المدونة

  • نرجسية القيادة الاسلامية

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 22 من 77 — فهرس الكتاب

    النرجسية أسطورة يونانية ورد فيها أن نركسوس كان آية في الجمال فـعشق نفسه حتى الموت عندما رأى وجهه في الماء، ومنذئذ أصبحت النرجسية مثالا لتعظيم الذات وعشق النفس وحب الظهور والتميز عن الناس، وطبعا للنرجسية أسس متعددة كالجمال والذكاء والفصاحة والتدين، وهي بجانب الميكيافيلية والاعتلال النفسي [1] ثالوث الشر.

    عادة ما تتميز العناصر القيادية بالتكبر والعجرفة والانانية والدكتاتورية، وإلى عهد قريب كنا نعتقد أن القيادة الاسلامية هي شيء من روح النبوة على اعتبار أنها تقوم مقام النبوة في زمن الفتنة، لكن الحقيقة أن هذه القيادة ليست من النبوة في شيء، إنها مجرد قيادة سياسية بعباءة دينية تركب على الدين لتمرير برامجها السياسية وتحقيق أهدافها الشخصية، وإذا كان الشخص القيادي في التجمعات المتخلفة يتصف عادة بالكبر فإن العناصر القيادية داخل الصف الاسلامي غالبا ما تحاول إبراز نوع من التواضع الأصفر للركوب عليه وكسب القلوب والتشبه بالنبوة في تواضعها مع عباد الله.

    لقد كشف الواقع أن القيادة الاسلامية هي أكثر الناس شعورا بأهميتها وتميزها عن العامة ورغبتها أينما حلت وارتحلت في أن تكون مركز دائرة الاهتمام ومحط الاشارة، كل ذلك على أساس تميزها الروحي والعلمي والحركي والاجتماعي والتنظيمي، وكل هذه العناصر يلعب الدين فيها الاساس الذي تقف عليه نرجسية القيادي الاسلامي، فالمسؤول الاسلامي شخص لا وجود له بلا دين، تجده أحيانا بلا مؤهلات علمية ولا مواهب عقلية ولا نورانية روحية حتى ومع ذلك يقف راسخا على الدين، لكأنه الحاكم باسم الله في القرون الوسطى يهددك بالانتقام الالاهي كلما خالفته، يركب على الدين ويستشعر في نفسه أنه مركز الكون ونقطة الارتكاز التي يدور حولها التنظيم والبشر أينما وجد، كل ذلك لأن الناس تحترم الدين والتنظيم الديني، وإذا حضر مأدبة ولم تعطه الميكروفون ليلقي كلمة يوجه فيها الحضور إلى الطريق المستقيم نظر إليك نظرة شزرة علامةً على الغضبِ والاستهانة.

    لا يتوقف التنظيم عن النفخ في قيادييه وإذكاء نرجسيتهم بالطرق التنظيمية المختلفة، يستعرض كل حين إنجازاتهم الموهومة وكراماتهم المزعومة ومواهبهم الربانية التي لا نظير لها في العالم، تماما كما يفعل القذاذفة الموهومون حين يعتقدون أنهم وحدهم مركز الأمة وبدونهم لن يسير شيء، يتوهمون القوة والجمال والبلاغة والتألق الدائم ويحتقرون في قرارة أنفسهم كل الاخرين بما فيهم من تحتهم في قاع التنظيم، وأنت تقف مع القيادي الاسلامي المخدوع من نفسه يحاول أن يفرض عليك تميزه، يتلوى من العُجب يريد أن يبلغ إلى فهمك أنه شخص غير عادي، يبلغك بكل صراحة أو إشارة أنه شخص مميز عن المسلمين، وعليك أن تقتنع وتصرح بتميزه وإلا كنت من المحرومين من بركاته الإيمانية وتزكياته التنظيمية، يدور ثم يدور ليؤكد لك تميزه، وحين تنحني لتميزه إجلالا يبتسم لك ابتسامة التواضع الصفراء والمحبة اللئيمة التي تستبطن في طياتها كل أنواع الكبر الشيطاني.

