المدونة

  • عقوبات تنظيمية أم تصفية حسابات؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 53 من 77 — فهرس الكتاب

    من أحقر الوسائل التي يستعملها المسؤول التنظيمي ليقطع رؤوس منافسيه هي العقوبات التنظيمية، حق يراد به باطل، فالعمل التنظيمي ولو داخل الهيكل الاسلامي الذي يرمي إلى إقامة الخلافة على منهاج النبوة هو ميدان صراع على الرئاسات، وبالتالي فإن المسؤول التنظيمي الذي تراه يدندن صباح مساء حول التربية والزهد والاخوة والتضحية والمحبة والبذل هو أول من يقطع رؤوس الاخوان المنافسين له على المناصب الرئاسية والهالة التربوية، فهو مستعد ليقطع جميع الرؤوس كي تبقى له وحده هالة تربوية يستفرد بها لتركيع الاخوان ومنصب رئاسي يستفرد به لإصدار الأوامر والحفاظ على مصالحه المالية والنفسية.

    ما معنى الفصل في لغة التنظيم؟ معناه بكل بساطة قطع الرأس التنظيمي والتربوي للفرد، وعندما يُراد القتل بشخص يشير المسؤول على المأمور من تحته ويمرر بيده على عنقه، يعني بذلك اذبحوا فلان، تُعقد بعد ذلك اجتماعات تمهيدية شكلية لا معنى لها في ميزان الديمقراطية إلا شرعنة القتل التنظيمي وتنتهي بالفصل ورمي المعني بالأمر إلى خارج التنظيم، وبعد سنة أو سنتين أو أكثر يصبح المقتول مُتشردا على الساحة السياسة والدعوة والتربية، متخبطا بين أرجل شياطين الانس والجن المتربصين به من أيام كان يصول ويجول في التربية والتنظيم، ملعونا من الإخوان ونميمة مجالسهم مدة معينة حتى تطبع على جبينه شيطانيته، ملعونا من النظام وزبانيته، ملعونا من الناس لأنه فقد من يسنده وتكشف ظهره أمام الجميع.

    كنا نسمع بالعقوبات التنظيمية وما يصحبها من نميمة مُبررة، فكنا نحسن الظن بالمسؤولين، فنردد ما يرددونه حمية وحفاظا على وحدة الصف وثقة في القيادة، لكن تبين غير ما مرة أن ما حسبناه عقوبات كان في الأصل صادرا عن منافسين إداريين في التنظيم وليس عن جهة قضائية محايدة، تبين لاحقا أن الأمر تصفية حسابات تنظيمية وليس غيرة على الصف كما كنا نعتقد، تبين أن الأمر حزازات وانتقامات وجرائم يندى لها جبين الانسانية وليس كما كان يقال لنا في مجالس التنظيم أن هناك إخلالات أخلاقية، هذه الإخلالات الاخلاقية كانت مجرد شماعات يعلق عليها التنظيم أخطاءه ويبرر بها جرائمه، بالعكس لم تكن هناك أية إخلالات أخلاقية بل كان هناك أولياء لله ابتلاهم الله بظلم التنظيم وبهتانه.

    الإخلالات الأخلاقية كانت تُصنع على أعين التنظيم، يصنعها ويرتبها ويحيك تفاصيلها ثم يبعث بجواسيسه ونسائه قصد الايقاع ببعض الذين أينعت رؤوسهم، أي نعم مؤامرات وخطط ونساء وجواسيس ملتحون يأتونك بمسوح التقوى، وكأنك في جهاز مخابرات وحرب نجوم وجيمس بوند ولا ينقص تمام الفيلم سوى المسدسات، الأحمق من يعتقد أن التنظيم الاسلامي تنظيم أخلاقي يأتمر بالقرآن الكريم والسنة النبوية ومكارم الاخلاق، صح النوم صديقي، التنظيم الإسلامي من أكثر التنظيمات السياسية التي عرفتها عملا بالمكر والمؤامرات، فالتربية الايمانية شيء والتنظيم الاسلامي شيء آخر، يأتيك أخ الآخرة بلباس الدروشة والمحبة ثم يطعنك في ظهرك ويبلغ كل تفاصيلك إلى التنظيم، وتأتيك أخت الآخرة بمسوح العذراء الراغبة في الستر ثم توصل كل أقوالك إلى التنظيم.

    العقوبات التنظيمية في الأصل كانت قد وضعت لحماية الصف من العملاء والدخلاء والزائغين عن الخط اللاحب والمخلين بالمقتضيات التنظيمية التي تضمن وحدة الجماعة، فهي ضرورة تنظيمية في الأصل، وحق تنظيمي لا غبار عليه للمسؤولين لتشذيب ما يشوه صورة الدعوة ويلصق بها ما ليس منها، لكن الخلل يقع في الجهة المخول لها استعمال هذا الحق والمسطرة المتبعة في ذلك والشكليات التي من المفروض أن ترافق عملية المحاكمة، ففي أغلب الأحيان يتم الفصل عن طريق جهات غير مؤهلة للفصل في النزاعات، أولا لأنها طرف في النزاع، والحكم والخصم لا يجتمعان في أي نظام قانوني يحترم نفسه، وثانيا لأن المسؤول التنظيمي ولو أحسنا الظن به فهو غير ذي تكوين قضائي في فض الخلافات والفصل في النزاعات وإجراء الصلح أو إيقاع العقاب، أضف إلى ذلك أن المحاكمة تكون غير تواجهية حيث يتكلم التنظيم مع نفسه ومسؤوليه ثم يفصل المعني بالأمر بجرة قلم بكل بساطة راميا بذلك ثلاثين أو اربعين سنة من الغناء والسابقة في سلة المهملات.

    إن المسؤول التنظيمي يتصرف وكأنه ولد فقيها عالما مسؤولا شرطيا قاضيا محاميا سياسيا نقابيا مُربيا شيخا واصلا وعسكريا ومتحدثا أعلى باسم المجلس الأعلى للتنظيم، يعاملك وكأنه يمتلك جميع السلط وجميع المهارات وجميع الصلاحيات ويعرف كل شيء ويفهم في كل شيء ويتقن كل شيء، يتصرف كأنه مسؤول إداري في إدارة ثم يقلب الجبة فيتصرف كأنه قاض في محكمة ثم يقلب الجبة فيختلق القانون كأنه مُشرع ثم يقلب الجبة وينفذ العقاب كأنه حكومة، إشكالية "الباطمان" الاسلامي حاضرة داخل التنظيم، الرجل الخارق السوبرمان الذي يقود عملية تأسيس الخلافة الراشدة على منهاج الرأي الشخصي والرعونة النفسية والانتقام غير القانوني والتشويه غير الأخلاقي والفصل غير الأخوي.

    أصبحت الآن مقتنعا أن أغلب العقوبات التنظيمية ليست سوى تصفية حسابات، ولو كان السلاح متوفرا لتمت التصفية داخل التنظيم من شدة الحقد التنظيمي بالقتل بالرصاص، ولو كان المفصولون والمهمشون والمرغمون على الاستقالة من التنظيم يمتلكون الرصاص لردوا بالمثل بالرصاص أيضا، فالجشع السلطوي يستطيع أن يدفع المسؤول التنظيمي إلى فعل أي شيء وارتكاب كل جريمة من أجل الحفاظ على سلطته التنظيمية والتربوية، إنها متعة نفسية لا يستطيع المسؤول التنظيمي مقاومتها ويسلك في سبيل قضاء وطرها كل سبل الخسة والنذالة والتجبر والديكتاتورية، ولذلك فقد أدركنا أخيرا أننا كنا خاطئين عندما كنا ننادي يوما بالثورة، فالدولة ولو بشكلها الحالي وعدم وصولها إلى قمة الديمقراطية فهي تبقى عنصرا حاسما في معادلة الاستقرار الأمني والحفاظ على الأرواح، الدولة ضرورية لبقاء المجتمع بما في ذلك التنظيمات، ولذلك فإن التصفية داخل التنظيم لا تكون بالطرق الرجولية بل تستخدم فيها الطرق النسوية و الأدعية الباعورائية والتعبئة الاجتماعية.

    فالقتل السياسي والتنظيمي البارد أجمل، ورؤية منافسك متسكعا على أرصفة النسيان والنكران غاضبا على صفحات الانترنيت، مطعونا بآلام القلب، مشتت الفكر، مريضا مترددا على أطباء الاعصاب والرقاة، مُستهزءا به من أعضاء التنظيم وعامة الناس، منقطع الاوراد، بائس الحياة، أمر ألذ من القتل، ولعمري إنه أكثر لذة لدى التنظيم عندما يتمسكن المفصول على أبواب المسؤولين ويضع وجهه على تراب أعتابهم متوسلا الرجوع إلى أحضان الإخوان، لذيذ هو الفصل بعد ذلك عندما يُكسب المسؤول التنظيمي هالة تربوية أمام الإخوان على أساس أن ما يعانيه المفصول انتقام إلاهي لجناب المسؤول، لله درك من وجه لا يستحي أيها المسؤول، لو كان توكلك على الله حق توكله فلم مكرت؟


  • لماذا الفصل؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 52 من 77 — فهرس الكتاب

    الفصل داخل التنظيم مسطرة غير تواجهية، فهي تتم في غيبة المفصول، بعيدا عن أي قانون واضح ودون أي أجهزة قضائية داخلية عادلة ومحايدة، يحضر الخصم لوحده وهو التنظيم، يلبس جبة سلطة الاتهام، يستمع الى مسؤوليه فقط، يصعد الى المنصة ويصدر حكم الفصل التنظيمي دون حتى أن يستدعي الشخص موضوع الفصل ودون أن يستمع منه، وأحيانا يتخذ القرار ولا يعلن عنه الا في الساعة الاكثر إيجاعا.

    الكفار لديهم عدالة أفضل من عدالة التنظيم الاسلامي، وما يسمونها دولة مستبدة لديها عدالة أفضل من هاته.

    كنت دائما أتساءل لماذا الفصل؟ وكنت أجد أمامي دائما جوابا واحدا، لقد ارتكب صاحبنا أمرا أخلاقيا خطيرا لا يغتفر، أو خطأ تنظيميا عبارة عن خيانة عظمى للتنظيم أو تخليطا في الولاءات السياسية أو الروحية من أوراد وشيخ، وفي المرحلة التي كنت فيها إمعة تابعا يُصدِق كل ما يقال له كنت أعتقد كالجميع أن الشخص المفصول هو إبليس نفسه، فكنت أبتعد عنه كما يبتعد المسؤولون عنه، أغلق أقفال قلبي عليه كُلما رأيت المسؤولين التنظيميين الأسمى مني يتهكمون عليه ويقللون من قدره، أهرب منه كما يهرب منه جميع الاخوان ولا أسلم عليه إلا على مضض تماشيا مع تعليمات التنظيم، فالتعليمات تأتي في صورة توحي وكأن المفصول من التنظيم مجرم خطير وشيطان رجيم لا يجب الاقتراب منه.

    لكن الحقيقة أنني كنت دائما متعاطفا في قرارة نفسي مع المفصولين، كنت دائما أحمل قلبا حنونا على الناس وعلى المؤمنين خاصة، ذلك أن فصلهم كان يشكل ضربة بالأساس إلى الجماعة ككل وليس إلى أشخاصهم فقط، كنت أرى فصلهم فقدانا لطاقات ثمينة، خاصة أن كل المفصولين كانوا من الكوادر النشيطة وفقهاء التنظيم والسابقين في التربية، فالأشخاص العادية لا تُفصل، بل تغادر من تلقاء نفسها، أما الرجال الذين قدموا الشيء الكثير للجماعة ويملكون صفات القيادة والفهم والتأثير ويشكلون خطرا على التنظيم فهم المعرضون دائما للفصل.

    لذلك يقطع التنظيم رؤوس الشخصيات الوازنة بدون رحمة عندما يستلزم الأمر ذلك تباعا لمصلحته لأنهم لن يتساقطوا أبدا من تلقاء أنفسهم، ينزع منهم هيبتهم التربوية بالضربة الاخلاقية والنميمة ثم ينزع عنهم قوتهم التنظيمية بالفصل والتعبئة التحتية، فيصبحون نكرة بعدما كانوا معرفين، يُنهي وجودهم السياسي فلا هم مع النظام ولا هم مع التنظيم، ينهي انتماءهم الفكري فلا هم علمانيون ولا هم إسلاميون، ثم يكمل جريمته فيضربهم في أرزاقهم ويحاول إسكاتهم، يقطع التنظيم عليهم أرزاقهم المعنوية بحرمانهم من مجالس الايمان ويقوض مكانتهم الاجتماعية بالتشويه ثم يقطع أرزاقهم المادية بالترويج داخليا للمقاطعة المالية أو بالتشجيع على فتح مشاريع منافسة.

    الفصل أكبر المصائب واللعنات التي أصابت التنظيم الاسلامي، أكبر كارثة وقعت في تاريخ الاسلاميين عامة، أكبر منبع للبغضاء والتطاحن والاحقاد والتراشق الليلي بالدعاء، الفصل جاء به الطغاة الذين حكموا التنظيم بعد رأفة جيل الربانيين، جاؤوا به ليقطعوا رؤوس المؤمنين المنافسين لهم على المناصب، استحدثوه سيفا مصطتا على رؤوس الذين يتحركون بشيء من الحرية والابداع، إرثا موروثا من الانظمة السياسية الجاثمة عل صدور المسلمين منذ قرون، تجل من تجليات الدكتاتورية التنظيمية السياسية المريضة المزروعة بين المسلمين على طول تاريخهم السياسي الاسود، خُلق كريه من أخلاق الاسلاميين داخل التنظيم الاسلامي هو ذلك الفصل التنظيمي، وأحيانا ينزل من مرتبة الخلق الكريه إلى دركة الجريمة السياسية.

    أكثر شيء دمر الاسلاميين هو فصل بعضهم لبعض، ولو كان الامر بيدي لمنعت الفصل نهائيا ولجعلت من يفصل أخاه عبرة لمن يعتبر، كيف جعل التنظيم المؤمنين عن طريق الفصل لعبة بين أيدي المسؤولين؟ كيف تفصل يا عدو الله مؤمنا قضى نحبه في خدمة الدعوة والتنظيم؟ من أعطاك سلطة اللعب بمصائر المؤمنين وآخرتهم ودنياهم؟ كيف تفصل أخاك فقط لأن بارقة السلطة برقت في عينيك فذبحته تنظيميا كي تستفرد بالمؤمنين وبالسلطة وبالمكانة التربوية داخل الصف؟ كي فعلت ذلك؟ وأي شيطان رجيم هذا الذي أوحى إليك بذلك؟ كيف استطعت أن تجعل عرق أخاك وجهاده طيلة سنوات هباء منثورا وفصلته لأتفه سبب كي يستتب لك الحكم الديني التنظيمي على المؤمنين المستضعفين يا أحقر ما رأت عيني.

    إن الكلمات لا تكفي لوصف معاناة المفصولين من التنظيم، بل يجب أن تنتج أفلام تروي كيف تقطعت عروقهم وأوصالهم وأعصابهم وتدمرت أخلاقهم وتربيتهم ودنياهم، يجب أن تضاف هذه الجريمة إلى الوعاء الجنائي باعتبارها جريمة من أكبر الجرائم التي تدمر حياة الافراد والاسر والبيوت والارواح والقلوب، جريمة فساد وأي جريمة هي الفصل التنظيمي، جريمة حقيرة يقوم بها الانذال المسؤولون داخل التنظيم الاسلامي بكل حقارة ووضاعة ونذالة، وقد رأيت غير ما مرة كيف يفعلون ذلك، رأيت كيف يعبؤون لها قبلا، وكيف ينفذونها كالذئاب، يقتنصون الفريسة المؤمنة بكل خبث حتى تُذبح تنظيميا، رأيت كيف يدفعون الفريسة أحيانا أخرى إلى المصيدة بالنميمة والتعبئة التحتية والتهميش والضغط العصبي الذي يؤدي ذلك إلى ارتكاب بعض الاخطاء، رأيت كيف يضربون تحت الحزام ويدخلون البيوت على الزوجات للتجسس وكيف يُشهرون بالمعني بالامر وكيف يأكلون لحمه وكيف يجمعون له من كل شيء.

    إن السلطة المطلقة فساد مطلق، والسلطة داخل التنظيم الاسلامي سلطة مطلقة ولذلك فهي فساد كبير، فساد ديني وسياسي وتنظيمي وأسري واجتماعي، قنبلة مدمرة تأتي على جميع الكتلة المكونة للجسم الإيماني، خراب مطلق للذمم والقلوب، وقد رأيت كيف أن هامات سامقة بعد أن أسقطها ذئاب التنظيم أصبحت تتوسل الرجوع على باب التنظيم بكل ذل كي تنجو من الاعدام الإيماني والاجتماعي والسياسي في مشهد مقزز، وجوه كريمة عزيزة أضحت تتوسل أنذال التنظيم، قاسية هي سكين الفصل، تذبح كل آمالك وجهودك ولحظاتك الجميلة وسنواتك الطويلة مع الصف الاخوي، تطعنك في كل شبر في جسمك وروحك، تُسهرك ليالي الألم والحسرة والندم والغدر.

    شخصيا عندما كنت مسؤولا تنظيميا لم أفكر يوما في فصل أحد، ذلك أنني ببساطة لست نذلا، بل كنت دائما أفكر كيف أقدم إضافات تربوية وفكرية وتنظيمية لمن هم تحت مسؤوليتي، حتى المفصولين كمن أفكر كيف أنقذهم من المصير المجهول الذي ينتظرهم وكيف آخذ بيدهم لتخطي غدرة التنظيم، وعندما كان يفصل المسؤولون أحدا من الإخوة المقربين كنت أقصده خلسة أحدثه بالساعات الطوال أخفف عنه، لم أكن أفرط بسهولة في الرابطة الايمانية والاخوية التي تجمعني بالإخوان داخل التنظيم، كنت أحاول أن أسقي المفصول منهم بـقليل من رحيق الايمان الذي أحمله كي لا يسقط تربويا على أم رأسه، كي لا يجف قلبه ويموت الموتة الروحية التي يتمناها له التنظيم، في نفس الوقت كان المسؤولون التنظيميون يتشفون فيه ويتلذذون بعذابه وينسبون ذلك إلى انتقام الله لهم لعظيم شأنهم عند الله، يفعلونها بأيديهم وينسبونها الى الله، يلحقون قرارات التنظيم الجائرة بالذات الالاهية، يوحون إليك أنهم مع الله ومن الله وأن الله يدافع عنهم لأنهم أمراء التنظيم الاسلامي الذي يحميه الله.

    إنني أؤمن فعلا أن جماعة المؤمنين يؤيدها الله دائما، ويؤيد تنظيمها الذي يسهر على ضبط شؤونها الادارية متى كان فعلا منسجما معها، فالربانية فعلا محط التأييد الالاهي، لكن الطغمة التنظيمية الحقيرة التي تفصل المؤمنين ليست من الله في شيء، بل إنها بلاء مسلط على المؤمنين، إنها شيطان، ليست سوى كلاب برية خلقها الله لتفترس الكائنات الجميلة التي تعتقد أن الله سينقذها لجمالها ودينها، تنسى أن الله لا ينزل لينقذ أحدا إلا من وراء حجاب بالعناية الخفية، فالدنيا دار حكمة وليست دار قدرة، والكلاب البرية المنظمة المتآزرة بالتنظيم تعتقد أن الله فضلها على العالمين بأنيابها التنظيمية، تجعل مناط الأفضلية في المرتبة التنظيمية، تجعل الأنياب دليلا على ولايتها لله، ويكتوي بعد ذلك المؤمنون الطيبون بنار حسن نيتهم التي لا تميز بين الدين والتنظيم، يفهمون لاحقا أن التنظيم مصلحة وحقارة ودهاء ومكر وقسوة قلب وقتل وفصل، إنه ليس دينا وإيمانا ورحمة وأخوة وطيبوبة قلب، لكنهم يفهمون ذلك للأسف متأخرين.

    من المؤمنين من تنزل عليه سكين الفصل فيظل المسكين سنين طويلة يتوسل التنظيم كي يحن عليه ويرجعه إلى مجالس الايمان، يفقد كرامته وماء وجهه وهو يتمسكن بين يدي مسؤولين لا يملكون سوى مناصب تنظيمية كي ينعموا عليه بالحق في ولوج مجالس ذكر الله، يفعل في سبيل ذلك كل حيلة ويتحمل كل ذل ومهانة، يسقط الدرويش في مصيدة أخرى وهي مصيبة المداهنة والاطناب في تزكية المسؤولين التنظيميين ورفعهم إلى مصاف الصالحين، يفعل بالضبط ما يفعله علماء البلاط أمام السلاطين، معنى ذلك أن التنظيم الاسلامي ليس سوى نسخة معدلة من الانظمة السياسية المستبدة، وهذا خلل جوهري في المنظومة السياسية داخل الحركة الاسلامية التي يعول عليها لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فإذا بها تصنع الطواغيت المتدينة التي يصعب اقتلاعها لاحقا لاعتمادها على مخالب الدين وأنياب التنظيم، تأتينا بدكتاتورية مركبة، تأتينا بنظام شمولي أكثر تعقيدا.

    صنف آخر من المؤمنين يفقد كل أمل في التغيير الاسلامي، يصيبه الفصل في قلبه، وجميع المفصولين مصابون في قلوبهم، يكره التنظيم الاسلامي ويكاد يكفر بالإسلام جملة، يضع الكل في سلة واحدة، يحلق لحيته ويلتحق بأقرب حانة، يسود قلبه على الدين ويظل يتساءل دائما هل هذا هو الاسلام الذي كنا نعمل ليل نهار كي يسود؟

    إن المكيافيلية الاسلامية التي تسيطر الان على التنظيم الاسلامي قد جنت على الدين جملة، وقد قيل قديما إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، هذه الطغمة المكيافيلية ما كان يجب أن يُسمح لها بالوصول إلى السلطة داخل التنظيم الاسلامي والسيطرة على مفاصله وفصل المؤمنين، بل كان يجب ان توضع آليات قانونية للبت في النزاعات داخل الصف الاسلامي، وآليات أخرى لتقلد المناصب، كان يجب أن توضع مؤسسات نزيهة للفصل في الخلافات التنظيمية، كان يجب أن ترسى مؤسسات لوقف الحسد القلبي الذي يتجسد في تصرفات تنظيمية تفصل الاخر، أخطاء تنظيمية وقلة تخطيط وإهمال وأحيانا اختراق ومكر مُبيت أدى إلى هذه الحالة من الاعتداءات التنظيمية التي راح ضحيتها خيرة المؤمنين الطيبين النشيطين.

    من هؤلاء الطيبين من تكمش في داره، عابدا ساجدا صائما منتظرا ساعة الموت، زهد في التنظيم والدعوة والجهاد ولزم خويصة نفسه، وجدها فرصة للخلوة والتسبيح بحمد الله، وهناك من تناسى الأمر وحمل في قلبه جمرة الحقد وعافس الناس كي ينسى أو يتناسى الذبح التنظيمي، وهناك من كفر بالله وبالإسلام جملة وخرج يلعن كل ما يتعلق بالدين والتنظيم الاسلامي، وهناك من انتحر وترامى في حضن العاهرات والخمر لعله ينسى الطعنة، وهناك من يعمل على تشكيل تنظيم آخر لينتقم من التنظيم الحالي، وهناك من التحق بالجهة المقابلة لعله ينجو بحياته المادية كي لا يتشفى التنظيم فيه، وهناك من يفكر كيف يصفي مسؤولي التنظيم واحدا واحدا، وهناك من يبيت يلعنهم ويدعو الله عليهم فوق سجادته، وهناك وهناك، كل هؤلاء تجمعهم مسلخة الفصل، كل وطريقة ذبحه وسلخه، أما ذئاب التنظيم المجرمون فهم يتنعمون في مسؤولياتهم التنظيمية ويترأسون مجالس الايمان، ينشدون على رؤوس المؤمنين أناشيد الزهد والمحبة والوفاء والأخوة والاخرة، يتمطون في مشيتهم ويتعوجون فيها متمايلين يمنة ويسرة، ها نحن عباد الله المصطفين الاخيار، المصطفين الذين اصطفانا الله لتنظيمه المختار وجعلنا من عباده المسؤولين، وقد رأى الله صلاحنا فاختارنا لنكون الرؤساء، نحن المسؤولين الفاهمين لكل شيء. كلام فرعوني قديم جديد، يقال لتغطية الجرائم.

    ما زلت إلى يومنا هذا أعتقد ان أكبر جريمة وقعت داخل الصف الاسلامي هي جريمة الفصل، ذلك أن النتائج الكارثية التي حصلت بسبب هذه الجريمة لا يمكن تصورها، فالفصل طعنة غدر وإلقاء بالمؤمن إلى حضن السباع والاعداء ليفترسوه حيا، دفع بالمؤمن إلى الشيطان شخصيا، إلقاء بالمؤمن إلى بئر يوسف حيث أفاعي الدنيا وشياطين الانس ومردة إبليس، وبالبحث في فلسفة الفصل نتساءل هل هو تطهير للصف من الشياطين لبقاء الملائكة هانئين؟ هل التنظيم مجموعة من الملائكة الطاهرين يفصلون كل متسخ؟ أم أن الأمر عقاب تنظيمي عسكري ضد العناصر التي تشوش على النظام العام للتنظيم؟

    من يريد الحقيقة أقول له إن مبررات الفصل لم تكن يوما كافية، ولم تكن يوما حتى مهددة لسمعة التنظيم، بل إن التنظيم هو نفسه من يشوه سمعة أعضائه أمام الناس قبل فصلهم، ومن يريد الحقيقة المرة أقول له إن التنظيم الاسلامي ليس مجموعة من الملائكة، بل هو يضم كثيرا من العصاة والزناة والسارقين والمتكبرين والظالمين والعملاء والحاسدين والنمامين والمرضى نفسيا ومساخيط المرشد والوالدين، أعرف الكثير منهم بأسمائهم، وبجانبهم أيضا صالحون أنقياء طاهرون يعصون الله في صغائر الأمور، يسددون ويقاربون ثم يستغفرون.

    والبقية مجموعة من الساكتين يحكمهم من يتقن فن الكلام، هؤلاء الساكتون يغطي التنظيم كوارثهم إلى حين، ومن ينتقد أو يعارض المسؤولين تُعرى سوأته تنظيميا واجتماعيا، ومن يخالف السير السياسي والفكري والتنظيمي يضرب تحت الحزام، ومن يطغى عليه التوجه الايماني التربوي غير مرحب به مع الذئاب التنظيمية التي تكره الايمان والتربية وتعشق السياسة والسلطة، وقد رأيت غير ما مرة كيف يدافع التنظيم عن شخص مذنب لأنه ساكت مدافع عن التنظيم ثم لا يلبث أن يفصله لنفس السبب لأنه اختلف مع التنظيم، يروج داخل أروقة التنظيم كلاما، ثم يروج عكسه إذا أراد، بينما ينعق الناعقون دائما باع باع، عاش المسؤول عاش ولي الله المسؤول.

    يكذب التنظيم على المؤمنين ويوجه الرأي العام الداخلي بالكذب حسب رغبة المسؤولين، تدليس تنظيمي لا يمكن أن يسقط نظاما سياسيا ويؤسس دولة اسلامية.

    نستشف من ذلك أن المفصولين ليسوا سوى أرقام أسقطها التنظيم لحسابات تنظيمية وليس لطهارة أحد أو صلاح أحد، وإلا فالجميع مُذنب ومُقصر عاصي، والمفروض أن سِتر المؤمن لأخيه المؤمن داخل التنظيم واجب والحفر له غدر، فالمفصولون ليسوا شياطين والباقون داخل التنظيم ليسوا ملائكة، واللعب بالكلام التربوي من قبيل أن الملك لله يتصرف في ملكه كما يشاء كلام ينم عن نفاق كبير ومروق من الدين، لو كان الملك لله ما كنت لتفصل أخاك بيديك بل كنت انتظرت الله ليفصله، والله قادر على تخليص التنظيم الصالح من العناصر الفاسدة دون أن تفصله أنت، فقط ثق في الله ولا تفصل أحدا وسوف تتدخل قدرة الله وتفصله إن كان فاسدا، كن مؤمنا بالله وبقدرته ودع الله يفعل ذلك.

