المدونة

  • ثورة أم تنويم؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 69 من 77 — فهرس الكتاب

    خيط رفيع ذاك الذي يفصل بين الثورة والتنويم، ويصعب التمييز بين الخط الثوري التحرري والخط التنويمي المنسق خلسة مع الاستبداد، هذا الأخير يفعل أي شيء مقابل التمسك بالسلطة، السلطة المتعة الحسية والمعنوية، يضع الاستبداد يده مع الشيطان للحفاظ على السلطة كما يضعها في يد التنظيم الاسلامي إن هو ركع وبـاع القضية، وفي الصفقة السياسية تضيع الثورة وتنحرف القيادة ويخرج القطار عن السكة فتسيل الدماء أنهارا على الطريق، تسيل دماء المؤمنين الذين لم يكن لهم أي يد في خروج القطار عن سكته.

    يبرز دور القيادة هنا في الحفاظ على القطار أن يزيغ عن سكته بما أنها تملك الدفة، فالقيادة وحدها تملك زمام الامور في التنظيم الاسلامي وتتمتع إضافة إلى ذلك بقدر من التقديس والتسليم التربوي والاستسلام التنظيمي لا يكاد يعارضها معارض داخل التنظيم وإلا كان معارضا لله ولرسوله يستحق على معارضته الفصل التنظيمي والرجم بالنميمة والقطيعة الاجتماعية، فالطاعة تعتبر من أهم الامور التي يتعلمها المؤمن داخل الصف، وطاعة أولي الأمر داخل التنظيم هي من طاعة الله ورسوله، فلا جدال.

    يلاحظ أن التنظيم الاسلامي أقرب إلى التنظيم العسكري منه إلى التنظيم المدني، فهياكله وكأنها قلاع عسكرية، ومسؤولوه أغلبهم قساة القلب إلا من رحم الله من فلتات الزمان، والعسكري عادة رجل لا يحب المناقشة ويعشق الطاعة، وعندما يجد أمامه آية من كتاب الله تحض على الطاعة فهو لا يتردد في استعمالها استعمالا تنظيميا لتركيع الاخرين وعدم تكليف نفسه عناء إقناعهم بخطه التنظيمي أو السياسي أو التربوي، هذه الطاعة إذا كانت أمرا محمودا داخل أي جهاز تنظيمي لتلافي التشتت العملي والتشرذم الفكري، فإنها يجب أن تكون خاضعة لآليات رقابية، فالسلطة المطلقة فساد مطلق كما قال اللورد أكتون، ولذلك فإن الدول تعترف للحاكم بحق الطاعة، لكنها تعترف أيضا للطائعين بحق المحاسبة في جلسات عمومية على الملأ يحاسب فيها الحاكم على كل قراراته، وتناقش استبدادية هذه القرارات من صوابيتها أمام ممثلي الآمة [1].

    التنظيم الاسلامي لا يملك هذه الشفافية، ولا هذه الاليات الديمقراطية، فهو أشبه بثكنة عسكرية يفعل فيها المسؤول ما يريد، وليس للآخرين أية مؤسسة رقابية على القرارات الادارية التي يتخذها يلجؤون إليها لمحاسبته، لَكأنه إلاه فوق العباد يفعل ما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون كل جلسة عن تنفيذ القرارات، بل ويحاسبهم حسابا عسيرا يشوبه نوع من اللوم والاحتقار، طاغوت تنظيمي لا رادع له، هذا الطاغوت عندما يصل إلى مراكز القرار المتقدمة يخشى منه أن يحول الثورة إلى تنويم مقابل صفقة يأخذ منها المال الوفير إما عن طريق تفويت أسواق أو أموال في الرصيد أو وظيفة أو قضاء حاجات، كما يتمتع بالهناء الطويل الأمد في المسؤولية التنظيمية على رأس التنظيم، فالاستبداد الحقيقي يهمه أن لا ترجع الثورة إلى قيادة التنظيم، بل في صالحه أن يبقى الخونة على رأس التنظيم، فيهنأ الطاغوتان في سلطتهما، ودعني من الحروب الكلامية الفارغة كما يفعل اللطميون ورعاة البقر لتغطية التآمر الخفي.

    الثورة تحتاج إذن إلى مجلس يذكي شرارتها، ويحفظ خطها واستمرارها، تحتاج إلى من يسعر نارها كل حين، فالثورة هي ماء حياة التنظيمات والشعوب، لا تقدم ولا ازدهار دون شرارة ثورية مشتعلة في التنظيم والشعب تقض مضجع الحكام الطغاة وتضطرهم كل حين إلى الاعتدال على الجادة، فالحاكم الطاغية لا تقومه إلى حرارة الثورة من تحت قدميه، ووقتما أحس بالاطمئنان من تحته طحن العباد وأفسد البلاد، فالحاكم الظالم كالشيطان الرجيم، لا تنفع معه رحمة ولا تصلحه رأفة، فهو الخطر كل الخطر على أرزاق الناس وأمنهم وصحتهم وأخلاقهم ودينهم وأموالهم، ولذلك كانت الثورة عليه أكبر عبادة يتقرب بها الناس الى الله.

    التنويم عكس الثورة، التنويم خيانة، التنويم جمع للطاقات الثائرة وتقديم وعود إليها بالاصطفاف من أجل الزحف على الاستبداد، ثم سجنها داخل هياكل التنظيم بمسؤوليات كبيرة فارغة من المحتوى، وبالتالي ترك الساحة خالية من الثائرين، التنويم خيانة لأنه يمتص شرارة الثورة بوعود كاذبة ويطفئ جمرة الغضب لله بأوهام الصبر على البلاء ريثما ينزل الأمر الالاهي على المسؤول التنظيمي ليبدأ الزحف الموعود على الظالم، التنويم خيانة لأنه يقتل الرجال في هامش التنظيم وقد رأينا الكثير ممن قضى عشرات السنين في هياكل التنظيم ثم تعفن قلبه وشاب رأسه وجن عقله وضاعت صحته وخسر دنياه وآخرته، لا هو ثار ومات ولا هو ثار وفاز ولا هو اشتغل بالدنيا فربح المال والصحة والمركز الاجتماعي ودعم العائلة والاقرباء ولا هو عرف الله فصار من ملوك الاخرة، رجال عبارة عن حطام بشري هي ثمرة التنويم المشوب بالخيانة.

    التنويم له وسائل دينية وتنظيمية، فعندما تسمع كلمة تنظيم إسلامي فكن على يقين بأن كل خيانة فيه سوف تتم باسم الدين، فلا شيء يُقنع المؤمنين إلا الدين، الدين هو الأمر الحاسم داخل أي تنظيم اسلامي، والمسؤول التنظيمي يعرف هذا، فهو حريص على إضفاء قليل أو كثير من الشرعية الدينية على كل خيانة يقوم بها أو جريمة يرتكبها، ثم يرش عليها قليلا من العقلانية والمنطق كي يروج لها الإمعات ومسلوبي العقل داخل الصف، ومع انسجام الدين المزعوم مع قليل من العقل يركع الجميع.

    الدين صحيح أي نعم، والاسلام صحيح أي نعم، لكن الارث الفقهي يشوبه نوع من التضارب، فدائما هناك قولان، وربما ثلاثة، ولن يعدم اي رأي من دليل من الدين، فدائما هناك الدليل وهناك الدليل ضد الدليل وكلاهما صحيحان، فتنة فقهية، وخذ من سوق الدين ما تريد، فحتى أكبر الكبائر لها دليل، فللقتل دليل، وللسرقة دليل، وللنميمة دليل، وللزنى دليل، أما العقل فأسهل شيء يمكن خداعه هو العقل، خاصة عقل المنتظمين داخل تنظيم معين، فيكفي أن تذكر أمرا بقليل من المنطقية وأحيانا بكثير من المبالغة، ومع هيبة المسؤول يصبح الكلام المطلق على عواهنه وكأنه نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المؤمنين، يضحى الأمر الخطأ مؤسسا على أسس دينية وفكرية قوية، وهات ما عندك بعدها من التطبيل والتزمير على حكمة المسؤول الخارقة واتصاله بالله منقطع النظير.

    نفس منطق الانظمة الشمولية الاستبدادية مع روتوشات دينية وخدع لاهوتية، والنتيجة نوم عميق داخل أروقة التنظيم وخيوط عنكبوت تنسج وبركة آسنة بروائح تزكم الانوف الحرة وركود نضالي، تنويم مع فقدان وضوء، صحيح أن الصبر على البلاء سنة ريثما يأتي الأمر الالاهي بالزحف على قلاع الباطل ثم تقويضها وتتبير ما علت تتبيرا، لكن عندما يرحل الجيل المؤسس في طهارة ويعلو الجهاد قوم متعجرفون يسيطرون على مفاصل التنظيم ويتركون الجيل الثاني بأكمله مرتكنا إلى هامش المرض والنسيان والموت البطيء فلابد أن هناك خللا لا يمكن تفسيره إلا بالتنويم والتخدير، فالجيل المؤسس كان ثائرا لا يعترف بسياسة الحكمة تقتضي، بل كان رأس الحكمة عنده هو الموت في سبيل القضية، كانت قمة الحكمة عنده أن يرمي نفسه في اليم، ثم يرجه الله إلى أم الدعوة كي تقر عينها به ولا تحزن وليعلم المؤمنون أن وعد الله حق ولكن أكثر مسؤولي التنظيم لا يعلمون هذه المعاني الايمانية الاقتحامية الأصيلة في دين الله.

    عندما حل أصحاب الحكمة تقتضي وتمكنوا من التنظيم مات الايمان في القلوب وخربت الارواح وشاخت الرجال على الفراغ الايماني والسياسي والمالي ورمي بها إلى الهامش، لم ينج من ذلك إلا القليل، ووجدنا أنفسنا أمام قيادة خانت القضية وقاعدة لم تعرف أصل القضية، فكيف سيكون الزحف على أكتاف جيل لم يحضر التأسيس ولم يعرف أصل الحكاية، لابد أنه سيقع ضحية تزوير للتاريخ وتغيير للحقائق وخروج عن طريق التأسيس.

    عندما نتحدث بهذه اللغة لا نريد أن نرمي بالصف إلى الهاوية تهورا، لكن المأساة التي رأيتها أكبر بكثير من مأساة الدماء التي كان من المتوقع أن تصير تهورا، مأساة روحية معنوية شاهدة على تدمير جيل بأكمله، نسأل الله له العوض عند الله، جيل ضحى بالغالي والنفيس لتكون كلمة هي العليا، فأصبح آخر الأمر نكرة مرميا على الهامش ملوما بأنه لا يفهم، فعلا، إنه لم يفهم باكرا أنه وقع ضحية عملية تنويم وتخدير وعندما استفاق وجد الألم يلم به من كل جانب، فمات قهرا و غيظا، وبقي شاخصا بصره شاردا فكره يبحلق في السماء ويتساءل كيف وقع ذلك.

    لقد فعلها التنظيم ببساطة.


    📌 الهوامش

    1. [1] المساءلة السياسية هي مسؤولية الحكومة والموظفين الحكوميين والسياسيين أمام الشعب والهيئات التشريعية، مثل الكونغرس أو البرلمان. وقد يمنح الدستور أو التشريع الهيئة التشريعية سلطة تقديم أفرادها والحكومة والهيئات الحكومية للمحاسبة. ويمكن تنفيذ ذلك بإجراء تحقيق داخلي أو مستقل. وعادةً ما تجرى التحقيقات استجابة لادعاء وقوع سوء سلوك أو فساد. وتختلف السلطات والإجراءات والعقوبات من دولة لأخرى. وربما تمتلك الهيئة التشريعية سلطة سحب الثقة من الفرد أو عزله أو إيقافه عن العمل لمدة محددة. وقد يقرر الشخص المتهم أيضًا الاستقالة قبل إحالته إلى المحاكمة. اما في الأنظمة البرلمانية، فتعتمد الحكومة على دعم البرلمان، وهو ما يمنح البرلمان سلطة مساءلة الحكومة. وقد تصدق بعض البرلمانات على التصويت بحجب الثقة من الحكومة.

  • الشرعية التاريخية وعقبة التجديد

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 68 من 77 — فهرس الكتاب

    كيف يمكن تصور قيادة تاريخية ساهمت في وقت ما في بناء تنظيم إسلامي ثم اصبحت عقبة لنفس التنظيم؟ ألا يعتبر تجاوزها نكرانا لفضلها؟ إذن كيف يمكن التوفيق بين الوفاء للقيادة التاريخية وبين ضرورة التجديد؟ سنحاول أن نناقش في هذا المحور دور الشرعية التاريخية في ترسيخ التنظيم ثم إمكانية تحولها إلى عقبة يصعب تجاوزها وأخيرا مناقشة إشكالية عويصة تطرحها الشرعية الجغرافية المستحدثة.

    كان يا مكان في قديم الزمان نظام سياسي دكتاتوري ظالم، يحكم بغير ما أنزل الله، يظلم الناس، يسرق رغيفهم، يقتل رجالهم ويستحيي نساءهم ويُفسد أطفالهم، فاجتمع بعض المؤمنين بدعوة من شيخ مبارك على مائدة الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى تغيير النظام الظالم بنظام عادل، خططوا ونظموا وصدعوا بالحق، اجتمع خلق غفير مؤمن بالقضية حول هذه الطليعة المجاهدة، اعتقل النظام الجائر بعضها واغتال البعض الآخر، تحايلت العصابة المؤمنة على النظام الدكتاتوري وشقت طريقها بالسياسة والحكمة حتى وقف التنظيم على قدمي رجاله وأجهزته، مد تنظيمي وجزر سياسي انتهى بتأسيس تنظيم إسلامي يصعب اختزاله من المعادلة السياسية الواقعة، وفي خضم السجال السياسي والفكري لم يتم الانقلاب على النظام السياسي الجائر الذي تنازل قليلا عن بعض مكتسباته وغير من ألوان جلدته السياسية غير ما مرة، وفي الجهة الأخرى تأسست لنا قيادة تاريخية للتنظيم، لا يمكن لأحد أن يلغي فضلها اعترافا بالسابقة، وفي آن واحد يريد الجيل الجديد إكمال المسير واقتلاع النظام الذي من أجل تتبيره قام الشيخ المبارك أول مرة، الجيل الجديد وجد عقبتين، ثعلبين عجوزين، العقبة الكلاسيكية وهي النظام الحاكم الذي راكم الكثير من أساليب التحايل السياسي وعقبة جديدة وهي القيادة التاريخية للتنظيم التي راكمت أيضا كثيرا من تجارب المكر والخداع، تنين برأسين، فكيف سيتعامل الشباب الطارئ على الساحة مع الذئب الحاكم والثعلب المتربص؟ وكيف سيفلت من هذه المعضلة؟

    الانظمة الدكتاتورية تحمل دائما في وجه الشباب مصحف الاستقرار وإنجيل التنمية، بينما تحمل الشرعية التاريخية الجاثمة على رأس التنظيم مصحف التضحيات القديمة وزابور التربية المحتكرة، وإذا كان الذئب والثعلب لهما بعض الحق في طرحهما، إلا أن كلاهما يضع على الطاولة طرحا منقوصا، كلاهما يختزل القضية في رؤية أحادية محاولا الحفاظ على مكاسبه المادية والمعنوية، والطرح المنقوص اغتيال صامت للقضية، تصفية للآمال بطريقة ماكرة، وهنا بالضبط تصبح الشرعية التاريخية التي تأسست عبر تاريخ طويل من السيطرة على التنظيم وتوجيه الرأي العام الداخلي بكل حرية ومصادرة حق التعبير عن الرأي وتشكيل مختلف الاجهزة الساهرة على سير المؤسسات عقبة كأداء أمام تجديد دماء التنظيم، فيختنق جسم الجماعة، وتموت بعض أعضائه الحيوية، ويتكلس المسؤول الخاتر في عروق التنظيم مسببا آلاما وتشنجات وصداعا في رأس الجماعة.

    كيف نجعل إذن من الشرعية التاريخية قيمة مضافة لا غصة في حلق المشروع، كيف نقنعها أن الدين لله والدعوة دعوة الله، كيف نفهمها أن تخليها عن السلطة بعد عمر طويل من المسؤولية هو عين الحكمة، كيف نقنعها أن الله خلقها وخلق غيرها ولن تسقط سماء الدعوة إذا غابت حكمتها، كيف نجعلها تتنحى عن مركز القرار وتتفرغ للإرشاد والتحفيز والدعوة من على منبر النموذج الناجح [1] دون كسر استقرار الجماعة انتقاما لتنحيتها، كيف نجعل من المسؤول الذي شاخ في التنظيم مرشدا تنظيميا ومحتضنا تربويا يقصده كل تائه في طريق الله، معلما تتعلم منه الاجيال الحالية واللاحقة معاني الصبر ونكران الذات وتقديم الاجمل والركون في زاوية التأمل والتفكر والنصح الجميل بعد استنفاذ الفرصة.

    إنه لكل زمن رجاله الذين يفهمونه ويحسنون التعامل معه، والقيادة التاريخية عندما يتأخر خروجها من المشهد تسبب كوارث تنظيمية، وقد حضرت على قيادات تاريخية في بعض المسؤوليات التنظيمية لم تتخلى عن المسؤولية حتى خربت كل شيء وحطمت كل ما شيء ثم جاءها التكريم وحفل الشاي لتخرج خروجا مشرفا، لقد سيطرت الثعالب العجوزة على التنظيم حتى قتلت خيرة أبنائه وشلت مفاصل كل مؤسساته، بقيت في المسؤولية حتى فاحت رائحة العفن من التنظيم وفسدت قلوب الاخوان وقتل بعضهم بعضا نميمة وبغضا وتراشقا بالدعاء، بقيت القيادة التاريخية متشبثة بالسلطة حتى فسد كل شيء وهي تظن وربما عن حسن نية أن الله لم يخلق غيرها.

    لقد مارست القيادة التاريخية الوصاية على الدعوة وكأن الله لم يخلق رجالا يفهمون إلاها، وقد كنت أرمق هذا المشهد البشع من احتكار الفهم وحواليه كبرياء تنظيمي وثقافي كبير كان يمارس على كل شاب طموح محاولا طمس هويته وشخصيته وحقه في التعبير والاقتراح، حتى إذا جاءت توصيات عليا بترسيخ المشاركة والتشارك تماشيا بالتوصيات الدولية الصادرة عن الجمعيات الدولية أتى المسؤول المتعفن في مسؤوليته التنظيمية يلعب بالمصطلحات يريد أن يضحك على الناس بكلام فارغ مفاده التشارك والمشاركة، منظر كئيب ذاك الذي يُصور الواقع على غير حقيقته ويرمي بالمصطلحات جزافا ذرا للرماد في العيون بينما يشهد الواقع على حجم الانغراس الشخصي في المسؤولية، لكأننا نمثل في مسرحية مكشوفة أو نضحك على بعضنا البعض في حفلة تنكرية نعرف وجوه جميع من تحت أقنعتها.

    إن التجديد في التنظيم هو مسألة مصيرية، وضرورة عملية لا غنى عنها، وبدونها يموت التنظيم وتخرب أخلاق أعضائه، يفشل الزحف ويتشتت الجمع ويولون الدبر، والتجديد مفهوم واسع يكاد يطال جميع المؤسسات الفكرية والسياسية والدينية، فهو سائر مع الزمن حيث سار، دون الغفلة عن الشريعة، فبالنسبة للنظرة الدينية هو تجديد الدين وتنزيله على واقع الناس بما استجد لديهم من مستجدات دون مخالفة الأصول، ويقوم بذلك كل مائة سنة رجل أو رجال يبعثهم الله لهذه الأمة ليجددوا لها دينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: " إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها " [2]، والمجدد هنا إما أن يجدد الدين كله ابتداء بالنوازل الفقهية فيفتي فيها بما استجد في حياة الناس، وانتهاء بتجديد الشعلة الايمانية في قلوب الناس حاديا بهم إلى طلب وجه الله، أو يكتفي بإحياء الرحمة في القلوب بعد قسوتها ونشر الأخلاق الحميدة.

    التجديد السياسي خارج عن نطاق الحديث الذي يتحدث عن تجديد الدين بما أن التجديد السياسي قد يقوم به غير الرجل المتدين ولي الله، التجديد السياسي لنظام الخلافة لا ندري هل سيقوم به رجل وحيد أم جماعة من الرجال تتكلف بالمهمة، لكن أغلب الظن أن تجديد النظام السياسي الاسلامي متمثلا في الخلافة الراشدة لن يستطيع القيام به سوى جماعة كبيرة من الرجال المؤمنين بالله وبالقضية، ذلك أن التحديات الكبيرة التي تواجه هذا التجديد يستحيل أن يجتازها فرد واحد ولو كان "سوبر مان" زمانه، ذلك أن التجديد السياسي الاسلامي ينطوي في حقيقته على تجديدين، تجديد ديني وتجديد دنيوي، وكلا التجديدين كالطود العظيم، التجديد الديني يحتاج رجلا كامل الولاية، والتجديد السياسي يحتاج رجلا ذا حنكة سياسية قل نظيرها، وقد يحتاج كلا التجديدين رجالا أشداء أقوياء أمناء لا يخشون اقتحام عقبات النفوس وعقبات الشيطان وعقبات التكتلات البشرية التي تدافع عن مصالحها في هذا الكوكب المبتلى.

    التجديد مفهوم كبير لا نستطيع الاحاطة به في هذا المقام، لكننا نحاول أن نتحدث عن التجديد بالمفهوم الضيق وهو التجديد التنظيمي الداخلي بالمفهوم الحديث الذي يعني تجديد الدماء وهو يختلف قليلا عن التجديد الديني الذي يعني إزالة الغبار عن الدين والرجوع به إلى أصله النبوي الصافي، هذا التجديد التربوي الأصيل يقوم به من ارتبط بالمعين النبوي من أولياء الله المجددين الذين يحيون الرسالة، أما التجديد التنظيمي فتضطلع به الهياكل التنظيمية المبنية على أسس الشورى.

    التجديد التنظيمي أول ما يتطلبه هو تغيير طريقة التفكير وتجديد طريقة العمل واستبدال القائمين على التنظيم كل حين، لقد خلق الله عقولا كثيرة وأدمغة متعددة وقلوبا متوالدة، والتنظيم السوي هو الذي يضع آليات قانونية تضمن تداول السلطة بسلاسة من جيل إلى جيل دون وصاية فرد أو جهاز، التنظيم الجيد هو الذي يبتكر آليات للتجديد التلقائي للمؤسسات دون السقوط في فوضى الانقلابات وفخ الحرب الاهلية والعمل الهامشي، أي نعم تجديد تلقائي عبر قوانين ومؤسسات ساهرة على تطبيق القانون حتى لا يُـفتن الناس في دينهم ودنياهم ببقاء كتلة جاثمة على الصدور وأفكار متجاوزة متكلسة في العقول.

    التجديد في الاشخاص والهياكل ضرورة حتمية، ولا ينكر ذلك إلا طاغوت متجبر أو إمعة صاغر.

    المؤسسات السياسية داخل التنظيم تحتاج إلى تجديد أيضا، سواء في البرامج والمؤسسات والمناهج أو في الاشخاص، ذلك أنه منوط بهذه المؤسسات على ضعفها المالي والواقعي إحداث تجديد سياسي في بلاد المسلمين والرجوع بهم من نظام العض إلى نظام الشورى التي بتحققها يتجدد الايمان في القلوب تحصيل حاصل بعدما يكون الخبز قد استقر في البطون والعلم قد ترسخ في العقول، وإذا كان مصطلح الخلافة يخيف العالم الحر فلنتحدث عن نظام ديمقراطي انتخابي جميل يُنتخب فيه حاكم يُنصت فيه إلى تطلعات الشعب، ثم نحاسب بعد ذلك المسؤول على كيفية إدارته للدولة خلال مدة حكمه، لعل هذا التجديد السياسي في مؤسسة الحكم ستكون له انعكاسات طيبة على مستوى الدين والدنيا، فأن تهش على الناس بدولة في يدك خير من أن تهش عليهم بالكلام الديني.

    إننا نتساءل، إذا كان النظام السياسي بأكمله قابلا للتجديد وكان هذا التجديد المطلوب يطال حتى رأس الدولة، فكيف لا يقبل التنظيم الاسلامي تجديد مؤسساته ومسؤوليه وقوانينه الداخلية التي تسيطر عليها قيادته التاريخية، كيف لا يقبل تنظيم قزم صغير أن يُجدد في ترسانته المؤسساتية والقانونية ويغير من قياداته الجاثمة على صدور المؤمنين عقودا طويلة ثم يطالب بكل صفاقة وجهٍ صباح مساء الانظمة السياسية الحاكمة بتجديد هياكلها وقوانينها السياسية القائمة.

    لنقلها بصراحة، إن التجديد يجب أن ينطلق من داخل التنظيم، إن الله لا يغير ما بتنظيم حتى يغير ما بمؤسساته وأشخاصه.