    حين يحضر القيادي يجب أن يتصدر المجلس ويجلس في صدارة القوم، طبعا لا يمكن أن ينصرف دون أن يلقي بالكلمة "النورانية" ويوجه الحضور الذين يفترض فيهم أنهم مُعوجون يحتاجون دائما الى تقويم وتوجيه إرشادي يرشدهم إلى طريق الكمال الذي وصله القيادي، يصعد صديقنا القيادي المهووس بمركزه التنظيمي إلى المنصة مستشعرا في نفسه حقارة الذين يستمعون إليه، يلقي إليهم بالكلام المرشد من علياء الولاية وسماء الكمال، ينتقد بشراسة واستهزاء مظاهر الاستخفاف بالتنظيم والمسؤولين والويل لمن "جا فيه البلان"، البلان هو تصميم تهيئة المدن وأحيانا يدك هذا التصميم منازل الغير للمصلحة العامة، والمدكوك منزله هنا هو ذاك الذي يحاول أن يشاكس القيادة، فينزل عليه القيادي من علياء منبر الارشاد بعصا الاستهزاء والتقليل فيجعله أضحوكة للحضور، ثم يقال له اقتل نفسك، بمعنى لا تنتقم لنفسك فهذا أمر طبيعي في طريق الله وعليك أن تصبر على قجاقل المرشد.

    والأمر صحيح إذا مارسه ولي الله في إطار الكلام القوي المقوم للنفوس الطاغية، لكنه طغيان تنظيمي إذا مارسه القيادي السياسوي الخبيث في إطار كلام الاستهزاء والتصفية التنظيمية، فهو في الاولى نيته التربية وفي الثانية غايته الاستهزاء الفرعوني.

    القيادي لا يحب المناقشة ولا المجادلة ولا تقليب الرأي، يحب أن ينزل رأيه كما هو على الجميع، وأساس ذلك أنه يرى نفسه أفضل من غيره تربية وتنظيما وخَلقا وخُلقا، ولذلك فهو يحتكر الكلام والفهم، والدهماء غالبا ما تعطيه حق الكلام المنفرد بما أنها الصورة المعاكسة للنرجسية، فإذا كان القيادي متعجرفا بقياديته مستمتعا بنرجسيته فالإمعة مستمتع بحقارته متلذذ بـنذالته.

    من أهم مظاهر النرجسية استغلال الناس على أساس هذا الوهم بالتميز، فمن يعتقد في نفسه الافضلية على الناس ضروري أن يعمد إلى تسخيرهم لخدمة مقامه العالي، وهو إن أحس بتحرر الناس وانفلاتهم من قبضة خدمته تضايق وانتفش غاضبا وتساءل مستنكرا كيف يجرؤون؟ تتغذيان مثلا في مطعم على طريق السفر فينتظر منك أن تقفز مسرعا وتؤدي الفاتورة، تعمل له عملا في بيته فينتظر منك أن لا تأخذ مقابلا عن عملك، تلتقيه رفقة ابنه على باب الحي فينتظر منك أن تجامل الابن المنور وتتمسح ببركاته، يدخل المجلس التربوي فينتظر في تواضع مزور أن يستدعى إلى المنصة لتتمتع نفسه بصدارة المجلس والسمو التربوي والتنظيمي على الحاضرين.

    هكذا هي الشخصية النرجسية تحب أن تسخر الناس لقضاء مآربها الذاتية، وهذا الأمر هو من أهم تجليات الانانية والكبر اللذان يسكنان قعر نفسها، وهي مع ذلك لا تحس بالآخر ومعاناته، قلبها قاس لا يأبه بالألم الذي يحرق قلوب الآخر، شخصية تعتبر الآخر تافها لدرجة أن لا تأبه لمعاناته ولا لتأوهاته، وحتى لو تساقطت أوراق التنظيم واحدة تلو الاخرى فلا يتحرك فيها عرق لسقوط المؤمنين، تعطي الأوامر للدعوة وكأن الدعوة أوامر وتخطيطات وضحك على الناس.

    النرجسية القيادية الاسلامية بالاضافة الى ذلك تحقد على العناصر المتميزة، حقد دفين ضد كل متميز تربوي طارئ على الساحة، حقد عمقه الحسد المؤسس على استصغار الغير، فالحسود النرجسي لا يكاد يقتنع بتميز غيره عنه ولا يكاد يقبل عطاء ربك على عباد الله، لا يرى سوى نفسه والأغيار كلهم لا يستحقون عطاء من الله، وأنت تتميز عنه بعطاءات إلاهية يحقد عليك إذا كنت خارجا عن نطاق مؤسسته ويفصلك بهدوء إذا كنت تحت سلطته ولم تتلو عليه آيات الولاء صباح مساء، يريد كل شيء له وعلى يديه، والفتات لابد أن يخرج بأمره لمن يرضى عنهم.

    لو كانت مقادير الخير بيد القيادي النرجسي لمنع الماء والهواء على المؤمنين حتى يتأكد من تميزه وانفراده بالافضلية، لذلك لا أعتقد أن قيادة كهذه ستجلب خلافة على منهاج النبوة.

