📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 52 من 77 — فهرس الكتاب
الفصل داخل التنظيم مسطرة غير تواجهية، فهي تتم في غيبة المفصول، بعيدا عن أي قانون واضح ودون أي أجهزة قضائية داخلية عادلة ومحايدة، يحضر الخصم لوحده وهو التنظيم، يلبس جبة سلطة الاتهام، يستمع الى مسؤوليه فقط، يصعد الى المنصة ويصدر حكم الفصل التنظيمي دون حتى أن يستدعي الشخص موضوع الفصل ودون أن يستمع منه، وأحيانا يتخذ القرار ولا يعلن عنه الا في الساعة الاكثر إيجاعا.
الكفار لديهم عدالة أفضل من عدالة التنظيم الاسلامي، وما يسمونها دولة مستبدة لديها عدالة أفضل من هاته.
كنت دائما أتساءل لماذا الفصل؟ وكنت أجد أمامي دائما جوابا واحدا، لقد ارتكب صاحبنا أمرا أخلاقيا خطيرا لا يغتفر، أو خطأ تنظيميا عبارة عن خيانة عظمى للتنظيم أو تخليطا في الولاءات السياسية أو الروحية من أوراد وشيخ، وفي المرحلة التي كنت فيها إمعة تابعا يُصدِق كل ما يقال له كنت أعتقد كالجميع أن الشخص المفصول هو إبليس نفسه، فكنت أبتعد عنه كما يبتعد المسؤولون عنه، أغلق أقفال قلبي عليه كُلما رأيت المسؤولين التنظيميين الأسمى مني يتهكمون عليه ويقللون من قدره، أهرب منه كما يهرب منه جميع الاخوان ولا أسلم عليه إلا على مضض تماشيا مع تعليمات التنظيم، فالتعليمات تأتي في صورة توحي وكأن المفصول من التنظيم مجرم خطير وشيطان رجيم لا يجب الاقتراب منه.
لكن الحقيقة أنني كنت دائما متعاطفا في قرارة نفسي مع المفصولين، كنت دائما أحمل قلبا حنونا على الناس وعلى المؤمنين خاصة، ذلك أن فصلهم كان يشكل ضربة بالأساس إلى الجماعة ككل وليس إلى أشخاصهم فقط، كنت أرى فصلهم فقدانا لطاقات ثمينة، خاصة أن كل المفصولين كانوا من الكوادر النشيطة وفقهاء التنظيم والسابقين في التربية، فالأشخاص العادية لا تُفصل، بل تغادر من تلقاء نفسها، أما الرجال الذين قدموا الشيء الكثير للجماعة ويملكون صفات القيادة والفهم والتأثير ويشكلون خطرا على التنظيم فهم المعرضون دائما للفصل.
لذلك يقطع التنظيم رؤوس الشخصيات الوازنة بدون رحمة عندما يستلزم الأمر ذلك تباعا لمصلحته لأنهم لن يتساقطوا أبدا من تلقاء أنفسهم، ينزع منهم هيبتهم التربوية بالضربة الاخلاقية والنميمة ثم ينزع عنهم قوتهم التنظيمية بالفصل والتعبئة التحتية، فيصبحون نكرة بعدما كانوا معرفين، يُنهي وجودهم السياسي فلا هم مع النظام ولا هم مع التنظيم، ينهي انتماءهم الفكري فلا هم علمانيون ولا هم إسلاميون، ثم يكمل جريمته فيضربهم في أرزاقهم ويحاول إسكاتهم، يقطع التنظيم عليهم أرزاقهم المعنوية بحرمانهم من مجالس الايمان ويقوض مكانتهم الاجتماعية بالتشويه ثم يقطع أرزاقهم المادية بالترويج داخليا للمقاطعة المالية أو بالتشجيع على فتح مشاريع منافسة.
