📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 11 من 77 — فهرس الكتاب
هل يحدث أن يقع خلاف بين أعضاء التنظيم؟ كيف ذلك وهم مؤمنون مسلمون إخوانيون ملائكة طاهرون؟ لابد أن الخلاف من صفات الاشرار فقط، لكن الحقيقة أن التنظيم الاسلامي هو مرتع للخلافات على مر التاريخ بامتياز، فالشيطان يحضر بشكل واضح في التنظيمات الاسلامية، كون جائزة الشيطان الذي يحدث الخلاف بين المرء وأخيه هي أعلى مقامات الشيطانية، يحوز الوسام الملكي من درجة فارس للشيطنة مباشرة من ابليس اللعين، ولذلك تكون الخلافات داخل التنظيمات الاسلامية قوية ودموية وعميقة وحارة بحرارة اللهب وشدة أبي لهب خاصة إذا كان التنظيم الاسلامي غير منتبه إلى هذه الثغرة الشيطانية غير واضع على بابها القوانين والمؤسسات والرجال الناصحين الفاصلين الصارمين في هذا المجال.
دعني من رخاوة الحب في الله المزعوم، الحب في الله الحقيقي هو اقامة المؤسسات القضائية المستقلة العادلة ووضع القانون الذي يعلو الجميع، فالواقع يشهد أن هذا الحب في الله مجرد زعم، مجرد وسيلة سياسية لجمع الاعداد الغفيرة من المبتدئين وإلهائها بمادة الحب، بينما الاشخاص الذكية تقفز مباشرة إلى واقعية المصلحية ومراكز المسؤولية تاركة وراءها قطعان السابحين في هلامية الحب المزعوم.
الحب في الله [1] داخل التنظيم الاسلامي مجرد دعاية، لا أساس لها، والمحبون الصادقون هم أشد الناس بلاء داخل هذه التنظيمات وأكثرهم دفعا للثمن جراء مثاليتهم النبوية، أوتوا من باب كتب التاريخ الاسلامي الذي يحكي عن الحب في الله الذي كان يعيشه الرعيل الأول من الصحابة والمتقدمين في الاسلام والصوفية الابرار، لكن واقع القرون المتأخرة يشهد أن وبال السياسة وحب الرئاسة ومجتمع المادة قد قضى نهائيا على مادة الحب، والطوفان المادي الذي اجتاح الامة الاسلامية جراء الاستعمار لم يترك مادة الحب في الله على حالها الذي كانت عليه إبان عهد الصالحين الأولين، فضغط الحياة المادية اليومية جعل التنظيم الاسلامي يدور في عجلة المصلحة، فلم يستطع الرقي بالمؤمنين المنتظمين داخله إلى مرتبة يتخلصون فيها من قبضة المادة ومُنبطح الاستهلاك ومهاوي الشكلية ونتانة النفاق الاجتماعي.
التنظيم الاسلامي بجميع هياكله غارق في المادية والمصلحية والنفاق الاجتماعي، هذا موظف أو معلم إذن فاهم للتربية، وهذا فقير لم يستطع الوصول إلى الوظيفة إذن فهو غير فاهم للتربية وغير ضابط للتربية، فميزان التربية عند التنظيم هو المال والوظيفة والجاه والمرتبة الاجتماعية، وتحدث أنت أيها القادم من قراءة رجال حول الرسول مع مظهرك المثير للشفقة عن أوهام الحب في الله.
إن الاختلاف التنظيمي ينهل من هذه المتلازمة الشيطانية، متلازمة المال والسلطة، فهي مادته وأصله، وأشد ما يكون الاختلاف عند توزيع السلط وبزوغ المناصب، يغشى أعين رجال التنظيم غشاء السلطة فلا ترى معاني الخلافة والعدل والدولة الاسلامية والايمان والاحسان وطلب وجه الله والوصول إلى الله، فإذا برجل التنظيم ذباح مكار قاسي القلب لا يرحم مؤمنا ولا يرقب فيه إلا ولا ذمة، فإذا تحدثت معه استدعى ترسانة الحكمة تقتضي واتهم تربيتك وادعى أن الامر فيه قولان والصبر على قجاقل المرشد واجب، فهو من القجاقل المُؤذية ويجب أن تصبر على ظلمه، إنه لا يستحي أن يكون مجرد قجقول مُؤذي عوض أن يكون مساعدا تربويا، المهم عنده أن يقبض على السلطة، ثم يدعوك بعد ذلك بكل صفاقة إلى الركوع، يدعوك إلى ذبح نفسك الأبية الكريمة التي لا ترى أن القجقول مُنزل من عند الله، ولا تريد أن تقتنع أن القجقول بات مع الله ليلا فأرسله نهارا ليتسلم المسؤولية كما يقول الحاكم بأمر الله السيد "قجقول".
اللعب بالدين هو أكثر شيء واضح في التنظيم الاسلامي، وهو يُنتج دكتاتورية لا يمكن أن توصف إلا بالدكتاتورية الشاملة التي يصعب اقتلاعها، فساد مغلف بالإسلام والاسلام منه براء، ولذلك كانت الدول الاسلامية في قاع الدول حضارة وتقدما لأن دكتاتوريتها مُركبة، دكتاتورية يصعب اقتلاعها لاختلاطها بالدين [2]، فلا نقول بالعلمانية كما يقول بها بعض الكارهين للدين وكي لا يقتـنصنا إخواننا، لكن إشكالية اللعب بالدين والحديث باسم الدين والمراوغة بالدين والمناقشة بالدين إشكالية حاصلة موجودة، وهذه التركيبة الشيطانية المتسربلة بالدين المختلطة به المختبئة خلفه تجعلنا أحيانا نُفضل علمانية يسهل اقتلاع الظلم فيها على إسلام مشوه يتسربل فيه الظلم بالدين فينتج لنا شيطانا ملعونا ينطق بالدين، ثم يأتي على الاخضر واليابس ويعطي لنا نتاجا كبيرا من الفساد الاخلاقي والدعارة السياسية والتدهور الاقتصادي والانحطاط المجتمعي والتخبط الديني والاقتـتال الطائفي لا تنتجه حتى أعتى العلمانيات.
