المدونة

  • الأزمات الجيوسياسية: كيف تهز أسس الاقتصاد العالمي

    الأزمات الجيوسياسية: كيف تهز أسس الاقتصاد العالمي

    عندما تشاهد أسعار البنزين ترتفع بشكل مفاجئ في محطات الوقود المحلية، أو تلاحظ غلاء السلع الغذائية في السوق، فأنت تشهد انعكاساً مباشراً لما يحدث على بعد آلاف الكيلومترات. الاقتصاد العالمي اليوم نسيج معقد متشابك، حيث أن الصراعات في مناطق حيوية لا تؤثر فقط على سكان تلك المناطق، بل تمتد تداعياتها إلى محفظتك وميزانية عائلتك.

    في عصر العولمة، لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها تماماً عن الاضطرابات التي تحدث في نقاط استراتيجية حول العالم. منطقة الشرق الأوسط بخصوصها تمثل حلقة وصل حاسمة في سلاسل الإمداد العالمية، مما يجعل أي توتر هناك ذا تأثير موجي يصل إلى الاقتصادات الضعيفة والقوية على السواء.

    التهديدات المتسلسلة للنمو الاقتصادي

    عندما تشتد الأزمات السياسية والعسكرية في منطقة غنية بالموارد الطاقية والممرات التجارية، يحدث ارتباك فوري في أسعار السلع الأساسية. النفط الخام، الذي يُعتبر شريان الاقتصاد العالمي، يشهد تذبذباً مستمراً عندما تكون هناك مؤشرات على تهديد الإمدادات أو تعطل خطوط النقل.

    هذا الارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس سلبياً على كل القطاعات الاقتصادية. شركات النقل والشحن تواجه تكاليف إضافية ضخمة، المصانع تحتاج إلى ميزانيات أكبر لتشغيل آلاتها، والمزارعون يدفعون أسعاراً أعلى لتوصيل محاصيلهم. جميع هذه التكاليف الإضافية تُنقل في النهاية إلى المستهلك الفرد.

    التأثر المباشر على الأسواق المالية

    البورصات حول العالم تتفاعل بحساسية شديدة مع أي تطورات في المناطق المضطربة. المستثمرون، خائفون من عدم الاستقرار، يسحبون أموالهم من الأسهم ويبحثون عن ملاذات آمنة مثل الذهب والدولار الأمريكي. هذا الهروب المتسارع من الأسهم يؤدي إلى انخفاض حاد في المؤشرات، مما يدمر ثروات الملايين الذين يملكون محافظ استثمارية.

    أين يكمن الخطر الفعلي؟

    انقطاع سلاسل الإمداد العالمية

    تخيل أن آلية صغيرة كانت ستُصنّع في مصنع بالشرق الأوسط، ثم تُشحن إلى آسيا لتجميعها مع قطع أخرى، ثم تُرسل إلى أوروبا للتصدير النهائي. عندما تتعطل هذه السلسلة بسبب نزاع ما، لا تصل المنتجات النهائية إلى السوق في الوقت المحدد. الشركات المصنعة تفقد عقوداً، الموظفون يواجهون البطالة، والمستهلكون ينتظرون السلع التي يحتاجونها.

    الضغط على أسعار الغذاء والسلع الأساسية

    كثير من الدول النامية والفقيرة تعتمد على استيراد الحبوب والغذاء من مناطق قريبة من الأزمات. عندما تصبح طرق الشحن غير آمنة أو مغلقة، يحدث نقص في الغذاء وتضخم في الأسعار. هذا يضع عبئاً هائلاً على الأسر ذات الدخل المحدود.

    كيف يؤثر ذلك على الدول العربية بشكل خاص؟

    دول المنطقة نفسها، وحتى تلك البعيدة عن مناطق الصراع المباشر، تشعر بالتأثير السلبي. السياح يخافون من القدوم، الاستثمارات الأجنبية تتوقف، والشركات تؤجل مشاريعها التوسعية. الموظفون في القطاع السياحي والتجارة والخدمات يفقدون دخلهم، مما يؤثر على الاستهلاك المحلي.

    تأثر البطالة والفرص الوظيفية

    عندما تتباطأ الاقتصادات الكبرى بسبب هذه التوترات، تقلل الشركات من توظيفها. الخريجون الجدد يجدون صعوبة في البحث عن وظائف، والعاملون في القطاعات المرتبطة بالتصدير يواجهون خطر فقدان وظائفهم. هذا ينعكس على معدلات الفقر والبطالة في المنطقة.

    ماذا يمكن فعله على مستوى السياسة الاقتصادية؟

    تنويع مصادر الطاقة والواردات

    الدول الحكيمة لا تعتمد على مصدر واحد للطاقة أو على ممر تجاري واحد. التحول نحو الطاقات المتجددة، تطوير الموارد المحلية، والبحث عن شركاء تجاريين متنوعين يقلل من الضعف أمام الأزمات الخارجية.

    بناء احتياطيات استراتيجية

    الدول المتقدمة تحتفظ باحتياطيات استراتيجية من النفط والغذاء والعملات الأجنبية. هذه الاحتياطيات تعمل كوسادة تمتص الصدمات الخارجية المفاجئة.

    التعاون الإقليمي والدبلوماسية الاقتصادية

    التكتلات الاقتصادية الإقليمية، والاتفاقيات التجارية القوية بين الدول المجاورة، تخلق شبكة أمان اقتصادية. عندما يزداد التبادل التجاري بين الدول، يصبح في مصلحة الجميع الحفاظ على الاستقرار.

    رسالة موجهة للقارئ العربي

    الأخبار الاقتصادية المثيرة للقلق ليست مجرد أرقام وإحصائيات بعيدة عنك. هي تؤثر على تكلفة فاتورتك الشهرية، على راتبك، على فرص عملك. لكن هذا لا يعني الاستسلام. فهم هذه الآليات يساعدك على اتخاذ قرارات مالية أذكى، سواء في الادخار أو الاستثمار أو حتى اختيار مجال عملك.

    المستقبل الاقتصادي يعتمد على السلام والاستقرار في مناطق حيوية، وعلى وعي السياسيين والقادة الاقتصاديين بأهمية التعاون بدلاً من الصراع.

    ما رأيك أنت؟ كيف تؤثر هذه التطورات الاقتصادية على قراراتك اليومية؟ شاركنا برأيك في التعليقات.

  • الهجرة غير الشرعية: تحديات أمنية على الحدود

    الهجرة غير الشرعية: تحديات أمنية على الحدود

    الهجرة غير الشرعية أضحت واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية والأمنية تعقيداً في عالمنا المعاصر. إذا كنت تعيش في المغرب أو أي دولة عربية، فقد سمعت عن عمليات محاولات عبور جماعية نحو دول أوروبية، وهذا الموضوع يتجاوز كونه خبراً إعلامياً عادياً ليصبح قضية تمس الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.

    في الأيام الأخيرة، شهدنا حدثاً أمنياً بارزاً عندما تم إحباط محاولة عبور جماعية ضخمة على الحدود المغربية الإسبانية، ما أسفر عن استنفار أمني متزامن من طرف السلطات المغربية والإسبانية. هذه الحادثة ليست معزولة، بل تعكس واقعاً متكراً يطرح أسئلة جادة حول الأسباب الجذرية والحلول المستدامة.

    لماذا تتكرر محاولات العبور الجماعية؟

    الفقر والبطالة يعتبران من أبرز الدوافع التي تدفع الشباب في منطقتنا العربية إلى المخاطرة برحلات محفوفة بالأخطار. شاب عاطل عن العمل، يحمل شهادة دراسية، لكن لا يجد فرصة عمل لائقة، قد يرى في الهجرة غير الشرعية خياراً وحيداً لتحسين ظروفه الاقتصادية وتحقيق طموحاته.

    غير أن الأسباب لا تقتصر على البعد الاقتصادي وحسب. فشل البعض في الاندماج الاجتماعي، الضغوط النفسية، وحالات اليأس الجماعي من المستقبل، كلها عوامل تسهم في دفع الأفراد نحو هذا الطريق الخطر. كما أن شبكات التهريب المنظمة تستغل هذه الحالات بكفاءة عالية، حيث تستجند الشباب بوعود براقة لا تتفق مع الواقع المؤلم الذي ينتظرهم.

    التأثير الأمني على البلدان المعنية

    عندما تحدث محاولة عبور جماعية كبرى الحجم، فإن الجهات الأمنية والشرطية تضطر إلى تكثيف جهودها وحشد موارد ضخمة. هذا يؤثر مباشرة على جودة الخدمات الأمنية الأخرى وعلى ميزانيات الدول المخصصة لقطاعات حيوية أخرى.

    من جهة أخرى، تستغل بعض العناصر الإجرامية الفوضى المرتبطة بمحاولات العبور لتنفيذ أنشطة غير قانونية أخرى، بما فيها تهريب المخدرات والأسلحة. هذا التداخل بين ظاهرة الهجرة غير الشرعية والأنشطة الإجرامية يجعل المشكلة أكثر تعقيداً وتحديات متعددة الأوجه.

    استجابة السلطات والإجراءات الأمنية

    الاستنفار الأمني الذي حدث في الآونة الأخيرة يدل على استعداد السلطات المغربية والإسبانية للتصدي لهذه الظواهر. تم توظيف قطع بحرية وأفراد شرطة ومراكز للمراقبة، بهدف منع الوصول غير القانوني إلى الحدود والسواحل.

    تستخدم السلطات تقنيات حديثة في المراقبة والتتبع، بما فيها أنظمة الرادار والمراقبة بالأقمار الصناعية. كما يتم تنسيق مستمر بين الأجهزة الأمنية في الدول المعنية لتبادل المعلومات الاستخبارية والعمل على تفكيك شبكات التهريب.

    الحل الحقيقي يكمن في التنمية

    بينما تبقى الإجراءات الأمنية ضرورية وفعالة على المدى القصير، إلا أن الحل الجذري يتطلب معالجة الأسباب الأساسية. خلق فرص عمل حقيقية، تطوير التعليم والتدريب المهني، ورفع مستوى المعيشة، كلها خطوات لا غنى عنها.

    الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة في المناطق الحدودية والريفية، يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب. برامج تدريب منتظمة وتوعية حول مخاطر الهجرة غير الشرعية قد تثني البعض عن اتباع هذا الطريق.

    دور الإعلام والتوعية المجتمعية

    يحمل الإعلام مسؤولية كبيرة في نشر الوعي حول مخاطر الهجرة غير الشرعية. شهادات حقيقية من ناجين من محاولات فاشلة أو من ضحايا التهريب يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من أي حملة توعية رسمية.

    المجتمع المحلي والعائلات يلعبان دوراً حاسماً أيضاً. عندما يشعر الشباب بالدعم والفهم من محيطهم الاجتماعي، وعندما تتاح لهم فرص حقيقية، فإن الجاذبية نحو الهجرة غير الشرعية تتناقص بشكل ملحوظ.

    خاتمة: نحو مستقبل أكثر أماناً واستقراراً

    محاولات العبور الجماعية ليست مجرد أرقام وإحصائيات، بل هي قصص بشرية معقدة تعكس معاناة حقيقية وآمالاً مشروعة. التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب نهجاً شاملاً يجمع بين الحزم الأمني والرحمة الإنسانية والاستثمار الحقيقي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

    السلطات المغربية والإسبانية، بل والدول العربية برمتها، مدعوة للعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مناطقنا، بما يوفر للشباب خياراً أفضل من المخاطرة برحلة قد تكلفهم حياتهم.

    ما رأيك في المقترحات المطروحة لمعالجة هذه المشكلة؟ هل تعتقد أن الحل الأمني كافٍ وحده، أم أن التنمية الاقتصادية ضرورية؟ شاركنا وجهة نظرك في التعليقات.

  • طنجة تواجه تضخماً اقتصادياً يفوق نظيراتها بشمال أفريقيا

    طنجة تواجه تضخماً اقتصادياً يفوق نظيراتها بشمال أفريقيا

    عندما تذهب إلى السوق صباح كل يوم، هل لاحظت أن فاتورتك تزداد بشكل مستمر؟ قد تظن أن هذا شعور شخصي فحسب، لكن الأرقام تؤكد أن سكان طنجة يواجهون واقعاً اقتصادياً صعباً مقارنة بنظرائهم في المدن الكبرى المجاورة. الأسعار ترتفع بوتيرة متسارعة، والرواتب لا تواكب هذا الارتفاع، مما يضغط بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية للأسرة المغربية.

    هذا الواقع ليس مجرد شكوى عابرة، بل هو ظاهرة اقتصادية حقيقية تحتاج إلى فهم عميق. دراسات اقتصادية حديثة أظهرت أن مدينة طنجة تحتل مرتبة متقدمة جداً في مؤشرات غلاء المعيشة على مستوى شمال أفريقيا، مما يعني أن الأسرة الطنجاوية تنفق أموالاً أكثر مقارنة بنظيراتها في الجزائر وتونس وليبيا.

    الأرقام تحكي قصة اقتصادية قاسية

    المؤشرات الاقتصادية التي تقيس تكلفة المعيشة تأخذ في الاعتبار عدداً من العوامل الأساسية. النقل والمسكن والغذاء والرعاية الصحية والتعليم والملابس كلها عناصر تدخل في هذا الحساب. عندما تجتمع هذه العوامل، تظهر صورة واضحة عن القوة الشرائية الفعلية للفرد وقدرته على توفير احتياجاته الأساسية.

    في طنجة، هذه المؤشرات تشير إلى تصنيف عالي في مقياس الغلاء، مما يعكس واقعاً يومياً يشعر به كل شخص يسير في أسواقها. أسعار الإيجارات ترتفع بصورة مستمرة، وتكاليف الطعام والشراب تزداد أسبوعياً تقريباً، والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والغاز لا تتوقف عن الارتفاع.

    لماذا طنجة بالذات؟

    قد يتساءل البعض: لماذا تشهد طنجة هذا الضغط الاقتصادي بشكل أكثر من غيرها؟ الإجابة معقدة وتتضمن عدة عوامل متداخلة.

    موقع استراتيجي يزيد الطلب

    موقع طنجة الجغرافي الفريد يجعلها نقطة جذب للسكان والعاملين والمستثمرين. هذا الازدياد السكاني المستمر يرفع الطلب على المسكن والخدمات، مما يدفع الأسعار للارتفاع بطريقة طبيعية وحتمية.

    الاستثمارات العقارية والسياحة

    المشاريع العقارية الكبرى والاستثمارات السياحية جعلت من طنجة نقطة محورية للنشاط الاقتصادي. هذا النشاط، رغم أهميته، ترتب عليه ارتفاع تكاليف الحياة بشكل عام، خاصة في قطاع العقار والخدمات.

    تأثر الأسعار بالعملات الأجنبية

    كمدينة حدودية وسياحية، طنجة متأثرة بتقلبات أسعار الصرف والعملات الأجنبية. هذا ينعكس على أسعار السلع المستوردة والخدمات الموجهة للسياح والأجانب، وبطريقة غير مباشرة، على الأسعار العامة للسكان المحليين.