الفصل أكبر المصائب واللعنات التي أصابت التنظيم الاسلامي، أكبر كارثة وقعت في تاريخ الاسلاميين عامة، أكبر منبع للبغضاء والتطاحن والاحقاد والتراشق الليلي بالدعاء، الفصل جاء به الطغاة الذين حكموا التنظيم بعد رأفة جيل الربانيين، جاؤوا به ليقطعوا رؤوس المؤمنين المنافسين لهم على المناصب، استحدثوه سيفا مصطتا على رؤوس الذين يتحركون بشيء من الحرية والابداع، إرثا موروثا من الانظمة السياسية الجاثمة عل صدور المسلمين منذ قرون، تجل من تجليات الدكتاتورية التنظيمية السياسية المريضة المزروعة بين المسلمين على طول تاريخهم السياسي الاسود، خُلق كريه من أخلاق الاسلاميين داخل التنظيم الاسلامي هو ذلك الفصل التنظيمي، وأحيانا ينزل من مرتبة الخلق الكريه إلى دركة الجريمة السياسية.
أكثر شيء دمر الاسلاميين هو فصل بعضهم لبعض، ولو كان الامر بيدي لمنعت الفصل نهائيا ولجعلت من يفصل أخاه عبرة لمن يعتبر، كيف جعل التنظيم المؤمنين عن طريق الفصل لعبة بين أيدي المسؤولين؟ كيف تفصل يا عدو الله مؤمنا قضى نحبه في خدمة الدعوة والتنظيم؟ من أعطاك سلطة اللعب بمصائر المؤمنين وآخرتهم ودنياهم؟ كيف تفصل أخاك فقط لأن بارقة السلطة برقت في عينيك فذبحته تنظيميا كي تستفرد بالمؤمنين وبالسلطة وبالمكانة التربوية داخل الصف؟ كي فعلت ذلك؟ وأي شيطان رجيم هذا الذي أوحى إليك بذلك؟ كيف استطعت أن تجعل عرق أخاك وجهاده طيلة سنوات هباء منثورا وفصلته لأتفه سبب كي يستتب لك الحكم الديني التنظيمي على المؤمنين المستضعفين يا أحقر ما رأت عيني.
إن الكلمات لا تكفي لوصف معاناة المفصولين من التنظيم، بل يجب أن تنتج أفلام تروي كيف تقطعت عروقهم وأوصالهم وأعصابهم وتدمرت أخلاقهم وتربيتهم ودنياهم، يجب أن تضاف هذه الجريمة إلى الوعاء الجنائي باعتبارها جريمة من أكبر الجرائم التي تدمر حياة الافراد والاسر والبيوت والارواح والقلوب، جريمة فساد وأي جريمة هي الفصل التنظيمي، جريمة حقيرة يقوم بها الانذال المسؤولون داخل التنظيم الاسلامي بكل حقارة ووضاعة ونذالة، وقد رأيت غير ما مرة كيف يفعلون ذلك، رأيت كيف يعبؤون لها قبلا، وكيف ينفذونها كالذئاب، يقتنصون الفريسة المؤمنة بكل خبث حتى تُذبح تنظيميا، رأيت كيف يدفعون الفريسة أحيانا أخرى إلى المصيدة بالنميمة والتعبئة التحتية والتهميش والضغط العصبي الذي يؤدي ذلك إلى ارتكاب بعض الاخطاء، رأيت كيف يضربون تحت الحزام ويدخلون البيوت على الزوجات للتجسس وكيف يُشهرون بالمعني بالامر وكيف يأكلون لحمه وكيف يجمعون له من كل شيء.