    يبقى أكثر ما يميز القيادة النرجسية هو غضبها الشديد في حالة عدم حصولها على معاملة خاصة، إنها تغضب غضبا تنظيميا في وجه كل من لا يعاملها بحنان خاص، تشعر بالاهانة بمجرد عدم حصولها على دلال خاص، وخلال تحركها اليومي لا تستشعر الأمان في وسط لا يمكنه أن يعطيها التميز المجاني والحنان الفياض وشلالا من التبجيل كل حين، لذلك تطرح هذه العناصر النرجسية سؤال الشرعية باستمرار، فذلك أن تثبيت الشرعية التنظيمية وحده الكفيل بإعطائها قدما راسخة في أرض النرجسية.

    هكذا تتحول القيادة الاسلامية إلى قيادة نرجسية لا يهتم فيها القائد التنظيمي إلا بنفسه، فتتمركز الأولوية عنده حول نفسه على حساب أفراد الجماعة الآخرين، ثم يسلك صاحبنا لاحقا مسلك الغطرسة والهيمنة والنفوذ والعدائية والفصل تجاه كل مخالف أو مشكك في تميزه.

    الحقيقة لا أدري كيف تعالج النرجسية خاصة في مواجهة قيادة تحتكر الدين وتمتلك حق التربية وبركة الصحبة، فالشخص النرجسي العادي يمكن كسر نرجسيته بالقول البليغ والإشارة العميقة، أما الجالس على عرش التربية فكيف تعالج نرجسيته الجالسة على السلطة الروحية المطلقة، إنه يستحيل حتى الاشارة إليه بنرجسيته المثيرة للغثيان، فلا طبيب يداوي القيادي النرجسي داخل الصف الاسلامي سوى المرشد القوي تنظيميا، ولي الله القوي تنظيميا وحده من يستطيع أن يهش بهراوة الفصل التنظيمي على النرجسي المتعفن في نرجسيته المقيتة فيرديه قتيلا على أبواب التنظيم أو متواضعا بين أيدي الاخوان.

    أما في حالة كان ولي الله ضعيفا على مستوى التنظيم فالتعقيدات التنظيمية غالبا ما تتفاقم في وضع تحت سيطرة القيادة النرجسية، فيفسد التنظيم من قاعه إلى أساسه ليرضي نفسية صديقنا القيادي المدلل تربويا وتنظيميا، تماما كما يحدث في ضيعات الانظمة السياسية الشمولية التي تحكمها العائلة المدللة، تفسد الدولة كلها لـيبقى بن قبان النرجسي مرتاحا على كرسي السلطة.


    📌 الهوامش

    1. [1] شخصية معتلة نفسيًا ويسمى أيضًا بالسيكوبات هي باختصار أكثر الشخصيات تعقيداً وصعوبة في التعرف على صاحبها، حيث أن المعتل نفسياً يجيد تمثيل دور إنسان عاقل كما أن لهُ القدرة في التأثير بالآخرين والتلاعب بأفكارهم، ويتلذذ بإلحاق الأذى بمن هم في محيطهِ وخاصة إذا ما كان زوجاً أو زوجة، وهو عذب الكلام، يعطي وعوداً كثيرة، ولا يفي منها بشيء؛ عند مقابلته ربما تبهرك لطافته وقدرته على استيعاب من أمامه بمرونته في التعامل وشهامته الظاهرية المؤقتة ووعوده البراقة؛ ولكن حين تعامله لفترة كافية أو تتحرى حوله من أحد مقربيه عن تاريخهِ تجد حياته شديدة الاضطراب ومليئة بتجارب الفشل والتخبط والأفعال اللاأخلاقية، وكثيرا ما يتعهد ويعد ويخلف، هي شخصية لا يهمها إلا نفسها وملذاتها فقط وتشعر بأنها محور الكون، وبعضهم ينتهي بهِ الأمر إلى السجون وبعضهم يصل أحياناً إلى أدوار قيادية في المجتمع نظراً لأنانيتهم المفرطة وطموحهم المحطِّم لكل القيم والعقبات والتقاليد والصداقات في سبيل الوصول لمرادهِ، هذا الشخص هو من انعدم الضمير لديه فولع بالأنا (الهو) الشهوانية حسب أفكار فرويد، ونفى الضمير (الأنا العليا)، فهو لا يحمل في طياتهِ كثيراً من الأخلاقيات أو العرف من الدين أو الضمير أو أي حسيب، وبالتالي فإن مؤشر المحصلة سوف يكون دائماً في حالة من الميل المستمر نحو الغرائز ونحو تحقيق ما تصبو إليهِ النفس وحتى دون الشعور بالذنب أو التأنيب الإنساني.