    📌 الهوامش

    1. [1] يصف الواقدي تحركات الرسول صلى الله عليه وسلم بجيشه نحو حُنين حيث ينقل قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ألا فارس يحرسنا الليلة؟ إذ أقبل أنيس بن أبي مرثد الغنوي على فرسه فقال: أنا ذا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: " انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا فلا تنزلن إلا مصلياً أو قاضي حاجة، ولا تغرن من خلفك ". قال: فبتنا حتى أضاء الفجر وحضرنا الصلاة فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أأحسستم فارسكم الليلة؟ ". قلنا لا والله، فأقيمت الصلاة فصلى بنا، فلما سلّم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر خلال الشجر، فقال: " أبشروا جاء فارسكم " وعندئذ جاء الفارس وقال: يا رسول الله إني وقفت على الجبل كما أمرتني فلم أنزل عن فرسي إلا مصلياً أو قاضي حاجة حتى أصبحت، فلم أحس أحداً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انطلق فانزل عن فرسك وأقبل علينا، فقال: ما عليه أن يعمل بعد هذا عملاً". لاحظ معي كيف كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الأداء أنه كان دائما ما يعمد إلى التخيير وبث روح المنافسة بين فريق عمله: ألا فارس يحرسنا الليلة؟ كما أنه استقبل حديث أنيس وهو يتحدث عن دوره وإجادته في تنفيذ المهمة بنفس طيبة فلم يتهمه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعرض موقفه بنقص في إخلاصه لا سيما وأنه يدلي بهذا الحديث أمام جمع من صحابته ثم يبادر النبي بتشجيعه وتحفيزه بقوله " ما عليه أن يعمل بعد هذا عملا". نفس الامر فعله رسول الله مع أبي بكر وعمر حين أتقن فن التحفيز والتشجيع من خلال الأوصاف المتميزة التي خلعها عليهم كما ذكر محمد أحمد عبد الجواد في كتابه أسرار التميز الإداري والمهـاري في حياة الرسول.
    2. [2] صحيح أبي داوود، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

  • أكبر عقبة أمام الفتح تنظيم ظالم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 67 من 77 — فهرس الكتاب

    من خلال تجربتي المتواضعة أكاد أجزم أن كل فشل تنظيمي أو فردي سببه داخلي أكثر منه خارجي، وإسقاطا على حالتنا هذه فالسبب الرئيس في فشل الزحف هو التنظيم، صحيح أن أسباب الإخفاقات السياسية والتربوية والدعوية متنوعة لكن جميع روافد الفشل تجتمع في التنظيم بما أنه يمسك بجميع خيوط الحركة والفكر والتربية والدعوة، إن كل الاخفاقات لو تتبعتها ستجد منبعها هو التنظيم، وهو أمر طبيعي بما أن التنظيم يحتكر كل شيء، إن الذي يتحكم في كل شيء يجب أن يتحمل مسؤولية كل شيء.

    أعرف أن كثيرا من أعضاء التنظيم الذين يقدسون التنظيم تسري في ركبهم المياه وهم يستمعون هذا كلام، وأعرف أنهم يتعوذون بالله من الشيطان الرجيم ويقولون هاد خونا غا يتآذى، أعرف كيف يفكر البسطاء المساكين الذين عطل التنظيم عقولهم، وإني أعذرهم وأكن لهم محبة خالصة في قلبي لأنهم ضحايا التنظيم، إنهم يعتقدون أن المسؤول التنظيمي ولي لله، هؤلاء المساكين يختلفون عن ذئاب التنظيم الذين يُروجون لهذه الأكاذيب لأغراض سياسة، بينما هؤلاء المسؤولون التنظيميون في الحقيقة أول من يطحن عباد الله فصلا وتشويها وآخر من يخشى عاقبة إذاية المؤمنين، أما الأعضاء الصادقون فمعذورون بصدقهم، معذورون لأنهم تعلموا في المجالس أن القيادة لا تخطئ ولا تناقش، ومن دعا عليه القائد فهو مطرود من رحمة الله، وبما أن رحمة الله هي غاية المؤمنين فهم في خشية من فقدان رحمة الله مترددون، بينما يلعب التنظيم على هذا الوتر التربوي الحساس ليوهمهم أن تربيتهم في خطر إن هم انتقدوا التنظيم وصارحوه بجرائمه، يوهمهم أن السكوت هو عين الصدق والتصديق والصلاح، بعبارة أخرى فمسؤولو التنظيم يبيتون مع الله ويعرفون حقائق الأمور كلها، وكل ما يأمر به التنظيم تبعا لذلك منزل من عند الله، والويل المعنوي والانتقام الالاهي والإذاية الربانية لمن انتقد القيادة أو شك في توفيق الله لها.

    الحقيقة أن كل هذه الايحاءات التي يوحي بها التنظيم خرافة كبيرة، فمسؤولو التنظيم هم أحقر الناس تعاملا وأكذب الناس حديثا وأسوأ الناس أخلاقا وأكثرهم نفاقا خاصة عندما يستعبدون المؤمنين، وحاشا أن ينتقم الله لمسؤول تنظيمي منافق حقير أو يدافع عنه، إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، فإذا التحق المسؤول التنظيمي بالمؤمنين أخلاقا ومعاملة استحق دفاع الله عنه تبعا لولايته لله وليس لمركزه التنظيمي.

    كيف يدافع الله عن المسؤول التنظيمي الذي خان العهد وراح يُسخر التنظيم لمآربه الشخصية ومتعته السلطوية، كيف يدافع الله عن المسؤول التنظيمي الذي يكفر بفضل المصحوب على الجماعة ويرجع ذلك إلى التنظيم ثم يحتكر التربية ويحتكر الصحبة وهو أكره الناس وأشدهم عداوة لهما، إن عنصر المسؤولية التنظيمية لا يكفل للمسؤول حق استعباد المؤمنين ولا يضمن له دفاع الله عنه ولا انتقام الله له من المؤمنين الذين رفضوا عبوديته، اسمع لقوله تعالى وهو يصف خيانة بعض المسؤولين عندما يتصدرون صفوف التنظيم الناجح: " وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" الانفال، 26.

    المسؤول التنظيمي الذي انقلب على الله وعلى الرسول وسخر التنظيم لمآربه هو أشبه الناس بهذه الآية، نسي أيام الاعتقالات والخوف التي آمنه الله منها ورزقه من الطيبات والاموال والسلطة والوظيفة والسيارة والزوجات والمكانة الاجتماعية والدينية ثم راح يخون أمانة الله والعهد الذي أعطاه للمرشد المصحوب ومضمونه خدمة المؤمنين والتواضع لهم والسير بهم إلى الله، خان الله والرسول وهو يعلم جريمته، خان المرشد عن سبقية إصرار وترصد، فليتشجع أعضاء التنظيم وليمحوا من بالهم وقلوبهم الخوف من المسؤول التنظيمي الذي يوحي إليهم أنه محمي من عند الله، إن المسؤول التنظيمي الثابت على العهد هو المؤمن الذي لا يرى لنفسه على المؤمنين مزية، هو الذي يرى نفسه غير أهل بالسيادة على المؤمنين [1]، يتفكر ذنوبه أناء الليل وأطراف النهار، يستحي حتى من إمامة الناس في الصلاة أو الظهور عليهم في المجالس بلسان الواعظ لما يعلم من حقارة نفسه ودناءتها.

    نغلق هذا القوس ونرجع إلى دراسة الكيفية التي أصبح بها التنظيم عائقا أمام دعوة الله وأمام تربية الايمان في القلوب وأمام التقدم السياسي على ساحة التدافع، نريد أن نلتمس عمق الخلل الذي ظهر على السطح طافيا كالجيفة القذرة يُنفر كل بعيد ويزكم أنف كل قريب، إنها نفس المسؤول التنظيمي الخبيثة الأمارة بالسوء التي أُعطيت لها كامل الصلاحية للتحكم في رقاب المؤمنين، معنى ذلك أن عمق الخلل هو الخلل التربوي والتنظيمي، تربوي من حيث العجز عن تربية نفس المسؤول، وتنظيمي لأن التنظيم كهياكل ومؤسسات قد عجز عن إيجاد تركيبة تنظيمية تكسر شوكة المسؤول وتضمن للأعضاء حرية التعبير والنقد والمشاركة الحرة المتحررة من كل وصاية تنظيمية أو خوف من المسؤول أن يفصل المبادر، فأين هي التربية؟ وأين هو التنظيم؟ أليس فشل التربية والتنظيم سبب كاف لفشل الزحف؟ نعم، لقد قلنا في عنوان هذا المحور أن أكبر عائق أمام الفتح القلبي والدعوي والسياسي هو التنظيم الظالم.

    نقول هذا الكلام بلغة الخشيبات السياسية، واحد زائد واحد يساوي اثنان، فشل تربوي وتنظيمي معناه فشل الزحف السياسي، لكن دعونا نحلل هذه التركيبة النتنة لنعرف بالضبط أن يكمن الخلل.

    الحقيقة أنني كنت أتهيب كل مرة عندما أهم بإلقاء المسؤولية على ظهر أحد، ذلك أن الخطأ في التقدير يعتبر قذفا وبهتانا، لكنني كنت كل مرة أمسح عيني وأعيد النظر، ثم أعيد النظر، ثم أقول لعلي لا أرى جيدا، وفي كل مرة كانت الصفعات تتوالى على قفاي أن يا فوزي استفق، لكنني كنت لا أريد أن أستفيق، كنت مقتنعا كباقي رعية التنظيم أنه لا يمكن أن يكون التنظيم على خطأ، التنظيم صادق ولي لله وكل مسؤوليه وقيادييه أولياء لله، مستحيل أن يكون ما أراه حقيقة، لكن أتى اليوم الذي بدأ فيه التنظيم يعذبني بصدقي وتصديقي، أصبح يعذبني ويعذبني، يتفنن في تعذيبي بكل الطرق مستغلا صدقي مع الله ومع الجماعة حتى أنه غالى كثيرا في إهانتي واحتقاري لكأني عبد له، لا ربما لكأني لا شيء، حثالة لا تساوي درهما، لقد كان التنظيم هو نفسه يعمل على صحوتي من الغباء، لكنه فعلها بطريقة بشعة.

    اعتدى حتى على حرمة منزلي ودخل بحذائه عُقر داري وأصبح يتحكم في زوجتي وفي كل شيء داخل بيتي، أصبح يعذبني بأقرب الناس إلي، يحرمني من رؤية أبنائي، يُعذبني بالزوجة والمال والقانون ورجال القانون والمحاكم والتخابر والنميمة والتشويه والتأليب والتشفي، وما ترك التنظيم العاهر شيئا يستطيع فعله إلا فعله، لقد كشر التنظيم الجبان عن حقارته فإذا بالظنون التي كنت أطردها من أمام عيني حقيقة لا غبار عليها، ورجعت بي الذاكرة إلى الوراء وتذكرت أيام التسعينات وبداية الخلل التربوي وسيطرة السياسيين على التنظيم، تذكرت كيف سيطر الحثالة المتعجرفون الجفاة على التنظيم واستعبدوا خير خلق الله وأرهبوهم، تذكرت كيف فصلوهم وكيف شوهوهم، ثم عاينت نفس المصير أتعرض له، فكان إما أن أصمت كما صمتوا وأموت كما ماتوا موتة زرقاء مكبوتة، وإما أن أصرخ بكل قوة، كما كان بيدي خيار آخر وهو أن أحمل سيفا وأترصد قيادة التنظيم واحدا واحدا خاصة في طنجة وأذبحهم من الوريد إلى الوريد ثم أقطع رأس الكفر إربا إربا وأفصله قطعا صغيرة تماما كما كان يفصل المؤمنين ويقطع أرواحهم أربا، كنت أفكر في العنف صباح مساء لكني كنت أجد أمامي كل مرة أهم فيها بذلك ولي الله يقف حائلا بيني وبين الانتقام، يقول لي بقلبه لا يا ولدي، اصبر اصبر اصبر ثم صابر، كان يمنعني فأبكي من حُرقة احترامه وألم العذاب الذي في قلبي وفوات فرصة الانتقام من التنظيم، وعندما كنت أبكي وتتقطع أوصالي كمدا كان يزداد المتعجرفون فرحا وسرورا وتشفيا.

    لقد أفلتوا من مجزرة كنت سأرتكبها فيهم وهم في تشفيهم يتلذذون.

    صبرت وأنزلت سيفي وكتمت العذاب في صدري، لكن الحرقة في قلبي ظلت كالجمرة لا تنطفئ، تحرقني صباح مساء، وأستفيق في جوف كل ليلة أكتوي بها، وظل السؤال يعذبني ليالي طويلة كيف للكلاب الحثالة أن يسيطروا على التنظيم ويكيدوا للمؤمنين ويعذبوهم هذا العذاب، كيف وصل هؤلاء إلى السلطة؟ كيف سمحنا لهم بغبائنا التربوي أن يستعبدونا ويتعجرفوا كل هذه العجرفة التنظيمية والاجتماعية؟ لماذا يصمت الكثير ويتمتمون بالحقيقة خلسة خشية من التنظيم؟ من يكون هذا التنظيم الذي يخيف الرجال؟ أليس فينا رجل رشيد يخرج كالأسد يسقط هيبة هذا المجرم العاهر المسمى تنظيما؟ هل انقطع نسل الرجال أم أن المدونة عملت عملها؟ أليس فينا رجل له خصيتين قويتين وقدر كاف من التيستوسترون يوقف هذا الطاغوت أن يستفحل وقد استفحل.

    قلت في نفسي لم لا أفعلها، إنه ليس لدي ما أخسره فـلم الخوف، لقد أفقدني التنظيم كل شيء، أفقدني سمعتي وشرفي ووظيفتي وتربيتي ومركزي التنظيمي، أفقدني أبنائي الطينيين والروحيين، حرض زوجتي وشتت بيتي، سلمني إلى الشيطان وأراد أن يسجنني، طحنني كأنني لم أكن منذ أكثر من خمس وعشرين سنة حريصا عليه منافحا عنه بكل شراسة، رمى بي التنظيم الخسيس إلى قاع الجحيم المادي والمعنوي وكأنني لم أفني شبابي في سبيل نصرة هذه الدعوة حتى تسود، لقد وقف أمامي صاحب الزمان كي لا افعلها بالطريقة الدموية لكني حملت قلمي لعل أثره يكون أقوى من السيف.

    عمق الخلل الذي ظهر في التسعينات هو خروج التنظيم من يد رجال التربية ووقوعه في يد كلاب التنظيم، لقد كانوا ذئابا ماكرين عندما لعبوا بالدين والتربية والحنان والكلام اللين المنمق اللطيف والابتسامة الصفراء وتسلقوا سلم المسؤولية ودافعوا عن بعضهم البعض ودفعوا ببعضهم البعض إلى مراكز المسؤولية كما يُدافع الشيطان عن حليفه الشيطان، لقد هزموا رجال التربية الذين كانوا يعانون من الاحوال التربوية والاضطرابات الروحية القاسية، هزموهم لأنهم لم يكونوا في الواجهة التربوية الشديدة [2] بل كانوا فقط في الواجهة التنظيمية السهلة متحررين من كل ضغط يواجهون الدراويش العزل من كل وسيلة مكر، لقد كان يواجه رجال الله عقبات النفس الكؤود ومكائد الشيطان الكثيرة وأهوال السلوك إلى الله وشدة آلام خراب النفوس قبل عمارتها بالإيمان والمعرفة والاخلاص لله.

    لقد سيطر اللوبي النفسي الشيطاني على التنظيم وجعله حكرا على أصحاب المال الوفير والوظيفة المحترمة والشواهد العليا واللباس العصري والكلام المفرنس، ورغم محاولات ولي الله أن يسحب البساط من تحت أرجل هذا اللوبي التنظيمي السوسة عن طريق التربية والالحاح على الرباطات والاذكار وكسر شوكة النفس، إلا أن هذا الأخير كان قمة في المكر والخبث، كالشيطان يذوب، كالحرباء تتلون، تحمل التنظيم الممسوس بشيطنة السلطة ضربات التربية وأفلت منها شيطانا تنظيميا رجيما لعينا، إنه الآن وحش كاسر في غياب المرشد يسيطر على الجماعة ويحاصر التربية ويصادر الصحبة، وحش تنظيمي يأكل كل مخالف بشراهة ونهم، يفترس كل صادق يريد أن يقول حسبنا الله، شيطان رجيم لا يستحي يريد أن يدل الناس على الله، والنتيجة خراب في القلوب وتضعضع في الارواح وسقوط في ميزان الاخلاق وفتور تربوي حاد وانتكاسة دعوية لم يسبق لها مثيل وذل سياسي ليس تحته ذل.

    لابد من كسر صنم التنظيم الجبار الخوار لتعود إلى النفوس بارقة أمل في فتح قلبي ودعوي جديد، لابد أن نُفهم المؤمنين أن التنظيم ليس سوى آلة، ماكينة تربط بين أجهزتها روابط تنظيمية تبرم وتفسخ، يجب أن نفهمهم أن التنظيم لا يبيت مع الله وليس وليا لله، إنه ليس سوى وسيلة للزحف بكلمة الله إلى القلوب والاسماع، التنظيم ليس سوى طريقة فنية تقنية لإسقاط الظلم وإحقاق العدل، التنظيم ليس معبودا، التنظيم ليس غاية في حد ذاتها، ومتى كان التنظيم من أجل التنظيم كان هذا التنظيم حجر عثرة أمام السائرين إلى باب الفتح وأصبح عدوا لله وللرسول وللمؤمنين، التنظيم يجب أن يُعطاه حجمه الطبيعي وجلبابه الذي يناسبه [3]، لا أكثر ولا أقل، لا أكثر كي لا يطغى ويُعبد من دون الله ولا أقل حتى لا يتم التفريط في أسباب هز جذع نخلة النصر.

    التنظيم وسيلة من أسباب النصر، يجمع الجهود، يوفر المقدرات، يُرشد الفهوم، يكثف الطاقات ويصنعها ويحميها، التنظيم وسيلة جيدة للزحف، لكنه ليس المقصود، بل المقصود هو الله، المقصود رسول الله، والمقصود ولي الله، المقصود الدار الاخرة ولقاء الله في أجمل حلة، المقصود هداية الناس وإنقاذهم من الغفلة والضياع، المقصود خدمة عيال الله من المستضعفين المظلومين، المقصود إنقاذ البشرية من الشيطان الرجيم وزبانيته الذين يخرجون علينا كل يوم في حلة مزركشة جميلة باسم الحريات الفردية وحقوق المرأة.

    إن كسر الجانب الخبيث من التنظيم هو المطلب العاجل الذي لابد من تحقيقه قبل استئناف الزحف على معاقل الشيطان المنظم، فالتنظيم الشيطاني الذي يحكم فينا بصيغته الحالية لا يمكنه أن يهزم الشيطان العالمي الكبير الذي يغزونا كل يوم، فقط عندما يصبح التنظيم حزبا لله سينتصر على حزب الشيطان، نعوذ بالله من حزب الله اللبناني [4]، لكني أقصد بحزب الله جمع المؤمنين الذي يوالي الله والمؤمنين وينقي صفوفه من الشياطين المتعطشين إلى الرئاسة، حزب الله هو التنظيم الذي يعمل من أجل الايمان والمؤمنين، التنظيم الخادم لا التنظيم الجبار، التنظيم الأخوي الرؤوف الرحيم بالمؤمنين لا التنظيم الدكتاتوري الخوار الذي يقطع رؤوس المؤمنين بالفصل التنظيمي بدعوى الحفاظ على الجماعة، حرمة المؤمن يا عدو الله أكرم عند الله من تنظيمك ومن كعبتك واصنامها التنظيمية التي يصلي إلى قبلتها كل زبانيتك، حرمة مؤمن واحد تنتهكها قد تكون خراب كل ذلك التنظيم الذي تعبده من دون الله.

    إننا نريد تنظيما خادما لا مخدوما، تنظيم نصنعه ثم نأكله، لا تنظيما نصنعه ثم يأكلنا.


    📌 الهوامش

    1. [1] قال الإمام الرفاعي: «أيْ سادة، العبدية حقها الانقطاع عن غير السيد بالكلية. العبدية ترك كلِّ كُلِّيَّة وجزئية. العبدية رد القصد عن كل مَزِيَّةٍ. العبدية عدم رؤية العبد لنفسه على إخوانه رفعةً أو فَوْقِيَّةً. العبدية وقوف عند ما حد للطينة الآدمية. العبدية الخشية والخضوع تحت مجاري الأقدار الربانية. لا يكون العبد عبدا كاملا حتى يصل إلى مرتبة الحُرِّيَّة، والتخلص من رق الأغيار بالكلية" البرهان المؤيد، ص66
    2. [2] " الواجهة الأولى في الجهاد هي واجهة التربية. نعني تربية الإيمان بمفهومه اقتحاما للعقبة وبكل شعبه. التربية أولا ووسطا وآخِرا، ولا آخَر، ودائما. لا نفرغ من تقويم أنفسنا. ومتى ظننا أننا أتممنا تهذيبها فذلك نزغ الغرور، وغرة بالله، وطيش في ميزان الرجولة. كيف والله عز وجل يأمر رسوله المصطفى الكامل بالاستقامة إذ يقول: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ} وإشارة إلى هذا الأمر يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: «شيبتني هود والواقعة». أرأيت الطغيان يهددنا كما يهدد الكابوس في أفق ظلمة نفوسنا! تربية، استقامة، تواص بالحق والصبر، دائما لا نمل. والتقصير البشري لا سبيل لتلافيه إلا بإجماع الإرادات الصالحة على قبول هذا المبدأ: إن كل مؤمن يبذل أقصى ما فيه من خير. ثم يشاهد تقصيره، ويقبل النصح، ويتعاون، ويلين لإخوته، ويحب، ويتشاور، ويطيع. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، نفوس بلغ منها التهذيب مبلغا جيدا تلك التي تقدر على نبذ أنانيتها، وتهاجر إلى الله ورسوله من قعودها، وتتألف قلبا وقالبا على موجبات التنظيم وواجباته". المنهاج النبوي، ص387
    3. [3] يقول المثل المغربي:" لبس قدك يواتيك "
    4. [4] حزب الله هو جماعة شيعية مسلحة وحزب سياسي مقره في لبنان. الجناح العسكري لحزب الله هو مجلس الجهاد، وجناحه السياسي هو حزب كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني. بعد وفاة عباس الموسوي في عام 1992، ترأس الجماعة الشيعية حسن نصر الله. وقد سبق الوجود التنظيمي لحزب الله في لبنان والذي يؤرخ له بعام 1982 وجود فكري وعقائدي يسبق هذا التاريخ، هذه البيئة الفكرية كانت لمحمد حسين فضل الله دور في تكوينها من خلال نشاطه العلمي في الجنوب. وكان قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الخميني دافعا قويا لنمو حزب الله، وذلك للارتباط المذهبي والسياسي بين الطرفين. وقد جاء في بيان صادر عن الحزب في 16 فبراير 1985؛ أن الحزب " ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة". كما جاء في البيان. معظم أفراد الحزب هم من اللبنانيين الشيعة المرتبطين مذهبياً بمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي حيث يعتبرونه واحداً من أكبر المراجع الدينية العليا لهم، ويعتبر حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، الوكيل الشرعي لـعلي خامنئي في لبنان؛ هذا الارتباط الأيديولوجي والفقهي بإيران سرعان ما وجد الدعم السريع والمباشر من الجمهورية الإسلامية عبر حرسها الثوري، تشكل الحزب في ظروف يغلب عليها طابع "المقاومة العسكرية" للاحتلال الإسرائيلي الذي اجتاح لبنان عام 1982، ولذلك فالحزب يبني أيدولوجيته السياسية ووجوده على الساحة اللبنانية على أساس مقاومة الاحتلال.

  • إن تتولوا يستبدل قوما غيركم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 66 من 77 — فهرس الكتاب

    التولي يوم الزحف يستوجب الاستبدال، فتلك العقوبة العادلة في حق من يريد أن يوقف مسيرة الدعوة والجهاد لأنهما لا تتوقفان أبدا بأمر الله حتى تقوم الساعة، فمن تولى وركن إلى الدعة والسلامة فقد خان دعوة الاقتحام، فأقل جزاء في حقه هو الاستبدال، وقد يصل الأمر إلى التهديد بالفسوق في حق المقربين في قوله تعالى: " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" آل عمران، 80.

    حسنات الابرار سيئات المقربين.

    على أن التولي ليس من صفات الافراد فقط، الآية الكريمة تشير إلى التولي الجماعي وإلا لقال الله سبحانه فإن تتولى يأتي الله برجل غيرك، لكن الآية تنص على استبدال جماعة بجماعة، قوم غيركم لا يكونوا أمثالكم، واضح أن التولي المشؤوم هو التولي الجماعي الذي يعني نكوص جماعة المؤمنين عن الاقتحام، هذه الجماعة تصبح بنص القرآن غير صالحة لحمل رسالة الله وبالتالي توجب استبدالها بصريح لفظة "يستبدل غيركم"، ولعل زمام جماعة المؤمنين بيد التنظيم فهو من يتحكم فيها ويقودها، طبعا بآلياته الشورية ومؤسساته المنتخبة ورجالاته القياديين الذين يعملون على بقاء الصف خادما للدعوة النبوية وقومة المرشد، فإذا تولى المرشد وسكتت الجماعة استبدل الله الجماعة والمرشد، وإذا تولى التنظيم وسكت المرشد وسكتت الجماعة استبدل الله الجميع، وإذا تولت الجماعة وسكت التنظيم وسكت المرشد استبدل الله المرشد والجماعة والتنظيم.

    على أن عقوبة الاستبدال لا تأتي فقط من جهة التولي والنكوص بل تأتي أيضا من جهة الطهرانية المفرطة، فالقوم الذين لا يُذنبون أو يدعون أنهم لا يذنبون يستبدلهم الله سبحانه بقوم يخطؤون ويتوبون، فعن أبي هريرة رضي الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم" [1].

    واضح إذن أن أهم عنصر في معادلة البقاء هو الاقتحام الذي يرافقه الذنب والاستغفار، عباد لله، بشر عاديون، صابرون، مكافحون، مقتحمون رغم أسباب الدعة، منيبون تائبون رغم المعاصي والذنوب، متطهرون باستمرار، أولئك الذين يحبهم الله وينصرهم، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين [2]، والله يحب المقتحمين الذين يرددون ما جاء على لسان المقداد بن عمرو رضي الله عنه: " يا رسول الله، امض لما أمرك الله به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد [3] لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه" [4].

    وإذا كان التولي سببا واضحا للإستبدال فإن الطهرانية المطلقة غير واضحة السبب لجعلها سببا مقنعا للاستبدال، فكيف يستبدل الله قوما كالملائكة لا يعصون الله؟ هذا إذا سلمنا فرضا بوجود بشر ملائكة، لأن الواقع يحكي عن ادعاءات لا أكثر، أما الحكمة فتتمثل في كون الله سبحانه ينصر عباده، عباده فقط، والعبودية يُشرط لتحققها عنصرا الخضوع والانكسار [5]، والقوم الذين يمشون بين الناس بادعاء الطهرانية لا يصلحون للعبودية ولا للتأييد الرباني، فالعبد الحقيقي دائم الانكسار والخضوع والتذلل بين يدي مولاه، يستشعر في نفسه التقصير المادي بالنكوص والتقصير المعنوي بالذنوب، يستحضر دائما ذنوبه وبوائقه، فهو لا يطلب شيئا سوى رضى الله وتوبته عليه، هذا العبد هو الذي يحبه الله وينصره، أما غير ذلك من المتعجرفين بعبادتهم، المتكبرين بصلاحهم، المنتفخين بتنظيمهم، وأولائك المسؤولين الملائكة فليسوا محط نصر الله، فالله سبحانه لم يجعل الارض مستقرا للملائكة.

