواج أم أنك قرن الشيطان تخاف من سقوط مخططات إبليس.

    التنظيم عندما يتدخل ليُنكل بالمؤمنين الراغبين في التعدد ويتعامل بلامبالاة مع رغبات المؤمنات في الحصول على زوج هو تنظيم غير إسلامي، إنه تنظيم منافق، تنظيم عدو لله وعدو لشريعة الله، تنظيم لا يستحق ذرة من كلمة إسلامي، ولو كان إسلاميا لخطب للمؤمنات كما يخطب لنفسه، لو كان إسلاميا لما طلق المؤمنات تنكيلا بالمؤمنين الراغبين في التعدد، ولو كان إسلاميا لنظم هيئة تنظيمية للزواج وعهد إليها بالسهر على تزويج المؤمنين والمؤمنات ولما خشي على نفسه من فشل الزواج، تخشى أيها التنظيم الجبان الحقير من فشل الزواج ولا تخشى الفساد والكبت والمشاكل الصحية والنفسية وتساقط المؤمنين والمؤمنات واحدا تلو الاخر، ويا حسرة على مؤمنات مثل اللؤلؤ رحن إلى بيوت غير بيوت المؤمنين زواجا قسريا من العائلة لأن التنظيم تنكر لهن وأدار ظهره لتلميحاتهن الدائمة برغبتهن في الزواج من مؤمنين من داخل التنظيم، خسرت دعوة الله الكثير من المؤمنات الطاهرات بهذه السلبية التي يتعامل بها التنظيم مع الراغبات في الزواج، و يا ليت الحقير كان سلبيا دائما، إنه منكوس شيطاني، سلبي في مواطن الايجابية وإيجابي في مواطن السلبية، يترك المؤمنين والمؤمنات دون زواج، فإذا أراد الأخ زوجة ثانية تدخل التنظيم الخسيس ليطلق زوجته الاولى.

    لابد للتنظيم إن كانت ما تزال فيه ذرة كرامة أن يتدارك الامر ويختلق مؤسسة خاصة بالزواج، ثم مؤسسة أخرى خاصة بحل المشاكل الاسرية، لابد أن يعهد الى اللجنة الاولى بإنشاء قاعدة بيانات تجمع كل المؤمنين والمؤمنات الراغبين في الزواج، ثم تسهر هذه اللجنة على تلقي الطلبات وعرضها على المعني بها وتنظيم لقاءات شرعية بين الراغبين في الزواج، أكيد أن كل مؤمن سيجد من المؤمنات من تناسبه، وأكيد أن كل مؤمنة ستجد من المؤمنين من يناسبها، وعلى الراغبين في التعدد أن يقصدوا هذه اللجنة أيضا حيث تتولى هذه الاخيرة البحث في قاعدة البيانات عن العوانس والمطلقات والارامل اللواتي يصلحن لطالب التعدد، كما أن عليها أن تدخل بخيط أبيض وتحاول إقناع الزوجة الاولى بأن هذه شريعة الله وأنها حق الرجل، بينما للجنة الثانية مهمة التوفيق بين الازواج وحل المشاكل الاسرية دون الوصول إلى المحاكم الرسمية التي غالبا ما تزيد الوضع تعقيدا.

    وعلى هذه اللجنة أن تكون على قدر كبير من المسؤولية وأن لا تفشي أسرار الازواج الجنسية والعائلية داخل التنظيم، فتقوم بمحاولة تحسين المزاج العام بين الزوجين عن طريق توضيح الامور الجنسية التي تكون غالبا سبب الشقاق، لا حياء في الدين، إنه عمل نبيل أن توفق بين زوجين وتحفظ أطفالا من الشتات وتجمع شمل أسرة، وإذا حدث الطلاق فليست نهاية الدنيا، يغني الله كلا من سعته، ولا مسؤولية على التنظيم في فشل زواج لم يتدخل فيه بالنميمة وكشف الاسرار، عمل يجب أن يقوم به التنظيم لتقوية الصف الداخلي رجالا ونساء عوض اللهث وراء اليسار للتنسيق معه في قضايا سياسية تافهة، الفساد والكبت والاضطراب الجنسي ينخر الصف والتنظيم يبحث في السلطة مع اليسار كيف يحصلها.

    ربما أرجع في كتاب لاحق للحديث بكل واقعية عن مؤسسة الزواج ومناقشة الاشكالات القانونية والفقهية التي تطرح على الناس على ضوء الهجمة الغربية على قيم المسلمين بواسطة قوانين مستوردة تريد أن تهدم هوية المجتمع المسلم وتجعله على خطى المجتمعات الغربية المنحلة، سهام قانونية قاتلة تريد أن تفتك بالأمة المسلمة تحت لواء حقوق المرأة.

    ويطرح هنا على التنظيم سؤال الحفاظ على دين وأخلاق المؤمنين والمؤمنات داخل الصف لا التملص من مسؤولياته، يطرح عليه التجديد الفقهي والمؤسساتي لمؤسسة الزواج والرقي بها لتكون على سنة الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على سُنة التوصيات الدولية.


    📌 الهوامش

    1. [1] " أية ندامة أن تجلس الغافلاتُ على الغيبة والقيل والقال لا يذكرن الله. تنحط عليهن الأوزار، ويبغضهن العزيز الجبار، وتفوتهن غنائم الخيِّرات والأخيار.". كتاب "تنوير المومنات"ج1. ص371.

  • التنظيم والجنس

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 28 من 77 — فهرس الكتاب

    الجنس من الموضوعات المسكوت عنها داخل التنظيم كغيره من الموضوعات الحساسة، فالتنظيم يمشي بحذر مع الأمور الشائكة، لا يحب سوى الأمور السهلة ولا يدخل في نزاع إلا إذا كان المتنازع معه ضعيفا يمكن الاستئساد عليه، أما الموضوعات التي تتطلب شجاعة سياسية وموقفا واضحا وكلمة فاصلة فالتنظيم لا يدخل غمارها أبدا، لنقل إن التنظيم جبان، يحسب كل شيء بمقدار، يحسب خسائره وأرباحه ثم يقرر قراراته ولا يتوكل على الله كما يطلب ذلك من الاعضاء، لكأن التنظيم شركة تجارية، ورأس المال جبان بطبيعته، لا يتورط في المغامرات الفكرية والمواقف الرجولية الصريحة.

    الحديث عن الجنس من المحرمات داخل التنظيم الاسلامي، وفي مختلف الحركات الاسلامية الجنس والحديث عنه رذيلة وفاحشة ولو داخل بيت الزوجية، فالجميع في العائلة لا يتحدث عن الجنس، إنه شيء حرام وزندقة، كأن الجنس انحطاط، فساد حلال على مضض يتم في الخفاء عن طريق ورقة الزواج الرسمية، الوسيلة الشرعية الوحيدة.

    الجنس داخل صفوف التناقض نزول عن الطهرانية، رهبانية في الظاهر بجانبها فساد خفي، والجانب الخفي داخل الجسم الاسلامي يزخر بالاخلالات الجنسية التي يحاول التنظيم كلما طفت على السطح أن يطمسها ويتهم النظام بالمكيدة، هي قاعدة نعلمها جميعنا، كل ممنوع مرغوب، والذي يتظاهر بالطهرانية هو أوسخ الناس، فلا يتظاهر بالطهرانية إلا منافق مكتمل النفاق، وعندما يتم ضبط المسؤول التنظيمي في بيت للدعارة يتدخل التنظيم لينقذ المسؤول ثم يتهم المؤسسات الرسمية بالتآمر، هذا إذا كان الفاعل مسؤولا تنظيميا كبيرا حيث يتسخ معه جلباب الجماعة، أما عندما يفعلها غير المسؤول فيتم فصله حالا حتى تتطهر الجماعة منه، فالتنظيم الاسلامي جماعة من الملائكة ويجب أن يبقى أمام الناس جماعة من الملائكة الذين لا يخطؤون.

    إشكالية هو الجنس في التنظيم الاسلامي، طهرانية شكلية ورهبانية ابتدعها الاسلاميون ترفض النزول إلى أرض الطبيعة والشريعة.

    الجنس في أصله طبيعة بشرية، خلقها الله سبحانه وجعلها داخل شهوة لاستمرار النسل وبقاء الجنس البشري، هي مصيدة حُلوة لا مفر منها، فكل شيء على كوكب الأرض يدور حول الجنس، الرجال تعمل وتجمع النفقة لتشتري النساء التي تتزين وتبدي المفاتن، ولا معنى لأي حياة دون عضو ذكري نشيط وأنثى مثيرة، لكن الله سبحانه خالق هذه التدافعات والشهوات تدخل فجعل لها نظاما سماويا يضبطها، فهو لم يتركها للبشر واجتهاداتهم الخاطئة بل تدخل بجلالة قدره وضبطها بميزان شريعته الحكيمة والسمحة، جعل سبحانه مؤسسة الزواج مصرفا لهذه الغريزة، وجعل من حق المرأة زوجا واحدا وجعل من حق الرجل أربع زوجات، ثم نظم أركان الزواج وشروط صحته، كما نظم طريقة انحلال العلاقة الزوجية ونظم كذلك كل ما يترتب عليها من آثار دون قهر للرجل بالمصاريف المبالغ فيها ودون تدخل القضاء في الحياة الشخصية ودون تعسف من المرأة في حقوقها المالية المترتبة عن إعطاء فرجها متعة للرجل.

    لن نغوص في فقهيات الزواج وقوانينه فلنا رجوع إلى الموضوع في كتاب آخر، فالتنظيم لا يناقش الفقهيات وينأى بنفسه عن الاشكالات الفقهية، جبان كما قلنا، لا يناقش الفقه والقوانين الوضعية التي تفرضها الدولة والمنظمات الدولية الساهرة على الأسرة، هو يمشي مع السهلة ويسير مع الناس حيث سارت، يتبنى من القوانين الوضعية ما تفرضه الدولة ولو كانت هذه القوانين مخالفة للشريعة، فيصبح الزواج داخل التنظيم الاسلامي بدوره خاضعا للقوانين الأسرية التي جاءت بها المنظمات النسائية والهيئات الدولية متعددة الديانات أو الملحدة.

    نرجع إلى الجنس لنناقش بعض مقتضياته بصفة عامة دون الغوص في تفاصيل الزواج، فالجنس كما قد يتحقق في إطار الزواج فإنه متصور أيضا خارج إطار الزواج، وفي كلا الحالتين يحضر الجنس كمفهوم أساسي في العلاقات الاجتماعية بين الناس بما أنه ضرورة لا مفر منها، شهوة مزروعة وراثيا وجينيا في الرجل والمرأة لا يمكن الافلات منها، وبالتالي فالجنس ليس فاحشة وليس ضلالة وليس شيطنة وليس رذيلة إذا مورس وفق الشريعة الاسلامية في الدول الاسلامية أو وفق النظام القانوني الذي تختاره الأمم غير المسلمة.

    الجنس حق من حقوق الانسان ولا جدال.

    لكن هذا الجنس المشؤوم يقع بين تطرفين، تطرف أول نحو الكبت وتطرف ثان نحو الاباحية، تنظيم يكبت ومجتمع يكبت وعائلة تكبت وقانون يكبت والجميع يعقد عليك الزواج، ثم في الطرف الآخر إباحية مطلقة، رجل ينكح كل امرأة يجدها في طريقه، وامرأة تعرض نفسها على كل رجل راق لها، فنكون أمام حالة شياع جنسية، وكلا التطرفين في ظل البيئة المسلمة مخالف للشريعة الربانية التي جعلت الجنس حقا خالصا للإنسان لا إفراط فيه في اتجاه الاباحية ولا تفريط فيه في اتجاه الكبت.

    الكبت الجنسي ظلم للإنسان واعتداء على حق من حقوقه الطبيعية، بينما الاباحية ترد للإنسانية في دركات الحيوانية التي لا تنضبط لأي قانون، الإباحية مشروعة في قانون الحيوان لكنها غير مشروعة في قانون الانسان لأنه مخلوق مكرم سامي.

    ومع ذلك يبقى الجنس حقا من حقوق الانسان، تماما كحق الانسان في الأكل والشرب والتنقل والشغل والتعبير واختيار الحاكم، إنه لا عيب في الجنس مطلقا، ومجرد خلق الله سبحانه غريزة الجنس في الانسان فالمفروض أن توفر الشريعة ويوفر القانون الجنس للإنسان، فهو حق يجب أن يمارس دون تعسف أو ضغط أو إكراه أو عنف أو خداع أو ابتزاز، ومجرد إعلان رجل وامرأة أمام الملأ أنهما مرتبطان جنسيا أمر كافي لتكون علاقتهما شرعية أمام الله وأمام القانون لأن حالة الشياع الجنسي أمر مخالف للطبيعة البشرية كونه أقرب إلى الحيوانية، تضيف الشريعة دريهمات صداق أو خاتم حديد بفرنكات ويضيف القانون موافقة المحاكم وتأشيرها على مستجد جديد وهو عقد الزواج وخضوع الزوجين لقانون الأسرة أو قانون المرأة إذا أردنا التدقيق في المصطلحات الذي وضعته المنظمات النسائية.

    المواثيق الدولية المعاصرة السائرة في طريق الحرية الجنسية المشرعنة تعطي للفرد الحق في الاستمتاع جنسيا بالطريقة التي يراها مناسبة له دون أي انتهاك للخصوصية الشخصية في هذا الأمر ودون الحصول على إذن من المحاكم، يستوي في ذلك في إطار المساواة الرجل والمرأة باعتبارهما من المنظور الحديث متساويان في الحقوق والواجبات، فللمرأة أيضا كامل الحرية الجنسية، تمارسها بالطريقة التي تراها مناسبة لها، لا يضبطها في ذلك ضابط ولا تحتاج إلى ولي أمر كما يقول طرح المذهب الحنفي، هذه الحرية الجنسية جاءت كرد فعل ضد القوانين التي كلها في صالح المرأة، فالحرية الجنسية خاصة بالنسبة للرجل أفضل بكثير من التورط في قانون كله في صالح المرأة.

    ويحكى بهذا الخصوص أن أينشتاين أنفق كل مكافآت جوائز نوبل للفيزياء ليتطلق من زوجته، فكاك من امرأة يساوي جائزة نوبل، ولذلك يفرح الكثير من الرجال عندما ينفكون من الزواج بأقل الخسائر، فحق من حقوق المرأة وفق القانون الوضعي أن تخنق الرجل حتى لا يستطيع الفكاك منها بسهولة وترهقه بالمستحقات المالية حتى يلعن اليوم الذي وقع فيه على عقد الزواج.

    طبعا الشريعة الاسلامية تختلف كليا مع هذا الطرح وتقول بلزوم ممارسة الجنس في إطار الزواج، لكنها لا تشترط موافقة المحكمة للرجل عند زواجه ولا ترهقه بالاموال الطائلة بعد الطلاق، فالشريعة الاسلامية تسهل الزواج حتى على الرجال المعسرين ولو بخاتم من حديد ومعيشة بالماء والتمر ولا تزج بهم في السجن لفقرهم أو عدم قدرتهم على شراء الخضروات والفواكه اللذيذة، وهكذا تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجات كثيرات دون أن يطلب إذنا بالزواج من المحكمة ودون أن يزج به في السجن لمائه وتمره، بينما القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الاسلامية والمعمول بها في جل الاقطار المسلمة تزيد من القيود الواردة على مؤسسة الزواج عامة وعلى الرجل بصفة خاصة، فأضحى الزواج القانوني أقسى شروطا من الزواج الشرعي، وأصبح الرجل مثقلا بعديد من الحقوق التي يجب أن يوفرها للزوجة تحت طائلة الحبس، وبذلك اكتمل الطرح الحداثي العصري الشيطاني الذي شدد الخناق على مؤسسة الزواج وفتح الباب واسعا أمام الحرية الجنسية، قانون الاسرة في العالم اليوم يُغلق باب الزواج أمام الرجال ويُخيفهم بالسجن على النفقة وكثرة التبعات المالية عند الرغبة في الفكاك، بينما قانون العلاقات الرضائية يفتح باب العلاقات الجنسية المجانية على مصراعيه دون أي سجن أو تبعات مالية، انكح وافلت بجلدك أن تطحنك امرأة بالقانون.

    معنى ذلك أن الخط العام الدولي يسير في القضاء على مؤسسة الزواج وشرعنة الشياع الجنسي.

    الغريب في الامر أن هذا الطرح أصبح رائجا حتى بين الاسلاميين أنفسهم داخل التنظيمات الاسلامية، فإذا كان الراديكاليون منهم ما يزالون مقتنعين بالشريعة الاسلامية كإطار شرعي لممارسة الجنس، فإن القيادات الحديثة تسير في اتجاه اعتماد القانون الوضعي القادم من وراء البحار لتأطير مؤسسة الزواج، وبالتالي فهي خطوة تنسجم والمواثيق الدولية الصادرة بهذا الخصوص، هذا الأمر أصبح واقعا معاشا وكثير من القياديين داخل التنظيم الاسلامي يصرحون غير ما مرة بأن الشريعة الاسلامية أصبحت متجاوزة في مجال الأسرة، قيادي كبير على مستوى القيادة السياسية لجماعة العدل والاحسان كبيرة دافع بشراسة قبل أيام فقط عن قانون الاسرة وقال بأنه خط أحمر منتقدا كل الذين ينتقدون هذا القانون ويطالبون برجوعه إلى الشريعة، يقول لك هذا القيادي الاسلامي الحداثي بأن القانون هو الشريعة، ولا شريعة غير القانون، ثم إنه يقول بصريح العبارة بأن القانون الأسري الذي يعترف جميع رجال القانون حتى الذين لا علاقة لهم بالحركات الاسلامية بأنه قانون ساهم في ارتفاع نسبة الطلاق بشكل مهول وساهم في إضعاف مؤسسة الأسرة أنه لا يمكن نقده أو النيل من قداسته، صديقنا القيادي في الأمانة العامة للدائرة السياسية يعتبر قانون الاسرة شيئا مقدسا وخطا أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو الرجل نفسه الذي خرج في 2003 في مظاهرة مليونية يندد بالقانون قبيل إقراره.

    في نظرنا المتواضع القانون الأسري في معظم الدول العربية يختلف كليا عن الشريعة الاسلامية، بل إنه يتعارض معها في كثير من مقتضياته معارضة صارخة وفي جميع مراحل الخطبة والزواج والطلاق، الشريعة تقول الزواج هكذا والقانون يقول الزواج هكذا، الشريعة تقول الطلاق هكذا والقانون يقول الطلاق هكذا، فكيف يكون القانون الوضعي مقدسا والشريعة متجاوزة يا حضرة القيادي الاسلامي؟ وأي دين تخبئ لنا في خلافتك الراشدة الموعودة التي تزعم أنها ستكون على منهاج النبوة.