    أعود وأقول أن الحقيقة التي أيقنت منها هي أن الجميع في نظر التنظيم مجرد أرقام، رقم تنظيمي في جدول أرقام، والتنظيم مستعد لمسح أي رقم وفي أي وقت متى أراد المسؤول ذلك ومتى رأى التنظيم مصلحة في ذلك، فالمؤمن لا يساوي شيئا في ميزان التنظيم، مجرد أداة تستعمل لقضاء الاهداف التنظيمية رغم تلك الابتسامة الايمانية الحنونة المزيفة التي يتم تصنعها، الرقم التنظيمي يرمى فور قضاء الحاجة خصوصا لو تعرض لمرض أو حاجة أو فتنة، فليس للتنظيم ما يعطيه إلا أن يأخذ، والعناصر المريضة أو المحتاجة أو المبتلاة لا مكان لها في التنظيم، وهنا كي لا ينكشف خبث التنظيم ومصلحيته يتم الفصل ضمنيا عن طريق النسيان والتهميش، وإذا استنكر المعني ذلك يتم القضاء عليه بسرعة لأنه يكون في حالة ضعف و عوز والناس عادة لا تستمع إلى المطحون بل تحترم القوي الناجح الميسور، وكذلك إخوان الصف لا يستمعون للضعيف المبتلى بل ينصتون بخشوع للطاغية المسؤول الميسور.

    إنه لا جريمة تعلو داخل الصف على جريمة الفصل، وسيحاسب الله كل من فصل أخاه أشد الحساب، وسيلعن الناس يوما من فصل المؤمنين، بل سيأتي اليوم الذي ينتقم فيه المفصولون من المجرمين، انتقاما ماديا أو معنويا، فالجرائم لا تذهب سدى، وسينتقم الله من التنظيم الذي يُسمح للطغاة فيه بفصل المؤمنين، سيشتته الله ألف قطعة، سيفشل المشروع وينتهي التنظيم إلى القُمامة السياسية، فمن حيث يظن المكر أنه قادر على إقامة الخلافة النبوية سيثبت الله أن الخلافة لن يؤسسها مكيافيلي، الخلافة لن يؤسسها الغدر والفصل، فاشل فاشل هو التنظيم الاسلامي الذي يفصل المؤمنين، حاشا أن يقيم الله على يديه خلافة نبوية راشدة.

    أتصور لو كان التنظيم الاسلامي أخويا كما هي أدبياته كيف كان سيكون حال الأمة وحال المؤمنين، لو كان التنظيم دون عقلية الفصل والذبح لكان التنظيم قطع أشواطا كبيرة نحو إقامة دولة العدل، وهذه الدماء المهروقة الان على مسلخ التنظيم عائق أمام الفتح الأرضي، مؤمنون مظلومون يقيمون كل ليلة مآتم الحزن يلعنون فيها التنظيم والمسؤولين عليه، يدعون الله من أعماق قلوبهم أن ينتقم لهم من الوحوش البشرية التي تسير التنظيم، يتجرعون كل دقيقة مرارة الغدر، لا يكاد مذاق الطعن في الظهر يغادر حلوقهم، يلعنون التنظيم وهم في الشارع في المرحاض في المطبخ في العمل في البحر، يشمئزون من كل حرف يكون كلمة التنظيم "ت ن ظ ي م"، يتقيؤون من كل مسؤول ومن كل سياسي ومن كل ناطق باسم الدين.

    أتأمل لماذا غدر التنظيم بالمؤمنين ولماذا احتقرهم ولماذا ذبحهم، أتأمل فلا أجد جوابا سوى تأوهات المظلومين وصفاقة وجوه المسؤولين، وعندما ارى تشفيهم وفرحهم بعذاب المؤمنين أكاد أقول كيف خُدعنا بهؤلاء طيلة هذه السنون، كيف استطاعوا الوصول إلى مناصب المسؤولية؟ أين كانت عقولنا يوم بايعنا المنافقين على الموت في سبيل الله؟

    لكني أعيد التأمل من زاوية أخرى فأرى أن الفصل رغم كونه جريمة بشعة في حق خيرة المؤمنين إلا أنه ينذر بولادة جديدة، ولادة أناس لا يخافون إلا الله، أناس سقط من عيونهم كل شيء إلا الله، فأول ما يخرج من قلب المؤمن المفصول ظلما هو التعلق بالناس، يخرج من قلبه كل الولاءات الفكرية والسياسية والتنظيمية، تتقطع في روحه كل الخيوط التي تربطه بالعبد، يصير متعلقا بالله بعدما غدره التنظيم، يفقد الثقة في الجميع، ويثق بالله مخلصا، يعول على الله وعلى الله فقط، حينها يصعب أن ينحشر في زاوية تنظيمية مغلقة، فالذي ينظر إلى الكون الفسيح يستحيل إن يرجع إلى الزاوية الضيقة، ورغم الطعنات التي يلقاها من الاخوان ومن الشياطين خلال سيحانه في البراري الباردة، إلا أنه يكتسب أنفة نفس وحرية فكر وراحة ضمير وقدرة أكبر على المناورة واتخاذ القرارات المصيرية، هذه الولادة الجديدة ينشأ عنها شخص واع قادر على فهم الواقع أكثر، والأجمل من ذلك أنه عندما يلتقي برفاق الفصل تكون المحبة بين هؤلاء أكثر صدقا وإخلاصا لله، وعندها يفكرون جماعة في صياغة لُـحمة جديدة حيث تكون العلاقة القلبية أكثر صفاء وأخوة وفاعلية.

    الولادة بعد الفصل تكون ذات بعد شخصي لكنها تحتمل بعدا جماعيا، والاجهاض وارد، فالكثير لا يتخطى الفصل، ويقع في إخفاقات روحية وأخلاقية قاتلة، وتلك غاية التنظيم، هذا الأخير يعض على يديه عندما ينجح المفصول في تخطي مجزرة الفصل ويبدأ في لم شمل روحه وتحقيق النجاحات الدينية والدنيوية ويبدأ في لم شمل المفصولين الاخرين، لكن يبقى الاصل أن ضحية الفصل التنظيمي غالبا ما يسقط في حضن إبليس اللعين، فالتنظيم الذي يفصل يعرف جيدا أكثر من المفصول أنه يرمي به إلى الشيطان ليفعل فيه ما يشاء بعدما كان محميا داخل محمية الجماعة وأسوار التنظيم وروحانية المجالس وتحصين الذكر الجماعي ورياء العبادة الجماعية التي تقيه من تقاعس الوحدة وغلبة الشيطان عليه.

    الذئب يأكل من الغنم القاصية، والقاصية هنا هو المؤمن المفصول سواء كان فصلا ظالما أو عادلا، فصلا ضمنيا بالتهميش أو واقعيا بالقرار التنظيمي، ولذلك تجد من المفصولين من وقع في الزنى أو اقترب منه، ومنهم من ابتلي بالخمر أو التدخين، ومنهم من بدأ في الغش والإخلال في المعاملات المالية، ومنهم من أصبح عميلا، ومنهم من عينيه كل الجهات الدينية، بل منهم من يشرع في إنكار حتى الاحاديث النبوية معتقدا أن الاسلام ظالم ومحرف ومزور ولا يستحق أن يكون شريعة للناس، يلتحق بالناس العلمانية أو لنقل العلمانية الحاقدة التي تختلف عن العلمانية الحقيقية حيث يعيش الجميع حرية لا تكبل يد أحد.

    أعود لأقول إن الفصل التنظيمي وبال على الاسلام وعلى رفاق الصف الاسلامي، فالذي يفصل أخاه لا يستحق أن يكون في جماعة اسلامية، ولا حجة له إن الجماعة هي جماعة طاهرين ملائكة، فلا وجود لجماعة من الملائكة على الارض، إن الاحزاب اليسارية والعلمانية أكثر مروءة عندما تقبل الاختلاف مع أعضائها ولا تطرد احدا من صفها اللهم أن ينشق من تلقاء نفسه ويؤسس لتنظيم جديد، لكن التنظيم الاسلامي أثبت أنه تنظيم حقير سياسيا وأخلاقيا، فهو يدعي الطهرانية بينما يخفي في تنظيمه المجرمين، يفصل المؤمنين المختلفين معه رأيا أو فكرا أو تربية بجرة قلم في خطوة لم يفعلها حتى الكفار، لم يفعلها أي شيطان مع شياطينه في هذه الأرض وفعلها التنظيم الاسلامي.

    لابد أن يدفع التنظيم الاسلامي ثمن جرائمه التنظيمية، ولابد أن يحاسب يوما على تدميره للأسر والعائلات وقلوب المؤمنين وأطفالهم ومواردهم المالية وسمعتم الاجتماعية، لابد أن يدفع التنظيم ثمن حقده ونميمته وفصله وهتكه لأعراض المؤمنين والمؤمنات، لابد أن الله خاذله، ولابد أن الناس معاقبيه، وأول شيء خسره التنظيم هو روابط الثقة بين الاخوان ثم تعاطف الناس الذين صدموا في طريقة تعامله مع عناصره، ثم خسر بعد ذلك هياكله التنظيمية المتحابة وحلت محلها هياكل مصلحية، إنه يخسر الان أعضاءه الصادقين ويربح المنافقين والعملاء، ويربح معهم لعنات كثير من المؤمنين ودعائهم عليه أناء الله وأطراف النهار، كل لحظة تنزل على التنظيم لعنة من مؤمن جريح القلب أو كسير الروح.

    لن ينفع التنظيم أكوام من الساكتين الخانعين، ولن ينفعه تنقية الصف من الرجال الاقوياء المؤمنين، لن ينفع التنظيم قتل الارواح الشفافة وتدمير القلوب الطيبة، لن يثمر جهاد يدعيه بأجهزة مخترقة ومسؤولين مصلحيين وقاعدة إمعة، ما هكذا تورد الابل أيها التنظيم الذي انقلب على أولياء الله ودمر قلوبهم وقتل أولادهم، هل أنت سعيد بتدمير قلوب المؤمنين؟ كيف وجدت لذة الفصل؟ هل ارتحت واستقر تنظيمك؟ هل تعيش الطهرانية الان في التنظيم؟ هل تراك اقتربت من تأسيس الدولة الاسلامية؟ أم تراك بلغت الاحسان لكأنك ترى الله في صلاتك؟ كيف وجدت حالك يا عدو الله وحال الدعوة وحال المؤمنين داخل الصف بعد فصل خيرة المؤمنين؟

    اعرف جوابك مسبقا، جوابك أن دعوة الله بخير والمؤمنين بخير، لكنك تقصد أن مصالحك في خير وإمعاتك تحت السيطرة، إنك تعرف جيدا أن الدعوة مريضة، طريحة الفراش تعاني، وتعرف أن القلوب غافلة، والارواح مظلمة هابطة ثقيلة والاخلاق سيئة نتنة، تعرف أن ميكيافيليتك لم تنفعك، ودهاءك لم يغلب أنين المؤمنين، ضبطك التنظيمي لم يضبط سوى الضعفاء، وقساوة قلبك لم يُكسبك هيبة الناس، حقدك على الطيبين رجع عليك بالأحقاد مضاعفة، وخططك الخبيثة لم تثمر ما كنت ترجوه، لقد خربت الجماعة يا عدو الله، والآن تُكابر.


  • النميمة المنظمة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 50 من 77 — فهرس الكتاب

    النميمة [1] في الاصل خلق فردي لكنه ينتظم داخل التنظيم ليصبح جريمة منظمة، وبالتالي يصبح الأمر أكثر خطورة وأكثر ضراوة، وإذا كان النمام بطبيعة الحال شخصا آثما من المنظور الديني فالتنظيم الذي يستعمل النميمة لقضاء مآربه تنظيم فاسد بالمنظور السياسي لأن التنظيمات لا نقيس فسادها بالدين بل بالحكامة الادارية لأنها أشخاصها معنوية لا تدخل جنة ولا نار، لكن النميمة المنظمة إذا كانت في ظاهرها إدارة فاشلة فهي تبقى في مضمونها مجموع الاخفاقات الاخلاقية الفردية، هذه الاخلالات تجتمع في القيادة والقاعدة لتنتج مؤامرة السكوت على الفساد والمشاركة فيه، وبالتالي فالنميمة المنظمة ما هي في تكوينها سوى نميمة فردية جعل منها التآمر والسكوت خلقا جماعيا ومؤسسة تنظيمية قائمة.

    نتساءل قبل الحديث عن وسائل استعمال هذه النميمة ونتائج ذلك عن الكيفية التي تعمل بها النميمة المنظمة وهل هي نتيجة الفشل التربوي الذي اصاب التنظيم أم هي دسيسة من عناصر مدسوسة؟

    النميمة هدفها دائما إيقاع العداوة بين الاخوة والتحريش بينهم للفتك بأواصر المحبة بينهم عن طريق الكذب أو إفشاء الاسرار أو نقل الكلام، هدف النمام دائما تكدير قلب على قلب، والغاية من وراء تكدير القلب إما الفصل أو التشويه أو التنقيص أو التركيع أو التعذيب أو العرقلة أو تعكير الاجواء، وإذا كانت الغيبة ضربا في شخص معين من أجل النيل منه فإن النميمة أكثر ضررا كونها ضرب في صفاء ماء الجماعة، فتضرب هذا بذاك وهذه بتلك.

    لتحييد نظرية المؤامرة فقد شاهدت كيف تستعمل النميمة من مسؤولين تنظيميين لا يشك أحد في انتمائهم التنظيمي ولا يعتقد أحد أنهم عناصر مدسوسة، وبالتالي فالنميمة تخرج من عمق التنظيم ولا تأتي من الخارج كما يزعم بعض المسؤولين الذين يحاولون الافلات والصاق النميمة المستشرية بالعناصر العميلة، النميمة موجودة داخل التنظيم وتستعمل كأي وسيلة تنظيمية من أجل حل بعض الاشكالات التنظيمية وتصفية بعض العناصر المشاكسة وخلق رأي عام معين والضرب التحتي على العناصر التي يرى التنظيم مصلحة في ضربها بالوسائل القذرة لأنه لا يستطيع مواجهتها وجها لوجه، فيخرج الكلام الذي أساس له أو الذي له بعض الاساس من المسؤول التنظيمي في مجالس الرخاوة أو حتى في مجالس التنظيم ويلتقطه المسؤول الآخر وينزله بكل لهفة إلى المجالس التي تحته كأنه الخبر المقدس الذي جاء من مصادر التنظيم التي لا يأتيها الباطل من بين ايديها ولا من خلفها، ثم يتلقفه الاخوان بكل تصديق مع التوصية بالنشر عل أوسع نطاق.

    النميمة المنظمة دليل قاطع على الفشل التنظيمي والتربوي الذي آل اليه التنظيم، ولو كان الفلاح التربوي محصلا لما تجرأ عضو على النميمة داخل الجماعة فبالأحرى مسؤول كبير، ولو كان النجاح التنظيمي قائما لما كانت النميمة تتم بكل وضوح داخل المجالس التنظيمية المسؤولة، فكيف يأتي خير من مجالس تنظيمية تنفض في آخرها عن جيفة النميمة؟ لا أظن أن خيرا يأتي من مجالس تنفض عن النميمة، مجالس عوض أن يكون مضمونها ذكر الله والتواصي بالخير والاحسان فإذا بها مجالس تُتناقل فيها الأخبار الشخصية للمؤمنين وتُشوه فيها ذمة البعض الآخر وينتقص فيها من الكثير ويتآمر فيها على الرؤوس اليانعة فهما وتربية، والنتيجة تحطيم خيرة المؤمنين والتنكيل بهم وتشويه سمعتهم والتنقيص منهم لدى القاعدة، ثم ترفع البركة من مجالس التنظيم وتتسرب منها روائح زاكمة للأنوف.

    كم من الحروب اشتعلت كانت شرارتها نميمة تنظيمية، كم من المؤمنين خرجوا من الجماعة بسبب مواقف محرجة جدا كان سببها نميمة تنظيمية، كم من مفصولين بسبب النميمة المنظمة؟ وربما كم من الدماء الزكية ستسيل مستقبلا إذا استمرت هذه النميمة داخل التنظيم في التوسع والانتظام والشرعنة؟ فإذا كانت الدماء لا تسيل الان توقيرا لحرمة المصحوب فهل سيستمر حقن الدماء إلى ما لا نهاية؟

    لابد من وضع آليات تنظيمية تقطع مع النميمة التنظيمية المنظمة وتضع حدا للتساهل التنظيمي مع هذه الآفة الاخلاقية الخطيرة، التعدد في الزوجات الذي يحاربه التنظيم لا يمكنه بتاتا أن يدمر الجماعة بينما يمكن للنميمة المنظمة أن تفعل ذلك وتقتلع جذور الجماعة وتقطع أوصال الجماعة، وبالتالي فالتنظيم يجب أن يخرج من نفق محاربة الحلال إلى محجة القطع مع الماضي الوسخ الدي قُضيت فيه مآرب كثيرة بالنميمة الخسيسة، لابد أن يتوب التنظيم ومسؤولوه من هذه الجريمة الاخلاقية البشعة والكارثة التنظيمية المشتتة ويؤسسوا لتنظيم خلوق يحترم أخلاقيات العمل المنظم وأخلاقيات الدين الاسلامي الحنيف.

    على التنظيم أن يقولوها صراحة: " لا نميمة داخل التنظيم بعد اليوم".

    ثم عليه أن يتخذ التدابير التنظيمية من أجل ضمان ذلك.


    📌 الهوامش

    1. [1] يقول عبد الله بن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: " مرَّ النَّبي صلى الله عليه و سلم بقبرين، فقال: إنَّهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمَّا الآخر: فكان يمشي بالنَّمِيمَة ".رواه البخاري 6052.

  • النفاق التنظيمي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 49 من 77 — فهرس الكتاب

    لا نقصد هنا بالنفاق صفة النفاق الديني، لكننا نقصد مظاهر الاسترزاق التنظيمي عن طريق التذلل، فمن أهم المواصفات التي تجدها في المسؤول التنظيمي هي النفاق والمداهنة، فقلما تجد مسؤولا تنظيميا وصل إلى رتبته التنظيمية باستعمال قوة الساعد والرأي، ذلك أن أسهل طريق إلى السلطة في ظل تنظيم فاسد هي طريق الذل والانكسار بين يدي المسؤول الاعلى مرتبة، تماما كما يحدث في دواليب الدولة الفاسدة التي تسقط والشركة الفاسدة التي تنهار، وتبقى الدكتاتورية دائما هي منبع الفساد، تصنع الذل وتحب من يداهنها بتذلل لتتمتع وتقضي وطرها المالي والسلطوي والنفسي عن طريق تزلف الطبقات الادنى مرتبة منها في السلم التنظيمي، ومن واجب الطامح إلى السلطة أن يُمتع رئيسه بهذا الحنان والماساج النفسي ريثما ينقض بدوره على الرتبة الموالية ثم يشفي غليله في المرؤوس الذي تحته من جديد.

    لكن النفاق التنظيمي ليس بهذه البساطة، فهو إذا كان في حقيقته النفسية متعة الرئيس من جهة التكبر والالوهية، ومتعة عن طريق التذلل والعبودية من جهة المرؤوس، فهو أيضا حقيقة تنظيمية تدل على وجود خريطة ولاءات وتكتلات تنظيمية، بمعنى مصالح تنظيمية ومذهبية ومالية وسياسية ومخابراتية تضمن استمرارها بتلاوة آيات الولاء كل حين للاطمئنان على استمرار الكيان الاخطبوط الغاصب، فالدكتاتور لا ينام حتى يتأكد من الولاءات، وعندما يستفيق صباحا لا يمر يومه دون الاطمئنان على الولاءات، فأهم شيء بالنسبة إليه قبل أمه وأبيه وبنيه هو الولاء، من يدري، ربما يكون الكرسي قد تزعزع قليلا وهو نائم، فأهم شيء بالنسبة للطاغية هو العض على السلطة، وطبعا لا سلطة دون شبكة ولاءات قوية وطاعة مطلقة وبرهان على ذلك بالتذلل، الطاعة والمداهنة والتصريح بها كل حين وتلاوتها أناء الليل وأطراف النهار.

    لا تعتقد أخي القارئ وأنت في غمرة نواياك الحسنة أن التنظيم الاسلامي تنظيم رجولي يقف فيه المرؤوس قويا أمام الرئيس كما تقرأ في سيرة الصحابة عندما يقف الصحابي منافحا عن رأيه جاهرا بفكرته واضحا صريحا منفتحا منتقدا أميره في التنظيم النبوي، إن التنظيم الاسلامي في صيغته الحالية عكس ذلك بالمرة، فرغم مظهره الاسلامي الذي يوحي إليك أنه يستقي من النبوة والشريعة الاسلامية الرجولية إلا أنه تنظيم جبان مخنث يكرس النفاق التنظيمي المبني على التذلل والتزلف والخنوع، تماما كالكلب الذي يلحس أقدام صاحبه ليقدم له العظام المتبقية من وجبته، فالتنظيم الاسلامي على شاكلة باقي التنظيمات في الدول المتخلفة يقف على هذه الاخلاقيات التنظيمية الخسيسة ليضمن استمراره، وهو بذلك متأثر بالمجتمع الفاسد الذي أنتجته أنظمة العض طيلة قرون الفساد السياسي، فالرجل الذي سمح بسقوط الخلافة الراشدة ورضي بالعيش الذليل هو نفسه الرجل المذلول للمسؤول التنظيمي وهو نفسه الذي يركع للرئيس في الشركة بكل تذلل ويركع للزوجة في البيت خوفا من المدونة، الركوع والتخنث الحالي تحصيل حاصل لسلسلة من التنازلات التاريخية، ركوع جزئي من ذاك الركوع الكبير أمام قدمي ابن أبي سفيان.

    إن الذل الذي انتشر كالنار في الهشيم في المجتمع العربي بعد سقوط النظام السياسي الراشدي القوي الذي كان يحمي الدين والخلق والدولة أدى إلى هذه الاخلاقيات المنحطة، وهي مُنتشرة في المجتمع بشكل كبير تحت ثقافة الزبيبة، الزبيبة الأسود الذي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب بعض الأحاديث أن نركع له ولو ضرب ظهرنا وسرق مالنا، فأينما وليت وجهك يلزمك ركوع وخنوع وتسبيح بآيات الولاء للزبيبة المتحكم كي تقضي مآربك، حتى أصبح الامر مقبولا لدى الجميع، مؤامرة صامتة يعرفها الجميع ويشارك فيها الجميع، انفصام تام في شخصية المسلمين، ويحدثونك بعد ذلك عن عمر وعن الرجولة والقوة والانفتاح والحق والعدل والخرافة والضباب، الضباب على عينيك أيها الذليل الذي تولي دُبرك لرئيسك ثم تحدث الناس عن الرجولة.

    أي رجولة تتحدث عنها عندما تولي دُبرك لرئيسك التنظيمي لينكح رجولتك وشخصيتك وكرامتك.

    إن رجوعنا إلى الاصل الاصيل وهو سيرة الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل سقوط الخلافة وهلاك الأمة على يد أغيلمة الوراثة الأموية لهو المطلوب، وقفز التنظيم إلى المنبر النبوي هو السبيل الصحيح لا الاستكانة إلى الانبطاح العام أمام حملة الغزو الثقافي الخارجي والانهيار الاخلاقي الداخلي، مطلوب من التنظيم الاسلامي بما أنه إسلامي أن يستقي من معين النبوة الصافي [1] لا من حُفر الميكيافيلية التنظيمية التي تعطي الدبر وتمسح الكابة لتصل إلى المركز التنظيمي، إن النهوض بالمجتمع المفسود لا يمكن أن يمر إلا من خلال التشبع بصفات النبوة ورجولة الاصحاب عليهم الرضوان، فلن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به اولها، قوة ووضوحا ورجولة، عزة نفس وتعلقا بالمقام العالي بالله، رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وأهل بيته الاشراف، ولعمري إنه عين ما يطالب به الرجل المصحوب، ولو وجد من الرجال الكثير الغيورين لما وصل الحثالة اليوم إلى السلطة داخل التنظيم ولما تعثر الفتح ولما طغى النظام ولما ركع المؤمنون.

    إن مرض النفاق التنظيمي أصله خلل تربوي شأنه في ذلك شأن باقي الامراض التنظيمية، ولذلك فإن توقف أجهزة التربية عن أداء مهامها وتهميش رجالات التربية لهو السبب الرئيس في تفشي النفاق وسوء الاخلاق، فما دام التنظيم مُترصدا لأهل التربية بالفصل والتجسس والتشويه والتخوين فهو يجني ثمار جهالته وجرائمه، سيجنيها خراب ذمم وسوء أخلاق ونفاق ووصولية [2] مقيتة شبيهة بتملق الكلاب، هذا ما سيجنيه التنظيم من الحط على التربية ورجالها وفصلهم، وسيجني أكثر من ذلك أحقادا واختراقات وانهيار منظومة الدعوة والسياسة حميعها.


    📌 الهوامش

    1. [1] الرجولة هي تحمُّلُ المسئولية والنصح في الله والدفاع عن أولياء الله، قال الله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20]. ما جعله يأتي من أقاصي المدينة، وما جاء يمشي بل جاء يسعى لماذا؟ دفاعاً عن أولياء الله والدعاة إلى الله، إنها الرجولة الحقة بكل معانيها. الرجولة: قوةٌ في القول، وصدعٌ بالحق، كلمة حق عند سلطان جائر، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28]. الرجولة: صمودٌ أمام الملهيات، واستعلاء على المغريات، قال الله تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور: 37].
    2. [2] الوصولية تدل على السلوك الاجتماعي الذي يمارسه الفرد عندما يكرس كل نشاطه الاجتماعي لهدف الترقي في المنصب، رغم قلة كفائته وعدم استعداده لتنفيذ المتطلبات المعروضة عليه، وهي شكل من الأنانية، فالوصوليون يبيحون لأنفسهم استخدام جميع الوسائل للوصول لأعلى المراكز ولو على حساب الآخرين. يتملقون ويتقربون من المسؤول بحجة إنهم الأفضل. لهم أسلوبهم في استمالة المسؤول ولا يدخرون جهدا لإثبات تفوقهم وإن داسوا على زملائهم.

  • الاستنطاق التنظيمي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 48 من 77 — فهرس الكتاب

    الاستنطاق نوع من أساليب الحوار الرسمي غير المتكافئ غايته استخراج المعلومة من المستنطق، وهي عملية يقوم بها ضابط الشرطة أو ممثل النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو ضابط المخابرات أو غيرهم من الأشخاص الذين عهد إليهم القانون بهذه المهمة بصفة رسمية، فهو استجواب إجباري فيه سين وجيم وأخذ ورد، ومحاولة لاستخراج المعلومة وهو يتم بإحدى طريقتين حسب مستوى حقوق الانسان في الدولة، الطريقة الاولى بالوسائل العنيفة والتعذيب والتهديد والطريقة الثانية بالوسائل الماكرة التي تعتمد على الذكاء واللعب على النفسية، وهنا تظهر حنكة المكلف بالاستنطاق، حيث يجب أن تتوافر فيه الاعصاب الحديدية والقدرة على المناورة والتحليل المنطقي والتسلسل في الافكار والمراوغة والأسئلة الملغومة وإظهار ما هو غير كائن لاستدراج المستنطق إلى الافصاح عن المعلومة المطلوبة.

    هذه الوسائل في الاصل هي أساليب مخابرات وبوليس وتحقيق قضائي، فما بالنا وهذه الاشياء البوليسية الخاصة داخل التنظيم الاسلامي، مناسبة هذا الكلام هو أن التنظيم أيضا يستعمل الاستنطاق كآلية للتحقيق مع المؤمنين وإرهاب بعض الاعضاء وانتزاع المعلومات منهم، وقد حضرت هذه الاستنطاقات وسمعت من الاخرين كيف استنطقوهم، لكن الحق يقال، لقد كنت فاشلا في هذه الاستنطاقات، ذلك أنها أتت في وقت غير مناسب بالنسبة لي كنت أعاني فيه من مشاكل كثيرة وتخبطات صحية متعددة أثرت على قدرتي على التركيز، وبالتالي في غير وعيي الكامل ولم أستطع التركيز حينها جيدا وتعاملت مع الاستنطاق ببساطة وتساهل وعدم تركيز وحسن نية وقلب مفتوح ونوع من الجدية الصادقة دون حتى أن أعرف النتائج التي يمكن أن يترتب عنها ذلك، لكني الآن أجزم أن هذه الصفات لا تتناسب تماما مع جو الاستنطاق الذي يتطلب هدوءا وتركيزا وقوة أعصاب وإلا فتجنب الاستنطاق أفضل حل.

    إن الاستنطاقات التي مرت علي في أقبية البوليس كانت أرحم من الاستنطاقات التنظيمية التي مررت منها في أقبية التنظيم، كنت ناجحا في الاولى وفاشلا في الثانية، والسبب أنني لم أكن أدري أن التنظيم أكثر عدوانية وحقارة وغدرا، حتى أنه يحكي لي بعض الاخوة الثقات أن أحدهم تبول لاإراديا في سرواله أثناء الاستنطاق التنظيمي من طرف مسؤولي التنظيم الاسلامي، وهذا أمر كاف ليتبين حجم الضغط النفسي الرهيب الذي يمارس على الشخص الخاضع للإستنطاق داخل التنظيم، وإذا كان الأمر لا يُستعمل فيه العنف الجسدي إلا أنه تستعمل فيه آليات أخرى للضغط النفسي.