    التأثير على حياة السكان

    الإنفاق على الضروريات يزداد

    الأسرة العادية في طنجة تجد نفسها تنفق نسبة أكبر من دخلها على الضروريات الأساسية مقارنة بنظيراتها في مدن أخرى. هذا يترك حيزاً أقل للادخار أو الاستثمار أو حتى الاستمتاع ببعض الكماليات البسيطة.

    الشباب والهجرة

    الشباب يجد نفسه في معضلة حقيقية. الرواتب التي يحصل عليها لا تكفي لتغطية متطلبات الحياة الأساسية بشكل مريح، خاصة إذا كان يحاول الاستقلال والعيش بمفرده. هذا يدفع البعض للبحث عن فرص في مدن أخرى أو حتى الهجرة نحو الخارج.

    التعليم والصحة تحت الضغط

    التعليم والرعاية الصحية الخاصة تشكل عبئاً مالياً كبيراً على الأسر. الكثيرون يضطرون للاختيار بين الخدمات الحكومية المتاحة وبين الخدمات الخاصة الأفضل نوعية لكنها أغلى كثيراً.

    هل هناك حلول في الأفق؟

    ضرورة السياسات الاقتصادية المدروسة

    الحل يتطلب تدخلاً حكيماً من جانب الجهات المختصة. سياسات اقتصادية مدروسة يمكنها أن تساعد في السيطرة على الأسعار دون الإضرار بالنمو الاقتصادي. تحفيز الإنتاج المحلي، والسيطرة على التضخم، ودعم القطاعات التي تخدم السكان المحليين مباشرة، كل هذا يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً.

    دور الوعي الاستهلاكي

    من جانبه، يمكن للمستهلك أن يلعب دوراً في التخفيف من الضغط على محفظته. التخطيط الذكي للإنفاق، والبحث عن البدائل الأرخص دون التضحية بالجودة، والاستفادة من الأسواق الشعبية والسلع الموسمية كل هذا يساهم في تخفيف العبء.

    الحاجة للمزيد من الدراسات والشفافية

    من المهم أن تتاح للعامة معلومات أكثر وضوحاً عن أسباب الارتفاعات السعرية. الشفافية في البيانات والأرقام تساعد المستهلك على فهم الواقع بشكل أفضل واتخاذ قرارات أذكى بشأن استهلاكه.

    الخلاصة

    طنجة تواجه تحديات اقتصادية حقيقية تنعكس بشكل مباشر على أحوال سكانها. بينما يعكس الارتفاع الاقتصادي للمدينة حيويتها واستثماراتها، إلا أنه يأتي بثمن اجتماعي واضح. لا يتعلق الموضوع فقط بالأرقام والإحصائيات، بل بحياة الناس الفعلية، بخيارات الطعام على مائدتهم، بقدرتهم على إرسال أطفالهم للمدرسة برتاح نفس، بحلمهم البسيط بمنزل خاص.

    تحسين هذا الواقع يتطلب جهوداً متعددة المستويات من السياسات الحكومية الرشيدة إلى الوعي الاستهلاكي من قبل السكان، مروراً بدور القطاع الخاص في المسؤولية الاجتماعية.

    ما رأيك؟ هل تشعر أنت بهذا الضغط الاقتصادي في حياتك اليومية؟ شارك تجربتك وملاحظاتك في التعليقات.

  • الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل الدفاع والأمن

    الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل الدفاع والأمن

    عندما تفتح جهازك الذكي في الصباح، أو تستخدم تطبيقاً يتعرّف على وجهك، فأنت تتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية. لكن هذه التقنيات لا تقتصر على تسهيل حياتنا المدنية فحسب، بل تدخل بقوة في مجالات أكثر حساسية وأهمية، خاصة في مجال الأمن والدفاع الوطني.

    في عالم يتسارع نحو التطور التكنولوجي، لا تستطيع الدول أن تبقى متفرجة. فالدول النامية والناشئة باتت تتطلع إلى بناء قدرات دفاعية ذاتية، دون الاعتماد الكامل على التقنيات الأجنبية أو الشركات العملاقة. هنا يكمن السؤال الحقيقي: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحقيق هذا الاستقلال التقني؟

    تحول جذري في مفهوم القدرات الدفاعية

    تقليدياً، كانت القوة العسكرية تُقاس بحجم الأسلحة والجنود والمعدات الثقيلة. لكن العصر الرقمي غيّر هذه المعادلة بشكل جذري. الآن، القوة الحقيقية تكمن في القدرة على معالجة البيانات بسرعة فائقة، والتنبؤ بالأخطار قبل حدوثها، واتخاذ قرارات ذكية في أجزاء من الثانية.

    تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الدفاع تتنوع بشكل لافت. من أنظمة المراقبة التي تحلل الصور والفيديوهات تلقائياً، إلى برامج التنبؤ بالتهديدات الأمنية، مروراً بأنظمة القيادة والتحكم التي تساعد صناع القرار على فهم الموقف العسكري بشكل أعمق وأسرع. كل هذه التطبيقات تعتمد على خوارزميات ذكية تتعلم من البيانات وتتطور باستمرار.

    الاستقلالية التقنية: حق دستوري للدول

    ما الذي يجعل الاستقلالية التقنية مهمة جداً؟ تخيّل أن دولة ما تعتمد بنسبة 100% على شركة أجنبية لتزويدها بأنظمة الدفاع الجوي أو الإنذار المبكر. ماذا لو قررت تلك الشركة أو حكومتها قطع العلاقات أو فرض عقوبات؟ ستجد نفسك عاجزاً عن الدفاع عن حدودك.

    لهذا السبب، تسعى دول عديدة حول العالم، بما فيها دول عربية، إلى تطوير كفاءاتها الذاتية في مجال التكنولوجيا الدفاعية. والذكاء الاصطناعي يوفر فرصة ذهبية لتحقيق هذا الهدف، لأنه:

    تطوير محلي أكثر سهولة

    على عكس الأسلحة التقليدية التي تتطلب موارد طبيعية وعمليات تصنيع معقدة، يمكن تطوير حلول الذكاء الاصطناعي محلياً بموارد أقل. كل ما تحتاجه هو فريق من المهندسين والبرمجين الموهوبين، بيانات كافية، وإرادة سياسية قوية.

    تقليل الفجوة التقنية

    الدول الصغيرة والناشئة لم تعد بحاجة إلى انتظار الدول الكبرى كي تشتري تقنياتها. يمكنها اليوم تطوير حلول ذكية تتناسب مع احتياجاتها الخاصة، وقد تكون أكثر فاعلية من الحلول المستوردة لأنها مصممة خصيصاً لبيئتها.

    تعزيز الأمن السيبراني الوطني

    عندما تطور دولة أنظمتها الدفاعية بنفسها، تحافظ على أسرارها بشكل أفضل. لا توجد نافذة خلفية في الكود البرمجي، ولا تعتمد على تحديثات قد تتضمن برمجيات تجسسية.

    الفرص المتاحة للدول العربية

    المنطقة العربية تمتلك مقومات قوية لقيادة ثورة الذكاء الاصطناعي في الدفاع:

    الموارد البشرية الشابة والموهوبة: العالم العربي يزخر بملايين الشباب والشابات في مجالات العلوم والتكنولوجيا. هؤلاء الكفاءات قادرة على تطوير حلول ذكية إذا توفرت لهم البيئة المناسبة والاستثمار الكافي.

    الشراكات الإقليمية: بدلاً من أن تعمل كل دولة عربية بمعزل عن الأخرى، يمكن للدول أن تشكل تحالفات تكنولوجية تجمع الخبرات والموارد. هذا يسرّع التطور ويقلل التكاليف.

    الخبرة الأمنية المتراكمة: للمنطقة خبرة طويلة في التعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية. هذه الخبرة الميدانية عنصر حيوي لتطوير حلول ذكية تلبي الاحتياجات الفعلية.

    التحديات التي لا يجب تجاهلها

    طبعاً، الطريق ليس ممهداً بالورود. هناك تحديات جدية:

    النقص في الاستثمار والتمويل

    تطوير أنظمة ذكية للدفاع يتطلب استثمارات كبيرة وطويلة الأمد. ليست جميع الدول العربية جاهزة لتقديم هذا المستوى من التمويل.

    نقص الخبرات المتخصصة

    هناك نقص حقيقي في الخبرات الدفاعية التخصصية جداً. لا يمكنك تطوير نظام مراقبة ذكي إذا لم تفهم احتياجات القوات العسكرية بشكل عميق.

    القيود الدولية والعقوبات

    بعض التكنولوجيات الحساسة محظورة للتصدير للدول النامية بموجب اتفاقيات دولية. هذا يجعل المسار أصعب.

    الخطوات العملية للمضي قدماً

    إذا أردنا أن نرى تطوراً حقيقياً في هذا المجال، نحتاج إلى:

    بناء مراكز تميز محلية مختصة في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي للدفاع، بدعم حكومي قوي.

    تشجيع التعليم المتخصص في الجامعات العربية، مع التركيز على التطبيقات العملية وليس النظرية فقط.

    تسهيل التعاون بين القطاعين العام والخاص بحيث تشارك الشركات الناشئة والمتوسطة في تطوير هذه الحلول.

    حماية الملكية الفكرية بقوانين صارمة لضمان عدم سرقة التقنيات المطورة محلياً.

    خلاصة: المستقبل في أيدينا

    الذكاء الاصطناعي ليس حلماً مستقبلياً بعيد المنال. إنه واقع يشكل عالمنا اليوم. والدول التي ستسبق الآخرين هي تلك التي تستثمر الآن في بناء قدراتها الذاتية في هذا المجال.

    للدول العربية فرصة ذهبية لتصبح رائدة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز استقلاليتها الدفاعية والتكنولوجية. لكن هذا يتطلب قرارات جريئة واستثمارات حقيقية وإرادة سياسية قوية.

    ما رأيك أنت؟ هل تشعر أن دولتك تسير في الاتجاه الصحيح نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية؟ شارك رأيك في التعليقات.

  • اللحظات الحاسمة: كيف يُقيّم الإعلام المغربي الفشل الرياضي الكبير؟

    اللحظات الحاسمة: كيف يُقيّم الإعلام المغربي الفشل الرياضي الكبير؟

    عندما تشاهد فريقك الوطني يودّع البطولة الكبرى، لا تشعر وحدك بخيبة الأمل. ملايين المغاربة عاشوا اللحظة ذاتها، وكان لكل واحد منهم تقييم مختلف لما حدث. هذا الانقسام في الآراء لم يقتصر على الشارع والمقاهي، بل امتدّ إلى صفحات الصحف والمنابر الإعلامية، التي انقسمت بين من يرى إنجازاً تاريخياً وبين من يعتبره فرصة ضائعة.

    الحقيقة أن الإعلام الرياضي يلعب دوراً حساساً في تشكيل الرأي العام. عندما يختلف الصحفيون والمحللون حول تقييم الأداء، فإنهم يساعدون المجتمع على فهم ما حدث وعلى الاستعداد لما سيأتي. لكن هذا الانقسام قد يترك تأثيراً إيجابياً أو سلبياً، بحسب طريقة معالجة الموضوع.

    الأداء الفني بين الحقائق والآراء

    لا ينكر أحد أن المنتخب الوطني قدّم عروضاً جيدة في بعض اللقاءات. الكثير من الصحف المغربية أشادت بالجهود الفنية والجسدية، وأظهرت احتراماً لمستوى تنافسي عالٍ قدّمه اللاعبون. من المهم أن نعترف بأن الوصول إلى هذا المستوى في كرة القدم العالمية يتطلب مستويات تدريبية وإمكانيات هائلة.

    لكن من جهة أخرى، ركّزت بعض المنابر الإعلامية على اللحظات الفاصلة والقرارات التكتيكية التي كانت قد تغيّر نتائج المباريات. هذا المنظور ليس خاطئاً، لكنه يعكس توقعات أعلى مما حققه الفريق فعلياً. الصراع بين هذين الرأيين هو صراع صحي في أي بيئة رياضية حقيقية.

    لماذا ينقسم الإعلام بحسب رؤيته للإنجاز؟

    الإجابة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته. الصحفيون والمحللون يأتون من خلفيات مختلفة وتوقعات متباينة. البعض ينظر إلى المسيرة ككل ويقدّر الخطوات المتقدمة التي حققها المنتخب عبر السنوات. آخرون ينظرون إلى اللحظة الحالية ويركزون على ما كان يجب تحقيقه.

    هناك أيضاً عامل آخر: الضغط النفسي والعاطفي. عندما يتحمّس الإعلام والجماهير معاً، تزداد التوقعات بشكل طبيعي. الفوز بمباراتين أو ثلاث يخلق شعوراً بأن الحلم كان ممكناً، وهو يعني أن الخسارة تبدو أقسى مما قد تكون عليه في الواقع.

    تأثير الغياب عن المراحل الأخيرة

    عندما يُقصى منتخب في المراحل المبكرة أو الوسيطة، فإن السؤال الذي يطرحه الإعلام دائماً هو: “ماذا لو؟”. هذا السؤال يفتح باباً واسعاً أمام تحليلات مختلفة.

    البعض يقول إن الأداء كان كافياً لمنتخب في مرحلة تطور. آخرون يشيرون إلى أخطاء معينة كانت قد منعت الفريق من الذهاب أبعد. كلا المنظورين صحيح، لأن كرة القدم لا تحتمل إجابة واحدة نهائية. الجودة النسبية للأداء تختلف باختلاف معايير التقييم.

    الدور الحقيقي للإعلام الرياضي

    الإعلام الرياضي المسؤول لا يجب أن يختار بين “الإشادة الكاملة” و”الانتقاد الكامل”. دوره الحقيقي هو أن يقدّم صورة شاملة ومتوازنة تحترم عمل اللاعبين والجهاز الفني من جهة، وتعترف بالفرص التي لم تُستثمر من جهة أخرى.

    عندما ينقسم الإعلام بصدق حول تقييمه، فهذا ليس ضعفاً بل انعكاس لواقع معقد. الحقيقة المرة أن كرة القدم ليست رياضة بيضاء وسوداء. الفريق قد يقدّم عروضاً جميلة ويخسر أيضاً. قد يستحق الفوز من الناحية الفنية لكن الحظ لم يكن معه.

    خلاصة: ما الذي يجب أن نتعلمه من الانقسام؟

    هذا الانقسام في الآراء الإعلامية ليس علامة على فوضى، بل هو علامة على أن الكرة المغربية تنتمي إلى مستوى تنافسي حقيقي حيث الهوامش بين النجاح والفشل رقيقة جداً. ما يميز الدول الرياضية الكبرى ليس اتفاق إعلامها على رأي واحد، بل قدرتها على النقاش الجاد البنّاء.

    المهم هو أن يتعلم الجميع من هذه التجربة: اللاعبون والمدربون والإدارة والإعلام. السؤالات التي طرحتها الصحف المختلفة، سواء كانت متفائلة أم ناقدة، تساعد النظام الرياضي على التطور. الانقسام في الرأي ليس فشلاً، بل فرصة للتأمل الحقيقي.

    ما رأيك أنت؟ هل تنحاز أكثر للنظرة المتفائلة التي تقدّر الإنجاز، أم أنك تفضل التركيز على الدروس والتحسينات المطلوبة؟ شاركنا تقييمك في التعليقات.