    أستسمح أن أخالفك الرأي حضرة القيادي الاسلامي، أنت في واد والنبوة في واد.

    يبدو ذلك واضحا أكثر من خلال رفض التنظيم الاسلامي لفكرة التعدد وقبوله بـفكرة العشيقة، والتنظيم النسوي هو الأكثر قبولا بفكرة العشيقة، فالمحجبات أصبحن يدفعن أزواجهن إلى اتخاذ خليلات مقابل عدم التزوج عليهن، تقول لك الاخت الاسلامية بأن الزوجة الثانية جرح لـكرامتها وحرام وعيب ومنافسة على الارث بينما العشيقة مجرد طيش نصبر عليه، الأخت الاسلامية كغيرها من النساء تريد رجلا لوحدها ولا مانع لديها إن مات زوجها كبتا أو انهدت روحه فتنة أو تشتت قلبه التفاتا أو اتخذ عشيقة، إنها تغض الطرف عن كل إخلالات الزوج الجنسية شريطة عدم التزوج عليها، ولذلك كان منع التعدد رأس الفساد الكبير، القانون الوضعي كذلك عند الأخت الملتزمة أكثر قبولا من الشريعة، وعندما يقبض القانون على زوجها في جريمة الخيانة توقع صاحبتنا على تنازل، فيطلق القانون سراح الخائن الذي اضطر الى الخيانة لما أُغلق في وجهه باب الزواج الشرعي، وبذلك يصبح الزوج المغلوب على الزنى تحت رحمة الزوجة، تطلق سراحه أو تسجنه، ويصبح الرجل تحت رحمة المرأة، تأمره بالجلوس فيجلس وتأمره بالوقوف فيقف، تنهره فينكمش خوفا منها ومن القانون، ثم تتساءل النساء ببلاهة أين الرجولة؟

    الرجولة ماتت عندما منعت زوجك من الزواج سيدي الملتزمة المفسدة.

    لقد أصبحت الشريعة الاسلامية في واقعنا المعاش بعيدة كل البعد عن تنظيم الحياة الشخصية للأفراد داخل التنظيم الاسلامي من جهة الرجال والنساء معا، وأصبحت مسألة تنظيم العلاقات الجنسية خاضعة للقانون، والسلطة التقديرية للمرأة ثم إشراف المحكمة وللرجال المشاركة في دورات "كيف تفلت من المرأة وقوانينها" ودورة "كيف تجعل زوجتك تطلقك لتفلت".

    القانون يتقدم إذن منتصرا على الشريعة في معركة الجنس، والإعلام أرخى على الناس مهيجاته المصورة من جهة بينما شدد عليهم القانون باب الزواج من جهة أخرى، والتربية التي كان من المفترض أن يغرسها التنظيم في الشباب الإسلامي تخلى عنها وراح يضبط السياسة، والشريعة التي كان من المفترض أن يقاتل التنظيم من أجلها تخلى عنها وراح يقاتل في صف القانون المستورد، والنتيجة إشكالات جنسية تضرب التربية في الصميم وتهدم التنظيم فوق رؤوس الذين دفنوا رؤوسهم في التراب ولم يواجهوا الهجوم الاباحي بالقرآن ومنهاج النبوة.

    الإشكال الاخر الآن هو المهيجات الاعلامية، فالجنس لم يعد يمارس في إطاره التقليدي بل دخلته اليوم علوم وفنون، لقد اصبح الجنس علما يُدرس وفنا يُتعلم، والرجل الذي لا يتقنه تطلقه زوجته، والمرأة التي لا تتقن الجنس يكفس عيشتها زوجها حتى تطلقه لأنه لا يستطيع أداء المتعة الباهضة إن هو طلقها ثم لأن القانون لا يسمح له إلا بزوجة واحدة، فالرجل لا يستطيع الحصول على زوجة أخرى في ظل وجود الزوجة الاولى، مساطر قانونية معقدة وزواج شرعي يساوي السجن إلا لم يتم التصريح به ولم توافق عليه المحاكم، ورغم خطورة هذا الانتشار المكثف للثقافة الجنسية التي تتطلب تطبيقات على أرض الواقع إلا أن الطوفان الجنسي الجارف يضع على عاتق التنظيم الاسلامي أن يجد حلولا من داخل الترسانة الفكرية الاسلامية لا من خارجها، لكن التنظيم الجبان لا يفعل ذلك، فهو كالعادة يسير مع الموجة راكبا إياها متحللا من أي مسؤولية مبررا ذلك بانشغاله بإعداد الخطة للانقضاض على السلطة وتأسيس الخلافة على منهاج النبوة.

    الاشكال الذي تُنتجه سلبية التنظيم في ترسيخ الثقافة الجنسية لدى أعضائه خاصة نسائه هو إنتاج الكبت والتشتت الأسري خاصة في ظل رفض الزوجة الثانية، فالمرأة المحافظة بين قوسين التي ترفض فنون الجنس تجعل من زوجها يصاب بالسعار الجنسي لأن المسكين لا يمكنه اللجوء إلى العاهرات فالشريعة تمنعه، ولا يمكنه التزوج بامرأة ثانية لأن القانون يمنعه، وبالتالي لا يبقى من حل سوى النار وجهنم الحمراء وإدخال الأسرة في نفق جحيم مستعر لا يمكن إطفاؤه إلا بحصول الرجل على زوجة ثانية أو الطلاق، الرجل لا يمكنه العيش دون جنس، فالجنس بالنسبة للرجل مسألة ضرورية كضرورة الماء والهواء، كما الكبت والحرمان الجنسي يضرب الجهاز العصبي للرجل في مقتل ويؤدي بصحته العامة الجسدية والنفسية إلى الخراب، والمرأة الاسلامية التي تدعي أنها خُلقت لتكون ولية الله يجب أن تعرف أن أولى مسؤولياتها ليس الجهاد في سبيل الله وليس أن تصبح ولية الله، بل مهمتها الاولى هي إتقان الجنس وإشباع الرغبات الجنسية لزوجها حتى تجنبه العذابات الجسدية والنفسية والاضرابات التربوية والتنظيمية، الجنس أولى مهام المرأة وليس الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله من مهام الرجل لأن الله أعطاه عضلات أقوى وعقلا أكمل يخوض بهما المعاك، وللنساء إتقان الجنس لأن الله أعطاهن جسدا لا يقوى على مهام الرجل، ثم إنه لا عيب أن تتقن المرأة الجنس لتلبي رغبة زوجها، فذلك لا ينقص من كرامتها في شيء ولا يمس عزة نفسها المزعومة في شيء، بل إن الأمر يجعلها مرضية عند الله ويجعل ابناءها في استقرار أسري ونفسي، فما العيب أن تتقن الزوجة الاسلامية فنون الجنس لترضي زوجها وتحافظ على أسرتها.

    المرأة المتزوجة التي لا تتقن الجنس ولا تسمح لزوجها بالزوجة الثانية شيطانة شمطاء في جهنم السعير غدا كما عذبت زوجها في جهنم الكبت.

    إننا لا ندري هل ستأتي الخلافة بالكبت الجنسي أم بسيطرة المرأة على الأسرة ومأسسة الغيرة النسوية كما فعل القانون الوضعي، أم ستأتي الخلافة بالعلاقات الرضائية والشذوذ على غرار دين المنظمات الدولية؟ التنظيم لا يدري أنه بسلبيته وتخاذله ونكوصه عن الصدح بالشريعة الاسلامية يشارك في الخراب الاجتماعي، ذلك أن السلبية التنظيمية في موضوع الجنس لا يمكن أن تؤدي إلا إلى انحرافات جنسية أو كبت جنسي وما يتبع ذلك من انفجارات جنسية مفاجئة واضطرابات نفسية وعصبية موازية وسقوط مدو لصروح التربية والدين والاخلاق على رؤوس أصحابها وعلى رأس التنظيم، أما تبني هذا الأخير للقانون المستورد فهو مشاركة فعلية في ترسيخ الجنس المشاع والفساد المقنن.

    في هذه الفوضى الجنسية يبقى الكبت الجنسي أو الجوع الجنسي المؤدي إلى الانفجار الجنسي هو أقرب الاشياء إلى التنظيم الاسلامي، فهو القالب الفكري الذي يناسبه، أما الاباحية فهو لا يستطيع الاعلان عنها صراحة لقيامه مبدئيا على الاسس الدينية، بينما الاباحية هي أقرب التصرفات إلى غيره من التنظيمات غير الدينية التي يختلط فيها العنصر النسوي بالعنصر الرجالي بشكل مميع، فالتنظيم الاسلامي عندما يتشدد في الزواج أكثر من الشريعة نفسها ويطالب الرجل بأطنان من الحقوق النسائية التي جاء بها القانون المستورد يشارك في بناء جيل مكبوت بما أن الشباب الاسلامي لا يعيش المتنفسات الجنسية التي يعيشها عامة الشباب ولا يملك من المال الشيء الذي يمكنه من توفير العيش الرغد للمرأة التي تطلب كل شيء من الرجل المغلوب عل أمره في واقع لا يجد فيه حتى عملا مستقرا.

    الكبت له آثار جسمية ونفسية خطيرة على الرجل، أضرار جسمية كاحتقان البروستاتا والتهابها وأحيانا تسرطنها، أضرار عصبية في الجهاز العصبي وما يرافق ذلك من آلام في الاعصاب وصداع في الرأس وغضب وانفعال وتقلب مزاج واضطراب في السلوك، أضرار نفسية واكتئاب ووسواس وغمة في القلب وعقد نفسية أساسها الجنس، آثار أخلاقية وتربوية كارثية وفتنة قلبية وأحيانا شذوذ جنسي لا يمكن الحديث معه عن أي تربية ولا أي سلوك ولا معرفة لله، اثار اقتصادية مدمرة وفقر ثم آثار اجتماعية وعزلة وكـره للمجتمع وحقد على الجميع.

    يتحمل التنظيم الاسلامي مسؤولية كبيرة في تفشي الجوع الجنسي داخل صفوفه، ذلك أن النخبة من الموظفين والميسورين هي فقط من تستطيع الحصول على امرأة، وبما أنها زوجة واحدة فقط، وفرصة واحدة فقط، فليزم الاختيار بكل عناية وأحيانا لسنوات طويلة، لكأن الحصول على امرأة غزو للفضاء، فيتم قلب التنظيم من رأسه إلى قاعه للحصول على الزوجة الافضل جمالا ومالا وثقافة وعائلة للمسؤول الميسور، تستحضر هنا حتى مرتبة الاب التنظيمية داخل التنظيم ومرتبة طالب الزواج ومرتبة الزوجة ثم الشواهد الدراسية والوظيفة والأموال المكنوزة وجميع وسائل الرفاهية الاجتماعية، أما الطبقات المسحوقة اجتماعيا وسياسيا وتنظيميا وماليا في قاع التنظيم فهي تعاني الكبت في صمت وادعاء طهرانية كاذبة بينما يغلي المني داخل المسالك التناسلية.

    هذا الأمر يؤدي إلى معاناة تربوية واجتماعية ونفسية وصحية، والتنظيم لا يتدخل بتاتا لحل هذه المعضلات التي يعاني منها أعضاؤه، بل هو يتدخل فقط عندما يحاولون الحصول على امرأة بطرق سهلة، فيتدخل ويعقد الأمور ويضرب بيد من حديد على الراغبين في امرأة سهلة حفاظا على حقوق المرأة كاملة أن ينتقص من حقوقها المالية شيء تماشيا مع المواثيق الدولية التي لا تؤمن بالماء والتمر الذي عاش به رسول الله صلى الله عليه وسلم شهورا طويلة مع زوجاته ولا تؤمن بالتعدد الذي عاشه أصحاب رسول الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا.

    التنظيم بهذه التدخلات السافرة في حياة المؤمنين الشخصية يرسخ للكبت الجنسي، وقد وقفت على حالات كثيرة من طلبة القرآن والمستضعفين من المؤمنين يصلون إلى الاربعينات دون أن يتدخل التنظيم لينقذهم من الكبت بل يتدخل التنظيم العاهر ويمنعهم من الزواج إذا سلكوا سبل التيسير، والتنظيم ينسى بذلك أن الاكتفاء الجنسي لدى المؤمنين مدعاة للنجاح التنظيمي و الرشد التربوي، بينما الجوع الجنسي سبب من أسباب انهيار التنظيم وموت الاخلاق وفشل التربية وتشتت للكوادر المكبوتة في دروب تحصيل الرزق الجنسي، فلماذا يساهم التنظيم في الاجندة الغربية النسائية الشيطانية ويتدخل في الحياة الشخصية ويمنع الزواج ويشترط الشروط في الزواج ولا يقدم أي دعم للشباب الكثير الذي يبغي الحلال والشابات الكثيرات اللواتي يردن الحلال، لماذا يربط التنظيم الزواج بالمال كما يفعل القانون ذلك، لماذا يكره التنظيم الاشباع الجنسي المشروع في ظل التعدد ويسميه سلفية، لماذا يسمي التنظيم الكبت تربية وعفة ويصف المكبوتين بالصلاح والولاية.

    ألا يعلم التنظيم أن منع الزواج هو عين الشيطانية التي تريد الفساد الكبير.

    طبعا للجنس ضوابط، ونحن عندما نريد أن يرفع التنظيم وصايته على الحياة الجنسية لا نريده أن يغمض عينيه عن التصرفات غير الاخلاقية التي يمكن أن يمارسها أعضاؤه، لكنه حري به أن يتدخل ويعالج بعض الظواهر من خلال برامجه الداخلية ومن خلال تماشيه مع الشريعة الاسلامية التي لا تجعل الحصول على زوجة شيئا معقدا، يكفي أن يكون التنظيم الاسلامي إسلاميا كما هو اسمه، فلا معنى أن يقوم التنظيم بدور الكابت للمؤمنين فالشريعة لم تكبت يوما مؤمنا، وهنا يمكن الاشارة إلى المسؤولية التي يتحملها التنظيم النسوي الذي يحمل على عاتقه مسؤولية الاشباع الجنسي للتنظيم الرجالي، طبعا في إطار تنظيم طلبات الزواج والسهر على تيسيرها وإنجاحها وتثقيف النساء والرجال ثقافة جنسية تساهم في اشباع الجوع الجنسي المشترك، وحتى لا يتسبب ذلك في تضخم طلبات التعدد واتخاذ العشيقات وانهيار التربية والاخلاق وضياع الأسر والاطفال داخل صفوف التنظيم الرجالي.

    ليس هذا انتقاصا من قيمة المرأة، ذلك أن الرائج داخل التنظيم النسوي أن المرأة الملتزمة على رأسها ريشة، شيء هكذا ولية صالحة وأفضل من الرجال، إمبراطورة زمانها هي وليست آلة جنسية، ولية لله وليست عاهرة زوجها، لذلك فهي تعطيه من نفسها بمقدار مزاجها الملكي، وبما أن الزوج ممنوع من التعدد فهي تتكرم عليه بنفسها مقابل أن يكون عبدا لها، تستغل القانون بـحقارة لتمنعه من الزواج والويل لك إن حدثتها عن الشريعة، تقلل من شأنك وتتهمك مباشرة أنك خليجي سلفي وأنك لست في مقام النبوة والصحابة لتحصل على امتيازات الشريعة ويكون لك زوجة ثانية، لكأن الصحابة كانوا ذكورا والمؤمنون اليوم بنات.

    النساء داخل الصف الاسلامي يعتقدن أنهن لست وسائل جنسية بل وليات لله مُرسلات من عند الله للدلالة على الله ولا يجب أن يمسسهن إنس ولا جان، يعتبرن أنفسهن قيادات حزبية ومحللات سياسية ومناضلات حقوقية وفوق مستوى تلبية رغبات الزوج الجنسية، يعتقدن أنهن خلقن للدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله والدلالة على الله وإرشاد الرجال وفي مقام الخليفة الراشد ومن حقهن الوظيفة والاستقلال عن الرجل وبناء الذات والسفر السياحي والمشاركة في دروس التنمية البشرية للرقي بهن بعيدا عن "حضيض" إسعاد الرجل.

    إن عدم قيام المرأة بدورها الجنسي يسبب كوارث تربوية في صفوف الرجال، معاناة جسدية واضطراب نفسي وسقوط تربوي وتكاسل في الاوراد وهبوط في الهمة الدعوية وافتتان روحي داخلي لا يقوم معه جهاد ولا نضال ولا تربية ولا أخلاق ولا دعوة ولا خلافة، والسبب هو الزوجة المتكبرة التي لا تقوم بدورها الجنسي مع زوجها وترفض التعدد فوق ذلك متأثرة بفكرة أن المرأة لم تخلق للجنس بل لبناء ذاتها واستعباد رجل واحد لنفسها دون غيرها، إن عذاب المرأة التي تبني ذاتها على حساب صحة زوجها الجسدية والنفسية وتربيته الايمانية يفوق عذاب إبليس اللعين وفرعون الجبروت وقارون المال، فلا تفرح كثيرا بحقوق المرأة.

    لست ألوم التنظيم وحده على إشكالية الكبت داخل الجماعة الملتزمة زعما بالحلال والحرام، فالمجتمعات المتخلفة حضاريا جلها مجتمعات مريضة جنسيا، مجتمعات لا يجد الرجل فيها الجنس بشكل مشروع بسبب الأزمة الاقتصادية وتعقيدات القانون النسوي، والمرأة في هذا المجتمع المتخبط بين الدين والغرب تعتقد أن النفقة وجميع مصاريف الزواج على الرجل وحده ولا تؤمن هنا بالمساواة، فالمرأة تريد امتيازات عهد الشريعة وامتيازات عهد مساواة المرأة بالرجل، تريد امتيازات اللامساواة وامتيازات المساواة، لا تريد أن تتحمل تبعات المساواة مع الرجل ومن بينها المساواة في النفقة والعمل وتكاليف الزواج، إنها تريد مساواة مع امتيازات، تريد نفقة ثم انفرادا بأجرتها مع مساواة في التعدد، تريد ما يحلو لها دون اعتبار لما يريد الرجل، تائهة هي تعيش تناقضات مع ذاتها، تارة تريد المساواة وتعتبر نفسها بمائة رجل وأنها قادرة على سياقة الكطار، وتارة تتعلق بذلك الرجل الذي تحتقره لضعفه القانوني أمام المحاكم وتتباكى ترجو إنفاق الرجل عليها على اعتبار أن الشريعة تجعل الرجال قوامين على النساء.

    تقبل آية "أنفقوا عليهن" وترفض آية "انكحوا ما طاب لكم"، مصلحية نسائية.