لم أكره في حياتي شيئا كما كرهت الدكتاتورية الدينية لرجال التنظيم [3] الواقفة على الخواء الاخلاقي والتربوي، دكتاتورية حقيرة لا أساس لها سوى الشيطان المتربع على القلوب والتمظهرات المثيرة للغثيان لهذه الشيطنة وهي تفصل من التنظيم أطهر ما خلق الله وتلبس جلابيب بيضاء توحي مع رائحة العفونة القلبية فيها أن صاحبها خليفة منتظر يحمل لنا خلافة راشدة، بينما هو في الحقيقة جالس على الخراء الأخلاقي والفراغ التربوي تحيط به هالة من الروائح الزاكمة للأنوف من الحقد والتكبر والتعجرف التنظيمي [4]، الشخص السوي يهرب من هذه القذارات التنظيمية عندما تبرز إلى الواقع متعجرفة بفهمها للتربية، متكبرة بعذريتها السياسية، لابسة لباس الفهامة البشع، فيتقيأ كل مسلم غيور في وجه هذا التنظيم وعلى ما في داخله من تراكمات التكبر والظلم والجبروت الديني.
إن من أولى مهام التنظيم الاسلامي أن يخلق مؤسسات تحل الخلاف بين المؤمنين المنتظمين داخله، خاصة بين المسؤولين ومن تحتهم، هذه المؤسسات يجب أن تعمل وفق قانون ونظام وليس وفق أهواء المسؤولين، فالقانون يجعل الجميع سواء، والمؤسسات المستقلة تجعل هذا القانون قابلا للتطبيق على أرض الواقع، وإذا كان الشقاق أساس التفتت وفشل المشاريع بصفة عامة فقد أوضحنا بأنه في حالة التنظيم الاسلامي تكون حرارة الخلاف أشد لأن الشيطان ينفخ فيها بهمزه ونفثه ويجلب عليها بخيله ورجله، ولذلك كان مفترضا أن يكون التنظيم وقافا على القلوب أن يصيبها داء الشقاق، فيشتت الشيطان في دقائق بإذكاء الخلاف ما جمعه الصالحون في سنين، فوجب على التنظيم أن يبعث حكما من أهله [5] يفصل في النزاع لا أن ينحاز إلى شيعته من المسؤولين ويُسجل الكلام خُفية.
إن الخلاف اليوم داخل الصف الاسلامي لم تعد تعالجه المادة التربوية وأولها رجال الله، فهؤلاء تم إقصاءهم وإبعادهم عن مراكز القرار، وأُخرجوا من دائرة التنظيم وأصبحوا يسبحون على هامش الجماعة، يُستزارون في أحسن الاحوال لنيل البركة، بينما يـتمركز الجبروت التنظيمي والفكري والحركي والمالي داخل صلب التنظيم الاسلامي ناشرا وسخه على مجمل التنظيم، بل إن إقصاء التربية وضعف مكانتها داخل التنظيم الاسلامي جعلها مثار الشفقة، وجعل أهلها في موضع التقليل والاحتقار، فأهل التربية في نظر أصحاب التنظيم خشاش أرض وأشخاص حقيرون وحثالة وأغبياء لأنهم لم يرقوا بعد إلى مستوى التاحراميات التنظيمية وممارسة ألاعيب السياسة والتنظيم الميكيافيلي [6] ولم يحصلوا من الوظائف الشيء المهم، فلا مكان لهم إذن في التنظيم إلا في البوادي، ويُستحسن استغلالهم وإرسالهم إلى الفتوحات الدعوية ومواطن الموت والخطر والمظاهرات والمصادمات مع الدولة ليموتوا بصدقهم، ثم يستفرد الميكيافيليون أبناء معاوية بعد ذلك بالتنظيم والسياسة والمال والسلطة.
هذه الدعوات الأموية أصبحت اليوم قائمة داخل التنظيمات الاسلامية قائلة بضرورة انسلاخ التنظيم عن المفاهيم الاسلامية والتحاقه بالمفاهيم الميكيافلية الرائجة عند السياسيين تماشيا مع العصر وجذبا لمزيد من الطاقات العلمية والحركية ونزعا للمادة التي يجتمع عليها الشيطان وهي الروابط الايمانية وتجاوزا لهرطقات رجال التربية حول الاخلاق والتربية والروحانيات وخلطها بالسياسة، وإذا كانت هذه الدعوات ضعيفة في بداية الدعوة إلى إقامة الخلافة والعدل على اساس الشريعة الاسلامية فإنه وبعد سحب البساط من تحت أقدام رجال التربية واقتناع الحركيين داخل الصف الاسلامي بالقوانين الوضعية وتأففهم من الشريعة الاسلامية، فإن المكيافيلية أصبحت اليوم منظمة وأصبح لها منطق قوي داخل الصف الاسلامي وميزانيات ورجال وقوة موازية للتنظيم الاسلامي، بل إنها الان أصبحت تبتلع التنظيم بأكمله.
إنه لأمر مؤسف أن ينقشع ضباب الحركة الاسلامية عن مثل هذه الوحشية النفسية والذئبية التنظيمية الغادرة، فقد كنا ننتظر من الاسلاميين عموما أن يكونوا في مستوى الصحابة الكرام الذين ضحوا في سبيل إقامة دولة العدل بالغالي والنفيس وبكل ما يملكه المرء من ماله ووقته ونفسه في سبيل الله، لكننا عرفنا أخيرا أن ذلك الجيل الفريد [7] كان فعلا فريدا من نوعه كما وصفه سيد قطب [8] رحمه الله، فصعب جدا أن يتكرر جيل الصحابة في واقع مادي مغاير، ومناخ أخلاقي أقرب إلى النفاق الممزوج بالتخنث، فالنفاق والتخنث هو أبعد شيء عن الصحابة رضي الله عنهم الذين تمتعوا بالرجولة والوضوح في المواقف والصدق مع الله ومع رسول الله.