    قال الامام ابن القيم رحمه الله: " ولهذا كان أرباب البصائر إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طَرَفِ الذُّلِّ والانكسار ومطالعة عيوب النفس، واستدعوا حارسَ الخوف، وحافظوا على الرباط بملازمة الثغْر بين القلب وبين النفس، ونظروا إلى أقرب الخلق من الله عز وجل وأكرمِهم عليه وأدْناهم منه وسيلةً وأعظمهم عنده جاها، وقد دخل إلى مكة يوم الفتح وذقَـنُه تمس قربُوسَ سَرْجه انخفاضاً وانكسارا، وتواضعا لربه تعالى" [6]، وقال ايضا: " والرجل من صان فتحه ونصيبه من الله، وواراه عن استراق نفسه، وبخل عليها به. والعاجز من جاد لها به. فياله من جود ما أقبحه، وسماحة ما أسفه صاحبها".

    ولما كانت هذه الصفة محبوبة من الله فقد اشترط سبحانه على جنده البقاء في مقام البشرية لا الارتماء إلى مقام الملائكية، لأن ذلك يخالف الفطرة البشرية، فالتنطع [7] صفة يبغضها الله، ومن يخرج عن صفة البشرية لا يصلح ليكون عبدا لله، فالفطرة التي خلق الله عليها الناس هي المعصية ثم التوبة، فهي الحكمة من خلق الدنيا، ومن يحاول أن يظهر ملائكيته فهو غير صالح ليكون حاملا رسالة الله للإنسان، فقط الانسان المخطئ التائب من يقوم بهذا الدور، وللملائكة السماء، والمتشبهين بهم من بني آدم يستبدلهم الله بعباد لله يذنبون ويستغفرون، عبادا لنا أولي بأس شديد، مذنبين مقتحمين بالعبودية لله أبواب المارقين من كلتا الجهتين، التولي والملائكية.

    إن التنظيم الاسلامي ما هو في حقيقته إلا إرادة استبدال من الله لنظام الدولة الفاسد، فهو مشروع دولة، ومتى أخل التنظيم الاسلامي بعنصري الاقتحام والاستغفار فقد استوجب هو نفسه عقوبة الاستبدال، فالتنظيم الاسلامي لا ريشة على رأسه تميزه عن الناس، وسنة الله لا تُحابي أحدا [8]، وهذه المؤسسات التنظيمية ليست كريمة عند الله لجمال مبانيها أو لوسامة قيادييها، فهي خاضعة بدورها للناموس الالاهي الذي يسري على الجميع، فمتى أخل التنظيم بالسنة الالاهية فقد استوجب الطرد من كوكبة المجاهدين والتحاق بالمخلفين تحصيل حاصل مع ما يصاحب ذلك من العذاب، قال تعالى: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ سورة الفتح: 16.

    نعم أخي العزيز، عندما يستبدل الله غيرك فانتظر العذاب الأليم، لا تحسبن أن التولي مزية، بل هو رزية، ولا تحسبن ادعاء الملائكية مزية، بل هي رزية أيضا.

    الفطرة الفطرة، فمتى حافظ المرء والتنظيم على فطرتهما التي فطرهما الله عليها فقد سلكا سبل النجاة، ومتى تنطع الفرد أو التنظيم وأرادا في كون الله غير ما أراده الله فيه فقد استوجبا لنفسيهما الهليكة، ولا يعز على الله سبحانه أن يمحي الفرد و التنظيم، بل إنه لا يعجزه محو السماوات والارض كاملتين إن هما خرجتا عن فطرته التي فطرهما عليها، ولا يعجزه أن يمحي سبحانه الخلق كله ويأتي بخلق جديد يحافظ على الفطرة، قال تعالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ" سورة ابراهيم، 22.

    ولذلك فإن نداء الله إلى الفرد والتنظيم أن يركنوا إلى الفطرة دائما ولا يغيروا خلق الله، فمن غير الفطرة طمسه الله، والبقاء على مقام العبودية سبب من أسباب بقاء النسل الجهادي على طريق الاقتحام حتى النصر والتمكين للعصبة الصالحة، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ" سورة فاطر، 15.

    ما يفعل الله بتنظيم أفراده ليسوا فقراء إلى الله يستشعرون في أنفسهم الغنى، ملائكة غير منيبين إليه، هل خلق الله إلاها آخر منافسا له، لا يستقيم ذلك بمنطق العقل ولا بمنطق الدين، إن الله لا يعز عليه أن يدمر السماوات والارض ويأتي بآخرين إن هما خرجتا عن طاعته، ولا يعز عليه أن يهلك تنظيما حقيرا صغيرا إن هو خرج عن عبوديته واستغفاره واستشعار نقصه، دعني من أولائك المسؤولين التنظيميين الذين يغترون بأنهم أولياء الله وأحباؤه، يجيبهم الله تعالى بقوله: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم، بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" سورة المائدة، الاية18.

    ما رأيت شيئا مُقرفا أكثر من استشعار التنظيم ومسؤوليه أنهم أبناء الله وأحبائه، يعاملون الناس كأنهم ملائكة مطهرون، كأنهم فاهمون، فاهمون جدا ومتميزون، كأنهم خلق غير الخلق، كأنهم مُتفردون بشيء إلاهي، كأنهم أحباء الله وجميع الاولياء ناقصون، وجميع الحركات الاسلامية ناقصة، وجميع المسلمين ناقصون، وجميع الكرة الارضية ناقصة، وحدهم المسؤولون صالحون مقربون فاهمون، كأنهم حجزوا الفردوس الاعلى لصالحهم والباقي في الدرجات السفلى.

    لعمري إن هذا الطغيان التربوي سبب كاف لتحقق الاستبدال، فالله لا ينصر إلا عبيده المتواضعين، المستشعرين لنقصهم وذنوبهم، المقتحمين أهوال التغيير والاصلاح بنفسية العبودية لله والانابة إليه، أما الذين يستشعرون أفضلية على خلق الله وعلى أولياء الله فلا يصلحون لا لبناء ولا لتغيير، إنهم مشاريع طواغيت ودكتاتوريات تنظيمية وتربوية وليسوا من الله في شيء، حاشا لله أن يتخذ وليا من هؤلاء، الولاية فقط للعبد "المشرط الحناك"، الولاية فقط لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دخل مكة حانيا رأسه تواضعا لله ونكرانا لنفسه [9]، الولاية فقط لمن يدخلون على الناس خافضي رؤوسهم تأسيا برسول الله، أما طغاة التنظيم، العناطيز المعنطزة التي تنتفخ خراء وهراء وهواء على عباد الله فحاشا أن يكونوا من أبناء الله وأحبائه، وحاشا أن ينصرهم الله، لاشك أن مصيرهم الاستبدال والعذاب.


    📌 الهوامش

    1. [1] رواه مسلم.
    2. [2] قال تعالى: " لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" التوبة 108، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ البقرة: 222.
    3. [3] مكان باليمن أو بالحبشة
    4. [4] سيرة ابن هشام
    5. [5] قال الإمام أحمد الرفاعي عن نفسه: " المخلوق ضَعف، عجز، فقر، حاجة، عدم محض. ومن كشف الله له حقيقة نفسه يراها معدن النقص كله والعجز والضعف". وقال رحمه الله: " أي سادة، تفرقت الطوائف شِيَعا، وحُمَيْد (تصغير أحمد يعني نفسه) بقي مع أهل الذل والانكسار، والمسكنة والاضطرار. البرهان المؤيد، ص33، رحم الله الامام الرفاعي الكبير. وقال رحمه الله: " أي سادة، أنا لست بشيخ، لستُ بمقدم، لست بواعظ، لست بمعلم، حُشِرتُ مع فرعون وهامان إن خطر لي أني شيخ على أحد". قال الذهبي يحكي عن الامام الرفاعي: " وكان كثير الاستغفار عالي المقدار، رقيق القلب، غزير الإخلاص، وكان متواضعا يجمع الحطب ويجيء به إلى بيوت الأرامل. وكان يقول: «أقرب الطريق الانكسار والذل والافتقار، تعظم أمر الله، وتشفق على خلق الله – وتقتدي بسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وكان لا يجمع بين لبس قميصين، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلا، وإذا غسل ثوبه ينزل في الشط كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف، وإذا ورد ضيف يدور على بيت أصحابه يجمع الطعام في مئزر. وقيل أحضر بين يديه طبق تمر، فبقي ينقي لنفسه الحشف يأكله، ويقول: أنا أحق بالدون، فإني مثله دون.وكان لا يقوم للرؤساء، ويقول: النظر إلى وجوههم يقسي القلب".
    6. [6] مدارج السالكين، ج 2، ص: 394
    7. [7] للتنطع معاني متعددة عند علماء اللغة والشريعة ويكون غالبا في تكلف الفصاحة والتشدق بالكلام، أو التكلف في أمر لا يبلغه العقل، جاء عند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". ونقل الحافظ في الفتح عن ابن المنير عند شرحه لحديث البخاري: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع."
    8. [8] القارئ للتاريخ ليعلم أن الله ينصر من أعد عدته وجهز نفسه وأخذ بكافة الأسباب، هنا سينصره الله عز وجل، لكن إذا كان هناك قصور إيماني أو تقصير في الإعداد فإن الله لا يتدخل، وستحكم النتيجة تلك الأسباب المادية. فلعل المسلمون ينتصرون بتجهيزهم والله لم يساعدهم، ولعل الكافر يتغلب على المؤمن لتغلبه عليه بالتخطيط والإعداد طالما أن المؤمن بعيد عن الله أو أنه ساذج لدرجة أنه ترك الأسباب وعلق الآمال على معجزة سمائية تهبط إلى الأرض لتحسم الأمر لصالحه؛ وغزوة حنين أكبر شاهد على ذلك.
    9. [9] وكان دخوله صلى الله عليه وسلم لعشر بقين من رمضان سنة 630 م دخولا يتلاءم مع عظمته، حيث علاه التواضع حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، وأحنى رأسه على دابته حتى إن شعر لحيته ليكاد يمس عنق الدابة، وأخذ يردد " اللّهم لا العيش الا عيش الآخرة "، محمد بن يوسف الصالحي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 5/ 226.

  • لماذا يدمر التنظيم الجماعة؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 65 من 77 — فهرس الكتاب

    سؤال يراودني من مدة، وهو لماذا يحاول التنظيم تدمير الجماعة ومقوماتها، لماذا يحرص الافراد على بقاء الجماعة ويقدمون في سبيل ذلك الغالي والنفيس وكثيرا من التنازلات بينما يُصر التنظيم على تدمير أواصر المحبة داخل الجماعة ويحاول تفكيك روابطها، هل هي نتيجة حتمية لعملية الإختراق، أم هي رعونة فراعنة التنظيم لا غير.

    لابد أن ندرك أولا ماهية مصالح التنظيم ومصالح الجماعة حتى نفهم مروق التنظيم، أين تتقاطع هذه المصالح وأين تفترق، فالتنظيم ككيان إداري داخل الجماعة يسهر على ضبط مؤسساتها والعلاقة بين أفرادها لابد أن يكون عرضة لكثير من التحديات المغرية التي قد تحيد به عن غايتي الجماعة الاستخلافية والتربوية، وبالتالي يكون لزاما على هذه الأخيرة (الجماعة) أن تتدخل لتضع حدا للشكل أن يصيب المضمون، الشكل التنظيم والمضمون الجماعة.

    يحاول التنظيم دائما أن يخلط بينه وبين الجماعة كي يختبئ خلفها ويحتمي بها من انتقادات الناس والاعضاء، فلمفهوم الجماعة هيبة باعتبارها مفهوما دينيا بالمقام الاول يختزل معاني الأخوة والايمان، أما التنظيم فلا هيبة له سوى هيبة الارهاب وفي أحسن الاحوال أداة سياسية تختزل معاني القسوة والانضباط، ولذلك فالشيطان التنظيمي يختبئ خلف الجماعة كي يغطي سوءة جرائمه السياسية والتربوية وهشاشة قواعده الأدبية والفكرية وهو في حقيقة نفسه يعرف جيدا أنه لا يعدو كونه شبكة من الاجهزة والمؤسسات والاداريين لا يمثلون كل الجماعة، كما أنه من الممكن في أي لحظة تصور تفكك هذا التنظيم مع بقاء الجماعة بل وتزايد قوتها وصفائها باعتبارها قائمة على أواصر المحبة والأخوة والسلوك لا على روابط التنظيم والامارة والمسؤوليات.

    على أن الجماعة نفسها تحاول الخلط بينها وبين مفهوم جماعة المسلمين، فتخلط وتركب على المفهوم وتتحرك على هذا الأساس وتلبس جلبابا أكبر منها دون أن تعرف خطورة الامر الدعوية والسياسية والتربوية.

    نرجع إلى زحف التنظيم على الجماعة فنجد أن شريحة كبيرة من الاعضاء داخل التنظيم ليس لهم أية مسؤوليات تنظيمية يهمشهم التنظيم عن قصد أو يعطيهم مسؤوليات تنظيمية شكلية فارغة للإبقاء عليهم ضمن نفوذه السياسي، يفعل ذلك عندما يريد أن يحتفظ بشخصية ذات مال أو جمال أو شهادة جامعية رفيعة فيرمي إليها بمسؤولية شكلية فيضحي صاحبنا فرحا مسرورا كونه المسؤول الرئيسي التنفيذي القطري العام لقطاع الطماطم في غد الدولة الاسلامية، ثم يُعهد إليه بتحضير برامج زرع الطماطم وإعداد تقارير بخصوصها ومحاولة اكتشاف سوق الطماطم حاليا والقيام بدراسات مستقبلية حول الطماطم تحسبا لوقوع الدولة في يد التنظيم يوما ما فيرتمي في حضن وزارة الفلاحة ويطبق برنامجه الطماطمي، ينتفش صاحبنا بمسؤوليته الجبارة ويبتسم السيد طمطوم ملئ اشداقه ويعتبر نفسه من يومها قياديا في التنظيم ثم يخرج في اليوم التالي على إخوانه متخيلا نفسه مسؤولا كبيرا في دولة الخلافة.

    و قس على ذلك كثيرا من المسؤوليات الوهمية التي تُخلق ويُرمى بها إلى من يُريده التنظيم أن يتحرك وكأنه فعلا مسؤول كبير، يلهيه مع الخاوي لليوم العامر.

    التنظيم يختلف كليا عن الجماعة، والجماعة بدورها مفهوم يختلف كليا عن مفهوم جماعة المسلمين التي تجمع الأمة كلها، شعبا وقيادة سياسية وعلمية ودينية، فالتنظيم جزء من الجماعة، والجماعة جزء من جماعة المسلمين، وإذا كانت الجماعة مجرد فاعل بسيط داخل جماعة المسلمين، فإن التنظيم عكس ذلك بالنسبة للجماعة فهو فاعل قوي داخلها، بل هو عمودها الفقري وهيكلها العظمي، فالجماعة تستمد قوتها من قوة هيكلها المؤسساتي، طوله، توسعه، شدة هياكله، ارتباط هذه الهياكل تنظيميا ببعضها وعدم تفككها، يضاف إلى ذلك قوة عقل الجماعة التي تستمدها من فطنة مرشدها وصفاء بصيرته، فالمرشد هو عقل الجماعة ورأسها وقلبها الروحي النابض، هو كذلك إن جمع الله فيه حكمة العقل وكمال التربية، لكن قد تنفصل هاتان القوتان فيُعهد بالجماعة والتربية إلى صاحب القلب الكبير، بينما يستقل الداهية بإمارة التنظيم والسياسة، مع بقائه خاضعا لعزمات المرشد العام للجماعة، ووسط هذا الهرج من المؤسسات تبقى المحبة تفعل فعلها في الجماعة، تقوي التنظيم ولا تتركه هياكل جافة.

    إذا فهمنا هذا الأمر يـُمكنا بسهولة أن نفهم كيف يدمر التنظيم الجماعة، خاصة عندما يغيب القلب الكبير، ويستولي أمير التنظيم والسياسة على الجماعة، فيتغول التنظيم على التربية ويكسر المحبة وهي زيت محرك الجماعة ودمها ولحمها، ثم يهيم بفرعونيته بعيدا كل البعد عن حكمة المصحوب الواصل قلبه بالله، وهنا يبدأ التنظيم في تصفية كل مخالف لفرعون التنظيم لتقوية نفوذه ومنظومته، يحسب التنظيم نفسه هو الجماعة، ثم يشرع في تصفية القلوب الكبيرة الحكيمة، يفصلها عندما ترفض الانصياع لدكتاتوريته التنظيمية وقراراته الانفرادية ورؤيته الاحادية، ينقلب حتى على المرشد عندما يتساهل هذا الأخير بطيبة قلبه مع وحوش التنظيم ويترك لهم مساحة من الرحمة والاستقلالية للعمل فيها.

    الرحمة واجبة داخل الجماعة، لكن التنظيم باعتباره آلة تنفيذية لا يستحق أدنى رحمة، التنظيم نفسه لا يعرف الرحمة، الآلات لا تفهم الرحمة، الرحمة بالنسبة إلى أي آلة ضعف وخلل، فقط بالصرامة والانضباط والنظام تعمل الآلة، وبالتالي فالإمام عليه أن يرحم الاعضاء ويحتضنهم برحمته القلبية أما التنظيم فيجب أن يقبض عليه بكل قوة وحزم وشدة وقسوة وينزل عليه إن اقتضى الأمر على الرقبة، فتلك اللغة الوحيدة التي يفهمها التنظيم.

    نقول هذا الأمر رغم أنه يبدو كلاما قاسيا لكنه صمام أمان الجماعة، وإذا لم يُؤخذ التنظيم بهذه القوة فإنه سيزيغ ويدمر قلوب المؤمنين وأرواحهم، سيهلك الحرث والنسل والنساء والاطفال والرجال والتربية والاخلاق والدين والأرزاق، فالمسألة ليست لعبة أو نزهة، إننا عندما نؤمن بتركيع التنظيم بين يدي صاحب القلب الكبير نقول هذا حفاظا على الجماعة أن يستولي عليها التنظيم ويسخرها لمآربه السلطوية ويفرغها من محتواها التربوي المعرفي والدعوي الحركي، نقول هذا لأن التنظيم أصلا هيكل عظمي قاسي تناسبه القسوة ولا تؤلمه، فالحنان يجب أن يوضع في مكانه المناسب وهم أهل السلوك من الدراويش والمستضعفين من عيال الله، هل نقسو على عيال الله ونحنو على الفرعون، إنه الخوار الذي وصف به أبا بكر عمر عندما رأى هذا الأخير بالرحمة على المرتدين، خوار لأنه حنان في غير موضعه، وهكذا هو التنظيم، جبار في الجاهلية خوار في الاسلام، جبار على الاخوان خوار مع المجرمين، ولا يفهم في التنظيم إلى كل قلب مخموم كقلب أبي بكر [1]، رحيم بالمؤمنين شديد على الجبارين الخوارين.

    التنظيم الجبار الخوار يرحم الجبابرة لأنه يحترم القوة ويقتل المساكين لأنه يحتقر الضعف، إنه الانتكاس القلبي والانحراف الفكري، ولو مال أبو بكر "المرشد" إلى رأي "التنظيم" وتوانى عن ذبح المرتدين لهلك الـدين وهلك المؤمنون، ولو مال الامام صاحب السر والبصيرة إلى التنظيم الجبار الخوار لهلكت الجماعة، جاء بعد أبي بكر من ترك الحثالة يرتعون داخل الحمى بدعوى الرحمة، وجاء من بعد الامام من ترك الكلاب تجول في أركان التنظيم بدعوى الحنان، نتج عن الرحمة الخوراء ذبح الصحابة الكرام، ونتج عن الحنان الخوار ذبح السابقين بإحسان.

    كنت دائما أرى كيف يتعامل التنظيم مع خيرة المؤمنين الطيبين، يكرههم، يحاربهم، ينغص عليهم حياتهم، يتمنى اليوم الذي يدمرهم فيه، يتمنى اليوم الذي يخطئون فيه فيفصلهم، لقد كان الهيكل العظمي الجاف يأكل عضلات الجماعة ويمزق أربطتها ويشرب دمها، مصاص دماء هو التنظيم، ومع أكله للحوم الرطبة المحبة الحنونة بدأت تسري في الجماعة موجة القسوة والإكفهرار والبغض، فلم يعد هناك إلا الحديد يضرب في الحديد، العظام تضرب في بعضها، اختفت المحبة وتبعتها الأخوة، ومع الجفاء والقسوة التي استشرت طفت على السطح أمراض الحقد والكدر والبغضاء والنميمة والتجسس والخيانة والمكر، ومع الانقلاب على رأس الصحبة اكتمل بدر القسوة والجفاء والمراء وسوء الاخلاق والتنطع، لم يبق إلا التنظيم وتوارت الجماعة خلف التنظيم، بقي الحديد وانهرق الزيت، تدمرت الجماعة ومرضت وانعزل رجالها الأفذاذ، بقيت الهياكل التنظيمية ومصالح التنظيم يحرسها زبانيته الذين غسل أدمغتهم بمفهوم سيادة التنظيم المطلقة على المؤمنين، لقد أجهض التنظيم الزحف وانتكس الجهاد، لقد أكل التنظيم الجماعة وصادر التربية وحاصر الصحبة وأقصى الرجال.

    أحاول في هذا المحور أن أجيب عن السؤال، لماذا دمر التنظيم الجماعة؟ لكنني لا أصل إلى الجواب الدقيق، أحوم حول الجريمة ولا أدري سببها الحقيقي، لكني أكاد أعتقد جازما أنه إذا كان الاختراق الفكري والمعلوماتي هو السبب الظاهر، فإن السبب الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا خللا في التربية [2]، والخلل في التربية يمكن تصوره في ضعف البرنامج التربوي أو توقف المدد أو انقطاع المصحوب عن الحضرة أو إقصاء المربين وربما حتى في طريقة تنزيل التربية أو حتى في فلسفة التربية داخل التنظيم التي قامت عليها الجماعة والتي لم تستطع أن تحتوي التربية ولم تعطها فرصة لتؤتي أكلها.

    هل يمكن القول أن المصحوب قد أخطأ في اختلاق التنظيم؟ أم أنه لم يستطع ضبطه وإلجام نفوس مسؤوليه الجامحة؟ أم تراه تعرض إلى انقلاب غادر؟ أم أن النظام كان أقوى وأذكى وأطول نفسا فخطف التنظيم من بين يدي الرجل وضرب التربية في العمق؟

    كل الخيوط تلتقي في التربية، وقد كان المصحوب يؤكد غير ما مرة على الدور المحوري للتربية، التربية ثم التربية ثم التربية، لقد كان يعلم أنها العنصر الحاسم في استقرار الجماعة وثباتها واستمرارها وبقاء التنظيم على المحجة البيضاء، إلا أن تربية هذا الكم الكبير من المسؤولين التنظيميين ليس بالعملية السهلة، ترويضهم ليس نزهة، لكأنك تروض وحوش البرية على الاخلاق والنظام.

    النموذج السابق في التربية كان أكثر نجاحا لأنه بني على الطريقة الصوفية التقليدية حيث يخضع المريد للشيخ منذ البداية، فيسهل على الشيخ تشكيله التشكيلة التي يبتغيها، أما المزاوجة بين التربية والتنظيم فهي مستجد تربوي جديد على الساحة التربوية لم يستطع التحقق على أرض الواقع، لقد سبق أن قام بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمازج بين التربية والتنظيم، فانتصرت التربية ثلاثين سنة ثم ما لبث التنظيم أن هزمها وانقلب عليها في شخص المسؤول التنظيمي والتربوي على الشام، لكننا في النموذج الحالي لا نكاد نصل حتى إلى فتح مكة بل ولا حتى تأسيس دولة المدينة، لقد أجهض التنظيم التربية وهي لا تزال في شعاب مكة طريدة، استبق دولة الفتح بتكبره اليقيني وقتل التربية قبل أن تؤتي أكلها.

    لكأن الأمر يحتاج إلى إعادة البناء من جديد ورجوع إلى عزلة حراء، لعل ذكر الله والإختلاء مع الله يكون فاتحة خير على المؤمنين، لعل رحمة الله تصيب التنظيم فيرجع الى حظيرة أهل الله وحضرة النبوة ويرفع يده عن الجماعة ويطلق سراح أهل التربية يعملون عملهم في الأمة.