    إن المرأة رغم التنطع الحداثي ما زالت في قرارة نفسها ترى نفسها مخلوقا ضعيفا يحتاج إلى من يُنفق عليه، لذلك تجدها وهي التي تسوق الكطار تخفي أجرة عملها خلف ظهرها وتبكي أمام القاضي طالبة النفقة.

    ربما فطرتها التي تخالف الموجة الحقوقية ما تزال حية تصرخ في داخلها منادية إياها أنت لست رجلا ومحتاجة سيدتي إلى من ينفق عليك من ماله وأحضانه ويشعرك بضعفك وأنوثتك، وربما هي حقارة نسوية تضرب الرجل الشهم بالنفقة عندما ترى عوزه وفاقته، فبعض النساء تستمتع بتعذيب الرجل الفقير ولا تركع سوى أمام الرجل الغني.

    في مواجهة الفطرة التي فطر الله الناس عليها يُطل الشيطان على المرأة برأسه نافخا فيها بنفثه أنت سيدتي بألف رجل، أنت سيدة الكون فثوري على الرجل واسحبي منه قوامته بعملك في الشركات واسحبي منه بساط الطاعة لتصيرا متساويين في كل شيء، لكن لا تنسي سيدتي الخارقة أن تطلبي منه النفقة لأنه رجل، والاسلام يجعل النفقة على الرجل، فلا تضيعي مكتسبات الاسلام ثم طالبي بحقوق النصرانية، ثم تجد ناقصة العقل تسير كالبلهاء خلف قرن الشيطان الحقوقي المستورد الذي ضللها وجعلها خنجرا في ظهر الرجل وهي لا تدري، أو ربما تدري وتروي حقدها الجنسي بالمعنى الطائفي.

    التنظيم حليف الشيطان يطرح التربية كعلاج للكبت، اللعب بالدين كالعادة، ونلاحظ المفارقة، فالتنظيم الذي يحارب التربية ورجال التربية ويكره حس التربية لا يتورع عن استعمال شعار التربية لبلوغ أهدافه وترسيخ أفكاره، لاحظ معي اللعب بالمصطلحات، التربية في مواجهة الكبت، تطلب الزواج فينصحك التنظيم بالتربية، لكأن الاولياء والصالحين الأولين والاخرين الذين ينصحون بالجنس لفوائده القلبية التربوية ليسوا مربين، أو لكأنهم قوم فاسدون، أو لكأن الرسول الكريم الذي تزوج اثنا عشرة امرأة لم يكن ذا تربية، والصحابة الذين كانوا يطالبون بحقوقهم الجنسية على الملأ لم يكونوا ذوو تربية، فلا أدري هل التربية في أصلحها موجهة لتقويم النفوس وتنقية الاخلاق أم هي موجهة لقتل الفطرة وطمر الطبيعة والكبت الجنسي، لا أدري كيف ستتدخل التربية لتمتص السائل المنوي المكبوت داخل مسالك الرجل.

    لقد تزوج رسول الله نساء كثيرات وكذلك فعل الصحابة الكرام والاولياء الصالحون ولم يقل أحد لا من المتقدمين ولا من المتأخرين بالتربية لمواجهة الحاجة الجنسية، فمن أين أتى التنظيم بالتربية في مواجهة الكبت؟ من أين جاء التنظيم الاسلامي الحالي بفكرة أن من يحب النساء ويريد الزواج بأكثر من امرأة هو شخص فاسد غير مربى يستحق الفصل؟ لقد تزوج الحسن السبط عشرات النساء ومنهم من قال مائتي امرأة حتى وقف علي بن أبي طالب يطلب من الناس أن لا يزوجوه ولم يقل أحد أن الحسن بن علي بن فاطمة الزهراء رجل فاسد قليل التربية، لقد كان الصحابة يزوجون الحسن بناتهم بكل فرح، وكذلك تزوج الصحابة نساء كثيرات لارضاء احتياجاتهم الجنسية التي كانوا يصرحون بها أمام رسول الله دون نكران فطرتهم السليمة ولم يتهمهم رسول الله أبدا بالمرض الجنسي، لقد كان النشاط الجنسي دلالة واضحة على رجولتهم المكتملة، فالرجل الذي يحب النساء ويمارس الجنس بشكل قوي مع أكثر من امرأة رجل فحل مكتمل الرجولة، أما الرجل الذي يعيش مع امرأة واحدة ويختبئ خلف الحضارة والحقوق ويتلوى في حديثه عن التعدد كالمرأة فهو المريض حقا.

    المجتمع المتخلف حضاريا الأن تحت هذه الازمات القانونية والحقوقية يسرق الجنس خفية في الظلام، والعضو المتزوج داخل التنظيم يسرق الجنس مع زوجته خلسة ثم يوحي لمن حوله أنه لا يفعل ذلك، يوحي للمحيط أنه لا يملك قضيبا وليست له رغبة جنسية بتاتا، دائما يتمارض، يُنكر التعدد ويجعله تهمة يلصقها بالسلفية والسعودية، يهرب من الجنس ليبدو بمظهر الصلاح والولاية فيستقيم مركزه التنظيمي وتزداد مكانته التربوية، أما المؤمن العازب فهو يبحث عن حل لـعار انتصاب قضيبه بين نار القانون الجنائي والدين والتكاليف المالية المبالغ فيها وتكبر النساء الملتزمات وابتزازهن له بفرجهن الحلال والجميع ينظر إليه على أنه مريض شهواني يريد الجنس.

    وإذا كان العالم الحر قد وجد حلا لإشكالية انتصاب القضيب في العلاقات الرضائية وجعلها حقا من حقوق الانسان، فإن الدول الاسلامية عامة والناس المنضوية تحت لواء التنظيمات الاسلامية خاصة يعانون من أزمة قانونية وأخلاقية خانقة، نص قانوني يمنع الفساد ونص قانوني آخر يذبحك بعقد الزواج، نص قانوني يدخلك السجن إذا نكحت امرأة بدون عقد زواج، ونص قانوني يضربك على قفاك حتى يخرج دماغك من خلف رأسك إذا أبرمت عقد الزواج، إنه الجحيم من اليمين والسعير من اليسار، فالقانون نفسه نص حائر بين العالم الحر الذي يضغط وبين الشريعة الاسلامية التي تسري في المجتمع، وفي حيرته تتعذب الناس وتُشوى، والاسلاميون اليوم مالوا إلى القانون وانبهروا به أيما انبهار، خاصة نساء الاسلاميين.

    فكيف سيتم حل إشكالية الجنس الحلال وهو الذي يدور كله حول المرأة؟ هل سيمارس تحت راية القانون الذي يقول إنه يمثل الحلال المعاصر والحقيقة أنه يتعارض مع الشريعة؟ أم سيمارس الجنس وفق الشريعة التي تخالف القانون فيهوي عليك بنصوصه، هل سيدخل الرجل في صراع مجتمعي وقانوني مع السلطة العامة والتنظيم الاسلامي والنساء الجدد ويجد الرجل نفسه آخر الأمر في السجن؟

    في هذه التناقضات ينضم الرجل المقهور وتنضم المرأة المتسببة في هذا الاشكال إلى الجنس الخفي الذي يُحله المجتمع ويسكت عنه التنظيم إذا كنت من مؤيدي مسؤوليه.

    لكن التنظيم لا يكاد يفهم أنه إذا لم يحل إشكالية الجنس داخل رجاله ونسائه فإن الاباحية ستغزوه داخل قواعده لا محالة، هذه الاباحية قادمة تحت مسميات جميلة وعصرية وسيقبل بها الجميع لأنه لا خيار آخر، الخيار الوحيد الذي كان هو الشريعة وقد رفضها التنظيم واستهزأ بها، وفي ظل انهراق القانون خلف العالم المتحرر فلن يتبقى سوى الحرية الجنسية متنفسا للرغبة المغروزة في النفس، فالقانون يسير بالمجتمعات الاسلامية إلى الحرية الجنسية كباقي الامم، والتنظيم الاسلامي إذا لم يتشبث بالشريعة الاسلامية في تيسير الزواج كما يسرته السنة النبوية وتسهيل التعدد كما سهله الله سيجد نفسه أخر الأمر أمام تنظيم خليط من المكبوتين والزناة والديوثيين والمخنثين الذين تحكمهم نساؤهم بالقانون.

    عندما تُهمش الشريعة ويُخنق الرجل تظهر بوادر التخنث والفساد والشذوذ.

    وعليه يمكن القول أن تعاطي التنظيم الاسلامي مع قضية الجنس لحد الان يتم وفق مقاربة فاشلة، ولا أدل على ذلك من سقوط الكثير من الإخوان في الزنى أو الكبت الجنسي، بل يصل الأمر إلى حد اللواط والشذوذ، وهذا دليل قاطع على فشل التنظيم في تعاطيه مع الجنس، خاصة أن الأمر يقع بعد عمر طويل حافل بالتربية والجهاد والتنظيم، والسبب واضح جدا هو تغييب الشريعة نزولا عند مطالب النساء، فالتنظيم على غرار القوانين الحديثة يُصعب الزواج ويُعقد انعقاده وانحلاله بالمساطر والمتطلبات، بينما التنظيم النبوي كان يُسهل الزواج والطلاق حفاظا على دين المؤمنين.

    لقد دمر التنظيم أخلاق المؤمنين بانسياقه خلف الثقافة الحقوقية الغربية التي جعلت الزواج بامرأة مطلبا كبيرا وجعلت الزنى بها شيئا ميسرا، وهو دليل آخر على استهانة التنظيم الاسلامي بدين المؤمنين وسعادة نفوسهم والنتيجة كما قلنا فساد كبير بعد عمر طويل من التربية، ونتساءل هنا كيف لتنظيم يدعي الاسلامية أن يُصعب الزواج ويمنع التعدد بينما يسره رسول الله على الفقر وعلى الخاتم من حديد، كيف يمنع القانون والتنظيم توثيق عقد الزواج لمجرد فقر الرجل وكيف يدخله السجن لمجرد عوزه المادي، إنه الاجرام الجنسي والديني والأخلاقي في حق الرجل، والتنظيم الذي يمنع التعدد إما شيطان يريد إفساد المؤمنين أو مريض حقير يتلذذ بتعذيبهم أو عميل مخترق حتى النخاع.

    إنها كلمة واضحة صريحة: إما الشريعة أو الفساد الكبير.


  • التنظيم والشباب

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 27 من 77 — فهرس الكتاب

    تتميز المجتمعات في عالمنا العربي بارتفاع أعداد الشباب، ذلك أن الشيوخ لا يعيشون كثيرا في ظل تردي الاوضاع الصحية، كما أن بساطة العيش والاستثمار في الابناء يفرض على الآباء المغامرة بإنجاب كثير من الأبناء، ويترتب على ذلك وجود طبقة واسعة من الشباب تغلي في هذه المجتمعات لا تكاد تجد ما تفعل، فأغلب الدول العربية لا يهمها الشباب رغم كونه طاقة مهمة تبنى عليها الأمم، لنقل إن الشباب طاقة مهدرة في الوطن العربي في ظل الفساد السياسي المستشري، فالحاكم لا يهمه الشباب بقدر ما يهمه تكديس الاموال في البنوك والعيش عيشة الترف [1] والبذخ ولو على حساب الناس، بل وعلى حساب شرف الامة وسمعتها بين الأمم، لنقل إنه غباء سياسي وجشع نفسي وفساد أخلاقي ومرض وراثي ومصيبة كحلة.

    الشباب في أي أمة من الأمم هم عمودها الفقري، القوة العفوية التي إن أُعدمت متنفسا انقلبت قوة مخربة، فالطاقة يجب أن تخرج، والكبت هو داء الشباب، فإذا لم تجد الطاقة مخرجا شرعيا أفرغت في طريق غير سوية، فالشباب يتميز بالحركة والحيوية والعطاء المتجدد، ولم تنهض أمة من الأمم إلا على أكتاف شبابها الفتي وحماسته المتجددة وقوته المشتعلة وعنفوانه المتدفق، لنقلها بكل وضوح، إن الشيوخ ليس لهم سوى الكلام ولقلقة اللسان، وبالتالي فإن الشباب هم مادة العمل والانتاج والشيوخ هم مادة النصيحة والارشاد في أحسن الاحوال، ولذلك فإن التنظيم لا يهتم بالشيوخ، أولا لأنه لا ينصت بل هو مجبول على إعطاء الأوامر والتعليمات، وثانيا لأن لديه ما يكفيه من أصحاب الكلام والقيل والقال والدروس، وبالتالي فهو يركز كل اهتمامه على الفئات العمرية الصغيرة التي تعمل وتكد وتنشط.

    القيادة موجودة والكلام موجود، لكن من يعمل؟ الشباب طبعا، وهنا تكاد تلاحظ أن أغلب أنشطة التنظيم تكون موجهة إلى التلاميذ والطلبة والفئات العمرية الفتية، فهي بالإضافة إلى طاقتها وعنفوانها تكاد تكون في عقلها ونفسها صفحة بيضاء سهلة الانقياد والتأثر والتحفز والتشكيل والتسخير والصياغة التربوية والتنظيمية، فما رسخه التنظيم في الصغر يصعب اقتلاعه في الكبر، بل إن ولاء هذه الفئات العمرية الصغيرة تكون لاحقا مُطلقة للتنظيم، فهي لم تر سواه، ولم تعرف غيره، فتحت أعينها داخل محاضنه، وتشربت مفاهيمه وهي فتية، فيصعب على الاغيار تغيير قناعاتها بسهولة، فهي تموت من أجل المبادئ والقيم والمخططات التي زرعها التنظيم فيها.

    التنظيم يفهم هذا الأمر ويستخدمه جيدا، فتجده لا يتحرك مع الفئات العمرية الكهلة إلا من باب النفاق السياسي والمجاملة الاجتماعية و التنسيق الحركي، إنه لا يتوقع منها بتاتا أن تكون عناصر منضبطة وفاعلة فيه بقدر ما يفكر كيف يركبها سياسيا من بعيد ويستغلها ماليا من قريب، وعلى العكس من ذلك فهو يخصص للعناصر الشابة خاصة المتدينة منها أغلب برامجه وأنشطته من أجل استقطابها إلى هياكله التنظيمية قبل أن يبدأ معها مشواره الفكري والتربوي والسياسي، ضرورة حركية وحكمة تنظيمية أكاد أتفق معها، لكن الذي لا أتفق معه هو أن التنظيم عندما يقضي مآربه من هذه الفئة المعطاءة يزهد فيها في كهولتها بجرة قلم ثم يستبدلها من جديد بعناصر اصغر سنا، كالرجل الخسيس عوض أن يجمع بين زوجتين كبيرة وصغيرة يرمي الكهلة ليتزوج الصغيرة.

    لن نناقش مدى نجاح التنظيم في تأطير الشباب وإعطائنا نماذج شابة ناجحة، فذاك أمر نترك تقييمه للناظرين كل حسب زاويته المادية أو الفكرية أو الأخلاقية، على ان الواضح هو تميز شباب التنظيم الاسلامي على غيره من الشباب بالسمت الحسن والانضباط وحسن الاخلاق وسمو النظرة وارتفاعها عن سفساف معاكسة البنات وشرب السجائر إلى مقام الاهتمام بالقضايا الكبرى للأمة الاسلامية ومزاحمة الشيوخ على أبواب المساجد، فالشباب المنتمي إلى الحركة الاسلامية هو شباب واع، شباب منتج، شباب طاهر، نقي، مقتحم، شباب يحمل أعباء أكبر منه، فهو في سن مبكرة يكاد يناطح الكبار ويناقش الموضوعات التي لا يقدر أن يناقشها حتى أعتى الناس قوة وأكثرهم مالا ودراية وتجربة.

    تخرج إلى الشارع فتلاحظ ذلك بوضوح، تميز الشباب الاسلامي عن الشباب العادي الذي انكب على وجهه خلف البنات في علاقات غير مشروعة بفعل الالة الاعلامية المهيجة للرغبة الجنسية الهائجة أصلا بالهرمونات الشبابية والآلة القانونية الـمُعقدة للزواج والطلاق، تميز واضح في اللباس وطريقة الكلام وانضباط المعاملة وآداب الحوار، على أنني لا أدعي طهرانية الشباب الاسلامي لكنه على الاقل يرتكب بعض الآثام على استحياء وتستر من الناس، كما أنني لا أقول بشيطنة كل الشباب غير المنتمي إلى الحركة الاسلامية، فبعض الشباب غير المنتمي إلى الحركة الاسلامية لديه من الأخلاق والعفة ما يفوق كثيرا تلك التي لدى شباب الإسلاميين.

    إن تميز شباب الحركة الاسلامية راجع بالأساس إلى الدور المهم الذي يلعبه التنظيم الاسلامي من خلال برامجه وتأطيره الدعوي والسياسي، فالشباب الاسلامي (وأتحفظ على الكلمة ولا أستعملها إلا مجازا) يخضع لعملية تربوية إضافية عن تلك التي يتلقاها غيره في البيت، فالبرامج التربوية داخل الجماعة الاسلامية تزيد من إيمان الشباب والتزامه بضوابط الشريعة الاسلامية وأخلاقياتها، بينما عامة الشباب يبتلعه الواقع الفاسد ولا يكاد ينجو من الافلاس الاخلاقي المستشري الا حين ينشأ في بيئة اجتماعية سليمة وأسرة منجمعة على الدين والاخلاق، هذه الاسرة الصالحة قلت أعدادها بشكل كبير بعد أن خرجت الشريعة الاسلامية من ميدان الاسرة وتكلف بذلك القانون الوضعي الغربي المستورد وما رافقه من سيطرة المرأة على الاسرة، فالسفينة التي تقودها المرأة لا يمكن أن تصل إلى بر الأمان بسلام ما لم تُحفظ للرجولة مكانتها وهيبتها وريادتها.

    لكن الملاحظة أن الشباب الاسلامي الذي ينبت في بيئة الصلاح منذ نعومة أظفاره يكاد يعاني بعد تقدمه في السن كبتا لا يعانيه باقي الشباب الذين يفرغون حماقاتهم في سن مبكرة، فقد لاحظت أن كثيرا من الشباب العادي يحسن حاله بعد سن الثلاثين ويرجع إلى طريق الجادة، بينما يسقط كثير من الشباب الاسلامي فجأة في جرائم أخلاقية قاتلة بعد سن الثلاثين أو الاربعين، وذلك راجع إلى الكبت الجنسي الذي يتربى فيه الشباب داخل التنظيم حيث كلشي ممنوع، هذا التنظيم يسهر بنفسه على الكبت وربما بحسن نية سلفية عندما لا يخلق أي متنفسات عن النفس ويزج بالشباب الصغير في سن مبكرة في برامج تربوية دينية قوية أكبر منه، أضف إلى ذلك أن التنظيم الاسلامي بعد إدماجه لفروع العمل النسوي أصبح يمنع الشباب من تعدد الزوجات نزولا عند رغبة النساء ويقف سدا منيعا أمام الطاقة الجنسية للشباب مقتفيا أثر التوصيات الدولية والقوانين الوضعية، فينفجر الشباب الاسلامي المقهور مع زوجة واحدة والذي لا يعيش الاباحية والتعدد كغيره من الشباب ويفعل ما لا يفعله حتى أكثر الشباب طيشا خاصة إذا كانت الزوجة الواحدة عميلة تنظيمية تُدخل التنظيم عقر بيتها وتطلعه على أسرار دارها ليمنع زوجها من حقه الطبيعي، أما الكارثة فهي أن الكثير لا يملك حتى تلك الزوجة الواحدة.