  • إصلاحات جذرية للأسواق المالية: ما الذي يتغير؟

    إصلاحات جذرية للأسواق المالية: ما الذي يتغير؟

    عندما تسمع عن “إصلاحات السوق المالية”، قد يبدو الموضوع بعيداً عن اهتماماتك اليومية. لكن في الواقع، كل قرار اقتصادي حكومي يؤثر على فرصك الوظيفية وقيمة مدخراتك وأسعار السلع التي تشتريها. الأسواق المالية ليست حكراً على البنوك والشركات الكبرى؛ فهي تشكل العمود الفقري لاقتصاد أي دولة، وصحتها تنعكس على استقرارك المالي الشخصي.

    في الفترة الأخيرة، شهدنا موجة من التحسينات الهيكلية والتشريعية في الأسواق المالية العالمية. هذه الخطوات تهدف إلى تقوية الثقة بالنظام المالي، وجذب المزيد من المستثمرين، وضمان حماية أفضل للمواطنين العاديين. دعنا نفهم معاً ما تعنيه هذه الإصلاحات وكيف قد تؤثر عليك.

    لماذا تحتاج الأسواق المالية إلى إصلاح؟

    الأسواق المالية القديمة تواجه تحديات متعددة. بعض الأنظمة التقنية متهالكة وغير قادرة على مواكبة حجم التداولات الحديثة. الشفافية ناقصة في بعض المعاملات، مما يفتح الباب أمام الاحتيال والتلاعب. المستثمرون الصغار والمتوسطون يشعرون بعدم الأمان عند إيداع أموالهم في هذه الأسواق.

    كل هذه المشاكل تؤدي إلى نتائج سلبية: انخفاض الثقة العامة، هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج، وضياع فرص استثمارية محلية. حكومات دول عديدة أدركت أن البقاء في هذا المأزق لن يحدث تطوراً اقتصادياً حقيقياً، لذا بدأت بوضع خطط شاملة للإصلاح والتحديث.

    محاور الإصلاح الرئيسية

    تحديث البنية التكنولوجية

    في قلب أي إصلاح حديث يوجد التطور التكنولوجي. استبدال الأنظمة اليدوية والقديمة بأخرى رقمية وآلية يسرّع عمليات التداول، ويقلل الأخطاء البشرية، ويزيل الاختناقات التي كانت تسبب تأخيراً في تنفيذ الصفقات. المنصات الإلكترونية الحديثة توفر سهولة وسرعة لم تكن متاحة من قبل.

    زيادة الشفافية والمساءلة

    الإصلاحات الجيدة تفرض قواعد صارمة على الشركات المدرجة في البورصة. يجب عليها أن تكشف عن معلومات مالية دقيقة وفي الوقت المناسب. هذا يعني أن المستثمر لا يشتري “قطة في الجراب”، بل يعرف بالضبط الوضع المالي والقانوني للشركة قبل أن يستثمر فيها.

    حماية المستثمر الصغير

    واحدة من أهم أهداف الإصلاح هي حماية الفئات الضعيفة. يجب تعليم المستثمر العادي عن المخاطر، وحماية حقوقه، وتوفير آليات للشكوى والتعويض في حالة الاحتيال. قوانين أقوى تعني عقوبات أشد على المتلاعبين والمحتالين.

    تنويع الأدوات المالية

    أسواق مالية حديثة توفر خيارات أوسع: أسهم، سندات، صناديق استثمارية، أدوات مالية مشتقة. كل فرد يستطيع أن يختار ما يناسب ظروفه ومستوى تحمله للمخاطر.

    الفوائد الاقتصادية المتوقعة

    جذب الاستثمارات الأجنبية

    عندما يرى المستثمرون الأجانب أن السوق قوية وشفافة وآمنة، يرسلون أموالهم إليها. هذا يعني تمويل حقيقي للمشاريع الوطنية، وفرص عمل جديدة، ونقل تقنيات حديثة.

    دعم الشركات المحلية

    شركات الدولة تستطيع أن تنمو بسرعة أكبر عندما توجد سوق مالية فعالة. يمكنها زيادة رأس مالها بسهولة، والاستثمار في البحث والتطوير، والمنافسة على المستوى العالمي.

    توفير فرص ادخار آمنة للمواطنين

    بدلاً من حفظ المال تحت السرير أو إرساله للخارج، يستطيع المواطن أن يستثمر في شركات وطنية بأمان. أرباحه تنمو، والشركات التي يستثمر فيها تنمو، والاقتصاد ينمو.

    التحديات العملية

    لكن الإصلاح ليس عصا سحرية. هناك تحديات حقيقية:

    التدريب والتثقيف: الموظفون في المؤسسات المالية يحتاجون إلى تدريب مكثف على الأنظمة الجديدة. المستثمرون العاديون يحتاجون إلى فهم أفضل للأسواق.

    الالتزام القانوني: القوانين الجديدة يجب أن تكون واضحة ومطبقة بتسق. لا فائدة من قانون جميل على الورق إذا لم يُنفذ فعلياً.

    التغيير الثقافي: الثقة في السوق لا تُبنى بين عشية وضحاها. تاريخ من سوء الإدارة أو الاحتيال يحتاج إلى سنوات لنسيانه.

    خطوات عملية للمواطن العادي

    إذا كان لديك فضول حول الاستثمار، فإليك بعض الخطوات البسيطة:

    – ابدأ بتعليم نفسك: اقرأ عن الأسواق المالية والمخاطر. – استشر متخصصاً: استثمارك الأول يجب أن يكون مع مستشار موثوق. – ابدأ صغيراً: لا تضع كل أموالك في استثمار واحد. – كن صبوراً: الاستثمار طويل الأجل هو الأكثر أماناً وربحية.

    الخلاصة

    الإصلاحات الشاملة للأسواق المالية ليست مجرد أخبار اقتصادية جافة؛ بل هي خطوات حقيقية نحو اقتصاد أكثر استقراراً وشفافية وعدلاً. عندما تقوى الأسواق المالية، تستفيد الدول بأسرها: الشركات تنمو، فرص العمل تزداد، الأجور ترتفع، والمواطن العادي يشعر بتحسن في مستوى معيشته.

    هل لديك خبرة مع الاستثمار في الأسواق المالية؟ شاركنا رأيك وتجربتك في التعليقات أدناه.

  • المغرب يقف بجانب السعودية: التضامن العربي في مواجهة التهديدات الأمنية

    المغرب يقف بجانب السعودية: التضامن العربي في مواجهة التهديدات الأمنية

    عندما تتعرض دولة عربية شقيقة لهجمات تستهدف أمنها واستقرارها، فإن القضية لا تقتصر على تلك الدولة وحدها، بل تمس الأمن والسلم الإقليمي برمته. هذا ما يعكسه موقف المغرب الواضح والحازم من الأحداث الأمنية التي تشهدها المملكة السعودية، والذي يجسد مبدأ التضامن العربي الذي يجب أن نحافظ عليه.

    في عالم معقد تتسارع فيه التهديدات الأمنية، يأتي موقف الدول العربية الداعمة كحصن منيع يذكّرنا بأهمية الوحدة والتعاون المشترك. المغرب، كدولة عربية مهمة في المنطقة الغربية، يؤدي دوره الطبيعي بوضوح وبدون تردد في هذه المسألة الحساسة.

    لماذا موقف المغرب يعكس مسؤولية عربية حقيقية

    الموقف المغربي الصريح ضد الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية ليس مجرد بيان دبلوماسي روتيني، بل هو تأكيد على التزام حقيقي بمبادئ الأمن الجماعي والتعاون الإقليمي. عندما تتحدث دولة عن تضامنها “الكامل” مع أخرى، فهذا يشير إلى موقف حازم لا يقبل المواربة أو الغموض.

    المملكة السعودية، كقوة إقليمية مهمة واقتصاد عملاق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشكل استقرارها جزءاً لا يتجزأ من الاستقرار العام للمنطقة العربية برمتها. أي تهديد لأمنها يمكن أن يؤثر على التوازنات الإقليمية والعلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول الشقيقة.

    الهجمات والتحديات الأمنية المتكررة

    تشهد المنطقة في السنوات الأخيرة موجات من العمليات الأمنية الخطيرة التي تستهدف البنية التحتية والمراكز الحيوية. هذه الهجمات، مهما كان مصدرها أو دوافعها، تمثل تجاوزاً واضحاً للقانون الدولي وأعراف العلاقات بين الدول.

    الدول العربية تواجه معادلة صعبة في بيئة أمنية معقدة، حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية مع التنافسات الإقليمية. في هذا السياق، يصبح موقف واضح وحازم من جانب دول مثل المغرب رسالة قوية بأن العدوان على أي دولة عربية سيواجه رفضاً وإدانة جماعية.

    التضامن العربي: مسؤولية مشتركة

    التضامن الذي يعبر عنه المغرب ليس تضامناً عاطفياً فحسب، بل هو استراتيجية أمنية وسياسية تخدم مصالح جميع الدول العربية. عندما تقف دول عربية متعددة بجانب بعضها البعض في مواجهة التهديدات، فإنها ترسل رسالة ردع قوية إلى أي جهات قد تفكر في استهداف دول أخرى.

    هذا المبدأ يستند إلى حقيقة بسيطة وعميقة في نفس الوقت: أمن الدول العربية مترابط ومتشابك. فالاستقرار الاقتصادي والسياسي للمملكة السعودية، كمركز إقليمي مهم للطاقة والمال والتأثير السياسي، يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار في دول عربية أخرى.

    الأبعاد الاقتصادية والسياسية للقضية

    على الصعيد الاقتصادي، فإن أي تهديد لأمن المملكة السعودية قد يترتب عليه آثار اقتصادية تمتد إلى ما هو بعيد عن حدودها. أسواق الطاقة العالمية، والاستثمارات الإقليمية، والعلاقات التجارية بين الدول العربية، كل ذلك يمكن أن يتأثر بعدم الاستقرار الأمني في هذه الدولة المركزية.

    من جانب آخر، يعكس الموقف المغربي فهماً عميقاً للدور الذي يجب أن تلعبه الدول العربية في الحفاظ على استقرار منطقتها وتقوية جبهتها الداخلية ضد التهديدات الخارجية. الدبلوماسية العربية تحتاج إلى هذا النوع من الوضوح والحسم في التعامل مع قضايا الأمن والسلام.

    دور الدول العربية في نشر الاستقرار

    تاريخياً، كانت الدول العربية الكبرى والمتوسطة تعي جيداً أن مسؤوليتها لا تقتصر على حدودها الوطنية وحسب. المغرب، بموقعه الجغرافي المهم وتأثيره السياسي، يدرك جيداً أن استثماره في استقرار الدول الشقيقة هو استثمار في استقراره الخاص.

    هذا الموقف يعكس أيضاً حقيقة أن الدول العربية تتعلم دروساً من تجارب الماضي، حيث أثبتت الانقسامات والخلافات أنها تضعف الجميع، بينما التعاون والتضامن يقويان الموقف العربي الموحد في المحافل الدولية.

    رسالة إلى المجتمع الدولي

    عندما تجتمع دول عربية على موقف واضح ضد العدوان، فإن ذلك يرسل رسالة قوية إلى المجتمع الدولي بأن الدول العربية لن تتسامح مع انتهاكات السيادة والأمن. هذا يعزز من مكانة الدول العربية في النقاشات الدولية ويرفع من قيمة أصواتها في المنظمات الدولية.

    الموقف الواضح والحازم يساهم أيضاً في تعزيز سياق قانوني دولي يحترم سيادة الدول ويحافظ على مبادئ عدم التدخل والاحترام المتبادل بين الأمم.

    الخلاصة: تضامن يخدم الجميع

    الموقف المغربي تجاه الهجمات على السعودية ليس حادثة عابرة في السياسة الدولية، بل هو تأكيد على التزام بمبادئ العدل والأمن الجماعي. عندما تقف دول عربية بجانب بعضها البعض، فإنها تبني جسوراً من الثقة والتعاون تخدم مصالح الجميع على المدى الطويل.

    هذا التضامن يذكرنا بأننا، كعرب، نشاطر وجهة نظر مشتركة حول قيمة الاستقرار والأمن والسلام. وأن موقفاً واحداً موحداً أقوى بكثير من أصوات متفرقة.

    كيف تراك أثر التضامن العربي على الاستقرار في منطقتك؟ شارك بآرائك في التعليقات أدناه.

  • خمس عادات مالية بسيطة تحمي ميزانية أسرتك من الأزمات

    خمس عادات مالية بسيطة تحمي ميزانية أسرتك من الأزمات

    كثير منا يشعر أحياناً أن آخر الشهر يصل قبل أن يصل الراتب، رغم أن الدخل قد يكون كافياً لو أُحسن تدبيره. هذا الشعور المألوف ليس قدراً محتوماً، بل غالباً نتيجة عادات صغيرة تتراكم شهراً بعد شهر دون أن ننتبه إليها.

    في ظل ارتفاع الأسعار وتقلبات السوق التي يعيشها الكثير من الأسر المغربية والعربية، أصبح التخطيط المالي ضرورة لا رفاهية. الخبر الجيد أن الأمر لا يتطلب شهادة في الاقتصاد، بل بعض العادات الذكية التي يمكن لأي شخص تطبيقها بدءاً من هذا الشهر.

    لماذا تنهار الميزانيات رغم دخل كافٍ

    المشكلة غالباً ليست في حجم الدخل، بل في غياب الرؤية الواضحة لمسار المال. عندما لا نعرف إلى أين تذهب النفقات بالضبط، تتسرب المبالغ الصغيرة يومياً حتى تتحول إلى ثقب كبير في نهاية الشهر. مصاريف صغيرة مثل القهوة اليومية، الاشتراكات المنسية، أو الشراء العاطفي أثناء التسوق، كلها عوامل تبدو تافهة لكنها تتراكم بصمت.

    كما أن غياب “هامش الطوارئ” يجعل أي مصروف غير متوقع، كعطل سيارة أو زيارة طبيب مفاجئة، يقلب التوازن المالي رأساً على عقب، فيضطر الشخص للاقتراض أو استخدام بطاقة الائتمان بفوائد مرهقة.

    تتبع النفقات قبل أي شيء آخر

    الخطوة الأولى والأهم هي معرفة أين يذهب المال فعلاً، وليس أين نظن أنه يذهب. يمكن تحقيق ذلك بطريقة بسيطة: تدوين كل مصروف لمدة شهر واحد فقط، ولو في دفتر صغير أو تطبيق مجاني على الهاتف. هذه التجربة وحدها كافية لكشف مفاجآت كثيرة، مثل اكتشاف أن مبلغاً غير متوقع يُصرف شهرياً على أمور لا نتذكرها.

    بعد هذا الرصد، يصبح تصنيف النفقات إلى ضروريات (سكن، غذاء، مواصلات، تعليم) وكماليات (ترفيه، مطاعم، تسوق) أسهل بكثير، وهو ما يفتح الباب أمام قرارات واعية بدل التخمين.