رجاء لا تُشعرونا بالغثيان أيها المسؤولون التنظيميون وأنتم تقارنون أنفسكم بالصحب الكرام، فأنتم شيء، والصحابة شيء آخر تماما، وبناء على ذلك يمكن القول أن الخلاف اليوم بين أشباه إخوان رسول الله الذين بشر بهم يختلف عن الخلاف الذي دار بين الصحابة الذين حسموه بالسيف لرجولتهم ووضوح مواقفهم وشدتهم في أمر الله، الخلاف اليوم بين أعضاء التنظيم الاسلامي الذي لم يرق بعد بأعضائه إلى مرتبة إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خلاف يتم حسمه بالمكر النسائي، وكأننا في مكائد حريم السلطان، ويمكن تفسير ذلك بانعدام وسائل العنف، فالدولة تحتكر العنف المشروع [9] وتحتكر السيف، ولولا ذلك لقطع بعض المسؤولين بعضهم إربا ولنصبوا المشانق للأعضاء المخالفين، وإذا أضفنا إلى ذلك أن المسؤولين التنظيميين قد أُشربوا القانون الوضعي القادم من دول الديوثة في كأس التطور الانساني يتضح لنا كيف يُحسم الخلاف داخل التنظيمات الاسلامية حيث تنعدم أبسط شروط العدالة والانصاف وتندثر جميع الأخلاق، وهات ما عندك من الاموال والرجال والمراكز الوظيفية في الدولة والشبكات التنظيمية الموازية والعلاقات العائلية والمالية والتنظيمية داخل التنظيم.
لا تحدثني رجاء عن العدل في جماعة العدل، ولا عن الأخوة في جماعة الاحسان، ولا عن الأخلاق في جماعة قال الله وقال الرسول، إنها غابة بلا قانون، والغلبة للأقوى.
إنه باطلاعنا على الواقع المزري لفض الخلافات داخل التنظيم الاسلامي نقف على حجم الفساد الأخلاقي المستشري داخل الصف الاسلامي، لكننا نتشوف إلى خلق مؤسسات مستقلة داخلية مهمتها السهر على إقامة العدل بين الإخوان، هذه الوسيلة العلاجية مهمة وهي مقتبسة من مبادئ العدالة الانسانية، وسوف سنخصص لها محورا مستقلا نتحدث فيه عن مؤسسات العدل داخل التنظيم الاسلامي، لكننا نطرح هنا أسئلة عن البرامج التربوية المفترضة القبلية الوقائية والمؤسسات الداخلية التي من المفروض ان يضعها التنظيم لخلق خطوط عازلة تقف أمام اشتعال الفتنة داخل الصف الداخلي، ونتساءل هنا أين هم رجال التربية وما موقعهم في التنظيم؟ ثم نتحدث بعد ذلك عن القوانين الداخلية الصارمة التي تجعل من المسؤولين أحرص الناس على جو الديمقراطية والشفافية واحترام حقوق الآخر في التعبير والتصريح بما يختلج نفسه من أفكار ومقترحات وانتقادات وحتى تساؤلات لا تتماشى مع الخط العام دون أن يكون ذلك سببا للخلاف أو مدعاة للتصفية التنظيمية.
إن الواقع اليوم تبدو فيه بجلاء مظاهر الطغيان التنظيمي للمسؤولين، ولا أدل على ذلك من مشيتهم الخيلاء داخل الصف، طريقة حديثهم، تصرفاتهم التي توحي أنهم شيء فوق القانون وفوق النظام العام، هذا الأمر لا يساعد على فض الخلافات الفردية والمؤسساتية بل على العكس إنه يزيد من تأجيجها ويُسعر نارها ويسكب الزيت عليها، فالإحساس بالظلم والطبقية داخل الصف يترك في النفس جروحا عميقة وغُمة لا يُطفئ من لهيبها إلا الجو التربوي، وفي أول فرصة تغيب فيها الرحمات الالاهية تشتعل الحروب الضروس التي لا تذر أخضرا ولا يابسا، حينها يتدخل التنظيم قائلا، نحن نترفع عن الخلاف، لأن الخلاف من الشيطان، ونحن لن نفصل في الخلاف، فاقتلوا بعضكم.
يا حلاوتك أيها التنظيم عندما تنسل في هدوء هاربا من فض الخلاف، وتترك المجال للسيوف النسائية تعمل عملها، يا حلاوة مشيخة التنظيم ومركز الارشاد ومسؤولية الجهات والمناطق ومسؤولي الطماطم في الدولة الاسلامية إذا كانت بهذه السلبية، فكيف تفعل سعادتك عندما يقع خلاف بين المؤسسات، أتُراك تعزل هذا وتضرب رقبة ذاك، أم تترك الآليات الديمقراطية الداخلية لتعمل عملها في عدل وشفافية؟ نحن نعلم أنه لا شفافية ولا ديمقراطية داخل التنظيم الاسلامي، بل هو التوجيه عن بعد و قطع الرؤوس، فالتنظيم الاسلامي لا يحتمل مثقال ذرة من ديمقراطية، اللهم إن تعلق الأمر بأمور هي أتفه من التفاهة، أقول أتفه من التفاهة لأن الأمور التافهة لا يسمح بالخلاف فيها، فقط الأمور التافهة جدا جدا هي المسموح بالخلاف فيها، وتظهر في التعاطي معها عضلات الديمقراطية وسعة الصدر.