    📌 الهوامش

    1. [1] جعل أبوبكر الصديق رضي الله عنه على أنقاب المدينة حُرَّاسًا، وجعل عليهم أمراء، فمن الأمراء الذين جعلهم أبو بكر علي بن أبي طالب ٢- الزبير بن العوام ٣- طلحة بن عُبيد الله ٤- سعد بن أبي وقاص ٥- عبدالرحمن بن عوف ٦- ابن مسعود، فجعلت وفود العرب تَقْدُم المدينة للقاء أبي بكر الصديق يُقرُّون بالصلاة، ويمتنعون عن أداء الزكاة. فقال الصحابة لأبي بكر الصديق: نتركهم وما هم عليه من منع الزكاة، ونتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم يُزكُّون. فرفض أبوبكر الصديق ذلك رفضًا قاطعًا، وقال له عمر رضي الله عنه: علام نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم. . »، ثم قال عمر رضي الله عنه لأبي بكر: " تألف الناس يا خليفة رسول الله وارفق بهم". فقال أبوبكر لعمر رضي الله عنهما: " رجوت نُصرتك، وجئتني بخُذلانك، أجبار في الجاهلية خوَّار في الإسلام، إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، والله لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا (هي أنثى ولد الماعز) كانوا يُؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. قال عمر: فوالله ماهو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. قال الحافظ في الفتح: وفي هذه القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطَّلع عليها آحادهم، ولهذا لا يُلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تُخالفها، ولا يُقال كيف خفي ذا على فلان؟ وقال الحافظ ابن كثير: استطاع أبوبكر الصديق رضي الله عنه أن يرد شارد الدين بعد ذهابه، ويرجع الحق إلى نصابه.
    2. [2] ". . مطلب العدل والإحسان الذي يبدأ من البداية الوحيدة الصحيحة: التربية ثم التربية ثم التربية. . . . ذكرنا أن مرض الأمة هو حب الدنيا وكراهية الموت كما وصفه النطق النبوي المعصومُ. وذكرنا أن أعراض هذا المرض الغثائي تتجلى في انعدام التربية الإسلامية الإيمانية الإحسانية، وفي الولاء للقومية، وفي الطبقية، وفي فساد الحكم. لكون الأعراض الثلاثة الأخيرة تترتب على السبب الأول نقول: علاج هذا المرض العضال التربية. منَعة أجيال مومنة محسنة. في قلب المسلم الفرد وعقله ونفسه وخلُقه ومروءته تحتدم المعركة الحاسمة بين الإسلام والجاهلية. فسلاح القتال إنما تعطيه التربية. قوة أجيال نُشِّئت على الإيمان والإحسان والجهاد في سبيل الله." الاحسان، ج2، ص521

  • طاعة الأوامر

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 64 من 77 — فهرس الكتاب

    الطاعة نوع من العبودية، أو هي درجة أقل بقليل من العبودية، لكنها ليست عبودية، لكنها بكل تأكيد وضعية يشعر فيها الإنسان بالنقصان والعجز والإحتياج ومحدودية القدرات وانتظار رغبة الآخر ليحققها ممن يعتقد أنهم أقوى منه شدة أو تمكينا أو أكمل جسما أو أحد ذكاء أو أكثر فعالية أو أعلى منصبا وربما أكثر بركة وربانية، وقد تصل الطاعة إلى العبودية فيخضع المطيع خضوعا مطلقا، فتنمحي شخصيته وتحضر أوامر الرئيس في كل شيء، بمعنى أن الطاعة أحيانا تؤدي الى التقديس وعدم القدرة على مخالفة الشخص أو التنظيم الذي يتحكم في مصادر القرار، كأنه نوع من العصمة أو الالوهية من جهة ومحو للذات من جهة أخرى، يحاول التنظيم أن يربط الطاعة بالرجولة تمويها، لكنها تبقى في جميع الأحوال حال غير عادية، حالة تنتقص من شخصية المرء وتجعله مسخرا لقضاء حاجات الآخرين.

    ومع ذلك تبقى الطاعة هي وسيلة التنظيم الرئيسية لتنفيذ قرارات القيادة وبالتالي استمرار التنظيم على الواقع، فالطاعة هي روح التنظيم ودعامته المعنوية الاكثر أهمية، ومتى سقطت الطاعة انقلب التنظيم تخبطا وارتجالية وشتاتا وتداخلا في المهام وحوادث قاتلة واتباع كل ذي رأي رأيه، يصبح الأمر كأنه فوضى عارمة وأمرا عاما مشاعا بين الافراد المتناطحين على الشياع، إننا لا نريد الفوضى، لكن نحاول في هذا المحور أن نقف على المفهوم الصحيح للطاعة، تلك الطاعة المتموقعة اعتدالا بين العبودية وبين التسيب.

    إننا لا نريد عبودية ولا نريد تسيبا، نريد طاعة واقعية، غير متطرفة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فلا هي عبودية للأشخاص أو للتنظيم ولا هي تسيب وشتات وفرح كل ذي رأي برأيه، وإذا كان الغالب في الدول المتخلفة أن يميل الناس عادة إلى العبودية لضعف إرادتهم وانحطاط تعليمهم وانعدام جو الحرية في بلدانهم فإنه بالمقابل في الدول الاكثر تحررا تجد الاشخاص بشخصية أكثر قوة وأكثر استقلالية عن الاشخاص والمؤسسات وأحيانا أكثر دلالا وتسيبا، لا يعجبهم شيء ولا يعطون ولاء إلا للأجهزة الرسمية، وفقط فيما يتعلق بالنظام العام الذي يطيعونه احتراما للعيش المشترك، لا يركعون ومع ذلك يُخدعون بالاعلام، وهم أكثر الناس تمردا وعصيانا وبحثا عن الغرائب والعجائب ولا يستطيعون أن العيش إلا ثائرين على المألوف، يحترمون القانون وينضبطون له ويتقيدون به إلى درجة التقديس، لكنهم يثورون ضد الطغيان.

    نعود الى الدول المتخلفة فنجد أن صاحب السلطة دائما يعشق مفهوم الطاعة، يحبها لأنها تصب في واده وتخدم صالحه، يبحث عمن يطيعه فيقربه إليه ويسخر له مقدرات الجماعة وينزل عن ذاك الذي يناقش ويريد أن يفهم ويتطلع إلى منطق الوضوح والمؤسسات والقانون، والمرؤوس في جميع الأحوال من طبعه أن يتوق إلى الحرية، فقد يتنازل عنها مقابل قضاء المآرب، وقد يفضل في أحيان أخرى أن يموت من أجل هذه الحرية.

    المرؤوس يحب الحرية والرئيس يحب الطاعة، ثنائية متعارضة، حتى داخل التنظيم الاسلامي، فالأمير الرئيس صاحب الأمر والنهي، المسير للأجهزة الادارية للتنظيم في دائرة نفوذه، القابض على خيوط شبكة تنظيمية معينة، الشخص الذي يعمل تحت إمرته كثير من الرجال، دائما تستهويه السلطة، يعشق الطاعة، دائم الحديث عن الطاعة، يزن الرجال بمقدار طاعتهم له، دائما يدندن حول الطاعة حتى لا يهتز عرش مسؤوليته التنظيمية، يحس بنشوة لذيذة عندما يطيعه الرجال ويحنون رؤوسهم له، لذة تفوق لذة مفاكهة النساء ومعافسة المال، وقد رأيت من الذين يعشقون الطاعة داخل التنظيم الاسلامي من هو مستعد لتصفية جميع المنافسين والاعضاء الكارهين لرئاسته وإعطاء كل أمواله بل والتخلي عن كرامته وعزة نفسه مقابل السلطة.

    نعم، السلطة لها بريق ذهبي يخطف أبصار الرجال ويذهب بعقولهم، ولها مذاق لذيـذ.

    المرؤوس عزيز النفس عكس ذلك يتجرع العلقم، فهو في نظام تسلسل الرئاسات يعاني كل حين من الطاعة ويعتبرها قهرا لشخصه اذا لم تكون محدودة في نطاق تنظيمي محدد وكانت متطاولة ماسة بخصوصياته الشخصية ومتفرعة لا حدود لها، والعمل داخل التنظيم الاسلامي في الاصل عمل تطوعي لا يحتاج إلى أوامر وقيادة ونهر وقهر إلا في حدود معينة تمس السير العام والنظام الحركي للجماعة، والعضو المتطوع للعمل في التنظيم الاسلامي يستطيع بذلك تحمل الطاعة ما دامت في حدود كرامته الانسانية واستقلالية شخصه عن المساس بها، فهو ليس كالأجير يتلقى أجرا داخل الشركة أو جندي داخل جيش نظامي يصرف له راتبا حلوا آخر كل شهر يزيل عنه مرارة التقيد والطاعة، بل إن العضو الطائع داخل التنظيم الاسلامي غالبا ما لا يستفيد أي شيء مادي مقابل طاعته وانضباطه، والرئيس التنظيمي لا يدق عليه الباب آخر الشهر ليسلمه راتبه المالي، بل إن هذا العضو المطيع هو من يؤدي واجب الانخراط بداية كل شهر للتنظيم الذي ينتمي إليه [1]، فلا يبقى لنا إلا الحديث عن استفادة معنوية محتملة، يقول التنظيم إنها جنات الخلد بعد الموت شريطة عدم التعرض للفصل التنظيمي الذي يعني الالتحاق بالشياطين ويعني خسران كل حسنات طاعة السنوات الماضية.

    إننا عندما نفهم الطاعة نفهم لم يتقاتل الناس على السلطة، وعندما نفهم حلاوة الطاعة في عين المسؤول التنظيمي نفهم لم يتقاتل الرجال على المسؤولية داخل التنظيم الاسلامي، فالجميع مسعور على السلطة، والكل يتهافت على الطاعة ليجلبها إلى صفه، بخيوط حريرية حنونة أو بسلاسل حديدية قوية، ومن هناك يريد أن يدخل التنظيم أو الفرد باب الالوهية التي تتوق إليها النفس البشرية كل حين، وعندما يخضع الجميع تنطق النفس بلسان حالها قائلة:" أنا ربكم الاعلى"، قد لا تقولها اليوم صريحة كي لا يستنكرها الناس ويمجها الاذكياء، لكنها تقولها ضمنا، فهي تُفهم من سياق الكلام ودلالة الحركة، وبذلك تصبح العبودية للبشر أو للتنظيم شيئا مشروعا مشروعية مطلقة، فطاعة الالـه واجبة، وعبادة الرب لازمة، وإلا فالجزاء هو جهنم التنظيم، وجهنم التنظيم هو التهميش والفصل والحرب النفسية والتحميق والغيبة والنميمة المنظمة والمقاطعة الاقتصادية وتشتيت الاسرة والدعاء والتعبئة التحتية والفوقية والتخابر.

    إن الطاعة عندما تختلط بالدين تجد لها مسلكا فتصبح شيئا مقبولا، شرعيا، ولذلك يحرص الأمراء الاسلاميون على ربط الطاعة بالدين، فهم يستدعون النص الديني كل حين ليقطعوا الأعناق الحرة، فيسهل انقياد الناس لهم، الركوب على الدين لعبة ذكية، والانظمة السياسية المتخلفة دائما ما تشرعن ظلمها بالدين، وينطق ديدان القراء من المنافقين من على المنابر حي على طاعة فلان ففيها رضى الله، خسئت أنت ومنبرك يا عدو الله، كيف يكون رضى الله في عبودية شخص يغسل الخراء بيديه كل يوم، دعنا من استغلال الدين واستغلال بساطة الناس وتفكيرهم، دعنا نقولها بكل صراحة ووضوح، إن الطاعة ليست سوى حالة استثنائية لتحقيق غاية معينة ثم تنتهي هذه الطاعة المشؤومة بتحقيق الهدف المنشود، دعني أهمس في أذنيك صديقي المنافق إن الطاعة ليست أناء الليل وأطراف النهار واستعباد للناس وتسخيرهم في مصالح المعبود، دعني أهمس في أعماق نفسك المريضة قائلا قولا بليغا إن الطاعة ليست مطلقة إلا لله وحده لا شريك له.

    الطاعة ليست سوى شيء إداري مؤقت ووسيلة تنظيمية لتحقيق مصالح الجماعة وتجنبا لإعمال كل ذي رأي برأيه ثم تنتهي هذه الطاعة اللعينة التي خربت الأوطان واستعبدت الرجال، هذا دورها لا أكثر، إن الطاعة إذا أصبحت استعبادا أناء الليل واطراف النهار وتدخلا في الحياة الشخصية فهي كارثة.

    لو كان الفقر رجلا لقتلته، قالها عمر وربما علي، ولو كانت الطاعة المستعبدة رجلا لقتلته، فالفقر يُذل الرقاب وكذلك الطاعة التي تصل إلى العبودية الدينية أو السياسية، تذل الرقاب، ولعمري إنه عار على تنظيم يدعي الاسلام أن ينتج لنا عبيدا للتنظيم، أشباه رجال طائعين خانعين أناء الليل وأطراف النهار لحثالة من المسؤولين، إمعات لا يُعول عليهم، كما لا يُعول على شعوب خانعة راكعة مذلولة أمام حفنة من اللصوص والديوثيين، كيف يسمح الرجال لكمشة من المخنثين أن يحكموا أعناقهم، والغرابة كيف يفعلها التنظيم الاسلامي بنفس الحقارة السياسوية فيستعبد رقاب الرجال ويلوي أعناقهم باسم الدين، عار ما بعده عار.

    إن نجاح التنظيم الاسلامي داخليا وخارجيا رهين بإنتاجه للرجال الاحرار، الاحرار الذين انعتقوا من كل شيء ما عدا الله، فالعبودية لله تشريف والعبودية للبشر تحقير، وعلى ذلك سار التنظيم النبوي الذي أخرج لنا رجالا أحرارا لا عبيدا خانعين، فالنموذج الصحابي رغم مأسسته على الدين إلا أنه لم يخرج لنا رجالا ديوثيين خانعين صاغرين، وجُل كما شئت يمنة ويسرة في سيرة الصحابة وفي سيرة الرجال المتقدمين من هذه الأمة فلا تجد إلا رجلا حرا، ورغم ان معركة أُحد كانت درسا في الطاعة لكنهم ومع ذلك كانوا يفرقون جيدا بين الطاعة والعبودية، لقد دفعوا ثمن الاستهانة بالأوامر العسكرية ساعة الكريهة من دمائهم، وفهموا الدرس جيدا، أصبحوا يطيعون الأوامر لكن بعد شورى ونقاش وحوار وتقليب رأي وصدور قرار من مؤسسات لا من افراد، يعبرون عن آرائهم السياسية بكل حرية أمام التنظيم، ويهددون بالسيف كل من سولت له نفسه أن يتكئ على حائط الطاعة ليستعبد الناس ويحكم هواه ويفصل بغير شرع الله، لقد كانوا وقافين على الحق لا خشيبات يحركها التنظيم.

    وعلى بساطة أغلب الصحابة الكرام وفقرهم، وعلى قلة زادهم من الشواهد العليا، لكنهم كانوا يفهمون جيدا أن الرجل لا يُهان ولا يُستعبد، بينما قادة التنظيم اليوم يروجون أن الطاعة هي شرف والعضو الطائع هو خير مثال للمؤمن الصالح، الرجل الطائع لزوجته الذي يغسل أواني مطبخها هو المثال الحي للرجل المؤمن الصالح والرجل الذي لا يرضى بغير طاعة زوجته له رجل شرير، الرجل المتزوج من امرأة واحدة مثال الرجولة والمتزوج من زوجتين ليس رجلا، الرجل الذي يلحس أرجل الجميع ويتودد للمسؤولين هو الرجل الصالح والرجل عزيز النفس الذي يصدح بالحق عميل، تلاعب بالدين وتخريب للرجولة.

    دعونا نلقي نظرة على لقطة فنية جميلة من فيلم بطله صحابي جليل، لنعرف الفرق بين الحرية والعبودية، ففي الهجوم الذي قامت به الدولة الاسلامية أنذاك على دولة الفرس كان الجيش الاسلامي على مشارف بلاد الفرس، يسميه التاريخ الاسلامي فتحا، وأسميه توسعا سياسيا ودينيا، ووجد هناك رجل حر إسمه ربعي بن عامر، دخل هذا الشهم الرجل الذي يمتلئ رجولة عكس ما يروج له التنظيم والنظام، دخل على رستم، ورستم عظيم الفرس يستجدي الصلح في قرارة نفسه، دخل الرجل البسيط في مظهره العظيم في نفسه "ربعي" حاملا حربته يطعن بها السجاد الفارسي في كل خطوة مستهزئا بجنود الفرس وزينتهم وهو يتقدم إلى إلاههم، ثم بدأت المفاوضات الحربية فلما أراد رستم أن يحدد غاية النقاش أجابه بن عامر أن الهدف المعلن هو إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، فلما طلب رستم مهلة للتفكير أمهله ربعي ثلاثة أيام لا غير، وإلا قلب الدنيا على رأسه، لكن بساطة مظهر ربعي وملابسه الرثة جعلت عظيم الفرس المتكئ على ريش النعام يشك في وعد الصحابي، فسأله عن مرتبته التنظيمية في تنظيم المسلمين لعله يكون القائد الحربي لجيوش المسلمين، فقال ربعي كلمته الخالدة: " لا، بل أنا رجل من الجيش، ولكنَّ أدنانا يجير على أعلانا" [2]، معنى ذلك بلغة اليوم أن التنظيم النبوي كان كتلة واحدة ما يقوله آخرهم هو ما يقوله أولهم، تنظيم نبوي غير التنظيم الحالي ذي الدخن، فالتنظيم الاسلامي اليوم المكون من طبقات اجتماعية وتنظيمية واقتصادية مختلفة لا يجير فيها أدناها على أعلاها بل ولا يفهم حتى ما يجري.

    يستفاد من الواقعة التاريخية أن العبودية لم تكن في تنظيم المسلمين، وتجليات ذلك أن أدناهم كان يجير أعلاهم، وما قاله آخر عضو يلزم أول مسؤول، معنى ذلك أنهم جسم واحد، لا فرق بين الجنرال المسؤول والعسكري العادي، فهم عصابة واحدة، كتلة متماسكة تنظيميا وروحيا، أخوة لا عبودية، تعاون لا خنوع، ومجرد التأمل في قولة ربعي هاته تؤكد أن الجيش الاسلامي لم يكن يضم بين ثناياه عبيدا يصدقون كل ما يقال لهم ويفعلون كل ما يؤمرون، بل يفهمون، بينما تجد اليوم من صفات المؤمنين الصالحين داخل التنظيم الاسلامي أن يكونوا عبيدا بين يدي المسؤول، استغلال للدين والمنصب والتنظيم لتكريس عصمة المسؤول وألوهيته الضمنية، وهذا مفهوم خاطئ للطاعة، فالطاعة التي تُصبح عبودية هي شرك بالله قبل أن تكون ضعفا للتنظيم وتخريبا للرجولة التي يعول عليها في هزيمة رستمات اليوم، يجب على التنظيم أن ينتج لنا أمثال ربعي بن عامر لا رجالا تطيع التنظيم طاعة بلهاء سنين طويلة ثم يرمى بها إلى قارعة التهميش كأنها لم تكن.

    نرجع إلى قصة ربي الجميلة، فلما خرج الرجل الحر المحرر خاطب رستم قومه يحثهم أن يكونوا مثل ربعي، ولربما ندم آخر الأمر على تركيعه قومه، ولربما ندم على فرعونيته لما وجد نفسه ساعة الحقيقة محاطا بالمخنثين والشمايت، خاطب جنده قائلا: " أرأيتم مَنطِقِه؟ ! أرأيتم قوته؟ ! أرأيتم ثقته؟ !

    ما وقع لرستم سيقع للتنظيم الاسلامي عندا يجد نفسه متكئا على الخاوي من المخنثين، وإذا كان رستم قد استشعر الهزيمة حتى قبل أن يضع ربعي قدماه خارج البلاط الفارسي، فإن التنظيم الاسلامي اليوم يجب أن يستشعر الهزيمة ما دام يربي الخنوع في صفوفه، فما دام التنظيم خاليا من ربعي مليء بالعبيد فلا نصر يُرجى، إنما هي الخيبات المتواليات قادمة لا محالة، فليتحرر المؤمنون أولا وليؤسسوا نموذج التنظيم النبوي من جديد، تنظيما ينتج لنا أمثال ربعي، الرجل الذي يثقب سجاد الزينة والبريستيج ويتحدث بـقوة وحرية وليقضوا مع عهد الخانع للتنظيم، الراكع للزوجة.

    إطاعة الأوامر الصادرة عن المؤسسات الشرعية أمر ضروري لكنه لا يجب أن يصل إلى حد إنتاج جيل من الخانعين والمخنثين والامعات والعبيد.


    📌 الهوامش

    1. [1] يسمى الواجب الشهري وهو مبلغ من النقود يلتزم به العضو كل شهر ويجبيه مسؤولو التنظيم ويسلمونه إلى القيادة لتسيير أمور التنظيم.
    2. [2] سيرة ابن هشام

  • الشورى والنصيحة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 63 من 77 — فهرس الكتاب

    الأخوة والمحبة لا يمكنهما أن يلغيا النصيحة [1] والشورى، ذلك أنه لا يمكن تصور تنظيم قوي دون نصيحة ورأي ورأي مخالف ثم طرق شورية لتدبير هذا الخلاف، فالأخوة والمحبة مضمون والنصيحة شكل، وقد يقول قائل إن النصيحة والشورى مضمون أيضا في ميزان العدل بينما المحبة والأخوة مجرد شكل، لكن الذي يُجمع عليه الجميع هو أن النصيحة واجبة لكنها لا يجب أن تدمر الأخوة، والشورى واجبة لكنها لا يجب أن تقتل المحبة، والنصيحة واجبة لكنها لا يجب أن تجرح القلوب [2]، والشورى واجبة لكن دون التنقيص من الأخوة، شكليات تحافظ على مضمون [3]، ومضمون يحتاج شكليات، والشكل والمضمون شيء واحد منصهر في بوتقة واحدة ليكون تنظيما قويا ظاهرا وباطنا، شكلا ومعنى، قوة يمكن معها اختراق حجب الواقع وضبابية الرؤية وفتنة الاغيار.

    نناقش هنا النصيحة والشورى بعيدا عن مفهوم الطاعة، ونحاول ان نعطي لهذين المفهومين مقاربة نوعية مع مفهوم آخر وهو الأخوة، أما الطاعة فهي مفهوم يعضد مؤسستي النصيحة والشورى ويكملهما ويعطيهما نوعا من المصداقية، وبالتالي فالطاعة والنصيحة والشورى والمحبة كل متكامل لا يمكن الفصل بينهم أو غلبة مؤسسة على أخرى وإلا سقطنا في اختلال تنظيمي وحركي، الطاعة لا نعني بها الذهنية الرعوية بل هي احترام للشورى وعقول المتشاورين، الطاعة لا نعني بها الرجال الإمعات الذين لا رأي لهم ولا كلمة ولا شخصية ولا فكرة ولا ميزان ولا معارضة ولا تنحنح ولا سعال، رجال كالنعاج ينعقون خلف كل ناعق تنظيمي، لا رأي لهم الا ما يراه، ولا ينبسون ببنت شفة حتى يأذن الأمير المطاع، هذه الطاعة خراب للذمم ودمار للرجولة ودمار للأنوثة ودمار للطفولة وللمجتمع وللتنظيم وللعالم، فلو كان العالم مكونا من أمثال هؤلاء النعاج لعم الخراب وانتشر الفساد.

    إننا نقصد بالطاعة العلاقة بين الشورى والنصيحة والتنفيذ وتنزيل المقررات التنظيمية كما هي في إطار وحدة الكلمة، فالتنظيم لابد له من مجالس شورية تقرر واستشارة مع المحيط في إطار النصيحة والتناصح، ثم خروج بالقرار، فخضوع الجميع له رئيسا ومرؤوسا، لكننا لا نقبل أن تكون الشورى ألعوبة في يد المسؤول يضحك بها على من تحته ليبدو ديمقراطيا جميلا [4]، ولا نريد أيضا ذلك الانحلال الشوري الذي تفشى فيه أسرار التنظيم فيطعن الذي في قلبه مرض في كوكبة الجهاد، ولا نريد أيضا تلك النصيحة الفوضوية المميعة التي تخلط الحق بالباطل وتمزج اللبن بالزيت وتدخل موضوعا في موضوع فتتشابك الموضوعات ويضيع القرار الحاسم الذي في تأخره يتحرك العدو وتضيع المصالح.

    إننا في حاجة إلى عقلية الميزان القسط، والمقسطون [5] يسيرون على الخيط ولا يسقطون في الهوامش، يشقون الخط في استقامة وثبات، يراوغون فقط عند المنعرجات الخطيرة ويخففون السير فيها كي لا تنقلب بهم وبعباد الله عربة التنظيم.

    الآيات والاحاديث الحاثة على الطاعة كثيرة، ولا نريد أن نستدل بها لنقطع رقابا هي أصلا مقطوعة، فقد وددت لو ترتفع الطاعة قليلا من كثرة الذل الذي أراه، لكن تبقى الطاعة في عموم اللفظ مفهوما ضروريا لاستقامة أي تنظيم، شريطة أن لا تؤدي بنا إلى الإمعية وقتل الرجولة ونشر الخوف والذل واليأس والانحناء للكلاب التنظيمية التي تمسك بالمسؤولية، نفس الامر عندما تتميع الشورى والنصيحة فتصبح غيبة ونميمة وجدلا عقيما في مجالس البطالة ولذة للخاملين المخنثين الذين لا يقدرون على فعل، الرجال يختلفون كل الاختلاف عن هؤلاء الامعات والنسوان الذين يستحلون القيل والقال وكثرة السؤال والجدل والنقاش والدليل، وهات الدليل وهاك الدليل، هل أخبروك أنني عاطل حتى أبحث لك عن الدليل ولعجزك عن دليل.

    إن الطاعة قوة إذا كانت بشروطها، والنصيحة قوة بشروطها، والشورى قوة بشروطها، والمحبة قوة بثبوتها، والدكتاتورية والخنوع والفوضى والتميع والامعية أمراض تنظيمية مهلكة، يكفي ما في الأمة من خنوع، فلا نريد أن نزيدها خنوعا آخر مسربلا بالتنظيم، كفى لعبا بالدين، فالدين لم يقل بالطاعة العمياء وكأن المسلم حمار رحى ليس له من الأمر شيء سوى الطاعة، عار على لحى طويلة أن تنسب الذل إلى الله، والله لم يتخذ وليا من الذل، فالله عزيز يحب العزة قوي يحب المؤمن القوي، والمؤمن أشرف من أن يكون طائعا خانعا بين يدي حثالة الطغاة يلعب به المسؤولون كيفما شاؤوا.

    لو كان الاسلام دين ذل [6] لكفرت بالإسلام دينا واتخذت العز دينا.

    وإذا كانت الطاعة قوة تنظيمية فإن النصيحة قوة شخصية وكيان ورأي وموقف وليست مجرد كلمات منمقة تلقى مع الموسيقى أمام المسؤول، النصيحة رأي وموقف حر يتخذه الفرد بكل حرية، وهو قرار شخصي لا يُلزم به أحدا، لكنه يعبر عن رأي ووجهة نظر، وبتكاثف الآراء واختلاف المواقف وتعدد الاقتراحات تتشكل القرارات التنظيمية، وبكل حرية، فالرأي الذي يُشترى ويباع أو ينتزع بالتهديد يؤدي إلى قرارات خاطئة تدفع ثمنها الجماهير التابعة.