    قاعدة التقسيم الثلاثي للدخل

    من أبسط الطرق المعتمدة عالمياً لتنظيم الميزانية هي تقسيم الدخل الشهري إلى ثلاث حصص رئيسية:

    النفقات الأساسية

    حوالي نصف الدخل يُخصص للاحتياجات الضرورية التي لا غنى عنها، كالإيجار أو القرض العقاري، الفواتير، الغذاء، والتنقل.

    الرغبات والكماليات

    جزء أصغر، يقارب ثلث الدخل، يُوجَّه للأمور التي تحسّن جودة الحياة دون أن تكون ضرورية بشكل مطلق، مثل الترفيه أو تجديد بعض الأغراض.

    الادخار وسداد الديون

    الحصة المتبقية، وهي غالباً الأهم على المدى الطويل، تُخصص للادخار أو تسديد الديون تدريجياً. كثيرون يهملون هذه الخطوة ويؤجلونها “حتى يتبقى شيء”، لكن التجربة تثبت أن الادخار يجب أن يكون أول خطوة وليس آخرها، أي أن يُقتطع فور استلام الراتب لا بعد إنفاقه.

    بناء صندوق للطوارئ خطوة بخطوة

    واحدة من أكثر العادات حماية للأسرة هي تكوين مبلغ احتياطي يغطي نفقات المعيشة الأساسية لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر. هذا الصندوق لا يُلمس إلا في الحالات الطارئة الحقيقية، كفقدان مصدر الدخل أو حالة صحية عاجلة.

    لا يُشترط تكوين هذا المبلغ دفعة واحدة، بل يمكن البدء بمبلغ صغير شهرياً حتى لو كان متواضعاً، فالمهم هو الانتظام لا الحجم. مع الوقت، يتحول هذا الصندوق إلى شبكة أمان حقيقية تمنع اللجوء إلى القروض الاستهلاكية باهظة الفوائد عند أي طارئ.

    الحذر من فخ الديون الاستهلاكية

    الاقتراض ليس شراً في حد ذاته، فبعض القروض مثل قروض السكن أو التعليم قد تكون استثماراً في المستقبل. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الديون الاستهلاكية المتكررة، كشراء أجهزة أو ملابس بالتقسيط دون حاجة ملحة، أو استخدام بطاقات الائتمان لتغطية نفقات يومية.

    القاعدة الذهبية هنا بسيطة: لا تقترض لشراء شيء يفقد قيمته بسرعة. وقبل أي التزام مالي جديد، من المفيد طرح سؤال بسيط: هل سأحتاج لهذا فعلاً بعد أسبوع؟ هذا التمرين الذهني يقلل كثيراً من قرارات الشراء الاندفاعية.

    مراجعة الاشتراكات والالتزامات الدورية

    كثير من الأسر تدفع شهرياً مقابل خدمات لم تعد تستخدمها فعلياً، كاشتراكات في منصات ترفيهية متعددة أو خدمات إنترنت أكبر من الحاجة الفعلية. تخصيص وقت كل ثلاثة أشهر لمراجعة هذه الالتزامات الدورية وإلغاء غير الضروري منها، يمكن أن يوفر مبلغاً محسوساً على المدى السنوي.

    أهمية الهدف المالي الواضح

    الادخار بلا هدف محدد غالباً ما يفشل، لأن الإنسان يحتاج دافعاً ملموساً. تحديد هدف واضح، مثل تجميع مبلغ لشراء سيارة، أو تغطية تكاليف الدراسة، أو حتى رحلة عائلية، يجعل الالتزام بالادخار أسهل نفسياً، لأن كل مبلغ يُدَّخر يصبح خطوة محسوسة نحو شيء ملموس، لا مجرد رقم في حساب بنكي.

    خلاصة عملية لأسرة أكثر استقراراً

    التخطيط المالي الناجح لا يعني الحرمان أو التقشف القاسي، بل يعني وضوح الرؤية والانضباط التدريجي. تتبع النفقات، تقسيم الدخل بذكاء، بناء صندوق طوارئ، والحذر من الديون غير الضرورية، كلها خطوات بسيطة لكنها تُحدث فرقاً كبيراً على المدى الطويل في استقرار الأسرة النفسي والمادي.

    الأهم أن تبدأ بخطوة واحدة صغيرة اليوم بدل انتظار “الوقت المناسب” الذي قد لا يأتي أبداً. فما رأيكم؟ هل جربتم إحدى هذه العادات من قبل، وما هي الطريقة التي تعتمدونها لتنظيم ميزانية أسرتكم؟ شاركونا تجاربكم في التعليقات، فقد تكون نصيحتكم مفيدة لأسرة أخرى تبحث عن حل.

  • خاتمة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 77 من 77 — فهرس الكتاب

    وأنا في اللحظات الأخيرة لهذا الكتاب وربما في حياتي يؤسفني أن أقول أنني لم أتصور يوما أن أكتب ما أكتب الآن، لقد كنت معتقدا قبل اليوم أنني سأكتب في معاني الايمان والتربية، أو ربما سأكتب في البديل الديمقراطي لبلداننا العربية، أو ربما سأكتب في القانون، أما الكتابة في التنظيم والثورة على التنظيم فلم تكن أبدا ضمن مشروعي التدويني في يوم من الايام، ولم أفكر فيها قبل أن يهجم علي الموضوع، وأنا أكتب هذه السطور كانت تهجم علي الكلمات ضاغطة وتتساقط علي الافكار كالمطر، وكم من الافكار أفلتت مني ولم اسطع قيدها بالقلم، وكم من المحاور حذفتها لأن الصفحات تجاوزت الحد المألوف، وكم من الموضوعات جاءتني ليلا فلما أصبح الصباح تبخر متنها.

    لقد خططت هذه الكلمات أحيانا بدموعي التي كانت تسقط على لوحة المفاتيح، ورتبتها تارة أخرى وأنا غائب في عالم آخر حتى إذا استفقت وجدت الصفحات مليئة بالجمل المبعثرة، ولذلك فإن ما يميز هذا الكتاب عن باقي مطبوعاتي القانونية هو عنصر الوجدان، فالمطبوعات القانونية الكثيرة التي جمعتها كنت أكتبها بعقلي، أما هذا الكتاب فقد كتبته بقلبي الجريح ووجداني الحزين، لقد أطلقت العنان للنفس الجريحة تعبر عن خلجاتها بكل حرية وأنا أعرف جيدا أن الكتابات القلبية قد يتبعها إشكالات قانونية واجتماعية خطيرة، لكنني فضلت الانتحار على الملأ على التعفن في الزاوية.

    أولا الموت لا يعني لي شيئا سوى الانتقال من حالة سجن وكدر بشري إلى حالة انطلاقة روحية لا حدود لها، ثانيا اللسان الذي تحدثت به ليس لساني بل لسان العشرات من المقتولين ومئات الجرحى على طريق التنظيم، إن ما قلته هو نفسه ما يقوله المئات غيري وربما الالاف من الذين عانوا نفس معاناتي وشربوا من نفس الكاس التي شربت منها، وربما هناك فظاعات أخرى لم تسنح الفرصة للحديث عنها لضعف السند فيها، ثالثا لست من كتب الكتاب بل كنت أحس دائما بقوة قاهرة تضغط علي وتملي علي كل كلمة أكتبها، فكان يكفي أن أحمل القلم حتى تنهال علي الافكار كالمطر، فيوضات عارمة من الكلمات لا يمكن وقف تدفقها، فلم أجد اي جهد أو تعب بل كنت أرتاح وأنا اسطر السطور واقلب الصفحات، راحة قلبية ونفسية وعقلية ومتعة فكرية كنت أجدها وأنا خائض في موضوعات تتفتق كل يوم عن أفكار جديدة، ولذلك فإن الفيض الفكري الذي أجده لن يتوقف في هذا الكتاب بل سيستمر حتى القى الله وقد قلت كل ما عندي.

    لست أدري لم التنظيم كان يحرمني دائما من الكتابة والتعبير، وقد كان هناك مجلس للكتبة، وكان يُستدعى أعضاؤه لحضور لقاءات دورية لتوحيد الصف التأليفي، وكنت دائما ممنوعا من حضور هذا اللقاء، ربما تفطن مسؤولو التنظيم مبكرا إلى أنني لن أكتب ما يرضيهم، وربما كانوا يعرفون أنني لا أباع ولا أشترى، رجل حر وقلم أكثر تحررا.

    لقد علمتني التربية الايمانية أن لا أركع إلا لله، وأن لا أحب إلا لله، وأن لا أفعل إلا ما يرضي الله، وأكثر ما يخاف التنظيم هم رجال التربية الايمانية الذين لا يخشون الا الله، لا يحبهم لأنهم يقلمون أظافر طغيانه، يواجهونه بحقارته، ويمتنعون عن مشاركته جرائمه، وأفضل من يقربهم التنظيم إليه أولائك الذين لا كرامة لهم، الذين يباعون ويشترون بالمناصب الفارغة ومديح الكلام التربوي، الذين ينفذون أوامره دون تفكير، يحبونه فقط لأنه يمتلك السلطة.

    لقد كان التنظيم فكرة، مرحلة، وسيلة، واليوم هو أقرب إلى الطاغوت، أقرب إلى الالة التي تصنعها بيديك ثم تطحنك، فضروري أن يعاد النظر في تصميم هذه الآلة وسائقيها، ضروري أن يعاد صُنعها من جديد بما يحفظ كرامة المستخدمين وشرعية الاهداف المتوخاة منها، لقد دمر التنظيم قلوب المؤمنين، وحياة كثير من الطيبين، وانتج لنا جيلا من المرضى النفسانيين الذين قام التنظيم بتعذيبهم تعذيبا وحشيا، وما كان هذا الهدف المنشود من بناء التنظيم، لم يكن يراد بالتنظيم أن يأكل أبناءه، ولم يكن مرادا به أن يقطف رؤوس رجالات التربية والجهاد والبذل، لقد خرج قطار التنظيم عن سكته المرسومة، وراح إلى جنان المؤمنين يحطم أزهارها ويدنس ورودها.

    لست أرجو من التنظيم أن يستمع إلى كلامي، ولا أنتظر منه ذلك، فأنا أعرف طغيانه وحقارته وتجبره، ولو سنحت له الفرصة ليذبحني لفعل، لقد حاول كم من مرة أن يذبحني بوسائله الباردة ولم يفلح، لقد كانت العناية الالاهية دوما بجانبي وستبقى بجانبي، كما أنني أقولها بصريح العبارة، لو سنحت لي الفرصة لذبحت هذا التنظيم من الوريد إلى الوريد، لذبحته تنظيميا بتفكيك أجهزته الشيطانية وهيئاته المخترقة، أما الاشخاص فلست أحمل لهم إلا المحبة والتقدير، أعرف أن الكثير منهم مغفل مغلوب، ومنهم من يملك المال فهو مدلل التنظيم، ومنهم من يملك الوظيفة فالتنظيم يقربه، ومنهم من يركع فلا يحس بحرارة الطغيان، ومنهم الطيبون الذين ضحك عليهم التنظيم بابتساماته الصفراء، إنهم لا يعرفون جرائمه، يخفيها عنهم ويفصل كل من يتكلم عنها، ومن يتكلم بعد الفصل من خارج الاسوار لا يسمع له.

    أما أولئك الذين سهروا على تعذيبي فإنني أقولها لهم صراحة، لقد كنت سابقا أتمنى أن أذبحكم بيدي، كنت أتمنى أن أقطعكم أربا وأطعم لحومكم النتنة للكلاب، لكن حظكم عظيم، التربية الايمانية التي تلقيتها من الرجال أهل الله تمنعني، تقف حائلا في طريقي، المحبة التي أكنها لأولياء الله تقول لي اصبر حتى تلقانا، وإني لا أتقي بالعفو حر جهنم، بل أتقي كسر خاطر الراحلين الذين أوصونا أن لا يضرب البعض منا بعدهم رقاب بعض، إنني أقول لهؤلاء الحثالة الذين عذبوني وحرصوا على قتلي وتحميقي وتشويهي والزج بي في السجن وتشتيت بيتي وفعل كل ما يؤذيني، " لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" [1].

    هذا أول كتاب لي، وسأنطلق بحول الله في مسيرة التأليف والكتابة، لقد أجملت الكثير من المفاهيم بين هذه السطور، لكنها مجرد آهات وصرخات مكلومة تريد أن تخرج، على أنني في قابل الكتب سأحاول أن أعالج بعض القضايا معالجة أكاديمية، بمنهجية علمية غير أدبية، بمعلومات وأرقام دقيقة، وربما أكتب بأسلوب قصصي وقائع بعينها في قالب درامي بشخصيات حقيقية وبأسماء مستعارة.

    لو كان حمل السيف مجديا لحملته، لكني حملت قلمي، أكتب بمداد دمي، وأخط الكلمات بأنامل قلبي، لا يهمني من رحب أو أنكر، ولا أعبأ بمن صدق أو كذب، إنني صادق في كل ما أكتب، فـقلم المعاناة لا يكذب، ومداد المحبة لا يخطئ، حتى إذا سنحت الفرصة فالسيف خير من يعالج الرؤوس اليانعة.

    ستبقى كلماتي خالدة في ضمير الصادقين الذين يحملون الخير في قلوبهم للناس، ستبقى ذكراي خالدة في قلوب المحبين المحبوبين الذين أحبونا وأحببناهم، ستبقى كلماتي شوكة في حلق الشياطين الذين تسللوا إلى جماعة المؤمنين وأثخنوا الصالحين بالقتل، لا راحة لي حتى يستقيم خط الدعوة على المنهاج النبوي أو أهلك دون ذلك مع المؤمنين الهالكين، إنه إما النصر وإما الشهادة، ولا حياة نرجوها في الذل والقهر والتعذيب والتنكيل التنظيمي، نحن رجال لم نخلق للذل والعبودية بل خلقنا لنكن أحرارا مُحررين، نخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد، ولا نخرج الناس من عبادة رب العباد إلى عبادة التنظيم.

    فوزي أكريم


    📌 الهوامش

    1. [1] المائدة، الآية 27

  • العقبة الجماعية

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 76 من 77 — فهرس الكتاب

    بعد سنوات من العمل داخل التنظيم الاسلامي نجد أنفسنا في أمس الحاجة إلى الرجوع إلى الأصول، والاصل اقتحام العقبة، فعودا على بدء نريد أن نستحضر معاني اقتحام العقبة التي أمر بها الله في سورة البلد بقوله سبحانه وتعالى: " فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ، أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ" [1].

    على أن هذا الاقتحام لا يمكن حصره في بُعده الفردي بل نريد أن نرتقي بالاقتحام من شكله المنعزل إلى النموذج الجماعي الأخوي، يدا في يد نقتحم عقبات السلوك وعقبات الدعوة، اقتحام جماعي للأنانية المستعلية وتقويض لها بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للغفلة عن الله بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للطبقية الاجتماعية بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للبغضاء بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للمغريات الدنيوية بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للدكتاتورية الفكرية والتربوية والتنظيمية بالتربية والتنظيم.