إن السلطة المطلقة فساد مطلق، والسلطة داخل التنظيم الاسلامي سلطة مطلقة ولذلك فهي فساد كبير، فساد ديني وسياسي وتنظيمي وأسري واجتماعي، قنبلة مدمرة تأتي على جميع الكتلة المكونة للجسم الإيماني، خراب مطلق للذمم والقلوب، وقد رأيت كيف أن هامات سامقة بعد أن أسقطها ذئاب التنظيم أصبحت تتوسل الرجوع على باب التنظيم بكل ذل كي تنجو من الاعدام الإيماني والاجتماعي والسياسي في مشهد مقزز، وجوه كريمة عزيزة أضحت تتوسل أنذال التنظيم، قاسية هي سكين الفصل، تذبح كل آمالك وجهودك ولحظاتك الجميلة وسنواتك الطويلة مع الصف الاخوي، تطعنك في كل شبر في جسمك وروحك، تُسهرك ليالي الألم والحسرة والندم والغدر.
شخصيا عندما كنت مسؤولا تنظيميا لم أفكر يوما في فصل أحد، ذلك أنني ببساطة لست نذلا، بل كنت دائما أفكر كيف أقدم إضافات تربوية وفكرية وتنظيمية لمن هم تحت مسؤوليتي، حتى المفصولين كمن أفكر كيف أنقذهم من المصير المجهول الذي ينتظرهم وكيف آخذ بيدهم لتخطي غدرة التنظيم، وعندما كان يفصل المسؤولون أحدا من الإخوة المقربين كنت أقصده خلسة أحدثه بالساعات الطوال أخفف عنه، لم أكن أفرط بسهولة في الرابطة الايمانية والاخوية التي تجمعني بالإخوان داخل التنظيم، كنت أحاول أن أسقي المفصول منهم بـقليل من رحيق الايمان الذي أحمله كي لا يسقط تربويا على أم رأسه، كي لا يجف قلبه ويموت الموتة الروحية التي يتمناها له التنظيم، في نفس الوقت كان المسؤولون التنظيميون يتشفون فيه ويتلذذون بعذابه وينسبون ذلك إلى انتقام الله لهم لعظيم شأنهم عند الله، يفعلونها بأيديهم وينسبونها الى الله، يلحقون قرارات التنظيم الجائرة بالذات الالاهية، يوحون إليك أنهم مع الله ومن الله وأن الله يدافع عنهم لأنهم أمراء التنظيم الاسلامي الذي يحميه الله.
إنني أؤمن فعلا أن جماعة المؤمنين يؤيدها الله دائما، ويؤيد تنظيمها الذي يسهر على ضبط شؤونها الادارية متى كان فعلا منسجما معها، فالربانية فعلا محط التأييد الالاهي، لكن الطغمة التنظيمية الحقيرة التي تفصل المؤمنين ليست من الله في شيء، بل إنها بلاء مسلط على المؤمنين، إنها شيطان، ليست سوى كلاب برية خلقها الله لتفترس الكائنات الجميلة التي تعتقد أن الله سينقذها لجمالها ودينها، تنسى أن الله لا ينزل لينقذ أحدا إلا من وراء حجاب بالعناية الخفية، فالدنيا دار حكمة وليست دار قدرة، والكلاب البرية المنظمة المتآزرة بالتنظيم تعتقد أن الله فضلها على العالمين بأنيابها التنظيمية، تجعل مناط الأفضلية في المرتبة التنظيمية، تجعل الأنياب دليلا على ولايتها لله، ويكتوي بعد ذلك المؤمنون الطيبون بنار حسن نيتهم التي لا تميز بين الدين والتنظيم، يفهمون لاحقا أن التنظيم مصلحة وحقارة ودهاء ومكر وقسوة قلب وقتل وفصل، إنه ليس دينا وإيمانا ورحمة وأخوة وطيبوبة قلب، لكنهم يفهمون ذلك للأسف متأخرين.