    نرجع إلى مؤسسة الأخوة، وعمادها المحبة والاحترام المتبادل ونطرح السؤال التالي: هل يمكن أن تؤدي المحبة إلى الامعية؟

    نقول بكل أسف نعم، يمكن ذلك، فالتنظيم يستغل أحيانا لين المحبة بين المؤمنين لا ليفتل في حبل الأخوة ويعزز من مؤسسة النصيحة بل ليُمرر قرارات انفرادية، أعطيك محبة ولينا واعطني سكوتا وإمعية، إنه استغلال الدين في التنظيم، والأصح أن المحبة خالصة لله، والأصل أن الأخوة أخوة في الله، لا نصنعها من أجل تمرير قرارات وميزانيات وآراء وميولات ومذاهب وقوانين وأشخاص، المحبة والأخوة أسمى من هذه البيوعات السياسية التنظيمية المنحطة، فالمحبة الخالصة من المفروض أن تولد لدى المُحب غيرة على أخيه وعلى المشروع الذي يحمله التنظيم ككل، هذه المحبة هي دليل على صدق الأخوة، والنصيحة الصادقة والمعارضة الرجولية ليست دليلا على العداوة بل هي عين المحبة و غيرة على الأخوة وعلى المشروع، فالتنظيم النبوي كان رحيما بالمؤمنين لا منتقما منهم على نصيحتهم، ولا أدل على ذلك من وصف الآية للتنظيم النبوي بقولها: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾، الفتح29.

    هذه الآية عندما تحدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه كانت تشير إلى التنظيم النبوي، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمير والصحابة هم أعضاء التنظيم، وقد جمعت بين الأمير والمأمورين الرحمة أولا قبل كل شيء، فقد كان أعضاء التنظيم خلافا لما هو عليه الأمر في زمن الدخن أعضاء رحماء بينهم، لا يكيدون لبعضهم البعض ولا يحقرون بعضهم البعض ولا يظلمون بعضهم البعض ولا يخطر ببالهم أن يؤذوا بعضهم البعض، كانت تحدث فلتات شخصية أي نعم لكنهم كانوا يتداركون الامر سريعا ويمسحون الخطأ بالاعتذار والتسامح، بخلاف تكبر التنظيم لدينا ورعونة مسؤوليه وارتفاع أنوفهم في السماء.

    الرحمة [7] التي من المفروض أن تكون سارية بين المؤمنين داخل التنظيم هي القوة التي تجعل للشورى والنصيحة معنى، وتجعل المسؤول يتقبلها بما أنه لا يعتبر نفسه فوق الآخرين، لكن عندما تنهار الأخوة وتتكسر المحبة يبدو المسؤول خارجا عن الجماعة، عدوا للمؤمنين، لا يتقبل نصيحة ولا ينزل إلى شورى [8]، لكأنه كائن مقدس والاخرين عبيد بين يديه، لكأنه الفاهم الوحيد وغيره أغبياء، وقد راينا في السيرة النبوية أن رحمة أعضاء التنظيم النبوي بعضهم لم تمنعهم من قول الحق في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم [9]، الحق الذي يرونه، وكان الرسول الكريم يناقشهم بكل تواضع، الرأي بالرأي، والفكر بالفكر رغم أنه قائد ملهم من السماء، يرى بنور الله ويدخل سدرة المنتهى ويراه هناك نزلة أخرى، فكيف يتكبر المسؤول التنظيمي رغم أنه لا يوحى إليه ولا خبر له بالسماء ولم يره في سدرة المنتهى ولا إلهام له سوى إلهام التي تحكمه في البيت، تكسر أنفه في البيت بالمدونة فيركع لها ثم يأتي الرجال مسترجلا يدعي وصلا وخبرا بالسماء.

    واضح ان المحبة والأخوة والطاعة والشورى والنصيحة مؤسسات فكرية وتنظيمية قوية تستقل كل واحدة منها بذاتها، لكنها تلتقي لتُـكون قانون توازن التنظيم، المحبة ثابتة، والأخوة موجودة والرحمة منتشرة، والنصيحة حق مكفول، والشورى ضرورية، والطاعة لابد منها، هذه هي عقلية الرجال الذين يعول عليهم في بناء مستقبل الاسلام، شخصيات رجولية قوية في الحق، صادعة بالرأي، محبة للغير، رحيمة بالأخ، فُتوة [10] وقوة وغيرة وشهامة وأنفة وتواضع وذلة على المؤمنين، كل متكامل لا يطغى فيه خلق على خلق، ولا تميل فيه كفة على كفة، والتنظيم هو المسؤول الأول عن تكريس هذه المفاهيم ونشرها داخل التنظيم، أما هدمها عن طريق شراء الذمم والدكتاتورية المقنعة والابتسامة الخادعة واستغلال الدين في السياسة لهو استهزاء بالمؤمنين وحط من كرامة الرجال، لنكن صرحاء، التنظيم إما أن يدعم الأخوة والرحمة والاخوة والشورى والنصيحة بتدابير عملية وإلا فهو طاغوت متعطش إلى السلطة والطاعة العمياء.

    طغيان يجب ان يسقط عاجلا قبل أن يستفحل ويصعب اقتلاعه.


    📌 الهوامش

    1. [1] جاء في الحديث عن أبي رقية تميمِ بن أوسٍ الدَّاري رضي الله عنه أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: الدِّين النصيحة، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتِهم؛ رواه مسلم. النصيحة لله عن طريق القيام بفرائضه، واجتناب مَحارمه، والنصيحة لكتاب الله بالإيمان بأنَّه كلامُ الله، وأنه محفوظٌ من التَّبديل والتغيير إلى قيام الساعة، وأنه ناسخٌ لِجميع الكتب المتقدِّمة، وتحكيمه في كلِّ صغيرة وكبيرة، وتعلمه وتعليمه وتحكيمه، وحفظ حدوده وحروفه. والنصيحة لرسول الله بالتصديق برسالتِه، وطاعته في أمره ونَهْيه، ونُصرته حيًّا وميتًا، ومُعاداة مَن عاداه، ومُوالاة من والاه، وإحياء سُنَّتِه، وبَثِّ دعوته، ونشر شريعته، ومَحبَّة أهل بيته وصحابته. والنصيحة لأئمة المسلمين بإعانتهم على الحقِّ، وطاعتهم في طاعة الله. والنصيحة لعامة المسلمين بتعليمهم ما يَنفعهم، وتَحذيرهم مِمَّا يضرُّهم، وكفِّ الأذى عنهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، والدِّفاع عن أموالِهم وأعراضهم، وحُبِّك لهم ما تُحِبُّ لنفسك.
    2. [2] قال الراغبُ: النُّصح تَحرِّي فعلٍ أو قول فيه صلاحُ صاحبه.
    3. [3] قال الحارث المحاسبيُّ: " اعلم أنَّ مَن نصحك فقد أحبَّك، ومن داهنك فقد غشَّك، ومن لم يَقبل نصيحتك فليس بأخٍ لك".
    4. [4] مثال ذلك شورى فرعون الصورية التي قال فيها سبحانه وتعالى: " قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ، فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ،وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ. ." وقد قبل فرعون ما أشار به عليه الملأ في أمر موسى وأخيه هارون لأن هؤلاء الملأ هم حاشية فرعون وأعوانه وأشياعه الذين كانوا ملتفين حوله، يعينونه في حكمه، فكان هواهم تبعاً لهواه، وكانت شوراهم تصب في مجال رغباته وما يذهب إليه من رأي أو تصرف؛ لأنهم الطبقة الأكثر انتفاعاً من هذا الحكم، بل هم المستأثرون بالنفوذ والجاه، وتأمين المصالح وتحقيق المنافع، فكان ذلك بالنسبة لفرعون مخرجاً ديمقراطياً للبطش بموسى وهارون وبشكل مبرر أمام الشعب.
    5. [5] القسط الذي أمر الله بالحكم به هو العدل، والمقسطون هم أهل العدل في حكمهم وفي أهليهم وفيما ولاهم الله عليهم، وأقسط أي عدل في الحكم، وأدى الحق ولم يجر. ولهذا قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" الممتحنة: 8، يعني يحب أهل العدل والاستقامة والإنصاف، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". أما القاسط فهو الجائر الظالم، يقال: قسط يقسط قسطًا فهو قاسط إذا جار وظلم، ولهذا قال تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: 15] يعني الظالمين الجائرين المعتدين المتعدين لحدود الله، وهم الذين توعدهم الله بأن يكونوا حطبا لجهنم.
    6. [6] الذُّل نقيض العزِّ، وأصل هذه المادة يدلُّ على الخضوع، والاستكانة واللِّين، يقال: ذلَّ يذِلُّ ذُلًّا وذِلَّة ومَذلَّة إذا ضَعُف وهان، فهو ذليل بيِّن الذُّل والمذلة من قوم أذلاء وأذلة والذُّل يعني ايضا الخسة، قال ابن عاشور: الذلة: خضوع في النفس، واستكانة من جراء العجز عن الدفع، وقال العسكري: الذلة الضعف عن المقاومة.
    7. [7] لفظ الرحمة مشتقٌّ من الفعل رحم، وهو دليلٌ على الرّقة واللّطف والرّأفة والعطف. وقيل: هي رِقَّة في القلب، يلامسها الألم حينما تدرك الحواس أو تدرك بالحواس، أو يتصور الفكر وجود الألم عند شخص آخر، أو يلامسها السُّرور حينما تدرك الحواس أو تدرك بالحواس أو يتصور الفكر وجود المسرة عند شخص آخر. والرحمة خلق من الأخلاق الاسلامية وصفة لازمة لشريعة الإسلام ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ "، والرحمة أيضا صفة من صفات الله عز وجل، واشتق الله من الرحمة اسم الرحمن واسم الرحيم، فالله رحمان رحيم ورسول الله رحمة، قال القرطبي: وذهب جمهور من الناس إلى أن الرحمن مشتق من الرحمة، وقد ورد ذكر الرحمة ومشتقاتها في القرآن الكريم في نحو 268 موضع، وهذا يدل على أهميتها وعناية الإسلام بها كخلق من الأخلاق التي يدعو لها ويحث عليها.
    8. [8] أمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بمُشاورة المؤمنين، فقال تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمرِ. آل عمران: 159، وقد قيل: إن الله أمر بها نبيَّه لتأليف قلوب أصحابه، وليَقتدي به مَن بعده، وليَستخرج بها منهم الرأيَ فيما لم يَنزِل فيه وحي مِن أمْر الحروب والأمور الجزئية.
    9. [9] مثال ذلك لما نزل رسول الله والمسلمون عند أدنى ماء من مياه بدر، فقال الباب بن المنذر لرسول الله: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب بن المنذر يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فأخذ رسول الله برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار.
    10. [10] للفتوة في القرآن الكريم ثلاث معاني أساسية: الشباب والقابلية للتغيير، الشجاعة والقوة والتحدي، الخدمة والتواضع.

  • تأليف القلوب أولى مهام التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 62 من 77 — فهرس الكتاب

    صحيح أن مهمة التنظيم هي إقامة دولة العدل، وصحيح أن تأليف القلوب مهمة الولي المرشد [1]، قائد العملية التربوية وقائد التنظيم وقائد الزحف، لكن في غياب الولي المرشد أو تشعب التنظيم وتوسعه يصبح تأليف القلوب مهمة غاية في الأهمية للتنظيم بجانب مهمته التنظيمية، ذلك أن التنظيم فاشل إن فشلت التربية، وبذلك يكون تأليف القلوب [2] لما له من انعكاسات تربوية طيبة على صف المؤمنين مهمة سابقة على مهام التدافع السياسي، وهو أمر طبيعي إذا نظرنا إلى مكانة القلب في حياة الفرد والجماعة، فالقلب مدار النصر الأرضي والفتح الروحي، فمتى صلح القلب صلحت سائر الاعمال [3] ومتى فسدت القلوب فسد سائر التنظيم.

    تأليف القلوب إذن مهمة تربوية يتكلف بها التنظيم ويوليها أقصى اهتماماته كونه المسؤول الاول عن سلامة المؤمنين وسلامة قلوبهم، فالتنظيم في زحفه على الواقع يجب أن لا ينسى مهامه المتعلقة بأعضائه، فالحفاظ على رأس المال أولى من الربح، ورأس مال التنظيم هم المؤمنون، قلوبهم التي هي محط الانوار والتجليات الربانية كنوز يجب على التنظيم الحفاظ عليها وصيانتها ومراعاتها وتأليفها على ذكر الله وعلى محبة الله ومحبة رسول الله ومحبة أولياء الله، ومتى خسر التنظيم رأس ماله لم يتحقق له ربح سياسي، لنقل إن القلب هو نقطة الارتكاز، والاعمال السياسية ونجاحاتها انعكاسات لصلاح القلب، ولذلك كان الحط على المؤمنين وجرح قلوبهم وفصلهم من التنظيم وتشويه سمعتهم سبب كل فشل دعوي ومدعاة كل خراب أخوي وأصل كل ذل سياسي من حيث كانت الغاية بداية هي الحشد الدعوي والاكتساح السياسي.

    تأليف القلوب علم، علم جلل، علم رباني قائم بذاته، يتعلمه المؤمنون بالممارسة التنظيمية وبالرحمة القلبية التي تنزل على القلوب في مجالس الذكر، لكنه أقرب إلى العلم اللدني منه الى العلم الكسبي، فهو موهبة، وهو يُستشف أيضا كسبا من القلوب المنورة الرحيمة بالمجالسة والمحبة والتشرب القلبي، لكن تأليف القلوب المؤمنة يختلف كليا عن المداراة، يختلف كليا عن علم الادارة الذي يدرس في المعاهد وتلقى مداخلاته في دروس التنمية البشرية، يختلف بتاتا عن علم الكلام والابتسامة السياسية الصفراء والتحراميات والخداع والدوخان على الشخص، علم تأليف القلوب علم روحي له مصادره الربانية التي يستقى منها وله قلوب نورانية بمثابة المشكاة التي يقتبس منها، لنقل هو فن صناعة القلوب الممغنطة بمغناطيس ذكر الله وحب الله بحيث تستطيع هذه القلوب جذب القلوب الصغيرة وتستطيع طبعا الالتصاق بالقلوب الممغنطة بنفس المغناطيس النوراني، هو علم التحاب والالتحام والتأليف والانجماع والتكاثف والتعاون على عقبات طريق الله وعلى نصرة دين الله في بوتقة نور رسول الله.

    إنه علم تربوي بالأساس لكن يمكن تنظيم تمظهراته.

    تأليف القلوب ليس خضرا فوق طعام، تأليف القلوب هو صمام أمان التنظيم، ومتى فرط التنظيم في هذا الصمام انفرط عقد الجماعة، ولو أمسك بها جهابذة السياسة والسياسوية وعلماء الكلام وفقهاء الأحكام تفككت الجماعة كما تتفكك الالة، فالتنظيم ليس سوى آلة، وهي معرضة للانحلال متى فرطت في روابطها القوية التي تجمع أوصالها، وأقوى هذه الروابط هي الروابط القلبية التي تجمع قلوب المؤمنين، فتآلف قلوب المؤمنين هو الحبل المتين الذي يجمع الله به الجماعة [4]، ومتى انجمعت القلوب وتآلفت استحال تفكك التنظيم، والعكس صحيح، فمتى انقطعت الروابط القلبية تفكك التنظيم، وبذلك فتآلف القلوب دليل على الفتح، ولو تأخر الفتح فهو أمر محتوم بحتمية انتصار قوة المحبة القابعة في القلب، فيكون النصر تحصيل حاصل إذا هز التنظيم شجرة الرطب السياسية بأبسط خططه التنظيمية، أما إذا تقطعت خيوط المحبة والتآلف بين القلوب فالهزيمة مؤكدة ولو كانت بشائر الخطط السياسية على الارض محققة.

    متى يفهم التنظيم ذلك؟ لا أدري، ربما بعد أن تأتي الضربة القاصمة التي تقصم ظهره وترغم أنفه على الفهم، فالسلطة المطلقة بصفة عامة غشاوة على العين، والسلطة الدينية والتنظيمية داخل التنظيم الاسلامي غشاوة على أعين المسؤولين فيه، فهم لا يرون سوى الارقام والحسابات والمصالح والمداخيل والارباح، لا يرون أن أكبر رقم وأضخم حساب هو رصيد الحب في القلوب المؤمنة المتآلفة على الله [5]، إنهم يحتقرونك وأنت تتحدث لهم عن الأخوة والتنظيم الأخوي وتأليف القلوب، يتساءلون في عجب بم يهتر هذا المجنون، دعوه دعوه، إنه مختل، ولربما مجذوب، دعوه أو افصلوه وارموه في غيابات جب النسيان إذا تمادى في غيه وتطاول على المسؤولين بالنصيحة الكثيرة، افصلوه بتشويه أو همشوه بصمت لعله يعود إلى صوابه وينخرط معنا في لعبة أُخوة التنظيم من أجل التنظيم والجري من أجل الجري وتحقيق المكاسب السياسية والانتصار على الاعداء السياسيين وخداعهم بالميثاق الوطني والتمكين لنا على رقعة المحاصصة السياسية والحصول على مقرات جديدة أكثر فخامة وصحف إعلامية أكثر جرأة واكتساح الساحة الانتخابية بأصوات كثيرة والحصول على مناصب رفيعة وكراسي كثيرة ومراكز قانونية مؤثرة ومنخرطين مدوخين جدد.

    يهوي التنظيم إلى مهاوي الخسران السياسي والأخلاقي وهو يكسر قلوب المؤمنين ويفرق بينها ويحتقر بعضها ويهين طيبها، يهوي في هوة سحيقة لا رجوع منها وهو يتنطع على هذا بسلطته ويحتقر ذاك على بساطته ويهين ذلك على فقره، يتجاسر على البعض ويتطاول على حرمة البعض الآخر، يتجسس ويغتاب ويفصل ويشتت ويميز ويقرب ويبعد ويكيد ويضرب، يكاد ينهار التنظيم وهو لا يلقي بالا لقلوب المؤمنين ويكسرها بسهولة واستخفاف، إن آخر ما يفكر فيه التنظيم هو قلوب المؤمنين، إنهم مجرد دراويش، أغبياء لا يفهمون في السياسة، حمقى يؤمنون بالمحبة، فقراء حقيرون، لقد تطور العالم وأصبح سريعا ذكيا مصلحيا وهؤلاء ما يزالون يؤمنون بالأخوة في الله والحب في الله وتقاسم خبزة الأشعريين بينهم، حمقى ما درسوا علوم الاحصاء والمحاسبة وفن الاقتصاد، جاهلون يؤمنون بالافكار القديمة ودين البساطة، نحن المسؤولون الاذكياء درسنا في الجامعات الغربية وتطورنا وأصبحنا نؤمن بالدين الاسلامي الجديد المبني على الميكيافيلية والمصلحية الذكية التي سنتفوق فيها حتى على جهابذة البرغماتية أنفسهم بما أن الاسلام حض على العمل والذكاء، بل وسنتفوق على ميكافيلي نفسه والبرغماتية الامريكية نفسها في فن التاحراميات السياسية والخداع التنظيمي، ثم نؤسس "الخلافة الراشدة على منهاج النبوة"، يقصدون منهاج ميكيافيلي.

    إنه الضباب يا صديقي المسؤول، الضباب على عينيك باللهجة الطنجاوية، معنى ذلك أنك ستحصد السراب، اقسم أنك لن تستمر طويلا ولن تُعمر سوى سنوات قليلة قبل أن يلفظك التاريخ ويلفظك الواقع الذي لا يصمد فيه إلا من ملك ناصية التوفيق الالاهي أو الاستدراج الشيطاني، إن التحراميات السياسية قد كفل الله نجاحها للناس التي لا تؤمن بالله ولا تؤمن باليوم الآخر، أما أنت يا صديقي المسؤول فإنك في واقع آخر، واقع يحاسبك الله فيه على التفريط في ناموسه المسطور في كتابه العزيز، فمتى زغت عن القرآن والنبوة والشريعة فقد خرجت من دائرة العناية وهزيمتك مؤكدة.

    هل تشك في ذلك؟ طبعا تشك، فالشك أُرضعته في مدارس الشك عند ديكارت قبل ان تلتحق بالحركة الاسلامية ملوثا بفلسفة الشكوكية، ولربما لم تعرف لا ديكارت ولا غيره بل دخلتك الشكوكية من قسوة قلبك من ذكر وتحرامياتك المقيتة، فدع عنك هذا قبل أن يقصمك سيف الله نصفين فلا تجد لك وليا ولا نصيرا، دع عنك ميكيافيلي [6] وديكارت [7] وتعال اجلس مع إخوتك الدراويش جلسة الصفاء والتواضع والمحبة والمواساة والتآخي والتآلف والالتفاف على الله وكتاب الله ورسول الله، خل دبلوماتك التي حصلت عن طريقها على المسؤولية التنظيمية جانبا ورعونتك التي طيرت بها رؤوس منافسيك وأموالك التي تنتفخ بها على الدراويش وسيارتك التي تخشى عليها نسيم البرد وحر الصيف وتعال إلى حضن المؤمنين عريانا من عقلك ومالك وسيارتك ووسامتك وفصاحة لسانك ورجاحة عقلك المزعومة، فوالله ما راجح العقل إلا من ألف القلوب وتآلف مع القلوب، من أحب المؤمنين وتحاب مع المؤمنين.

    نعم المؤمنين، الدراويش، الأغبياء، البسطاء، الفقراء، اهل الفطرة، المُبرؤون من التكلف، هل تستطيع أن تذبح نفسك هذه الذبحة وتتواضع مع الدراويش وتجالسهم دون نظرة الاحتقار؟ لا أظن ذلك أيها التنظيم الميكيافيلي.


    📌 الهوامش

    1. [1] مثال ذلك أنه في يوم من الأيام وزع النبي صلى الله عليه وسلم أموالاً، وكان سعد بن أبي وقاص حاضراً، فقال: " يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً وتركت فلاناً، والله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً؟ قال: والله إني لأراه مؤمناً، وفي الأخير قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقتال يا سعد؟ والله إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه كراهية أن يكبه الله على وجهه في النار"، معنى ذلك إذاً أن المسألة ليست مسألة أن هذا أولى وهذا أحق وهذا أفضل، بل ترقيقاً لقلبه، وتقريباً لنفسه للإسلام وتأليفاً له على هذا الدين خشية أن يكبه الله على وجهه في النار.
    2. [2] قال تعالى: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" آل عمران: 159.
    3. [3] "جماع الداء فتنة القلوب ومرضها وصممها وانغلاقها وقسوتها. وجماع العلاج شرحها بالإسلام وإلانتُها بالإيمان واطمئنانها بذكر الله.". عبد السلام ياسين، كتاب "سنة الله".ص47
    4. [4] قال تعالى: " وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ " الانفال 63.
    5. [5] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشكر من أحسن إلينا من الناس أدَباً وتأليفا للقلوب وتشجيعا لمن يحب المحمدة أن يسمعها، وعبادةً وتذكيراً بالمنعم الحقيقي سبحانه. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
    6. [6] نيكولا دي برناردو دي ماكيافيلّي، كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة وأصبح فيما بعد المؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبح فيما بعد عصب علم السياسة، أشهر كتبه على الإطلاق، كتاب الأمير، والذي كان هدف مكيافيلي منه أن يكتب نصائح لـلحاكم، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ما هو مفيد فهو ضروري، كل أفكاره عبارة عن صورة للنفعية والواقعية السياسية.
    7. [7] رينيه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة وصاحب نظرية الشك المنهجي والذي يعرف في هذا السياق بمقولته الشهيرة " أنا أفكر اذن أنا موجود".

    ◀ الفصل السابق: التنظيم الأخوي

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: الشورى والنصيحة

  • التنظيم الأخوي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 61 من 77 — فهرس الكتاب

    يشمئز المسؤول التنظيمي من كلمة أخوة، ومن كلمة التنظيم الاخوي، سقفه هو التنظيم، فلا يتجاوزه بما ان التنظيم سهل حاد و صارم، والشدة سهلة على النفوس الشحيحة والصرامة سهلة على القلوب القاسية، مجرد قسوة في القلب تظهر صفحة وجهها قسوة تنظيمية، بينما الأخوة مطر وغيث وخير ورحمات ربانية يصعب احتواؤها وتفريقها على المحيط، فيض يفيض من قلب انفتح وفاض رحمة، الأخوة بذل والتنظيم أخذ، الأخذ سهل والعطاء صعب، ولذلك يصعب أن تجد التنظيم أخويا، فهو يجنح دائما إلى امتصاص الدماء وأخذ الاموال وخلق العداوة والتكشير عن أنياب الانتقام عند الاختلاف.

    الأخوة اندماج مشاعر، اتحاد مصير، حمل هموم، تشارك جيب، تزاوج أرواح، وحدة هدف، بينما التنظيم مسؤوليات ومهام وحساب وعقاب وغنازر واحتقار وتراتبية سلطوية و تجباد وذنين ومصالح رئاسية واختراقات خارجية ومعارك داخلية ولوبيات موجهة وتموقعات تنظيمية وقضاء حاجات، وفوق ذلك كله لعب بالدين؟

    التنظيم خلطة مُقززة من المصالح والمسؤوليات والسلط والخطط والحروب، ولذلك يصعب أن تجد الأخوة مكانا لها وسط هذا الكم الكثيف من النجاسات المقرفة، لكننا ورغم ذلك نقول أن التنظيم ضرورة جهادية لتحقيق العدل على هذه الارض الملعونة الملعون ما فيها عدا ذكر الله، هذا هو الواقع، ويبقى الأمل والغاية هو بناء تنظيم أخوي، بمعنى أن يلتقي التنظيم والأخوة، فتجتمع في الصف معاني الضبط والانضباط والعدل والحق من جهة ثم معاني الأخوة والبذل والعطاء والاحتضان والرحمة من جهة أخرى كما اجتمعت في الرعيل الأول من الصحابة، وهو أمر مُستبعد، لأن البشارة تقول أن الخير القادم فيه دخن، بمعنى أنه لن يكون مائة بالمائة كالخير الأول.