    اقتحام يدا في يد تعاونا، قلبا على قلب محبة، نسير نحو الوجهة الله، والوجهة الخلافة الثانية على منهاج النبي الكريم محمد ومنهاج صحبه المكرمين، كوكبة يباركها الله ورسول الله، تستقي من معين الصحبة ومددها ببركة اجتماع القلوب وصفاء السريرة وسلامة الطوية وضياء المحبة ونور الاجتماع وقوة الاتحاد ونكران الذات، ولعمري إن السلوك الأشعري أحب إلى الله ورسوله وأسلم للمنضوين فيه، فالسلوك الجماعي أكثر أمانا وأوفر بركة على مستوى السلوك الفردي وأفضل نتيجة على مستوى الدعوة والتدافع السياسي.

    مفهوم الاقتحام الفردي يختلف كثيرا عن مفهوم الاقتحام الجماعي الذي نرجو أن يكون القاطرة المستقبلية نحو الكمال الفردي والسياسي.

    العقبة عقبتان، عقبة تربوية وهي قضية كل منا مع خالقه، هذه العقبة هي جنة المرء أو ناره أو فوزه بالله، ثم عقبة سياسية ذروة سنامها الدولة الاسلامية على منهج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، العقبة الاولى عقبة نفسية روحية، تتكون في مجموعها من عقبات كثيرة تربوية روحية ونفسية، تجتمع كلها في نقطة واحدة وهي الارتقاء بالنفس من حضيض خبثها ونفاقها إلى علياء تزكيتها وصدقها مع الله، يضاف إلى هذا البعد الروحي بُعد نفسي أخلاقي يرمي إلى السمو بالأخلاق من دركات الانحطاط والوحشية إلى مقامات الرقي والاحسان، أما العقبة الثانية فهي مكونة أيضا من عقبات مختلفة، تدور كلها حول إكراهات مقارعة شياطين السياسة وملاعبة دهاة الدولة.

    العقبة التربوية أقوى العقبات على الاطلاق رغم أن معركتها تدور داخل الانسان، قال عنها سبحانه وتعالى: " وما أدراك ما العقبة"، معنى ذلك أن فك رقبة النفس من شهواتها من أشد العقبات التي يمكن تصورها، ينضاف إليها عقبة الشيطان الرجيم الذي أخذ على نفسه العهد ليتخذن من عباد الله نصيبا مفروضا، وبذلك فإن كل رجل وامرأة عقبتهما الفردية هي طريق إلى الكمال، امتحان جعله الله لمن يريد وجهه.

    طريق صعبة المراس تتطلب مجهودات نفسية وقلبية وروحية كبيرة، العدو فيها عدوان، نفس المرء التي خلقها الله في الحضيض الاخلاقي ثم جحافل الشهوة والشياطين القابعة على طول الطريق تنتظر الفرصة للانقضاض، وكلما ارتفع السالك في مقامات التربية كلما عظمت العقبات واشتد البلاء وظهرت شراسة النفس وتبين مكر الشياطين وتعرض صاحبنا لمختلف النيران التي يريد بها الله رغم ظاهرها القاسي أن يصفي معدن نفسه المشوب بالخسة حتى يصير ذهبا خالصا صالحا لأن يكون جليس الحضرة.

    مشاق كثيرة تدور كلها حول سؤال كيف يتخلص المرء من نعلي نفسه والشيطان ويتركهما خارج الواد المقدس طوى.

    وهنا يُطرح سؤال الوسائل التي يُستعان بها والاسلحة التي يُدافع بها في مواجهة النفس الخبيثة والشيطان اللئيم، هذه الوسائل ذاتية وخارجية، ذاتية من قبيل قوة الشكيمة و حِدة العزيمة والصبر على الألم وشدة المراس ثم باقي الملكات الاخلاقية النفسية، وأيضا التعاويذ الدينية التي لها من قوة الدعم النفسي والروحي الشيء الكثير، الأدعية والتحصينات والاذكار التي تستجلب التأييد الالاهي والمدد النبوي والمؤازرة الملائكية والمعاذ النوراني لها دور كبير، وأخيرا إخوان الآخرة الذين يشدون عضد السالك وأزره وهم كل رجل صالح يحتضن ويحمي ويغذي، ولا ننسى أهمية كل تنظيم يُنظم ويُرتب ويُنصح ومحاضن تُؤنس وتُدفئ.

    اقتحام العقبة الفردية يتطلب جهدا نفسيا وجسديا كبيرا بما أن العقبة ليست نزهة، وعندما تنضاف إلى هذه العقبة عقبة أخرى وهي عقبة البناء والمساهمة في تشييد صرح الاسلام المنهار تزداد المعاناة ويزداد الجهد المطلوب تحمله أثناء اقتحام العقبتين، وإذا كان مدار العقبة الاولى داخل خوالج نفس الانسان وقلبه، فإن ساحة العقبة الثانية مدارها على ساحة العقل والتنظيم والسياسة، عقبة جماعية لا ينفع فيها العمل الفردي بل تتطلب اقتحاما جماعيا منظما قد لا يتوقف بانتهاء حياة الفرد بل قد يستمر أجيالا وأجيال.

    العقبة الجماعية مرتبطة بالتنظيم وقدرته على تعبئة الافراد وتنظيمهم وتحقيق الأهداف التربوية والسياسية للجماعة، ونحن نريد أن يرتقي التنظيم ليصبح قائما على الاهداف التربوية للأفراد المكونين له وإلا كان في نظرنا تنظيما استغلاليا يركب على عرق الجماهير، مقولة أن الاعضاء خدامين مع الله هي مقولة أثبتت الأيام أنها مجرد هراء وكذب لاستغلال الناس من أجل تحقيق مآرب الطغمة الحاكمة في التنظيم، وبالتالي فالعدل يقتضي أن يساهم الافراد في تحقيق غاية الجماعة السياسية أولا امتثالا لأمر الله في القتال في سبيله صفا كالبنيان المرصوص، وثانيا لأن الذئب يأكل من الغنم القاصية والتنظيم مطالب بحماية نعاجه واحتضانهم والوصول بهم الى بر الأمان لا الرمي بهم إلى الذئاب مع أول منعرج.

    الاقتحام الجماعي المنظم الذي نتصوره اقتحام يحرص على آخرة المقتحمين ودنياهم بنفس القدر الذي يهتم بتحقيق البرامج الدعوية والسياسية، اقتحام سلوكي جماعي أشعري تتظافر فيه الجهود من أجل أن يربح الجميع، سياسة رابح رابح، وإلا فما معنى أن يربح التنظيم مواقع على رقعة السياسة والدعوة ويخسر الافراد مواقعهم على سلم الاخلاق والتربية والمال والمجتمع، الاقتحام الذي يدفع بالأفراد إلى الهاوية ليصعد المسؤولون على جثثهم إلى مراكز المسؤولية والرئاسة اقتحام مشؤوم.

    الاقتحام الجماعي أسلوب ناجح في غد الاسلام حيث تغزو كتائب الدعوة عقبات الدين والدنيا مجتمعة قلبها على شريعة الله السمحة وسنة نبيه المطهرة، رأس شوكة تنافح عن كيان الأمة ودينها ورزقها، على أنه من المتوقع جدا أن يتفرغ التنظيم الاسلامي للسياسة ويترك الافراد ينافحون فرادى في جبهة عقبتهم الفردية، ثم يؤدي هو نفسه ثمن ذلك تساقطهم على طول الطريق، لكن ربما يكون مضطرا لذلك اعتبارا لكون السياسة لا تترك المجال لتضييع المال والجهد والوقت في إشكالات تربوية فردية لا تعني التنظيم في شيء كونه لا يدير أصلا هذه الموارد البشرية إلا من أجل برامجه لا من أجل سواء عيونها.


    📌 الهوامش

    1. [1] سورة البلد 11-18.

  • تغيير التنظيم أم إصلاحه

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 74 من 77 — فهرس الكتاب

    يطرح هذا السؤال كما يطرح على الفاعلين السياسيين الذين يريدون تغيير النظام السياسي القائم، هل نرفع شعار إسقاط النظام أم إصلاحه، عادة ما يخاف الناس من شعار الاسقاط وشعار التغيير، ذلك أنهم لا يريدون دفع الكثير من الاثمان التنظيمية و السياسية و المالية الباهضة، فالناس تميل الى السهلة والتيسير، لا تريد أن تخسر شيئا مقابل تحسين وضعيتها المالية والاجتماعية، تريد كل شيء بالمجان، ولذلك وقياسا على تغيير النظام أو إصلاحه فالناس المنتظمة داخل التنظيم الاسلامي تفضل دائما إصلاح التنظيم على اسقاطه، فسقوط التنظيم مغامرة كبرى لا يمكن التنبؤ بنتائجها، فيكون الأنسب غالبا هو الطريق الاسهل، قليل التكلفة السياسية والمالية والبشرية.

    لكننا نريد أن نناقش قليلا، نريد أن نتلمس طريقا نحو تنظيم مستقيم نزيه شفاف يعمل لصالح الامة ولصالح القواعد لا لصالح القيادة فقط، تنظيم يكون بمثابة قيمة مضافة للأمة لا وبالا آخر عليها، لا يهمنا في ذلك الاسقاط أو الاصلاح ما دام أن كل الطرق تؤدي إلى التنظيم النموذجي الذي سيحتضن الارواح والاجسام على ما فيه خير الناس، إننا لا نريد آلة تنظيمية يصنعها الناس ويجعلونها فوق رؤوسهم ثم تطحنهم، نريد أن نحسبها بدقة، نقدر الخسائر والارباح جيدا قبل أن نـخطو خطوة، على أنه وفي إطار البعد الذي نرى به نريد أن تحسب جميع الخسائر وكل الأرباح، دينية ودنيوية على السواء، فلسنا هنا في معرض الحديث عن تغيير نظام سياسي مادي نرجو منه خبزا ومسكنا ووظيفة وصحة وتعليما فقط، بل إننا بصدد الحديث عن تنظيم من المفروض أنه يحمل على عاتقه أعباء الدين بالمقام الأول، لا الدنيا وحدها ولا الدين وحده.

    هذا الشعار يحمله زعماء التنظيم الاسلامي في كل مناسبة، يقولون إنهم ضد العلمانية، لكن العلمانية التي رأيت في تركيا مثلا أفضل بكثير من الاسلام الذي عند الاسلاميين ديالنا، كما أن مسؤولي التنظيم الاسلامي في واقع الحال لا يطبقون شيئا من الاسلام، فأين هو بديل العلمانية لدى هؤلاء، معنى ذلك أنهم مكيافيليون لا هم مع الشريعة ولا هم مع العلمانية، إنهم مع دين المصلحة، يسيرون مع مصالحهم المالية والتنظيمية الحزبية حيث سارت، فلا هم يضمنون الدنيا لأتباعهم ولا هم يضمنون الاخرة لهم، أما الأفظع من ذلك فهو أن هذا التنظيم الميكيافيلي أنتج لنا جيلا من المرضى النفسيين الذين خسروا أنفسهم ولم يربحوا لا دنيا ولا آخرة، حطام بشري ونفسي على رصيف السياسة والدين والخلق.

    نريد إذن أن نحل هذه المعضلة التنظيمية والاجتماعية بما يجعل من المنخرطين مستقبلا في صفوف التنظيم الاسلامي أنجح الناس شكلا وتربية، أناس يدخلون التنظيم الاسلامي فتتحسن أخلاقهم ويتحسن تدينهم وتتحسن وضعيتهم الاجتماعية وتتحسن وضعيتهم المعرفية والمالية، تنظيم بمثابة مدرسة، ورش كبير لصناعة الناس الناجحة، صحيح أن التنظيم ليس مسؤولا عن كل هذا، لكن على الأقل عليه أن يساهم ولو بالشيء القليل في تحسين وضعية الناس المنخرطين فيه، وقبل ذلك عليه أن يرفع يده عن إذايتهم عوض تدميرهم، إن المتناثرين أمامي بالأعداد الكثيرة ممن رماهم التنظيم أجساما نخرة بعدما قضوا حياتهم كلها في التنظيم الاسلامي، دخلوه زهورا شابة متفتحة لكنهم خرجوا منه مخربين روحيا ومحطمين نفسيا وشيبا معقدين.

    نريد أن نفهم، ثم نريد أن نتلمس أحد طريقين، إصلاح هذا التنظيم أو تغييره بالمرة، ولا عيب في التغيير، فالتنظيم الاسلامي نفسه يطرح خيار تغيير النظام السياسي القائم، يقولها بحرية ولا يخفي الامر، بل ويستغل الأمر سياسيا لجذب أكبر عدد من الناقمين، ولذلك لا عيب أن ينادي أحد من داخل التنظيم بتغيير التنظيم بنفس فلسفة التعاطي مع النظام الجائر حسب الخطاب الرائج، والمنضوون تحت لواء التنظيم الاسلامي عليهم أن يكونوا على قدر عادل من الالتزام بمضامين الخطاب التنظيمي الذي يؤمنون به ويكونوا غير منفصمين في آرائهم، التغيير الجذري يطرحونه في تعاملهم مع "النظام الجائر"، فلم لا يكون مطروحا أمام تعاملهم مع تنظيم فاسد خارج عن العدالة التنظيمية وخارج سياق المنهاج اللاحب الذي بايعوه أول مرة.

    إننا نقول بالإصلاح أولا، ثم آخر الدواء الكي، فإذا فشل الاصلاح فالتغيير واجب، تعطى الفرصة للتنظيم مرة ومرات في إصلاح هياكله وقوانينه ومسؤوليه ومنظومته الفكرية والتنظيمية، فإذا زاده ذلك طغيانا وكبرا أصبح الأمر يستدعي تغييرا جذريا، بمعنى اقتلاع كل رموز العهد الغابر من مناصبهم التنظيمية مع حل جميع هياكل التنظيم التي أسسوها، وتفكيك الاخطبوط التنظيمي الفاسد التي بناه طغمة الاستكبار ثم بناء هياكل جديدة متناسبة مع الطرح العادل، لكن المتصدين لهذه العملية عليهم قبل ذلك أن يضعوا البرنامج التنظيمي المزمع تأسيسه، عليهم أن يصنعوا خارطة طريق دقيقة نحو التنظيم المنشود بكل واقعية كي لا يسقطوا في الفراغ القاتل، فغياب النظرة المستقبلية ودخول معركة إسقاط التنظيم بنوع من الارتجالية والتخبط لن يساهم إلا في بقاء التنظيم الطاغية بل وزيادة امتلاكه الحصانة السياسية والمناعة التنظيمية والشرعية التاريخية.

    لابد أن يكون الثائرون على نور من العلم والتخطيط وعلى نور من ربهم، فإسقاط التنظيم ليس هدفا في حد ذاته، بل الهدف الأساسي هو جمع شتات قلوب المؤمنين وعقولهم، هو إعادة تشكيل التنظيم بما يضمن مستقبلا عدم الرجوع إلى المطبات التي أوردنا التنظيم السابق إياها بدكتاتوريته الدينية، فالمهم هو تأسيس تنظيم أخوي شفاف نزيه منضبط، تسود فيه حرية التعبير والتفكير والبناء والعمل والحركة، تنظيم تعلوه مؤسسة قضائية ساهرة على عدم طغيان مسؤولي التنظيم وعدم تكبرهم على القواعد وتشكيلهم لمؤسسات تنظيمية موازية أو وصية، الهدف هو إنشاء تنظيم منسجم مع أسس التربية الايمانية المبنية على الايمان والتقوى والتضحية والايثار والأخوة لا التهافت المسعور على السلطة.