    إن الاستنطاق التنظيمي فريد من نوعه، حيث تختلط فيه أساليب تربوية واقتصادية واجتماعية وتنظيمية، تربوية كادعاء المحبة وادعاء صحبة المصحوب والقول بحضور الله فيدخل عليك الضابط التنظيمي من هذا الباب التربوي فيلوي ذراع قلبك فتخضع له، وهناك أساليب تنظيمية كالتلويح بالفصل والمقاطعة التنظيمية والحرمان من المجالس والانشطة وما يتبع ذلك من فقدان كل تعامل اجتماعي واقتصادي مع إخوان التنظيم، يستعمل مسؤولو التنظيم أيضا ورقة الأمور الشخصية ونتاج وسائل التجسس من الصور والتسجيلات لمزيد من الاضعاف والانهاك النفسي من أجل انتزاع المعلومة، وغالبا ما تقوم الزوجة الموالية للتنظيم بتقديم هذه الخدمة، فيدخل مسؤول التنظيم حياتك الخاصة من أوسع الابواب ويهددك باللجوء إلى جهات الرسمية كالضابطة القضائية وغيرها وإدخالها في الموضوع، وقد حضرت هذا الأمر فيهدد التنظيم باستعمال اوراق أخرى يملكها وهي عبارة عن نسيج علاقات شخصية أو تنظيمية خاصة تجمعه مع رجال قانون أو رجال دولة، وهنا يتجلى حجم التنسيق الامني الذي يكون ضربة غير متوقعة للعضو حسن النية.

    الاستنطاق التنظيمي يشبه إلى حد كبير الاستنطاق الرسمي، يبتدئ بكسر نفسية المعني بالأمر عبر اتهامات هلامية كبيرة دون أي دليل وهجوم شخصي حاد ونسب جرائم كبيرة لا أساس لها إلى المعني لزعزعة نفسيته واستفزازه ليتكلم، هذه الاتهامات الكبيرة والكثيرة التي تكون أصلا لا أساس لها غالبا ما تدفع المستنطق إلى الغضب والتوتر ورد الاتهامات عنه بالغضب، لكنه ينسى أن الهدف ليس اثبات هذه الاخلالات وإنما هو إخراج صاحبها من قوقعة هدوئه إلى معمعة الأخذ والرد حيث تتوالى بعد ذلك الاسئلة من فريق الاستنطاق قصد خطف كلمة أو معلومة لا يلقي لها صاحبنا بالا في فوضى الغضب ورد الاعتبار.

    طبعا الاستنطاق يقوم به مجموعة من الكلاب التنظيمية الشرسة التي تحاول نهش المستنطق من قدميه ويديه وظهره فتجتمع عليه من كل ناحية عبر أسئلة كثيرة متتالية سريعة كبيرة ومؤلمة، أما الفرد الوحيد فلا يستطيع أن ينتصر في معركة الاستنطاق إلا إذا كان المعني بها منهارا عصبيا أصلا، فيسهل حينها على المسؤول المرتاح عصبيا المستقر نفسيا وماليا وتنظيميا استفزازه وإخراجه عن وعيه بالاتهامات العشوائية وشكليات سمو مركزه التنظيمي والتربوي، بعد ذلك يكبر النقاش ككرة الثلج المتدحرجة، فبينما يشرع المستنطق في الكلام تفتح الاسئلة الهامشية الفرعية حتى أنه لا يدري عن أيها يجيب، ينهال عليه مطر الاحراجات ويستدرج إلى التفاصيل حيث يكمن الشيطان، ومع ربط التفاصيل ببعضها يمكن للمسؤول أن يفتح جبهات أخرى على المستنطق مما يضيق معها هذا الأخير ولا يستطيع الاجابة عن كل التفاصيل دفعة واحدة، يأخذه الاستنطاق من آخر كل كلمة يخرجها من فمه، وقد يجهش المستنطق بالبكاء أو يفقد أعصابه ويشرع في الهلوسة، وهذه هي غاية المسؤول حيث يتلذذ حينها بتعذيبه من أجل مزيد من الادلة والاثباتات وانتزاع الاعترافات التي قد لا يكون لها أي واقع، إن العضو في الاستنطاق التنظيمي داخل التنظيم الاسلامي يحصل فيه خداع كبير حيث يعتقد الشخص أنه يواجه إخوان الاخرة لذلك فهو يتعذب كي يُثبت نيته الحسة أمام المؤمنين وبراءته من كل ما ينسب إليه، لكن الحقيقة التي لا يعلمها أنه يواجه ذئابا ملتحية تنظر كيف تقضي عليه نفسيا وتنظيميا.

    التعذيب الجسدي غير متصور داخل التنظيم الاسلامي لكن هناك تعذيب نفسي يمارس بطرق لئيمة.

    تكبر كرة الثلج على المستنطق بالتدريج وغالبا ما ينهار من حملها ويرخي كل ما عنده من كلام للهروب من حالة الضغط النفسي الرهيب، وقد يعترف هنا المستنطق بما لم يفعله قط فقط من أجل الهروب إلى الامام من التعذيب النفسي الذي يمارسه المسؤول، وهذا بالضبط ما يفعله المسؤول النذل، حيث يستدرجه لينطق بما لم يقم به عبر أسئلة ملغومة تحتمل لغويا عدة أجوبة، لكن المستنطق في تلك الحالة من الضعف والارتباك والانهيار العصبي يغلط ويخبط ويجيب إجابات غير دقيقة، فيُحورها الخبيث أدلة دامغة ضده خاصة إذا لم يتفطن المستنطق إلى التسجيل الذي غالبا ما يكون سريا بطريقة تقنية غير ظاهرة.

    إن بداية انهيار الشخص المستنطق غالبا ما يأتي من هول صدمة الشك التي يرميها المسؤول عليه، فهو لا يتصور أن يكون موضع اتهام بهذا الحجم الكبير، فتتزعزع ثقته بالتنظيم، ويقول في نفسه كيف استطاع التنظيم أن يشك في شخصي بهذه الطريقة، ألم أكن خادما مطيعا للتنظيم، هذا الاتهام الشنيع يكون بمثابة الحربة التي تدخل قلب المستنطق، فهو لا يستطيع نسيانها ولو ثبتت براءته بعد ذلك، وغالبا ما ينزوي بعد الاستنطاق على هامش التنظيم مكسورا محسورا، خاصة إذا كان يمر بأزمة اجتماعية أو مالية موازية مع الازمة التنظيمية، والتنظيم لا يطعن بهذه الحربة من الاتهامات الشنيعة والتشويه الموازي داخل التنظيم حتى يتيقن من ضعف المعني بها ودخوله أزمة نفسية، فالمسؤول التنظيمي لا يستطيع مجابهة الاقوياء عصبيا المرتاحين ماليا واجتماعيا وتربويا، فالانهيار حينها يكون عكس الاتجاه المطلوب أي أنه يكون من نصيب المسؤول التنظيمي الذي يفقد أعصابه خلال الاستنطاق عندما يعجز عن استفزاز المستنطق، ولذلك لا يلجأ المسؤول التنظيمي إلى هذا الحل حتى يمارس مختلف أشكال الضغط التنظيمي والاجتماعي والاقتصادي من بعيد على المعني به خارج مجلس الاستنطاق، يُرهقه رهقا قبل الاستنطاق حتى إذا حان الوقت المناسب وجده ضعيفا مرتبكا منهارا مهلوسا يهرف بما لا يعرف ويُستفز بسهولة.

    الاستنطاق التنظيمي مجزرة قلبية ونفسية بالنسبة إلى المستنطق، فغالبا ما يصعب علاج آثار الاستنطاق بعد ذلك، خاصة أن من يقوم بها مسؤول تنظيمي حاد الطباع، قاسي القلب، غافل عن الله، لا يفهم إلا المادة، يشرف عليها تنظيم حديدي لا يمتلك أي أجهزة قضائية، فقط أجهزة بوليسية تنظيمية تستنطق وتقاضي وتفصل وتنفذ وتعاقب في آن واحد، فلا وجود في التنظيم لمبدأ فصل السلط، بل هو شكل تنظيمي من اشكال تنظيمات وملكيات القرون الوسطى حيث تجتمع بين يدي المسؤول التنظيمي سلطة التشريع والقضاء والتنفيذ [1]، الكل في الكل، نظام شمولي يتحكم في كل شيء ويدعي العلم بكل شيء ويفهم كل شيء ويفعل ما يريد بلا حسيب ولا رقيب.

    التنظيم الذي لا يمتلك قضاء مستقلا عادلا غالبا ما يسيطر عليه البوليس التنظيمي فيُحوله إلى ثكنات وأقبية للتعذيب، حتى أن هذا التنظيم لا يمتلك أي مستشفيات تعالج المعني من صدمات التنظيم، فأنى به أن يمتلك أجهزة قضائية تنصف المظلوم، فالمطلوب من العضو أن يتقبل الصدمات ويتحملها وإذا ما انهار عليه أن يبحث عن طبيب نفسي يخفف عنه معاناته بأدويته ونصائحه، ثم عليه أن يستجيب لبوليس التنظيم ولا يكذب ولا يراوغ تحت طائلة التهديد بالعقوبة الالاهية، والحقيقة أن التنظيم هو أكثر من يستحق العقوبة الالاهية كونه يلعب بالدين لاستخراج المعلومات ويبحث في خصوصيات الاعضاء بالطريق البوليسية.

    لهذه الاسباب وغيرها يتجنب أغلب الاعضاء الاصطدام مع التنظيم الدكتاتوري، فيفضلون المهادنة وخفض الرقبة أمام طغيانه، ثم

    يحسنون الظن اعتمادا على أحاديث نبوية وضعها الامويون تشجع على التذلل للمسؤول طلبا لرضى الله [2]، الأمويون الأباء الروحيون للطغاة التنظيميين، وفي النهاية يتحصل لدينا تنظيم بوليسي إرهابي ومجموعة من الاعضاء الدراويش الخائفين من بطش التنظيم، خاصة أن ما فعله هذا بالأخير بالسابقين يتم نشره على صعيد السلم التنظيمي والتهديد به كل حين لمزيد من الارهاب الداخلي.

    شخصيا ما زلت أتذكر جيدا الاستنطاقات التي تعرضت لها، وما زلت أتذكر الوجوه القذرة التي فعلت ذلك، وأكره ما أكره هو غبائي الذي تحدث به معهم وتلك النية الحسنة التي كنت أتحدث بها، لقد كنت غبيا أتحدث بصدق مع حثالة من الذئاب التنظيمية المتوحشة، لقد عذبوني بكل خبث وتمتعوا بتعذيبي نفسيا وأنا غارق في حسن الظن، كنت أبكي وانظر من بين ضباب الدموع إلى ابتسامتهم الماكرة الساخرة، لكني سأنتقم ذات يوم عندما تحين الفرصة وسأقطعهم إربا [3].

    إنني أعلم ويعلمون أنهم لن يتيحوا لي فرصة أخرى، ينهشون بلؤم في لحظة ضعف ثم يفصلون من التنظيم، يضربون بغدر ومكر ثم يفرون كالكلاب الجبانة، لا يتواجهون وجها لوجه أبدا، لكني سأظل أطاردهم في الغابة التي صنعوها والماء العكر الذي يحبونه حتى أصيدهم واحدا واحدا، ورغم الالاعيب التي يزرعونها على طول الطريق سأقتفي أثرهم حتى أجعلهم عبرة لمن يعتبر، سأجعلهم يُؤدون ثمن الغدر وباقي جرائمهم في المؤمنين، سأجعلهم يؤدون ثمن التعذيب الذي يعذبون به عباد الله الصالحين، كل تلك الالاعيب التي مارسوها معي ومع غيري سيذوقون ويلاتها عاجلا ام آجلا، إن لم ألحقهم في الدنيا فسألحقهم غدا يوم القيامة وأرمي بهم بيدي هاتين في قاع جهنم، سأقذفهم بنفسي في قاع السعير واحدا واحدا خاصة أولائك الذين انتهكوا حرمة منزلي واستنطقوا زوجتي داخل بيتي وتجسسوا علي في عقر داري.

    الاستنطاق وما أدراك ما الاستنطاق التنظيمي المتوحش، لا يمكن أن يعرفه إلا من ذاقه، ويلات يصبها التنظيم على الدراويش صبا، حقارة وخسة ونذالة وإجرام لا أساس له في الدين ولا في القانون، لقد انضم المؤمنون إلى التنظيم الاسلامي من أجل الأخوة والتراحم فإذا بهم في أقبية الاستنطاق والتعذيب والتنكيل والكيد، ثم وجدوا أنفسهم في معركة ضبط الاعصاب ومسك اليد أن تبطش بأحدهم فتقطعه إربا، دخلوا إلى مجالس الرحمة من أجل السير معا إلى الله فإذا بالمجالس يسيطر عليها طاغوت تنظيمي حقير يعذب المؤمنين، طاغوت يلعب اللعب الكبير تحت الطاولة ويظهر على الملأ من الابتسامة الصفراء الشيء الكثير، يُبدي حنانا زائفا ورحمة مزيفة، يضحك على عباد الله، والله ماكر به بعد حين.


    📌 الهوامش

    1. [1] مفهوم سياسي يستمد من خلاله الملوك الذين يحكمون بسلطة مطلقة شرعيتهم من الدين ويعتبرون أي نوع من العصيان والخروج عليهم ذنبا بحق الله وجد في أوروبا القرون الوسطى وفي الإسلام كذلك ولا يزال حاضرا في عديد من الدول الإسلامية، أشتهر المفهوم في أوروبا وكان قائما على أن الملك يستمد شرعيته من الله مباشرة ولا يحق لأي قوة أرضية أن تنازعه في حقه الإلهي من السماء ولا يحق للمحكومين محاكمة الملك ومقاضاته فهذا من شؤون الله حسب المفهوم، وبذلك كان الملك رئيس الدولة والمشرع ورئيس الجهاز القضائي في آن واحد، بمعنى أن النظام كله كان في قبضته.
    2. [2] يقول الباحث في الدراسات الإسلامية هاني عمارة إن الصراع السياسي في القرن الأول الإسلامي كان السبب الرئيسي في نشوء وانتشار وضع الأحاديث، وذلك لعدة أسباب منها إثارة حماسة الجماهير المسلمة بكلام منسوب لشخص النبي، صاحب المكانة العظيمة في نفوسهم، بجانب أن القرآن رغم التأويل الواسع له لم يكن كافياً لخدمة إيديولوجيا الأطراف المتصارعة، فكانت الحاجة لوضع أحاديث تتضمّن نصوصاً صريحة وواضحة. سبب ثالث وهو الاستسهال، فبدلاً من إقناع الناس بالمنطق والحجة كان أسهل وضع حديث على لسان النبي، لتسويق فكرة ما، ومن أهم الافكار السياسية فكرة الطاعة العمياء التي روج لها الامويون بأحاديث مكذوبة.
    3. [3] " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" التوبة14.

    ◀ الفصل السابق: جحود ذوي السابقة

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: النفاق التنظيمي

  • جحود ذوي السابقة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 47 من 77 — فهرس الكتاب

    من استهانة التنظيم بالمؤمنين أنه لا يقيم لأحد وزنا ولو طالت مدة خدمته في التنظيم، فالإخوان بالنسبة للتنظيم مجرد أرقام، يستطيع أن يشطب على أي رقم في أية ساعة، لا مشكلة لديه، وكم مرة جلست أتأمل في عديد من المؤمنين الذين انضموا إلى التنظيم منذ الثمانينات وقدموا الغالي والنفيس في سبيل الدعوة والزحف على معاقل الفساد السياسي ثم شطب عليهم التنظيم في رمشة عين، أجلس متأملا وأتخيل نفسي في مقامهم، لقد رماهم من أعلى عليي التنظيم إلى أسفل سافليه دون رأفة ولا رحمة، ومنهم من حتى شابت لحيته وتدهورت صحته وجد نفسه خارج السرب يعض على يديه وحيدا، وعندما أستقصي عن الاسباب أجدها تافهة لا تصل عقوبتها إلى هذا الحد من الحقد التنظيمي والتآمر الداخلي، شخص قضى في التنظيم أربعين سنة، عمره فاق الستين، شاب رأسه وشابت لحيته في التنظيم، كيف ترميه وتنزل توصيات تنظيمية بعدم زيارته؟ على الأقل دعه يخرج بوجه مشرف وأقله إقالة محترمة ولا تقطع أواصر المحبة والتزاور والاخاء بينه وبين الاخوان.

    ألستم من علمنا المحبة؟ ألستم من علمنا الاخوة؟ ألستم من أعطيتمونا دروسا في الأخلاق؟ فما لكم تنزلون حضيضها؟ كيف تجحدون فضل المؤمنين الذين أنفقوا في ساعة العسرة وجاهدوا ساعة الهرج؟ إن النظام السياسي القائم بكل عيوبه لا ينسى خدامه ويصرف لهم إكراميات ورواتب شهرية ومعاشات سخية بعد انتهاء خدمتهم ولو خالفوه وارتكبوا في حقه أخطاء كبيرة، فكيف ينزل التنظيم الاسلامي توصيات تنظيمية بمقاطعة وعدم زيارة رجال مؤمنين يشهد الجميع بإيمانهم ويشهد الشجر والحجر أنهم قضوا زهرة عمرهم في خدمة الجماعة، هل التنظيم بهذا الضعف بحيث يخشى من قدمائه كلاما أو تصريحا أو ما شابه؟ ألهذه الدرجة يتنكر التنظيم الاسلامي لرجالاته؟ ومنهم من يعاني ماديا واجتماعيا وتربويا وصحيا فيتدخل التنظيم فوق ذلك لتشويه سمعته؟ يلومه على قلة ماله وضيق عيشه أو يعاقبه على قلة شواهده الدراسية أو يحقد عليه لصرامة مبادئه الاخلاقية أو يمكر به جراء رغبته في الزواج من امرأة ثانية تدخل على قلبه بعض السعادة عوض الكآبة التي زرعها التنظيم في حياته.

    أتصفح الفايسبوك أحيانا فأجد الكثير منهم ينشط عبر هذه الوسيلة الافتراضية، وبين الكلمات تستشف المرارة التي يعانونها، تستشف القهر والكبت الذي يعانونه بألم وحرقة، أحيانا وهم العقلاء الذين كنا نعدهم من الحكماء والاولياء والرجال الذين صعد التنظيم على أكتافهم وعرق جبينهم نخشى أن يكونوا قد أصابهم الجنون من جراء الآلام والقهر الذي يعانونه، يخرج أحدهم بين الفينة والفينة بفيديو مباشر على الفيسبوك يتحدث بهلوسة وجنون وينطق كلاما غير متناسق، يهذي، يدخل على الخط براهش التنظيم الذين انضموا إليه قبل مدة قصيرة يستهزئون به ويضحكون عليه، أطفال التنظيم لم يؤسسوا الجماعة ولم يروا المرشد ولم يحضروا الزرواطة ويستهزؤون بمن شابت لحيته في صحبة الامام ومجالس الدعوة والتربية والتنظيم وارض البلاء، بينما مجرمو التنظيم الذين ذبحوه وتركوه يُفرطط على الفيسبوك صامتون، يرقبون موته من بعيد، ليس لديهم حسابات فيسبوكية أو لديهم حسابات مستعارة يدخلون ويخرجون دون أن يتركوا أي أثر، المليشيات الاعلامية التابعة للتنظيم ترفع التقارير الموثقة بصور التعليقات والتدوينات دون أن تُفلت صغيرة ولا كبيرة.

    كنت دائما على يقين أن الهزيمة تأتي من الداخل، وما يحصل من جحود لذوي السابقة يخدم بكل تأكيد الفساد السياسي القائم، وعلى اعتبار أن مسؤولي التنظيم ليسوا أغبياء لتلك الدرجة التي لا يعرفون فيها هذه الحقيقة، فإن الأمر يستدعي شكا في نوايا التنظيم، إن الاستهانة برجالات التنظيم الذين شابوا فيه لهو دليل قوي على وجود خيانة داخل الصف، دليل قوي على تآمر خفي بين النظام والتنظيم على رجال القومة والاصلاح، أو على الأقل وجود تآمر الصمت، وما يؤكد هذه الشكوك هو أن البلاء النازل على المفصولين من التنظيم في أرزاقهم وحريتهم أكبر بكثير من ذلك النازل على مسؤولي التنظيم الذين يمرحون في رغد العيش لا يطالهم من النظام إلا خشاش البلاء بما يترك لهم ورقة اللعب بخرافة المظلومية والتضييق السياسي للإسترزاق به داخليا وأمام الفرقاء السياسيين.

    ذوو السابقة هم الأكثر بلاء وتضييقا، ولقد كان من المفروض أن تنصب لهم المنابر ليحدثوا الناس عن تاريخ الدعوة ومطباتها التاريخية ليرفعوا الهمم وينقلوا التجربة لا أن يرمى بهم هكذا بكل نذالة إلى قاع المجتمع يعانون من الاضطهاد والتشويه وقلة الاحترام وضيق اليد، طاقات ضيعها التنظيم بحقارته المعهودة ومكره اللئيم المعروف، ثم هو اليوم يدفع لأغيلمته من إغراءات المناصب والأجر عند الله ليتجاسروا على من شيد لهم صرح الدعوة الذي يجلسون عليه، لا أجد الكلمات التي أصف بها حال البعض من رجالات الدعوة السابقين، فوالله الذي لا إلاه إلا هو لقد أصاب بعضهم الجنون.

    فقط قبل كتابة هذه الفقرة كنت أتصفح الفايسبوك للاطلاع على آخر المستجدات وهو الوسيلة الاعلامية التي تنقل الخبر بمصداقية أكبر من وسائل الاعلام الرسمية، فإذا بأحد الاخوان الذين انضموا إلى قافلة الدعوة مع بداية 1980 يحدث الناس على المباشر بكل حمق، يجلس في بيته الكئيب ينشد طلع الدر علينا وشتتوني في البوادي وهي أناشيد قديمة كنا ننشدها في التسعينات في مناسبات دعوية مختلفة، ثم يفتح فاه متأملا، ثم يبحلق في الشاشة كأنه معتوه، اغرورقت عيناي من هول المشهد، لقد كان أيقونة التربية، كان وردة في حديقة الصالحين، فإذا بالتنظيم جعله أحمقا يغني على الفيسبوك.

    كنت أتأمل وجهه البريء وهو ينشد بعفوية ويسلم على الاحباب على قلتهم من هنا وهناك ممن يدخلون عليه المباشر يردون التحية، لا يتعدى عددهم الخمسة عشر، وهو فرح بهم يرد التحية ويذكرهم بالأيام الخوالي، يذكر هذا بنشيد كذا والاخر بدجاجة عشاء كذا والاخر بيوم كذا، يتواصل بعفويته مع تلك الحفنة من المهلوكين أيضا ممن رمت بهم الايام إلى ناصية الفيسبوك ليقلبوا الاوجاع فيما بينهم، فكدت أبكي من هول المشهد، هل هؤلاء فعلا من كانوا يستعدون لحكم البلاد واقامة الخلافة الراشدة؟ لا زلت أتذكر جيدا هذا الرجل كيف كان آية من آيات الله تربية ومواقف شجاعة في ساحة السياسة، ترى ما الذي حدث؟ ماذا فعل به التنظيم؟ لم رمى به هكذا إلى الهامش، ما الجريمة التي اقترفها؟

    ثم أنتقل إلى صفحة عمود آخر من أعمدة التنظيم الذين كانوا يرهبون الدولة كلها عندما ينزل إلى ساحة المدينة كانت تنزل كل قوى الامن وأعلى المسؤولين ليستفسروا عن سبب نزول الرجل، ثم يلاطفوه ليرجع ومحبوه إلى منازلهم معززين مكرمين مع وعود بحل الاشكال سبب النزول، أدخل صفحته فإذا به يهرطق أيضا بكلام لا معنى له وكأنه يشرب من نفس كأس ذاك الذي ينشد طلع البدر علينا على صفحته الشخصية، يا إلاهي، ما الذي أصاب القوم؟ هل هو الخرف الذي يصاحب مرحلة ما بعد مرحلة التنظيم؟ إن شيخنا يتحدث بلغة هي أشبه بلغة يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين، لي إحنا. . لي أنتو، هو في إيه يا كدعان؟ يخرج المسكين ويدخل في الكلام المباح لكأن شهرزاد تركته قبل طلوع الصباح.

    أنتقل إلى صفحة أخرى لرمز آخر من رموز التربية والتنظيم المفصولين فإذا به يدندن حول نصر الله والخامنئي وبشار والحوثي، ينتظر فتحا ربانيا من هناك على شريعة أهل اللطم واللعن، تحدثه عن التنظيم والجماعة فيقولها في وجهك صراحة، عملاء باعوا الماتش، ولم يتبق غير الفتح من ايران، غسل يديه من التنظيم نهائيا ومن السنة كلهم، فهو ينتظر دخول الشيعة إلى البلاد لتأسيس نموذج أهل البيت، أما أهل السنة كلهم في نظره أبناء معاوية الذين لا يرجى منهم خير.

    أنتقل إلى حساب آخر صاحبه يتنسم هوى التصوف والشيوخ من هنا وهناك، لكن على الأقل تحس بشعلة ربانية تشتعل داخله، تحس به وقلبه يهتف بآهات العاشقين لله ولرسول الله، نسي التنظيم والمكر ووجد بغيته في الكلام الصوفي الذي يطير في السماء مع نسمات العشق الالاهي وتأوهات المحبين، رجل أحبه رغم معرفتي به أيام التنظيم حيث كان يعبد التنظيم من دون الله، فإذا بالتنظيم يلذغه لذغة لن ينساها إلى آخر يوم في حياته، فما وجد المسكين راحته الا بين الاحوال الصوفية الثملة.

    التفت حوالي فأجد العشرات وربما المئات اختفوا، ركنوا إلى بيوتهم هربا من التنظيم و حس التنظيم، تلقاهم تارة في الشارع، تلقي إليهم بالتحية، لكأنهم أشباح ميتة تمشي، وجوه يابسة، اكفهرار ظاهر، حزن في العيون بائن، شيب غزا الرأس واللحية، كلام قليل وتهرب من كل ما يمت إلى التنظيم بصلة، ومنهم من لم نره منذ سنين لا ندري ماذا فعل الله به، حتى إذا رأيناه صدفة وجناه وقد صار إنسانا عاديا بسيطا يمشي مع الوقت حيث سار.

    هذا ما حضرني هذه اللحظة، على انني أحيانا أستفيق ليلا متذكرا أحباب الماضي من الرجالات الذين أحببناهم في الله وجالسناهم سنين في مجالس الايمان حتى شتت التنظيم كل شيء ولفظ كل شريف، ثم هو اليوم ينكر فضل كل سابق بالخيرات بإذن الله أفنى عمره في خدمة الدعوة ثم مات منسيا على الهامش، يموت فقيرا منبوذا في الربذة لا يسأل فيه أحد ولا يطلع على أحواله مع الدنيا أحد.

    إن الانظمة السياسية الحاكمة رغم ظلمها الظاهر إلا أنها تحمي خدامها، توفر لهم أسباب العيش الكريم، تسمي الشوارع باسمهم، تصرف لهم معاشات سخية، تذكر الشباب الحالي أنهم في مأمن من النظام وأن لا أحد منهم سيندم يوما على نصرته للنظام، تشجعهم على مزيد من البذل والعطاء، والاغرب من ذلك أن بعض قيادات التنظيم الاسلامي تطمع في كرم النظام وعطائه، فهي تعمل بذكاء، تعمل داخل التنظيم وتحكي في الظاهر عن قصص الجهاد، لكنها من الجهة الاخرى تحافظ على علاقات طيبة مع النظام وتأخذ كل شهر معاشاتها من خزينته، وإذا سالتها ما بال إخوانك المعوزين الذين رماهم التنظيم في دائرة النسيان لم لا ينالهم كرم التنظيم، قالت لك إنهم كانوا يعملون مع الله وليس مع التنظيم، فليس لهم اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين التشويه والنميمة المنظمة والقطيعة والحقد.

    ما أبشع التنظيم عندما يتحدث بلغة التصوف وهو أشد عداوة للصوفية والدائرين حول حمى التصوف، ما أبشع التلاعب بالدين والمفاهيم التربوية العالية، ما أبشع أن تستخدم أخاك وتفوت عليه فرص جمع المال والشواهد العليا ثم ترميه بسلطتك التنظيمية عندما يشتد ساعد التنظيم ويستغني عن الرجال، ما أبشع أخلاق التنظيم، لكننا نقول من صميم قلوبنا فعلا، من عمل شيئا فلله، وعلى الشباب الحالي في صفوف التنظيم الاسلامي أن يستشعروا هذا الأمر بكل واقعية، فعليهم أن يضربوا جهة مصالحهم قبل أن يرميهم التنظيم جثة هرمة، على الشباب اليوم أن لا ينساق وراء الحركية المفرطة والرمزية التنظيمية الخارجية، بل عليه أن يدرس ويحصل الشواهد العليا ثم يعمل على ضمان مستقبله المالي عن طريق الانخراط في مراكز العمل التي تدر دخلا كريما شريفا حتى يحمي نفسه وأسرته وأطفاله من طعنة التنظيم آخر العمر.