    الرعيل الثاني من إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يحيون الخلافة النبوية آخر الزمن فيهم خير كثير، لكنه خير فيه دخن كما جاء في الحديث، خليط من المعروف والمنكر، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن"، قلت: وما دخنه يا رسول الله؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتُنكر"، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". [1]

    واضح أن الدخن حاصل في الخير الذي بعد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير الصحابة، خير يختلط فيه المنكر والمعروف، ومع ذلك فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة، ولزوم إمام الجماعة، فإذا اختفت الجماعة وانتفى الامام فلزوم البيت أكيس، فلا خير في واقع ليس فيه جماعة ولا إمام، وقد يحدث أن يموت الامام وتبقى الجماعة، فهل نعض على الشجرة أم نعض على الجماعة التي بدون إمام أم نعض على ايدينا لما عجزت النساء أن تلد إماما، ليس لدي إجابة واضحة لأن حذيفة بن اليمان رضي الله لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الحالة، لكن أغلب الظن أن التقدير يبقى من حق السائل، فإذا كانت الجماعة على خطى الامام وكانه حاضر فلزومها واجب، أما إذا كانت الجماعة مجرد فرقة من الفرق لا إمام لها يأخذ بناصيتها فهي جماعة من أجل الجماعة، فلزوم البيت أفضل من الدخول في فتنة الفرق والجماعات التي تشتت وتفرق وتدمر وتحرق الاخضر واليابس.

    بيت القصيد عندنا أن الدخن في الخير الثاني لا شك فيه، ولو في حضور الامام والجماعة، فالمنكر حاضر والمعروف أيضا، وهذا هو اجتماع الأخوة والتنظيم، فالتنظيم بجرائمه منكر والأخوة برحمتها معروف، يختلطان في جسم الجماعة، لكن مجرد اجتماعهما حد أدنى للبقاء مع الجماعة، ولا يحق مغادرة الجماعة الا إذا انتفت الأخوة، فالعض على الشجرة حينها أولى من جماعة بلا أخوة، علما أنها بلا إمام، ومجرد جماعة بلا إمام مثار للشك حول مدار أحقيتها في اجتماع الناس عليها.

    إن حديثنا عن التنظيم الأخوي ليس معناه فقط أخوة الحنان والاحتضان والمساعدة والدعاء والاهتمام والتداعي لمصاب الأخ بالسهر والحمى، بل معناه أيضا الارتباط بالذات المحمدية، فالأخوة فيما تعنيه رابطة الوصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وهذا هو عمق الأخوة ومعناها الحقيقي، أي سُنية التنظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة يوما فقال: "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ودِدْت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أوَلسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". [2]

    وفي سورة الحشر يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.

    إذن الإخوة رابطة بين سابق ولاحق، تشبه وتشابه وارتباط واستمرار وتكامل ومحبة واتباع وليس مجرد مجاملات في المجالس، الأخوة تشبه بالرعيل الأول من الصحابة الكرام واقتداء بالنبي الكريم، ومن بين السنن النبوية الرفق بالمؤمنين واحتضانهم وفداؤهم وخدمتهم وتعظيمهم وتوقيرهم وحفظ أسرارهم والمشي بين أيديهم بالمحبة والتعظيم والأدب، هذه هي الأخوة التي نرجو أن يتبناها التنظيم ويلفظ ما تبناه من ميكيافيلية نجسة اقتداء بسلاطين القرون الوسطى.

    قبل الاسترسال في الحديث عن جدلية التنظيم والأخوة أجد نفسي مضطرا للرجوع للحديث عن مفهوم الجماعة، فإذا كان الفهم يمشي اتجاه جماعة العدل والاحسان أو جماعة الدعوة والتبليغ أو حركة الاصلاح والتجديد أو جماعة الدعوة والرحمة أو جماعة الحب والسلام فإن الفهم خاطئ، فالجماعة حاشا أن يحصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنظيم معين والخير نراه كثيرا في شتى بقاع المسلمين، خيرات كثيرة من الجماعات المتناثرة هنا وهناك ممن تعمل على رفعة الاسلام والمسلمين، فهل نخرج كل هؤلاء من الجماعة لنحصر الجماعة في فلان وعلان وقبان، حاشا أن نضيق ما وسعه رسول الله، وحاشا أن نبخس الناس أشياءهم ونقدس خيرا عشناه ووجدناه منقوصا، فالخير عميم في جماعة الأمة وليس محصورا في تنظيم معين.

    القرآن الكريم مليء بمعاني الأخوة والسنة النبوية كذلك، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [3]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حق المسلم على المسلم ست، قيل وما هن يا رسول الله، قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه [4]".

    إصلاح بين وبشاشة وجه وابتسامة ثغر ومحبة قلب وانشراح صدر وإجابة دعوة وتواضع وخفض جناح ونصيحة وشد إزر عند المرض أو الجرح واتباع جنازة يوم الموت مع الدعاء والترحم وإهداء الخير، هذه بعض معاني الأخوة التي يجب أن يتعلمها التنظيم الاسلامي، وكلها تدور حول إطفاء العداوة وبث روح الإخاء قال تعالى: " ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [5].

    ومن الأخوة كذلك حسن الظن وعدم التجسس وكف اللسان بالغيبة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ الحجرات: 12. وهو ما يفسره الحديث الشريف: " لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه". [6]

    عباد الله إخوانا [7].

    ترى هل يتناقض التنظيم الجهادي مع معاني الأخوة، لا طبعا، فلماذا لا نجد أخوة داخل التنظيم، لم لا نجد محبة وشد أزر داخل التنظيم، لم يبدو المسؤول التنظيمي كالأفعى تطل برأسها لا لشيء إلا لتخدم التنظيم أو تلدغ كل مخالف للتنظيم، لم نجد داخل التنظيم الكيد والمكر والتنازع على الرئاسات والفصل والنميمة والتجسس والغيبة والتباغض والاحتقار والحسد والبيع والشراء في ذمم المؤمنين، إنني لا أعمم فهناك إخوان يعيشون هذه الأخوة في خوف من التنظيم أن يفتنهم، وإن التنظيم لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين، لكن الغالب أن التنظيم يضع جواسيسه على الإخوان المحبين الذاكرين، بينما يطلق العنان للفاسدين والغافلين الذين لا خوف منهم، تناقضات تنظيم يدعي أنه إسلامي.

    في آخر كلامنا عن التنظيم والأخوة نتساءل كيف يمكن أن يكون التنظيم أخويا، وما هي الوسائل التي يمكن أن ينتهجها لتحقيق ذلك، قبل ذلك نؤكد على أن التنظيم يحتاج إلى إرادة سياسية عازمة على أخونة التنظيم "الاخواني"، ودون هذه الارادة لا يمكن الحديث عن أخوة تنظيمية، فقط بعد الارادة التنظيمية العليا يمكن تفعيل هذه الارادة عن طريق برامج وقوانين داخلية تقوم بتنزيل الارادة العليا على الهياكل التنظيمية الأخرى، وأول خطوة أساسية من أجل ذلك هو تهشيم رؤوس القيادات التنظيمية المتفرعنة، فالفرعنة لا يمكن أن تتعايش مع الأخوة، فقط عندما يموت الفرعون التنظيمي تحيى الأخوة وتنبت من جديد وتزهر وتأتي أكلها.

    بعد ذلك تأتي البرامج الايمانية والفسحات التربوية ومجالس الذكر ومحاضن التحاب في الله لترسخ معاني الأخوة في الله والتزاور والمواساة والعمل الدعوي الذي تتخلله روابط الذوبان في بوتقة المحبة ولا تسوده أوامر القيادة ومرارة حديثها المتكبر عن الضبط تحت ذريعة أن الدعوة لا تقوم إلا بتنظيم محكم يحتقر ويأمر وينهى.


    📌 الهوامش

    1. [1] أخرجه البخاري ومسلم
    2. [2] أخرجه الشيخان وغيرهما
    3. [3] الحجرات: 10
    4. [4] رَوَاهُ مُسْلِمٌ
    5. [5] آل عمران: 103
    6. [6] رواه مسلم
    7. [7] " معاذ الله أن يكون قصدُنا استبدال جَوْر بجوْر، وظلم بظلم، وإكراه بإكراه! الأمة لن تحيى حياة الكرامة الآدمية ما لم يكن أمرها شورى بينها، بحرية يلزم أن تتعلم حسنَ استعمالها بحضور جند الله جماعة موحدة أو جماعات متعاونة، وأن تتعلم إدارتها، وأن تتعلم حرفَها ومعناها ونحوها وصرفها." الاحسان، ج1، ص473

  • الطب التنظيمي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 60 من 77 — فهرس الكتاب

    الطب التربوي التنظيمي مُوجه لمرضى التنظيم وجرحاه بالمقام الاول وموجه أيضا للمرضى بمرض التنظيم من أجل التنظيم، وهم الاشخاص الذين اصبحوا يعبدون التنظيم ويشركونه بعبادة الله ويدورون معه حيث دار، هذا الطب فن وعلم ودراية وتوفيق من الله، جمع بين علوم الدنيا وعلم الاخرة، لكننا نتساءل أولا، هل يمكن أن يكون التنظيم طبيبا؟ هل يستطيع التنظيم كهياكل ومؤسسات واشخاص إداريين أن يضمدوا جراح أحد من المؤمنين؟

    الأصل في طب النفوس والقلوب والارواح أنه من اختصاص أهل الله العارفين بالله وبنفوس عباد الله وبأحوالهم الروحية والقلبية، فهم الاقدر على معالجتها لما لهم من قرب من الله و لـين المؤمنين ورحمة الله القريب من المحسنين وفهم وعلم ورحمة ودراية وقوة نفسية وروحية تستطيع الغوص في النفوس واكتشاف مكامن الخلل فيها وتطبيبها، والتنظيم بما أنه هياكل جامدة ومؤسسات إدارية لا تفقه إلا في التقارير ودراسة البرامج وعقد الاجتماعات وتنزيل التعليمات والتوصيات واستشراف اللعب السياسية ومُقارعة الفقراء السياسيين فهو لا يستطيع أن يعالج أحدا إلا أن يهيئ له القاعة والمعدات والبرامج والاطباء، إنه لا يعرف إلا استغلال الموارد البشرية التي تُتيحها له القواعد، قد يدير هذه الموارد بكفاءة أو برداءة، فإما أن ينجو بها بعد قضاء حاجته وتنزيل برامجه أو يقضي عليها في ساحة الصراع مُستنزفا إياها طالبا غيرها.

    هذا هو التنظيم كالخوخ الذي لا يمكن أن يطبب نفسه فأحرى أن يداوي غيره، لكن التنظيم بما أنه أجهزة متحركة قادر على تخصيص قطاع للصحة النفسية والروحية والقلبية لجنوده [1]، قادر على جمع ذوي الكفاءات التطبيبية في هيكل خاص بهم قصد السهر على مداواة العناصر الجريحة تنظيميا ثم مداواة العناصر التي أصبحت مريضة بالتنظيم وأصبحت تفيق بالتنظيم وتظل مع التنظيم وتنام بالتنظيم فأصبح التنظيم بالنسبة إليها صنما تعبده ليقربها إلى الله زلفى.

    كل الأنظمة السياسية لها قطاعات للصحة، فالصحة الجسمية والنفسية ضرورية لاستمرار الحياة والانشطة الانتاجية، والصحة نشاط أساسي لا غنى عنه لاستمرار العمل، فالامراض والجروح أقدار إلاهية لازمة أو أخطاء بشرية فادحة، والنظام القانوني العادل هو الذي يجد للمرضى حيزا داخل نسقه القانوني يعترف لهم فيه بحقهم في العلاج، ولا يقوم بتصفيتهم كما هو الامر في العصور الجاهلية معتمدا فلسفة البقاء للأقوى، والمقصود في حالتنا هذه بالمرض هو الجروح التي يُخلفها التنظيم في أفراده خلال نشاطه التنظيمي والتربوي والسياسي وهي كثيرة.

    الامراض التي يصاب بها المؤمن داخل التنظيم كثيرة منها ما هو بـين ظاهر ومنها ما هو خفي باطن، فالمسؤول التنظيمي قد يجرح ويسبب الآفات النفسية والعقلية للإخوان بسوء تسييره وتكبره وتعجرفه وإجرامه التنظيمي وأفاعيله الماكرة، ثم يرمي التنظيم الذي لا يمتلك طبا تربويا بالمصابين إلى الزبالة، والاجدر بالتنظيم أن يسهر على علاج مرضاه مما كسبت أيدي مسؤوليه لا أن يرميهم، قد يكون هذا المطلب بعيد المنال في ظل التضييق السياسي الواقع من الانظمة الحاكمة وفي ظل قلة الموارد المالية والبشرية في هذا الشأن، خاصة أن أهل التربية هم أنفسهم تعرضوا لتصفية تنظيمية قاسية جعلتهم خارج أجهزة التنظيم أو إمعات ساكتة في دواليبه، لكنني أتحدث عن المفروض، وعن الواجب الذي يجب ان ينظر التنظيم في أمره عاجلا ام آجلا.

    إذا كان التنظيم عاجزا عن علاج الجرحى والمرضى داخل صفوفه فعليه أن يتوقف فورا عن تصفية أهل التربية والذكر والعبادة، عليه أن يتوقف عن فصل أطباء القلوب حسدا من عند نفسه وأن لا يمنعهم من الاشتغال في عياداتهم الروحية، بل عليه أن يجعل المحاضن التربوية محاضن لعلاج جرحى التنظيم عوض فصلهم وتشويههم، لم لا يشوه نفسه الامارة بالسوء التي تدمر كل جميل، تشويه المؤمنين وفصلهم عمل مقيت لا يليق بتنظيم إسلامي يرمي بناء نظام العدل والعمران الاخوي، إن الأخوة والعمران الأخوي والعدل إذا لم يتجسد داخل التنظيم الاسلامي فأنى له أن يتجسد في واقع الأمة يوم يصل التنظيم إلى الحكم، فاقد الشيء لا يعطيه، وعلى ذلك فمتى كان التنظيم أخويا ساهرا على الإخوان تربية واحتضانا وعلاجا عند الاصابة ومواساة عند النوازل كان مرجوا منه أن يحتضن الأمة قلبيا يوم يصل الى السلطة.

    كم مرة صادفت أخا يعاني أو أختا تعاني من المس الشيطاني، وكنت دائما ألاحظ كيف يقف التنظيم موقف الحياد السلبي متفرجا، وأحيانا متشفيا مستمتعا، والتشفي لا يليق، والتفرج على أخيك يتعذب أيضا لا يليق، ولاحظت دائما كيف يتوجه الاخوان إلى الأغيار ليعالجوا أنفسهم، وأحيانا يقعون فريسة السحرة والدجالين، كل ذلك نتيجة سلبية التنظيم تجاه نوع من جرحى الطريق.

    أما الضربات المالية التي تواجه المؤمنين فهو باب لا نريد الحديث عنه لأنه يقع جدال كبير حول أحقية الاعضاء في الاستفادة من الدعم المالي للتنظيم في حالة واجهتهم صعوبات مالية في حياتهم الشخصية، شخصيا لا أرى من الواقعية فتح هذا الباب قبل الفتح السياسي اللهم في حدود ضيقة وإلا اصبح التنظيم جمعية خيرية ومرتعا للإنتهازيين من الناس وأكسير حياة للأنظمة المسؤولة بالدرجة الاولى عن تفقير الناس، وحتى هذه الحدود الضيقة تثير إشكالات وردود أفعال حول أحقية هذا من ذاك في الاستفادة من أموال التنظيم.

    صحيح أن التنظيم يجبي أموالا من أعضاء التنظيم ومن الانشطة التي ينظمها ومن المنتوجات التي يروجها ومن المشروعات التي يديرها ومن الدعم الذي يتلقاه من هنا وهناك، لكن الظروف التي يعمل فيها استثنائية تفرض عليه مواجهة الواقع بترسانة مالية قوية لا يمكن هدرها في حل المشاكل الشخصية للأعضاء، لكن ومع ذلك على التنظيم أن يكون قويا وصريحا وينزل أحيانا منزل المقرض أو الناصح أو الداعم من بعيد بكل شفافية ونزاهة تتجاوز عقلية هذا ديالنا وهذا ماشي ديالنا، هذا مسؤول وهذا عضو، هذا معنا وهذا ينتقدنا، عليه أن يتجاوز الضغط الهامشي الذي تمارسه اللوبيات التنظيمية ويناقش كل حالة على حدة بحيادية، أحيانا يستحق الاعضاء بعض الدعم الطفيف وأحيانا يستحقون بعض التوجيه والاهتمام والنصح والدعم من بعيد دونما إفقار الخزينة العامة للتنظيم، أحيانا هيبة التنظيم تحل مشاكل مالية كبيرة ولو على سبيل الضمان.

    الطب التنظيمي يتجلى أحيانا فقط في ابتسامة أخوة صادقة يلقى بها المسؤول التنظيمي أخاه العضو البسيط مواسيا إياه ومفسرا له بعض الحيثيات وموضحا له موقف التنظيم بكل وضوح، حاملا مع المبتلى عبء الجروح بكل محبة وأخوة، ناصحا مشجعا مبتسما رافعا للهمة مؤازرا بالكلمة الطيبة والتشجيع الدائم والمواساة والاحتضان القلبي والتنظيمي، هذا أضعف الايمان في حال لم يستطع التنظيم خلق مؤسسات طبية تعالج جرحى الطريق الذين يقعون بمناسبة جهادهم داخل التنظيم، أو بمناسبة هجوم الخصوم السياسيين والشياطين المتربصين عليهم إضافة إلى غربال الابتلاء الالاهي الذي يسلط هذا على ذاك ويمحص الافراد كل حين.

    أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [2]، فكيف إذا رفعوا راية الجهاد وانضموا إلى التنظيم الذي يرجو إقام الخلافة على منهاج الله، أكيد أن الابتلاء هنا أكبر وأشد لعظم المطلوب. [3]

    تصفية الجرحى وقتلهم وإهمالهم عمل شنيع، وتطبيبهم ومواساتهم وعلاجهم وحملهم إلى مارستان التنظيم عمل أخوي يُنبئ عن قوة الأخوة وصدق المحبة وصلاح النية، وبشارة الفتح القريب.


    📌 الهوامش

    1. [1] الطِبُّ معناه فن العلاج؛ وهو العلم الذي يجمع الخبرات الإنسانية في الاهتمام بالإنسان، وما يعتريه من اعتلال وأمراض وإصابات تنال من بدنه أو نفسيته أو المحيط الذي يعيش فيه، ويحاول إيجاد العلاج بشقيه المادي والنفسي، كما يتناول الطب الظروف التي تشجع على حدوث الأمراض وطرق تفاديها والوقاية منها، ومن جوانب هذا العلم الاهتمام بالظروف والأوضاع الصحية، ومحاولة التحسين منها.
    2. [2] الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" العنكبوت.
    3. [3] قال ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل الحديث "، وقال ﷺ: عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له رواه الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب بن سنان. وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" البقرة: 155 – 157. وقال سبحانه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" الزمر: 10. والآيات والأحاديث في ذلك الأن كثيرة من ذلك قول النبي ﷺ: لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده حتى يلقى الله سبحانه وما عليه خطيئة رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة.

    ◀ الفصل السابق: تنظيم قاطع عن الله

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: التنظيم الأخوي

  • تنظيم قاطع عن الله

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 59 من 77 — فهرس الكتاب

    كل ما يحول بينك وبين غايتك فهو قاطع طريق، وفي طريق الله قد يعترض سبيلك إنسان أو شيطان أو تنظيم، نتحدث خارجيا، أما الخونة الذين في داخل الانسان فهم شهوة نفسه ورعونته وأنانيته وهواه، لسنا في معرض كشف عيوب النفس، ولا في معرض الحديث عن حيل الشيطان، لكننا سنتحدث عن حالة التنظيم قاطع الطريق، سنحاول أن نفهم كيف يصبح التنظيم الذي دخلناه بغية الوصول الى الله هو عينه قاطع طريق.

    قاطع الطريق بالنسبة لطريق الله لا ينحصر معناه في من يعترض طريقك بالسلاح، بل يشمل أيضا من يعترض طريقك بالإلهاء والخداع والغش، فأي شيء شخصا كان أو تنظيما وقفت معه وألهاك عن القصد فهو قاطع طريق، وبذلك فإن التنظيم الذي يدخلك في دوامة من الحركة دون أن يدلك على الله فهو قاطع طريق، هذا في أحسن الاحوال وإلا فهناك من المسؤولين التنظيميين من يعترض طريقك بقوة السلاح، يستل سيف الفصل أو سكين التركيع أو خنجر الولاء الشخصي، ثم يطلب منك أن تقف عنده، يطلب منك تحت تهديد وسائل حربه أن تتوقف عن طلب وجه الله [1] وتطلب وجه المسؤول، يطلب منك أن تعمل على راحته وقضاء حاجاته وإطاعة أوامره، فإذا وقفت معه فقدت البوصلة وحدت عن الغاية، وإذا عارضته قتلك بسيف الفصل فأنت شهيد، وإذا راوغت وهربت وأفلتت منه أو أنقذك الله بحكمته من الوقوف مع التنظيم والمسؤول التنظيمي فقد اجتزت مرحلة خطرة من الطريق.

    عادة ما يعتقد العاملون في التنظيم الاسلامي أنه بمجرد انضمامهم إليه فهم في عداد الواصلين، يستدلون بمقولة الامام الجنيد رضي الله عنه بأن مجرد التصديق بأمرنا هذا ولاية، ثم يطمئنونك على ولايتك ويقولون لك بأن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية التي تبتعد عن القطيع، القاصية فقط، لكأن الذئب لا يهجم بين الفينة والفينة فيخطف واحدة من بين الراعي والقطيع، ولكأن الراعي لا يذبح الكبش الاقرن المليح عندما يجوع حبه للسلطة، صح النوم أخي العزيز، فالواقع غير هذا، إن انضمامك إلى التنظيم الاسلامي ليس معناه أنك قد قطعت الصراط، ولا معناه أنك من خيرة عباد الله، ولا معناه أنك من أولياء الله، ولا معناه حتى أنك من أهل الجنة، فقد يكون التنظيم عين هلاكك وقطيعتك عن الله، فالتصديق بولاية الولي يختلف تماما عن التصديق بولاية التنظيم والوقوف معه.

    لكأنك تتمتم ساخطا غير مقتنع بما أقول، معتقدا أن التنظيم الاسلامي نظام ملائكي منزل من عند الله ليكون قنطرة إلى عالم الاشتغال بالله، احلم احلم أخي العزيز، إنك لا تدري أن أقسى التنظيمات السياسية هو التنظيم الاسلامي، خاصة على كوادره، فهو يستطيع ان يذبح أي عضو على أتفه سبب، ولا تستطيع ولا نعجة من النعاج أن تستنكر أو تستفسر حتى، فعندما يطير رأس يتحسس الجميع رأسه يقول محاولا إقناع نفسه بعدالة التنظيم المطلقة، يقال سبب أخلاقي فلا يردها على التنظيم أحد، ثم ينقنق الجميع بما قرره المسؤول التنظيمي حرفيا في مجالس التنظيم أو يضيف إليه إضافات نوعية تحاول اقناع المشككين في القرار.

    بهتان وتصديق بنكهة إمعية للذئاب التنظيمية.

    أسماء كثيرة أستحضرها ذهبت بجرة قلم بعدما خدمت التنظيم عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة، لا أريد ذكر الاسماء رغم أنني أعلم أن التنظيم سيقول هات مثالا، الامثلة كثيرة يا عدو الله المسربل بين المؤمنين، نماذج كثيرة ماثلة أمامي ما زلت أراها كل حين تتمرغ في بلاء الفصل الذي نكلته بها، رجالات بخت الدم لما رفضت الركوع والخنوع للاستكبار التنظيمي، رجال قطعتهم عن طريق الله مبتزا إياهم بأداء ما في نفوسهم من العزة والكرامة مقابل المرور إلى المقام التنظيمي والتربوي التالي، أليس هذا قطع طريق؟

    وآخرون استعبدتهم لضعف في شخصيتهم وقصور في فهمهم وخفة في نفوسهم وأدخلتهم إلى دوامة الحركة والحركة من أجل الحركة والرتابة والبيروقراطية والبريستيج والشكليات الفارغة كأنهم حمير الرحى، أليس هذا تحويل قصد وقطع طريق؟ أليس هذا من دلك على العمل فقد غشك؟ أَنسيتهم الله وأنسيتهم الغاية الاساسية التي دخلوا التنظيم من أجلها، عاشوا للتنظيم فأنساهم الله أنفسهم أولئك هم الفاسقون، وأنت يا أيها التنظيم قاطع الطريق شيخ الفاسقين ما لم تتب إلى الله توبة تنظيمية تصلح بها هياكلك التنظيمية الفاسقة القاطعة عن الله، لقد فقست ونشرت الفسق بعد قطعك الطريق على كثير من المؤمنين.

    التنظيم عندما يتغول وتتشابك أجهزته على حساب المردودية والفعالية وعلى حساب الغاية الاساسية وهي طلب وجه الله غالبا ما يصبح قاطع طريق، يصبح آلة لها ضجيج دون طحين، حركة دون بركة، تربية دون ترقي في مدارج الاخلاق، سياسة دون نتائج حقيقية، إدارة مع فوضى، تنظيم مع قلوب مشتتة، ولذلك فإن الحركة الفارغة التي يحاول التنظيم أن يكسبها هالة من القداسة هي مجرد جعجعة فارغة تأكل كل يوم مؤمنا من المؤمنين، تطحنه لتستمر، آلة وقودها المؤمنون الطيبون، والصواب أن تدور العجلة حسب الطلب، وتطحن ما يلزم من السعرات الحرارية الحركية دون أن تطحن قلوب المؤمنين، أما عندما تشتغل الالة دون غاية إحسانية فقط من أجل الاشتغال لكأن التنظيم أصبح معبودا من دون الله، والأنظمة السياسية القائمة تعرف تمام المعرفة من أين تؤكل الكتف ولا تنخدع بالحركة الفارغة ولا تخاف من الآلة الجعجاعة، بل تتركها تأكل أصحابها وتستنزفهم وهي متفرجة ضاحكة مستبشرة، تستلذ بتعذيب الفأر الحركي السياسي قبل أن تأكله أو تسخره لإدارة عجلاتها الادارية والسياسية واضعة أمامه جبنة السلطة ثم تقضي به مآرب سياسية أخرى.