    نبتعد عن معالجة إشكالية الجنس داخل التنظيم الاسلامي على أن نعالجها لاحقا في محور مستقل، لكني أشير فعلا إلى حجم الاشكالية التي يطرحها الجنس داخل صفوف الشباب الاسلامي باعتباره فطرة طبيعية في الانسان وليس جريمة، والجنس ليس الاشكالية الوحيدة المطروحة أمام تنظيم اسلامي يحتضن آلاف الشباب المنضبط أخلاقيا، اليافع جسمانيا، بل هناك إشكالات اجتماعية كثيرة من قبيل إشكالية الاندماج المجتمعي والاسري، إشكاليات اقتصادية كضمان التوازن بين الحركة السياسية و توفير الاستقرار المالي الذاتي، إشكالات سياسية من قبيل إدماج الشباب في القرار السياسي، إشكالات تنظيمية متمثلة في نجاح الشباب الاسلامي في ترقي المسؤوليات التنظيمية داخل التنظيم والتقليل من الاحتكار السلطوي للقيادة التاريخية للتنظيم، لكن تبقى إشكالية الجنس الاشكالية الأكثر حضورا في حياة الشباب كون الشاب يفكر في الجنس صباح مساء دون أن يجد إلى ذلك سبيلا في ظل تنظيم يحاصر وأعراف ضاغطة وشريعة اسلامية ملغاة وإغراءات من كل جهة.

    واضح أن انضمام الشباب إلى التنظيم الاسلامي ليس نزهة، ولا هو مكاسب دينية فقط، بل هو إكراهات كثيرة ومخاطر متعددة وحرمان مُزمن لكنه ومع ذلك واقع نظيف بإيجابياته يقع على الشباب حسن استيعابه ويقع على التنظيم حسن تدبيره.

    عندما أرجع بالذاكرة إلى خمس وعشرين سنة خلت أجد كوكبة من الشباب الطاهر اليافع المتحمس إلى غد الاسلام والحرية والتعبير والتحزب والتصنيع والابتكار والابداع والاخلاق والقوة والسيادة، أجد نخبة من الشباب الذي أظهر عن تربية رفيعة وتضحيات كبيرة وأخلاقيات عالية، لكني أجد اليوم نفس الكوكبة وقد شاب رأسها فشلت فشلا تربويا ذريعا وتحطمت نفسيا وتدهورت أخلاقيا، كوكبة من اليائسين الفاشلين الذين يشعرون بنوع من الغدر من جهة التنظيم، يتساءلون دائما هل خدعهم التنظيم؟ أم أنهم لم يفهموا لعبة التنظيم جيدا؟

    أفلت منهم القليل ممن ضمنوا بعض المال والوظيفة ثم أولائك الذين وصلوا إلى السلطة التنظيمية، وهنا نتساءل مرة أخرى هل المسؤولية التنظيمية أساس النجاح التربوي والاخلاقي والمالي، أم العكس؟ لو أن واحدا أو اثنين فشلوا لقلنا إن الخلل شخصي، لكن والضحايا بالأعداد الهائلة، جيل بأكمله، فضروري أن نشير بأصابع الاتهام إلى التنظيم، يمكننا أن نتحدث بكل جرأة عن غدر تنظيم وفشل تنظيم، ثم خسة تنظيمية في التعاطي مع خيرة شباب الوطن، لمَ لمْ يحسن احتضانهم؟ لم تخلى عنهم بينما هم ضحوا من أجله بأغلى ما يملكون؟ بشبابهم.

    لا يمكنني أن أصف حجم الغدر الذي يشعر به شباب الأمس الذي عاشرتهم سنين في ساحات النضال على بطن تزأر من الجوع، وعيون غائرة تخفي أحزانا عميقة، وآهات كبيرة، شباب شاركنا معه البرد والجوع والخوف والايمان وتحديات التدافع السياسي والفكري والدعوي والان مرمي على هامش التنظيم يعاني الفقر والديون والغفلة والمرض والاحتقار من الجميع على من إخوان الصف، بينما حقق الشباب الآخر الذي لم يزج بنفسه في التنظيم نجاحات كثيرة في واقعه وتحسن في أخلاقه واستقرار في حياته، شبابنا الكهل يشعر الان بسكين في ظهره، يكتمها على مضض، ثم يبدئ لك ابتسامة مصطنعة، لكأنما يقول لك لم فعل التنظيم هذا؟

    لا أدري لم فشل التنظيم في احتضان الشباب وقد سلموا أنفسهم إليه تسليم الطفل لأبيه، كلمة "فشل" كلمة رحيمة في حق التنظيم، الكلمة الصحيحة هي لم ارتكب في حقهم جريمة؟ لم ذبحهم التنظيم وغدر بهم ورماهم للشيطان بعد أن مص دماءهم و سف رحيق شبابهم؟ هذا هو السؤال الصحيح، إن التنظيم لم يكن في يوم من الايام شيئا مُصلحا بقدر ما كان وسيلة تدبير خسيسة جافة تستعمل للضرورة فقط في تنسيق الجهود، وإلا فإن الاحتضان مهمة الأبوة الروحية، مهمة المرشد، ولي الله، إذن هل يمكن الحديث عن فشل تربوي من المرشد؟ أم أن التنظيم خان أمانة المرشد؟ أم هي مرحلة من البلاء تأتي بعد مرحلة الشباب والعطاء؟ من الممكن أن نتصور مرحلة الكهولة مرحلة بلاء شديد بعد أن يفقد الشباب بريقه، مرحلة تبدأ فيها الآلتان التنظيمية والنسوية في طحن الرجال كي يركعوا لهما آخر العمر.

    شخصيا لا زلت أثق في أولياء الله ولا أعتبرهم غدارين، بل أعتبر الغدر صفة تنظيمية بامتياز، فالتنظيم ليس له كرامة ولا عفة نفس ولا قلبا رحيما يحن به على أبناء الجماعة، بينما المصحوب قلب كبير يستطيع أن يحنو على أبنائه، ولذلك ومع غياب ولي الله يفعل التنظيم في الكهول جرائمه بكل حرية.

    الشباب اليوم كما كان البارحة هو الماء الذي يجري في عروق التنظيم، ولولا عرق الشباب لما أزهر التنظيم وتمختر اليوم في مشيته أمام الناس والنظام، نصرني الشباب وخذلني الشيوخ، ولعل المرض العضال الذي يصيب التنظيمات هو هرم كوادرها وتشبثهم بالسلطة وعدم فسحهم المجال للشباب للمبادرة والحركة والتجديد، الأمر الذي يعود بنا الى السبب الحقيقي لفشل التنظيم وهو مرض الشهوة المفرطة للسلطة، فما دامت التنظيمات مُسيطر عليها من لدن الثعالب العجوزة العاشقة للرئاسة فهو النذير بخراب التنظيم وضياع الشباب لا محالة.

    وإذا كان عوار الثعالب العجوزة في التنظيمات الاخرى ظاهر للرائح والغادي، فإن الثعالب الهرمة في التنظيمات الاسلامية تختفي خلف الدين، فخداع الشعوب المسلمة عامة والمؤمنين في التنظيم الاسلامي خاصة غالبا ما يتم تحت عباءة الدين لا في وضوح العلمانية، ولذلك كانت العلمانية في نظري أفضل من الاسلام المزيف، وكان الاسلام الحق أفضل من العلمانية، فالثعالب داخل التنظيم الاسلامي تعمل عملها في الخفاء، ثم تظهر على الشباب بمظهر التقوى والزهد في الدنيا، والحقيقة أنه لا أزهد في الدنيا من شباب ثائر صادق فقير الجيب محروم من النساء لا ناقة له ولا جمل في الدنيا، بينما تنعم الذئاب العجوز في البذخ المالي والتنظيمي والسيارات والفيلات والنساء ولا تستحي أن تستثمر رصيدها الديني في خداع الشباب وجرهم إلى المحرقة.

    أقول المحرقة لأن تضييع زهرة العمر في سبيل نصرة إسلام مزيف لهو المحرقة بعينها، فما معنى أن يبلغ الشاب أربعين سنة ثم يجد نفسه غير متزوج، عاطل عن العمل، مضطهد من التنظيم، متابع في رزقه من النظام، مكبوت جنسيا، منبوذ اجتماعيا، فاشل في نظر أبويه وعائلته، لا هو ولي الله ولا هو حاصل على الدنيا، إنه غير مرحب به حتى في الزواج، لكأن المرأة سلعة رغم عصر الانوار تباع بالصداق مقدما ومستحقات الزواج مؤخرا وما بينهما مصاريف السكن والمأكل والملبس والمسبح والمفسح، وويل لك أيها الشاب الاسلامي من المرأة الاسلامية التي تنادي بالمساواة وتشترط الصداق ومؤخر الصداق ومبلغ المتعة إذا لم توفر لها كل متطلبات الحياة وفوقها التزام بعدم النظر إلى غيرها، ثم يأتيه المسؤول التنظيمي في حالة خلاف فكري أو تربوي قائلا: " إنني أدعو عليك"، يتساءل الشاب المحروق في نفسه قائلا: لماذا سيدعو علي التنظيم؟ لقد ضحيت بشبابي من أجله، ثم إذا تحدث صاحبنا قليلا بما في نفسه، اتهمه المسؤول التنظيمي بأنه جاسوس وعميل مخابرات، يا سبحان الله، عميل مخابرات مزلوط "مكفسا عليه

    ما أحقرك أيها التنظيم.

    يؤسفني أن أقول إن الجيل الماضي من الشباب الصادق الذي جاهد وناضل في الجامعات وحفظ بعضه القرآن ورابط الكثير منه رباطات تربوية ربانية عديدة وشارك في جميع المسيرات والوقفات قد راح ضحية رعونة التنظيم وإجرامه المنظم ومكره الخفي، ولذلك فإن الجيل الحالي من الشباب عليه أن يحذر من السقوط في نفس الاخطاء التي سقط فيها الجيل الماضي، عليه أن يستحضر أن مستقبله الوظيفي والمادي أهم من مستقبله في التنظيم، بل إن التنظيم نفسه لن يفتح الابواب إلا للعناصر الناجحة في أمورها الدراسية والمالية والوظيفية.

    على شباب اليوم داخل الحركة الاسلامية أن يزيل غشاوة الدين من على عينيه، فالتنظيم الاسلامي اليوم لا يماثل تنظيم الصحابة، والمسؤولون التنظيميون ليسوا صحابة كما يروجون، وزعيم الحركة الاسلامية ليس رسول الله، لذلك يجب أن يكون واضحا وضوح الشمس حجم الاختلاف الكبير بين التنظيم النبوي والتنظيم الاسلامي اليوم، فالتنظيم الاسلامي اليوم نص نص، دين ودنيا، حركة نضالية وحركة من أجل المصلحة الشخصية، حركة من أجل التنظيم وحركة من أجل الذات.

    واقع التنظيم اليوم يختلف كليا عن واقع تنظيم الصحابة، ونساء الحركة الاسلامية اليوم أيضا لسن من طينة الصحابيات، فلم تعد نساء الاسلاميين اليوم تقبل بالماء والتمر، ولم يعدن يقبلن بالتعدد، وإذا لم تحصل الزوجة الأخت في الحركة الاسلامية على مستوى معين من المعيشة ستدخلك السجن أيها الشاب الاسلامي، وسوف يشجعها التنظيم الاسلامي على ذلك ثم سيلومك على قلة نقودك، فلا تغتر بإسلامية تنظيمك، وعندما ستعجز عن دفع الواجب الشهري إلى التنظيم سيقال لك أنك فاشل ولست على قدر طيب من الصدق مع الله والمسؤولية مع التنظيم، ستسمع كلاما جارحا أخي العزيز.

    وعندما ستتقدم إلى الوظيفة سيجرى بحث أمني بخصوصك وإذا جاء التقرير الامني بأنك من تنظيم كذا وكذا سيشطب عليك من الوظيفة، ولن يحزن التنظيم أبدا على طردك ولن يذرف قطرة دمع واحدة عليك بل سيقول شخص فاشل لا يدرس ولا يجتهد ولدينا إخوان مسؤولون موظفون مع الدولة فلا تُعلق فشلك أيها الفاشل على التنظيم، لن يتضامن معك التنظيم أخي الشاب، بل ستلاحظ تشفيا كثيرا وإعراضا من المسؤولين ليفلتوا من المسؤولية خاصة أولائك الذين كنت تزعجتهم بانتقاداتك وملاحظاتك واقتراحاتك، ستمرض نفسيا أخي الشاب وأنت تعاني وحدك الواقع المرير مع النظام الحقود والتنظيم الأكثر حقدا.

    لذلك أنصحك أن تهتم لدراستك ومستقبلك ثم تعطي فائض وقتك للتنظيم كي لا تُطعن آخر العمر في ظهرك ويُرمى بك إلى الهامش.


    📌 الهوامش

    1. [1] "نظام الملك هو البيئة التي يولد فيها الترف ويزدهر. وظهوره وازدهاره ثمرةُ تلاقُحٍ بين استغلال النفوذ، واحتجان الأموال بالباطل. الترف زهرة مزابل الفساد السياسي الاقتصادي". الخلافة والملك.ص83.

    ◀ الفصل السابق: الترميز والشيطنة

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: التنظيم والجنس

  • الترميز والشيطنة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 26 من 77 — فهرس الكتاب

    الترميز هو صناعة القيادات، ليس صناعتها من حيث المضمون فذلك شيء محمود، بل نقصد بالترميز إعطاءها هالة من القداسة الفكرية والتنظيمية والتربوية الفارغة، أو لنقل هي عملية نقل الشخص من مرتبة عامة الاعضاء التي تُناقِش وتُناقَش إلى حوزة العناصر الخارقة التي تصنع الصواريخ وتفهم في كل شيء، العناصر التي تمر عبر عملية الترميز تنتقل إلى القيادة لتصبح لديها شبه حصانة ضد المناقشة، وتصبح لديها كاريزما تعادل آلاف الاصوات، فهي تستطيع أن توجه الرأي العام الداخلي بكل سهولة نظرا لأنها اكتسبت نوعا من القدسية التربوية والحصانة التنظيمية، فبمجرد أن تحضر تنتكس الرؤوس وتستنفر الاجهزة التنظيمية لتطيع الأوامر، وطبعا التنظيم هو الذي يقوم بعملية الترميز، على أنه في حالات أخرى يفرض بعض الاشخاص رمزيتهم كونهم يستحقون هذه الرمزية.

    عملية الترميز تمر عبر دهاليز التنظيم، تنزل عبر مختلف مستوياته التنظيمية، حتى تصل إلى آخر عضو منتظم في التنظيم ومتعاطف على هامش التنظيم، تستعمل في سبيل ذلك كل الطرق الاعلامية والتوصيات الداخلية، تستنفر المليشيات الاعلامية لصنع تصاميم إليكترونية جذابة، تشرع القيادة في إجلاس المعني بالأمر بجانبها على منابر الخطابة والوعظ والنصيحة والتوجيه، يحدث التنظيم جلبة وهيلالة كبيرة كلما حضر فلان، تُضرب الاواني ببعضها ويجري المسؤولون في كل اتجاه ويصطدمون بعضهم ببعض دون أي معنى تعبيرا عن زيارة أميرية لشخص يفهم في كل شيء، ويستعمل هنا الدين أيضا كما يستعمل في باقي الامور السياسية، فتحضر الرؤى المكذوبة أو التأويلات المبالغ فيها، ومعنى ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى قد زكى فلانا من فوق سبع سماوات وأعطاه قيمة ورفعة ومكانة أسمى من باقي العباد، قد يكون الامر صحيحا فعلا، أما من كذب على الله ليظفر بهالة ترميزية تنظيمية فليتبوأ مقعده من النار [1].

    استعمال الدين في التنظيم والسياسة موضوع كبير يستحق كتابا خاصا، ذلك أن استغلال الدين طامة كبرى تعاني منها جل التنظيمات الاسلامية بل والامة كلها، وأبشع ما يكون الاستغلال عندما يُستدعى علية القوم ليشهدوا في فلان شهادة الزور ليرمزوه، شهادة لها طابع ديني وتبعات سياسية ونتائج تنظيمية رئاسية لا تخدم الشفافية والنزاهة والمصداقية ولا تعطي القيمة الحقيقية للعناصر القيادية، تسمح بتسلق الاواني الفارغة إلى سدة الحكم، وتسمح باختراق التنظيم مخابراتيا بكل سهولة، كما تسمح بتمييع التربية وإفقادها معناها بل وسقوط أصحابها من أعين العارفين للحقيقة، معنى كل ذلك سقوط التنظيم سقوطا مدويا في أمراض يصعب اقتلاعها لانعدام أجهزة قضائية تسهر على حسن سير المؤسسات واستقامة المسؤولين، فبمجرد أن يتم التلاعب بالمراكز القيادية عن طريق الترميز المكذوب يتسلم المسؤول الغشاش السلطة بكامل الصلاحيات المطلقة داخل التنظيم ويبدأ مشروعه الشخصي في إعادة هيكلة المؤسسة التي يشرف عليها، تكون نفسه حاضرة بقوة، نقصد بمصطلح النفس المعنى الصوفي الذي يحمل معاني الانانية والخبث والمصلحة الشخصية الضيقة والأمر بالسوء [2].

    يحسب البعض أننا نحسد الذين تسلقوا أدراج التنظيم، بل يقولها المسؤولون صراحة عندما تنتقد طريقة تدبيرهم لمؤسسة التنظيم، وهو كلام في حقيقته تلاعب بالدين وإدخال له عنوة في مجال التنظيم وتداول المسؤولية، فالمسؤول بمجرد أن تنتقده يرميك بتهمة دينية دون دليل ولا يأتيك بالعقل، يتهمك بالحسد والرياء والعجب وحب السلطة والانانية وأن نفسك حية ويجب أن تقتلها لكأنه يقبع داخلك ويعلم حقيقة نواياك، يخلع جبة التنظيم والعقل والمنطق والسياسة ويلبس عباءة الدين والفتوى والكشف والمشيخة والافضلية الدينية والنظر بنور الله، معنى ذلك يجب أن تسكت وتقتل حريتك وتقتل استقلاليتك وتقتل شخصيتك، يا سيدي أجبني إجابة تنظيمية عقلية واقعية ودع عنك البحث في النوايا والشكوك والاتهامات وهلوسات نفسك الخبيثة المريضة بالسلطة، هل ستمثل علي أنك ولي الله وأنك تكشف على القلوب والنوايا، "نوض جمع راسك يا برميل الخراء"، فأنت بشر كالبشر ولا مزية لك على الناس ولا كشف لك ولا نور ولا ولاية.