    على الشباب أن يعي أن التنظيم لا كبد له على أحد، عليه أن يجمع بين المصلحة الشخصية ومصلحة التنظيم، عليه أن يستشعر الخطر خاصة عندما يتقدم به العمر، حينها سيعلم ما أقوله الان، سيعلم هؤلاء الشباب أن لا أحد سيكون بجوارهم سوى أباءهم وجيوبهم، لا اريد لهم المذلة التي وقع فيها رجال قضوا في التنظيم أربعين سنة ليجدوا أنفسهم مهزلة وملطشة وعالة يعانون الفاقة على ابواب "اللي يسوى وللي ما يسواش"، لا أريد لهم جهدا ضائعا في الفراغ، أريد لهم ربح أنفسهم، فإن هم ربحوا أنفسهم فقد ربحت الأمة.

    إنه لا أمان للتنظيم، حية تسعى، فالحذر الحذر، لا يلذغنكم ثعبان التنظيم آخر العمر، فالاحتياط واجب، وتزودوا للدنيا فإن خير زادها الدبلوم والمال والوظيفة.


    ◀ الفصل السابق: تنظيم حقود

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: الاستنطاق التنظيمي

  • تنظيم حقود

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 46 من 77 — فهرس الكتاب

    نريد أن نفهم في هذا المحور كيف يمكن أن يصبح التنظيم ينبوع الحقد، كل من يقترب منه يمتلئ حقدا، نريد أن نفهم الميكانيزمات التي يزرع بها التنظيم الاحقاد داخل الجماعة، ونريد أن نعرف الاساليب الدقيقة التي يستعملها كي يشحن عضوا مؤمنا سليم القلب بالحقد ويحوله من شخص حسن النية هانئ البال منشغلا بالتربية والدعوة إلى شخص منشغل بالقيل والقال والتجسس، مملوء عن آخره بالحقد والكدر على المؤمنين الذين لا يميلون مع التنظيم ميولاته أو يختلفون فقط مع بعض مسؤوليه، نريد أن نعرف هل ينتقل الحقد بمجرد مخاللة أمراء التنظيم أم أن في الأمر صناعة على أعين التنظيم تنتج هكذا أشخاص مرضى بالحقد، ثم نريد أن نعرف هل الحقد داخل التنظيم مرض شخصي عفوي أم هو مرض هيكلي منظم داخل أروقة التنظيم؟

    قال الغزالي رحمه الله: " إن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرضه بوجه من الوجوه، أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في قلبه الحقد عليه، والحقد يقتضي التشفي والانتقام، وقد يحدث الحقد بسبب خبث النفس وشحها بالخير لِعِبادِ الله" [1].

    الغزالي رحمه الله تحدث عن الحقد بين الناس، لكننا نتساءل هل يمكن للحقد أن يكون صفة تنظيم؟ نعم يمكن ذلك، لقد وصف الامام الراحل يوما نظاما سياسيا بأنه حقود، حقود لأنه لا ينسى معارضيه أبدا حتى يقضي عليهم ويذلهم إذلالا ويذيقهم أصنافا من الانتقام [2] والتشفي [3]، إنه كالشيطان الرجيم الحقود يتربص بالإنسان طول حياته، فالشيطان لا ييأس أبدا، يراك على طريق الله فيدعك لحالك مرغما، لكنه يظل يترصد الفرصة، يقتات من نار حقده سنوات حتى إذا غفلت أو فرط التنظيم فيك ورمى بك خارج حمى المجالس ارتمى عليك عدو الله ينشب أظفاره فيك، فمريض القلب والتنظيم والنظام والشيطان يشتركون في هذه الصفة، كلهم يتمتعون بالحقد، لكننا نفرق بين حقد الشيطان الأزلي، وحقد الفرد مريض القلب بالحسد أو حب الانتقام، وحقد النظام عندما تنتقد دكتاتوريته، وحقد التنظيم عندما يحقد لمجرد فكرة تدندن بها أو حرية شخصية تطالب بها أو تفوهت بكلمة على الفيسبوك أو تريد صحبة رجل أو تنتقد الوصاية على التربية.

    يختلف حقد التنظيم كونه يقف على أسباب واهية، بل إنه قد يرسخ لمجرد أنك تذكر الله كثيرا، وقد حضرت مرات عديدة على سهام البغض ونظرات الحقد التي ينظر بها مسؤولو التنظيم إلى دراويش عاجزين ضعفاء فقراء لمجرد أنهم ذاكرين لله، نظرات حقد قاسية تنبئ عما في القلوب من كدر وغل وحقد وكره لذكر الله والذاكرين لله، وقد يحقد عليك لمجرد أنك في لقاء عام طرحت سؤالا شائكا محرجا على القيادة الزائرة وخلقت جلبة فكرية، وقد يحقد عليك لمجرد أنك لا تملك المال، وقد يحقد عليك لمجرد أنك عفوي طيب القلب غير مشارك في لعبة السم والغل والمكر والبلقنة التنظيمية، وقد يحقد لمجرد أنك أخطأت في رقم حديث نبوي أو اسم راويه أو أنك أخطأت في سرد معلومة بسيطة، وقد يحقد عليك لمجرد أنك تريد زوجة ثانية، إنه حقود لا ينسى تعاطفك مع فلان أو زيارتك لـعلان من المفصولين من التنظيم، لا ينسى زيارتك لضريح مولاي عبد السلام، لا ينسى رباطاتك الاربعينية الطويلة التي كنت تحرج فيها المسؤولين الذين لا يعرفون إلى الرباط طريقا.

    التنظيم يحقد كونه يراك قاب قوسين أن تتحرر وتفلت من عبوديته وتتمتع بشخصيتك، ولذلك فمجرد تململك يمنة أو يسرة يرى ذلك إذاية كبيرة، ومع هذه الاذاية البسيطة يحقد، فلا يجب أن تتململ أو تتحرك أو تعيش شخصيتك، عليك أن تبقى عبدا خاضعا كامل الأدب في خضوعك، ما زاغ البصر وما طغى بين يدي التنظيم الالـه، والأخطر من ذلك أن حقد التنظيم ليس كغيره من الاحقاد الشخصية، ذلك أن يده طويلة وله علاقات ويستطيع أن يضرب الفرد في أمكنة عديدة منها ما هو ظاهر ومنها ما هو تحت الحزام فلا يدري المغدور من أين نزلت عليه الهراوة، يخطط للأمر بليل وينفذ في ساعة الضباب، يفعل التنظيم ذلك من منطلق حقد تنظيمي لا ينساه لك ولو أفنيت عمرك في خدمته، إنه تنظيم حقود ينتظر منك الغلطة البسيطة ليدمرك تدميرا، لعله يشفي غليل حقده التنظيمي الذي لا ينقطع، فقد يستمر في هدنته سنين وسنين، حتى لكأنك نسيت ما كان، فإذا به يتذكر كل شيء كلمة كلمة ولحظة بلحظة، فيغدر بك في لحظة ضعف فتلتفت وترى تلك الابتسامة الحقيرة، ابتسامة التشفي.

    يلعب التنظيم غالبا على المدى البعيد، ينتظر الفرصة مليا كالشيطان الرجيم، فحقده لا يكشفه بداية إلا عبر نظرات حاقدة تراها في أعين المسؤولين التنظيميين، لكنه يكشف حقده عمليا عندما تحين الفرصة، فعندما يستقوي عليك أو تأتيك لحظة ضعف ينقض عليك بشراسة، يكشف عن حقده ويمتص دمك بمتعة، يشرب منك ويأكل من لحمك نميمة وغيبة، يشوه شرفك عمليا، ثم يكشف أوراقك للجهات المعنية التي يدعي أنه يحاربها ليدخلك في متاهة أخرى، ولذلك تحدثت سابقا عن قاعدة ذهبية وهي أن لا تكشف أسرارك للتنظيم، فهذه المعلومات هي من يعطي نقطة البداية لعملية الانقضاض عليك، هي الثغرة التي يدخل منها الحقد ليصبح حقيقة ملموسة، فلا تغترن بأسنان الليث باسمة بل هو يخفي حقده الدفين ويعد لك العدة، إنه ليس تنظيما أخويا كما تظن، إنه وحش كاسر بقلب أسود حاقد ماكر.

    الحقد قد يحدث أيضا ليس بسبب مشاكسات تنظيمية أو فكرية أو تربوية يسببها الشخص للتنظيم بل إنه أحيانا كثيرة يتكون في هياكل التنظيم بدون سبب، يكفي أن يكون مسؤولو التنظيم قوما غافلين عن الله، منشغلين بالدنيا والسياسة، فيحقدون تلقائيا على الصالحين من عباد الله داخل الصف دون أدنى إذاية من هؤلاء، وهو أمر طبيعي ينتج عن مرض في القلب [4] بعد بُعد عن الله، فالقلب المريض لا ينتظر إذاية ليحقد بل هو يحقد تلقاء نفسه وينتقم بشراسة لاخراج الشر الذي في داخله، وطبعا لن يحلو الشر إلا على الصالحين، ويبقى إخوان السياسة أحبابا.

    إن الحقد مرض قلبي نفسي، وهو مرض ليس ذو بعد فردي فقط، بل إن له أبعادا تنظيمية، والتنظيمات إما حقودة أو متسامحة، بقوانينها وبهياكلها وبفلسفة أدبياتها وبأخلاق مسؤوليها، حقودة عندما يتهيكل الحقد فيها فيصبح تصرفات ومؤسسات تنظيمية، وحقودة عندما تطلق يد المسؤولين فيها على من تحتهم يفعلون فيهم ما يشاؤون، يفرغون فيهم أمراضهم النفسية ويعذبونهم بنفسياتهم المريضة، لذلك فإن التنظيم الذي يطلق يد مسؤوليه ليفرغو حقدهم على الاعضاء هو تنظيم مريض حقود، أما التنظيم الصافي فيقتل الحقد في مهده بالقرارات التنظيمية العادلة الشفافة، يمحي الضغائن الشخصية بكسر شوكة المسؤول وإرغامه على التواضع لخلق الله وإيثار المصلحة الجماعية على شهوة الحقد والانتقام من الاعضاء، التنظيم المتسامح لا يتأثر بالانتقاد أو المشاكسة الفكرية، لا ينتقم لمسؤوليه لأن المسؤول ليس سلطان السلاطين نحرص على تمتيعه نفسيا على حساب الاعضاء ونوفر له كل وسائل الراحة، بل هو مسؤول مقتحم للعقبة التنظيمية والتربوية يجب أن يعافس المشاكل ويحلها ولو على حساب راحته وصفاء قلبه، هو رجل في عقبة الصبر والمصابرة والبناء والتشييد وليس بالضرورة أن يكون مرتاحا، فلا هرقلية في التنظيم، يكفي أن المسؤول يتمتع بمكانة تنظيمية واحترام من المقهورين تحته.

    يحدث كثيرا أن يبرز في التنظيم عضو بادية عليه أمارات النباهة والنبوغ والفهم والحركة والعطاء والتربية فيتصدى له مسؤول حقود، يحقد عليه خوفا على مركزه التنظيمي، فيحفر له الحفر، ويقتنص كل فرصة للتقليل من شأنه، يترصد الاخطاء البسيطة ليدخله في خانة الخونة والفاسقين، يدمره نفسيا وتنظيميا وتربويا ليبقى هو، طاقات كثيرة دمرها المسؤولون التنظيميون حقدا من عند أنفسهم بدون سبب وجيه وهم يوحون للتنظيم بحرصهم على مصلحة التنظيم من العناصر الخطرة، يخضع التنظيم لهذه التخوفات فهو أيضا يخاف على هياكله، والتنظيم جبان، كرأس المال لا يغامر ولا يحب العناصر القوية، يحب فقط العناصر الخنوعة، أما العناصر القوية المتحررة ذات الشخصية الناقدة التي تريد أن تفهم قبل أن تخطو وتقترح وتنتقد ولها رأي وموقف وكلام فهو لا يحبها ولا يرتاح معها، وإن لم يحقد عليها فهو يسكت على حقد المسؤولين عليها، يقلب صفحة وجهه بعيدا ويترك المسؤولين يقومون بمهمة الذبح تحت ظلال صمت القيادة.

    لكن المستغرب له هو الحقد المدهون بنكهة تربوية، فأحيانا يصرخ المسؤول التنظيمي " غا تآذا مني" " سأدعو عليك" "أنت تحارب دعوة الله" "دعوة الله محفوظة" (يخلط بين الدعوة وشخصه)، يحاول أن ينتقم بالمصطلحات التربوية، يستعمل الدين في السياسة، وفي طيات حقده ادعاء بالصلاح، ادعاء بكينونة الله مع المسؤول التنظيمي، لكأن المدعو عليه عدو لله لا دعوة مستجابة له، لكأن الاخرين سيخافون من دعاء المسؤول المستجاب، والحقيقة التي أنا متأكد منها أن دعاء المسؤول لا يصعد شبرا فوق رأسه بل يرجع عليه توا سوادا في وجهه وغلا في قلبه ونفورا من تنظيمه، إنه فقط يحاول اللعب على نفسية الآخر والضغط عليه ليطيع ويركع، يحسب أن التنظيم يسير بالمكر، حقد تنظيمي أسود ممزوج بنكهة تربوية لم أر له مثيلا إلا في التنظيم الاسلامي، حقد مهيكل مريض وهجوم بالدعاء عل اساس التربية المزعومة استكمالا للفصل التنظيمي والتشويه الاجتماعي.

    يا ليت التنظيم يرجع إلى أدبيات الفكر الاسلامي الذي يحض على الصفاء والمحبة والاخاء وخدمة المؤمنين والتسامح معهم والسعي بين ايديهم بالنية الصافية، حتى إذا وقع نزغ شيطاني تذكر الجميع قوله تعالى: " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ" الحجر47، ذلك أن الحقد لا يأكل صاحبه فقط بل هو يأكل التنظيم أيضا.

    عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: " دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبَغْضَاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشِّعر، ولكن تحلق الدِّين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أُنبِّئكم بما يثبِّت ذلك لكم؟ أفشوا السَّلام بينكم" [5].

    السلام ضد الحرب.

    السلام يقوي المحبة، والمحبة تطفئ الأحقاد.

    الحرب تشعل البغضاء، وتلهب نار الأحقاد.

    قال تعالى: " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " الحشر8.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: " إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" [6]. قال السعدي: فعلى المؤمنين أن يكونوا متحابِّين، متصافِّين غير متباغضين ولا متعادين، يسعون جميعهم لمصالحهم الكليَّة التي بها قوام دينهم ودنياهم، لا يتكبَّر شريف على وضيع، ولا يحتقر أحدٌ منهم أحدًا.

    نسال الله أن يهدي مسؤولي التنظيم الاسلامي سواء السبيل ويملأ قلوبهم بحب الخير للمؤمنين ويرزقهم التواضع والتخلي عن الكبر الذي شربوه من المسؤولية التنظيمية، ولن يصير ذلك حتى يصير المركز التنظيمي مجرد وظيفة لا اقل ولا أكثر، مهمة تنظيمية لا تعني ولاية الله ولا تعني الافضلية على سائر المؤمنين، وأكيد أن اقتلاع هذا الكبر سيكون خير دواء للحقد التنظيمي الذي ينهل من متلازمة التكبر التنظيمي والخواء التربوي.


    📌 الهوامش

    1. [1] احياء علوم الدين، ج2ـ ص 178
    2. [2] في الحديث الشريف عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قَالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَادِمًا لَهُ قَطُّ، وَلَا امْرَأَةً لَهُ قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَانْتَقَمَهُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. . ." صححه الألباني في كتاب: غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، حديث رقم: 252.
    3. [3] إن الشماتة بالمصائب التي تقع للغير تتنافى مع الرحمة التي يفترض أنها تسود بين المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من إيذاء أهل الطائف له لم يشأ أن يدعو عليهم بالهلاك وقد خيره جبريل في ذلك، ولكن قال في رحمة وسمو خلق " لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا "، ثم تسامى في النبل والكرم فدعا لهم بالهداية والمغفرة. ولما منع ثمامة بن أثال عن قريش إمدادهم بالطعام وكانوا في قحط، لم يظهر الرسول بهم شماتة ولم يفرح لما أصابهم، بل أمر بإمدادهم بما كان معتادًا، عندما ناشدوه الله والرحمة وسألوه بأخلاقه السمحة المعهودة فيه، وقد قال في صفات المنافقين "وإذا خاصم فجر" ومن الفجور الشماتة. إن الشماتة خلق الكافرين والمنافقين الذين قال اللّه فيهم " هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا " ال عمران، 120
    4. [4] " القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ما حديثنا عن مقاصد الشريعة، وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المؤمنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات." الاحسان، ج1، ص22.
    5. [5] رواه الترمذي، 2510
    6. [6] البخاري 6064.

    ◀ الفصل السابق: أخلاق التنظيم

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: جحود ذوي السابقة

  • أخلاق التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 45 من 77 — فهرس الكتاب

    إذا لم يكن للتنظيم دين، فعلى الأقل يجب أن تكون له أخلاق، فعلاقات الافراد فيما بينهم سواء داخل تنظيم معين أو في الحياة اليومية إما أن يضبطها القانون أو الدين أو الخلق، ونحن مضطرين للتعامل بالأخلاق الانسانية في جميع الاحوال مع جميع البشر سواء داخل التنظيم أو خارجه أو حتى خارج الملة الاسلامية، فالدين والقانون ضابطان أساسيان لحياة الناس، وتبقى الأخلاق الدائرة الأكثر اتساعا والتي تجمع بني الانسان على نطاق يتجاوز الحد الضيق للقانون والشرع، فأغلب المعاملات تحضر فيها الاخلاق ولا يحضر فيها القانون، والتنظيم مطالب بأن يكون تنظيما أخلاقيا لا يدمر الأخلاق ولا يتعامل بأسوئها، والهياكل لها من الامكانيات للتعامل بالأخلاق أكثر من البشر، ذلك أن الاخلاق هنا تكون مقننة ومهيكلة، فتصير الاخلاق عبارة عن أعراف وقواعد قانونية داخلية، كما أن الرفع من الحس الاخلاقي داخل التنظيم مسؤولية الاجهزة الداخلية والمسؤولين التنظيميين.

    لكنه من المتصور جدا أن تتفشى في التنظيم أخلاق زفت، فأي تجمع بشري خاصة التنظيم الاسلامي المعشش في الزاوية المظلمة في سرية تامة بعيدا عن القانون معرض لهذه الظاهرة، زاوية منغلقة لا قضاء فيها ولا قانون، ليس على مستوى الافراد فقط بل على مستوى التنظيم أيضا، فعلى عكس المتوقع وفي أحيان كثيرة تكون أخلاق عامة الناس أفضل بكثير من أخلاق المنتمين إلى التنظيم الاسلامي، ولحد الآن لست أدري السبب في ذلك، لكني أرجح أنه التكبر والاحساس بالتميز عن العامة، فالتكبر بالدين أمر عادي داخل الصف الاسلامي، ليس فقط اتجاه غير المنتمين إليه بل أيضا تجاه باقي المنتمين إلى التنظيمات الاسلامية الاخرى، لكأن المنتمي إلى تنظيم معين يعتقد القرب من الله أكثر من عضو التنظيم الاخر، ويعتقد أن الله يحبه ويضعه في مكانة مميزة عن باقي الناس، وحتى لو تفوه بكلمات التواضع فهي مجرد كلام يستبطن في قلبه عكسه، تراه ينظر باستصغار إلى غيره من الاسلاميين، أما العامة فيتأفف منهم ويحتقرهم ولا يرى فيهم سوى أصوات انتخابية مستقبلية تستحق بعض الابتسامات الصفراء، يكفي أن تعلم أنك إذا ما ارتكبت في حقه خطأ بسيطا لم يسامحك أبدا وحمل في قلبه عليك أطنانا من الحقد لا يمكن مسحها بسهولة، ولو بذلت الكثير من الجهد للتقرب والتودد إليه بقي على حاله من البغض والكره والحقد تجاهك، لاحظت هذا في القياديين خاصة، تتودد إليه بكل تواضع فيزداد انتفاخا وتريشا عليك واحتقارا لك، خطأ بسيط في حقه ويضرب كل ماضيك التربوي والتنظيمي والدعوي في الصفر.

    أجلس أحيانا أتأمل فلا أجد سببا مُقنعا لفساد أخلاق أناس قضوا في التنظيم الاسلامي عشرات السنين، كيف لم تعمل التربية فيهم عملها، أين الخلل؟ كيف رضوا بهذه الأخلاق وقد جاوز الكثير منهم الستين سنة، هل الخلل في التربية أم في التنظيم؟ وبالمقابل أجد أناسا لم يعرفوا كل هذا القدر من التنظيم والدروس الدينية والمحطات التربوية يعاملونك بقدر كبير من الاحترام وجميل الأخلاق، يتواضعون، ينقذون، يساعدون، ينفقون، يسامحون، يبذلون، لا يحقدون، فلماذا مسؤولي التنظيم الاسلامي وبيادقهم داخل التنظيم بهذا القدر من التكبر والحقد والانتقام والشح والمكر؟ سؤال ربما يكون محط دراسة مقبلة، فلابد أن أقف على الخلل كي لا تضيع كل هذه السنوات التي قضيناها داخل الصف هباء، يجب معالجة الخلل الأخلاقي لعل الاجيال القادمة من الحركة الاسلامية تكون أكثر حبا للخير، وأكثر ودا وتواضعا وصفاء مع الاخوان والناس.

    على عكس مفهوم الأخلاق المتداول بين الناس، يعتقد التنظيم أن الأخلاق تتعلق بالجنس فقط، فكل هذه الاوساخ الاخلاقية من عجرفة وحسد وانتقام وحقد تُعتبر شيئا عاديا في الميزان التنظيمي، ومسموح بها ولا يتعرض صاحبها لأي فصل أو عقوبات تنظيمية، فقط عندما تلمس يد فتاة بحب أو عندما تدردش معها على النت بشوق أو عندما تبحث بصوت عال عن زوجة ثانية بعدما تصل المعاناة مع الزوجة الاولى الى العظم تصبح مرتكبا لعمل غير أخلاقي يستوجب الفصل، فالأخلاق بالنسبة للتنظيم هي القدرة على التخفي، فكل من يقضي "حاجة بالسكات" ولي لله، وإذا ما طفح على السطح شيء بسيط من الطبيعة البشرية يشير إلى علاقة مع امرأة ولو لم تصل إلى درجة العلاقة غير الشرعية فالمعني بالأمر شيطان رجيم يرتكب أشياء غير أخلاقية.

    الخطأ الجنسي لا يُغتفر في التنظيم، وارتكب بعد ذلك من الجرائم الاخلاقية ما تريد.

    سنتحدث عن علاقة التنظيم بالجنس في محور لاحق وكيف يتعاطى التنظيم مع هذه المؤسسة الاجتماعية، لكنني أشير هنا فقط إلى عملية مشينة تختزل الاخلاق في الابتعاد عن النساء، تهمل الانحطاط الاخلاقي المتعدد الاوجه المستشري في التنظيم وتختزله في الجنس غير الموافق للقانون الوضعي، لكن بالنسبة إلي شخصيا فالهفوات أو المعاصي أو الزلات بصفة عامة لا تُعبر بتاتا عن أخلاق الشخص بقدر ما تعبر عن لحظة ضعف أو احتياجات لم يستطع كبحها أو تعبر عن قدر كان مقدورا، حب فتاة أو لمس يدها أو تقبيلها سقوط في إغراء شيطاني، وجميع الاشخاص معرضون لهذه الزلات خاصة العزاب والمحرومون من التعدد، طبعا لا أُشرعن هنا للفساد حتى لا يقتـنصني التنظيم، لكنني أشير إلى أن التنظيم يشارك في هذه الزلات عندما يتبنى القانون الوضعي المجحف في حق الرجل ويمنعه من توثيق عقد الزواج إلا في إطار مساطر قضائية معقدة، طبعا التنظيم يسير مع السهلة وهو تنفيذ القانون الوضعي المتدخل في العلاقات الشخصية ولا يستطيع أن يحل الاشكالية إلا في إطار القانون لأنه لا يؤمن بالشريعة الاسلامية.

    على أن التنظيم لا يتعامل بنفس الشدة مع هذه الزلات، فانتشار العلاقات الغرامية المستترة هنا وهناك أمر مُسلم به، خاصة في زمن انتشار الهواتف النقالة، لكن الأمر لا يصل إلى حد الزنى، فالتنظيم الاسلامي لا يزال أعضاؤه محافظين على فروجهم من انتشار الزنى عكس بعض التنظيمات السياسية الاخرى، لكن المشين داخل التنظيم الاسلامي هو استعمال هذه الزلات الخفيفة للإطاحة بالعناصر غير المرغوب فيها تنظيميا وقطع رأسها بهذه الطريقة، فمجرد دخول سوق النساء للبحث عن زوجة يعتبر أمرا مشينا لدى التنظيم، أما بالنسبة للمراهقين فيتم تجاهل مثل هكذا زلات، يقولون لك شباب العصر، وبذلك يكون التنظيم الاسلامي متماشيا مع العصر، لأنه بكل بساطة لا يمكنه وقف شراسة الشباب الغرامية مع الطفرة الهرمونية، ومع انعدام أي حلول للتنظيم في تزويجهم، فقمع الشباب معناه فقدان شريحة كبيرة قوية وذات فاعلية وسهلة الانقياد بالأوهام السياسية والتربوية نظرا لضعف تجربتها وحماسها الغبي، بينما يتوارى ذئاب التنظيم خلف ترسانات دينية حتى نسمع عنهم بين الفينة والفينة عن إخلالات أخلاقية كبيرة تصل إلى حد ارتياد بيوت الدعارة، لكن يتم التستر عليها لأن أصحابها نافذون تنظيميا ويرسل إليهم التنظيم ثعالبه القانونية لإنقاذهم من قبضة النظام الذي ينصب لهم مصيدة الفصل490 تماما كما ينصبها التنظيم للفتية الذين قد يختلفون معه، بعد ذلك يحرك التنظيم قطاع الاخوات فيضغطن على الزوجة الأخت كي تتنازل عن الشكاية فتسقط المتابعة القضائية [1] عن المسؤول التنظيمي المتورط.

    شخصيا لا أعتبر حب النساء إخلالا أخلاقيا، فقط الزنى هو الاخلال الاخلاقي، أما الحب فـحب النساء مجبول عليه كل الرجال ابتداء من سن البلوغ بما فيهم الاولياء والصالحون حتى ولو كانوا متزوجين، فالرجل مجبول بالفطرة على حب النساء لا حب المرأة الواحدة، والرجل يستطيع أن يحب أكثر من امرأة واحدة، تماما كما أحبهم رسول الله [2]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته تزوجوا النساء ولم يتزوجوا المرأة، وهم فعلوا ذلك ليس جزاء على جهادهم وصلاحهم بل فقط لذكورتهم، فكل ذكر في الشرع له الحق في أربع نساء بغض النظر عن صلاحه أو درجة إيمانه، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الحق في أكثر من ذلك شريعة خاصة من الله له ودون موافقة زوجاته ولا موافقة القاضي، تقول النساء إن سبب زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مراوغات سياسية ونسج علاقات اجتماعية لكسب مواقف عسكرية، يعني زواج مصلحة، ويقول الرجال إنها قوة غير عادية اختص بها رسول الله.

    لكن المسلم به أن الرجل الطبيعي ابتداء من بلوغ الحلم يتعلق بالنساء بشكل فطري لا يمكن أن يلام عليه، بل هو في نظري عنوان الرجولة عكس المفهوم الجديد الذي تروج له النساء ومفاده بأن الرجولة هي العيش طول الحياة مع امرأة واحدة، كلام نسائي مُنطلقه الغيرة لا غير، وهو منطق غير واقعي ويسبب انفصاما في نفسية للرجل الذي يقبل به عن ضعف ومهانة ويضطره إلى سلوك دروب الخسة، حب النساء ليس عيبا، والزواج بأكثر من امرأة ليس عيبا، العيب واحد وهو الزنى، والعيب الآخر هو التشجيع الضمني للتنظيم على الزنى ومنع المؤمنين من التزوج بالنساء.

    ومع ذلك ورغم حب النساء الذي جُبل عليه الرجال فالأمر يستدعي قمع هذا الحب وغض البصر والصيام والصبر على الجمر في زمن مُنع فيه الحلال، ولنا عودة إلى الموضوع في محور خاص.