  • المسؤول المحلي والسلطة المطلقة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 21 من 77 — فهرس الكتاب

    المسؤول المحلي داخل التنظيم الذي عرفت له كامل السلطة المطلقة داخل منطقة نفوذه لا يكاد يراقبه أحد، فلا توجد أية رقابة على المسؤول المحلي ولا أية سلطة تستطيع أن توقفه عند حده إذا تجاوز حدوده التنظيمية، حتى مجلس الارشاد لا يستطيع ذلك، هذا الأمر يتناقض مع الهرمية التنظيمية الصارمة عند التنظيم الاسلامي وتسلسل الأوامر من المجالس الفوقية إلى نظيرتها التحتية التي تقتضي أن يكون المسؤول المحلي تحت السلطة الفعلية للمسؤولين في القيادة، بمعنى أن الدكتاتورية التنظيمية لا رقابة عليها، بعبارة أبسط فالمسؤول التنظيمي يستطيع أن يحتفظ بمكانته التنظيمية كاملة إذا نفذ الأوامر، فما يعني القيادة هو تنفيذ أوامرها، وافعل بعد ذلك في عباد الله الذين تحتك ما تشاء أيها المسؤول المحلي.

    ونتيجة لذلك فالمسؤول المحلي له من الصلاحيات ما لا يعد ولا يحصى، فهو في حل من أمره ويستطيع أن يطحن تنظيميا واجتماعيا أي عضو في الجماعة بكامل الحرية دون أن يتدخل مسؤول فوقي للإنصاف، كما يستطيع المسؤول المحلي أن ينشط مذهبيا ويتدخل في حياة الاعضاء الشخصية ويستغل منصبه التنظيمي في كثير من الأمور الاجتماعية دون رقابة ولا وصاية من الأجهزة العليا للتنظيم التي لا تتدخل بتاتا ما دام المسؤول يرفع التقارير ويجمع الواجب المالي وينفذ الاوامر ويبلغ الاخبارات ويوجه الرأي الداخلي الوجهة المطلوبة فوقيا.

    لمزيد من تقريب الفهم هي حالة أشبه بالدكتاتورية السياسية في الدول المتخلفة، حيث يجلس الطاغوت على كرسي الحكم ثم يُنصب زبانية في مقاطعات الدولة، يقطع الطاغوت التنظيمي الكبير رقاب المسؤولين فقط إذا خالفوه، لكنه يعطيهم سلطة مطلقة في طحن الناس كثمن لركوعهم له، فيصبح لدينا نظام دكتاتوري متكون من ثنائية مُتحكمة، رأس طاغوتي كبير يتحكم في التنظيم ككل ومسؤول محلي بصغير بسلطة مطلقة في منطقة نفوذه.

    هذه التركيبة التنظيمية الفاسدة لا تستقيم التربية معها ولا العدل ولا الاحسان، ولا الزحف يسير ولا الدعوة تنتشر ولا الكلمة تُسمع، تركيبة ترسخ مسؤولين في نفس المنطقة الجغرافية لعشرات السنين وتنتج كثيرا من المظالم التنظيمية والاجتماعية دونما حل يذكر، فيتحصل لدينا عشرات من المظلومين والناقمين والحاقدين والمذبوحين على رصيف التنظيم والتربية مع تنظيم فاشل وأمل مفقود في أي مستقبل مُشرق للتغير السياسي المنشود.

    كنت أعتقد لسنوات طويلة أن المسؤول المحلي مجرد رجل ساهر على حسن سير التنظيم في نطاق اختصاصه الجغرافي ويمكن القفز عليه في حالة تقصيره في أداء مهامه الادارية أو سوء فهمه التربوي أو في حالة ارتكابه لجرائم تنظيمية تمس قلوب الذين معه أو حالتهم الاجتماعية، لكنه كل مرة كان يتبين لي أن المسؤول المحلي دكتاتور في منطقته، فهو الآمر الناهي المشرف على كل صغيرة وكبيرة داخل منطقته ولا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال.

    تحدث كثيرا مشادات تنظيمية أو تربوية أو شخصية بين بعض الاخوان والمسؤول المحلي فيتجه هؤلاء بحسن نية الى المسؤولين القطريين على صعيد القيادة لطرح الاشكال عليهم مترقبين آذانا صاغية وإنصافا ومجالس استماع وإجراءات فاعلة لكنهم يفاجأون كل مرة بأن المسؤول القطري يحيلهم على المسؤول المحلي ليفعل فيهم ما يشاء تحت لافتة تربوية بلهاء تستدعي مصطلحات السمع والطاعة والأدب مع الشيخ التنظيمي في المنطقة، لكن الاحالة إذا كانت تتم في ظاهرها تحت يافطة تربوية فإن حقيقتها ذات دلالة تنظيمية معناها السلطة المطلقة للمسؤول المحلي لاستتباب الأمن التنظيمي القطري المؤسس على الحكم المطلق للمسؤول كل في منطقته.