    قطع الطريق ليس حرفة تنظيمية فقط بل هو حرفة المسؤول التنظيمي أيضا، فهذا الأخير غالبا ما يحاول قطع طريق المؤمنين إما حسدا من عند نفسه أو عندما يراهم خطرا على منصبه، وقد يفعل ذلك حتى جهلا أو حمية لصالح لوبيات تنظيمية موازية لها برامج خاصة، فالمسؤول التنظيمي برعونة نفسه هو في الحقيقة قاطع الطريق الأول وليس التنظيم الذي ليس إلا آلة تستهلك الغافلين الذين قد يحسن البعض منهم التعامل مع الآلة التنظيمية دون أن تأكله أو تقطعه عن طريق الله، فخطر المسؤول التنظيمي أكبر لأنه يقتل خيرة الطاقات اليوسفية وليس أغفلها، ذلك أنه لا يتصور أن يتآمر التنظيم على فرد من الافراد إلا إذا كان هذا الأخير يشكل خطرا على قيادة التنظيم أو يهدد الخط الاستراتيجي العام فيُقطع رأس المعني بقرار فوقي.

    ما عدا ذلك فالتنظيم يكون مساهما في قطع الطريق من بعيد عندما لا يوفر محاضن تربوية بالقدر الكافي أو عندما يدير عجلة التنظيم بشكل مبالغ فيه أو عندما يهمش رجال التربية ويلقي برجال السياسة على منابر التربية ليهرفوا بما لا يعرفون أو عندما يفرط في تأسيس أجهزة قضائية ساهرة على حسن تدبير مؤسسة السلطة، فيساهم بطريقة إدارية قد تكون جهلا تنظيميا غير مقصود في قطع الطريق عل المؤمنين الطالبين وجه الله، ولذلك فالسبب المباشر في قطع الطريق هم المسؤولون الجهويون والقطاعيون، هؤلاء هم من يقوم بعملية قطع الطريق وتصفية المعني بقرار محلي عندما يستغلون غفلة القيادة القطرية وعدم إرسالها للجان تمارس مهمة الرقابة على المسؤولين المحليين، يستغلون هذه الأخطاء الإدارية ليجهزوا على المنافسين، وإذا علمنا أن الجهوية الموسعة [2] تسري على التنظيم الاسلامي حيث تعطى للأجهزة المحلية كامل الصلاحيات في طحن عباد الله، فيتحصل لنا أن يفعل فيك المسؤول المحلي ما يريد واذهب إلى العاصمة لتتقدم بشكوي تبقى هناك بلا قيمة على مكاتب الادارة المركزية للتنظيم، ذلك أن الأهم بالنسبة الى التنظيم هو المسؤول التنظيمي وبقاء المسؤول التنظيمي الذي يدبر شؤون التنظيم ولا يهمه المؤمن المشتكي الذي لم يعرف كيف يلعب لعبة اللعق والتزلف.

    أغلب الذين تعرضوا لقطع الطريق ممن عرفتهم فعل فيهم فعلته المسؤول التنظيمي، فقد كانوا في سيرهم المستقيم على الطريق حتى خرج عليهم المسؤول التنظيمي ابتلاء من الله، وهو ابتلاء شديد لا يعرفه إلا من عاشه، بلاء تنظيمي شديد متمثل في شخص مسؤول عليك، المفروض عليك أن تحبه وتطيعه وهو في آن واحد عدو لك ولأهلك، شيطان رجيم متدين بلباس أنيق ولحية وابتسامة مؤمنة صفراء يحفر لك الحفر ويكيد لك المكائد كل يوم، كيف تحبه وكيف تطيعه وكيف تخدم المشروع معه وكيف تسير إلى الله في حضرته وكيف تتشرب معاني الصحبة من قنواته وكيف تدعو معه بالخير وقلبه ولسانه وسيفه مستنفر ضدك، لا يترك إذاية إلا أذاك بها، ولا يترك نميمة الا رماك بها، ولا يترك صبيا من صبيانه حديثي العهد بالتنظيم إلا أرسله عليك، لا يغمض له جفن حتى يصفيك من التنظيم ويلقي بك خارجه، ثم يستلقي على ظهره فرحا مسرورا، الله على راحة، لقد أزحت منافسا ثقيلا.

    إن الذين يتعرضون لقطاع الطرق من المسؤولين التنظيميين غالبا ما يرسبون في هذا البلاء، اللهم قلة قليلة تفلت، لكأن التنظيم بلاء عوض أن يكون نعمة، لكأن الله حكم بين المسلمين أن جعل بأسهم بينهم شديد، فما يمارسه المسؤول التنظيمي على من تحته أو من ينافسه أكبر بكثير مما يمارسه النظام السياسي على التنظيم، ولولا هذا البأس الشديد للمسؤولين لكان للتنظيم شأن عظيم داخل خريطة السياسة والدعوة، ولولا التنظيم والمسؤولين التنظيميين لكان للجماعة شأن عظيم بالنظر إلى حجم الطاقات الكثيرة والمميزة التي ذبحها التنظيم، إن هذا الحطام البشري الغالي والجماجم الروحية المرمية على الطرقات وفي الخلوات من أجسام المؤمنين وأرواحهم من الذين قطع التنظيم طريقهم لو تمت رعايتهم والحفاظ عليهم لكان للإسلام الحركي شأن عظيم، ربما كان قد غزا العالم من شرقه إلى غربه.

    إن الشرارة الحركية الايمانية التي أطفأها التنظيم كانت ستغزو العالم في سنين معدودة لولا أن التنظيم طعنها في ظهرها، معادلة التنظيم والتربية لم تنجح، الذئب لم يحافظ على الرعية، لقد أفشل التنظيم العملية التربوية وأفسد النتيجة السياسية المرجوة ورجح بالمعادلة لصالحه ومآرب مسؤوليه وأطماعهم السلطوية والنفسية، لقد انتصر معاوية كالعادة على علي، انتصر ليس لأفضيته التربوية وسلامة صدره وكثرة أوراده وتهجده بالليل وتوفيق الله له، بل انتصر ظاهريا فقط بتسرباته الهادئة وعطائه السخي وحلمه الدنيء ومكره الشديد وحيله الخبيثة وتلاعبه بالمصاحف والاحاديث النبوية ورمى باليوسفيين إلى بئر التهميش راجين ما عند الله من عوض.

    إن جريمة قطع الطريق المستشرية داخل التنظيم يمكن علاجها إذا نزل التنظيم بآليات تنظيمية وقانونية وبإرادة سياسية [3] صادقة تضرب بيد من حديد على طغاة التنظيم، أما غير ذلك فهو التآمر الخفي منه والذي يُنذر بمزيد من هيكلة عملية قطع الطريق على أعلى مستوى مما يجعلها معضلة برؤوس متعددة تتعدى الاشكاليات البسيطة، ذلك أنه إذا لم تكن للتنظيم إرادة فعلية من أجل إصلاح هياكله التنظيمية وإعادة صياغة فلسفة الروابط التنظيمية بين أعضائه فالأمر حينها يستدعي خلق تكتلات موازية تستطيع الضرب على التنظيم بطريقة سياسية خارجية هادئة ومستمرة من أجل أن يسارع إلى تفكيك شبكاته المافيوزية ثم يرجع منتكس الراس نادما إلى شريعة الاسلام السمحة ومحجته اللاحبة التي تتأسس على أسس التقوى والحق والقانون والعدالة والرحمة والانصاف والتعاون على البر والتقوى لا على مراوغات ميكافيلي.

    شريعة الاسلام أفضل للتنظيم الاسلامي من شريعة ميكيافيلي.


    📌 الهوامش

    1. [1] " رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المسارعة وقبلة الرجاء". كتاب "المنهاج النبوي".ص12
    2. [2] الجهوية المتقدمة في القانون الاداري هي تنظيم هيكلي وإداري تقوم بموجبه السلطة المركزية بالتنازل عن بعض الصلاحيات لفائدة الجهات المكونة للوحدة الترابية للدولة، وذلك لتعزيز التنمية المحلية، وتنشيط التبادل التجاري وتقريب الإدارة من المواطن عبر صياغة سياساتٍ محلية تنبع من الخصوصية المميزة لكل إقليم على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
    3. [3] الارادة السياسية هي جوهر السياسة للقيادي الفذ فهي مناطة بإنسانيته وتعكس الفعل الحكيم بادارة شؤون التنظيم بعيداً عن صراع الارادات، فهو وعي سياسي دون أي استلاب داخلي، فالإرادة السياسية هي العنصر الأهم في تأسيس الفعل السياسي بعيدا عن الانفعال السياسي مع القدرة على الفعل والعزيمة على الفعل بما يوافق الارادة العامة.

  • بين مطرقة النظام ومطرقة التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 58 من 77 — فهرس الكتاب

    تصور نفسك منتميا إلى تنظيم اسلامي تنزل عليك كل حين هراوات الانظمة السياسية الحاقدة تضربك في رزقك وصحتك وتعليمك وحريتك وحركتك وأبنائك، ثم فجأة ترتكب خطأ بسيطا في حق التنظيم الاسلامي الذي تنتمي إليه وتعمل لصالحه منذ سنوات أو تختلف معه في نقطة فكرية أو حركية أو تربوية أو تحتاج زوجة ثانية أو ترتكب ذنبا كما يذنب البشر فتنزل عليك أيضا هراوات التنظيم ثم يرميك خارج الهياكل، ما شعورك وأنت بين مطرقة الدولة ومطرقة التنظيم واقفا على سندان صدقك مع الله؟ واغل بين عجلة التنظيم وعجلة النظام يطحنانك، هل ستنشد بلادي وإن جارت علي عزيزة [1] أم ستنشد هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا [2]؟ لابد أنك ستحس بطعنة شديدة من جانب التنظيم الذي يُسمعك كل جلسة عن أساطير الأخوة، أما ضربات النظام القائم فلا أظنها تفت من عضدك كونها ضربات عادية كنت مستعدا لها من أول جلسة مع التنظيم الذي حذرك وشرح لك خطورة ما أنت مُقدم عليه، كما أنك سمعت من الناس وفي وسائل الاعلام عاقبة من ينضم إلى التنظيم الاسلامي.

    واضح أن هناك فرقا كبيرا بين الضربات التي يمكن أن تتلقاها من الانظمة السياسية الحاكمة والتي يمكن أن تتحملها وأنت داخل التنظيم، وبين الضربات التي تأتي مجتمعة في آن واحد من النظام والتنظيم، ففي الحالة الاولى تكون الضربات من النظام ذات حلاوة إيمانية تستلذ معها البلاء اعتقادا أن ذلك في سبيل الله، المؤمن يصبر على البلاء في طريق الله طمعا في اجتياز امتحان التمحيص، أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، لكنه قد لا يحتمل الضربات التي توجهها إليه الجماعة المؤمنة، فعندما يقع في خلاف مع التنظيم أو المسؤول التنظيمي، يتنكر له التنظيم فجأة ويختزل كل فضائله وسابقته وغناءه ثم يشرع في الضرب الجماعي المنظم عليه، وهنا يحدث أكبر بلاء يمكن أن يتصوره إنسان في طريق الله، بلاء شديد وتمحيص عنيف لا يفلت منه إلا صِديق [3].

    صعبة هي تلك الحالة التي يجد فيها المرء نفسه تحت الضربات القوية من الامام والخلف، من العدو الذي يواجه ومن الأخ الذي يستند إليه، هذه هي الحالة التي تكلم عنها الامام الجيلاني بأن الله يضيق عليك الدنيا والاخرة [4]، يفني بذلك وجودك، معصرة لا تذر حجرا على حجر تخرج ما فيك من زيت ليضيء الكون، وعليك أن تؤتي زيتك مبتسما صابرا جميلا محتسبا، كماشة يقع فيها المؤمن تفتك به وتفني وجوده نهائيا فلا مهرب ولا منجى إلا إلى الله، يصيح المؤمن قائلا عليه توكلت وإليه أنيب، أما ضربات النظام وحدها منفردة فهي لا تُفني الوجود، تجد من يصدها أو من يحمي ظهر مستهدفها فيكون مفعولها ضعيفا مع نشاط تدافعي، ديناميكية حركية وحيوية إيمانية، بل إنها تزيد المعني بها قوة وإيمانا ويقظة وحيوية ونشاطا وواقعية وحصانة ذاتية، فالدولة لا يمكن أن تفني وجودك المعنوي الا إذا أسندها التنظيم الاسلامي من الجهة الاخرى، تماما كالمطحنة، فقط عندما يجتمع النظام والتنظيم على الرجل الواحد فهنا فقط يمكن الحديث عن فناء للذات وتدمير شامل للنفس.

    بعد فناء الذات القديمة يأتي المولود الجديد، وهو إما رجل صالح أو زنديق فاسق، والصالح يأتي مكرمة من الله والزنديق يأتي أيضا قضاء من الله، قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا [5]، هذه المطارق حكمة الاهية، واصطنعتك لنفسي، ولتصنع على عيني، وصناعة الله للرجال لا تأتي وهم متكئون على فرش بطائنها من استبرق، بل تأتي وهم في نار الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ والعدو محيط من كل جانب، ولا إحاطة أكبر من أن يحيط بك نظام حقود وتنظيم حسود، كل يطعن بوسيلته ويمكر بطريقته، فهذا يطعن بالدين ومقدرات التنظيم وذاك يطعن بالسلطة ومقدرات الدولة، الأخ يطعن بالسر والاخر يطعن بالعلانية، هذا يطعن بحلو الكلام والاخر يطعن بعنيف العمل، هذا يطعن من وراء حجاب والاخر يطعن والناس ضحى، وبين المطرقة والسندان مراسلات وتفاهمات ومغازلات ينقلها شياطين الانس الذين يلعبون على الحبلين.

    لو تحدثت قبل الان لما فهمتُ هذه المصيدة، ولقد قضيت سنوات طويلة من المعاناة قبل أن أفهم هذه الحكمة، لقد قطعت خيوطا من شرايين قلبي كنت أحسبها تغذيه قبل أن أتخلص منها وأتحرر من عبودية الاشخاص الطيبين والاشرار، ولست أدعي أنني خرجت صديقا من المطحنة التي وقعت فيها، فالزندقة تحوم حوالي أحاول تفاديها، ومن يقول غير هذا وينسب الصديقية إلى نفسه فهو الزنديق حقيقة، ومن يقول هذا الكلام البليغ ويحاول أن ينسبه إلى نفسه فهو في طريق الزندقة، إنني أقول هذا وكلي يقين أن لا صديق إلا من جعله الله صديقا، ولا زنديق إلا من توكل على نفسه وجعل من نفسه صديقا، فالمطحنة التنظيمية تطحن دين من يعبدها ونفس من يعارضها، وهي تدور في اتجاه والمطحة النظامية تطحن في الاتجاه الاخر، وكل من يحاول الهروب من المطحنة الاولى وبما أنها آلة واحدة يقع في المطحنة الثانية، فلا مهرب من الطحن إلا إلى المطحنة، ولا شيء يؤلم في عملية التعصير سوى نظرات التشفي من مسؤولي التنظيم والاستهزاء من أعضاء التنظيم.

    أغلب الظن أن الله لا يدخل أحدا إلى مطحنة التنظيم إلا ليصنعه على عينه، ولو أُجهض المولود وخرج ميتا فهو شهيد، فلا زنديق يخرج من مطحنة يسهر الله على كل من دخلها، ما يفعل الله بعذابكم؟ حاشا الله أن يكون كمسؤولي التنظيم الذين يتشفون في المطحونين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، هو الرحمـن الرحيم الحنان المنان اللطيف الودود الرؤوف السلام الغفّار الوهّاب الفتّاح الحليم الغفور الحفيظ الكريم المجيب الوليّ الحميد الرّؤوف النّور الهادي، لذلك لا خوف من جناب الله ما دام أن المرء بالنية الصافية مع الله، فالله سبحانه ليس بذلك الشرور الذي يهلك به عباده الطيبين، إنه لا يفعل بهم إلا خيرا، حتى أن ما يرونه من بلاءات تشيب لها الولدان هي في حقيقتها عين السلامة والتوفيق، أما الشيطان فهو يعد بالفقر والجوع والخوف من جهة ويفتح باب الفحشاء من جهة أخرى ويصوره بابا للنجاة والفرار من المعصرة، الفحشاء راحة المطحون لكنها المحرقة بعينها.

    موسى عليه السلام عندما ألقت به أمه في اليم كان لها من اليقين مثل الذي نتحدث عنه، وموسى عندما دخل في معركة ليست معركته فقط لنيته الصافية ومعدنه النقي لم يكن يدري أن ثمن الدفاع عن الحق هو اللجوء الحقوقي إلى مدين، على أن الله تجلى له وثبته بكلامه ثم أمره وهو خائف لاجئ أن يقصد الفرعون، نتساءل ببساطة ألم يجد الله غير شخص مبتلى بالفقر والخوف وتأتأة اللسان ليرسله الى الفرعون، ثم قال له الله سبحانه بصريح العبارة إني معك رغم فقرك و عي لسانك اسمع وأرى [6]، فكيف يخطر ببال امرؤ أن الله يدخل المؤمنين المطاحن المعنوية ليقضي عليهم ويخرجهم زنادقة؟ إن الله سبحانه يأمر موسى وهو خائف ترتعد فرائصه أن يشد من رباطة جأشه ويهدد الفرعون بالعذاب إن هو كذب وتولى، ومع ذلك فالتنظيم الفرعوني عندما يرى الآيات الساطعة يُكذب ويأبى، ثم يقول لموسى على لسان الفرعون أجئتنا لتخرجنا من قوقعة تنظيمنا بسحرك يا موسى، فلنأتينك بسحر مثله، صحيح أن موسى يدخله الخوف من سحر التنظيم والنظام، لكن الله سبحانه يتدخل فجأة ليؤكد لموسى ولنا أن الله لا يتخلى عن عبادة الصادقين، يلقي الله سبحانه في قلب عبده الصادق: لا تخف إنك أنت الاعلى [7].

    إن أسوأ سيناريو يمكن أن يقع فيه المؤمن هو أن ينتمي إلى التنظيم الاسلامي فيكسب بذلك عداوة النظام وحربه ثم يغدر به التنظيم الاسلامي آخر المطاف ويرمي به إلى المطحنة ويتبعه بحرب باردة ونميمة وتشويه وتنكيل اقتصادي وأسري ومجتمعي، هذا السيناريو بشع جدا، حيث يجد المرء نفسه بين ابتزاز النظام للعمل معه كمخبر وابتزاز التنظيم للركوع على أبوابه والتصفيق للمسؤول الجبار على الملأ.

    يحس المؤمن بضعف شديد حين يتخلى عنه إخوته الذين كان يستقوي بهم على شياطين الظاهر والباطن، يتولد لديه شعو بانعدام الثقة في الجميع، يصاب بضعف جسدي وانهيار نفسي وأمراض روحية وعضوية لا ينفع معها لا طبيب ولا فقيه، وحين يفقد كل أمل في الوظيفة والمشاريع والمال والايمان والسمعة الحسنة والصحبة الجهادية والرجوع إلى محاضن الايمان الدافئة والنشاط داخل البرامج الحماسية، ينتابه حزن شديد يقطع أوصاله، يحس أنه خسر الدنيا والآخرة معا [8]، خسر أهله وإخوانه وماله وسمعته وصحته ونفسه، يحس بالخراب التام.

    لكنني أرجع وأقول إنها صناعة الله لأوليائه، ومن كفر إن عذابي لشديد.


    📌 الهوامش

    1. [1] " بلادي وإن جارت على عزيزة. . وأهلي وإن ضنوا على كرام " الشريف قتاده أبوعزيز.
    2. [2] همُ الأحبة إنْ جاروا وإنْ عدلوا & فليسَ لي معدلٌ عنهمْ وإنْ عدلواو كلُّ شيءٍ سواهمْ لي بهِ بدلُ & منهمْ ومالي بهمْ منْ غيرهمْ بدلُإني وإنْ فتتوا في حبهمْ كبدي & باقٍ على ودهمْ راضٍ بما فعلواشربتُ كأسَ الهوى العذرى & من ظمأٍ و لذَّلي في الغرامِ العلُّ والنهلُفليتَ شعريَ والدنيا مفرقة & بينَ الرفاقِ وأيامُ الورى دولُاهلْ ترجعُ الدارُ بعدَ البعدِ آنسة &وهلْ تعودُ لنا أيامنا الأولُيا ظاعنينَ بقلبي أينما ظعنوا & ونازلينَ بقلبي أينما نزلواترفقوا بفؤادي في هوادجكمْ & راحتْ بهِ يومَ راحتْ بالهوى الإبلُفو الذي حجتِ الزوارُ كعبتهُ & ومنْ ألمَ بها يدعو ويبتهلُلقد جرى حبكمْ مجرى دمي & فدمي بعدَ التفرقِ في أطلالكمْ طللُللشاعر عبد الرحيم أحمد بن علي البرعي اليماني شاعر وأديب عربي يمني من العصر الرسولي. شاعر متصوف أفتى ودرس وله ديوان شعر أكثره في المدائح النبوية.
    3. [3] قال الامام الجــنـيـد: " لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صدِّيق بأنه زنديق"، محمود الغراب، كتاب " شرح كلمات الصوفية من كلام الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، ص226.
    4. [4] قالَ الشيخ الإمام القدوة مولانا عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: " يا غلام! دَأبُ الله عز وجل مع عباده المصطَفَيْنَ المُجْتَبَيْنَ أن يقطعهم عن الكل، ويبْتليهم بأنواع البلايا والآفات والمحن، ويُضيق عليهم الدنيا والآخرة وما تحت العرش إلى الثرى. يُفْني بذلك وجودهم، حتى إذا أفْنى وجودهم أوْجدهم له لا لغيره، أقامهم معه لا مع غيره. يُنشئهم خلقا آخر كما قال عز وجل: (ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين). الخلق الأول مشترك (مع سائر بني آدم)، وهذا الخلق مفرد. يفرده عن إخوانه وأبناء جنسه من بني آدم. يغير معناه الأول ويُبَدِّله. يُصَيِّرُ عاليَه سافلَه. يَصِيرُ ربانيا روحانيا".
    5. [5] . ." وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا" النساء78
    6. [6] " وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ (45) قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (48)
    7. [7] " فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ ". سورة طه.
    8. [8] قال الامام عبد القادر الجيلاني: " يا غلام لا تكن مع النفس ولا مع الهوى ولا مع الدنيا ولا مع الآخرة، ولا تتابع سوى الحق عزَّ وجلَّ. .".

  • إسعاف جرحى الطريق أم تصفيتهم؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 57 من 77 — فهرس الكتاب

    جرحى الطريق لا ينحصرون في المفصولين فقط، بل هم كثير، فالفصل جرح من جهة خارجية تقتنصك لتقتلك، وهي التنظيم وأفاعيه، وكذلك يقتنصك إبليس اللعين على الطريق، وقد يقع الجرح جراء عوامل داخلية في المؤمن السالك طريق الجهاد والتربية، من بينها رعونة الطبع وشهوات النفس وانحلال العزم وخوار الهمة ورياح الهوى وخسة المعدن.

    نستشف إذن أن جراح السالك مصدرها بالأساس إما رعونة في النفس وإما غواية الشيطان وإما مكائد التنظيم.

    إن المؤمن السالك يحمل في نفسه عوامل النجاح وعوامل الموت في آن واحد، فهو يستطيع بصدقه وصفاء سريرته واجتهاده في الطاعة وابتعاده عن المعصية وإلجام نفسه بذلك أن يسلك الطريق دون خطورة تذكر، يبقى له عدوان خارجيان، الشيطان يستعيذ منه ويحصن نفسه منه بالمعوذات القرآنية والوضوء الدائم وكثرة الاذكار وتجنب المال الحرام، ويبقى التنظيم آخر عدو يجب الحذر منه، هياكل أو أفراد، فالإخوان السالكون هم عامل خطير قد يطعن السالك في ظهره في أي وقت، إما حسدا وإما مكرا وإما فصلا وإما تسلطا وبلاء وإذاية، حتى إن المؤمن ليفر أحيانا نحو الشيطان والنفس هاربا من أذى الاخوان، فيقع ضحية لتآمر الاعداء الداخليين والخارجيين الذين يتعاونون عليه يساعد بعضهم بعضا [1]، همهم الوحيد قطع طريق السالك وإيراده موارد الهلاك، وقد ينجحون آخر الأمر فيتحصل لدينا جريح في الطريق أو قتيل لا قدر الله.

    القتيل إكرامه دفنه، والجريح يختلف فيه اثنان، فالتنظيم يرى أن الجريح يُقتل أو يُهمل ليموت ببطء، وأولياء الله ينظرون إلى الجريح بعين الرحمة، فيحتضنونه ويداوونه ويعالجونه ليستأنف الطريق من جديد.

    من أدبيات الحرب لدى الكفار أن الجريح يُنقذ، فجريح الحرب أخ للمحاربين الآخرين، وجب عليهم أخلاقيا أن يحملوه للمارستان، وقد يستدعي الأمر المخاطرة بالنفس من أجل ذلك، أما التنظيم الاسلامي فالمفروض بما أنه تنظيم إنساني يجتمع فيه بشر من سلالة بني آدم إضافة إلى حمله مشعل الشريعة الاسلامية ومعانيها وأسرارها ورغبته في سيادتها على الناس تحت ظل الامام العادل فردا كان أو مؤسسة فهو مدعو لأن يكون أكثر حرصا على إنقاذ جرحى الحرب، فهو الخادم لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمفروض أنه أحرص الناس على إنقاذ جرحى الطريق النبوي، فأولى بالتنظيم أن يتشبه برسولنا الكريم الذي ما كان يترك أصحابه يموتون جرحى في ساحة الحرب، بل كان صلى الله عليه وسلم يتفقدهم في ساحة الكريهة ويدافع عنهم ويبحث عنهم، فإذا كانوا جرحى عالجهم، وإذا استشهدوا أكرم مثواهم ثم فرض لورثتهم عطاء يخفف به عنهم مصابهم، وإذا وقعوا في الأسر اشترى حريتهم.

    فالأصل إذن في السنة النبوية ودين الانسانية أن الجريح يُنقذ ويعالج ويحظى بعناية أخوية تليق بمقام الصحبة والاخوة في الدين ورفقة الخندق، لكن في أحيان كثيرة عندما يَفسُد التنظيم ويحيد عن الأصول وتبرق في عينيه شهوة السلطة وتعجبه الطريق المختصرة السهلة يضحي بأفراده الجرحى ويقتلهم سريعا إهمالا وتجاوزا كي يستمر السير دون مثبطات، اجتهاد ميكيافيلي عقلي ماكر وذكي وخسيس، لكنها وجهة نظر سياسية وتنظيمية تُناقش.