    في نظري الاخلالات الأخلاقية الأكثر خطورة والتي يجب أن يحط عليها التنظيم يده هي التكبر والتجبر، ثم النميمة المنظمة، ثم التصفية التنظيمية، ثم الحسد، ثم المكر، ثم الغدر، ثم التجسس، ثم تكوين اللوبيات الموازية ثم استعمال النساء لغزو البيوت، واستعمال المرأة لضرب الكوادر التنظيمية لعبة اقتبسها التنظيم من الانظمة، كما اقتبس منها كثيرا من الالاعيب الماكرة، وهذا الأمر في حد ذاته مصيبة أخلاقية، فالتنظيم الاسلامي الذي عرفته في التسعينات كان تنظيما ملؤه المحبة والأخوة، يقتبس أخلاقه من أولياء الله، أما الآن فهو يكاد يقطر حقدا وسما ومكرا ونميمة ومكائد تُنصب صباح مساء، تنظيم يقتبس أخلاقه من ميكيافيلية الذئاب، تنظيم ينتظر هفوة لينتقم، تنظيم يتجسس ليفضح، تنظيم يهرف بما يسمع ليُشوه، تنظيم يختلق البهتان وينشره في قنواته التنظيمية والاعلامية، تنظيم حقود نزل دركات سوء الأخلاق بعدما كان يتحدث عن صناعة أولياء الله.

    إن الجانب الأخلاقي المتردي داخل التنظيم الاسلامي نتيجة طبيعية للتحول الذي طرأ على فلسفة التنظيم وانتقاله من الصدق إلى المكيافيلية، من الشريعة الاسلامية إلى القانون الوضعي، من المعقول إلى التاحراميات [3]، من الحب في الله إلى الصراع على السلطة، من الأشعرية الجماعية إلى الانانية الفردية، تردي الاخلاق داخل التنظيم نتيجة عادية بالنظر إلى طبيعة الناس الذين صعدوا إلى دفة القيادة، فبعدما كانت القيادة تلهج بالصدق والشهادة أصبحت تتلوى بالمكر وبالحكمة تقتضي، فكان نتيجة سياسة المكر عند القيادة أن نهجت القاعدة سياسة النذالة، فلا أنذل من مسؤول تنظيمي في المستويات الدنيا ولا أمكر من مسؤول تنظيمي على مستوى القيادة.

    أزمة التنظيم الأخلاقية تحتاج منه الرجوع إلى الاصل، تحتاج إلى إعادة الاعتبار لرجال التربية الذين ذبحهم التنظيم، تحتاج إلى إعادة تطبيق البرامج التربوية القديمة البسيطة السهلة الممتنعة، تحتاج إلى قيادة صادقة مُقبلة على الشهادة غير حريصة على السلطة، تحتاج إلى سياسيات تنظيمية تكرس معاني الجد والصفاء لا معاني المكر والخداع [4]، وقبل ذلك تحتاج مداواة الجراح التي سببها التنظيم، مداواتها بصدق النية لا بالمراوغة والمعالجة الشكلية ترصدا لزمن الانتقام، الأزمة الأخلاقية داخل التنظيم مسألة حياة أو موت بالنسبة للمؤمنين المتراصين فيه، فالأخلاق قبل كل شيء وعند انتهاء كل شيء، وما الدين إلا منبع من منابع الاخلاق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق" [5]، ولما بلغ أبا ذر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: " رأيته يأمر بمكارم الأخلاق" [6]، وقال صلى الله عليه وسلم في نفس السياق: " خياركم أحاسنكم أخلاقا" [7].

    إن غاية الدين العظمى هي ترسيخ الاخلاق الحسنة، فالدين المعاملة، وليس الدين الحركات الرياضية عند الركوع والسجود والجري خلف مصالح التنظيم، الله سبحانه لا يحتاج منا حركات رياضية، بل يريد منا قلوبا محبة له خاشعة لربوبيته، يريد منا عمارة الارض ثقة وأخلاقا، استخلفنا لنشر الحب والخير والسلام، لا لنشر الكره والحرب.

    خراب الأخلاق نذير شؤم لا محالة، نذير خراب التنظيم بالمقام الأول، فكيف سينجمع المؤمنون على جيفة سوء الأخلاق، أمر لا يتصوره عقل ولا منطق، فأزمة الأخلاق داخل صفوف التنظيم بمسؤوليه وناشطيه علامة على قرب انهيار هذا التنظيم وتقطع أوصاله وتشتت عناصره، علامة واضحة على فشل العملية التربوية التي كان مُناطا رعايتها بأجهزة التنظيم، فالتربية الحركية كانت تتم داخل أجهزة التنظيم لا بين يدي الشيخ، وبذلك يكون التنظيم قد خالف عقد التأسيس وفشل في تربية أعضائه على عبادة الخالق والاحسان إلى المخلوق، وانهيار القيم الأخلاقية داخل التنظيم الاسلامي معناه فشل الزحف على الحكم تحصيل حاصل، فالناس لن تتبع الماكرين الفاسدين، ولن يُبارك الله جهادا يقوده الثعالب وتتأمره الذئاب، إنما يبارك الله جهادا تزكى أهله وهذبوا أنفسهم بأخلاق الاسلام وخدموا الناس بالتواضع فاستحقوا أن يكونوا أمناء الرسل ومبلغي الأمانة ومحط النصر على الاعداء والفوز بالله.

    إن تمكن أعضاء التنظيم الاسلامي من مكارم أخلاق التواضع والخدمة ونكران الذات وخفض الجناح ورحمة الضعيف والاطاحة بالجبار وصدق الحديث والتعاون على البر وإكرام بعضهم البعض واحترام بعضهم بعض، يجعلهم قاب قوسين من النجاح في امتحان التربية، فالأخلاق ثمار التربية، وحيث لا أخلاق فلا تربية، انعدام الأخلاق دليل على انعدام التربية، وضعف الاخلاق معناه خلل في التربية، واكتمال الأخلاق معناه اكتمال التربية.

    تحدثت عن أزمة الأخلاق داخل التنظيم الاسلامي مشيرا فقط إلى أزمة الرجال الاخلاقية، ولست غافلا عن أزمة الأخلاق داخل صفوف النساء كالتحرر المبالغ فيه والاختلاط وطريقة الكلام وطريقة اللباس والماكياج والتملص من طاعة الزوج والاسترجال على الرجال وكره التناسل ومشاركة الرجال امتيازاتهم ومنافستهن لهم منافسة حمقاء ثم النميمة داخل المجالس والغيبة وغير ذلك من الاخلاقيات المستشرية في عامة النساء، ناهيك عن التآمر وكيد المخططات لغزو البيوت وتشويه الـمُعددين واستعمال المدونة للتطليق وتركيع الرجال والمساهمة في موجة التخنيث ومساواة الرجال بالنساء، ثم التطاول على مقام الخلافة والمطالبة بأن تصير المرأة خليفة للمسلمين، ومن يدري ربما يطالبن غدا بإمامة النساء للرجال في المساجد في إطار المساواة، خواء معنوي وتنطع فارغ وتطاول وانخداع غريب بالثقافة المستوردة.

    لكن اللافت للإنتباه أن فساد أخلاق النساء داخل التنظيم الاسلامي يتميز عن غيره كونه يتم بطريقة منظمة وبالتالي بفاعلية تدميرية أكبر، فالنميمة مُنظمة والغيبة منظمة والتنطع منظم والتآمر منظم والاستقواء على الرجال منظم والتخنيث منظم، بمعنى أن التنظيم أصبح وسيلة إفساد عوض أن يكون وسيلة تربية، إشكال كبير أن يصبح التنظيم مسخرا لهذه الأخلاقيات المشينة، صراحة لا أريد أن أغوص أكثر في هذه البركة الآسنة حفاظا على قلوب النساء التي لا تقبل النقد، كما أن الأمر طبيعة نسائية فنتقبله بشكل عادي، لكن الذي يفزعنا هو أن تنتقل هذه الكوارث النسائية إلى الرجال في إطار المساواة، فنجد أنفسنا أمام رجال ينتمون إلى التنظيم الاسلامي بلحى طويلة لكنهم في الحقيقة نساء.

    أعرف أن المصطادين في الماء العكر سيتهمونني بالتعميم، ولذلك أقف وقفة صغيرة لأقول بصريح العبارة بأنني لا أعمم، فهناك مؤمنات داخل التنظيم الاسلامي قمةٌ في المسؤولية والنضج والتربية ونزول تلك الدرجة الشرعية أمام أزواجهن، مؤمنات ترى في وجوههن نور الايمان وأثر التربية، وكل ذلك مرده إلى الشريعة التي تشبثن بها تاركات ما عدا ذلك من الهراء الفكري والفساد الاخلاقي للنساء التائهات خلف دين التحرر والمساواة الجديد.

    نرجع إلى أزمة الأخلاق بصفة عامة داخل التنظيم الاسلامي ونقول بأن تجاوزها يتطلب قدوة ومثالا من القيادة، من الرجال ومن النساء، يلي ذلك تشرب واقتباس وتمثل، فإنما العلم بالتعلم [8] والحلم بالتحلم، وإن الطبع يُسترق [9]، وإذا كان الناس على دين ملوكها [10] فإن إخوان التنظيم على أخلاق مسؤوليهم، يسري ذلك كالكهرباء في الجسم، من المحرك إلى باقي الأجهزة، كالماء من قمة الجبل إلى سفحه [11]، وإن صبر القيادة مع القاعدة والصبر عليها وتقبل النصيحة منها والفرح بالكلمة الصادقة وتقبل انتقاداتها من الأخلاق التي أضحت نادرة النظير، فحتى الذين كنا نعتقد فيهم كمال الولاية كشفت الأيام عن ضيق صدورهم بالنصيحة وانزعاجهم من الكلمة الصادقة ونزولهم على المنتقدين بالفصل والتنقيص والتشويه، لكأن الله حفظ البلاد من وصول هؤلاء إلى الحكم، وإلا لكانوا قد ذبحوا الناس يمنة ويسرة وأولهم إخوانهم الذين لهم آراء حرة ونظرة مختلفة وكلمة قوية وشخصية متفردة وإرادة مقتحمة وعقلية مُواجهة لا عقلية كولسة.

    كثيرا ما جلست أفكر في سبب ضيق صدر مسؤول التنظيم وهو الذي يملك السلطة المطلقة تحت يده، له وظيفة، حالته المادية لا بأس بها، دائم الحضور في المجالس التنظيمية، يتمتع بقدر كبير من التقدير والاحترام والهيبة التنظيمية، له حصانة من المحاسبة والتفتيش والرقابة، فلماذا يكره حتى شجرة حديقته إذا مالت دون أمره، لماذا يكره أخاه في التنظيم إذا تفوه بكلمة تخالف التعليمات، لماذا ينظر إليه بحقد عند حدوث اختلاف بسيط، لماذا يكره الإخوان الشجعان الذين يتمتعون بقوة المنطق وصريح الخطاب، لماذا يعشق العبيد والعبودية، لماذا يكون قاسيا أكثر من الحيوان وأمكر من الثعلب مع أخاه في الجماعة الذي يريد أن يكون له رأي وتعبير صريح عما في قلبه، بصريح العبارة ما الذي يجعل المسؤول التنظيمي يكره الحرية ويعشق الاستعباد اللطيف المزركش بعبارات إيمانية وأدعية إسلامية، لماذا يطلب منك أن تدخل بيت طاعته باستهبال وإصرار وإلا رماك إلى خارج التنظيم؟

    أسئلة كثيرة لا أجد لها جوابا، ولا زلت إلى يومنا هذا بعدما قضيت سنوات طويلة من مراهقتي وشبابي في التنظيم الاسلامي لا أعرف لماذا يكون المسؤول التنظيمي حيوانا شرسا عندما يتعلق الأمر بمؤمن ذي وجه واحد يعبر بحرية عما في نفسه وقلبه، صحيح أن الحرية لا يجب أن تكسر التنظيم والنظام العام، لكن لماذا كل هذا الحقد والمكر، ما يزال يمثل أمامي مسؤول تنظيمي عاشرته سنين طويلة كان ينهج كل السبل ويفعل كل ما في وسعه لإرسال مخالفيه إلى مستشفى المجانين، ذلك أن أفعاله الماكرة كانت من الشرور والخبث بحيث تستطيع أن ترمي بكل من يقع تحت طائلتها إلى الشارع في حالة جنون، حرب كبيرة يتعرض لها العضو الذي لا يسير في هواه، كان حقودا يفترس كل مخالف و بأبشع الطرق الاقتصادية والتنظيمية والاسرية والتربوية والاجتماعية، كان يسلط عليك كل مصيبة مالية أو اجتماعية أو تنظيمية ويخوض عليك حربا ضروسا باستعمال كل الامكانيات التنظيمية والاجتماعية التي يخولها له التنظيم، وأول هذه الوسائل النميمة داخل الصف والتشهير والتهميش والمقاطعة المالية والاختراق الاسري والاقصاء التنظيمي، حرب شعواء لا تبقي ولا تذر تُنبئ عن شخصية مريضة بالرئاسة واستعباد البشر، ورغم أن ضحاياه كثر ومع ذلك لم أر التنظيم يوما تدخل، كان التنظيم يفصل فقط كل مؤمن زار مولاي عبد السلام أو أراد زوجة ثانية أو زار شيخا صوفيا في جبل، حتى اكتشفت أخيرا وللأسف أن التنظيم شريك له في كل جرائمه.

    عندما أضع صورة هذا المسؤول التنظيمي وأضع بجوارها صورة نصراني أو يهودي أو ملحد، لا أجد كل هذا الحقد على المخالفين والمختلفين، أجد أن الانسان الكافر ربما يحترم الخصوصية، يقبل التنوع، يعشق الرأي المختلف، لا تهمه حياتك الخاصة، لا تهمه ديانتك ولا مركزك الاجتماعي ولا عدد زوجاتك أو عشيقاتك، يحترم كيانك ورأيك وشخصيتك، رأيت هذا الأمر أيضا عند العجم في تركيا، احترام وتقدير للغير وثقافته وشخصيته وحريته وخصوصيته، فلماذا عندنا في التنظيم الاسلامي العربي يكشرون عن أنيابهم في وجه إخوانهم الذين قضوا معهم في خندق الجهاد وتحت زوابع البلاء عشرات السنين، ما الشيء الذي يجعل الأخ المسؤول تنظيميا يقتل الأخ العضو البسيط تنظيميا واجتماعيا لمجرد اختلاف، هل كتب الله العبودية على المؤمنين لمجرد أنهم انخرطوا في صف التنظيم راجين إقامة العدل والشريعة في البلاد، هل انتصرت التربية الأممية التحررية إنسانيا وأخلاقيا على التربية الإيمانية الاسلامية التي ينشرها التنظيم الإسلامي الذي مُنطلقه وغايته الاسلام؟

    ما زلت أعتقد أن القوة لا تعني استعمال وسائل التنظيم لتدمير المخالفين، بل القوة مواجهة المخالفين، المواجهة أكثر رجولة من الاختباء خلف التنظيم واستعمال مقدرات التنظيم، استعمال المنطق أو الكتف أكثر رجولة، فالمسؤول التنظيمي الذي له خلافات مع عضو أو مسؤول آخر من التنظيم نفسه عليه أن لا يستعمل الموارد والمقدرات التي يضعها التنظيم بين يديه، بل عليه أن يقوم بتحييد الجماعة من حربه، وأن لا يستعمل الاسلحة الجماعية في قتل العُزل تنظيميا، ليكن قويا شجاعا وليخرج إلى الساحة بقدراته الشخصية لا اعتمادا على قدرات الجماعة، اليد باليد والسيف بالسيف والفكر بالفكر، وإذا ما انهزم أمام المخالف ليكن شجاعا ولا يختبئ خلف التنظيم، ليواجه مصيره الضعيف بشجاعة الرجال، دون أن يستعمل مركزه التنظيمي ويستجدي رؤساءه ليحموا ظهره المنكشف ويرجعوا ماء وجهه المهروق، ليكن أكثر قوة على غرار الميزان القرآني المتمثل في القوي الأمين وليكن متحملا لاختلاف المؤمنين الآخرين، قويا بحيث لا يفرض وصايته على غيره، قويا بحيث لا يخشى على رأيه من الرأي المخالف، قويا بحيث لا يخشى على مركزه التنظيمي من كاريزما تربوية محبوبة أسفل منه درجة في التنظيم، قويا بحيث يقبل الحق ولو كان ضد مصالحه، قويا بحيث يختار صفاء الجماعة ووحدة كلمتها وانتشار الشورى بين أعضائها على الانتصار في معركة فرض رأيه وشخصه على الاخرين.

    كنت يوما لا أرى غير التنظيم صائبا، حتى إذا فصل أخا عزيزا لا لشيء سوى لأنه انهار عصبيا من جراء الضربات الموجعة التي وجهها له المسؤول التنظيمي الطاغية، حضرت النازلة ولاحظت كيف انحاز التنظيم للمسؤول وفصل الطرف الضعيف بعد أن أشبعه احتقارا ونظرات حادة واتهامات لا دليل عليها سوى قول المسؤول، ذبحه التنظيم أمام عيني ثم نبذه بالعراء وهو سقيم بعد أن أفنى الأخ سنوات طويلة من زهرة شبابه في خدمة التنظيم والقطاع الطلابي، لم تشفع له لياليه البائسة في برد السكن الطلابي ولا أيامه الطويلة في ساحات النضال ولا وقته وماله الذي أنفقه في سبيل نصرة الجماعة والتمكين لها، رماه التنظيم كأنه حشرة، فما كان مني إلا أن رافقت هذا المظلوم طيلة معاناته مع الفقر والانهيار العصبي والبطالة وطعنة التنظيم في الظهر ولامبالاته به بل وتشفي مسؤوليه فيه أحيانا ونسبة ما أصابه إلى دعائهم عليه [12].

    إذا كان دعاؤك مستجابا أيها المسؤول التنظيمي الطاغية المجرم فإني مستعد لاعتناق المسيحية، حاشا لله أن يستجيب دعاء ظالم على مظلوم، وإلا لم سمى نفسه "العدل".

    ظلت عنصرا تنظيميا نشيطا رغم ذلك للصدق الذي يجري في دمي، ولكنني كنت أسترق الوقت وأقصد صاحبي أخفف عنه وأحمل عنه وأوصيه وأشد من عضده وأستمع لشكاويه التي لم يفهمها أحد سوى طبيبة يهودية كانت من أفضل اطباء الاعصاب في طنجة، "جاكلين" اليهودية كانت تتابع حالة أخي في الجماعة الذي ذبحه التنظيم قربانا للمسؤول، والحق يقال، لقد وجد صديقنا في المرأة اليهودية الرحمة والعناية والأذن السامعة لم يجدها في إخوان التنظيم الإسلامي، كانت اليهودية صادقة في عملها، وقد تحسن فعلا على يدها قليلا، ثم قصد طبيبا آخر هو نفسه كان عضوا سابقا في نفس التنظيم، وقد قاسى ما قاساه صاحبنا فانعزل في عيادته وخرج من التنظيم سالما بلا دم، ربما تركه التنظيم لحاله توقيرا لمركزه الاجتماعي، ولولا ذلك لأوصى التنظيم جميع الاعضاء بالدعاء عليه وتنفير الناس منه وترويج الشائعات عليه.

    عندما تكون قويا اجتماعيا يوقرك التنظيم ويخفف من حربه عليك، وعندما تكون ضعيفا تشتد هجمته عليك.

    هذه واحدة من أخلاق الزفت التي يتميز بها التنظيم الاسلامي، الغدر آخر المطاف، ولست أعمم هذا الخلق على جميع التنظيمات الاسلامية لكنني بالنسبة للتنظيم الذي عرفته فقد مارس هذا الغدر ونكران الجميل على كثير من الإخوان الصادقين الذين ساهموا في بنائه، أسماء كثيرة ماثلة أمام عيني وما زلت ألتقي ببعضها إلى يومنا هذا مارس عليها التنظيم أحط أشكال التنكيل في لحظة ضعفها، هذا التنكيل يكون عادة بعد استفزازات كثيرة وأذية متواصلة تؤدي بالفرد المقصود إلى ارتكاب بعض الاخطاء، فيتحقق المبرر، ويتم الذبح التنظيمي وهو الفصل.

    مؤسف، مؤسف أن يعيش المرشح لبناء الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هذه الازمة الاخلاقية، وما أوردته للإشارة ليس سوى غيض من فيض، ذلك أنه يستحيل الاحاطة بجميع الاشكالات الاخلاقية داخل التنظيم الاسلامي، كثيرة ومسكوت عنها ولا يمكن النبش فيها حفاظا على الود والاسماء ونصاعة الوجه السياسي للجماعة، إخلالات مالية وجنسية ومعاملاتية واجتماعية، والحقيقة أنه لا يمكن لوم التنظيم على هذه الافعال لأنها من فعل البشر لولا أنه يساهم فيها ويغطي على بعضها حفاظا على مصالحه ويفضح البعض الاخر لأنه قضى مصالحه، الاكثر من ذلك أنه يصنع البعض الاخر ويشجعه ويؤويه ويدعمه، ولذلك كان التنظيم في ورطة أخلاقية لا يمكن معالجتها الا بوسائل تنظيمية تغسل ذمته ولا يمكن للتنظيم أن يتهرب من جريمته الاخلاقية بنسبها الى الافراد.

    نرجع ونؤكد على التربية ودورها في الرقي بأخلاق الافراد، ونؤكد على دور التدابير التنظيمية الصارمة من أجل الرفع بالجو الاخلاقي العام داخل التنظيم والحفاظ عليه من دهس المسؤولين، وعندما نتحدث عن الاشكالية التربوية فإننا نؤكد على دور الصحبة الصالحة في الرقي بأخلاق الجماعة، فلابد من حل معادلة الصحبة وإعادة المصحوب إلى قيادة التنظيم ذلك أننا لاحظنا أن الانتكاسة الاخلاقية طفت على السطح بشكل واضح مباشرة بعد غياب المصحوب وتسلم التنظيم للمشيخة.


    📌 الهوامش

    1. [1] ينص الفصل 492 على أن " تنازل أحد الزوجين عن شكايته يضع حدا لمتابعة الزوج أو الزوجة المشتكى بها عن جريمة الخيانة الزوجية"، غير أن مشارك المتهم بالخيانة الزوجية لا يستفيد من هذا الامتياز حسب ما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل نفسه، التي تنص على أنه " لا يستفيد مشارك الزوجة ولا مشاركة الزوج مطلقا من هذا التنازل"، وهو ما قضت به محكمة النقض في القرار عدد 865/3 الصادرفي 8/4/2015 الذي جاء فيه: " حيث إن المادة 491 من ق.م.ج المتابع بمقتضاه (ع.ج) تحدد الحد الأدنى للعقوبة في سنة واحدة والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما نزلت على الحد الأدنى للعقوبة معللة ذلك بظروف المطلوب الاجتماعية تكون قد استعملت سلطتها التقديرية في تفريد العقاب كما أنها اقتنعت من خلال وقائع القضية بثبوت جنحة المشاركة في الخيانة الزوجية في حقه رغم تنازل زوجته عن متابعته بشأن الخيانة الزوجية وردت على الدفع المثار من طرفه بشأن سقوط الدعوى العمومية في حقه لتنازل الزوجية معتبرة أن التنازل يخص فعل الخيانة الزوجية وليس المشاركة فيها معللة ما انتهت إليه تعليلا كافيا، مما تبقى معه الوسيلة على غير أساس".
    2. [2] روي بالإسنادِ المتصلِ في كتابِ المستدركِ للحاكمِ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالَ: " حُبّبَ إِلَيَّ مِنْ دنياكُمُ النّساءُ والطيبُ وجُعِلَتْ قرةُ عينِي في الصّلاةِ".
    3. [3] التاحراميات بالدارجة المغربية تعني المكر والخداع والغدر ومختلف الطرق الملتوية غير المشروعة، مقتبسة من أبناء الحرام.
    4. [4] قال تعالى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ، وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ، وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ" هود، 98.
    5. [5] رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه
    6. [6] البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه
    7. [7] رواه الترمذي
    8. [8] روى الخطيب في تاريخ بغداد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ"، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة برقم 342.
    9. [9] قــــــال مالك بن دينار رحمه الله: " الناس أشكال كأجناس الطير الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصعو مع الصعو، وكل إنسان مع شكله"، الإبانة لابن بطة (2 / 480).
    10. [10] وهذا ما يلخصه الحديث "كيفما تكونوا يولى عليكم" أو كما قال دوطوكفيل " كل شعب ينال الحكومة التي يستحقها".
    11. [11] وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل الجليس الصالح والجليس السوء؛ كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك: إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد: يحرق بدنك أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثة".
    12. [12] بعد محنته مع التنظيم رجع الى الجامعة وحصل على الاجازة في الحقوق ثم حصل بعدها على الماستر ثم نجح بعد ذلك في مباراة وظيفية والتحق بالعمل في وزارة العدل والان حصل على الدكتوراه في الحقوق، والان يغازله التنظيم ليرجع إليه.

    ◀ الفصل السابق: هل للتنظيم دين؟

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: تنظيم حقود

  • هل للتنظيم دين؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 44 من 77 — فهرس الكتاب

    لا نناقش هنا دين الافراد، إسلام، مسيحية، يهودية، إلحاد، فالأشخاص الطبيعية تختار من الديانات ما تشاء وتُنظم حياتها تبعا لتعاليم تلك الديانة، لكننا نريد أن نستشف دين التنظيمات، بأي دين تدين؟ وإلى أي عقيدة وأي شريعة تميل؟ خاصة التنظيم الاسلامي، هل يدين بدين الشريعة المحمدية في عباداتها وأخلاقها ومعاملاتها وكيفية تنظيمها للشأن الخاص والعام؟ أم أنه يؤمن ببعض الكتاب وبعض السنة ويكفر ببعض؟ أم أنه يصبح مؤمنا ويمسي كافرا؟ أم تراه تحرر كليا من الاسلام والتحق بدين الميكيافيلية؟

    يصف الناس التنظيم السياسي الذي يستقي مبادئه من القرآن الكريم والسنة النبوية ويريد تطبيق الشريعة الاسلامية [1] بأنه تنظيم إسلامي، يُضفون عليه صفة "إسلامي" كونه يُطبق الاسلام في نفسه افتراضا ويسعى إلى تطبيق الإسلام على الارض مستقبلا، والمنخرط في التنظيم الاسلامي يعتقد أول مرة أنه داخل كيان مجتمعي يدين بدين الاسلام ويعمل لنشر الاسلام، وأول شيء يتعلمه هو أن الاسلام دين ودولة، فشريعة الاسلام تمس الحياة الخاصة من عبادة وزواج وتطال الحياة العامة من تجارة وسياسة، فلا تمييز بين المسجد والادارة، إلا من حيث أن كلاهما مكان لتطبيق جانب معين من الشريعة المحمدية، فالمسجد للعبادة والسوق للمعاملات والادارات العمومية لإدارة شؤون الدولة.

    هذه الفكرة لا يحملها التنظيم الاسلام وحده بل يؤمن بها المجتمع المسلم ككل، ففي أرض المسلمين جميع الناس تعتقد أن الاسلام دين و دولة، بل إن الانظمة السياسية في بلاد المسلمين لا تستطيع أن تتجرأ وتقول بأنها أنظمة علمانية، فدسترة الدين شيء متعارف عليه في الانظمة الدستورية عند المسلمين، وهنا يتميز المجتمع المسلم عن المجتمعات الانسانية الاخرى التي ترى أن الدين شيء والتنظيم السياسي أو الاداري شيء آخر، فالدين له مؤسسات خاصة قائمة بذاتها ورجال متخصصون في الدين وأماكن مخصصة للعبادة يحرم فيها ممارسة أعمال السياسة، وهناك من الجهة الأخرى أشكال سياسية وأنظمة إدارية أو اقتصادية أو اجتماعية لا علاقة لها بالدين لا من قريب ولا من بعيد، بل تمارس السياسة والادارة بعيدا كل البعد عن أي تأثير ديني.