    مجرد مسؤول تنظيمي حقير جزار حكار متنطع تسلم السلطة باللحس والتذلل والمكر والكذب.

    الترميز أي نعم عندما ينطلق من منطلق الشفافية والصدق، الترميز صناعة لقيادة قوية يتألف حولها الرجال المؤمنون بصدق العهد وفناء الذات، ليست عملية تمثيلية وضحك على الذقون وشراء للذمم ومصالح مادية ومعنوية وتزوير للوقائع وتضخيم للأشخاص كما يفعل التنظيم فيطل علينا بأشخاصه الذين ذبحوا خيرة المؤمنين فصلا وتشويها بمسوح الطهارة و الفناء في دعوة الله، قسمة سلطوية ضيزى هي إن أصبحت فبركة تنظيمية لإيصال الناس "ديالنا" إلى مراكز القرار وإبعاد الناس "ديالهم" عن مركز التنظيم، الترميز أي نعم حتى يعلم الخصم قوة الجماعة وقوة القيادة وتماسكهما، تتاح الفرصة للعناصر السياسية المفوهة والوسيمة لتلقي بسحرها على الناس وتجذبهم إلى مواقف التنظيم وتخلق استقطابا سياسيا وسمعة مُرهبة، لكن فقط العناصر الربانية التي أفنت نفسها في الله من تستحق أن تعطى لها الرمزية التربوية والتنظيمية الأولى على هرم التنظيم، أما التي دون ذلك فتُعطاها رمزية سياسية وليس تربوية، رمزية سياسية فقط لا قداسة لها تلعب بها على أقرانها في السياسة دون أن تتحكم في قناة الصحبة وإرشادية التربية، فقط المصحوب العارف بالله من يجب أن يبقى آية لله على رأس الجماعة.

    في مقابل الترميز هناك الشيطنة، وهي العملية التي يمارسها التنظيم ضد العناصر التي يريد أن يقطعها عن المسؤولية والقيادة، وهو يستعمل في ذلك نفس وسائل الترميز لكن بطريقة معكوسة، فيحضر الكذب والتلفيق والتنقيص والقطع الافتراضي عن الله، فالترميز جسور صاعدة إلى القيادة والشيطنة أدراج نازلة عنها، وهذان المفهومان غير مرتبطان بالتقوى، فقد يُشيطن الصالح ويُرمز الشيطان، وقد يُرمز الصالح ويشيطن الشيطان، هذا من الناحية النظرية أما في واقع العمل فالتنظيم هو من يتحكم في هذا الميزان ويتلاعب به كيف يشاء لصالح اللوبيات التي تُوجه التنظيم.

    عندما يريد التنظيم أن يرفع أحدا لغاية في نفسه أو في نفس مسؤول كبير فيه يقوم بترميز المعني بالامر بالطرق التي ذكرناها آنفا، وعندما يريد نفس التنظيم أن يذبح أحدا من التنظيم ويقطعه اشلاء تنظيمية وتربوية مخافة وصوله إلى السلطة ينزل عليه بعصا الشيطنة حتى يُفقده كل الاحترام لدى القاعدة، يستعمل في ذلك التوصيات المباشرة التي تُتلى على اسماع الحاضرين في جلسات التنظيم حيث الخبر مقدس أو يطلق حملات تشويه ونميمة منظمة داخل القنوات الاعلامية وببغاواتها الذين يرددون كل ما يقول التنظيم دون تمحيص لمجرد الولاء التنظيمي.

    ويا حسرة على قامات تربوية سامقة شيطنها التنظيم ظُلما وعدوانا لأنه اختلف معها في الأسس الفكرية أو الوسائل التربوية أو النظرة المستقبلية للجماعة، يُشيطنها بكل بساطة وكأنها نزلت للتو من الجحيم أو جاءت حالا من مثلث برمودا أو خرجت من كهف "شمهروش"، يطلق عليها كلابه الاعلامية تنهش لحمها داخل التنظيم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي على الخاص وفي كل درب وزقاق وفي كل جلسة على هامش الاجتماعات التربوية والتنظيمية وعلى أبواب المساجد عقب كل صلاة، ثم يُصدق الاعضاء المساكين كل ما يُقال لهم من الذين حققوا الرمزية التنظيمية والتربوية ويقتلون آخاهم تنظيميا واجتماعيا، فيصبح المسكين كالشيطان غير مرحب به في التنظيم، مكروها مرفوضا، يحاول الحفاظ على بعض كرامته بالصمت الطويل، وأحيانا يتحدث بكلام طيب عن التنظيم محاولا مسح ياقته تذللا، ينظر إليه المسؤولون نظرة اشمئزاز واحتقار وتكبر تنظيمي، نظرة تعني ألم تفهم أنك غير مرغوب بك، يقولون له بلسان الحال هيا انقلع من هنا أيها الحقير في صمت، لم تعد مرحبا بك من مسؤولي التنظيم.

    الترميز خيانة والشيطنة جريمة تنظيمية وأخلاقية مكتملة الاركان، جريمة لا عقاب فيها، ولا قضاء يبحث فيها ولا قانون يزجر مرتكبها، وحتى إذا انكشفت الحيلة لاحقا أو دافع المذبوح عن نفسه بالتشهير المضاد فلا علاج له، إنه الاعدام لا يقبل الحياة مجددا، فالتنظيم الخبيث لا يتواضع أبدا ولا ينزل ليصلح أخطاءه، فرعون جبار خبيث يدهس ويمضي في برامجه التي يحسب أنها ستقيم الخلافة الراشدة.

    الخلافة الراشدة سيبنيها الرجال الراشدون وليس المسؤول الذي يذبح إخوانه تنظيميا وتربويا.

    الكلام الغاضب لن يجفف دماء مؤمنين كثر شيطنهم التنظيم عدوانا وبغيا، الكلام لن يفيد في استرداد شرف مؤمنين شيطنهم التنظيم بحقارته الاخلاقية، والكلام لن يُسقط من حصلوا الترميز المغشوش، الكلام الان في وجه من استغشوا ثياب التنظيم وجعلوا اصابعهم في أذانهم وجعلوا أنين المظلومين صرخة في واد، وحده العمل الدؤوب على النهوض بالتنظيم من كبوته الاخلاقية أو تصفيته الوجودية النهائية وتأسيس غيره من سيرجع الكرامة المهدرة والطاقات التربوية الضائعة والقامات الفكرية المذبوحة.

    الحق يُؤخذ ولا يعطى، حتى في مواجهة من يسمي نفسه تنظيما إسلاميا.


    📌 الهوامش

    1. [1] توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يكذب عليه متعمداً بأشد العذاب، وقد تواترت الأحاديث في بيان عِظم حرمة وجريمة الكذب عليه صلى الله عليه وسلم, وأن الكذب عليه ليس ككذب على أحد، وأن من كذب عليه متعمداً فقد تبوأ مقعده من النار. فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري، ورواه مسلم في مقدمة صحيحه. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليَّ فلْيَلِجِ النار. رواه البخاري. وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من أعظم الفِرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُريَ عينه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل"، رواه البخاري. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حدَّث عنِّي حديثًا وهو يرَى أنَّه كذِبٌ فهو أحدُ الكاذبَيْن" رواه ابن ماجه.
    2. [2] " إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي" يوسف، 53

    ◀ الفصل السابق: الاختراق

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: التنظيم والشباب

  • الاختراق

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 25 من 77 — فهرس الكتاب

    كنا في شبابنا مع بداية التحاقنا بالتنظيم الاسلامي نعتقد جازمين أن اختراق النظام للتنظيم أمر مستحيل، فبالنظر إلى حجم الشدة والمعاناة التي كنا نجدها كنا متأكدين أنه لا يمكن بتاتا اختراق التنظيم، وعندما كنا ندخل غمار تجارب تربوية أو دعوية قاسية كنا شبه متأكدين أن هذه المحطات التربوية أو الدعوية هي بمثابة غربال دقيق لتمييز الصادقين من المدسوسين، فترسخ لدينا حس أكيد أن اختراقنا شبه مستحيل، بل إننا كنا نحس بعناصر الاختراق بسهولة ويسر، من النظرة الاولى تتكشف لنا هذه العناصر المدسوسة ونلعب معها لعبة الغباء المصطنع حتى نعرف ما تضمره لنا قبل أن نواجهها وجها لوجه، لكن مرت الأيام وتوالت السنون حتى وقفنا على حالات اختراق واضحة وضوح الشمس دون أن يتعامل معها التنظيم، ذلك أن التنظيم فتح بابه لفئات رخوة، تستحلي الاسلام الجميل، إسلام الطاكوس والبيتزا والمبيت على فرش بطائنها من استبرق بعدما كان بناة التنظيم الاوائل يبيتون على الكرتون وفي البرد، يقتاتون على الزيت والزيتون، يستحلون السهر الطويل والصيام الكثير وذكر الله بالساعات، هذا التغافل التنظيمي في مواجهة العناصر المخترقة كانت له دلالات قوية على أن الاختراق تحقق ونحن غافلون.

    لقد دخلت التنظيم بعد جيل البناء فئات جديدة سيطرت فيما بعد على مراكز القرار وجعلت الرجال الصادقين الذين برهنوا على صدقهم في مواقف الشدة مُحتقرين منبوذين، لقد سيطرت الفئات الرخوة على القرار التنظيمي وكانت بذلك مدخلا سهلا لعناصر الاختراق من الداخل والخارج، بل إن التنظيم نفسه أصبح ينسج علاقات مع هذه العناصر ويخطب ودها لتقضي بعض مآربه السياسية والمالية، حتى أن الاختراق لم يعد عيبا، بل أصبح العيب هو ما تتمتع به تلك الفئة من الإخوان الراديكاليين الذين يرفضون التعامل مع عناصر الاختراق من رجعية وثبات على مبادئ التنظيم الاولى التي قام عليها، لقد تم السماح لعناصر الاختراق بالجلوس على موائد التنظيم، بل وأصبحت هذه العناصر تتسلم مراكز المسؤولية وتوجه التنظيم، وفي نفس الوقت تم فصل الكثير من الصادقين من الاخوان لأسباب واهية.

    لقد اصطدمت في خضم العمل الجماعي العقلية البرغماتية مع العقلية الربانية، تقاطعت المبادئ مع المصالح، تعارضت المناورة مع الثبات، تعارضت النية مع المكر، تعارض الصفاء مع الماء العكر، تعارض الاخشيشان مع الحضارة، تعارض طلب وجه الله مع طلب الدنيا، اختلفت المدرستين الراديكالية المحافظة والاصلاحية المتذاكية، وانتصرت العقلية البرغماتية لأنها الاختيار الاستراتيجي طويل المدى للتنظيم.

    أصبح التنظيم يرفض بتاتا التعامل مع الفئات الراديكالية القديمة التي تؤمن بالوضوح في المواقف والرجولة في الميدان وغدا يهتبل بالفئات الجديدة المنتمية إلى عهد ما بعد التنظيم المنغلق، الآن أصبح كل شيء يوزن بميزان المصلحة، وانفتح التنظيم على الجميع، ذبح قدماء المحاربين بسكين التهميش أو الفصل ثم ذبح معهم المبادئ الأصيلة التي قامت عليها الجماعة، فكل شيء الآن له ثمن، ثمن يقدر بدقة حسب ميزان المصلحة، والمصلحة الاثقل ترجح بالمصلحة الأخف، فتسقط المصالح الأقل وأصحابها، الاخوان أنفسهم أصبحوا يوزنون بمدى قيمتهم المالية والاكاديمية والاجتماعية والنفوذية والأسرية، وعندما تتعارض المصلحة مع المبادئ، يسير التنظيم مع المصلحة حيثما سارت، أي نعم يسير مع المصلحة حيث سارت ويلتوي معها حيث لوت.

    إنها الفلسفة الجديدة للتنظيم، فلسفة الاسلام الحركي البرغماتي الميكيافيلي المصلحي المتلون، ولعمري إنها علمانية في أبهى حللها وانفصام عن الاسلام الحق.

    يعتقد التنظيم الاسلامي أنه بهذه الابواب المشروعة والتخلي عن مبادئه الاسلامية الاساسية سيصبح أستاذا في السياسة الحديثة وسينجح في تحقيق اختراق عكسي للمؤسسات الرسمية للدولة، يحلم أنه سيخترق حتى المؤسسات السياسية للفرقاء السياسيين المنافسين له على كعكة السلطة، يحلم بالسيطرة على الجميع كما سيطر على المؤمنين، يحلم أنه سيدخل على الدولة والاحزاب بالرحمة المزورة والابتسامة الصفراء والبيرستيج والأناقة ومشروع ميثاق سياسي وطني تشاركي ثم يقتنع الجميع به ثم يصل إلى السلطة ثم يلعب لعبته التي يتقنها وهي الفصل والتهميش أو يخضعهم في سجن الاستعباد الديني.

    إنه يحلم، يُهرطق، يُـخرف، يتخبط بعيدا عن الله وعن نبراس المرسلين من أنبياء الله، شبق السلطة الذي يسري في مسؤولي التنظيم يهوي بالمؤمنين وبجماعتهم إلى حضيض الافلاس الاخلاقي والتربوي والدعوي والسياسي، بينما يضع المداويخ المؤمنون كل ثقتهم في التنظيم ويرمون جميع منتقديه بالعمالة للنظام، التنظيم الحالي بسياسته التنظيمية الحالية هو عين الاختراق، سيدمر كل شيء، سيحرق الاخضر واليابس، سيدمر قلوب المؤمنين وأخلاقهم والاهداف التي خرجوا من أجلها أول مرة، سيجعل كل البناء مستويا على التراب، ثم ستعاد كرة الدعوة والتربية من جديد، سيحييها الله الذي يخرج الحي من الميت لأن وعده الحق، " ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [1].

    سيحيي الله الدعوة من جديد ثم تكون خلافة على منهاج النبوة مصداقا لبشارة سي العلوي.

    نرجع إلى مفهوم الإختراق ونلاحظ أنه يتم عادة بطريقتين، الطريقة الأولى تعتمد على دس عناصر مدربة تأتي راغبة في الانضمام إلى التنظيم فيرحب بها هذا الاخير بما أنه محب للطاقات الجديدة عاشق للشباب المتحمس، يستقبلها ويُخضعها لفترة تجريب حتى تتبين نواياها الحقيقية ثم يفتح أمامها أبواب المسؤولية، والطريقة الثانية تعتمد على تجنيد عناصر من داخل التنظيم نفسه لتقوم بالمهمة، وغالبا ما يتم اختيار عناصر شاكة وغير واثقة في مشروع التنظيم أو عناصر تكون قد انضمت إليه عن غير اقتناع أو حصل معها مشاكل تنظيمية مع المسؤولين داخل التنظيم أو حتى مظلومين من التنظيم، ومع إغراءات مالية وضمانات سلطوية ووظيفية تصبح هذه العناصر أهم أدوات الاختراق التنظيمي، طبعا هناك حالات أخرى يتم فيها قبول عناصر الاختراق بعد توافقات سياسية بين الأنظمة والتنظيم، وحالات أخرى يعرض فيها أعضاء التنظيم أنفسهم خدماتهم المجانية أو بمقابل على النظام الذي يخضعون له، والاسباب هنا مختلفة ما بين عوامل ذاتية كالملل من الاحتقار الذي يعامل به مسؤولو التنظيم طاقات الجماعة أو فقدان الثقة في المشروع والتنظيم وقيادته بالمرة أو الفراغ التربوي، كما أن هناك عوامل موضوعية كالاختلالات التنظيمية والتجاذبات القطاعية داخل التنظيم والأزمة الاقتصادية العامة والضبابية السياسية الداخلية.

    لا يمكننا عند حديثنا عن الاختراق أن نختزله في الاختراق التنظيمي، إن مفهوم الاختراق يشمل مفاهيم أخرى من قبيل الاختراق الثقافي والروحي، يبدو ذلك واضحا من طريقة لباس مسؤولي التنظيم وطريقة كلامهم وطريقة تعاملهم وطريقة عيشهم وعيش أبنائهم، يبدو ذلك واضحا أيضا من خلال الأفكار التي تحملها نساء التنظيم، لكأنك تجلس أمام مندوبة الجمعيات الدولية داخل الحركة الاسلامية، أية مفاهيم وأية أفكار وأي هوس وأي تشبه بالرجال، ثقافة غربية بلباس إسلامي، مع لعب بالدين، ونحن نعلم جميعا أن اتباع الجمعيات الدولية النسوية هو في حقيقته اتباع لليهود والنصارى في نسخة دينهم الجديدة المعدلة والموحدة، "وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ" [2]، فالذي يتبع النصارى واليهود في سحرهم الحقوقي المزركش بالمصطلحات الحقوقية الرنانة وهو يعلم أن الغاية ليست سوى تدمير قوة الرجل وحياء المرأة فقد تخلى عن ولاية الله ثم راح يلهث في تنطع أبله خلف الفساد العالمي الكبير.

    المدخل دائما هو التراث الديني الاسلامي الذي فيه كل شيء، فيه كل الآراء وكل الاتجاهات، وكل شيء قال فيه الفقهاء قولان، وربما ثلاثة أقوال، فالفقه شيك مفتوح، يستقي منه المتلاعبون بالدين كل أسانيد أفكارهم المستقاة من الأنوار التي أبهرت طه حسين، لذلك كان الاختراق الثقافي أحيانا لصفوف مسؤولي التنظيم أكبر خطر من الاختراق المعلوماتي، ذلك أن الاختراق الثقافي يستطيع أن يوجه التنظيم كاملا التوجيه السياسي المدمر، عكس الاختراق المعلوماتي الذي تكون فيه فعالية المعلومة محدودة خاصة إذا تقادمت وتم تجاوزها، حيث يقع أن تفقد المعلومة فعاليتها بعد مدة فيلزم تحيين قاعدة البيانات المعلوماتية بينما يظل الاختراق الفكري يعمل عمله سنين وربما أجيال.