من المؤمنين من تنزل عليه سكين الفصل فيظل المسكين سنين طويلة يتوسل التنظيم كي يحن عليه ويرجعه إلى مجالس الايمان، يفقد كرامته وماء وجهه وهو يتمسكن بين يدي مسؤولين لا يملكون سوى مناصب تنظيمية كي ينعموا عليه بالحق في ولوج مجالس ذكر الله، يفعل في سبيل ذلك كل حيلة ويتحمل كل ذل ومهانة، يسقط الدرويش في مصيدة أخرى وهي مصيبة المداهنة والاطناب في تزكية المسؤولين التنظيميين ورفعهم إلى مصاف الصالحين، يفعل بالضبط ما يفعله علماء البلاط أمام السلاطين، معنى ذلك أن التنظيم الاسلامي ليس سوى نسخة معدلة من الانظمة السياسية المستبدة، وهذا خلل جوهري في المنظومة السياسية داخل الحركة الاسلامية التي يعول عليها لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فإذا بها تصنع الطواغيت المتدينة التي يصعب اقتلاعها لاحقا لاعتمادها على مخالب الدين وأنياب التنظيم، تأتينا بدكتاتورية مركبة، تأتينا بنظام شمولي أكثر تعقيدا.
صنف آخر من المؤمنين يفقد كل أمل في التغيير الاسلامي، يصيبه الفصل في قلبه، وجميع المفصولين مصابون في قلوبهم، يكره التنظيم الاسلامي ويكاد يكفر بالإسلام جملة، يضع الكل في سلة واحدة، يحلق لحيته ويلتحق بأقرب حانة، يسود قلبه على الدين ويظل يتساءل دائما هل هذا هو الاسلام الذي كنا نعمل ليل نهار كي يسود؟
إن المكيافيلية الاسلامية التي تسيطر الان على التنظيم الاسلامي قد جنت على الدين جملة، وقد قيل قديما إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، هذه الطغمة المكيافيلية ما كان يجب أن يُسمح لها بالوصول إلى السلطة داخل التنظيم الاسلامي والسيطرة على مفاصله وفصل المؤمنين، بل كان يجب ان توضع آليات قانونية للبت في النزاعات داخل الصف الاسلامي، وآليات أخرى لتقلد المناصب، كان يجب أن توضع مؤسسات نزيهة للفصل في الخلافات التنظيمية، كان يجب أن ترسى مؤسسات لوقف الحسد القلبي الذي يتجسد في تصرفات تنظيمية تفصل الاخر، أخطاء تنظيمية وقلة تخطيط وإهمال وأحيانا اختراق ومكر مُبيت أدى إلى هذه الحالة من الاعتداءات التنظيمية التي راح ضحيتها خيرة المؤمنين الطيبين النشيطين.
من هؤلاء الطيبين من تكمش في داره، عابدا ساجدا صائما منتظرا ساعة الموت، زهد في التنظيم والدعوة والجهاد ولزم خويصة نفسه، وجدها فرصة للخلوة والتسبيح بحمد الله، وهناك من تناسى الأمر وحمل في قلبه جمرة الحقد وعافس الناس كي ينسى أو يتناسى الذبح التنظيمي، وهناك من كفر بالله وبالإسلام جملة وخرج يلعن كل ما يتعلق بالدين والتنظيم الاسلامي، وهناك من انتحر وترامى في حضن العاهرات والخمر لعله ينسى الطعنة، وهناك من يعمل على تشكيل تنظيم آخر لينتقم من التنظيم الحالي، وهناك من التحق بالجهة المقابلة لعله ينجو بحياته المادية كي لا يتشفى التنظيم فيه، وهناك من يفكر كيف يصفي مسؤولي التنظيم واحدا واحدا، وهناك من يبيت يلعنهم ويدعو الله عليهم فوق سجادته، وهناك وهناك، كل هؤلاء تجمعهم مسلخة الفصل، كل وطريقة ذبحه وسلخه، أما ذئاب التنظيم المجرمون فهم يتنعمون في مسؤولياتهم التنظيمية ويترأسون مجالس الايمان، ينشدون على رؤوس المؤمنين أناشيد الزهد والمحبة والوفاء والأخوة والاخرة، يتمطون في مشيتهم ويتعوجون فيها متمايلين يمنة ويسرة، ها نحن عباد الله المصطفين الاخيار، المصطفين الذين اصطفانا الله لتنظيمه المختار وجعلنا من عباده المسؤولين، وقد رأى الله صلاحنا فاختارنا لنكون الرؤساء، نحن المسؤولين الفاهمين لكل شيء. كلام فرعوني قديم جديد، يقال لتغطية الجرائم.