    في المجتمع المسلم إذن يختلط الدين بالحياة وبالسياسة وبالإدارة وبالاقتصاد دون أن تكون له مؤسسات خاصة أو رجال أوصياء، فالدين لله وليس ملكا لأحد، ليس ملكا لأي إنسان ولا لأي نظام ولا لأي تنظيم، الدين عند المسلمين شيء مُشاع تجده في جميع مناحي الحياة، بل ويؤثر في سياسة الناس واقتصادهم وحياتهم الشخصية بشكل مباشر، فمن أين إذن حصل التنظيم الاسلامي على لقب "إسلامي"؟ وكيف تميز بهذا الوصف عن غيره من المؤسسات الأخرى في بلاد المسلمين؟ وكيف قفز على منصة الدين وأخذ اللقب؟

    لاشك أن الوصف مغلوط ويشير بوضوح إلى حالة من احتكار الدين، لكأن التنظيم وحده "الاسلامي" وغيره غير إسلاميين، أو لكأن التنظيم وحده من يتمثل الاسلام والاخرون ناقصون إسلاميا، أو لكأن التنظيم الاسلامي وحده من يريد سيادة الشريعة الاسلامية بينما يريد الآخرون سيادة الشريعة النصرانية، لقد فطن العلمانيون واليساريون وغيرهم من التيارات "التقدمية" إلى هذا اللبس المفاهيمي فصاحوا باستغلال الجماعات الاسلامية للدين، أوجعتهم النتائج الانتخابية لما كان وراءها تيار سياسي "إسلامي" يعطي لمن يتحدث باسمه أو يعمل تحت اسمه حظا وافرا من الاصوات الانتخابية.

    صحيح أن الساحة خلت لمدة سنين من تيارات "إسلامية" بعد عهود الاستعمار، وانتشرت الأفكار الالحادية والحداثية والتقدمية واللينينية والتروتسكية والماوية واللبرالية والقومية وغيرها من الملل السياسية، وصحيح أن الإسلاميين كانوا في حاجة ماسة إلى شارة تميزهم عن غيرهم من التيارات المنافسة على الساحة السياسية فلم يجدوا غير الدين ينسبون أنفسهم إليه، لكننا نؤكد على أن الجميع مسلم وإسلامي وينتمي إلى هذا الدين، والاسلاميون ليسوا أكثر تدينا من غيرهم على المستوى الشخصي، بل وحتى على المستوى المؤسساتي فليس التنظيم الاسلامي أكثر إسلامية من التنظيمات الاخرى على اعتبار أن جميع أشكال الشخصيات المعنوية من شركات وأحزاب وجمعيات لا دين لها.

    والراجع إلى التاريخ في بلاد المسلمين لا يجد أي نوع من الوصاية على الدين أو الحديث باسمه، فلا أحد قال بأنه إسلامي والاخرين غير إسلاميين، اللهم سلاطين الجبر الذين كانوا يتخوفون من العلماء الأفذاذ الأكثر شهرة وصلاحا وكرامة، فالصلاح كان يعني لهم الولاء، والولاء يعني حركة تجمع الناس حولها، ثم قد تثور في وجه الدولة وتُسقطها، فكان لزاما على الدولة للحفاظ على السلطة أن تحتكر الدين وتلعب على الساحة السياسية بمصطلحات الطاعة والولاء تركيعا للآخرين من باب ما يُقدسون.

    المنطق السياسي إذن كان حاضرا عبر التاريخ في احتكار مؤسسة الدولة لمؤسسة الدين، حتى عند النصارى حيث كان رجال الدين يقومون بأدوار سياسية بامتياز، لكن هذا الاحتكار الديني كان أقل عند المسلمين، حيث كان يخلو الجو من أي إشارة إلى مؤسسة دينية تمثل الدين أو رجال دين يتحدثون باسم الدين كما هو نظام الاكليروس عند النصارى المكون من درجات متفاوتة من قس وأسقف ومطران وباطريارك إلخ. .، فاقتصر الأمر عند المسلمين على مذاهب فقهية مختلفة في الفروع، مجتمعة في الاصول دون وجود أي تراتبية في الدين، دين واحد، ورتبة واحدة، لكن كل مدرسة ونظرتها إلى الدين واجتهاداتها فيه.

    هذا التداول للدين شعبيا أدى إلى انقسامات كثيرة بين المذاهب، تطرفت فيه أحيانا بعضها ذات اليسار إلى الحدة وتكفير الاخرين وإخراجهم من الملة، وتساهلت الأخرى وفتحت الباب للجميع في إطار الاجتهاد وتقبل الاختلاف وصون الأمة من الحروب الدينية فكانت أكثر واقعية وتماشيا مع تعاليم الاسلام الحنيف، فالقرآن واضح والسنة واضحة والحلال بين والحرام بين، ولا داعي للاقتتال على أساس الاجتهاد أو الوصاية على دين مشاع بين الناس تركهم فيه نبيهم الكريم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، هالك لنفسه لا لغيره، وبهذا نجت الأمة من التسلط الديني والفهم الكهنوتي.

    نريد بهذا الكلام نظريا بالدرجة الاولى أن نسحب كلمة "إسلامي" من عناوين التنظيمات الاسلامية لأنها وفق المنظور الفكري ليست إسلامية بل مُسلمة، فالجميع مُسلم، هذه التنظيمات هي في الاحوال العادية حركات سياسية تريد ممارسة السياسة والوصول الى الحكم طبعا مع احترام الدين الاسلامي، وفي أحسن الأحوال حركات دعوية تربوية تدعو إلى ما جاء به الاسلام من مكارم الاخلاق وعبادة الله الواحد الأحد، لكنها ليست بالضرورة مُتمثلة في ذاتها لقيم الاسلام وليست النموذج المثالي الذي يقدمه الاسلام وليست وصية على الاسلام ولا حق لها مطلقا للحديث باسم الاسلام وتعليق شعار الاسلام خلف ظهرها، فهي حركات بشرية دعوية أو سياسية تدعو إلى اعتماد ما جاء به الاسلام كتابا وسنة واجتهادا من تعاليم وعبادات وأخلاق ومعاملات وسياسات عامة، كل حركة حسب فهمها وحسب إرادتها وحسب تمكنها من العلوم، على أن هناك حالة ثالثة وهي الحالة الاسوأ وهي عندما تستغل هذه الحركات مفهوم "إسلامي" للوصول إلى السلطة، نعني بذلك الوصول إلى السلطة لتحقيق المآرب الشخصية، وإلا فإن من حق الجميع الوصول إلى السلطة وفق الطرق الشرعية للمساهمة في خدمة الصالح العام.

    هذا من الناحية المفاهيمية أما من الناحية الواقعية فالتنظيم الاسلامي ليس حريصا لتلك الدرجة على الشريعة الاسلامية وإن كان يُنسب إليه أنه إسلامي، فكلمة إسلامي تشير بشكل مغلوط إلى أن التنظيم الاسلامي مُكون وفق الاسلام وتعاليم الشريعة الاسلامية، يبالغ بعضهم فيدعي أنه نسخة طبق الاصل من الاسلام، فينسب التنظيم الى الاسلام نسبة مطلقة ويأخذ صفة "إسلامي"، لكن الحقيقة أن التنظيم الاسلامي ليس بالضرورة أن يكون منسجما مع شريعة الاسلام، وقد وقفت على هذا الأمر بنفسي فوجدت أن أغلب أمراء التنظيم غير مقتنعين أصلا بالشريعة الاسلامية بل ومتأُثرين إلى حد كبير بالفكر الحداثي الغربي، وكثير من المنتسبين إلى التنظيم الإسلامي هم أشد عداوة للشريعة الاسلامية من العلمانيين، خاصة فيما يتعلق بالحدود الشرعية والتعدد، تحس كأنهم نصارى وليسوا مسلمين، فما يميزهم عن باقي الحركات العلمانية ليس سوى المظاهر والشكليات.

    الحقيقة التي وقفت عليها هي أن التنظيم لا دين له، دينه البرغماتية والمصلحية والمكيدة والميكيافيلية، كما أنه لا نية له بتاتا في تطبيق الشريعة الاسلامية خاصة النساء المنتسبات اليه لعقدة التعدد لديهن، ولا أعتقد بتاتا أن التنظيم الاسلامي إذا تمكن غدا من السلطة أنه سيطبق الشريعة الاسلامية، أغلب الظن وبالنظر إلى نوعية المسؤولين الذين عرفتهم سنوات طويلة أنه سيطبق القانون الوضعي المستورد من الغرب مع روتوشات شكلية توحي بإسلامية الدولة التي ستكون في عمقها دولة علمانية، روتوشات اسلامية شكلية في المظهر واللباس والبروتوكول، بمعنى أن التنظيم الاسلامي لا يكاد يميزه عن باقي التيارات الحداثية والانظمة الحاكمة اليوم سوى اللحية والجلباب.

    معنى ذلك بكل وضوح أن الصراع ليس من أجل تطبيق تعاليم الاسلام بل من أجل السلطة.

    الحقيقة التي يعرفها اليوم كثير من المؤمنين هو أن للتنظيم دين واحد فقط، هو المصلحة، فالقبلة التي يُصلي التنظيم جهتها هي المصلحة، فإن رأى فيك مصلحة فهو عبدك وابن أمتك، وإن رأى فيك غير ذلك فأنت عدو وضال ولم تفهم المشروع، والمفترض أن صفة الاسلامي التي يرفعها التنظيم الاسلامي تخالف هذا المنطق، فالتنظيم الاسلامي يجب أن يكون مع الحق قلبا وقالبا، الحق هو العدل، والعدل هو الله، فالكينونة مع الله هي الكينونة مع الحق، والله فرض طاعته وطاعة رسوله وتطبيق شريعته ولم يفرض طاعة المصلحة، العدل أساس الدين، والاحسان روح الدين، فأينما كان العدل فثمة شريعة الاسلام، وأينما كانت شريعة الاسلام فثمة العدل، وأينما كان الاحسان فـثمة حقيقة الدين، وأينما كانت حقيقة الدين فثمة مادة الاحسان.

    إنها لخرافة كبيرة تلك التي يتم الترويج لها والتي مفادها أن التنظيم الاسلامي يسعى إلى إقامة الاسلام، حاشا لله، فوالله الذي لا إلاه إلا هو لقد رأيت من أمراء التنظيم الاسلامي من هو أشد كرها للشريعة الاسلامية من زعماء اليسار، حتى أن بعضهم يستهزئ بك ضاحكا إن تحدثت له عن تطبيق الشريعة الاسلامية ويقلل من قيمتك أمام الاخوان بالتنابز والاستخفاف لكأنك غبي أو مُتخلف أو حمار، ثم وأنت تذكر الشريعة الاسلامية وتطبيقها نظر إليك نظرة ازدراء واحتقار.

    التنظيم الاسلامي اليوم يبتسم مشجعا للملتحي الذي يستمع الاغاني الجميلة ويلبس اللباس العصري الأنيق الموضة الباهض الثمن، الملتحي الذي يغضب إذا ذكرت ماركة سيارته أو فريقه المفضل في الكرة بسوء أو تحدثت باستخفاف عن الحضارة الفرنسية أو قللت من شأن قانون الأسرة المستورد من الاتفاقيات الدولية، يستلقي على قفاه من الضحك إذا ذكرت رجولة الرجل وقوامته ووجوب تميزه عن المرأة، ينظر إليك وكأنك قد سقطت من يثرب، فهو يرى نفسه امرأة مساويا للمرأة، وأنت تبحلق في تقاسيم وجهه "الاسلامي" لا تكاد تفرق بينه وبين المرأة وهو يحدثك عن المساواة، وحين تنهره زوجته الممتلئة بالثقافة المستوردة يحني لها رأسه ذليلا ويقول لك هذه سنة نبوية، تأمره الداخلية أي الزوجة كما يسمونها في التنظيم فـينفذ أوامرها كالعبد، ثم يحدثك بعد ذلك عن إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

    خلافة على منهاج الديوثية الملتحية العار على الرجولة وعلى الاسلام.

    إن استهلاك الشريعة الاسلامية يتم فقط في المراكز الدنيا للتنظيم الاسلامي حتى يتم جلب وتثبيت العناصر الجديدة واقناعها بأن التنظيم هو فعلا تنظيم إسلامي بامتياز، تنظيم يسير وفق شريعة الاسلام وأخلاق الاسلام وتعاليم الاسلام، فيسلم بذلك الوافدون نفوسهم للتنظيم يفعل بهم ما يشاء مغشوشين بأن التنظيم هو تنظيم "إسلامي" يسير على دين الاسلام، لكن المخدوعين كلما ارتفعوا في التنظيم قليلا سيلحظون انخفاض نبرة الشريعة الاسلامية وارتفاع نبرة السياسة والمصلحة، سيُحسون تدريجيا أن الأمر لا علاقة له بالإسلام، وسيُحسون بالمكيافيلية المصلحية واضحة أمامهم في كل خطوة، لكأن كلمة اسلامي موجهة للاستهلاك في المستويات الدنيا وأمام الاغيار فقط، أما الأذكياء الفاهمون الواصلون الذين يصلون إلى مراكز متقدمة من السلم الاماري داخل التنظيم فهم متحررون من كل ما هو إسلامي أو يمت إلى الاسلام بصلة، إنهم يتصرفون بناء على المصلحة لا على أساس "إسلامي".

    ولذلك تجد العناصر البسيطة في التنظيم الاسلامي هي الأكثر اقتناعا بالشريعة الاسلامية وأكثر حرصا عليها من المسؤولين التنظيميين، وهي الاكثر اقتناعا بالتربية والأكثر التزاما بحضور المجالس التربوية، وقد وقفت على هذا الأمر مرارا وتكرارا، حتى تحس أن المسؤول التنظيمي لا يُصلي إلا مُكرها تماشيا مع المصلحة، بينما يصلي العضو البسيط بكل خشوع وإيمان وصدق، يتذرع المسؤول دائما في تأخيره للصلاة بالمسؤوليات التنظيمية الخطيرة والكبيرة الملقاة على عاتقه، وأحيانا يجمع الصلوات، قاسي القلب، عابس في وجه المساكين، ناهر للفقراء، يمارس النفاق في علاقاته الشخصية، وأحيانا يخرق الشريعة جهارا نهارا ولا يتململ ولا يتعرق ولا يطرف له جفن ولا يحس بأي ذنب، بينما ترى العضو البسيط أكثر تشددا في الحدود الشرعية، لطيفا في علاقاته مع الناس، متشبثا بالشريعة الاسلامية، وأينما وجد أمرا حرمه الله ابتعد عنه حرصا على آخرته وعلى سمعة الاسلام، يعذبه ضميره إذا ما ارتكب فعلا بسيطا في ميزان الشريعة.

    نلاحظ أن الشريعة الاسلامية لا مكان لها إلا في قواعد التنظيم، بينما يمارس مسؤولو التنظيم النفاق الاجتماعي عندما يتكلفون بعض الطباع الاسلامية كي يستمروا في كذبة الايحاء بأن التنظيم "إسلامي"، نقول هذا بكل صراحة لنقوض فكرة أن علاقات التنظيم مبنية على أُسس دينية، فالأجهزة التنظيمية لا دين لها، والمسؤولون التنظيميون الاسلاميون لا يقيمون للشريعة الاسلامية أي وزن، الدين فقط للأشخاص الطبيعية التي من لحم ودم من المؤمنين البسطاء، أما التنظيمات فلا دين لها في جميع الاحوال، دينها المصلحة والمكاسب السياسية والمالية، دينها الخطط والأوراق والبرامج والحسابات والمكاسب والخسائر ولا شيء غير ذلك.

    تظهر بجلاء قاعدة أن التنظيم لا دين له داخل بعض الأجهزة والقطاعات الداخلية في التنظيم الاسلامي السابحة في فلك الجناح السياسي للتنظيم، فلا يُتصور مثلا أن يدافع رجل قانون منتمي إلى تنظيم إسلامي عن الشريعة الاسلامية، وإن وقعت نازلة قانونية ولو داخل التنظيم فهو يتعامل معها بكل روح قانونية بعيدا عن استحضار أي قول للشريعة الاسلامية، الاسلام مُغيب تماما، وقس على ذلك باقي أجهزة التنظيم في جميع ميادين الادارة والاقتصاد والسياسة والتدبير، هناك غياب كلي لثقافة الاسلام وتعاليم الاسلام ومقتضيات الشريعة الاسلامية، وبذلك يكون وصف "إسلامي" للتنظيم الاسلامي مجرد هراء وذر للرماد في العيون لأهداف سياسية تستغل حب الشعب المسكين للدين وأمله في أن يكون الاسلام والتنظيم "الاسلامي" حلا لمشاكله المعيشية.

    التنظيم لا دين له حتى على المستوى التربوي، والتربية الايمانية الاحسانية هي روح التنظيم، فالروابط الدينية الاجتماعية الاسلامية والمعاني الرقيقة للإسلام من قبيل الرحمة على المؤمنين والحب في الله والاهتمام بأمر المؤمنين غائبة داخل التنظيم الاسلامي، مجرد مزايدات وكلام لا تطبيق له، فعندما يجد الجد تجد نفسك محزما بالهراء ولن يرحمك أحد، "رحماء بينهم" تجدها في دين محمد وأصحابه لا في دين التنظيم الاسلامي، بل إن التنظيم سيذبحك بطرقه الباردة إن حاولت إثارة نقاش حول غياب المحبة وانتشار المحسوبية والمصلحية داخل التنظيم، والمفروض أن التنظيم الاسلامي مبني وفق نعت "إسلامي" على الحب في الله وذوبان الذوات المؤمنة في بوتقة واحدة والالتزام بمصير واحد [2].

    هذه المحبة هي ما كان يميز التنظيم الاسلامي أيام المأثورات بداية الشرارة الاولى للحركة الاسلامية، لكن تبين لاحقا أن الأمر صعب، فالحب في الله صعب المنال، بل هي السياسة والمصلحة ما يبرر دائما تحركات التنظيم وعلاقته بأعضائه وبفرقائه، تمثل أمامي من المؤمنين نماذج كثيرة تدمي القلب وتبكي العين لم تجد أقل القليل من الحب والاهتمام من قيادات التنظيم "الاسلامي" ممن يدعون الاسلام والعمل على تطبيق الشريعة الاسلامية وإقامة الخلافة الاسلامية، إن معاني المحبة والأخوة داخل التنظيم الاسلامي مجرد هراء، وهراء كبير، ولقد كان عشمنا كبيرا أن يكون التنظيم الاسلامي متمثلا كل معاني الاسلام القلبية وشريعته المعاملاتية، لكن خاب أملنا، فلا شريعة ولا حقيقة للأسف.

    لكننا نشير بصدق إلى أن التنظيم وأمراؤه يختلفان جذريا عن القائم بالله وحوارييه، ولي الله الذي قد يكون على رأس التنظيم وقد يطيح به التنظيم بهدوء، لكن توضيح الجهاز المفاهيمي الذي نستعمله أمر ضروري كي لا يقع خلط الاوراق، فالقائم بالله والرجال الذين صدقوا الله معه قوم مع الله قلبا وقالبا، فهم الشريعة تمشي على الارض، قرآن يمشي على الارض كما كان يمشي رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا بين الناس، ولذلك تجد أن ولي الله أكثر الناس تمثلا للشريعة في نفسه ومع الناس، بل إنه يعيش عمق الشريعة الاسلامية وهي الحقيقة، فالحقيقة الربانية هي روح الشريعة وغاية الشريعة ومضمون الشريعة، فولي الله القائم بالله شيء آخر غير الأصنام الحجرية التي تحكم التنظيم، ولي الله هو رحمة من الله وهو يختلف كليا عن أجلاف التنظيم، ولا يمكن للرحمة الالاهية أن تخالف الشريعة الربانية، وكذلك حواريو الامام، عباد الله القائمين بالله، الصديقون، قوم فنوا في الله فلا غاية لهم إلا خدمة دين الله والدلالة على الله ونصرة شريعة الله.


    📌 الهوامش

    1. [1] الشريعة الإسلامية هي ما شرعه الله لعباده المسلمين من أحكام وقواعد ونظم لإقامة الحياة العادلة وتصريف مصالح الناس وأمنهم في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة. فمن يحقق هذه الكليات أو يقترب منها فهو على شريعة الله بصرف النظر عن هويته ونوع انتمائه فالله يحاسب الناس على الأعمال والنيات، والشريعة الإسلامية ذات دلالة موسوعية تتسع لكل جهد إيجابي يبذل لعمارة الأرض ويستثمر مكنوناتها لصالح حياة الإنسان وكرامته، وتتسع لكل ما يحقق للإنسان صحته وغذاءه وأمنه واستقراره، وتتسع لكل ما يعزز تنمية آمنة وتقدم علمي نافع وارتقاء حضاري راشد.
    2. [2] " الجنة ممنوعة علينا ما لم نتحابَّ في الله، وهو تحاب يلقيه الله على هذه الأمة المرحومة، على المؤمنين المتقين، يتذوقونه وتحلو الحياة به وهي مرة." عبد السلام ياسين، "الإحسان". ج 1. ص 188.

    ◀ الفصل السابق: الفشل التربوي

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: أخلاق التنظيم

  • الفشل التربوي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 43 من 77 — فهرس الكتاب

    من علامات الفشل التربوي أنه بعد أربعين سنة من التربية لا أحد وصل إلى الله من المسؤولين، حصيلة تربوية باهتة تنبئ عن خلل تربوي فظيع، هل يا ترى فشلت التربية داخل التنظيم عندما خرجت من عباءة التربية الصوفية، أم ترانا نتوهم فشلا هو في الحقيقة عين الفلاح؟

    كنا إلى عهد قريب نعتقد أن مجرمي التنظيم هم من أولياء الله الذين تخفيهم قبة البشرية، لكننا تأكدنا مرة بعد مرة أن هؤلاء المسؤولين عبارة عن قبة شيطانية داخل قبة بشرية، قبة داخل قبة، لا ولاية فيهم ولا رحمة ولا وراثة نبوية، فعندما يمكر بك المسؤول التنظيمي الذي يتكلم باسم الصحبة والولاية والكمال التربوي تتيقن أن تربيته فاشلة، عندما يحقد عليك المسؤول التنظيمي لشيء بسيط تتأكد أنك أمام قبة مليئة بالحقد الاسود لا ولاية فيها ولا خصوصية روحية، عندما يفصلك المسؤول التنظيمي لمجرد خلاف بسيط تتأكد أنك أمام طاغية لا ولاية له ولا خصوصية روحية، عندما يرميك المسؤول التنظيمي الذي قضى أربعين سنة يتربى داخل التنظيم لمجرد تدوينة فيسبوكية تتأكد أنك أمام حثالة بشرية حاشا أن تكون قبة تخفي ولاية ربانية.

    عندما يضيق صدر من قضى اربعين سنة في التربية من نصيحة أخوية تتأكد أنك أمام فشل تربوي فظيع.

    الآن نتحدث عن تربية فاشلة ونتحدث عن تنظيم سياسوي فاشل من أيها الناس السياسية يريد أن يحكم البلاد ويأخذ نصيبه من الخيرات النفوذية والمالية والاجتماعية، نتحدث الان عن مسؤول بشري لا خصوصية تربوية له ولا ولاية له ولا قبة ولا قبقوبة، مسؤول تنظيمي عادي كباقي المسؤولين في التنظيمات السياسية الاخرى يكيد ويمكر ويحسد ويمتطي المسؤوليات ويتكتل في اللوبيات ويأخذ نصيبه من السلطة والنفوذ كلما سنحت له الفرصة ويبني مستقبله المالي.

    عندما ترى من كانوا بالأمس من نُساك المجالس ورهبان الرباطات يزنون ويسرقون ويفصلون ويحقدون ويكذبون تتأكد أن هناك فشلا تربويا حقيقيا لا غبار عليه، عندما ترى الأخلاق الزفت للمسؤولين التنظيميين الذين يتصدرون واجهة التربية والتنظيم تتأكد أن هناك فشلا تربويا، عندما ترى النميمة مستشرية في التنظيم والحقد منظم ويتنظم ليولد مزيدا من الحقد تتأكد أن هناك فشلا تربويا، عندما يتصيدك المسؤول التنظيمي وينتظر الفرصة ليذبحك اجتماعيا أو يعمل مع جهات مشبوهة من أجل الايقاع بك تحلف اليمين أن هناك خللا تربويا فظيعا.

    لا نكاد نشك أن هناك خللا تربويا، لكننا نتساءل كيف حدث ذلك ثم نتساءل كيف يمكن معالجة هذا الاخلال التربوي الفظيع؟

    فأما السؤال الأول الذي يطرح سؤال الكيفية فلا أشك لحظة أن السبب هو التنظيم، وأما سؤال العلاج فلا أظن أن هناك علاجا أفضل من رجل، العلاج يلوح من بعيد في سماء الأجيال المقبلة التي ستحل معادلة التنظيم والتربية، أما الجيل الحالي والجيل الذي قبله فمصيرهم الفناء المحقق، هذه الأجيال المذبوحة لا أمل لها في غد تربوي وسياسي ناجح، فأقصى ما يمكنها فعله هو الانطراح بين يدي الله والاستعداد للقائه في الخلوات، هذه الاجيال الحالية تنظيمها فاشل وتربيتها فاشلة ولا خير يرجى فيها.

    الخير الذي يمكن لهذا الجيل البائس فعله للأجيال المقبلة هو كف يده عن مستقبلها، لكن التنظيم لا يكف يده، فهو يريد أن يخرب الحاضر ويخرب المستقبل أيضا، لذلك فالبرامج التي تعمل هي أداة تدمير لمستقبل جيل قادم، فالحقد التنظيمي لا ينظر في الحاضر بقدر ما ينظر كيف يدمر مستقبل جيل قادم، تماما كما تفعل أنظمة الفساد، فهي لا يكفيها أن تدمر الاجيال الحاضرة بقدر ما يهمها أن تضع برامج فاشلة تدمر بها مستقبل جيل لم يولد بعد.

    حقد شيطاني متنقل عبر الازمان.

    علاج واحد أراه ممكنا، إنه حل التنظيم الحالي وإعادة تشكيل تنظيم جديد، لكن هذا الخيار يستحيل في ظل سيطرة طغمة تنظيمية متحكمة في المؤمنين بالكذب والدين، طغمة مجرمة بكل ما في الكلمة من معنى لا يهمها بقاء دين ولا بقاء صحبة ولا بقاء تربية، يهمها فقط تدمير الصحبة والتمكين للفساد التنظيمي الذي يروم تحقيق أهداف المجد الشخصي على ظهر الطيبين من المؤمنين الذين يثقون في التنظيم ثقة عمياء.

    إنه لا حل سوى الثورة على التنظيم الخائن الذي باع القضية للهوى الشخصي والمجد الفردي، فالثورة عل هذا التنظيم هي أفضل ما يمكن أن تفعله الاجيال الحالية للأجيال المقبلة، فتوريث الفساد التنظيمي جريمة متنقلة عبر الزمن يحمل الجيل الحالي وزر توريثها، والحد مع هذا التوريث التنظيمي هو عين الوفاء للصحبة وعين المنهاج النبوي الذي يرمي إلى القومة ضد كل أشكال الطغيان والتوريث ومصادرة الحقوق والحريات والفكر.

    فتية أمنوا بربهم وزدناهم هدى هم من يحتاج الجيل القادم للنهوض به من كبوة الفشل التربوي الذي يريد أن ينتقل به التنظيم الحالي إلى المستقبل.


  • تنظيم لم يستطع احتواء أبنائه

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 42 من 77 — فهرس الكتاب

    لم يستطع التنظيم احتواء أبنائه للأسف، تشرد الابناء بعد وفاة المرشد وسلك كل منهم وادا يهيم فيه، خان التنظيم الامانة التي وضعها الامام في عنقه، وهي الابناء، طمع في السلطة فراح يفصل ويقطع الرقاب، نكث العهد الذي التزم به بعدم قطع الرؤوس، رمى التنظيم بخيرة أبناء الجماعة خارج الصف وقطع رؤوسهم تنظيميا ومعنويا وتربويا، ولذلك كانت السلطة المطلقة كارثة، حب السلطة رأس كل مصيبة تربوية وتنظيمية، ومع ذلك ما يزال التنظيم يتبجح أنه على خطى الامام، خط الامام لم يكن فيه فصل الرقاب التنظيمية، خط الامام كله محبة وأخوة واشعرية وفناء في المؤمنين.

    كيف تستشعر السلطة أيها التنظيم المجرم وأبناء ولي الله مرميون خارج الجماعة يبيتون في عراء العزلة وبرد الوحدة ووحشة الغرباء، كيف يستقيم لك التنظيم وخيرة أبناء الجماعة منسيون في غياهب بئر اليوسفية يتجرعون ألم الغدر، مؤمنون طلع التنظيم على أكتافهم فإذا بهم الان نكرة داخل الجماعة لا يُسمع لهم صوت ولا يؤبه لهم ببال ولا يلقى لهم حتى بالسلام كأنهم يهود، يلتقيهم المسؤولون وإمعات التنظيم على الطرقات فلا يسلمون ولا يردون السلام.