    سنتجاوز الاختراق الشيعي ونمر عليه مرور الكرام لأن فيه الكثير مما يقال تنظيما وفقها، وهو يدخل ضمن الاختراقات العابرة للقارات ذات النطاق الدولي، لكن يمكن القول أن تداعياته أخطر بكثير من الاختراق الداخلي، فدخول الشيعي على الخط يبعثر جميع الاوراق التي نناقشها الان، إنه يقلب الطاولة على الجميع لفائدة أجندة خارجية مختلفة فكريا ومذهبيا وسياسيا، ويدخل بنا إلى مناقشة موضوعات سياسية حارة وسجالات ثقافية وتاريخية مختلف فيها لم يحسمها الفقه السياسي والديني أمرها.

    الإختراق الشيعي مرامه الدول بأكملها وليس التنظيمات فقط.

    لقد كان الإختراق التنظيمي للجماعات الاسلامية حلم الأنظمة السياسية الحاكمة، وقد تحقق، اختراق تنظيمي وفكري، الاختراق التنظيمي يروم الوصول إلى دفة القيادة وتوجيه التنظيم الاسلامي سياسيا حيث يريد النظام عبر بث رجاله، أما الاختراق الفكري فيروم مسخ الهوية الاسلامية للتنظيم الاسلامي وتحويله إلى حركة سياسية فارغة المحتوى بدون أي أساس فكري أو روحي قوي، بعد ذلك أيضا توجيه التنظيم التوجيه المطلوب بما يضمن استمرار الوضع السياسي على ما هو عليه، أما الاختراق المقابل الذي يريد التنظيم تحقيقه عبر دخول مؤسسات النظام والتأثير فيها فقد فشل فيه هذا الأخير فشلا ذريعا، فالاختراق الأصلي الذي قامت به الأنظمة الحاكمة كشف جميع أوراق التنظيم الاسلامي وجعل عناصره مكشوفة، بل جعل سوأته أيضا مكشوفة يضرب النظام فيها متى أراد، الأمر الذي يفسر انكماش التنظيم نضاليا وإعلاميا في كثير من القضايا الحساسة التي كان يثير الزوابع بخصوصها سابقا مخافة أن يتلقى ضربة موجعة في الأماكن التي يملك فيها النظام أوراقا قوية تشهد على الاختلالات الكثيرة التي تجري فيها.

    إن صغر حجم التنظيم الاسلامي مقارنة مع حجم الدولة الكبير وضعف إمكانياته الاستخباراتية والمالية مع إمكانيات الدولة جعل عناصره مكشوفة وتنظيمه مكشوف غير قادر على بث عناصره داخل النظام إلا بما يسمح به هذا الأخير، يفعل ذلك لتبقى عينه قريبة من المسؤولين التنظيميين، أما العناصر المشاغبة داخل التنظيم المقتنعة بالخط التأسيسي الذي قام عليه القائم بالله، فهي مغضوب عليها من التنظيم، وغير مفيدة للنظام، فهي العناصر التي يُصب عليها البلاء صبا من الطرفين، تكتوي بنار الحرب من الجهتين.

    أما عندما يسخن رأس التنظيم ويحسب نفسه أيام العز التسعيني فإن الأنظمة السياسية تحيل بعض أفراده الذين يتلقون أجورهم من خزينة الدولة إلى التقاعد المبكر، تجبيدة أذنين، لعله ينكمش إلى قواعده، دائرا في حلقته الداخلية المفرغة، يعيد على الناس نفس أسطوانته القديمة اصبروا إن النصر قريب، مسترزقا على الناس سياسيا بمظلوميته المزعومة.

    إن الهزيمة الأمنية للتنظيم الاسلامي جعلته مضطرا إلى تغيير مبادئه، جعلته مستعدا لتقديم مزيد من التنازلات السياسية على حساب مرجعيته الثقافية وهويته الاسلامية، كما جعلت أعضاءه يشكون في قدرة تنظيمهم على إقامة الخلافة الراشدة التي وعدهم بها، أما عامة الناس فإنهم فقدو الثقة تماما في التنظيم الاسلامي كأداة سياسية لتحقيق التنمية وأصبحوا على يقين أنه ليس سوى فرع من فروع الانظمة السياسية القائمة، لكنهم في جميع الأحوال لم يفقدوا الثقة في المشروع الاسلامي الشعبي.

    لقد تميع التنظيم الاسلامي وأصبح مرتعا لأصحاب المصالح ولم يعد عرينا للأسود تتربى فيه الرجال والنساء على ما تربى عليه الصحابة الكرام والصحابيات الجليلات، لم يعد هناك سوى نكهة إسلامية اصطناعية ممزوجة بمواد حافظة لبعض الشكليات وملونات خارجية، مظاهر وألوان ونكهات وتسويق مفضوح لإسلام مزور توحي للناس بكون التجمع البشري هو مشروع إسلامي خالص، بينما الحقيقة أنه سراب زائف.

    لقد هرب أصحاب اللب والمضمون واختفى الكثير منهم وأصبحوا أحلاس بيوتهم، هربوا بالمعنى وتركوا الشكل للتنظيم الذي يحلو له البريستيج والنفاق والزواق، التنظيم الذي يعجبه أصحاب الياقات والسيارات والكلام الممزوج بقليل من الفرنسية وعبارات التخنث من قبيل "الاريحية" و"التنسيق" و"الاكراهات" و"الاشكالات" واللائحة طويلة من المصلحات المخنثة التي دخلت التنظيم، لقد كان فيما مضى أسدا قويا ثائرا غاضبا لله منافحا عن شريعة رسول الله، لم يعرف الاريحية والاكراهات كل ما كان يعرفه هو العقبة والاقتحام والقوة والصبر والمصابرة والكلمة الصريحة الواضحة والموت في سبيل الله.

    لقد تم الإختراق بنجاح، ولا أريد أن أتهم قيادات مركزية بالخيانة لأن الأدلة غير ثابتة، فهي مجرد شكوك رغم ما يتناهى الى مسامعنا من تسلل مفصولين سابقين على أساس التخابر قد تم إدماجهم على مستوى مجلس الارشاد، لكن المؤكد الآن أن عناصر الاختراق ترتع وتمرح في طول التنظيم وعرضه بكل حرية، وأصبح هذا الأخير يتعايش مع هذه الظاهرة بكل واقعية بل ويستعين بها على قضاء مآربه، وقد سمعت من ثقات غير ما مرة أن بعض المسؤولين يستعينون بعناصر الاختراق لقضاء بعض أغراضهم الشخصية، يتدخل هؤلاء بما لهم من دعم ويقضون الغرض ويقللون العثرات، بل إنهم يُقرضون المسؤولين مبالغ مالية ضخمة يلوون بها أذرعهم لاحقا، او يتشاركون معهم في مشاريع اقتصادية مربحة تضمن الجهات المعنية نسبة نجاحها أو يسلمونهم أسواقا حصرية، إننا الآن أمام اختراق مكثف معلن واضح مُتعايش معه، وليس من الغريب أن نسمع قريبا عن تحولات كبيرة في توجهات التنظيم السياسية والفكرية والتربوية.

    الاختراق يتسلل إلى القاعدة ثم يمر من الهياكل ثم ينتهي بالقيادة، وأحيانا يسلك مسلكا معاكسا حيث ينزل من القاعدة ويتهيكل في التنظيم ويترسخ في القاعدة، وما دام الاختراق لم يتغلغل في القيادة فهو اختراق ناقص يرجى علاجه وقطع أياديه أما عندما يقرم في القيادة فهو اختراق مكتمل الاركان لا دواء له سوى الثورة على مجلس الارشاد وتأسيس تنظيم جديد بهياكل جديدة.


    📌 الهوامش

    1. [1] الحج، 6
    2. [2] البقرة 145

  • الانقلاب التنظيمي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 24 من 77 — فهرس الكتاب

    الاختلال في مؤسسة الطاعة لا يكون فقط في اتجاه العبودية، بل قد يجنح متطرفا نحو الاتجاه الآخر وهو الانقلاب، والانقلاب نوع من الغدر وعدم الانضباط، الانقلاب فن يُـتقنه دهانقة التنظيم ويمارسونه بحرفية كلما اقتضت ضرورة المصلحة ذلك، والانقلاب له علوم وفنون وطرق عديدة وأساليب مختلفة وغايات متعددة وتقنيات خاصة وأهداف كثيرة، فهو قد يشمل الافراد في مختلف مستويات التنظيم، وقد يطال مؤسسات تنظيمية بأكملها، كما أنه مُتصور أن يقوم به فرد وقد تُخطط له وتنفذه مؤسسة، وبذلك يكون نطاق الانقلاب شاملا لجميع الافراد والمؤسسات داخل التنظيم ابتداء من المرشد العام إلى نقيب الاسرة مرورا بقطاعات كثيرة.

    إن الطاعة في حالتها الطبيعية هي قوام التنظيم وفكرته الاساسية، فلا جند دون طاعة، ولا نظام دون طاعة، ولا تنظيم دون طاعة، ولا مجتمع دون شعب ينطاع للحق والقانون، لكن قبل الطاعة هناك مسطرة يجب سلوكها لتقوم الطاعة على أساس غير فرعوني، وهي فلسفة النظم الديمقراطية التي تحترم الانسان ولا تستعبده، لكن ورغم ذلك تبقى الطاعة مؤسسة فكرية ضرورية خاصة في مواجهة تلك العناصر المريضة التي تتسلل إلى التنظيم لقضاء مصالحها الشخصية، هذه العناصر الوصولية لا تستحمل الطاعة بل تستقذرها لحاجة في نفسها وهي الوصول الى السلطة، إنها تنظر دائما إلى المسؤول نظرة عدوانية وترى كل قرار يتخذه المسؤول ضربا في أطماعها، شخصيات لا تحتمل الانصهار في الجماعة، بل تبقى فريدة منعزلة دائما تخطط لمصالحها ولا تطيع الاوامر إلا على مضض متربصة ريثما تحين ساعة الانقلاب.

    الانقلاب بالنسبة إلى هذه العناصر المريضة هو أسلوب حياة، دائما من انقلاب إلى انقلاب.

    لابد أن نشير هنا إلى أن هذا المرض لا يعني في عمقه بذور الحرية، بل هو دليل على عبادة النفس وفساد الضمير، الحرية جميلة دون انقلاب والطاعة ضرورية دون استعباد، ولكل نطاقه وحدوده، وبينهما برزخ لا يبغيان، فالعناصر الصالحة تذوب مع إخوانها وتستحلي طاعة الله والرسول دون الوقوع في عبودية البشر والخنوع الذليل للمسؤول، عناصر تمُيز جيدا بين الطاعة بالمعروف الخالصة لوجه الله والطاعة العمياء بالمعنى الإمعي العبودي، فهناك شعوب تعشق الحرية وتموت من أجلها، فترسي بلدانها على خط الديمقراطية والحرية والازدهار والعزة، وهناك شعوب ذليلة حقيرة خنوعة تستحلي الركوع فتؤسس بلدانها على ثقافة الركوع، وهناك شعوب مارقة تعشق الانقلابات، لا يعجبها أمير ولا تطيع زعيما، تنادي دائما بالإصلاح حتى إذا قام فيها شريف غدروا به، شعوب مريضة عاشقة للتنطع والتسيب، فهي في قاع الأمم لا محالة. كل أمة تعيش بما كسبت أيديها.

    أما التنظيمات ففي كل تنظيم نماذج من هذه الحثالة الانقلابية التي تمص خيرات التنظيم وهي مستعدة في نفس الآن لتقلب الطاولة على الأمراء ولو كانوا صالحين، أخطر ما في الأمر أن هذه العناصر تتكتل أحيانا وتشكل لوبيات موازية للتنظيم تلعب برؤسائه من بعيد، ثم تضغط كل حين لتنفيذ برامجها غير المعلنة، فالصالحون داخل التنظيم مستهدفون دائما، سواء كانوا أعضاء أم مسؤولين، في الحالة الاولى مستهدفون بالتركيع والاذلال والتسخير للمصالح الشخصية والخندقة، وفي الحالة الثانية مستهدفون بالانقلاب أو لوي الذراع بوسائل الضغط غير المباشرة، وقد تلتقي هذه العناصر فتمارس الاكراه على من تحتها والانقلاب من فوقها، هنا فقط يجب أن يعمل سيف الفصل عمله لا أن يستعمل انتقاما من الدراويش عند زيارة ولي صالح أو رغبة في زوجة ثانية أو إسكاتا لصوت ينظر بأفكار مختلفة.

    الفصل كعقوبة تنظيمية مجاله هو أمثال هذه العناصر التي تُعشعش داخل التنظيم وتخربه ذات اليمين وذات الشمال ومن فوقه ومن تحته، لكن كيف للتنظيم أن يحارب الانقلاب وقيادته انقلابية، ثم كيف يحارب الانقلاب في ظل ثقافة الخنوع للمسؤولين، لن يستطيع التنظيم الانتباه إلى هذه العناصر الخطيرة إلا إذا كان يمتلك آليات تنظيمية قانونية ومؤسساتية تضمن حرية التعبير داخل الصف ثم أجهزة قضائية تستمع من الطرفين وقانون لا يُحابي أحدا، دعني من الذين يقولون بأن الآن لم يحن، لا يا سيدي لقد صبرنا عشرات السنين على طغيان المسؤولين، فكفى من التأجيل، لقد كان الصمت ضرورة ريثما يقف التنظيم على قدميه، لقد وقف التنظيم الان على رجليه ومشى وجرى وذبح الناس وطحن الكثير، يكفي إذن، فقد آن الاوان لخلق أجهزة قضائية في أسرع وقت لأنه في حالة النكوص عن إقامة العدل داخل التنظيم فإن طغيان المسؤولين سيزداد، الوقت لا يرحم، والنتيجة أن هذا التنظيم سينهار على أم رأس قادته وتابعيهم.

    لقد حان الوقت للضرب بأيدي من حديد على رؤوس الفسدة داخل التنظيم وإيقافهم عن حدهم كي تكون للمطالبة الخارجية بالعدل مصداقية ومعنى، فاقد الشيء لا يعطيه، ولا أتصور تنظيما يغزوه الظلم من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بمقدوره إحقاق الحق يوم يسيطر على مفاصل الدولة، سيقوم بنفس الامر، سيستحلي حالة الطوارئ الدائمة [1] ويقهر هذا ويفصل ذاك ويظلم الناس مُدعيا أن الوقت لم يسنح لإحقاق الحق، سيطلب مزيدا من الوقت حتى تقوم الدولة على قدمين، وفي تلك السنوات سينتشر الفساد وتتمكن القيادة ويتمأسس الظلم بنفس الطريقة التي انتشر بها داخل النظام المنهار.

    نرجع إلى الانقلاب، هل هو تصرف كائن فعلا داخل التنظيم الاسلامي؟ وهل يُتصور داخل تنظيم يطمح إلى إقامة الدولة الاسلامية أن يكون الانقلاب شيمة المسؤولين فيه؟ دعونا أولا نشرح مفهوم الانقلاب ونعطي له دلالات واضحة ثم نقوم في خطوة ثانية بإسقاط المفهوم على واقع التنظيم الاسلامي الذي عرفت.

    يُعرف الانقلاب على أنه حركة سياسية أو تنظيمية ينتج عنها إزاحة سلطة حاكمة بفعل مجموعة تنتمي إلى نفس السلطة، فإذا وصلت هذه المجموعة إلى السلطة سمي الامر انقلابا، وفي الانظمة السياسية غالبا ما يقود الانقلاب مجموعة تنتمي إلى العسكر، هذا هو النمط الكلاسيكي للانقلاب، فيستخدم الجيش القوة المسلحة وينقض على السلطة ويحتل مقر الاذاعة والتلفزة الرسمي ويذيع خبر انتقال السلطة إلى قيادة الجيش، على أن الفكر المعاصر يضيف بعض الانقلابات المدنية التي توصل الحركات الفاشية الى السلطة ويعتبرها انقلابات، والعنصر المميز هنا بين الانقلاب والثورة هو عنصر الزمن، فالثورة تأخذ سنين وربما عقودا، بينما الانقلاب يكون بين ليلة وضحاها، فعنصر المباغتة أمر حاسم في لعبة الانقلاب، إضافة إلى أن الثورة تقع من خارج المنظومة، بينما يقع الانقلاب من داخلها.

    نتحدث هنا عن انقلابات سياسية في الدول [2] وليس انقلابات تنظيمية، والدول العربية نموذج للانقلابات العسكرية خاصة في القرن العشرين الذي عرف عشرات الانقلابات العسكرية على امتداد الوطن العربي [3]، على أن هناك نوعا آخر من الانقلابات الهادئة التي لا تتسم بالطابع العسكري، فعنصر الزمن يطول فيها وهنا يمكن الحديث عن ثورة بيضاء، والنتيجة في نهاية الأمر واحدة وهي إحداث انقلاب في هياكل التنظيم أو الدولة، هذا الانقلاب الهادئ غالبا ما يكون نتيجة صعوبة الاطاحة بالمنقلب عليه إما لقوته السياسية أو العسكرية أو لكاريزميته وشعبيته الكبيرة، فلا يتقبل الناس سقوطه ببساطة، فيلزم حينها وقت طويل حتى يحدث الانقلاب ويتقبل الناس صعود شخص أو نظام آخر إلى سدة الحكم.

    هل حدث هذا في التاريخ الاسلامي؟ نعم، يمكن الحديث عن انقلاب معاوية، فهو أول انقلاب في تاريخ الدولة الاسلامية، ابتدأ تسربا وانقلابا تنظيميا لطيفا ثم ما لبث أن تحول الى انقلاب سياسي عسكري مُسلح.

    إن ما يفعله الانقلابيون اليوم داخل التنظيم الاسلامي هو نفسه ما قام به معاوية بعد العهد النبوي، نفس الفكرة ونفس المنهج، فدائما هناك علي ومعاوية داخل التنظيم الاسلامي، في كل زمان ومكان، فمعاوية كل زمان يعرف كيف يلعب بمصطلحات الشورى ويخلط بين الحكم الشوري والحكم الاستبدادي بأحاديث الطاعة والولاء، ومعاوية دائما يستعمل بن عاص زمانه، شخصية ذكية داهية تستطيع ان تلعب بالدين وبالمصطلحات الاسلامية لتبرر وصول الانقلاب الاموي إلى السلطة والاطاحة بعلي، بن عاص كل زمان هو كل رجل باع آخرته واشترى دنياه واستخدم دهاءه لنصرة الاستبداد، وعلي كل زمان هو الرجل الشاهد بالقسط [4]، الرجل الامام الذي لا يستعمل أدوات المكر والخداع رغم علمه بها، يواجه معاوية كل زمان، الانقلابي المبثوث داخل الصف الاسلامي.