نقول هذا بكل مرارة، ذلك أن تدبير الخلاف شيء غير موجود داخل التنظيم الاسلامي، هناك فقط ابتسامات صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين، مضمونها كسب الوقت لحين نزول السيف التنظيمي، سيف الفصل أو سيف التهميش أو سيف التشويه والقطيعة الاجتماعية، والسبب في ذلك أن التنظيم الاسلامي بهياكله الحالية لا يحتمل تكريس فن تدبير الخلاف ولا تستطيع هياكله خلق مؤسسات لهذه المهمة، فهو واقف على قشة الدكتاتورية التنظيمية التي تخشى من أبسط كلمة نقد أو اختلاف، ومع أدنى نقاش يكون الحل السهل هو السيف التنظيمي، فهو أسهل الحلول التي لا تكلف التنظيم الشيء الكثير، لكن بتكرارها يفقد هذا التنظيم كوادره، خصوصا تلك التي لها وزن تربوي وتنظيمي، ومع توالي تشذيب التنظيم من العناصر الفاعلة التي لابد أن تقع في خلاف، يبقى الصف في الأخير عبارة عن تجمع بشري لكائنات غوغائية ومخابراتية وإمعات وأواني فارغة لا تختلف.
بعبارة أخرى يصبح التنظيم الاسلامي عبارة عن قطيع، قطيع مطيع، وفي الجانب الآخر على هامش التنظيم ضحايا ومعوقين ومكسورين ومجروحين ومرضى نفسيين وحمقى وناقمين كسرهم التنظيم، وفوق الجميع قيادة مقدسة تدعي أنها تفهم كل شيء.
كان الاجدر بالتنظيم أن يضع آليات ديمقراطية لتدبير الخلاف ويصنع جوا من الشفافية التنظيمية، فالدوام للصح الصحيح القائم على الوضوح والشفافية والنقد والنقد المضاد والمحبة والتواضع والصفاء، أما أسلوب القهر والطغيان والتصفية والحقد والتهميش والنميمة المنظمة فهو علاج قصير المدى بأقل الخسائر وقد جربته الانظمة السياسية الجائرة ولم تفلح، إن هذا الاسلوب خراب للتنظيم على المدى البعيد، فالافضل للتنظيم أن يواجه البلبلة الداخلية والجو الديمقراطي الساخن بروح النقاش على أن يصنع متلازمة القطيع والناقمين والمقدسين، الشفافية والحرية والجو الديمقراطي يضع كل شيء على الطاولة ويكون الدواء الشافي للخلاف بالأساليب الحديثة للتفاهم والتحاور، نقول حديثة بين قوسين وإلا فإن التاريخ الاسلامي يشهد أن الخلاف على عهد الرسول الكريم والصحابة الكرام كان يوضع على الطاولة أيضا ولا يُفض تحتها بالأساليب النسائية الماكرة، رُجولة نفتقدها في مسؤولي التنظيم الاسلامي اليوم.
لكأني بقائل يقول ما هذا التحامل على التنظيم الاسلامي، إنه أفضل من التنظيمات اليسارية والعلمانية والتقدمية بكثير، إنه تنظيم اسلامي أعضاؤه لا يسرقون، ولهم لحية طويلة، ويصلون الصلوات الخمس، ويذهبون إلى صلاة الجمعة كل اسبوع، ولا يسكرون، ومسؤولوه من أولياء الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكني أقول لك أخي الكريم أن هذه النظرة قاصرة، وقد كنا نحملها كغيرنا من الناس القاصرين، بساطة وسذاجة كنا نحملها في عقولنا لما كنا صغارا، ومع توالي الأيام فهمنا أن خلط الدين بالتنظيم لا يجلب إلا الكوارث، وتأكد أخي أن خلط الدين بالتنظيم يتم عمدا بالنسبة للقواعد، أما فيما بين كبار التنظيم فلا يخلطون التنظيم بالدين، بل يتعاملون بسياسة الند للند، بالعقل والمكر والخديعة وجميل وسائل الذكاء، الدين فقط يرمى للاستهلاك القاعدي، يستعمل لتعزيز النفوذ السياسي لهذا أو ذاك، لذلك اللوبي أو ذاك الشخص المنافس على القيادة، يستعمل أيضا للحفاظ على الصف وجمع وحدته على قيادة واحدة لا تتزعزع الثقة فيها مما يكسبها قوة أمام الخصم الديمقراطي على رقعة السياسة، ولذلك يستشيط المنافسون السياسيون للتنظيمات الاسلامية غضبا من استغلال هذه التنظيمات للدين فيلجؤون إلى طرق بديل كالمال والاغراء.
الصلوات الخمس وعدم السكر ليس كافيا ليصبح المسؤول التنظيمي مطاعا طاعة عمياء ومقدسا في نظر من تحته، يصبح هنا الدين أداة لاستغلال الناس وسلب حريتهم وجعلهم كالقطيع المسلوب الارادة، وهو ما يخالف حقيقة الدين الاسلامي، فالدين الذي يستعمل للتركيع ليس سوى الدين المزور المعدل وفق المفهوم المبسط للعامة، أما الدين الحق فينكر الطاعة العمياء، والدين الاسلامي على ملة ربعي بن عامر يُنكر سلب حرية الناس، إن الدين الحق الذي هو الاسلام ينص على حرية الرأي وقوة الشخصية و الصدح بالكلام وعزة النفس، أظنه عمر من قال متى استعبدتم الله وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
ولذلك فإن منطق الكلام ليس التحامل على التنظيم الاسلامي، ولو كان هناك تحامل فهو أمر مشروع، فقد أختلف معك وأهاجمك وقد أكون معك فأدعمك، فمن أنت أيها البشر حتى تتعاظم وتفرض على الناس احترامك واتباعك وطاعتك، صلاتك لله وليس لتركيع الناس، سُبحتك لله وليس لاستعباد الناس، عدم سكرك لله وليس للأصوات السياسية، وغير ذلك فهو النفاق والرياء وأكثر من ذلك هو خساسة وحقارة، تدمر أيها المسؤول اللعين مؤمنين وتفصلهم وترميهم إلى الهاوية بوجه لا يستحي، تنتهك حرمةً أشرف من حرمة الكعبة وهي حرمة المؤمن وتوسخ دينا عزيزا جاء بالحرية وتجعله دينا مستبدا يستغل الناس ويستعبدهم على غرار دين الاكليروس [10]، فأي جرم أكبر من تحريف الدين لغير ما جاء به الله.