    لم يستطع التنظيم احتواء أبناء الامام تربويا وهو شيء طبيعي بما أن أغلب أواني رؤساء التنظيم فارغة تربويا، أواني جافة من المعاني التربوية الرقيقة والرحمات الايمانية العالية، حيوانات متوحشة تُسير التنظيم بالحديد والنار، فالأكيد أن الاحتضان التربوي شيء لا يستطيع التنظيم القيام به، لكننا كنا نطمع أن يحتضن التنظيم أبناءه تنظيميا فقط فيوفر لهم برامج تسود فيها أجواء الأخوة والتعاون على البر والعمل الصالح، مجرد برامج تحفظ للمؤمنين حق الارتواء من معين الصحبة، مجرد برامج تكفل للمؤمنين حق الجلوس في محاضن الايمان سوية دون عنطزة مسؤولي التنظيم، مجرد أجواء تنظيمية ديمقراطية تضمن الحركية التربوية والحرية الفكرية والعطاء الميداني دون إهانة تنظيمية ودون وصاية تسلطية، مجرد سياسات تنظيمية حكيمة رحيمة تجاه المؤمنين لا تحرمهم من مجالس الأخوة ولا من إبداع الفكر ولا من حرية الحركة.

    خطوات تنظيمية بسيطة كان بإمكان التنظيم الفارغ تربويا أو يوفرها بآلياته التنظيمية التي يمتلكها ويترك الصحبة تعمل عملها في القلوب ثم ينتشي بعدها بالإنجازات مغفورا له ذنب يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، احتضان أبناء الجماعة مسؤولية تنظيمية تبرؤ ذمة مسؤولي التنظيم منها عندما يوفرون أجواء الأخوة والمحبة داخل التنظيم عن طريق ضبط المجالس والبرامج والموارد المالية والمعنوية التي تساعد على عدم افلات أي مؤمن من حظيرة الصحبة والسقوط المريع في حضن الذئاب الأخلاقية في الخارج.

    المسؤولية التنظيمية تعني في جملة واحدة السهر على احتضان أبناء الجماعة، ومعنى أن يفرط التنظيم في أبنائه وأن لا يستطيع احتواءهم تربويا وأخلاقيا ودينيا وتنظيميا وسياسيا أن هذا التنظيم فاشل ويجب حله، آخر ما يفكر فيه المسؤول التنظيمي اليوم هو احتضان الاخوان واحتواؤهم، فالمؤمنون بالنسبة إلى المسؤول التنظيمي مجرد أرقام تافهة وحثالة يستطيع التفريط بها في أي وقت، بل حتى أولائك الجواهر التي جالست الامام سنوات وأخذت منه الخير التربوي والفهم المنهاجي يفصلهم التنظيم بكل بساطة كأنه يفصل الخشاش، يقولك ضرورة تنظيمية.

    ضرورة تسلطية يا بن الشيطان وليس ضرورة تنظيمية.

    قطع الرؤوس لم يكن في يوم من الايام ضرورة تنظيمية، ومن اليوم الذي سيطر فيه المجرمون على التنظيم وسنوا سنة الفصل لم يعد هناك محبة ولا أخوة ولا إيمان ولا سلوك ولا خلافة، لم يعد هناك سوى الفشل تبع الفشل، عندما فرط التنظيم في أكباد الامام ورمى بهم خارج الجماعة سقط التنظيم من عين الامام ومن عين الله ومن عين الرسول فهو الان يخبط ويتخبط يريد أن يوهمنا أن الحقد والنميمة والكيد طريق واصل الى الخلافة.

    المنحورون تنظيميا تائهون في غياهب الفتنة التربوية والسياسية، كل منهم يهيم على وجهه في بوادي الوحشة لا يهتدي إلى طريق الهداية سبيلا، يتساقطون كالأوراق في الخريف وقد كانوا بالأمس القريب لألئ ثمينة في عقد الجماعة، ورود ذبلت بعد أن رمى بها التنظيم خارج إناء الصحبة وسيطر على معينه وصادره لنفسه وفرض وصايته عليه وعلى التربية وعلى الجماعة كاملة، كالحمقى هم يسيرون الان في طرقات المجتمع لا يعلم الناس أي جنون أصابهم، تائهون في هذا العالم البائس لا يرحمهم أحد، حالهم يبكي البعيد ويدمي قلب القريب، ضربهم المجرم في نقطة الضعف بعد أن خبر أماكن النقص ومكامن الحاجة وموارد التربية.

    انتصرت أيها الشيطان التنظيمي الرجيم على ملائكة الرحمة والمحبة، فبشرى لك متاع قليل ثم ترد إلى سنة الله فتخزيك وترميك إلى مزبلة التاريخ.


  • هياكل التنظيم والفعالية التربوية

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 41 من 77 — فهرس الكتاب

    الفعالية التربوية هي النتائج الطيبة التي تأتي بها العملية التربوية على مستوى الاخلاق والدين، وقد رأينا أن للتربية عامة وللمحبة خاصة نتائج طيبة على مستوى قوة التنظيم ونجاح برامجه، فهل يمكن تصور العكس؟ بمعنى هل للتنظيم تأثير على العملية التربوية [1]؟

    بعض التنظيمات الاسلامية تعتبر التربية شأنا شخصيا خاصا لا علاقة للتنظيم به، فالتربية بالنسبة إليها طقوس دينية في ساعات الفراغ أو نصائح وإرشادات عامة، وكلٌ يختار من الطقوس الدينية من صيدلية الكتب أو من أفواه الشيوخ ما يريد، وبعض التنظيمات الاخرى ينجمع كليا على التربية متناسيا مهام التنظيم الاولى هي إقامة العدل والدفاع عن حقوق الناس، بينما يحاول البعض الاخر فك شيفرة معادلة التربية والتنظيم ووضع اليد على مفصل الجمع بينهما بما أنهما متلازمتان على طول الطريق، فـحل المعادلة هو ذلك الرجل الـ "إكس" الذي يجمع بين الدعوة والدولة، بين الدين والتنظيم، بين الأخلاق والسياسة، بين العبادة والمعاملة، بين الدنيا والاخرة، بين الروح والمادة، بين نهار السبح وليل التبتل.

    قبل الحديث عن الفعالية التربوية بالنسبة إلى التنظيم الذي يؤمن بالتربية كضرورة ملحة داخل أجهزته، سنعالج جدلية التربية والتنظيم، وهل هما مرتبطان أم أمران منفصلان؟ تقول بعض التنظيمات الاسلامية الحركية إن التربية الايمانية شيء غير ضروري لسير التنظيم، فالتربية شأن خاص، وحتى لو رمقت في صفوفها شكليات إسلامية من قبيل اللحية والحجاب والعطور والسواك والجلابيب فإنها ليست دليلا قاطعا على وجود عملية تربوية مؤسسة على أسس أصيلة وبرامج متينة، كما أنها ليست دليلا على قوة تأثير الدين في القرار التنظيمي والسياسي للتنظيم، معنى ذلك أن التربية الايمانية ليست من ضمن البرامج الحقيقية للتنظيم ولا تعدو كونها وسائل معدة للاستغلال السياسي أو أمرا شخصيا في أحسن الاحوال، فالمعول على السياسة، السياسة أولا وثانيا وثالثا وقبل الفطور وبعد الغذاء ووسط العشاء، وبذلك يقبل هذا التنظيم مختلف الاشخاص الذين يحملون هموم التنظيم السياسية والادارية ويعملون على تحقيق أكبر تمكين سياسي ومجتمعي للتنظيم الاسلامي المهيكل غالبا في إطار جماعة دينية أو حزب سياسي، يختلط في هذا الحزب الشخص الوصولي والشخص المثالي، الاسلامي الراديكالي والاسلامي "الجميل"، الرجل السياسي والفقيه الشرعي، الحالق والملتحي، المحجبة والمنقبة والمتبرجة، خليط من الناس جمعتها سمعة الحزب الاسلامي الطيبة، لكن الاساس الحقيقي الذي انجمع عليه القاصي والداني في هذه الحالة هو التنظيم والسياسة وليس الانخراط في الكوكبة الايمانية والتعرض للأنوار المحمدية والخضوع للعملية التربوية.

    في هذه الحالة تغيب التربية الايمانية ككيان متميز حيث أن التربية ذائبة في السياسة أو لا وجود لها البتة، وعلى النقيض من ذلك ينجمع كثير من الناس داخل تنظيمات إسلامية تربوية أخرى يكاد يختفي فيها التنظيم الحديدي والسياسة السياسوية لفائدة شكل من أشكال التربية وطقوس خاصة من التدين من لباس وحركات وشكليات وأذكار وأدعية معينة، فلا ترى إلا الدين والتربية، مناصب دينية وطقوس تعبدية وترانيم تربوية خاصة تكاد ترخي بظلالها على الهياكل التنظيمية المترهلة، لكأنك في تنظيم هلامي شائع كل شيء فيه يسير بالمعاني والاشارات وبركة الصالحين والتوكل على العناية الالاهية والانوار القدسية والامدادات الشيخية، بينما ينزوي التنظيم والسياسة إلى ركن خفي مع أهداف خفية، لنقل إنها فوضى منظمة بـإشارات من المرشدين، بينما اللافتة العريضة على الباب مكتوب عليها ما يفيد الدلالة على الله.

    هنا أيضا لا جدلية نناقشها بين التربية والتنظيم فهي تطرف في الاتجاه الاخر لفائدة التربية، وفي هذه الحالة تحضر الرئاسة الدينية بقوة ويغيب التنظيم بالمعنى الدقيق، زعامة فردية وبضعة مقدمين يساعدون الشيخ، تختفي هنا كل هياكل التنظيم بالكلية ولا يبقى منها سوى آثار بسيطة توحي للمارة بوجود حركة اسلامية، هنا لا يمكن الحديث عن دور للتنظيم في العملية التربوية، فلا فعالية تربوية للمنضوين تحت لواء الجماعة إلا بقدر فعالية الشيخ التربوية وقوته الروحية ومقدار التوفيق الالاهي له وحجم المدد الايماني الذي يسقي به المريدين.

    صنف ثالث من الاسلاميين يؤمن بالتربية داخل التنظيم وبفعالية التنظيم في العملية التربوية، ولعله أصبح الآن يجنح نحو قيام التنظيم بالدور التربوي كاملا بعدما كان يُؤمن أول مرة بالتربية داخل التنظيم تحت الإشراف الكلي للشيخ المربي [2]، لكأنه يتقزز الان من مفهوم الشيخ ويريد أن يجعل التربية تحت وصاية التنظيم بالكُلية، لا أريد في هذا المحور أن أناقش جدلية صحبة هياكل التنظيم أو صحبة رأس التنظيم أو صحبة رجل خارج التنظيم أو صحبة رجل من داخل التنظيم، فقد أسيل في هذا الموضوع مداد تمت محاربته بشدة، ولن يحسم النقاش إلا بعد سنوات من تجربة التربية تحت مشيخة التنظيم.

    لكني وعلى ذكر كلمة "الصحبة" أشير إلى أن هذا المفهوم هو بمثابة ركن أساسي في عملية التربية، فالصحبة [3] هي أهم عنصر في مادة التربية، فهي الخيط النوراني الرابط بين الشخص والحضرة، فالتربية المنقطعة لا فائدة منها، وبدون صحبة رجل ولي لله لا معنى لأي تربية روحية، فالتربية في الاصل هي مهمة الشيخ المربي وليست مهمة هياكل ومسؤولي التنظيم، ولي الله العارف بالله الواصل إلى الله الجامع للإرث القلبي النبوي هو حجر الزاوية في عملية التربية، فهو الموجه وهو المربي وهو المحتضن وهو الأب وهو المغذي والمنفق على العيال الطالبة وجه الله، هكذا قال شيوخ التربية، فهم يُجمعون جميعهم على أن التربية بمفهوم الكمال وبلوغ المرام والمشاهدة والكشف والمعرفة والوصول تحتاج إلى رجل مربي وليس إلى هياكل تنظيمية ومؤسسات إدارية، رجل من لحم ودم واصل موصل يغرس البذر ويعهد الزرع حتى يشتد ليغيظ كفار الانس والجن.

    على أن الشيخ قد يغيب داخل التنظيم الاسلامي، وقد يحضر مع العجز عن احتواء الهياكل التنظيمية التي تكون أكبر منه قوة وأقوى نفوذا وأبسط سيطرة على إخوان الدنيا والآخرة فيبقى هو مجرد رمز، وقد يحضر بقوة فنكون أمام شيخ مربي قابض على التنظيم يساعده في العملية التربوية أمراء للتنظيم، في هذه الحالة فقط نتحدث عن فعالية تربوية للتنظيم، حيث يخدم التنظيم الغاية التربوية العامة ويكون اليد اليمنى للمصحوب المربي فيها، أما في الاحتمال الأول فيكون التنظيم حجر عثرة أمام الشيخ المربي بحيث يقزم من دوره ويحد من حركته ويحول بينه وبين الممارسة التربوية المباشرة، فتأتي النتائج التربوية على غير المطلوب، بل وقد تحدث مجازر على طريق السلوك، ومع ذلك قد تكون للتنظيم إنجازات سياسية أو دعوية معتبرة يلوح بها في وجه منتقديه.

    فعلى قدر التناغم إذن بين الشيخ المربي وأمراء التنظيم تكون الفعالية التربوية، وعلى قدر تطاوع أمراء التنظيم بين يدي الشيخ تتحقق النتائج التربوية، وبمفهوم المخالفة فعلى قدر التنازع بين الشيخ والتنظيم يحدث الفشل التربوي وتتعذر العملية التربية، فالأصل أن الشيخ هو منبع الصفاء والاخاء والمدد، المرشد العام الولي المفتوح له هو قائد التربية وهو مفتاحها، فالمصحوب هو المفتاح، وهو الباب، وما هياكل التنظيم إلا آليات مساعدة في العملية التربوية، ذلك أن أمراء التنظيم غير قادرين البتة على تربية أحد لعوزهم التربوي أولا، ثم ثانيا لعدم استيعابهم وتشربهم للتربية، ثم ثالثا لعدم وصولهم إلى مقام الاحسان، فالعوز التربوي واضح لدى أغلب أمراء التنظيم مادام أن رجل التنظيم هو رجل المهام الادارية والتنفيذية فقط، مع ما يتخلل ذلك من كدر وتصادمات وصراعات داخلية وحسابات تنظيمية وأحيانا جرائم سياسية لا تجعله رجل تربية بامتياز، رجل التنظيم نفس بشرية حاضرة بكل نقائصها، وفاقد الشيء لا يعطيه [4].

    وعلى العكس من ذلك تنجمع في المرشد المربي مقاليد التربية [5] لما له من معرفة ربانية وعلم بطريق السلوك وقدرة على معالجة النفوس البشرية معالجة تربوية غير المعالجة التنظيمية الادارية الحرفية الجافة الجارحة، المرشد رجل إنسان، والتنظيم آلة، المرشد يرى فيك الانسان بينما يرى فيك التنظيم مجرد رقم سياسي، المرشد يداوي الصاحب ويسلك به، بينما يراه التنظيم كتلة تنظيمية حركية أو كتلة انتخابية سياسية، ولذلك كان التنظيم الذي يباشر عملية التربية منفردا شيخا ميكانيكيا فاشلا، لاعبا في غير ميدانه، فلا يُتصور أن يُولد ولي لله على يد هياكل تنظيمية، وقد لاحظنا ذلك في مناسبات كثيرة، ونترك التجربة تؤكد ذلك للبيادق التي يلعب بها التنظيم، ستكتشف الخواء التربوي الجالسة عليه بعد حين.

    إننا وبعد أن تجاوزنا مرحلة الصدمة صرنا نعذر التنظيم على اعتبارنا مجرد رقم، ذلك أن هذا الاخير منسجم مع ذاته بما أنه مجرد أداة للوصول إلى السلطة لا غير، هذا في أحسن الأحوال إذا حضرت النية الطيبة والوسائل الديمقراطية الداخلية من أجل إرساء العدل داخل الصف وخارجه، ولذلك لا غرابة أن يفشل التنظيم في إرساء التربية والسمو بها، إلا أن اللوم لا يقع على الآلة بل يقع علينا لما اعتقدنا طويلا أن المسؤول التنظيمي شخص مربي، المسؤول التنظيمي للأسف في ميدان التربية صفر على الشمال، في أحسن الأحوال هراوة تنزل وفي أسوأ الاحوال سيف يذبح، التربية الوحيدة التي يزرعها التنظيم هي تربية الصبر وكتمان الغيظ وتحمل ظلم المسؤول وعجرفته.

    لا فعالية تربوية للتنظيم إذن، ولا قدرة للتنظيم على تربية الرجال والسلوك بهم طريق المعرفة الربانية بالمفهوم الايماني السلوكي النبوي، اللهم التربية بمفهوم التنمية البشرية وتنمية القدرات التنظيمية والتأطيرية لدى الافراد وتدريبهم على ملكات التسيير، ربما نضيف تنمية القدرات الفكرية والعلمية لو توافرت عناصر ذلك في التنظيمات القوية، أما غير ذلك من التنظيمات البسيطة فهي الخراب العلمي والفكري والتربوي، ذلك أنها تركز على إنهاك الفرد واستنزاف رحيق شبابه واستنفاذ قدراته الفكرية والجسمية والمالية ثم ترميه جانبا لأتفه سبب لتبحث عن دماء جديدة تشربها، ثم تسمع آهات الموت على جنبات التنظيم وأحيانا تحس بالموت الصامت يلتهم السابقين بإحسان واحدا واحدا.

    لا فعالية للتنظيم في ميدان التربية، نقولها بصراحة، وقد رأينا قامات تنظيمية بعد أن شاب رأسها في أقبية التنظيم فوجدناها في قاع حضيض التربية، لم ينفعها مركزها التنظيمي في الرقي بتربيتها الايمانية، ولم تنفعها سنوات الرئاسة والامارة في التنظيم في الارتفاع عن حظوظ النفس، بل وجدناها في أحيان كثيرة تنزل إلى حضيض الشياطين من الحقارة والمكر والخسة وقتل الأرواح المؤمنة والتآمر على الرجال الطيبين لتصفيتهم ماديا ومعنويا، بل ولربما وجدنا أفرادا على هامش التنظيم ممن يستفيدون من الدورات التربوية على بساطتهم وعلى بساطتها أكثر أخلاقا وتدينا وتربية من بعض المسؤولين التنظيميين الذين تتعوذ بالله منهم حين ترى جهنم في وجوههم المكفهرة وقلوبهم الحقودة.

    مأساة كبيرة أن توكل التربية إلى التنظيم، فإذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة [6]، جهود التنظيم التنطعية في الميدان التربوي لا تؤتي أكلها إطلاقا، فقط الدائرة التي تحوم حول المرشد والدوائر الفرعية التي تحوم حول هذه الدائرة هي المؤهلة دائما إلى بلوغ المكانة التربوية السامقة ونيل الفتح التربوي لما لها من قرب حسي من المرشد، نضيف إليهم الأويسيون، المحبون من بعيد، لكن هذه الدائرة المركزية تكون معرضة للشيطنة الكبرى إن هي زاغت قيد شعرة عن خط الصحبة اللاحب، حسنات الأبرار سيئات المقربين، والقُرب إما فتح أو شيطنة، الفتح للصادقين المتأدبين، والخسران الاعظم للاهين في باب الله.

    يستطيع التنظيم إذن أن يساهم في العملية التربوية بفعالية إن هو عرف قدره، فكان آلة طيعة في يد الرجل المربي، كما يستطيع أن يدمر التربية نهائيا إن هو جعل من نفسه شيخا، وأغلب الظن أن التنظيم شيء مارق، ذلك أن النفوس التي تسهر عليه نفوس أموية تطمح دائما إلى السيطرة، ولذلك وفي غياب الشيخ القوي تترامى هذه الهياكل إلى التربية لمصادرتها وتسخيرها في العملية التنظيمية السياسية بعيدا كل البعد عن الغايات التربوية الحقيقية، فتضيع التربية المسكينة بين أرجل ذئاب التنظيم وثعالب السياسة.

    إنه لابد من تركيع التنظيم أمام المربي ورجال التربية، حتى يكون للتنظيم فاعلية تربوية.


    📌 الهوامش

    1. [1] نعني بالتربية تربية الإيمان في القلب.
    2. [2] قال ابن القيم رحمه الله: «إن العارف صاحب ضياء الكشف أوسع بِطانا وقلبا، وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم. ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل. فكما أن العالم أوسعُ بِطانا من الجاهل، وله إطلاق بحسب علمه، فالعارف بما معه من روح العلم وضياء الكشف ونوره هو أكثر إطلاقا، وأوسع بِطانا من صاحب العلم». مدارج السالكين، ج 2، ص: 420.
    3. [3] عليكم بنا، صحبتنا تَرياقٌ مُجَرَّبٌ، والبعد عنا سم قاتل. (الإمام أحمد الرفاعي، البرهان المؤيد، ص43)
    4. [4] " إن صحبة الناقص الدخيل في الطريق المتطفِّلِ المحتَرف وَبَالٌ من أصلها." الاحسان، ج2، 417
    5. [5] " هناك تنظيم وهناك تربية، تتسع لديها السبل للجمع بين وظيفتين فلا تجد إلاّ أن يخضع الظاهر للباطن، أن يتبع التنظيم التربية، أن تكون الدعوة أميرة على الإدارة. ." عبد السلام يس، الاحسان،ج1، ص212.
    6. [6] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل كيف إضاعتها يا رسول الله، قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". فتح الباري ص341.

  • محبة ذبحها التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 40 من 77 — فهرس الكتاب

    كانت المحبة على عهد التنظيم الأول حية في القلوب، منتقلة بين الأرواح، يسري ماؤها في أوصال الجماعة، كُنت وأنت بين الإخوان تستشعر جوا من الصفاء والأخوة والفناء في ذات الجماعة، فكان الأخ يحب لأخيه أكثر مما يحب لنفسه، وكان المرء لا يستخسر أن يضحي بنفسه من أجل أن يعيش أخوه، كان في عهد المحبة أمر التنظيم بيد ولي الله الساهر على المؤمنين تربية وتنظيما، فكان التنظيم بالشكل الحالي ضعيفا وأقل تغولا وكان شخص ولي الله قويا مهيمنا حاضرا بقوة في التربية والتنظيم.

    إذن ولدت المحبة في حضن ولي الله الساهر على الجماعة، فكانت صحبته تفيض محبة وكان الصاحب يرتبط قلبا بالجماعة بحبل المحبة المتين، محبة ولي الله ومحبة أحبابه، هكذا ولدت المحبة وعاشت دهرا تحت عين المرشد وتحت رعاية التنظيم، ولعل رغبة ولي الله كانت أن يُمأسس المحبة ويفصلها عن ذاته فتصير مشاعة داخل التنظيم ولو غاب شخصه، كان ولي الله متجردا من ذاته، مُفكرا في طريقة تعيش بها المحبة ولو انتقل هو أو غاب أو مات، وشيوع المحبة ومأسستها فكرة فرعية من فكرة احتضان الجماعة للصحبة وسلوكها بأفرادها طريق الولاية ولو في غياب المرشد، فيغيب الشخص وتبقى الفكرة ويدوم المشروع.

    فماذا حصل حتى أصبحت الجماعة في بوار روحي وأصبحت المحبة ابتسامة صفراء يفرقها المسؤولون التنظيميون على الاعضاء كما تُفرقها الاحزاب السياسية، ما الشيء المفصلي الذي جعل المحبة تموت داخل الجماعة، الاجابة الواضحة هو التنظيم، لقد قام التنظيم بذبح المحبة كما تذبح الشاة، ذبحها برعونته وتجبره وميكيافيليته ونفاقه ومصلحيته الضيقة وخروجه عن منهاج النبي الكريم الذي كان يحب ضعفاء القوم قبل أن يحب وجهاءهم، لقد خرج التنظيم من نطاق التنظيم الاسلامي وارتمى في حضن السياسوية المصلحية وبالتالي خرجت المحبة من النافذة لأن الحب في الله لا ينجمع بتاتا مع المصلحية.

    لكأني بناعق من نواعق الفيسبوك يصيح قائلا: " لا، الجماعة لا تزال بخير والمحبة موجودة، وكل شيء بخير والحمد لله"، نفس كلام العياشة الذين يصرخون دائما لحماية كهنة المعبد، نفس منطق الدكتاتورية السياسية المستشرية في دول التخلف تجدها داخل صفوف (التنظيم الاسلامي).

    المحبة لا تعيش في جو البريستيج والتفاخر والعنطزة والمال والمناصب والسلطة والتقاتل على هذه الجيف الدنيوية، المحبة كائن طاهر يعيش في جو الصفاء والأخوة والاحتضان والتضحية والفداء، كائن لطيف يعيش في قلوب طاهرة نبت فيها حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أولياء الله وانشغلت بالآخرة عن الدنيا ومعافسة الاقران على السلطة.

    وإذا كانت مبيدات المحبة كثيرة فإن حب السلطة هو أول قاتل لهذه المحبة، فالشخص المحب للسلطة يدمر المحبة تدميرا كليا، يفينها تماما عن الوجود وتبقى سلطته، فالسلطة عدوة المحبة، أينما دخل حب السلطة خرجت المحبة منكوس رأسها، وأحيانا يبزغ الحقد برأسه وتشتعل نيران الحرب و تلتهب شراراتها داخل التنظيم، وفي هذه الحالة يفضل التنظيم سلطة المسؤول التي تتأسس عليها هياكله ويضحي بالمحبة التي هي في نظره مجرد خرافات صوفية وهلاميات لا تنفع في الحرب التنظيمية الداخلية.

    لقد حطم المسؤولون التنظيميون المسعورون على السلطة كل محبة داخل الجماعة وفرضوا ذواتهم وأجبروا المؤمنين على محبة أشخاصهم، فأصبح حب المسؤول التنظيمي رمزا لحب الجماعة، تماما كما هي محبة الرئيس في الدول المتخلفة حضاريا حيث تكون محبته مقرونة بحب الوطن، والجماعة وطن المؤمنين.

    لا أخجل عندما أتهم التنظيم بتدمير المحبة وفصل المحبين، لقد نحر التنظيم المحبة والمحبين وبجل المسؤولين والسياسيين والمقربين، ارتكب التنظيم جريمة تربوية عندما حطم المحبة وكسر القلوب وكشر في وجه رجال المحبة وآذاهم بمكره وخبثه التنظيمي، واليوم يجلس التنظيم على أطنان من الحقد والمكر والمصلحية والغفلة عن الله والتهافت على الدنيا والمال والسيارات والفيلات والمراكز التنظيمية والفرص السياسية والتنسيق مع الفرقاء.

    يا حسرة على أجواء المحبة والأخوة والفناء في المؤمنين، كان جوا إيمانيا رائعا وأياما جميلة اقتبست فيها أرواحنا من نور الله، وكيف لا والله يباهي بالمحبين الملائكة ويجلسهم عل منابر النور.


  • وصاية التنظيم على التربية

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 39 من 77 — فهرس الكتاب

    داخل التنظيم لا يستطيع رجل التربية أن يتحرك بـحرية ويتصرف بتلقائية ويسلك إلى الله بعفوية ويتنفس عبق التربية بسلاسة، رجل التربية دائما خائف من التنظيم، مرعوب من التنظيم وإرهاب التنظيم وفصل التنظيم، ترتعد فرائص رجل التربية عندما يحضر رجل التنظيم الجاثم على صدر الجماعة ويتلعثم لسان الدرويش ويرتبك وجدانه وينغلق فمه، وفي أحيان أخرى يقف وقفة الاحترام للمسؤول التنظيمي ويتلو على مسامعه قصائد التبجيل والتهليل كأننا أمام عالم من علماء البلاط دخل على سلطان من سلاطين الطغيان.

    حالة التربية تحت وصاية التنظيم حالة مُزرية، تربية بدون فاعلية، تربية مقهورة مخنوقة، تربية على غرار تربية السلاطين التي رسخوها في الأمة، تربية تُنتج الخنوع والخوف والمراوغة واللحس والذل والهوان والتخنث، لذلك فهي ليست بتربية إيجابية ترتقي بالمؤمنين إلى معالي الدين والاخلاق بل هي تربية سلبية تنتج لنا مؤمنين سلبيين خانعين لا يرجى منهم تغيير واقع ولا تغيير نظام فبالاحرى تغيير نفوس.

    تئن التربية المسكينة تحت وصاية التنظيم الجبار القهار الذي يحكم مجالسها ومفاصلها وبرامجها والمشرفين عليها، ولعل سقوط التربية في يد التنظيم وانتزاعها من يد ولي الله هي أكبر انتكاسة عرفتها الجماعة الاسلامية على طول مسيرتها، فالتربية العفوية لولي الله المتحررة من كل قيد تنظيمي التي كانت في بداية الجماعة شعلة البناء والتأسيس جعلها التنظيم اليوم صفراء وجهها خافت ضوؤها بارد جوها، هي اليوم مُصادَرة لا تساهم في البناء بل تساهم عكس ذلك في شرعنة المسؤولية، بمعنى الهدم، فمن بناء الجماعة إلى بناء الطغاة، كارثة كبيرة هي سقوط التربية في يد التنظيم، والحقير المنظم كان يحوم حولها لاصطيادها منذ البداية، ذلك أنه كان يعلم قوة التربية وسحرها ومددها ومفعولها التنظيمي وأثرها في نفوس المؤمنين، وعلى غرار الانظمة الشمولية التي تستغل الدين وتصادر مؤسسات الدين وتحاصر الدين وتلعب بالدين وتسخر الدين لخدمة زبانيتها فالتنظيم الاسلاموي برموزه الخائنة يسيطر على التربية الروحية ومعها ترسانة المفاهيم الدينية ويجعلها تخدم مصالحه السلطوية الداخلية والسياسية الخارجية، إنه لا يدع التربية متحررة تخدم برامج ولي الله وإرادته العلية التي يريدها معراجا إلى الكمال البشري ومقامات العرفان الروحي.