    يطول الحديث عن الانقلاب الأموي وكيف قلب موازين السلطة في التنظيم الاسلامي الأول، لكننا نحاول أن نصل إلى نتيجة واحدة، وهو أن الانقلاب كائن وحقيقة داخل التنظيم الاسلامي، وإذا كان حدثا تاريخيا في التنظيم الاسلامي الأول فإنه الان حدث جغرافي في التنظيمات الاسلامية، ولو كان التنظيم الاسلامي اليوم بريء من الانقلابات لكان التنظيم النبوي أيام علي أحق بالبراءة من الانقلاب، لكن الحقيقة الساطعة أن داخل كل تنظيم اسلامي انقلابيون يسعون إلى السلطة، تغريهم الدنيا بزخرفها فيبيعون آخرتهم ويخونون العهد ويكيدون ويتآمرون للانقضاض على السلطة، تبرق في أعينهم حلاوة الرئاسة، فينقضون عليها بالطرق الانقلابية الخسيسة.

    أحيل من يريد أن يطلع على أساليب الانقلاب إلى كتاب " تقنيات الانقلاب " لمؤلفه الايطالي كورزيو مالابارتي.

    التنظيم الاسلامي ثورة هادئة في وجه الانظمة السياسية العربية، والانقلاب داخل الصف الاسلامي انقلاب لطيف على ثورة، تماما كما انقلب نابوليون على الثورة الفرنسية [5]، فالانقلاب خيانة للثورة، طعنة في ظهرها، تحويل لمسارها وتغيير لرموزها، وهو يتم داخل التنظيم الاسلامي بطريقة هادئة، حيث تُستدعى النميمة [6] أولا بطريقة توحي كأن النمام ينصح لله، ثم تتبعها التعبئة التحتية وتنزيل الاخبار المغلوطة وتوجيه الرأي العام الداخلي نحو إسقاط المستهدف، بعدها يتم التركيز على خلق عقبات متنوعة أمام الشخص المطلوب رأسه وإثارة المشاكل حوله، بعدها يتم ترصد ساعة الصفر واستغلال حدث ما كالانتخابات الداخلية أو اقتناص أخطاء تنظيمية أو أخلاقية يقع فيها جراء الضغط الممارس عليه تنظيميا وعصبيا واجتماعيا، ثم أخيرا يتم سحب الاجهزة من تحت يده ورميه الى الهامش، ومهما اختلفت الحالات فالغاية واحدة، وهي الانقلاب على المعني بطريقة سلسة، وتغيير القيادة والمنهج بطريقة لا تترك أي أثر خلفها.

    برودة الاعصاب هنا طريق سالكة للنجاة من الانقلاب.

    لقد مررت بهذه التجربة شخصيا، وشاهدت حالات كثيرة مشابهة حدث فيها انقلاب على الشرعية داخل التنظيم، ولذلك أقول إن معاوية فكرة، والفكرة لا تموت، تعيش دائما داخل التنظيمات، فعندما كنت مسؤولا تنظيميا على منطقة معينة كان دائما هنالك شخص خلفي يطمح إلى الإطاحة بي، كان يغلي شوقا إلى السلطة، وكنت أراه، وأرى تحركاته هنا وهناك يعبئ للإنقلاب بالنميمة وتهييج الرأي العام الداخلي، وكنت أدعه يعمل وأدعه يسير لأنني لم أكن حريصا أبدا على المسؤولية التنظيمية، هي فكرة تربوية كنت مقتنعا بها مفادها أننا يجب أن نُخرج حب السلطة من قلوبنا وأن لا نسعى خلفها إلا إذا كُلفنا بها، ولذلك لم أكن أبذل أي مجهود لأرد عليه بتعبئة مضادة أو نميمة مقابلة، كنت أراه يعمل للإنقلاب فأبتسم وأتسامح بل وأساعده على الانقلاب بترميزه والدفع به إلى الواجهة.

    غلط تنظيمي.

    هذا التعامل التربوي الذي لا يصلح في عالم التنظيم والسياسة كان يحمله صديقنا على محمل الضعف مني وعدم قدرة على نهج طريق النميمة والتعبئة، والحقيقة أنه كان يمكنني بكل سهولة أن أسلك مسلك النميمة والغيبة والتشويه والتزلف للمسؤولين الاكبر مني بالمداهنة واستغلال مقدرات التنظيم وسلطاتي التنظيمية المطلقة لتصفيته تنظيميا، لكني لم أفعل ذلك معتقدا أن ذلك لا يتماشى مع الاخلاق والدين والتربية الايمانية، كان قلبي الطيب يردعني وكانت التربية تقف حائلا أمامي، لكن المهووس بالتنظيم والمسؤولية التنظيمية كانت القوة بالنسبة إليه وبالنسبة إلى مسؤولي التنظيم عامة أن المسؤول القوي تنظيميا هو الذي الشخص الذي لا يستحي ولا يخاف الله في ما يتعلق بالفصل التنظيمي والنميمة التنظيمية، هو الشخص الذي يحيك المؤامرات بكل راحة ضمير دون أن يرمش له جفن، القوة بالنسبة إليه هو الحقارة التنظيمية والتربوية المعلنة ضُحى، بينما الاخلاق والتربية ضعف تنظيمي وعجز وقلة حيلة، معاوية فكرة والفكرة لا تموت، الانقلابي كان يعتقد القوة في المكر والضعف في الخلق، فاستعمل معاوية مكره واستعمل علي تربيته، انتصر معاوية وانهزم علي ظاهرا، وانتصر عليٌ وانهزم معاوية حقيقة.

    عجيب أن ينتصر المكر على التربية، لا أدري لم؟ لكن الله وضع هذا الناموس، فهمت هذا بعد أن أطاح بي عاشق السلطة عبر انقلاب تنظيمي عبأ له تحتيا في المجلس الذي كنت أسيره بينما كنت أعبئ في اتجاه الدعوة والتربية بتفان في مهمتي الادارية، لقد عبأ أيضا فوقيا عند المجلس الذي فوقنا وأقنع المسؤولين هناك بكفاءته وقوته وكثرة مناصريه وبرامجه التي يعتزم القيام بها بعد الاطاحة بي، كان يتقن المجاملة والمسكنة والمداهنة والتسويق لفهمه السديد ويعرف كيف يركع ويتمسكن ويتمرغ بين أيدي المسؤولين ويبدي صفحة وجهٍ تربوي متدروش، والمسؤولون يعشقون من يسيطر على من تحته، ويتمرغ عبودية بين يدي من فوقه، يسمونه القوي الأمين.

    لقد فهمت الآن أن التربية الجاري بها العمل هي المكر التنظيمي، وليست الطقوس التعبدية التي نمارسها في الخلوات، التربية ليست هي حسن النية والأخلاق الحسنة [7]، بل يضاف إليها الأخلاق السيئة التي نحمي بها مراكزنا التنظيمية، ولذلك أعتقد أن الرجل الطيب يجب أن يكون ماكرا داخل التنظيم، فلا ينبغي التعامل مع مسؤوليات التنظيم بحسن نية وبأخلاق الاسلام التي نتعامل بها مع عامة الناس، إن بعض المسؤولين داخل التنظيم ليسوا سوى ذئاب وثعالب يجب التعامل معها بكل قسوة وعنف ومكر وخبث ووحشية مع كل راحة ضمير، تذبحه ولا تقول أنك ذبحته، تطعنه في كواليس التنظيم وتبتسم في وجهه ابتسامة ايمانية حنونة.

    لكن ومع كل أسف فهمنا هذه التربية الأموية الميكيافيلية متأخرين بعد أن أطاح بنا الماكرون من مراكز التأثير الداخلي، ولو عادت بنا الكرة فسنتعامل بكل وحشية ومكر لنثبت أن النميمة والغدر ليسا بالشيء الصعب.

    إن كل علي يخسر الحرب مع معاوية جراء تعامله مع الذئب بوداعة التعامل مع الحمل، ودائما يحاول جنود علي الطيبون أن يستعملوا الصفاء والنية الحسنة مع جنود معاوية الماكرين الخبثاء بينما معاوية لن يفهم إلا صوت المكر يقطع عليه استفراده بمكاسب انفراده بالقرار التنظيمي.

    أي نعم صحيح أن الاخلاق تفرض علينا معاملة الناس بحسن النية والخلق الرفيع، لكن طيب الاخلاق لا يكون داخل تنظيم أموي.

    إن المآسي التي تقع بعد سقوط علي من على رأس التنظيم كثيرة وآثارها مهولة، يتشرد الاطفال وتنتهك حرمة النساء وتذل الرجال، فكيف نتعامل بحسن نية مع المجرم ونجني على الابرياء؟ كيف نرحم المجرمين ونقتل الطيبين؟ واضح أن المكر يجابه بالمكر، والخداع بالخداع، والتعبئة بالتعبئة، والنميمة بالفضح، والغيبة بالغيبة، والدعاء بالدعاء، وشراء الذمم باستمالة القلوب، والكلام بالكلام، والفعل بالفعل، والسيف بالسيف، فمعاوية الانقلابي لا يكفيه سقوط علي، بل هو يعمل بعد إسقاطه على تشويهه سنوات داخل التنظيم حتى تروح هيبة علي نهائيا [8]، يقتل عليا مادة ومعنى، المسؤول التنظيمي الانقلابي لا يكتفي بفصل المسؤول الطيب، بل يعمد بعد ذلك إلى استمرار التشويه حتى يطمئن إلى عدم رجوع المطاح به نهائيا، يبيت خائفا من طيف علي، فيحاول أن يستأصل شأفته نهائيا بالتشويه الداخلي عبر تعليمات تنظيمية كي يضمن الراحة والاستقرار والعبودية له على الكرسي التنظيمي.

    أكتب هذا بقلب حزين ونفس جريحة وخيبة أمل كبيرة، لقد وقفت على انقلابات كثيرة داخل التنظيم، ورأيت كيف تنسج وتنفذ، وهناك طرق أخرى أكثر خبثا تستدعى فيها أجهزة التجسس والبحث في الحياة الشخصية، رأيت كيف يذبح المسؤول الأخ حسن النية بعد أن ينجح الانقلاب، الأخ الدرويش يحسب أن تربيته ستنفعه، يحسب أنه ولي لله ستحميه العناية الالاهية، لكنه بعد الانقلاب يخسر التنظيم ويخسر التربية أيضا، فالهزيمة التنظيمية قاسية على القلب والروح، والشخص الحنون تنظيميا الرحيم تربويا يخسر دائما ويصفى تنظيميا وتربويا، يفهم ذلك لاحقا حين يتبين له أن التصفية لم تكن تنظيمية فقط، إنه يجد أن ما فرط من أجله وهو التربية هو أول شيء يخسره بعد خسرانه موقعه في التنظيم، فالتربية هنا لصيقة بالتنظيم، ومتى فقدت التنظيم فقدت التربية.

    كان على الدرويش أن يفهم أن الأمور تغيرت ولم تعد تقاس التربية بالمفهوم الصوفي، وتبعا لذلك وللحفاظ على التربية يجب المحافظة على المركز التنظيمي، وما غفل عنه الطيب الكريم أن التنظيم كله انقلابات صغيرة، أينما وضعت رجلك وجدت انقلابا أو مشروع انقلاب، وهناك الانقلاب الكبير، الانقلاب على الولي المرشد، لكن هذا الانقلاب له أبعاد أكبر وطرق أكثر دقة وخطورة ويتطلب وقتا طويلا وعملا سريا وعمالة خارجية وشبكة تنظيمية قوية تحت السيطرة وشغلا آخر، فقط اتفق معي على أن الانقلاب أسلوب حياة داخل التنظيم، فإذا لم تكن انقلابيا أو متحيزا إلى انقلاب وقع الانقلاب عليك.

    لقد كنت غبيا فعلا عندما اعتقدت سنين طويلة أنني مع إخواني في الله داخل التنظيم الاسلامي، لقد كنت ساذجا حسن النية، والأصح أنني كنت حمارا كبيرا، كيف اعتقدت كل هذه السنين الطويلة أنني مع إخوان الآخرة؟ حتى إذا حانت ساعة الحقيقة وجدت أن أكثر من أحببتهم في الله كانوا أفاعي تنظيمية تتمنى الفرصة لتلذغني، إنها صدمة العمر أن تقضي في التنظيم الاسلامي خمسا وعشرين سنة من العمل الصادق الجاد والقلب الصافي ثم تكتشف أنك كنت مخدوعا بالله [9]، تكتشف بعد أن قضيت زهرة شبابك في التنظيم أنك لم تكن تعني شيئا للتنظيم منذ البداية، تقف على حقيقة مفادها أنك كنت مجرد رقم تنظيمي تم استغلاله ثم تمت تصفيته بعد استنزافه وانهياره العصبي.


    📌 الهوامش

    1. [1] قانون الطوارئ هو قانون لا يصبح نافذاً إلا بمرسوم يعلن إطلاق الأحكام العرفية أو ما يسمى حالة الطوارئ. يمكن فرض حالة الطوارئ على البلاد كافة أو على جزء منها كما تحدد بعض الدساتير فترة زمنية محددة لفرض حالة الطوارئ لا ينبغي تجاوزها. يتضمن قانون الطوارئ سحب بعض الصلاحيات من السلطات التشريعية والقضائية وإسنادها إلى السلطة التنفيذية مما يمنحها صلاحيات واسعة جداً. كما يتضمن قانون الطوارئ عادة خروقات لحقوق وحريات المواطنين مثل إلقاء القبض على المشتبهين لفترات غير محدودة دون توجيه اتهام لهم أو منع حق التجمع أو منع التجول في أوقات أو أماكن محددة. تسيء بعض الدول استخدام حالة الطوارئ وخاصة الدول الاستبدادية لفرض حكمها وسلب الشعب حقوقه.
    2. [2] الانقلاب هو إزاحة مفاجئة للسلطة الحالية بسلطة جديدة تتولى أمور الدولة. يكون الانقلاب من أشخاص ينتمون إلى مؤسسة الدولة، قد يكون الانقلاب عسكرياً أو مدنياً أو خليطاً من كليهما، لكنّ الأغلب أنه يكون عسكرياً، ويكون الانقلاب ناجحًا بوصول السلطة الجديدة للحكم وقد يفشل أحيانًا فتصير البلاد إلى حرب أهلية أو تعود السلطة القديمة أو تنقلب سلطة جديدة على السلطة المنقلبة.
    3. [3] 1ـ سوريا: إجمالي 34 انقلاب، 9 ناجح، 25 فاشل2ـ جزر القمر: إجمالي 24 انقلاب، 20 نجح و4 فشل3ـ السودان: إجمالي 16 انقلاب، 3 ناجحين، 13 فشلوا4ـ موريتانيا: إجمالي 7 انقلابات، 6 نجحوا، 1فشل5ـ ليبيا: إجمالي 7 انقلابات نجح واحد، 6فشلوا6ـ اليمن: إجمالي 7 انقلابات، نجح 5، وفشل انقلابان7ـ العراق: إجمالي 6 انقلابات، نجح 3، وفشل 38ـ المغرب: 6 محاولات انقلاب فاشلة9ـ لبنان: إجمالي 3 انقلابات، نجح اثنان وفشل واحد10ـ الجزائر: بإجمالي 3 انقلابات، نجح اثنان وفشل واحد11ـ قطر: انقلابان أبيضان ناجحان12ـ مصر: انقلابان13ـ تونس: انقلابان، أحدهما نجح والثاني فشل15ـ عمان: انقلاب السلطان قابوس على والده.
    4. [4] قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط (سورة المائدة، الآية: 8) الشاهد بالقسط القائم لله هو المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات. هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس، ولا يقعقع له بالشنان. هو المؤمن المسؤول. حوله تتألف الجماعة يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان، وبلطف معشره ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة. هو المجاهد القادر على بعث الإرادة الجهادية في الآخرين، وعلى توجيه التربية والحركة قبل قيام الدولة الإسلامية وبعدها. إنه تغيير واقع أمة فلا بد له من رجال أوتاد يمنعون الخيمة أن تعصف بها الرياح. حامل أعباء التربية والجهاد ينبغي أن يكون مركز إشعاع إيماني، ونموذجا للنشاط والإنجاز والضبط لمن حوله. هذا هو النقيب المرشد. هو حجر الزاوية في البناء لا قيام للجماعة بدونه. هو رجل الدعوة والدولة معا. عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي.
    5. [5] يسميها الفقه الاسلامي الان قومة اقتداء بقومات آل البيت عليهم الرضوان، والقومة تختلف عن الثورة التي تحمل معاني العنف والتدمير، فالقومة تحمل معاني القوة لا العنف، وتحمل معاني الغضب في وجه الظالمين لكن مع عقلية البناء والصبر، فهي عملية طويلة وبناء طويل قد يطول أجيالا، لا ينحصر مفهومها فقط في السياسة بل يطال قطاعات أخرى تربوية وفكرية.
    6. [6] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَرْنَا عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَامَ، فَقُمْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ لَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ حَتَّى رَعَدَ كُمُّ قَمِيصِهِ، فَقُلْنَا: مَا لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ » قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذَانِ رَجُلَانِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ»، قُلْنَا: مِمَّ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ»، وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».
    7. [7] " أمام العصبة المجاهدة مهمات كالجبل، الاستعداد لها يتنافى مع الغفلة والسذاجة التي يسميها العامة طيبوبة القلب، السذج بسطاء العقول خطر على الدعوة. لأن الواحد منهم يحسب أن الورع الفردي كفيل وحده بتغيير الواقع. ." المنهاج النبوي، ص190
    8. [8] نقل المؤرخون أن معاوية وجه إلى جميع ولاته وعماله في الأمصار يأمرهم بالدعاء على علي وآل البيت.
    9. [9] يقول ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن عمر، " وَكَانَ إِذَا أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ ماله يتقرب بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ عَبِيدُهُ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا لَزِمَ أَحَدُهُمُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَآهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَعْتَقَهُ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُمْ يَخْدَعُونَكَ، فَيَقُولُ: من خدعنا للَّه انْخَدَعْنَا لَهُ".

  • أجهزة الإعلام عندما تتوجه إلى الداخل

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 23 من 77 — فهرس الكتاب

    الإعلام سيف ذو حدين، حد يُوصل به التنظيم برامجه وأفكاره إلى الاغيار، وحد آخر موجه للحرب السياسية والقتل المعنوي، بمعنى أن التنظيم يستعمل الاعلام ليحارب به النظام السياسي القائم كما يقتل به العناصر غير المرغوب فيها داخل التنظيم، فالإعلام سلاح يستعمل هكذا وهكذا، حسب الطلب.