ما زلت إلى يومنا هذا أعتقد ان أكبر جريمة وقعت داخل الصف الاسلامي هي جريمة الفصل، ذلك أن النتائج الكارثية التي حصلت بسبب هذه الجريمة لا يمكن تصورها، فالفصل طعنة غدر وإلقاء بالمؤمن إلى حضن السباع والاعداء ليفترسوه حيا، دفع بالمؤمن إلى الشيطان شخصيا، إلقاء بالمؤمن إلى بئر يوسف حيث أفاعي الدنيا وشياطين الانس ومردة إبليس، وبالبحث في فلسفة الفصل نتساءل هل هو تطهير للصف من الشياطين لبقاء الملائكة هانئين؟ هل التنظيم مجموعة من الملائكة الطاهرين يفصلون كل متسخ؟ أم أن الأمر عقاب تنظيمي عسكري ضد العناصر التي تشوش على النظام العام للتنظيم؟
من يريد الحقيقة أقول له إن مبررات الفصل لم تكن يوما كافية، ولم تكن يوما حتى مهددة لسمعة التنظيم، بل إن التنظيم هو نفسه من يشوه سمعة أعضائه أمام الناس قبل فصلهم، ومن يريد الحقيقة المرة أقول له إن التنظيم الاسلامي ليس مجموعة من الملائكة، بل هو يضم كثيرا من العصاة والزناة والسارقين والمتكبرين والظالمين والعملاء والحاسدين والنمامين والمرضى نفسيا ومساخيط المرشد والوالدين، أعرف الكثير منهم بأسمائهم، وبجانبهم أيضا صالحون أنقياء طاهرون يعصون الله في صغائر الأمور، يسددون ويقاربون ثم يستغفرون.
والبقية مجموعة من الساكتين يحكمهم من يتقن فن الكلام، هؤلاء الساكتون يغطي التنظيم كوارثهم إلى حين، ومن ينتقد أو يعارض المسؤولين تُعرى سوأته تنظيميا واجتماعيا، ومن يخالف السير السياسي والفكري والتنظيمي يضرب تحت الحزام، ومن يطغى عليه التوجه الايماني التربوي غير مرحب به مع الذئاب التنظيمية التي تكره الايمان والتربية وتعشق السياسة والسلطة، وقد رأيت غير ما مرة كيف يدافع التنظيم عن شخص مذنب لأنه ساكت مدافع عن التنظيم ثم لا يلبث أن يفصله لنفس السبب لأنه اختلف مع التنظيم، يروج داخل أروقة التنظيم كلاما، ثم يروج عكسه إذا أراد، بينما ينعق الناعقون دائما باع باع، عاش المسؤول عاش ولي الله المسؤول.
يكذب التنظيم على المؤمنين ويوجه الرأي العام الداخلي بالكذب حسب رغبة المسؤولين، تدليس تنظيمي لا يمكن أن يسقط نظاما سياسيا ويؤسس دولة اسلامية.
نستشف من ذلك أن المفصولين ليسوا سوى أرقام أسقطها التنظيم لحسابات تنظيمية وليس لطهارة أحد أو صلاح أحد، وإلا فالجميع مُذنب ومُقصر عاصي، والمفروض أن سِتر المؤمن لأخيه المؤمن داخل التنظيم واجب والحفر له غدر، فالمفصولون ليسوا شياطين والباقون داخل التنظيم ليسوا ملائكة، واللعب بالكلام التربوي من قبيل أن الملك لله يتصرف في ملكه كما يشاء كلام ينم عن نفاق كبير ومروق من الدين، لو كان الملك لله ما كنت لتفصل أخاك بيديك بل كنت انتظرت الله ليفصله، والله قادر على تخليص التنظيم الصالح من العناصر الفاسدة دون أن تفصله أنت، فقط ثق في الله ولا تفصل أحدا وسوف تتدخل قدرة الله وتفصله إن كان فاسدا، كن مؤمنا بالله وبقدرته ودع الله يفعل ذلك.