    في نظري المتواضع وحسب ما رأيت من تجارب فالجرحى منظرهم مقزز خاصة عندما يهمل التنظيم علاجهم وتفوح من جراحهم روائح منتنة، أتحدث عن معاني وليس وقائع مادية، فما أقصده بالحرب والسلاح والجراح هي حرب السلوك إلى الله وجراح القلب والروح، فالطريق التي نتحدث عنها الاصابات فيها قلبية وروحية وأحيانا مالية وأسرية ولا نتحدث عن جرحى الحرب في الصراعات المسلحة.

    التنظيم السلمي من المفروض أن يكون حريصا عل جنوده بما أنه يسميهم جند الله، لا مستهترا بهم ومتشفيا فيهم حينما يصابون في قلوبهم وأرزاقهم، فهم جنود الله المعبؤون للموت في سبيل الله وليس للموت إهمالا داخل أروقة التنظيم، هم جنود مُعدون للموت في ساحة الحرب مع العدو الخارجي لا الموت إهمالا داخل الصف الاسلامي، وعندما يُهمل التنظيم جنوده لكأنه يستهتر بحياتهم وبقلوبهم وبعائلاتهم جملة ويقتلهم في الثكنات قبل الحرب، لكأنه يقول لهم أنتم مجرد بيادق لا غير على رقعة لعبة سياسية ولا قيمة لكم في ميزان التنظيم، هذا الأمر يُعد انحرافا تنظيميا عن الجادة، خراب للأخوة داخل التنظيم الاسلامي الذي من المفروض أنه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسد التنظيم بالسهر والحمى [2].

    أن يتألم التنظيم للعضو بالسهر والحمى أمر مبالغ فيه في عقلية التنظيم اليوم، فهذا الأمر كان في عهد الصحابة الذين يدعي التنظيم اليوم أنه يفوقهم مقاما وصلاحا، والحقيقة أن التنظيم لا يساوي ذرة في قدم صحابي كأبي ذر، القامات السامقة للصحابة الذين كانوا يموتون في ساحة الحرب دفاعا عن إخوانهم لا يمكن مقارنتهم بأشباه الرجال في التنظيم الذين يطعنون المؤمنين ويغدرون بهم ويفصلونهم ويغتابونهم ويأكلون مالهم ووقتهم ثم يرمونهم، لا يمكن بتاتا مقارنة الرجال الصحابة الكرام بحثالة مسؤولي التنظيم اليوم الذين يفتخرون أن نساءهم تحكمهم، نخوة الصحابة وشهامتهم ورجولتهم لا توجد بتاتا في مسؤولي التنظيم اليوم، فهؤلاء مجرد إداريون ملتحون قفزوا إلى المسؤولية بطرق خبيثة ماكرة وأصبحوا يتطاولون على الصحابة ويقارنون أنفسهم بالسدة العالية بالله وبرسول الله، بل وأحيانا يدعون أنهم أفضل من الصحابة.

    أستغفر الله.

    لنكن واقعيين وصريحين، التنظيم الاسلامي اليوم تسوده الانانية والبرغماتية و"التاحراميات"، فجرحى الطريق من المؤمنين داخل التنظيم ليس لهم إلا الله، فبمجرد أن يصاب المؤمن في قلبه أو روحه أو جيبه أو أسرته يتفرق الجميع من حوله ويتركونه للذئاب المادية والمعنوية تنهشه، يولونه أدبارهم ويشيحون عنه بوجوههم لكأنهم ما عرفوه ولا عرفهم، هذا إذا لم يطعنوه طعنة الغدر جزاء وفاقا على إخلاصه ورفعه لواء الولاء والاخوة سنين، ولعمري إنها خسة ما بعدها خسة، رحم الله الأستاذ عبد السلام ياسين عندما كان يزور أخاه سيدي محمد العلوي السليماني بعد خروجه من السجن، كان يصله ويحمل عنه ويخفف عنه جراحه حتى استعاد الرجل عزمته ونهض لإكمال الطريق.

    الأخوة في الله داخل التنظيم تستدعي إنقاذ الجريح والأخذ بيده لينهض ويكمل الطريق إلى الله لا قتله والاجهاز عليه، الأخ الحقيقي تجده ساعة العسرة والعدو محيط والقتل مستشر والخطر داهم، هناك فقط تبرز الاخوة الصادقة لتكون يدا واحدة شفاء وبلسما للأخ المبتلى، غير ذلك ادعاء في ادعاء وكلام في كلام وخواء في خواء وهراء في هراء يُلقى على الاسماع لتشنيف الاذان لا غير، والحق يقال، الأخ الحقيقي نادر داخل التنظيم، فالقليل القليل من تجده يحملك عندما تصيبك رصاصة العدو، أكثرهم يدهسك بقدمي أنانيته وهو هارب أن يصاب، وقد يراك جريحا تتأوه ألما من طعنات الفقر أو الاحوال التربوية أو الفصل أو التهميش أو المس أو السحر ثم يتظاهر بالعمى لكأنه لم يرك، يعرف أن ثمن الأخوة غال فيأبى أن يؤديه فيتجاهلك متظاهرا بعدم رؤيتك، معنى ذلك إضمار تصفية الجرحى وقتلهم، يقول لك توكل على الله ومت موتتك الطبيعية بعيدا عني، لكن وبالمقابل هناك قلة من المؤمنين يُعالجون ويُداوون ويطببون جراح الجرحى في سرية تامة وخوف من التنظيم أن يفصلهم، أولئك فقط حُق لهم أن ينسبوا أنفسهم إلى كوكبة الجهاد والجندية والأخوة.

    هناك الطيبون دائما، لا يخلوا منهم زمن، يقفون عليك ساعة العسرة والدم يسيل منك والقروح تُؤلمك، يحملونك إلى مكان آمن ثم يشرعون في تطبيبك أولا بلطيف الكلام ورفع الهمة وزرع اليقين في نصر الله الذي وعده عباده الصابرين، رفع المعنويات دواء، والكلام الطيب دواء، خاصة عندما يخرج من قلب صادق محب فيقع على قلب الجريح فيداويه ويرفع من معنوياته ليقتحم عقبات الجراح، ورفع الهمة أمر ضروري ليعلم الجريح أن الأمر طبيعي في طريق الله، فطريق الله خطرة جدا وليست نزهة ممتعة على شواطئ الامان والسلامة، إنها عقبات كؤود وحيوانات ضارية مفترسة على الطريق وحُفر عميقة ومطبات متوالية وحشرات ضارة وقطاع طرق مسلحون وسيوف ورماح وجراح، ولذلك فالإخوان الحقيقيون لا يذبحونك لا إهمالا ولا تآمرا، بل يرفعون معنوياتك لتعلم أن الامر طبيعي في طريق الله، فالجرح ليس معناه الاستسلام والموت، الإخوان الحقيقيون يساعدونك على جمع الهمة والنهوض من جديد.

    المفروض من التنظيم الاسلامي أن يُنظم عملية التطبيب والمعالجة للعناصر الجريحة لا أن يتأفف من دمائها وقيحها ولا أن يترك التطبيب للإرتجال والعفوية، التنظيم الاسلامي ومسؤولوه يجب عليهم أن يضعوا أيديهم في يد الجريح ويجروه إلى خارج المعركة ليتلقى العلاجات الضرورية مع كامل الحب والتقدير والاحترام والخير، وإذا كان التنظيم منشغلا بالسياسة فعليه أن يؤسس لجنة لهذا الغرض يتم تكليف عناصرها بمهمة الوقوف على الجرحى وإسعافهم، فالعضو الذي يقع في إخلالات أخلاقية عادية يجب أن يُستتاب ويُزوج ويزج به في اعتكافات ربانية يغسل فيها زلته، والواقع في حبائل السحر والشيطان يجب أن يُنقذ بالرقية والدعاء والتحصين وفك السحر [3]، رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس التنظيم كان يفسخ السحر لنفسه ولأصحابه [4]، أُخوة وتربية واقتحام عقبة جماعية وحرص على التنظيم، والواغل في معاناة روحية يجب ان يجد له التنظيم وليا لله يعالج روحه المشتتة الجريحة بطب ولايته، والفاتر الذي انحطت نيته وجب على التنظيم أن يرفع معنوياته ويشحذ همته بالمعاني السامية الراقية، والذي غلبت عليه شهوته يجب على التنظيم أن ينظر كيف يُزوجه لا أن يلومه على رغبته في الحلال وينتظر زلته ليفصله.

    كل جريح من الاخوان المجروحين على الطريق وجب على التنظيم أن يداويه ويعالجه عن طريق مصحات وأدوية وأطباء يسهرون على علاج جرحى الطريق وتطبيبهم والاخذ بيدهم حتى يسترجعوا مكانتهم داخل التنظيم ويكونوا جنودا لله مرة ثانية بعزيمة أكبر، وقوة ومعنويات أكثر ارتفاعا، وأجساد أكثر تحملا، وأرواح أكثر صفاء، وقلوب أكثر اتساعا.

    على التنظيم أن يفعل ذلك عاجلا وإلا فليرفع يده عن الجهاد بالمرة، فالزج بالمؤمنين في معمعان الحرب ثم التخلي عنهم ليست من الأخوة ولا من المروءة في شيء، فالجهاد قبل أن يكون زحفا هو أُخوة ورُفقة صالحة وتعاون وتحاب وتظافر جهود على قضية المؤمن نفسه لا مصلحة التنظيم فقط.


    📌 الهوامش

    1. [1] وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ. الانعام 112
    2. [2] قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.
    3. [3] أخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أبي صالح عن ابن عباس قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضا شديدا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لَبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
    4. [4] فقد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم من قبل يهودي من بني زريق يقال له: لبيد بن الأعصم، وكان من نتيجة ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، ولكن الله تعالى عافاه بقدرته، وأرسل إليه ملكين فأخبراه بمن سحره وفيم سحره وأين هو ذاك الذي سحر به والقصة مذكورة بالتفصيل في صحيح البخاري وغيره، وقد كان رسول الله يعالج اصحابه فهو المعالج وهو سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن ماجه في سننه عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، قال: لما استعملي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلي! فلما رأيت ذلك، رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " أين ابن أبي العاص " قلت: نعم، يا رسول الله! قال: " ما جاء بك؟ " قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: " ذاك الشيطان ادنه " فدنوت منه، فجلست على صدور قدمي. قال، فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: " اخرج عدو الله " ففعل ذلك ثلاث مرات. ثم قال: " الحق بعملك " والحديث صححه الألباني.

  • التنظيم المضطهد والفرد المضطهد

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 56 من 77 — فهرس الكتاب

    يشتكي التنظيم الاسلامي من الاضطهاد، وكذلك الفرد يشتكي بدوره من الاضطهاد مع اختلاف بسيط، فالتنظيم مضطهد من النظام، والفرد مضطهد من النظام والتنظيم، فهو الذي يقع عليه العبء الأكبر من الاضطهاد، وإذا كان التنظيم كشخص معنوي لا يتألم من الاضطهاد بل تتأخر برامجه أو تتعثر أو تفشل، فإن الفرد يكتوي بـنار الاضطهاد بشكل مباشر، تحترق أعصابه شيئا فشيئا وينال الاضطهاد من صحته ونفسيته وأخلاقه ودينه وماله ومستقبل أبنائه وهناء عيشته، فالاضطهاد يعني بالمقام الأول الفرد المنتمي إلى التنظيم لا التنظيم.

    الاضطهاد مظلومية يرفعها التنظيم لتحقيق مكاسب سياسية على رقعة اللعبة السياسية تماما كما تفعل المرأة على رقعة قوانين الاسرة، وله كامل الحق في ذلك بما أنه تنظيم في الاصل يحق له العمل السياسي بكل حرية تماشيا مع حقوق الانسان ومع تعاليم الاسلام التي تسمح بالوصول الى السلطة بالوسائل الشرعية، مبدئيا نتفق أن الوصول إلى السلطة حق مشروع، وليس عيبا أن يرى الشخص أو التنظيم نفسه أهلا لتسيير شؤون العامة، شريطة أن يعمل للوصول إلى ذلك بالوسائل الشرعية لا بالعنف، فكل عمل بالاكراه باطل، ككل العقود المدنية والاجتماعية التي تنعقد بالتراضي كأهم ركن من أركان الانعقاد وتبطل بالاكراه والتدليس، كالسيف يضرب الارادة في صميمها فتبطل الاعمال التي تبنى عليه [1]، فلا جدال.

    على أن الاضطهاد يقع عند عدم احترام حق من الحقوق الطبيعية للفرد أو التنظيم، فتتدخل قوة غاشمة لضرب المعني بالأمر والذي غالبا ما يكون في موقع تنازع على السلطة أو لمجرد الخشية منه أن ينازعها، فالتنظيم تتدخل الانظمة الحاكمة لضربه بما أن الدولة تحت سيطرة فئة معينة لا يخدم مصالحها سقوطها عن سدة الحكم [2]، والفرد يكون معرضا للاضطهاد من الدولة بما أنه عضو داخل هذا التنظيم الذي يهددها، ويكون هذا الفرد نفسه معرضا للاضطهاد إذا ما شكل تهديدا للمسؤول التنظيمي وطمع في منصب تنظيمي داخل التنظيم، فالصراع على السلطة هو سبب الاضطهاد دائما [3]، بما أن السلطة ملتقى كل المتع.

    يكتب صديق دائما على صفحته في الفايسبوك عن مظالم التنظيم واضطهاده من النظام السياسي الحاكم، يبكي دائما مظلومية تنظيمه، يُشيطن النظام والفرقاء السياسيين الاخرين، وكذلك كنت أفعل إلى عهد قريب، فقد قضيت سنوات أمام الحاسوب والهاتف أضرب في الانظمة السياسية وأبرز مساوئها وأنتقد سياساتها، وقبل ذلك قضيت سبع سنوات في الجامعة أرجمها بشر النعوت لاضطهادها تنظيمنا الذي نرى فيه خلاصا أمتنا ومقيما لدولة العدل، وقضيت سنوات أخرى في التنظيم أنتقدها وأدعو الناس إلى الجماعة التي أنتمي إليها وأبشرهم بنظام وليد أكثر عدلا، كنت أنتقد دائما بشراسة برامج الانظمة السياسية في التنمية والسياسة الخارجية وطرق تدبير الشأن المحلي، فكنت معرضا دائما للاضطهاد.

    الحرمان من الحقوق الوطنية عقوبة جنائية، وهي تقع من الانظمة السياسية دون محاكمة عندما يتعلق الأمر بمعارض سياسي، هذا الأخير يجب عليه ان ينسى الوظيفة وينسى جميع حقوقه التي يكفلها له الدستور، والحقيقة أنني كنت أتوقع كل هذا من النظام وكنت مستعدا له بل ومستعدا حتى للموت فبالأحرى الحرمان السياسي والتضييق الاقتصادي، هذا التضييق لم ينل مني الشيء الكثير، حتى إذا اختلفت مع مسؤول بسيط في التنظيم الاسلامي عبارة عن نقيب شعبة قام التنظيم بفصلي والتضييق علي وفتح مشاريع اقتصادية منافسة لضرب رزقي وتشتيت أسرتي والتفريق بيني وبين زوجتي وتأليب الجيران والاخوان وجميع الاصدقاء في مواقع التواصل الاجتماعي على الخاص ورفع الدعاوى القضائية ضدي واعطاء الرشاوى للقبض علي وارسال مذكرات إلى السلطة للتحذير مني.

    هذه الغدرة التنظيمية لم أكن مستعدا لها ولم أكن أتصورها، فالاضطهاد السياسي كنت مستعدا له بل وكنت متشوقا له لأنه كان يضفي علي حرارة إيمانية وشعورا ممتعا بأنني أخدم قضية ربانية ترفعني إلى مصاف المجاهدين والصحابة الكرام، إن إذاية النظام لي شيء ممتع، يزيد من حرارة الايمان في قلبي ويعطي للحياة قيمة ومعنى، لكن غدرة التنظيم وطعنته في الظهر اضطهاد لم أتوقعه بتاتا، شيء مؤلم جدا، ورغم ضعفي وقلة حيلتي وندرة مواردي ومروري بأزمة صحية ومالية جراء المعاناة المتكررة مع التنظيم، إلا أن هذا الأخير أبان عن قلب قاس ومعاملة جافة ومكر وخبث كبيرين وباع طويل في التعامل مع السلطة ونكران عشرة وظلم وعدم قدرة حتى على الانصات والاستماع.

    لقد وجدت أن الاضطهاد التنظيمي أكبر بكثير من الاضطهاد المخزني، لقد وجدت أن التنظيم يفوق النظام شرا بأشواط، وقد أصابني هذا الغدر في القلب مباشرة بعدما كان الاضطهاد المخزني لا يصيبني الا في الشكل، لقد تيقنت أن الاضطهاد التنظيمي شديد، قاس ماكر وحقير، لذلك توقف انتقادي للمخزن ريثما أجمع أوراقي، فقد وجدت نفسي أسير في الاتجاه الخطأ، فالتنظيم الذي أفنينا عمرنا في خدمته وضيعنا مستقبلنا ودراستنا الجامعة بسبب النضال في صفوفه ليس سوى تنظيم حقير مقتنص للطاقات يقضي بها حاجته ثم يرميها، لقد وجدت أن الاضطهاد التنظيمي أكثر حقدا من حقد النظام السياسي الذي يسمح بين الفينة والفينة للناس بالعيش في هدوء، على الأقل يسمح لك بالعيش في هدوء وصلح غير معلن، بينما حرب التنظيم حرب ضروس، ذلك أن التنظيم الاسلامي لا يكتفي بفصلك بل يعمل على تدميرك الدمار الشامل حتى لا تقوم لك بعد ذلك قائمة، حقد كبير دفين خسيس لا يمكن وصفه سوى بالحقارة وقلة المروءة وانعدام الاخلاق والانسانية.

    اضطهاد التنظيم إذن من طرف النظام يبدو أمرا عاديا وطبيعيا بالنظر إلى الاضطهاد الذي يعانيه الافراد أيضا داخل التنظيم، بل وأصبحت مقتنعا أن التنظيم يحتاج إلى قمع أكبر، ليرجع إلى حاضنته الاجتماعية بشيء من التواضع والاهتمام والمروءة، فلا شيء يردع التنظيم سوى النظام، فأجمل شيء أن يضرب الله الظالم بالظالم ليعيش المظلوم، والمعول على الله الكريم الوهاب أن يدمر كلا التنظيمين ليعيش الناس في نظام يختارونه في أمان وحرية، ينتخبون من يولي أمورهم بكل ديمقراطية بعيدا عن وصاية الدين المقدسة ووصاية القهر المسلح، يحتاج الناس الى رفع الاضطهاد كيفما كان مصدره ليعيشوا في سلام وأمان، فالحياة في دوامة الاضطهاد تورث الخوف والخنوع والركوع وقلة المروءة، ومع ذلك فهي تصنع الرجال الاقوياء، لكن المعول على الحرية، فهي صمام أمان الناس لا الرجال الاقوياء الذين صنعتهم ظروف القهر، فالرجال معرضون دائما للنكوص، بينما نظام الحرية والمؤسسات التي تحميه لا يمكن أن ينتكس انتكاسة جماعية، إنه الخيار الأفضل والصائب لمستقبل زاهر للناس.

    عندما ينضج التنظيم ويستقيم على الطريقة سيسقي الله الجميع ماء الحرية الغدق ويرفع الله البلاء ثم تأتي السبع التي يغاث فيها الناس ويعصرون، أما والحالة تنظيم ظالم قاهر فلا فرج يرجى في الأفق.


    📌 الهوامش

    1. [1] القاعدة القانونية الراسخة تفيد بأن ما بنى على باطل فهو باطل، وهناك قاعدة قانونية أخرى تؤكد أن العقد شريعة المتعاقدين، وأهم ما يبنى عليه العقد هو الارادة الحرة.
    2. [2] الاستبداد السياسي هو التغلب والاستفراد بالسلطة، والسيطرة التامة على مقاليد الدولة بالقوة والعنف واغتصابها من الأمة دون مشورة و رضى منهم.
    3. [3] " كان أخْوَفَ ما يخافه حكام الجوْر أن تلتف الأمة حول رجال القومة والإصلاح. فكان الملوكُ يضطهدون المصلحين، ويبطِشون بالأمة بطش الجبارين، ليصرفوا وجوه الناس عن الرجال". كتاب: رجال القومة والإصلاح. ص45.

  • الملفات كوسيلة للتركيع

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 55 من 77 — فهرس الكتاب

    تصور معي شخصا يملك اشرطة مرئية مخلة بالحياء تعود إليك أو مقاطع صوتية أو صورا غير لائقة أو وثائق تخصك تتضمن إخلالات حدثت في وقت ما ثم يبتزك بها كل حين لتركع وتسير وفق تصوراته، كيف تكون نظرتك للعمل الاسلامي لو فعل ذلك إخوة في الله كنت تنظر إليهم كل حين على أنهم أولياء الله؟

    استعمال الملفات الشائكة كوسيلة للتركيع والاصمات أمر جار به العمل داخل التنظيم، ويمارس على أعلى مستوى، فإذا كنت معنا فملفاتك في أمان وإذا انقلبت علينا فضحنا أمرك بين الخاصة والعامة، وبالتالي عليك أن تكون شخصا يردد كل ما يقال له أو يصمت حين يهوي عليه سيف الفصل لانتهاء مهمته التنظيمية، الصمت مقابل السلامة، والويل لمن سقط في مصائد التجسس.

    نفهم الآن لم يحرص التنظيم على التجسس واستراق السمع وتجنيد الزوجات وجمع التقارير وشراء العناصر الاستخباراتية وحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة في حياة الاعضاء، فالتجسس هو الوسيلة الفعالة لتحصيل الملفات الثقيلة، هذه الملفات لها ثمن سياسي وتنظيمي لا يقدر بثمن، فأحيانا تكون أموال الدنيا غير ذي فائدة مقارنة بهذه الملفات التي تعني وضع رقاب الكثير من الناس تحت رحمة التنظيم أو مقصلته.

    ذات مرة كنت غبيا أو ربما حسن النية، استدعاني مسؤول كبير في طنجة بدعوى المحبة والمساعدة لكن الحقيقة أنه كان استنطاقا بوليسيا، كنت حينها أتعاطى حبوبا مهدئة للأعصاب وظهري مشرط بمشرط الحجامة وحالتي الصحية الجسدية والنفسية جد متدهورة، كنت بالكاد أسير عل الطريق دون أن أسقط، المسؤول طبعا شخص مرتاح يتوفر على كل سبل الراحة والعيش الرغد، مسؤول يتحكم في تنظيم كبير، ميسور، بصحة جيدة، زوجة جميلة، حوله نظرات التبجيل والتقدير، ضاحك ينظر إلي نظرة الاحتقار لا لشيء سوى لأنني مُنهك مريض، يحتقرني لأنني لا أملك مالا كثيرا، لا أملك سيارة، لا أملك وظيفة مرموقة، لا أملك ملابس جديدة.

    كنت في حضرته التنظيمية المقدسة أبتلع الاحتقار لأنني اعتدت ذلك، لكن ما لفت انتباهي أنه في خضم الاستنطاق والتعذيب النفسي كنت عندما أحاول انتقاد المسؤولين في التنظيم أو ذكر أحد الاسماء يشير إليه بسبابته على فمه بمعنى اسكت ولا تذكر إسم أحد، وأنا في خضم سكرات العذاب كنت اسكت وأتجاوز النقط التي يأمرني بالسكوت عنها بسبابته، أما النقط الشائكة والمواضيع الشخصية التي تخصني فكان يطرح علي فيها أسئلة ملغومة تحتمل الاجابة عنها السقوط في فخ الاعتراف بما لم تفعله، وأنا بحسن نية أجيب معتقدا أن التنظيم حبيبي والمسؤول التنظيمي حاضني، لكني علمت لاحقا أن هذه اللقاءات يتم تسجيلها. ففهمت.

    أما تناقل رسائل الهاتف والصور والمحادثات وتعليقات المواقع الاجتماعية فحدث ولا حرج، كل في كتاب مبين يحتفظ به التنظيم ليضرب به في الوقت الذي يراه مناسبا، وتحدث أنت عن الخلافة الراشدة والوصول الى الله والحب في الله وستر المؤمنين والحياء من الله والأخوة في الله وسائر الخرافات التي يتحدث بها المسؤول التنظيمي ليذر الرماد في عيون إخوان التنظيم، ويعلم هو وأعلم أنا أنه اللعب بالدين والضحك على قفا المؤمنين.

    حكايات كثيرة سمعناها لم نكد نصدق كثيرا منها حتى سمعناها من ثقات كلها تؤكد خبث التنظيم وابتزازه كثيرا من المؤمنين بملفات حساسة ومسكه إياهم من اليد التي تؤلمهم، كان يزكيهم أمام الاخوان وينكر كثيرا من تجاوزاتهم أمام القضاء بل ويرسل رجاله القانونيين ليدافعوا عنهم ويتهم كل مشكك في نزاهتهم بعمالته للمخزن، ثم تبين لاحقا أن رواية الجهات الرسمية كانت صحيحة بل وأخرج التنظيم نفسه أدلة على ذلك ثم فصلهم من التنظيم لما تبين له أنهم أوراق محروقة أو عندما بدأوا ينتقدون بعض سياسات تدبير التنظيم لأمور تنظيمية أو تربوية أو شخصية.

    أنت معنا نسترك، ضدنا نفضحك، غير صالح نفصلك، في الوقت المناسب نزكي من نشاء ونشيطن من نشاء.

    هذه السياسة الخبيثة تؤكد أن التنظيم الذي نحن بصدده تنظيم مكيافيلي مصلحي لا ينتسب إلى أي دين أو ملة، تنظيم سياسي سياسوي يقضي مصالحه التنظيمية والسياسية بالمكر والخديعة والتجسس والقسوة والفصل، وما المصطلحات التربوية من قبيل أخي في الله وحبيبي في الله سوى وسيلة للخداع.

    نقول هذا ليحذر كل مؤمن من أموره الشخصية أن يطلع عليها التنظيم. والله المستعان.


📚 المكتبة القانونية