أشير هنا إلى أن الخلاف داخل التنظيم الاسلامي ليس مرده دائما إلى الفكر أو الرأي، بل قد يكون مرده إلى بعض الأمراض القلبية كالحسد [11]، فبالنبش في جذور الخلاف تجد أحيانا كثيرة أن أصل الخلاف هو الحسد، والحسد داء هذه الأمة، وإذا كان الحسد لا دواء له بين الناس، فإن التنظيم الاسلامي يجب أن يضع آليات مؤسساتية وقوانين داخلية لعلاج الحسد والضرب على يد من ينزل حسده على أرض الواقع عن طريق تصرفات قوية تدل على مرض قلبه، الناس العاديون يتطاحنون سنين على أبواب المحاكم أو يقتل بعضهم بعضا لإطفاء نار الحسد والاستمتاع برواء الغل الذي في القلوب، لكن الطليعة المجاهدة التي تحمل مشروع الاسلام إلى الناس يجب أن تكون قد قطعت أشواطا في علاج الحسد، سواء بالوسائل الترغيبية التربوية أو بالوسائل الزجرية التنظيمية، ومن المفروض أن تكون الشدة أكثر على المسؤولين الذين يحسدون من تحتهم، فالتنظيم الذي يدافع عن المسؤول هو تنظيم يقتل ذاته، بينما التنظيم الذي يدافع عن المظلوم هو تنظيم صاعد، فلا أضر على التنظيم من المسؤول الذي يحسد من تحته ويصفيهم لما له من سلطة عليهم، يصفيهم لمصلحته للشخصية لا لمصلحة التنظيم، فيربح هو متعة نفسية جراء تصفية غيره ويربح ماليا واجتماعيا وتنظيميا جراء قطع رؤوس منافسيه، لكن التنظيم يخسر طاقات وكوادر هو في أمس الحاجة إليها خلال الزحف على قلاع الطغيان السياسي الجاثم على صدر الامة.
على أن الخلاف قد يصنعه التنظيم أحيانا فقط بجموده وقلة برامجه وعدم نفعية هياكله، وليس بالضرورة أن يكون مرده إلى أمراض نفسية كحسد أعضاء التنظيم وتكبر مسؤوليه، فالتنظيم الذي تسوده البيروقراطية الجامدة مرتع خصب للخلاف بين الافراد الصالحين الطامحين إلى غد التغيير السياسي والتربوي، فالجمود يقتل المبادرة الحرة والحركية الدعوية التلقائية النشطة فيحز في النفس ويشعل نار الغضب لله التي تلقي بظلالها على العلاقات الشخصية بين أفراد التنظيم الواحد، يزيد النار اشتعالا تقاعس التنظيم عن معالجة الخلافات بذريعة نحن نترفع عن الخلاف، يا أخي ترفع ما تشاء فسوف تصلك حرارة الخلاف، فمنذ متى كان المسؤول التنظيمي يدفن رأسه في التراب مترفعا عن الخلاف، إنه في الحقيقة منحط غير مترفع، فالترفع يكون عن سفساف الامور لا عن خلافات بين المؤمنين يطرب لها عرش الشيطان ويتزعزع من هولها عرش الرحمان، دعني من دعاوى الترفع والتكبر والعجز التنظيمي المغلف بالدين وأساليب التنصل من المسؤولية وانزل إلى أرض الواقع وضع يدك في الخلاف وعالجه، ألم تقل أنك ستضع يدك في أوساخ الامة في غد الخلافة وتحل مشاكل الامة وتحلها، هيهات أيها المسؤول التنظيمي الجبار الخوار، لا أراك إلا دعيا، منافقا، تهرف بما لا تقدر عليه ولا حتى على نصيفه.
الخلاف إذن ضرورة تنظيمية، وحله ضرورة تنظيمية أيضا، ولا معنى لأي ترفع عند حدوث خلاف تنظيمي، الترفع هنا خيانة وحفاظ على الكاريزما التنظيمية على حساب الجماعة، حفاظ على نقاء صفحة المسؤول من تلوثها بمعالجة الخلافات بما يصاحب ذلك من نجاح أو إخفاق، تهرب من مواطن الخطر إلى مواطن الامان والحفاظ على المنصب الرئاسي، مراوغة سياسية تعني وجود نظام تنظيمي فاسد يسيره فاسدون ويعني ذلك أيضا قوانين فاسدة لا تستطيع ان تحمي المسؤول الذي يتدخل لوضع حد للخلاف، تعني أن التنظيم لا يعطي أي ضمانات للمسؤول الغيور، تعني تنظيما ينشر الظلم والمحسوبية، عاجز عن إيجاد آليات تنظيمية لبقاء حرية الرأي، عاجز عن ضمان تبعات الكلمة الحرة.
لاحظنا كيف أن الخلاف مرده إلى العامل النفسي تارة ومرده تارة أخرى إلى ضعف الهياكل التنظيمية وهلامية الروابط القانونية بين هذه الهياكل، بصريح العبارة الخلاف الاصل فيه مرض العضو أو مرض التنظيم، ومرض التنظيم ليس إلا مرض مجموع الاشخاص الطبيعية المكونة للتنظيم، بسبب مرض أعضاء التنظيم أو مرض رأس التنظيم أو مرض قيادة التنظيم أو مسؤوليه التنظيميين أو عدم قدرة الهياكل التنظيمية على معالجة حالات الوباء التي تظهر بين الفينة والفينة بين أعضاء التنظيم، معنى ذلك أن معادلة التنظيم غير صحيحة، فهناك خلل في اجهزة التنظيم أو مديريها أو القوانين والروابط التي تجمع هذه الهياكل والاشخاص المسؤولة عنها، لكن معرفة الاسباب ليست سوى نصف العلاج، والهدف ليس الوقوف عند أصل الداء والتمتع بمنظره المقزز، بل الغرض من الوصف هو معرفة أقرب الطرق إلى إصلاح العطب وإعادة الصورة إلى شكلها الطبيعي المبهج، الغاية هي العلاج لا البقاء مع المرض.