أعود وأقول أن الحقيقة التي أيقنت منها هي أن الجميع في نظر التنظيم مجرد أرقام، رقم تنظيمي في جدول أرقام، والتنظيم مستعد لمسح أي رقم وفي أي وقت متى أراد المسؤول ذلك ومتى رأى التنظيم مصلحة في ذلك، فالمؤمن لا يساوي شيئا في ميزان التنظيم، مجرد أداة تستعمل لقضاء الاهداف التنظيمية رغم تلك الابتسامة الايمانية الحنونة المزيفة التي يتم تصنعها، الرقم التنظيمي يرمى فور قضاء الحاجة خصوصا لو تعرض لمرض أو حاجة أو فتنة، فليس للتنظيم ما يعطيه إلا أن يأخذ، والعناصر المريضة أو المحتاجة أو المبتلاة لا مكان لها في التنظيم، وهنا كي لا ينكشف خبث التنظيم ومصلحيته يتم الفصل ضمنيا عن طريق النسيان والتهميش، وإذا استنكر المعني ذلك يتم القضاء عليه بسرعة لأنه يكون في حالة ضعف و عوز والناس عادة لا تستمع إلى المطحون بل تحترم القوي الناجح الميسور، وكذلك إخوان الصف لا يستمعون للضعيف المبتلى بل ينصتون بخشوع للطاغية المسؤول الميسور.
إنه لا جريمة تعلو داخل الصف على جريمة الفصل، وسيحاسب الله كل من فصل أخاه أشد الحساب، وسيلعن الناس يوما من فصل المؤمنين، بل سيأتي اليوم الذي ينتقم فيه المفصولون من المجرمين، انتقاما ماديا أو معنويا، فالجرائم لا تذهب سدى، وسينتقم الله من التنظيم الذي يُسمح للطغاة فيه بفصل المؤمنين، سيشتته الله ألف قطعة، سيفشل المشروع وينتهي التنظيم إلى القُمامة السياسية، فمن حيث يظن المكر أنه قادر على إقامة الخلافة النبوية سيثبت الله أن الخلافة لن يؤسسها مكيافيلي، الخلافة لن يؤسسها الغدر والفصل، فاشل فاشل هو التنظيم الاسلامي الذي يفصل المؤمنين، حاشا أن يقيم الله على يديه خلافة نبوية راشدة.
أتصور لو كان التنظيم الاسلامي أخويا كما هي أدبياته كيف كان سيكون حال الأمة وحال المؤمنين، لو كان التنظيم دون عقلية الفصل والذبح لكان التنظيم قطع أشواطا كبيرة نحو إقامة دولة العدل، وهذه الدماء المهروقة الان على مسلخ التنظيم عائق أمام الفتح الأرضي، مؤمنون مظلومون يقيمون كل ليلة مآتم الحزن يلعنون فيها التنظيم والمسؤولين عليه، يدعون الله من أعماق قلوبهم أن ينتقم لهم من الوحوش البشرية التي تسير التنظيم، يتجرعون كل دقيقة مرارة الغدر، لا يكاد مذاق الطعن في الظهر يغادر حلوقهم، يلعنون التنظيم وهم في الشارع في المرحاض في المطبخ في العمل في البحر، يشمئزون من كل حرف يكون كلمة التنظيم "ت ن ظ ي م"، يتقيؤون من كل مسؤول ومن كل سياسي ومن كل ناطق باسم الدين.