    أعرف أن كلماتي هاته سيأخذها التنظيم محمل الضحك والاستهزاء، فما تعودنا منه سوى الاحتقار والتهميش، وأعرف أنه سيصدر تعليمات وتوصيات في عباءة الهياكل التنظيمية وفي إطار النميمة المنظمة أن أحذروا فلانا وحذروا الناس من فلان ومزيدا من التشويه لفلان.

    أعرف أن التنظيم سيلجأ آخر الأمر إلى سياسة التغافل ودس الرأس في التراب حتى يموت الرجال من الصياح ويفرنقع الصادقون من الغيظ، فما عرفنا من التنظيم سوى الخبث، لكن الأمر ليس كما يحسبه التنظيم، فالأمر ليس ريحا تمر بعد وقت أو حسدا يقتل حامليه بعد سنين، إن الأمر كرة ثلج تكبر كل يوم، فالرجال لا يرتاحون تحت ميزاب القدر حتى يسقطوا الطغيان الذي أسسوه ويمسحوا الكارثة التي أتوا بها إلى الأمة وهي التنظيم، فإما أن يستقيم هذا المملوك على الجادة التي تطابق النية التي في قلوبهم أو يسقطوه.

    إن ما يجمع الدكتاتوريات السياسية والتنظيمية الاسلامية أنها تخاف على ظهرها من القشة أن تكسره فكيف بالقول البليغ، فالتنظيم الفاسد أو النظام القائم على الغش والمراء والرياء والفساد المالي والأخلاقي والتنظيمي والسياسي لابد أن ترهبه الكلمات، لابد أن تسيل مياه الهلع في ركبه لمجرد كلمة ألقيت بدون قصد فكيف لا يخشى على نفسه من كلمات قاصدة مرتبة منظمة هادفة، وإذا كان الكثير من مسؤولي التنظيم يخشون عل مصالحهم ومراكزهم التنظيمية وحساباتهم البنكية فإن رجال الحق لا يهابون الموت ولا يأبهون بالحساب البنكي ولا يحرصون على المركز التنظيمي.

    إصلاح التنظيم أولا بالقول البليغ القوي الصريح، فإذا لم يصغ فالقول ما ترى لا ما تسمع، ولعمري إن هذا طريق الرجال الذين قام على اكتافهم وسواعدهم وقوة كلامهم صرح الاسلام، إن خط سير الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله خط لاحب، منهاج نبوي واضح، محجة بيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كتاب الله وسنتي، سنة الوضوح والقول الصريح، لا سنة الركوع والمراوغة، لا سنة التوصيات الدولية والثقافة الدخيلة، سنة الله كتاب الله، قرآنه الكريم الصالح لكل زمان ومكان، سنة الله في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الباقية إلى قيام الساعة، لا يزيغ عنها إلا لئيم مارق من الدين، سنة الله في سنة اصحابه المبجلين الذين حملوا لواء الاسلام والجهاد ولم يتنكبوا عن سنة نبيهم وقرآن ربهم حتى توفاهم الله فائزين برضاه ورضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الإصلاح الاصلاح ما استطعت، فإذا تعذر الاصلاح فهي الحرب على أعداء الله حتى اجتثاث آخر مجرم تنظيمي وتتبير آخر هيكل من هياكل التنظيم الجبار.


  • اندثار مشروع

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 73 من 77 — فهرس الكتاب

    هل اندثر المشروع الاسلامي؟ لا أظن ذلك، إنما هي أمراض قابلة للعلاج رغم أن الكثير يكاد يجزم باندثار المشروع ككل، صحيح أن التنظيم الاسلامي يقترب من إجهاض المشروع الاسلامي، وصحيح أن هذا التنظيم المشؤوم قد أبان عن غدر كبير وطريقة ماكرة مكيافيلية خبيثة في التعاطي مع أحلام الناس في مجتمع فاضل ودولة راشدة، إلا شيئا ما يجعلني أجزم أن الوليد الاسلامي لا يموت أبدا، إنه لا يسقط رغم علامات الاجهاض الكثيرة، ربما لأن قوى ما وراء الطبيعة تحميه وربما لأن الدين أمر يختلط بضمير الأمة ولا سبيل إلى السلطة إلا من باب الدين، فإذا اندثر مشروع اسلامي قام مشروع آخر.

    ولذلك فإن قصدنا باندثار المشروع هو اندثار مشروع معين قام على الاحسان فإذا به ينقلب إلى الميكيافيلية والاستبداد، مشروع معين انحرف عن جادته التي أعلنها المؤسسون الصالحون بعدما أمسكت بدفة التنظيم عناصر مهووسة بالسلطة والنفوذ، هذه العناصر الفاسدة هي التي سببت انهيار التنظيم من داخله بقتلها للمحبة واعتبارها خرافة صوفية، وهي التي تؤذن اليوم بانهيار المشروع التربوي والفكري والسياسي للجماعة بعد نهجها أساليب الفصل والتهميش والارغام على الاستقالة والتلوي على المسؤولية.

    كنت بالأمس القريب لا أتصور اندثار مشروع بناه رجال صالحون، لكن سنة الله تثبت لي كل مرة أنها لا تحابي أحدا، وهي لم تحابي التنظيم النبوي فكيف تحابي تنظيم من هو أقل بكثير من العزم والرشد النبوي، إن اندثار المشروع أمر وارد جدا بالنظر إلى نوعية المسؤولين الذين سيطروا على التنظيم الاسلامي، مسؤولون قمة في الحقارة والمكر والقسوة والإجرام التنظيمي والغدر السياسي، هذا الأمر يجزم به كل المغادرين لقطار التنظيم الاسلامي حيث يؤكد أغلبهم على حجم التعذيب النفسي والاذاية المادية التي تعرضوا لها داخل التنظيم.

    والباحث في صفوف هؤلاء المغادرين طوعا أو المفصولين كرها يكتشف حجم الدمار النفسي الذي يعانون منه والخراب المعنوي الذي أصاب قلوبهم وأرواحهم، إنه لا أحد كان ينتظر أن يبين التنظيم عن هذا الحجم الكبير من الخسة والوضاعة، ذلك أن أغلب المصدومين من التنظيم الاسلامي كانوا ينظرون إليه حتى عهد قريب نظرة كلها تبجيل واحترام ويرونه بريق أمل في مستقبل مشرق للأمة.

    الآن يكاد يجمع الكل على واقعية العمل الاسلامي وتماشيه مع المبادئ السياسية الميكيافيلية، لا أحد اليوم يملك تلك الجرأة ليصف التنظيم الاسلامي بنسخته المطابقة للمنهاج النبوي الذي سار عليه النبي الكريم وصحبه الكرام، الجميع يعتبر التيار الاسلامي تحت قيادة التنظيم الاسلامي مجرد مثال من باقي الحركات السياسية التي تنهش ما تبقى من مجتمعات منهكة، يقتنص الفرصة ليقفز إلى سدة الحكم ويتمتع مسؤولوه بالسيارات الفارهة والقصور الفخمة والأموال الطائلة.

    لا معنى إذن لأي تنظيم إسلامي ما دام أن القصد هو السلطة والمال، ويبدو التلاعب بالدين والتربية والصحبة أمرا مقززا لا يفعله العلمانيون الذين يأتونك واضحين منذ البداية ويشعرونك بعدم رغبتهم في استغلال الدين ويناقشونك بكل واقعية سياسية بينما يختفي التنظيم الاسلامي خلف ستار الحب في الله والوصول إلى الله والأخوة في الله والعدل والاحسان حتى إذا أفنيت عمرك في الحب في الله فصلك من التنظيم لما رآك خطرا على مركزه التنظيمي ومصالحه المالية.

    العلمانية في نظر التنظيم الاسلامي كفر بواح، والحقيقة أنه لا يقصي العلمانية من منطلق ديني بالعكس فالتنظيم الاسلامي لا دين له لكنه يفعل ذلك من منطلق سياسي إقصائي، يقصي التنظيم الاسلامي العلمانية بالدين ويقنع الناس بذلك حتى إذا حانت ساعة الانتخابات صوت الناس على اللحية والجلباب ظنا منهم أنها الاسلام وهربوا من العلمانية ظنا منهم أنها الكفر، هذا الاستغلال الدين لقضاء المآرب السياسية هو أحقر ما في التنظيم الاسلامي، وأنا أعلم جيدا أن مسؤولي التنظيم يكرهون الشريعة الاسلامية أكثر مما يكرهها العلمانيون.

    إن المشروع الاسلامي تحت وصاية التنظيم الحالي مشروع آيل إلى الاندثار، ولا يبدو لي أي مفر للتنظيم سوى التحول إلى حزب سياسي منسجم مع قناعاته الاستبدادية التسلطية الشهوانية ليمارسها بكل وضوح كما يمارسها الساسة في كل مكان، وهذا الأمر في حد ذاته اندثار لمشروع كان من المفروض أنه يحمل رحمة الشريعة الاسلامية إلى الناس، إلا أنه اندثار جزئي، حيث يبقى المشروع السياسي قائما بينما يندثر المشروع التربوي أو ينزوي أو ينشق.

    مؤسف جدا أن يندثر مشروع كنا نعلق عليه آمالا كبيرة، لكنها إرادة التنظيم وحكمة الله، وهي رسالة إلى الاجيال المقبلة كي لا تنخدع بالدين وتبني تنظيماتها على الحب والعقل والحكمة والحكامة والحق.


  • تنظيم لا يتحاور

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 72 من 77 — فهرس الكتاب

    التنظيم الحالي لا يتحاور، يأمرك، يهددك، ينزل عليك، يشوهك، يقصيك، تنظيم لا يملك آليات الحوار، ونقصد بالحوار الحوار الداخلي، وإلا فإن التنظيم يرفع شعارات من قبيل الحوار مع الفضلاء الديمقراطيين والحوار مع صديقي الماركسي وحوار مع القومية العربية وحوار مع النخبة الحداثية وحوار مع الفرقاء الديمقراطيين وحوار مع الغرب وحوار مع المرأة وحوار مع كوكب زحل، حوارات وهمية اقتبسها من حوارات حقيقية من تنظير الامام، حوار مع الخارج يبهرج كل حين لكن الحوار مع الرجال داخل الصف غير كائن، مرفوض بتاتا أن تطلب الحوار مع مسؤول تنظيمي ما وتناقشه دون خوف من الفصل، حوار التنظيم مع الأحرار الصادقين داخل الجماعة غير ممكن بتاتا، إنه جريمة في نظر تنظيم طغا حتى أصبح يرى أن حوار الآخر معه تطاول لا يُغتفر.

    عرفت كثيرا من المؤمنين كانوا يطلبون فتح قنوات الحوار معهم داخل التنظيم، وحرصوا دائما على الادلاء بإفكارهم الجديدة ومقترحاتهم التي يرونها مفيدة، وكنت لا أتصور بتاتا أن يتعامل التنظيم مع هذه الطاقات الجيدة بهذا الصد والاعراض والاحتقار والتنقيص، ذلك أنني كنت داخل التنظيم أرى أن التنظيم لم يتواصل مع هذه الاشخاص إلا لعيب في سلوكياتهم أو لخلل في أخلاقهم أو لعوج في أفكارهم، فالتنظيم كان بالنسبة إلي شيئا لا يمكن أن يظلم أو يُخطئ، فدائما كنت أرى الصادحين بالحق عملاء من الخارج أو ربما سكنهم الشيطان أما رؤساء التنظيم فهم صحابة كرام، مؤمنون لا يخطئون.

    عرفت لاحقا أن هؤلاء الطاقات المقهورة أشخاص مُبدعون رفضوا القوالب الجاهزة التي يضعها التنظيم أمامهم ويأمرهم بالتشكل وفقها دون أية مناقشة، وبعد أن قضا التنظيم عليهم ورمامهم جانبا وبعد أن وصل السيف إلى رقبتي بعدما بلغت سن النضج صرت أرى أن القضاء عليهم كان جريمة تنظيمية، وإذا كان الحورا مغيبا داخل أروقة التنظيم اللهم ذلك الحوار البارد الخادع الذي يخفي المكائد المنصوبة لمن يطالب بالحوار فإننا نطالب اليوم بكل قوة أن تفتح أبواب الحوار على أوسع نطاق حتى يدلي جميع أهل الدار من الجماعة ومن التنظيم وخارجه بأرائهم الحرة ومناقشتها دون قيود.

    طبعا التنظيم الجبار الخوار يرى بمؤسساته التي تشيطنت بروح الديكتاتورية أن الحوار ضياع للتنظيم وانحلال للجماعة، التنظيم يرى أنه إما أنا أو لا أحد، الوطن أنا وأنا الوطن، تماما كما يرى الممسوسون بشيطان الدكتاتورية من أنظمة الجبر، أنا أو الخراب، والتنظيم الاسلامي على هاته الشاكلة يرى أنه وحده المؤهل في صيغته الحالية في سيادة المؤمنين والخروج بهم إلى بر الامان، لكنه في الحقيقة لا يريد إلا الخروج بمصالحه ورئاساته إلى الأمان، إنه يكره الحوار لأنه يخلق جوا من الشفافية ويضع الأصبع على كثير من أماكن الخلل، والمسؤولون ليسوا من الرجولة الكافية ليقبلوا الحقيقة، وليسوا من الصدق والفناء في المصحوب بحيث يفضلون مصلحة الجماعة على مصلحتهم الشخصية الرئاسية والمالية.

    التنظيم الحالي ممسوس بمس التكبر والعجرفة والديكتاتورية واللوبيات وكثير من المصالح المرسلة على قيادة التنظيم، وبالتالي يصعب أن ينزل هؤلاء منزلة الحوار، اللهم الحوار المغشوش على شاكلة الحوار الذي يطرح أمام الفرقاء السياسيين و الذي يخفي التنظيم خلفه سكين الغدر، هذا الحوار ليس سوى استدراج إلى موقعة الركوب الانتخابي ثم الذبح السياسي بعده، أما الحوار الحقيقي فهو ليس من شيم التنظيم الحالي.

    يحسب التنظيم بعدم نزوله إلى أرض الحوار أنه يترفع عن الحيوانات التي تطالب بالحوار، وأحيانا يريد قتل الآخر بالتغافل والبرود والتهميش، فيموت الآخر من تلقاء نفسه بعد مدة من التهميش حسب قوة تحمله، وقد قتل التنظيم رجالات تنظيمية كثيرة وقامات تربوية سامقة عديدة بالفصل أو التهميش، لكن القلم لا يموت، والورق لا يموت، إن الكتاب ينتقل في المكان والزمان، والأفكار تنتقل عبر الأجيال وتظل في الضمير الجماعي قرونا حتى تؤتي نتاجها، فلا يغترن التنظيم بإفلاته من جرائمه التاريخية، فلسنا ممن ينسى مثلا الفصل التعسفي للأستاذ الملاخ رحمه الله وكثير من أمثاله.

    الجريمة تظل حية في الضمير الجماعي تنتظر الوقت المناسب لتطفو على الوجه، ثم يقتص الرجال من المجرمين.