إن معالجة الخلافات التي تطرأ بين الاعضاء أو بين الاعضاء والمسؤولين هي من اهم مسؤوليات التنظيم وهياكله ومسؤوليه، اللهم إذا كنا في تنظيم مكون من ملائكة، فالتنظيم مكون من أشخاص ينتمون إلى جنس البشر، يضيف البعض قليلا أو كثيرا من الجن، والبشر صنعه الله فجعله بصيرا سميعا متكلما مفكرا عاقلا يتخذ المبادرة [12]، ولم يجعله حيوانا يُساق، هنا كان التمييز وحضر التكليف، وبالتالي فاستعباد التنظيم للبشر غير منطقي ويخالف الدين ويخالف العقل، وقهر التنظيم للبشر ومنع تفكيرهم مخالف حتى للتوصيات الحديثة للتسيير الجيد والحكامة الادارية.
يقول فقهاء الادارة إن المسؤول الناجح هو الذي يقنع من تحته بالمشروع ويجعلهم يخدمون المشروع من تلقاء أنفسهم عن محبة واقتناع ودون رقابة وفرض سلطة كما يفعل الاسياد في مواجهة العبيد حيث يرغمونهم على العمل لصالحهم بالحديد والنار، على أن هذا الاقناع لابد فيه من نزول أرض، ومشاركة هموم ومساواة في المعاناة، ولابد فيه من حب المسؤول لمن تحته أو على الاقل التظاهر بالحب ريثما يتسع القلب للحب الفعلي، إن لم تبكوا فتباكوا، ابتسامة صفراء يوزعها المسؤول الناجح في الشركة نصف الناجحة، أما الشركة الناجحة والتنظيم الناجح فيرمي الناس أنفسهم من عل لفائدة التنظيم مع كامل المحبة والتقدير للمسؤول.
المشاركة [13] إذن سبب في حمل العضو للمشروع، المشاركة استعباد خفي بطريقة حلوة، والسماح للأفراد بالتفكير استعباد خفي أيضا واستعمال لطاقة الخصم في استنزاف نفسه لينجح المشروع، نقول خصم لأن مصلحة الجماعة غالبا ما تتعارض مع مصلحة الفرد، فمصلحة الفرد تتدهور مع مصلحة الجماعة التي بُنيت على الانتقاص من مصالح الافراد، هذه الجدلية سالت فيها دماء كثيرة بين اللبراليين والاشتراكيين، لكن الاسلام حسم الامر بوسطيته واعتداله، فجعل للجماعة حقوقا والافراد حقوقا، ولم يعط لأحدهما حقا على حساب الاخر، لكن الامر يختلط عندما تصبح مصلحة الجماعة دعاية تخفي وراءها مصلحة الافراد القيادية، ولعمري إن هذا هو الداء الذي يصيب التنظيمات والانظمة فيرديها صريعة غير قابلة لأي اصلاح سوى الهدم.
التعبير عن الرأي قوة للتنظيم، والحرية قوة للتظيم، والتفكير قوة للتنظيم، وأجواء النقاش قوة للتنظيم، والهياكل التي تسري فيها اجواء الكلام والتعبير والنقاش وتقليب الامور هياكل ناجحة، الهياكل التي تستوعب أبناءها هياكل يرجى منها خير، أما الهياكل التي لا يروق لها إلا الدعاية الرسمية فهي هياكل آيلة إلى السقوط، فارغة مدمرة للأشخاص داخلها، الهياكل التي لا تقبل الاختلاف ولا تعالج الخلاف هياكل لا مستقبل لها، هذا في أحسن الاحوال، أما الهياكل التي تحارب أعضاءها المفكرين النشيطين المستقلين بأفكارهم عن دين الانقياد وتنصب لهم المكائد فهي هياكل مُجرمة، هي أصل الخلاف، وفشلها محقق لا محالة، وجرائمها ستكون مناط المسؤولية يوما ما.
الهياكل التي تمكر بأفرادها تجاوزت الفشل إلى الخراب، تجاوزت الانتكاسة الدعوية إلى خسران الذات، تجاوزت الاخفاق السياسي إلى تلوث الذمة، لذلك لا نخاف من الدكتاتورية التنظيمية [14] عندما نقول أن الدعوة في حاجة إلى خلق أجواء الحوار للتقليل من الخلاف ومعالجة الخلافات التي تطرأ بين الكوادر المتحركة، النقاش والتعبير عن الرأي يفرغ ما في النفس من ثقل الفكر وكدر الحركة ويضع ذلك الثقل على أرض الجماعة للتعاون على فسخه، بينما القهر يفجر الصدور ويملؤها غيظا، والقهر يشعل النار بينما حرية العبير تشفي النفوس، وليس الخلاف إلا حرارة نار وليس التوافق إلا تعبير ثم التقاء.