    وإذا كانت الأنظمة المستبدة تصادر المال والذهب فإن التنظيم الاسلامي التلميذ الابليسي صادر ما هو أغلى من الذهب، صادر التربية الروحية، انقض بوحشية على الروح التي كانت تحرك الجماعة، القوة التي كانت تدير محركات الدعوة والتنظيم والسياسة، صادرها وجعلها تخدم اللوبيات السلطوية المتحكمة في مفاصل الجماعة وجعل الروحانية تسير في اتجاه دعم المصالح المالية والتنظيمية للطغمة المنافقة، التنظيم العاهر الذي يبيع المؤمنين للأنظمة المستبدة من تحت الطاولة ويذبح الطيبين بالفصل والتهميش والنميمة أصبح يتحدث عن التربية والحب ومعرفة الله، العاهر الذي لا يستحي من دعارته المعنوية وينشر ثقافة الخنوع التنظيمي والانبطاح السياسي ويحارب التعدد ويتخنث إلى جانب حقوق النساء أصبح يفتي في السلوك ويتحدث عن الاولياء والنبوة والصحبة ومصدر الصحبة والأدب مع الصحبة.

    منتهى الحقارة والعار والاشمئزاز عندما يتحدث المنافق السياسي في القطاع السياسي عن التربية وأحوال أهل التربية.

    لو كنت أيها العاهر المنظم تعرف الصحبة لما فصلت المؤمنين ولما مشيت بينهم بالنميمة والغيبة والحقد والكره والحسد، لو كنت تعرف الصحبة لما بعتهم إلى الجهة الأخرى، لو كنت تعرف الصحبة لما حاصرت الصحبة، لو كنت تعرف الصحبة لما آذيت المصحوب وفصلت الأصحاب، لو كنت تعرف التربية والصحبة لما جلست على منصة التربية تُهدد وتتوعد أهل الذوق والمعنى كالشيطان الرجيم، ولذلك فالمصادرة التنظيمية للتربية وقفز المسؤولين التنظيميين إلى منابر التربية والدلالة على الله طبيعي أن ينتج عنه ارتماء الصالحين في الحانات بين أيدي العاهرات، فالظلم النفسي والتصفية التنظيمية والقهر التربوي والذبح الاجتماعي للمؤمنين يفقد معادلة الرجل المناسب في المكان المناسب توازنها، فتنهار التربية وينهار التنظيم ويتوقف الزحف، كيف يزحف التنظيم إلى الخلافة الموعودة وهو يزحف على المؤمنين بالفصل والذبح.

    التربية في أصلها شيء متحرر لا يخضع لمسؤول تنظيمي، شيء عفوي هكذا، شيء يسري كالماء، هلام ينتقل بين القلوب، وبالتالي فمصادرة التربية وقتل عفويتها جريمة تنظيمية تنضاف إلى جرائم التنظيم، القبضة التنظيمية الحديدية على التربية ومحاسبة المشرفين عليها على كل نفس يتنفسونه واحتقارهم والحط عليهم والضرب على قفاهم دائما جعلت من هذه التربية شيئا ميتا بدون روح، ماتت التربية وأصبحت أشكالا لا روح فيها، ترانيم وشعائر بدون معنى وكلام تربوي دون حقيقة جعلت رجالات التربية العميقة تهرب الى الحانات أو إلى خلوات التبتل تاركة الساحة التربوية للكلاب التنظيمية المقززة تُفتي في علوم الروح بغير ما أنزل الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.

    تربية ركيكة أنتجها التنظيم بمصادرته للتربية العفوية المتحررة التي كانت تملأ الجو حلاوة إيمانية ونشاطا دعويا وروحانية عالية ومحبة قلبية وتلقائية سلوكية، أصبح السلوك قرارا تنظيميا والولاية مرتبة تنظيمية والمصحوب داهية تنظيمي، المسكينة التربية أهلكها التنظيم فجعلها عجوزا متهالكة بعد أن كانت عروسا في ريعان شبابها رائعة الجمال تمرح كالملائكة في جنان الذكر والتبتل.

    التنظيم المجرم قتل التربية بمحاصرتها ومصادرتها وحساب أنفاس أهلها وفصل رجالاتها وتشويه كوادرها والتحكم في برامجها حتى غدت اليوم جثة هامدة تفوح منها روائح الموت الروحي ونسمات الفساد الاخلاقي.


  • التنظيم والأحوال التربوية

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 38 من 77 — فهرس الكتاب

    الأحوال التربوية تفاعلات روحية، حالات وجدانية أو نفسية أو جسدية تعتري أحيانا السالك إلى الله، لا يهمنا في هذا المقام دراسة هذه الظاهرة الروحية، لكن ما يهمنا هنا هو تعاطي التنظيم معها، بما أنه المسؤول أولا، وثانيا بما أنه يتفاعل مع كل صغيرة وكبيرة داخل الجماعة ويفرض سيطرته عليها، سنحاول بداية إعطاء إطار نظري ومفاهيمي للظاهرة قبل أن نعرج على دراسة تفاعل التنظيم معها.

    لنقل إن الأحوال التربوية هي مواجيد باطنية [1]، أمور محسوسة يستشعرها السالك إلى الله في قلبه وروحه وأحيانا في جسمه، وقد رأيت أحوالا كثيرة وعشت بعضها، لكن الأصل فيها أنها تبقى باطنة غير ظاهرة لذي عين، فبمجرد أن ينضم السالك إلى الله إلى جماعة المريدين وجه الله يتغير حاله تلقائيا، ومع البداية تأتيه الأحوال الربانية، فهو مع برودة روحه وبعدها عن حلاوة الايمان يستشعر حرارة الاحوال من اللحظة الاولى التي يضع فيها قدمه داخل حوزة الصحبة المباركة، وعندما تسخن روحه لا يكاد يستشعر هذه الحرارة بنفس الحدة التي عاشها أول مرة، لكن قد تباغته أحوال أخرى أكثر قوة مع توغله في الطريق، قد يتحملها وقد لا يتحملها، فيحدث اضطراب نفسي أو جسدي أو هما معا، وهذا ما يصطلح عليه داخل التنظيم الاسلامي بالأحوال، والأحوال نقيصة داخل التنظيم، ومعناها أن صاحب الاحوال رجل أحمق غير مستقيم يخلط الاوراد ويخلط المشايخ ولا يصلح للتنظيم، المعيار هنا معيار مادي بسيط، فبدون معرفة حتى ماهية الحال وسببه يكاد يجزم المسؤول التنظيمي أن صاحب الحال شيطان رجيم ويروج ذلك في المجالس الفوقية والتحتية قبل أن يرميه خارج التنظيم منبوذا.

    الأحوال التربوية عقبات أمام السالك إلى الله، عقبات كؤود، صعبة المراس، معاناة، لكنها في أحيان أخرى مواجيد حُلوة تدعو صاحبها الى القعود والتملي [2]، فهي في جميع الاحوال مرها وحلوها عقبات في الطريق من المفروض تجاوزها، والأصل في التنظيم أنه فاهم لمجريات السلوك غير جاهل بها، المفروض في التنظيم أنه يد المرشد، شيء يساعده على تربية السالكين، لا سيف يقتل أبناءه المكافحين على طريق النجاة، فالطريق وعرة والاعداء مبثوثون على طولها، وإنما الحال كـريح إلاهية تزعزع السالك وتحرك قلبه ووجدانه، فالحال مُتحول، يأتي في حالات ويختفي أغلبها، فقد يأتي بكدر وقد يأتي بصفاء، وقد يأتي بقبض وقد يأتي بـبسط، بلذة نفسية وطرب أو بعذاب نفسي واضطراب سلوكي، لكن المعول على الثبات، ثبات القلب والروح في هذه المواطن علامة النضج والرجولة الايمانية، فالقلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، والمطلوب من السالك أن يثبت على الاستقامة وعلى طول الطريق وشدة المراس وحلاوة الاغراء، " يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ" [3].

    هو أمر الله إذن، قراره، رحمته وعذابه، فإما أن يورد السالك خيرا وإما أن يورده الهلاك، وما نحن بأهل قرار ولا مشورة، إنما نقول بلسان الحال: " ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" [4]، لكننا نسأل الله السلامة ونُعامل المبتلى بظاهر الحال، نلتمس لأخينا في الطريق سبعين عذرا [5]، ودون تشفي نمد له يد العون، لا نذبحه لأننا لا ندري أَشَرٌّ أُرِيد بِمن فِي الحال أَمْ أَرَاد بِهِ رَبُّهُ رَشدًا، فمعاملتنا كأفراد يجب أن تنطلق من هذا المنطلق، فكم من المبتلين بالأحوال صلح حالهم واصبحوا من الاولياء والدعاة والعارفين، وكم منهم انقلب حاله وأصبح من إخوان الشياطين، فبما أن الامر مختلط هكذا وجب علينا التسليم للفارغ حتى ننجو من الملآن، على أن الامر مختلف بالنسبة للتنظيم، فهذا الأخير ليس مطالبا بالسلبية والتسليم بل هو مطالب بالتدخل للمساعدة، بما أنه آلة المرشد والعنصر المانع من ملاقاة الصاحب بالمصحوب والاسترشاد بإرشاداته والاسشفاء من يده الشريفة، فبما أن التنظيم نائب وحاجز تنظيمي في آن واحد وجب عليه أن يساعد المبتلى بالأحوال لا أن يقطع رأسه بالفصل.

    صحيح أن سيف الشريعة قاطع للرؤوس [6]، لكن الأمر يتطلب ثبوت أحوال شيطانية قوية بارزة تهدد الاستقرار الايماني والنفسي للمحيط، كما أن هذا الاعدام يتطلب فتوى من ذوي الاختصاص ثم ولي أمر يحكم بما أنزل الله، وهذان الامران لا يتوافران في التنظيم، فلا هو يملك أجهزة قضائية لأنه لا يملك سوى أجهزة تنفيذ، ولا هو يمتلك أهل اختصاص بما أنه يهمش أهل التربية والقرآن والشريعة جانبا على هامش القرار، ثم إنه ليس ولي أمر ينفذ في المسلمين الاحكام الشرعية، فهو مجرد جماعة صغيرة من المسلمين، كما أن التنظيم لا يعترف أصلا بالشريعة الاسلامية كمصدر للأحكام والسياسيات بل يؤمن بالقانون الوضعي.

    التنظيم إذن حاضن وحارس، ومن المفروض أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، يقدم لهم يد المساعدة في إطار الأخوة الايمانية التي تجمعه بالمؤمنين، فـإذا رأى حالة من احتراف الدجل والنصب وثبت له غلبة الحال الشيطاني على المعني فصله من التنظيم فصلا تأديبيا يحتمل الرجوع في حالة التوبة والتخلص من العوارض الضارة بالصف، ومع الفصل تواصل إنساني ومتابعة أخوية لإنقاذ المبتلى من براثن الشيطان، شيء يشبه حرص النبوة على إنقاذ كل رجل من براثن النار والافلات به إلى جنة الخلد.

    الأحوال التربوية ليست كلها شيطانية، فإذا كان السالك عرضة للشيطان الجني أكثر من غيره من الناس كون المؤمن السالك إضافة نوعية إلى كوكبة الصالحين الذين يهددون كيان الشيطان وشبكاته، فإن المؤمن مُعرض أيضا للأحوال الربانية، قال سبحانه وتعالى: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ، ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ" [7].

    لاحظ معي أخي القارئ كيف وصف الله حال شرح الصدر بنورانية من الله، ولاحظ معي كيف توعد القلوب الخالية من الاحوال الربانية القاسية من ذكر الله بالويل والضلال المبين، ولاحظ معي كيف تقشعر جلود الصالحين ذوي الاحوال الربانية من ذكر الله وقراءة القرآن، أي نعم تقشعر، لاحظ معي كيف وصفهم الله بالهدى ولم يصفهم بالضلال والتخليط، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، فرغم أن القرآن الكريم يصف من تقشعر جلودهم من ذكر الله بالهدى لكنني رأيت أكثر من مرة كيف يستنكر التنظيم هذه القعشريرة، يحسبها ضلالا وتخليط أوراد، والمؤمن الفطن يتظاهر بالتفاهة أو يحك شعر رأسه أو يحدث أحدا حديثا خارج السياق كي يهرب من هذه القشعريرة حتى لا تسبب له مشاكل تنظيمية مع زبانية التنظيم.

    بعد ذلك يصير المؤمن متمكنا من الحال، يستشعره رغم قوة وارداته وهو ضاحك مبتسم، لكن الحق يقال هناك أحوال لا طاقة للمؤمنين بها، أحوال قوية من قوتها أنها تذهب بالعقل للحظات أو لأيام أو لسنوات، كلٌ وابتلاؤه، هؤلاء يُطلق عليهم المجاذيب، وهم أشخاص والهين في الله، من شدة أحوال حبهم لله ومن عدم قدرتهم على تحمل الواردات الربانية يختلط لديهم الواقع بالمعنى، أعرف أيها القارئ أنك ستقول أوهام، لكن ولأقرب إليك الفهم بالمحسوس، اعتبرهم كمجانين ليلى، ألم يكن قيس مجنونا سائحا في البراري من عشق ليلى؟ ألم يكن يـهذي؟ فهل قيس خرافة؟ فكذلك مجانين الله، مجانين في حب الله، وليس في الأمر عيب، فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ" [8]، فيا سعدك وسعدنا لو كنا مجانين الله.

    لاحظ معي أخي الكريم أن هذا الجنون سببه ذكر الله وليس الشعوذة أو الخرافة، وقد روى التاريخ عن كثير من المجانين الذين تجد سيرهم في الطبقات، والكثير منهم غير معروف الاسم والنسب، اقرأ كتاب صفة الصفوة إن شئت، لكن الحق يقال، صحبة المجاذيب فتنة، وخطر شديد، فنحن نحسن الظن بهم ونعاملهم لحبهم لله بالمحبة، لكن ليس كل مجذوب مجنون، فهناك مجاذيب بكامل قواهم العقلية، ولا كل مجنون مجذوب، فهناك أصحاب الامراض العقلية، والمجاذيب على كل حال لا يُصحبون أبدا ولا يُتخذون أخلاء، صحبتهم صعبة لا تطاق، نلتقي بهم في الطريق ونطلب منهم الدعاء ثم نكمل طريقنا غير مفتونين.

    لكن هناك من يستعذب صحبتهم لظهور خوارق العادة عليهم، فالمجاذيب أصحاب كرامات ودعاء مستجاب [9]، فهممهم عالية ومتيقظة، همم خطرة، تفعل فعلها في الكون والناس، والفضوليون على المجاذيب غالبا ما يجنون خيبات أمل وضررا روحيا كبيرا يصعب علاجه، كيف تصحب الحمقى يا هذا؟ الصحبة فقط للمجاذيب قلبا الصاحين عقلا الذين يستقبلون الاحوال الربانية بكل ثبات وصحوة عقل، وهذا حال الصحابة رضوان الله عليهم.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ، شِبْهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام" [10]، وجاء في سنن الترمذي: " أَبُو ذَرٍّ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ بِزُهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام" [11].

    سيدنا أبي ذر سيد الصادقين الواضحين، وصدقه جعله دائما نبراسا للحق، فها هو يصدع بالإسلام صادقا حتى تكاد تقتله قريش فتخشى على نفسها من قبيلة غفار، وها هو يذهب وهو رابع السابقين إلى الاسلام فيأتي بقبيلة قطاع الطرق مسلمة، وها هو يقف جانب علي كرم الله وجهه أيام الفتنة لا يقول إلا صدقا، كيف لا وقد خبر عليا منذ أن كان يأخذه وهو لا يزال صبيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وخبره في المواقع كلها، ومع أنه كان إلى جانب علي إلا أنه حافظ على تفرده واندفاعه ووضوحه الكامل، وقبل ذلك كان يعارض السياسة المالية في دولة الخليفة عثمان رضي الله عنه وظهور طبقة النبلاء، كما فطن رضي الله عنه إلى خطر معاوية وهو في الشام، ولذلك كان معاوية يبغض أبا ذر ويخشى منه ويبعث بالتقارير الكاذبة الى دار الخلافة المقر، المركزي للتنظيم، تماما كما يفعل التنظيم مع غفارى اليوم من المؤمنين الصادقين الصادحين بالحق المنتقدين لظهور طبقة النبلاء داخل التنظيم.

    التنظيم اليوم يكره الأحوال التربوية ويكره الجذب، يكره الصدق الصريح، يكره المنتقدين له، يُقبل بوجهه البشوش على معاويات العصر مشيحا بوجهه عن الصادقين أمثال أبي ذر.

    عندما كان أبو ذر يعلم الناس دينهم في الشام حدث أن اختلف مع معاوية في معنى الآية الكريمة: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" التوبة، 24. فظاهر الآية يوحي بأن المعني بها هم أحبار اليهود ورهبان النصارى، ولذلك قال معاوية بأنها نزلت في أهل الكتاب، إلا أن أبا ذر الغفاري صاح فيه غاضبا: "نزلت فينا وفيهم" [12]، معنى ذلك أن أبا ذر كان يعتقد أن من المسلمين بل ومن مسؤولي التنظيم أحبارا ورهبانا يكتنزون الذهب والفضة وينفردون بهما عن المسلمين، وهو يقصد طبعا في إشارة ذكية معاوية وحاشيته من النبلاء المتلاعبين بالدين الذين أغدق عليهم بالذهب، اشترى آخرتهم ليخدموا مشروعه التوريثي، فكتب معاوية يشكو أبا ذر إلى الخليفة عثمان بن عفان مدعيا أنه أفسد عليه تنظيمه في الشام، وانتهى الأمر بأبي ذر مفصولا من تنظيم الصحابة منبوذا في الربذة حتى توفاه الله وهو على الحق [13].

    وكذلك يفصل التنظيم اليوم مع الصادقين الصادحين بالحق، يريد التنظيم أن يهيئ الاجواء لمعاوية، لكن يوم يتمكن معاوية من رأس التنظيم سيقتل رجال التنظيم ويستعبد أطفال التنظيم ويسبي نساء التنظيم، وسيعرف التنظيم أن نصرة أبا ذر كانت أولى من نصرة معاوية.

    التنظيم اليوم ينتظر منك أقل قشعريرة ربانية حتى يرميك جانبا، ينتظر منك أقل هفوة تربوية حتى يعبئ ضدك، ينتظر منك كلمة حق غِفارية ليفصلك من التنظيم، ينتظر منك أن تزل قدمك فيذبحك وأنت واقع على الارض، لا يستطيع التنظيم أن يذبحك وأنت واقف، لا يعاملك رجلا لرجل، بل يضرب دائما غدرا، ولذلك فإن السلوك اليوم داخل التنظيم يقتضي إخفاء كل التجليات الايمانية والاحوال الربانية، يقتضي تقليد الطبقات الارستقراطية والتظاهر بالقوة وإظهار الجلف المخلوط بالتخنث ولبس الموضات الحديثة والاستعانة بالبريستيج السياسي والاجتماعي الاحدث.

    خطأ كبير أن تنتظر اليوم من التنظيم أن يساعدك في تفهم أحوالك التربوية فأنا أن يرحمك عندما تختلط عليك الاحوال فلا تعرف ربانيتها من شيطانيتها، وحده الشيخ من يستطيع مساعدتك لأنه أدرى وأحن، ولأنه مر من هناك، ولأنه حريص عليك حرص الاب على ولده، ولأنه يحمل بين جنبيه قلبا رحيما و روحا شفافة يساعد بها عباد الله، لكن هذا الأمر يقتضي أن يكون المبتلى تحت عناية الشيخ ونظره، قريبا منه جسدا، وهو أمر يستحيل في ظل الحصار الذي يضربه التنظيم على المرشد حيا أو عندما يقفز بعد موته إلى منبر التربية ويدعي المشيخة ويفصل كل من له خيط في التربية، إذا كان التنظيم "شيخا" فعليه أن يحل المعضلات التربوية ويخفف الاحوال الربانية ويعالج الأحوال الشيطانية، عليه أن يحضن الاخوان ويأخذ بيدهم لا أن يفصلهم، هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا يفعل الصالحون من هذه الأمة.

    نخلص الى القول بأن التنظيم لم يستطع احتواء الاحوال الربانية والارتقاء بها إلى مصاف ملح التربية، ذلك أنه ضرب بشدة على كل من ظهرت عليه أعراضها غير مكتف بتجريده من المهام التنظيمية ريثما تستقيم أحواله القوية، بل تعامل بالفصل التنظيمي في قسوة عسكرية لا تتناسب مع مبادئ الأخوة الايمانية والتضامن التنظيمي، فالأحوال التربوية ليست جرائم أخلاقية ولا هي اختراقات سياسية أو فكرية، بل إن أصحابها ينطق لسان حالهم قائلا: " رب إني مغلوب فانتصر".

    ونتيجة التعامل التنظيمي القاسي مع مؤسسة الأحوال التربوية هو فراغ الصف من كل مظاهر رقة الدين وعمق التربية، فأصبح الجفاء دينا، وانتشر التدين السطحي، وسيطرت السياسة على الجميع، وعندما تلتفت إلى جنبات التنظيم تجد آلاف الحمقى والمرضى نفسيا والموسوسين والمتخبطين في حبائل النفس والشيطان والتائهين في عوالم الروح، لا يوجد رجل يحتضن ويأخذ باليد ولا تنظيم يرحم ويرعى المبتلين، والله المستعان على ما تصفون.

    إن الأحوال التربوية لا يفلت منها لا نبي ولا ولي ولا سالك طريق، فرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تجلى له الله سبحانه وتعالى في سدرة المنتهى بقي ثابتا، قال سبحانه: " وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ " [14]، ما زاغ البصر يعني أنه رزق الثبات والأدب في حضرة المشهود، بينما لم يتحمل موسى عليه السلام هول المشاهدة وخر من شدة النور مصعوقا، قال تعالى: " وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا " [15]. لم يتحمل موسى واردات المشاهدة فخر صعقا ثم استفاق لاحقا، والصعق حال رباني وليس ضلالا، الجبل نفسه لم يتحمل المشاهدة فصار ترابا، وقد رأيت حالات كثيرة من الصعق، لكن أغلبها لا يأتي من حالة المشاهدة بل من واردات بسيطة في السلوك، القلوب الضعيفة تصعق من واردات روحية مفاجئة تكون بالنسبة إلى ضعفها قوية، وهناك حالات يصبح الصعق فيها في حالة المشاهدة موتا محققا.

    يقول الامام عبد القادر الجيلاني حاكيا عن نفسه: " كنت أشتغل بالعلم، فيطرقني الحال، فأخرج إلى الصحاري ليلا أو نهارا، وأصْرُخُ وأهيم على وجهي، فصرخت ليلة فسمعني السارقون ففزعوا فجاؤوا فعرفوني، فقالوا عبد القادر المجنون، أفزَعْتَنَا، وكان ربما يغشي علي، فَيَلُفُّونني ويحسبون أني مت من الحال التي تطرقني" [16].

    إنه الامام عبد القادر الجيلاني يُغشى عليه ويصعق من الاحوال الربانية ويسقط ويهيم على وجهه في الصحارى ويقال عليه مجنون.

    الأنبياء والاولياء ايضا رغم رفعة مقامهم لهم أحوال خاصة، وعلى ذكر المقام فالمقام ليس سوى ثبوت حال، بمعنى أن الحال الرباني عندما يستقر لا يبقى معه اضطراب ظاهر، فيمر الحال مر السحاب على النبي والولي وهو جالس معك لا تكاد تفطن له، يطير وينزل وتمر عليه الاحمال الربانية القوية وأنت لم تلاحظ شيئا، وهذا هو المعنى الاشاري للآية الكريمة: "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ" [17].

    الحق يقال، هناك قامات تنظيمية جمعت بين الحال التربوي الرباني والمنصب التنظيمي السامي دون أن تفقد اتزانها، وأنا أشهد لها بذلك، ما زاغ بصرها وما طغا، لكن هذه الفئة قليلة، فأغلب مسؤولي التنظيم لا أحوال تربوية لهم، ولذلك يسهل عليهم قيادة التنظيم، مجرد مسيرين، باردون قساة جفاة لا تقشعر جلودهم من ذكر الله، أولائك في ضلال مبين.


    📌 الهوامش

    1. [1] قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الاحسان، ج1، ص22.
    2. [2] "همّ الأمة لا يحمله الورع القاعد، لكن يحمله وينهض بمقتضياته الأقوياء بالعلم والخبرة الأمناء بخوف الله والوفاء بعهده"، المنهاج النبوي، ص53.
    3. [3] سورة إبراهيم، الآية 27
    4. [4] سورة البروج، الآية 16
    5. [5] خرج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكرام رضي الله عنهم إلى تبوك، وأمرَ من استطاعَ من أصحابه أن يخرج، وألا يتخلَّف أحدٌ إلا ضِعافُ الناس، ومن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُكث لحاجةِ الناس. وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع الفيافي والقِفار مع أصحابِه الكرام، في حرٍّ شديدٍ، وجهدٍ جهيدٍ، حتى بلغوا تبوك، وبينما هو صلى الله عليه وسلم جالس بين أصحابِه افتقد كعب بن مالك ولمْ يرَه، فقال: ما فعلَ كعبٌ؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه ُبَردُاه، ونظرُه في عِطْفه. يعني: منعَه من الخروجِ إعجابُه بنفسِه ولباسِه. فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله ما علِمنا عليه إلا خيرًا. صحيح البخاري: [4418]، صحيح مسلم: 2769.
    6. [6] قال الإمام عبد القادر الجيلاني حين سُئل عن الحلاج: عثر الحلاج ولم يكن في زمانه من يأخذ بيده، ولو أدركته لأخذت بيده.
    7. [7] الزمر، 23
    8. [8] رواه الإمام أحمد في " المسند " (18/195، 212)
    9. [9] " رُبَّ أَشعَثَ أَغْبرَ ذِي طِمْرَينِ مَدفُوعٍ بالأبوابِ لَو أَقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّهُ" رواه مسلم.
    10. [10] سنن الترمذي
    11. [11] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضُهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيٌّ بن كعب. ولكل قوم أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. وما أظلت الخضراءُ، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر. أشبه عيسى في وَرَعِهِ". قال عمر: أفتعرف له ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم، فاعرفوا له ذلك". رواه الترمذي عن أنس بن مالك، وقال: حديث حسن صحيح.
    12. [12] الطبقات الكبرى لابن سعد
    13. [13] كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه من أكبر المعارضين للسياسة المالية فكان يرى عطايا عثمان لمروان بن الحكم واخاه حارث فينكر ذلك ويستنكره، وكان يتلو قول الله عز وجل: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقوها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم" وقد شكا مروان بن الحكم إلى عثمان من قول أبو ذر، فارسل عثمان اليه من ينهاه فقال أبو ذر:" أينهاني عثمان عن قراءه كتاب الله؟" ولم يتوقف أبو ذر حتى الح في نقده واستنكاره لهذه السياسات حتى امره عثمان بالخروج من المدينة والذهاب إلى معاوية في الشام. وعند وصوله الشام صار ينتقد معاوية اشد الانتقاد لجمعه المال وبناء القصور الفارهة فانتقده بشكل كبير لبناء قصر الخضراء وقال:" ان كنت بنيتها من مال المسلمين فهي الخيانة، وان كنت بنيتها من مالك فهذا اسراف" وكان يقول: "ويل للأغنياء من الفقراء" حتى أصبح الناس يسمعون له ويتجمعون حوله، فخاف معاوية من أن ينقلب أهل الشام عليه فكتب إلى عثمان يشكو له أبو ذر، فامر عثمان بان يجلبوا له أبو ذر إلى المدينة، فلما بلغ المدينة أصبح يقول: " وبشر الاغنياء بمكاو من نار تكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم". حتى ضاق به عثمان فنفاه خارج المدينة إلى الربذة فمات هناك غريبا وحيدا حتى عجزت زوجته عن دفنه.
    14. [14] النجم 18
    15. [15] الاعراف 143
    16. [16] شذرات الذهب ج 4 ص 202.
    17. [17] النمل، 87

📚 المكتبة القانونية