    التنظيم إذن لا يؤمن بحرية التعبير والاختيار، فهو مع تعامله مع الجماهير يستشعر فهمه الالاهي وتميزه الديني المقامي ويستبطن في نفسه مصادرة حق الناس في التعبير وسيطرته على الفهوم والارادات، إن التنظيم الاسلامي في صيغته الحالية إذا وصل إلى السلطة لن يتردد في فرض توجهاته الدينية وفهومه السياسية وبرامجه الداخلية على الجميع، إنه مستعد لمسخ الجميع ليعيش نموذجه المقدس، إنه مستعد حتى للانقلاب على أصدقائه الذين أوصلوه إلى السلطة وذبحهم جميعا، وما شعارات الحريات والحقوق والميثاق والطاولة المشتركة إلا مطية إلى السلطة، لعبة سياسية، وحينما يصل المسؤول الذي أعرفه جيدا إلى السلطة سيذبح الجميع، إنه لا يحب أن يشاركه السلطة أحد ولا أن يشاركه الفهم أحد، يعتقد أنه يفهم عن الله، لا فهم إلا فهمه، ولا عمل سوى عمله ولا رأي إلا رأيه، المسؤول الحالي عندما يصل إلى السلطة سيرى الجميع حجم الديكتاتورية الدينية والتنظيمية المكتنزة في التنظيم الاسلامي.

    لقد رأيناها داخليا على مدار سنين، وسيراها الآخرون على أرض الواقع السياسي عيانا فيقول السابقون هل من محيص.

    أكثر شيء مقته في حياتي هو تلك الابتسامة التي تطالب بالحوار التي يلقي بها مسؤولو التنظيم أمام الكامرات طالبين فيها الحوار مع اليسار الموحد والحوار مع اليسار غير الموحد والحوار مع الدولة والحوار مع المسؤولين في الدولة التي يرونها دكتاتورية وفق شروط من بينها الحرية وعدم وضع قواعد مسبقة ثم تقسيم الكعكة واستلام سلطة مريحة والعمل في أجواء كلها حرية.

    يا أيها الحقير كيف تطلب الحرية لتنظيمك وأنت تمنع أعضاءك من الكلام وكل من يتكلم يرعف، هل تستطيع أيها التنظيم أن تحاور الرجل الذي أرسل لأمينك العام رسالة كلها حرقة ونصح ومد ليد التواصل والحوار، هل تستطيع أن ترسل بعض مسؤوليك ليتحاور مع عبد ربه الذي كواه وشواه مسؤولوك في طنجة، هل تستطيع أن تحاور كل غيور على مشروع التربية والزحف الذي دمره مسؤولوك بتنظيمهم الذي لا يملك أدنى شروط التنظيم الأخوي.

    خراء التكبر يمنعك من الحوار أيها التنظيم الحقير.

    دع عنك الحوار الرصين الذي لا تؤمن به وتعال إذا كنت رجلا إلى حوار السيوف، تعال نتحاور بالسيف كما تحاور به الصحابة الكرام ثم حسموا الخلاف بالوسائل التي يفهمها تنظيم عصرهم، لكنك لا تستطيع رغم تفوقك المادي والعددي أن تتحاور لا بالكلام ولا بالسيف، فالديوثة المقززة غزت مسؤوليك وحاشا أن يملكوا من الرجولة ما يحملهم على حمل سكين، مسؤولون تحكمهم نساؤهم، مسؤولون أقصى ما يواجهون به هو النميمة وجميمعات النساء، تنظيم يتحاور بالضرب تحت الحزام على طريقة النساء.

    امكر أيها التنظيم الجبان كالنساء واضرب من الخلف كما اعتدناك، ويوم نطيح بك سنقيم تنظيم الرجولة بهياكل وقوانين واضحة تكفل الحوار إلى يوم الدين، نترك تنظيما حريصا على أحفادنا، يتحاور معهم ويفتح أمامهم كل وسائل النقاش الهادئ والحوار الرصين، يقبل أفكارهم، يقلب مقترحاتهم، لا يفصل، لا يحتقر، لا يهمش، لا يغتاب، لا يشوه، لا يقصي، لا يضرب تحت الحزام، تنظيم شجاع لا يخاف من حوار ولا يكيد في ظلام، تنظيم إسلامي على شريعة الاسلام لا تنظيم مصلحي على شريعة ميكيافيلي.


    ◀ الفصل السابق: طاحونة التنظيم

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: اندثار مشروع

  • طاحونة التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 71 من 77 — فهرس الكتاب

    التنظيم طاحونة كبيرة، تطحن النفس الخبيثة في الحالة السليمة وتطحن النفس الطيبة في الحالة العكسية، فالتنظيم مكون من دوائر منظمة وبرامج مسترسلة وعجلات إدارية تدور بصفة مستمرة، والذي لا يعرف اللعب مع هذه العجلات تسرقه الايام فيجده نفسه مطحونا في ذاته وفي قلبه وفي روحه وفي عقله وفي إرادته وفي آخرته، ولذلك فالمتبصر لابد أن يلاحظ الاعداد الهائلة من الرجال الذين طحنتهم آلة التنظيم ثم رمت بهم جانبا بعدما أفنوا ذواتهم في سبيل دوران عجلاتها.

    لابد لنا أن نتعلم فنون اللعب مع آلة التنظيم الحادة قبل أن ندخل غمار العمل الاسلامي المنظم وأي عمل منظم بصفة عامة.

    يقول أهل الحكمة إن التربية إذا لم ترافق العملية التنظيمية على طول مسارها وإذا لم يحكم ولي الله التنظيم ويقبض عليه من قفاه وإذا لم يتمكن رموز التربية داخل الجماعة من الافلات من قبضة مسؤولي التنظيم والعلو على دوامة الحركية التنظيمية الفارغة كادت آلة التنظيم أن تطحنهم في نفوسهم وقلوبهم وأرواحهم وآخرتهم، فنجد أنفسنا آخر الأمر أمام هياكل تنظيمية فارغة وذمم إيمانية نخرة، ثم يقال لنا بعد ذلك لقد مر من هنا مؤمنون صالحون، كانوا وكانوا قبل أن يستنزفهم التنظيم ويطحنهم طحنة العمر.

    رويدك يا فوزي، ماذا تقول بالله عليك؟ كيف يطحن التنظيم المؤمنين وهو يشغلهم بالتنظيم والجهاد والعمل المنظم لإعلاء كلمة الله وإرساء أسس الخلافة الاسلامية الراشدة؟ هل غرك الشيطان أم هي هلوسات أذية المؤمنين المتربعين على عروش المسؤوليات التنظيمية؟

    أجيبك أخي الكريم قائلا إن ما يبدو لك جهادا وعملا تنظيميا دؤوبا يفتل في الخلافة الراشدة ما هو إلا نزيف للروح والقلب وإدخالهما في طاحونة الدنيا والصراع الدنيوي وإفراغ القلب من معاني الصفاء والمحبة والتعلق بالله، فالخلافة الاسلامية والدولة الاسلامية والانتصار الاسلامي والفوز الانتخابي والكيد للفرقاء السياسيين وتحريض المؤمنين على الجهاد وأحيانا المكر بهم خفية ثم معالجة الاكراهات التنظيمية التي تلعب على التناقضات وتُؤذي الاقرب قبل البعيد وأخيرا الدخول في دوامة من المجلس إلى المجلس ومن الساحة الى الساحة ومن اللقاء إلى اللقاء، كلها عوامل تؤدي إلى تفتت الكيان الداخلي للمؤمن وتُكسر التميز الشخصي وتقتل الابداع الداخلي وتُجهز على جميع الملكات الثقافية والروحية الخاصة، فيتحصل لدينا مؤمن كبير في السن، راح وغدا في أزقة التنظيم طويلا، فارغ تربويا، عديم الشخصية، غير واصل إلى الله، خال من الابداع والعطاء الفردي، فإذا لم يكن قياديا بارزا تتبعه طبول التبريكات مات يوما وأصبح كأن لم يكن ثم راحت غدواته التنظيمية سدى الله اللهم إذا باركتها نية صالحة.

    ولذلك كان التوازن بين التربية والتنظيم من آكد الأمور التي تحفظ قلوب المؤمنين وأرواحهم وتحفظ الجماعة من الدخول في متاهات التنظيم التي لا تنقطع ومغامراته التي لا تنتهي، فالتربية رغم أنها ذات طابع شخصي إلا أن لها تأثيراتها ذات أبعاد تنظيمية، وما يهمنا هنا هو الحفاظ على الكيان الخاص للمؤمن أن يستهلكه التنظيم ثم يرمي بصاحبه بعد ذلك إلى مزبلة الفصل والنسيان أو يبقيه تائها في قاع طاحونة التنظيم، فإذا كانت مهمة التنظيم هي إقامة الدولة الاسلامية فمهام ولي الله هي تتـميم الأخلاق وتنوير الارواح والزج بالقلوب التي ينشط أصحابها داخل التنظيم في الحضرة الالاهية، أما غير ذلك فهو السراب في السراب وعمل سياسي فارغ لا يمكن أن يخدم الفرد في قلبه وروحه بل يمكن أن يُستعمل كل لحظة لقضاء مآرب رئاسية أو يُركب عليه لتعزيز امتدادات مذهبية.

    التنظيم يجب أن لا يكون طماعا في المناصب السياسية على حساب أرواح المؤمنين الذين يعملون في أروقته، فالكمال الذي تميز به التنظيم النبوي الأول هو الحرص على دنيا المؤمنين وقبل ذلك الحرص على قلوبهم التي لا يجب أن يطحنها التنظيم بأعماله الروتينية ومغرياته الرئاسية والمالية، فرأسمال التنظيم الحقيقي ليس المال وليس السلطة وليس المقرات الفارهة وليس المشاريع السياسية والاقتصادية، بل هو المؤمنون في حد ذاتهم، فمتى حافظ التنظيم على قلوب أعضائه ودنياهم فقد أوشك أن يربح الرهان الحضاري واللعبة السياسية أيضا.

    ويبقى السؤال: مَنْ لجيل أو جيلين طحنهم التنظيم فأصبحوا اليوم حطاما بشريا وإشكالية أخلاقية؟ طبعا لهم الله، والدرس الذي يجب أن يستفاد هو ضرورة خلق سياسيات تنظيمية جديدة تحافظ على الشخصية المنضمة إلى التنظيم كي لا يطحنها هذا الأخير في دواليبه ثم يرمي بها، هذه السياسات يجب أن ينبري لها أهل العلم والسابقة وتفتح لها أوراش كبيرة في أجواء ديمقراطية من أجل الخروج بأوراق تكون ملزمة للتنظيم يستطيع بها الأفراد ثم يعملوا دون خوف من الطاحونة التربوية والتنظيمية.

    وحدها الإجراءات والتدابير التنظيمية الصارمة يمكنها أن توقف الطاحونة التي تطحن حياة الناس، وفي انتظار ذلك أملنا أن يسقط تنظيم يؤمن بالدكتاتورية ويصعد تنظيم جديد يؤمن بالحوار.


  • في الحاجة إلى تنظيم “رجل”

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 70 من 77 — فهرس الكتاب

    الرجل في الدارجة المغربية يُقابله مصطلح الشماتة، الذي لا مروءة له ولا أخلاق ولا شهامة ولا دين ولا شرف، والرجل يتميز عن المرأة من حيث معدنه، فمعدن الرجل كريم شهم شجاع عفيف قوي منصف ذو خلق وإنصاف، و"الشماتة" المخنث خسيس لا مروءة له يضرب تحت الحزام بوسائله القذرة غير الشريفة، وقد قال أهل اللغة أن المروءة هي كمال الرجولة، وأضافوا أنها بذل وعطاء وكَف عن الأسباب الدنيئة، أما أهل التربية والايمان فإنهم يتحدثون عن رجولة إيمانية وروحية فيقولون إن الرجولة هي الجمع بين صفتي الصدق والذكر، تبعا لقوله سبحانه وتعالى: " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ" [1]، ثم قوله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ. ." [2]، وتبعا لذلك كان الرجل بالمفهوم القرآني هو مكتمل الرجولة القلبية عن طريق الاكثار من ذكر الله والصدق في النية والحديث، الذكر والصدق يُنبتان الرجولة الايمانية كما يُنبت الماء الكلأ، وكذلك الصحبة، صحبة الرجال أهل الله، تُؤخذ منهم معاني الرجولة ولا تؤخذ من المخنثين الذين تشربوا معاني المساواة مع النساء.

    لكن، لماذا نطالب التنظيم بأن يكون رجلا وهو شخصية معنوية [3] لا يمكن تمثلها في رجل أو امرأة؟ نجيب بأننا فقط نحتاج إلى إسقاط نظري للإنحطاط الاخلاقي للأشخاص على تنظيم وهياكل ومؤسسات تعمل وفق نظام ونسق معينين، ثم نحاول فهم رجولة التنظيم من قلة مروءته، وأسباب ذلك وطرق علاجها، وقبل ذلك نطرح أسئلة أكثر أصولية فنقول، هل نحن فعلا في حاجة إلى تنظيم ذي أخلاق؟ يكفينا التنظيم كيفما كانت أخلاقه بما انه ضرورة حركية، ثم هل نحن في حاجة إلى تنظيم أصلا؟ التنظيم التنظيم؟ ما بال الناس والتنظيم؟ ما بال الاسلاميين بالخصوص والتنظيم؟ ترى هل كان اعتماد أسلوب العمل الاسلامي المنظم طريقا سالكا إلى الخلافة الموعودة؟ هل فشل التنظيم الاسلامي كمؤسسة سياسية فاعلة في حشد الجهود وتنظيمها للوصول إلى الغاية الاستخلافية [4] في الارض؟ هل نجح التنظيم الاسلامي في الارتقاء بالتربية والزحف نحو الدولة الاسلامية التي تنشر العدل على رؤوس الانسان وفوق الجبال؟

    لا نملك أجوبة على هذه الاسئلة، فقد يكون التنظيم قد نجح في ذلك ولم ير الناس شيئا، وقد يكون ضل السبيل وهو يحسب أنه من المهتدين، وقد يكون قد خلط عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليه، لكننا من موقعنا نرى أن الحركة التصحيحية للمسار والضوابط هي عملية ضرورية، بل ويجب أن تكون مستمرة ومتكررة باستمرار العمل، بالضبط كما يتم تجديد نية الافراد كل حين. دعني من الجلابيب البيضاء الناصعة الدكتاتورية المسربلة بالدين التي تعتقد أنها تحكم بأمر الله وأن الله فضلها على العالمين، لا فهم الا فهمها ولا تنظيم الا تحت مسؤوليتها، هذه الكارثة العظمى والجرثومة القابعة في دم التنظيمات تؤدي إلى الهذيان، فيصبح المسؤول ذو الرتبة التنظيمية هارفا بما لا يعرف، تُسكره لذة الرئاسة، تُغشي عينيه عن الحقائق فيتخذ القرارات التي لا أساس لها تماما كما يهذي المهووسون بالسلطة بينما تنهار كراسيهم في الواقع، تطغيه كسوة الرتبة فيعتدي على حرمات المؤمنين، ينظر إلى الناس من علياء رتبته، ويستحوذ على مادة الفهم، فهو الفاهم وحده دون غيره.