لعمري إن هذا الكلام يقرأه المسؤول التنظيمي ثم يدندن في نفسه قائلا: " أي حرية أيها الاحمق، يجب أن يطيع الجميع المسؤولين، الطاعة من النواظم الثلاث ويجب أن يطيعنا الجميع لتسير السفينة، ليس لدينا وقت لفك الخلافات ولا وقت لدينا للنقاش"، المسؤولون بالنسبة للمسؤول هم وحدهم الفاهمون، هم فقط من يحمل هم الأمة، هم فقط الصالحون، هم فقط من يجب أن يتكلم، والبقية مجرد ناس تابعين، مجرد حيوانات أليفة، مجرد خليط من الفاشلين دراسيا والضعفاء ماديا، مجرد حمقى نمسكهم بالدين، مجرد خليط من المدوخين والهابطين، مجرد شيء تافه، فلا نعطيهم حق المشاركة في صناعة القرار، ولا نستمع إليهم أصلا، وهل يُستمع إلى التافهين؟ القرار بيد الصفوة الماسكة بزمام التنظيم، الصفوة في الجاه والمال والشواهد والوظيفة وحلاوة اللسان الديني وسحر الكلام السياسي.
التنظيم في نظر المسؤول التنظيمي قيادة وقطيع، هكذا يتخيل المسؤول التنظيم في عقله، لكأن عقله سقط على كوكبنا من القرون الوسطى حينما كان التنظيم البشري يعتمد على القائد القوي والعبيد التابعين، هذه الهيكلة التنظيمية كانت ذات مفعول ذات زمن، ولذلك نقرأ اليوم عن أبطال في الاسلام ونسخهم الجديدة من الزعماء في نسختهم المزورة، نقرأ في تاريخ الاسلام عن المقاتل الشرس فلان الذي يشق صفوف العدو والقائد العسكري علان الذي تجاوزت خططه العسكرية خطط القرن العشرين، خيل تجري وسيوف تُشهر ورؤوس تطير وأتباع تسير، ونقرأ لدى غير المسلمين عن الهراقلة الخارقين والجيل الجديد منهم من رامبو وباطمان وسبايدر مان وجميع أبطال الديجيتال، ورغم حلاوة البطولة في عين الناس الطامحين إلى الكمال البشري ولمعان هذه البطولة في أعينهم، إلا أن العقل البشري اليوم أصبح على يقين أن الناس سواسية، فلا وجود لأي باطمان ولا لأي بشر خارق للعادة، مجرد كاريزما وأنف مصقول وقامة ممشوقة وشعر مصفوق وحلاوة لسان وطريقة كلام وتهريج مضحك أو جدية مصطنعة تفرض هيبتها، أما غير ذلك فالبشر متساوون، ولذلك فالمسؤول التنظيمي الذي يتخيل نفسه قائدا إسلاميا يجر خلفه جيشا من التابعين يخوض في وهم كبير.
عقلية اليوم تفرض المشاركة وسواسية المسؤول بالعضو، تفرض ثقافة الشركة في تسيير التنظيم، ثقاف التواضع والشعبوية، هذا الكلام شعار يرفعه الجميع، لكنه على ارض الواقع غير موجود، الواقع داخل التنظيم المتخلف إداريا هو أطعني أو أذبحك، لن أذبحك بالسيف كما كان يفعل السلاطين المتقدمين، لكني سأذبحك بطريقة مناسبة، سأذبح رأسك السياسي أو الاخلاقي أو التنظيمي أو الاجتماعي بطريقة نسائية، سأتركك تُفرطط وحيدا في غياهب النسيان والاستنكار والاحتقار، سأذبحك معنى وأتركك شكلا، ولو كانت ثقافة العصر تسمح بالذبح لذبحتك ذبحا ماديا، لكنها الدولة تقف حائلا ثم موجة حقوق الانسان التي تحافظ على شكليات الانسان، حقوق إنسان خادعة تحمل مشعلها حتى التنظيمات الاسلامية، توزع الابتسامات مجانا وتذبح الصالحين من سكات.
ومن بين وسائل قطع الرأس النميمة [15]، وهي تعني قطع رأسك الاجتماعي والتنظيمي، وهي سلاح محتكر من التنظيم تماما كما تحتكر الدولة العنف، فالنميمة بالنسبة للتنظيم هو السلاح الذي يقطع به الرؤوس دون أن يكون للآخر حق الرد، وعندما ينبس ببنت شفة يصبح غير صالح لأن يجابه القدر ولا يصبر على البلاء، يقال له انه من العناصر المشككة أو القابلة للتشكيك ولا تصلح لبناء، سبحان الله، لو قال التنظيم هذا الامر قبل ثلاثين سنة، لو اجتزتم للعضو اختبار الالتحاق في بداية التحاقه ونظرتم هل هو صالح أم غير صالح لكان الامر أحسن، أما بعد حياة كاملة من الجري خلف مصالح التنظيم التوسعية والسياسية والدعوية والواجب الشهري [16] ثم يقال له آخر الامر أنت غير صالح و شاك وقابل للتشكيك، يصبح الأمر كأنه خدعة، استهتار بحياة الناس، ضحك على الذقون، لو كان غير صالح فلابد أن هناك خللا في تنظيمك، فقد كان طيلة شبابه وعطائه عضوا صالحا، فلا يُعقل أن ينتكس فجأة في كهولته أو شيخوخته، والاعداد المنتكسة بالألاف وليست آحادا، لابد أن سياستك الادارية غير صالحة وبرامجك التنظيمية غير مجدية ومسؤوليك فاشلون أو مجرمون، وإلا كان عليك أن تقول للعضو منذ البداية أنت غير صالح للتنظيم وتدعه يستثمر حياته في شيء آخر.