أتأمل لماذا غدر التنظيم بالمؤمنين ولماذا احتقرهم ولماذا ذبحهم، أتأمل فلا أجد جوابا سوى تأوهات المظلومين وصفاقة وجوه المسؤولين، وعندما ارى تشفيهم وفرحهم بعذاب المؤمنين أكاد أقول كيف خُدعنا بهؤلاء طيلة هذه السنون، كيف استطاعوا الوصول إلى مناصب المسؤولية؟ أين كانت عقولنا يوم بايعنا المنافقين على الموت في سبيل الله؟
لكني أعيد التأمل من زاوية أخرى فأرى أن الفصل رغم كونه جريمة بشعة في حق خيرة المؤمنين إلا أنه ينذر بولادة جديدة، ولادة أناس لا يخافون إلا الله، أناس سقط من عيونهم كل شيء إلا الله، فأول ما يخرج من قلب المؤمن المفصول ظلما هو التعلق بالناس، يخرج من قلبه كل الولاءات الفكرية والسياسية والتنظيمية، تتقطع في روحه كل الخيوط التي تربطه بالعبد، يصير متعلقا بالله بعدما غدره التنظيم، يفقد الثقة في الجميع، ويثق بالله مخلصا، يعول على الله وعلى الله فقط، حينها يصعب أن ينحشر في زاوية تنظيمية مغلقة، فالذي ينظر إلى الكون الفسيح يستحيل إن يرجع إلى الزاوية الضيقة، ورغم الطعنات التي يلقاها من الاخوان ومن الشياطين خلال سيحانه في البراري الباردة، إلا أنه يكتسب أنفة نفس وحرية فكر وراحة ضمير وقدرة أكبر على المناورة واتخاذ القرارات المصيرية، هذه الولادة الجديدة ينشأ عنها شخص واع قادر على فهم الواقع أكثر، والأجمل من ذلك أنه عندما يلتقي برفاق الفصل تكون المحبة بين هؤلاء أكثر صدقا وإخلاصا لله، وعندها يفكرون جماعة في صياغة لُـحمة جديدة حيث تكون العلاقة القلبية أكثر صفاء وأخوة وفاعلية.
الولادة بعد الفصل تكون ذات بعد شخصي لكنها تحتمل بعدا جماعيا، والاجهاض وارد، فالكثير لا يتخطى الفصل، ويقع في إخفاقات روحية وأخلاقية قاتلة، وتلك غاية التنظيم، هذا الأخير يعض على يديه عندما ينجح المفصول في تخطي مجزرة الفصل ويبدأ في لم شمل روحه وتحقيق النجاحات الدينية والدنيوية ويبدأ في لم شمل المفصولين الاخرين، لكن يبقى الاصل أن ضحية الفصل التنظيمي غالبا ما يسقط في حضن إبليس اللعين، فالتنظيم الذي يفصل يعرف جيدا أكثر من المفصول أنه يرمي به إلى الشيطان ليفعل فيه ما يشاء بعدما كان محميا داخل محمية الجماعة وأسوار التنظيم وروحانية المجالس وتحصين الذكر الجماعي ورياء العبادة الجماعية التي تقيه من تقاعس الوحدة وغلبة الشيطان عليه.
الذئب يأكل من الغنم القاصية، والقاصية هنا هو المؤمن المفصول سواء كان فصلا ظالما أو عادلا، فصلا ضمنيا بالتهميش أو واقعيا بالقرار التنظيمي، ولذلك تجد من المفصولين من وقع في الزنى أو اقترب منه، ومنهم من ابتلي بالخمر أو التدخين، ومنهم من بدأ في الغش والإخلال في المعاملات المالية، ومنهم من أصبح عميلا، ومنهم من عينيه كل الجهات الدينية، بل منهم من يشرع في إنكار حتى الاحاديث النبوية معتقدا أن الاسلام ظالم ومحرف ومزور ولا يستحق أن يكون شريعة للناس، يلتحق بالناس العلمانية أو لنقل العلمانية الحاقدة التي تختلف عن العلمانية الحقيقية حيث يعيش الجميع حرية لا تكبل يد أحد.