    المهووسون بالسلطة داخل التنظيم الاسلامي مثلهم مثل طغاة الأنظمة الشمولية [5] عندما يعتقدون أن الله لم يخلق زعيما غيرهم.

    نتساءل أيضا، ما علاقة التنظيم "الرجل" الشهم ذي المروءة بالتربية والسير والفهم والنية والنتائج؟ إن السؤال يُفهم من خلال سياق حديثنا عن كل هذه المؤسسات التربوية والفكرية السياسية عندما نربط ما بين الفرد والتنظيم، فالأفراد عندما يتعاملون مع التنظيم الذي يتموقعون في هياكله لا يمكنهم أن يخرجوا عن إحدى حالتين، فهم إما أن يجدوا تنظيما "رجلا" ذي شهامة، تنظيما ذي نخوة ورجولة ومروءة وأخلاق، وإما أن يجدوا أنفسهم أمام تنظيم "شماتة" تنظيم منافق خبيث، لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة [6].

    "الإل" في اللغة هي القرابة، فالذين لا يرقبون الإل لا يحترمون قريبا ذي رحم، قال حسان بن ثابت في إحدى قصائده: " لَعَمْــرُكَ إِنَّ إِلَّــكَ مِــنْ قُـرَيْشٍ، كَــإلِّ السَّــقْبِ مِــنْ رَأْلِ النَّعـامِ". ويُفهم في سياق آخر أن "الإل" الذي يجب أن يَرقُب الظاهرون (الغالبون) فيه المؤمنين هو الإلـه، فالذي لا يرقُب في مؤمن إلا كأنما لا يراقب الله في تعامله مع المؤمنين، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيدا بن يزيد الأزدي فقال له: " أوصيك أن تستحيي من الله عز وجل كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك ". رواه أحمد وغيره.

    وعليه فإن التنظيم الذي من المفروض أنه بمرجعية اسلامية يجب أن يخضع للقواعد الشرعية، على الأقل في شقها المتعلق بالذات، بالأعضاء المكونين لهذا التنظيم، فمعاني الاسلام يجب أن تتمثل ويتم هيكلتها تنظيميا لا أن يُسمح بخرقها، اللهم في حدود الخطأ الشخصي، بمفهوم المخالفة لا يجب أن يُهيكل الظلم والاحتقار فيصبح طاغوتا منظما له مؤسسات ساهرة على قهر العباد بميزانيات ووسائل ومقدرات من المفروض أن تكون موجهة للخارج، للعدو الخائن الغاصب للسلطة والمال والدين لا للمؤمنين الذين يبذلون الغالي والنفيس من أجل نصرة كلمة الله.

    الرجولة يجب أن تتمثل في التنظيم عبر قوانين ومؤسسات، ويجب أن تتمثل في المسؤولين داخل التنظيم بصفة شخصية باعتبارهم ممثلين قانونيين للتنظيم، فالمسؤول يجب أن يسهر على تكريس الرجولة داخل الصف بالنموذج أولا، ثم بعد ذلك بالبرامج والوسائل البيداغوجية والتربوية التي يعمل بها على ترسيخ الفهوم وتنزيل التوجهات الكبرى للمدرسة، هذه الرجولة تخلق أجواء الثقة داخل التنظيم وتشجع الاعضاء على مزيد من البذل والعطاء في طريق الله وطريق الدعوة إليه، تخلق الثقة والأمان في التنظيم، أما حين يطعن التنظيم أبناءه في ظهورهم بوسائله الخبيثة التي يستقي معانيها من الفهم الميكيافيلي وكتب دهانقة السياسة الغربية وتاريخ الطغاة العرب، فإن الأمر يوشك أن يخرج عن سياق إقامة الدولة الاسلامية بل ومن سياق الاسلام بالمرة ويرتمي في أحضان فلسفة الممكن ومنطق السياسة من أجل المنصب.

    على أننا نجعل من الرجولة أصلا في الذكورة، لا نتبرأ من الرجولة التي يعتبرها رجال ونساء اليوم عيبا، الرجولة شرف وكل ذكر رجل بالفطرة إلا أن يمسخ رجولته ويحول نفسه إلى امرأة تبعا للهجمة الثقافية الشيطانية مكرسا بذلك وضعية "المرأة ما فوق القانون" أو "الرجل تحت المرأة"، فالذكر وإن كان ليس بالضرورة رجلا فإنه أقرب، طينته الذكورية تجعله أقرب إلى أخلاق الرجال المترفعة عن كيد النساء العظيم في خسته، أما الانثى فقد تتمتع بخصال الرجولة في حالات ضيقة ومحدودة إذا وجدت المناخ الديني والتربوي المساعد، وإلا فإن الاصل في المرأة أن تجنح بالطبيعة إلى الحضيض.

    نرجع إلى المعاني الأخلاقية للرجولة التي جاء بها كتاب الله دون أن ننسى معاني الرجولة الذكورية، قال تعالى: " رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ. ." [7]، فالرجولة وفق كتاب الله تحمل معاني الإكثار من ذكر الله والاعراض عن متاع الدنيا وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، القرآن الكريم قال رجال ولم يقل نساء لأن النساء أبعد شيء عن ذكر الله لغلبة الدنيا عليهن، النساء دنيا وشيء من الدنيا، لا يشغلهن سوى الدنيا وبهرجها، فالمرأة دنيا، وهي زينة الدنيا وشهوتها، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة التي نشأت في بيت الاخلاق والدين، أما إذا لم تكن صالحة فهي قاع الدنيا وحضيضها، المرأة كانت تشترى بالمال منذ الأزل كأنها متاع من أمتعة الدنيا، وهي اليوم تباع بطرق عصرية تريد أن تقول أن الرجل القديم كان متخلفا، لكنه نفس المبدأ لم يتغير، فالمرأة نفسها ما تزال إلى اليوم تطلب ثمنا عن نفسها وتبحث عن الرجل الذي يدفع أكثر.

    خصلة الرجال الثانية هي الصدق، قال تعالى: " مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً" [8].، صدق الحديث وصدق العهد، ومن صفات الشمايت كذب الحديث وخيانة العهد، الشمايت يقتربون من صفات النساء ويبتعدون عن صفات الرجال، فهم مخنثون، لا رجولة لهم، لا صدق لهم ولا عهد ولا كلمة، والقرآن الكريم قال أن ليس كل المؤمنين من هذه الطينة، فليس كل مؤمن رجل، بل هناك فئة فقط من المؤمنين رجال، فالكثير من الذكور في صفوف الاسلاميين يتخلون عن فطرتهم التي جبلهم الله عليها وهي الرجولة ويلتحقون بالنساء في إطار ثقافة مساواة الرجال بالنساء في مشهد مؤسف يزيد من انحطاط المجتمع وانتكاسة الخطاب الاسلامي.

    الرجل بفطرته شهم، يحارب بشرف ولا يغدر، لا يضرب تحت الحزام بل يضرب في الوجه، لا يكذب ولا يستعمل الوسائل المنحطة لقضاء مصالحه، لا يخدع إلا في الحروب، لا يغدر ولا يرجع في منتصف الطريق، مقدام شجاع يتحمل الضربات، يموت ولا تسقط كلمته ولا يسقط عهده ولا تسقط هيبته، يتعامل بعقل ومنطق، يضبط أعصابه إلا أن يصاب بانهيار عصبي أو يتحمل ما لا يُحمل، ولذلك كان الرجل قواما على المرأة، مسؤولا عن الأسرة، قواما لا بالمال بل بذكوريته، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قواما على خديجة بماله، بل كان قواما عليها برجولته، قواما بالفطرة [9] التي تجعل الرجل قواما على المرأة، بالفطرة ومن بينها المؤهلات الذكورية التي ميز الله بها الرجل عن المرأة، فالرجال قوامون على النساء بما فضلهم الله به عن النساء من صفات الرجولة ثم بعد ذلك بنفقة أموالهم، قال تعالى: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ [10] وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرً" [11].

    قال ابن عباس في شرح آية الرجال قوامون على النساء: " أمراء عليهن". فابن عباس وهو عالم الأمة وحبرها لم ير بالمساواة بين الرجل والمرأة، بل جعل الرجل سيدا وأميرا على المرأة وله عليها حق الطاعة لا حق المساواة، لاحظ معي أن الرجال قوامون بمعنى رؤساء وأمراء، والقائم بأمور البيت والآمر والناهي فيه هو الرجل وليس المرأة ولا مساواة في ذلك بينهما [12]، كما أن الله قيوم السماوات والارض والقائم على تدبير شؤون السماء والارض لا يشاركه في ذلك إلاهة، والله سبحانه كرم الرجل بالقوامة والرئاسة داخل بيت الزوجية ولم يذله كما أذله الفكر الوضعي بالمساواة، الله سبحانه كرم الرجل ورفعه على المرأة درجة، "وللرجال عليهن درجة" [13]، والناشز زوجة رفضت تلك الدرجة وخرجت عن الطاعة وأصبحت مسترجلة تريد المساواة مع الرجل في الدرجة فاستحقت الضرب الخفيف حتى تطيع [14] ويزول نشوزها، فإذا أطاعت زوجها فلا ضرب خفيف ولا ثقيل ولا هجر، بل هو عودة الى المودة والرحمة في كنف الرجل وتحت جناحه وقوامته.

    ولذلك أيضا جعل الله الطلاق [15] بيد الرجل ولم يجعله بيد المرأة حتى جعله القانون بيدها [16]، فالرجل في الشريعة الاسلامية هو المتحكم في العلاقة الزوجية، وله حق الطاعة على الزوجة، وفوق ذلك كله معاني روحية اختص الله سبحانه بها الرجل، فجعل الأمانة الإلاهية بين جنبيه واختصه بالرسالة والنبوة والإمامة وحمل كلمة الله، بل وجعل قلبه عرشا لله حينما يسلك مسلك الرجال، رجال الله، قال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا. . ." [17]. رجالا يوحى إليهم.

    لا يتسع المجال لذكر خصال الرجل والملكات التي خصه الله بها، وليس الذكر كالأنثى، لكننا نحاول أن نجعل من الرجولة أخلاق تنظيم وفلسفة تنظيمية تغرس في الوافدين وفي المسؤولين قبل ذلك، نريد أن يكون التنظيم رجلا لا امرأة، نريد أن يسود التنظيم الرجالي التنظيم النسائي لا أن يتساوى معه، نريد أن يتعامل التنظيم بأخلاق الرجولة، نريد أن يفتخر الرجال برجولتهم لا أن يتشبهوا بالنساء، فما ينبغي أن يتأنث التنظيم الاسلامي ويتخنث ويتساوى بالنساء ويتعامل بأخلاق النساء فيصبح مرتعا للغدر والنميمة والمكر والتسميم والدعارة السياسية والأخلاقية وكفران العشير والإطاحة بالمؤمنين مع أول خطأ وأول فرصة.

    هذا أمر لن يتحقق إذا تم إقصاء الرجال والتمكين للنساء والمخنثين تماشيا مع الثقافة الحداثية الجديدة، لن يتم إذا نشر التنظيم في صفوفه أخلاق الكيد والغدر، فخراب التنظيم الاسلامي في سيطرة النساء والمخنثين المدلسين المجردين من صفات الرجولة والشهامة والنخوة، تماما كما خربت أنظمة عديدة ومجتمعات كثيرة جعلت المرأة سيدا والرجل تابعا، والدعاة على أبواب الخيانة والعمالة والركوع والمكر وتدمير الحصيلة الايمانية الجماعية حريصون كل الحرص على تدمير الرجولة والتمكين للأنوثة والخنوثة، وكل ذلك بالقانون.


    📌 الهوامش

    1. [1] سورة الأحزاب، الآية 23
    2. [2] سورة النور، الآية 36
    3. [3] الشخصية المعنوية هي الهيئات والمؤسسات والجماعات التي يريد القانون أن يعترف بها، ويعطيها الحق في ممارسة كافة أنواع التصرفات القانونية في التعامل، وفي اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، وأن يكون لها ذمة مالية مستقلة شأنها في ذلك شأن الأشخاص الطبيعيين، والقانون بفعل ذلك لتمكينها من مزاولة نشاطها الاقتصادي أو السياسي بصفة مستقلة عن الأشخاص الطبيعيين المكونين لها.
    4. [4] الغاية الاستخلافية هي إقامة العدل عن طريق إقامة الدولة الاسلامية وفق المنظور الشرعي، وهناك الغاية الاحسانية وهي قضية الانسان مع الله، بمعنى بلوغ أعلى مراتب الايمان والاحسان، وآخرها أن تعبد الله كأنك تراه.
    5. [5] الانظمة الشمولية نوع كارثي من الانظمة السلطوية، فمصطلح " نظام سلطوي" يدل على حالة يكون فيها صاحب السلطة واحد وهو الديكتاتور، أما النظام الشمولي فهو أكثر سلطوية، ذلك أنه يحاول السيطرة على كل جوانب الحياة الاجتماعية تقريبا بما في ذلك التعليم والفن والحياة الخاصة للمواطنين، فالنظام الشمولي له إيديولوجيا معلنة رسميا أو غير معلنة تخترق أعمق هياكل المجتمع ويسعى إلى السيطرة تماما على أفكار وأفعال المواطنين، الشمولية أكثر كارثية من الدكتاتورية، فهي نسخة متطرفة منها.
    6. [6] (7) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ" سورة التوبة.
    7. [7] سورة النور، آية 37
    8. [8] الأحزاب، 23.
    9. [9] فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الروم من الآية: 30
    10. [10] يقول ابن كثير في تفسيره: " لأن الرجال أفضل من النساء والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الإمامة السياسية والدينية لقوله صلى الله عليه وسلم: « لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» صحيح البخاري 4425. وقَالَ الشَّافِعِيُّ في الأم (1/191: " وَإِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ ذُكُورٍ فَصَلاةُ النِّسَاءِ مُجْزِئَةٌ وَصَلاةُ الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ الذُّكُورِ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الرِّجَالَ قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاءِ وَقَصَرَهُنَّ عَنْ أَنْ يَكُنَّ أَوْلِيَاءَ، وَلا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ إمَامَ رَجُلٍ فِي صَلاةٍ بِحَالٍ أَبَدًا " انتهى.
    11. [11] النساء، 34
    12. [12] عملت مدونة الأسرة على تفعيل مبدأ المساواة بين الزوجين، إذ أصبحت الزوجة، متساوية مع زوجها في رعاية الأسرة وذلك على عكس مدونة الأحوال الشخصية (المدونة السابقة) التي كانت تضع رعاية الأسرة بيد الزوج وفق الشريعة الاسلامية.
    13. [13] البقرة، 228.
    14. [14] وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ.
    15. [15] " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ" الطلاق، آية1.
    16. [16] " الطلاق حل ميثاق الزوجية، يمارسه الزوج والزوجة" المادة 78 من مدونة الاسرة.
    17. [17] سورة يوسف، آية 109

    ◀ الفصل السابق: ثورة أم تنويم؟

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: طاحونة التنظيم

📚 المكتبة القانونية