تحدث سحرة اليوم من كوتشات التنمية البشرية كثيرا عن تدبير الخلاف، وقالوا بأن أفضل حل هو سياسة غالب غالب، بمعنى أن يخرج الجميع منتصرا، لكن هذه الفكرة تختلف عن فكرة القضاء العادل، فالقضاء لا يعترف بسياسة غالب غالب، بل هو يضرب ضربة لازب فيفصل في الخلاف لصالح أحد الطرفين فيجعله منتصرا ويجعل الطرف الاخر منهزما ثم يكلفه فوق ذلك بصوائر الدعوى، لكن الخلاف بين الاسلاميين داخل التنظيم الاسلامي يختلف قليلا وربما كثيرا عن الخلاف بالمفهوم العادي بين عامة الناس، الخلاف هنا ممزوج بالدين وبهياكل تنظيمية يقال إنها إسلامية وحسابات سياسية، خلاف له أبعاد رئاسية وأبعاد دينية، يُستغل فيها المركز التنظيمي وأيضا يحضر الامتياز الديني، بل إن حتى النفسيات داخل التنظيم تختلف عن نفسية عامة الناس، وبالتالي فإن نصائح رواد التنمية البشرية لا يمكن إسقاطها بعموميتها على الحالة هاته، اللهم في الإطار العام حيث يشترك أعضاء التنظيم الاسلامي مع عامة الناس في البشرية، لكن ومع استحضار الخصوصيات يتضح جليا أن الخلاف داخل ا لتنظيم الاسلامي لا يخضع إطلاقا للمعالجة الحداثية ذات الفهلوات الكلامية على المواقع والقنوات.
نستحضر أولا الحقد التنظيمي الرئاسي الذي يطبع النفوس في صراعها على المناصب داخل التنظيم، ثانيا نستحضر الهيبة الدينية لزعماء التنظيم التي يتم صنعها بوسائل ماكرة بعدما كانت على العهد الأول يصنعها الله بالمكاشفات والرؤى والعمل الصالح في الميدان والبرهان على ساحة الابتلاء، ثالثا نستحضر مصلحة التنظيم التي تتدهور فيها مصالح العضو، رابعا نستحضر غياب هياكل قضائية داخل التنظيم الاسلامي، خامسا نستحضر الهاجس الامني الذي يقتضي إبقاء الخلاف في سرية تامة بعيدا عن أعين الدولة، سادسا نستحضر عقلية التسامح الساذجة المذلولة التي تسمح للبعض بالبغي على البعض لما لا يجد رادعا في وجهه، هذه العقلية تنتج عقلية مستسلمة استسلام النعجة للذبح، لا تنتظر إلا معجزة إلاهية، أما هي فلا تحرك ساكنا، منطق صوفي يتم الترويج له حتى لا يتحقق العدل داخليا وحتى يزاح عن أكتاف القيادة عبء إقامة العدل داخليا حسب نظرتها كي تتفرغ للجهاد ضد الاستبداد السياسي خارجيا.
الظلم فيها وتريد إقامة العدل في غيرها.
لا يمكنني في هذا المقام أن أطرح الحلول الكافية والشافية لإشكالية الخلاف، لكنني في لمحات أشير إلى أن الخلاف داخل الصف الاسلامي يجد حله في الجانب التربوي، فما يميز التنظيم الاسلامي هو امتلاكه لمؤسسات تربوية ودعوية من المفروض أنها تعمل على نشر ثقافة الحوار والتشارك والاخوة والمحبة والتسامح [17]، هذه العناصر يستحيل معها أن ينشب خلاف حاد بين الاخوان اللهم خلافات بسيطة غير ذات بعد ديني فيتدخل التنظيم بآلياته ومؤسساته فيفصل فيها بالعدل، كل ذلك تحت رقابة مؤسسة قضائية ذات سمو تنظيمي على التنظيم الذي يبقى تحت رقابتها في أي محاولة شطط في استعمال السلطة أو تجاوزها أو سوء في التقدير.
التربية تُعلمنا أن الخلاف يُقتل في مهده، ولا يجب أن يتناوم التنظيم ومؤسساته في القضاء عليه باكرا قبل أن تتسع رقعته فيؤدي ثمن ذلك الاهمال كثير من الابرياء، التساهل مع المرض يؤدي إلى تفاقم المرض، والخلاف مرض من أمراض التنظيم، بل وأخطرها على الاطلاق، فإذا صار شقاقا قلبيا سالت معه دماء القلب والروح، والتنظيم لا يتدخل لا للوقاية ولا للمعالجة، هذا في أحسن الأحوال عندما نتحدث عن التساهل، لكن الواقع يشير إلى ما هو أخطر من التساهل، فهناك الصمت الشيطاني الذي تكون الغاية منه موالاة المسؤول على حساب العضو أو موالاة الذي معنا في اللوبي على حساب الآخر الذي يميل الى لوبي آخر، فالغاية هنا هي القتل التنظيمي، والمرض الذي يُسكت عنه تكون الغاية من تركه يستفحل هو قتل الطرف الضعيف في معادلة الخلاف، بمفهوم المخالفة هو التمكين للطرف القوي تربويا تنظيميا ماليا أو وظيفيا عن طريق خذلان الطرف الآخر.
إنه لأمر شائن في حق تنظيم إسلامي يرمي إلى إقامة العدل والدفاع عن المظلوم والوقوف مع الحق حيث كان أن يسكت على الظلم داخل صفوفه، فالمفروض أن التنظيم الاسلامي دائر مع الحق حيث دار، حُداؤه صوت الحق لا صوت المصلحة، مرجعيته الاسلام وشريعته القرآن لا شريعة ميكيافيلي، فالتربية يجب أن تعالج التنظيم والافراد من هذا المنطلق، من منطلق إقامة العدل في النفس قبل إقامته في الناس، والتنظيم نفسه وسيلة علاج، فالتربية كلام ونصائح ومجالس رحمة وتوجيهات، توجيه وتحفيز وترغيب، والتنظيم تحرك واقعي ميداني عبر اشخاص ومؤسسات وقوانين وتدخلات ميدانية ترجع الحقوق إلى أصحابها وتتخذ تدابير تفض عقدة الخلاف وترجع الأمر إلى نصاب الاستقامة وباحة المحبة، فالناس لا تستمع أحيانا لصوت خطيب الجمعة الناصح بقدر ما تستمع لصوت القاضي على منصة الحكم ورجل السلطة عندما ينفذ الحكم ورجل الادارة عندما يزمجر في وجه كل من مخالف للقانون.