    الواجهة المعلنة مكتوب على بابها أن الاعلام وسيلة للتواصل وإخبار الغير بما لدى التنظيم من برامج تأطيرية فاعلة ونوايا سياسية حسنة وغايات تربوية طيبة، فهو وسيلة فعالة لقطع هاجس الخوف وسوء الظن الذي يعتري الناس تجاه كل فاعل سياسي ودعوي قوي معارض خاصة اذا كان اسلاميا، ثم مد جسور التواصل مع الفرقاء السياسيين وعامة الشعب وقطع مادة سوء الفهم، لكن في أحيان أخرى يكون الاعلام خصما حقيرا وسلاحا خبيثا، جهاز يبث الاكاذيب والاشاعات والافتراءات عبر ميليشياته الاعلامية فيضرب النظام السياسي تحت الحزام مستغلا كل هفوة شخصية، نفس الامر بالنسبة الى الاعضاء الذين يريد التنظيم تصفيتهم تنظيميا ورميهم خارج الهياكل.

    هذا الأمر وقفت عليه وعانيت منه بشدة، وعانى منه كثير من المؤمنين، ولا يزالون يعانون منه إلى يومنا هذا، لقد كنت عضوا لسنوات في قطاع الاعلام، وأعرف كيف تجري الامور، أعرف كيف يتم ترميز فلان وإنزال فلان، وأعرف الاعلام الموازي الذي يمتلكه التنظيم منافسا بذلك الاعلام الذي ينتمي إلى قطاعات الجهاز السياسي، وأعرف الإعلام الصغير في الهياكل التحتية الذي يشرف عليه المسؤول المحلي البسيط، وأعرف حتى الخبر المقدس الذي ينزل عبر تراتبيته التنظيمية فيصل إلى الأسر التنظيمية التي تستقبله بكل تقديس.

    العمل الاعلامي عندما يتوجه إلى الخارج يكون أصحابه في خطر شديد، فلا أحد يحب الشفافية و الوضوح، وقد كنت أرمي نفسي في هذا الخطر موتا في سبيل الجماعة عندما كان لي يقين تام في صلاح القيادة وحرصها على الآخرة وعلى الشريعة الاسلامية وعلى العدل والاحسان، لكن بعدما بدأت أجد نفسي وحيدا في معمعان المهالك مع نظرة التشفي من القيادة ونظرة الاستهزاء منها صرت أتراجع قليلا قائلا نحن لسنا مع الرجال.

    العمل الاعلامي شيء خطير عندما يتوجه إلى الخارج لكنه غير خطير على العاملين فيه عندما يتوجهون بسهامهم إلى الداخل، فليس للإعلام من رادع عندما يتوجه إلى المؤمنين ليشكل صورتهم الداخلية، يصبح الاعلام هنا أداة قاتلة لجريمة تنظيمية لا يعاقب القانون عليها لأنها تتم في بيئة تنظيمية مغلقة لا قضاء فيها ولا قانون.

    سنحوم حول مفهوم الاعلام ودوره في السياسة عامة والتنظيم الاسلامي بصفة خاصة قبل أن نرجع إلى التنظيم ونناقش كيف يستعمل مؤسسة الاعلام.

    يوصف الاعلام بأنه السلطة الرابعة، هذا الوصف يُظهر مدى قوة المؤسسة الاعلامية وتأثيرها على النسيج السياسي والثقافي والدعوي، فالإعلام مستودع وخزان لحفظ المعلومات، يزوّد الأفراد والمؤسسات بالمعلومة وآخر المستجدات، لكن أهم دور له هو قوة تأثيره على الآخرين عبر ترويج المعلومة بالطريقة التي يراها وفي الوقت الذي يراه، فهو يستطيع تغيير اتجاه الرأي العام مائة وثمانين درجة، كما يمارس الدعاية الإعلامية الكاذبة التي يستطيع من خلالها تحريف الحقائق وتدمير الشخصيات الناجحة والتلاعب بحياتهم بالتلفيق الكاذب، وفي نفس الوقت يستطيع أن يرفع آخرين وهم أحقر من الحقارة وينزلهم مرتبة التقديس.

    وهذا أخبث دور يلعبه الاعلام، وهو قلب الحقائق وتزييف الشخصيات.

    الإعلام وسيلة فعالة لنشر الوعي والثقافة والرقي بالمجتمع إلى مراقي العلم والوعي والرشد والمشاركة السياسية الفاعلة بعيدا عن الإمعية، هو وسيلة سياسية قوية ضد الفساد، سيف مصلت على رقبة الحكومة والبرلمان والقضاء عن طريق فضح الالاعيب السياسية وكشف الجرائم الادارية، ولذلك فهو سلطة رابعة عندما يكون مستقلا، وجميع هذه السلط تخطب ود الاعلام دائما وتتقرب إليه بالفرض والنفل راجية منه تشريفا على الملأ وفتح أبواب ظهور ودعاية داعمة وتقديم مشرف إلى الجمهور، وفي الجهة المقابلة تخاف منه دعاية مُغرضة وتشويها وتقديما إلى الجمهور في مظهر فاضح، فالإعلام هو البوق الذي يستمع إليه الناس ويأخذون منه أخبارهم ويصدرون قراراتهم السياسية بناء على ما يتداوله عبر أجهزته السمعية والمرئية والمقروءة.

    ونلاحظ اليوم صراعا بين الاعلام الرسمي والاعلام غير الرسمي، فإذا كنا إلى عهد قريب نتحدث عن إعلام رسمي يلعب وحده على ملعب الرأي العام فإننا اليوم وبعد الطفرة الاعلامية اصبحنا نتحدث عن إعلام رسمي وإعلام آخر خارج عن السيطرة الرسمية، تحاول السلطات الرسمية كبح جماحه عبر سن قوانين جنائية تحافظ على الحسم الاعلامي لصالح الاجهزة الرسمية، لكن هذا الأمر سبب في نزول مصداقية الاعلام الرسمي وتزايد يقين الناس في كذبه وتضليله، فأصبح الاعلام البديل أكثر مصداقية لدى الناس، هذا الاعلام بيد الشعب وموجه إلى الشعب دون وساطة الدولة، وأغلب الناس اليوم يستقي أخباره من مواقع التواصل الاجتماعي، المنبر الاعلامي الذي يتحدث فيه الجميع، وهو ما يستغله التنظيم الاسلامي بشكل خفي لتمرير انتقاداته السياسية أو لتصفية بض رموزه الذين يزعجون قداسته التنظيمية.

    إذن هذه الوسائل التقنية المستجدة جعلت لكل شخص منبرا يتحدث منه، كل شخص هو قناة إعلامية مرئية أو صحيفة مكتوبة، ولكل خطه التحريري الخاص، وهنا لبس الكثير من المنتمين للتيار الرسمي أو للتيار المعارض عباءة الافراد وغشوا المواقع الالكترونية بشكل سري وبكيفية منظمة، تحسبهم فرادى بينما هم جماعة، أبواق حرة بين قوسين تهتف للدولة أو تهتف لمعارضي الدولة، وكذلك فعل التنظيم الاسلامي فاصبح ينشط كثيرا عبر هذه المواقع، بل أصبح هو منشطه الوحيد، فرمى بجميع نشطائه الاعلاميين وأعضائه التنظيميين وأجهزته الاعلامية على مواقع التواصل يصولون ويجولون كأنهم أفراد عاديون من عامة الشعب، لكنهم ليسوا كذلك، يختفون فقط خلف الجماهير بينما الحقيقة أن لديهم برامج سياسية خاصة وخط تحريري ناقم يقوم بتجييش كل صغيرة لخلق مزيد من الاحتقان السياسي والمجتمعي، لكننا نقول إنه فعل سياسي معتبر على أي حال، فالمواثيق الدولية تقول إن حرية التعبير مكفولة للجميع ولو كانت تخفي أهدافا سياسية.

    الأنترنيت اليوم حفلة تنكرية كبيرة، ومسرح لحرب باردة.

    دعني من الاغبياء الذين يعتقدون أن الإعلام عملية نَشْر للحقائق والأخبار الصادقة خدمة للصالح العام، دعني من البغال التي تعتقد أن الاعلام يتسم بالأمانة والموضوعيَّة، دعني من المغفلين الذين يعتقدون أن الاعلام وسيلة لتحقيق النمو واليقظة والتوافق الثقافي والحضاري والارتقاء بمستوى الناس ماديا وثقافيا ودينيا، هذا من الناحية النظرية أي نعم أتفق معك أيها المغفل، لكن الحقيقة أن الاعلام ليس إلا وسيلة حرب، وسيلة خداع، وسيلة اغتناء، وسيلة تخدير، وسيلة إفساد أو وسيلة إصلاح، وسيلة سياسية قبل ذلك لتحقيق المآرب السياسية والرفع من الشعبية والترويج لمنتوجات شعبوية يراد لها سد ثغرة سياسية لقاء مآرب كبيرة، هات عقلك برهة وقل لي بصدق، هل تعتقد فعلا أن الاعلام بصفة عامة مستقل وموضوعي ونزيه؟ هل تعتقد أن الاعلام داخل التنظيم الاسلامي إعلام مستقل ونزيه وشريف وموضوعي؟

    إذا كنت تفكر هكذا دعني أهمس في أذنيك أخي العزيز: "إنك شخص مغفل".

    السُلط الرسمية في الدول المتخلفة من إعلام وقضاء وحكومة وبرلمان كلها مؤسسات ترفع شعارات طنانة من قبيل الرأي والرأي الآخر، العدل، دولة الحق والقانون والحريات، الحرية الانتخابية والديمقراطية والتشارك والمشاركة والشراكة والباكور، والشعب في هذه الدولة المتخلفة مُشارك أيضا في لعبة الفساد، يرى ويسمع الاكاذيب والتفاهات والشعارات الطنانة على وسائل الاعلام، يرى المظالم على مرأى ومسمع من الجميع، يرى القانون فقط في مواجهة الضعيف، يرى ويرى، لكنه لا يفعل شيئا، بل يرقص على الآلام كي يعيش، يريد فقط أن يعيش حياة، وأي حياة، حياة فقط، لا معنى لها سوى العيش، ولذلك كان حب الحياة مدخل الذل، وكره الموت هو عين الوهن والضعف الذي يجعل الناس غير قادرين على الاطاحة بالمؤسسات الفاسدة، فيتجرعون الموت وهم أحياء.

    لا نستطيع أن نغوص في الاعلام ووسائله ودوره في السياسة العامة للدولة والمآرب الكثيرة التي يقضيها، فذلك بحر كبير، لكننا نرجع إلى علاقة التنظيم الاسلامي بالإعلام بما أنه موضوع محورنا، ونشير أولا إلى أن المنطق الذي تتعامل به الأنظمة السياسية مع الاعلام هو نفسه المنطق الذي يتعامل به التنظيم مع الاعلام، فالتنظيم الاسلامي ليس ذلك التنظيم الملاك الذي يستقي مبادئه من الشريعة الاسلامية من قرآن وسنة نبوية وسيرة صالحين، بل هو تنظيم برغماتي مصلحي سياسوي يستعمل كل الوسائل الشريفة والخبيثة لبناء المشروع الذي يراه مناسبا من وجهة نظره، وبذلك يستوي قادة التنظيم الاسلامي مع قادة الاحزاب السياسية في استخدام كل الوسائل المتاحة بين أيديهم لتحقيق أهدافهم السياسية.

    صحيح أن التنظيم الاسلامي يتميز مسؤولوه بلبس الجلابيب البيضاء الملائكية ولا يتكلمون إلا بقال الله وقال الرسول وباسم الله وعلى بركة الله وإن شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله وفي سبيل الله، لكن المضمون واحد، فهذه شكليات دينية لها دلالاتها المرجعية ولها استعمالاتها السياسية وهي في الحقيقة وسيلة أكل خبز سياسي لا غير، وسيلة استرزاق، فقادة التنظيم الاسلامي يمارسون جميع أنواع الحقارات السياسية والمكر السياسي والحفر التنظيمي والخداع والنصب والخيانة واستغلال العناصر الساذجة التي تدوخ سريعا بالكلام الديني، فالمصلحة هي الاصل وليس الاهداف الدينية المعلنة التي تبقى مجرد شعارات استرزاق، صحيح أن الصف الاسلامي يضم الكثير من الغيورين والصادقين والطيبين الذين يعملون فلا لإعلاء كلمة الله، لكن مراكز القرار داخل التنظيم ليس لمثل هؤلاء الاخيار، إنهم مجرد أشخاص طيبون يمارسون الدعوة ويجلبون المغفلين إلى الاستغلال السياسي دون قصد منهم، وتبقى خيوط اللعبة كلها بيد الفئة الماكرة التي تمسك بخيوط التنظيم وتسخر الجميع لمصالحها السياسية والمالية.

    داخل إعلام التنظيم الاسلامي هناك مؤسسات وبرامج واشخاص فاعلين، الأشخاص المتهورون يدفعهم التنظيم إلى سب النظام والتطاول على أشخاص الدولة وعندما يُحرقون يأتي بغيرهم ويرمي بالاوراق المحروقة رمية النسيان، أما المسؤولون فيقولون كلاما متزنا ويلعبون على الحبلين، أما مسؤولية تسيير جهاز الاعلام فتعطى دائما إلى الاشخاص الذين لهم علاقات كثيرة بالمحيط الاعلامي الرسمي، فالإعلام قبل أن يكون وسيلة إذاعة للمعلومة هو أداء تواصل سياسي، لكن الملاحظ أن هؤلاء المسؤولين الاعلاميين يكونون عرضة أكثر من غيرهم للاستدراج التخابري، ولو بطريقة غير مباشرة عن طريق التمرير الضمني أو السكوت المؤثر.

    التنظيم الاسلامي يحتفظ غالبا بالاعلام الكلاسيكي الشخصي داخل مؤسساته، فالرسالة التي يريد أن يوصلها داخليا لا يدعها تصل عبر وسائل الاعلام التنظيمية، بل يتولى المسؤول التنظيمي بنفسه إيصال المعلومة التي يجب أن يتباناها الاعضاء ويأخذوا بها كمعلومة لا تُناقش، وقد كنت طيلة عقود أصدق كل الاخبار التي تأتي من قنوات التنظيم، حتى اكتشفت أن الكثير منها كانت كذبا في كذب، بل وقفت على حالات كانت الرواية للجهات الرسمية للدولة هي الصواب، ولكن بما أنني كنت أسمع من جهة واحدة وأصدق كل ما يأتي من التنظيم فقد كنت أدافع عن التنظيم بكل ما أوتيت من قوة وأُكذب الغير في كل ما يقول، كنت مخدوعا، لقد عرفت الآن أن الجميع يكذب ويصدق، كلٌ يتصرف حسب الواقع السياسي الذي يعيشه، والغاية تبرر الوسيلة.

    إنها فلسفة ميكيافيلي تحكم تصرفات الجميع.

    ليس الكذب والتضليل هو الشر الوحيد في إعلام التنظيم، بل الشر الأكبر هو استعماله من التنظيم في حرب الاعصاب والتدمير الاجتماعي التي يمارسها ضد بعض الاخوان، بعض الاخوان النشطاء الاحرار المتحررين من سيطرة الفئة المقدسة التي تقول الشيء فـيصدقها الجميع، إنه عندما يغضب التنظيم على فرد ما فهو يحرك كتائبه الاعلامية لضرب المعني بالامر، ضربات هذه الفيالق الاعلامية تختلف عن ضرب المجموعات ذات النفع الاقتصادي التي تتحرك من جانب آخر لضرب الجيب، فالإعلام داخل التنظيم يضرب في السمعة والشرف والعمق الاجتماعي بسلاح الكذب والتشهير وغسل الادمغة، وأحيانا يقترب من أجل انتزاع المعلومة بطريق الحب في الله والأخوة في الله ثم يتصل بالمسؤولين ليقرروا كيفية استخدام المعلومة بالطريقة الأكثر إيجاعا.

    الاعلام حرب لا دماء فيها ولا رصاص ولا قنابل، الدماء فيها السمعة والشرف والمكانة التنظيمية والاجتماعية، وهي حرب خسيسة من أشخاص يبدون دائما طيبين مبتسمين يلبسون الانيق من الثياب ويتحدثون بلباقة لسان، أشخاص لهم وسامة ظاهرية تساعدهم على ترويج الكذب بما أن الجميع ينخدع بالمظاهر خاصة النساء نصف المجتمع، والضحايا في هذه الحرب هم أولائك الذين لا يجيدون التموقع التنظيمي والسياسي فيخسرون مكانتهم الاجتماعية ومقامهم الديني ورصيدهم السياسي والتنظيمي أيضا.

    إن التنظيم عندما يخوض الحرب النفسية ضد شخص ما يفعل ذلك من خلال الاعلام ويكون عازما على تدمير الصحة النفسية للعنصر المطلوب رأسه التنظيمي وزعزعة إيمانه في نفسه ودينه وقطعه عن المحيط الذي ينشط فيه حتى لا يؤثر فيه برؤاه المخالفة، التشويه دوره هو سد أذان الناس عن المشوه به وإفقاده المصداقية، لكني أستغرب كيف يمارس التنظيم الاسلامي هذه الحرب ضد اشخاص قضوا فيه عشرات السنين.

    لقد عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الحرب القذرة، وقد كانت قريش تعرف دور الاعلام في تدمير نفسية الخصم وقطعه عن الناس، فقالوا عليه صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وقالوا بأنه مفتري وقالوا بأنه كذاب وقالوا بأنه شاعر وقالوا بأنه أحمق مجنون، بل وتدخلوا في أموره الشخصية الحساسة وقالوا بأنه أبتر لا يلد الذكور، وقالوا وقالوا، والغاية هي صد الناس عن سماع كلمة رسول الله، إعلام خسيس يصد الناس عن الكلمة النبوية الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغها عن الله، وقد تحالفت قريش في سبيل ذلك مع المنافقين واليهود، وهو نفس ما يفعله التنظيم الاسلامي اليوم عندما يتحالف مع الاعلام المضلل ومجامع النساء والمخنثين داخل التنظيم من أجل تشويه العناصر الصالحة التي تستقذر تصرفاته الميكيافيلية، السيرة النبوية تتكرر مع الصالحين دائما.

    يلزم إذن أن يتحرر الاعلام من سيطرة القوة التنفيذية التنظيمية التي تسخره لقضاء مآربها السياسية فيكون تنظيما حرا، فصل السلط مبدأ جميل، يعطي كل سلطة حدودا كي لا تلعب خارج ملعبها، فتهلك نفسها وتهلك الاخرين، بالنسبة للدولة نفهم ذلك بما أن الجميع يحاسبها، لكن بالنسبة لتنظيم إسلامي منغلق تجتمع في يد المسؤول فيه كل السلط من تشريع وقضاء وتنفيذ كيف يمكن تصور إعلام مستقل، مستحيل أن يكون الاعلام مستقلا داخل التنظيم الاسلامي الحالي، اللهم في إطار مراجعات تنظيمية لاحقة وإصلاحات داخلية.


📚 المكتبة القانونية