أعود لأقول إن الفصل التنظيمي وبال على الاسلام وعلى رفاق الصف الاسلامي، فالذي يفصل أخاه لا يستحق أن يكون في جماعة اسلامية، ولا حجة له إن الجماعة هي جماعة طاهرين ملائكة، فلا وجود لجماعة من الملائكة على الارض، إن الاحزاب اليسارية والعلمانية أكثر مروءة عندما تقبل الاختلاف مع أعضائها ولا تطرد احدا من صفها اللهم أن ينشق من تلقاء نفسه ويؤسس لتنظيم جديد، لكن التنظيم الاسلامي أثبت أنه تنظيم حقير سياسيا وأخلاقيا، فهو يدعي الطهرانية بينما يخفي في تنظيمه المجرمين، يفصل المؤمنين المختلفين معه رأيا أو فكرا أو تربية بجرة قلم في خطوة لم يفعلها حتى الكفار، لم يفعلها أي شيطان مع شياطينه في هذه الأرض وفعلها التنظيم الاسلامي.
لابد أن يدفع التنظيم الاسلامي ثمن جرائمه التنظيمية، ولابد أن يحاسب يوما على تدميره للأسر والعائلات وقلوب المؤمنين وأطفالهم ومواردهم المالية وسمعتم الاجتماعية، لابد أن يدفع التنظيم ثمن حقده ونميمته وفصله وهتكه لأعراض المؤمنين والمؤمنات، لابد أن الله خاذله، ولابد أن الناس معاقبيه، وأول شيء خسره التنظيم هو روابط الثقة بين الاخوان ثم تعاطف الناس الذين صدموا في طريقة تعامله مع عناصره، ثم خسر بعد ذلك هياكله التنظيمية المتحابة وحلت محلها هياكل مصلحية، إنه يخسر الان أعضاءه الصادقين ويربح المنافقين والعملاء، ويربح معهم لعنات كثير من المؤمنين ودعائهم عليه أناء الله وأطراف النهار، كل لحظة تنزل على التنظيم لعنة من مؤمن جريح القلب أو كسير الروح.
لن ينفع التنظيم أكوام من الساكتين الخانعين، ولن ينفعه تنقية الصف من الرجال الاقوياء المؤمنين، لن ينفع التنظيم قتل الارواح الشفافة وتدمير القلوب الطيبة، لن يثمر جهاد يدعيه بأجهزة مخترقة ومسؤولين مصلحيين وقاعدة إمعة، ما هكذا تورد الابل أيها التنظيم الذي انقلب على أولياء الله ودمر قلوبهم وقتل أولادهم، هل أنت سعيد بتدمير قلوب المؤمنين؟ كيف وجدت لذة الفصل؟ هل ارتحت واستقر تنظيمك؟ هل تعيش الطهرانية الان في التنظيم؟ هل تراك اقتربت من تأسيس الدولة الاسلامية؟ أم تراك بلغت الاحسان لكأنك ترى الله في صلاتك؟ كيف وجدت حالك يا عدو الله وحال الدعوة وحال المؤمنين داخل الصف بعد فصل خيرة المؤمنين؟
اعرف جوابك مسبقا، جوابك أن دعوة الله بخير والمؤمنين بخير، لكنك تقصد أن مصالحك في خير وإمعاتك تحت السيطرة، إنك تعرف جيدا أن الدعوة مريضة، طريحة الفراش تعاني، وتعرف أن القلوب غافلة، والارواح مظلمة هابطة ثقيلة والاخلاق سيئة نتنة، تعرف أن ميكيافيليتك لم تنفعك، ودهاءك لم يغلب أنين المؤمنين، ضبطك التنظيمي لم يضبط سوى الضعفاء، وقساوة قلبك لم يُكسبك هيبة الناس، حقدك على الطيبين رجع عليك بالأحقاد مضاعفة، وخططك الخبيثة لم تثمر ما كنت ترجوه، لقد خربت الجماعة يا عدو الله، والآن تُكابر.