    يبرر ذلك المسؤول القطري بأنه لا يجب تجاوز المسؤول المحلي مخافة وقوع فوضى تنظيمية، وهو كذلك إذا كان هذا الوضع التنظيمي يفقد فيه المسؤول المحلي كل احترام محلي فينهار التنظيم بما أنه لا احترام للمسؤول ولا كلمة مسموعة له داخل نطاق مسؤوليته، لكن والحالة أن المسؤول المحلي مستأسد على الجميع بسلطته المقتبسة من هذا التخوف التنظيمي فالنتيجة هي خلق طاغية محلي وبالتالي الوقوع في نفس الاشكال وهو سقوط التنظيم وانهياره بشكل أبشع من حالة التسيب التي يمكن معالجتها بما أن أغلب رجالات التنظيم يظلون ناشطين لكن بشكل متسيب داخل تنظيم مميع لا كلمة للمسؤول فيه، أضف إلى ذلك أن الظلم يخلق التسيب تماما كما يخلقه التساهل المبالغ فيه.

    حالة السلطة المطلقة للمسؤول المحلي تجعل التنظيم ينهار من جهة أخرى تتمثل في مغادرة كوادر العمل المنظم بشكل صامت أو تجعلهم أعضاء غير فاعلين يسايرون المسؤول في دكتاتوريته خوفا على مركزهم التنظيمي أن يطاله سيف الفصل وعلى تربيتهم أن يطالها سيف الحرمان من المجالس وقلوبهم أن يصيبها الكدر، أما في حالات أخرى فتقع صدامات قوية تنتهي غالبا بالفصل للعناصر القوية في الحق ليبقى الطاغية المحلي مستقرا على عرشه التنظيمي، وعندما ترفع شكاية إلى مجلس الارشاد تبقى مهملة في الأدراج أو يقولون لك صراحة اذهب ومرغ وجهك في تراب المسؤول المحلي لعله يرضى عنك فيُرجعك إلى حظيرة التنظيم عبدا مطيعا.

    السلطة المطلقة للمسؤول المحلي كارثة تنظيمية داخل التنظيم الاسلامي وتوشك أن تأتي على العمل الاسلامي من أساسه وتحول مسار الدعوة من مسارها النبوي الشوري إلى المسار الأموي الجبري الذي ينتهي غالبا في بحر الدماء والأحقاد والمظالم التاريخية التي لا يجبرها الزمن بسهولة.


  • طغيان القائد التنظيمي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 20 من 77 — فهرس الكتاب

    من أشد المعضلات التنظيمية طغيان المسؤول التنظيمي، شهوة هي ولذة لدى المسؤول لا ينالها إلا بالطغيان، فكما أن الرجل السليم تثيره النساء وكما أن الرجل الطبيعي يثيره المال، فرجل السلطة أيضا يثيره الطغيان، ولذلك فإن طريق الاستقامة يتطلب من الرجل القوي أن يكبح جماح شهوته، ويتطلب من الغني أن يُنفق من ماله، ويتطلب من الرئيس أن يتواضع لمرؤوسيه.

    لكن أحيانا كثيرة لا يستطيع الرجل أن يكبح جماح نفسه، فيتدخل غيره ليكبحه رأفة به من نفسه، فالأصل أن الرجل مطالب بكبح نفسه تلقائيا عن طيب خاطر بالوسائل الشرعية أولا ثم بالمجاهدة ثانيا، فإذا كان قوي الشهوة جاز له أن يتزوج النساء، فإذا استنفذ الاربعة وتجاوز الحدود نزل عليه ولي الأمر بسيف الشريعة، وإذا كان الرجل ذا جاه وسلطة جاز له أن يُطيعه من تحته ويُكسبوه نوعا من الهيبة والاحترام، فإذا طغى عليهم واستعبدهم وظلمهم وسلب حقوقهم وتجاوز حد سلطته، تدخل أيضا ولي الامر فنزل عليه بسيف الشريعة، يقطع رأسه النتن وينهي مشوار نفسه الخبيثة التي لا ترتدع من داخل شرنقتها.

    لكننا نتساءل كيف يكون كبح جماح المسؤول التنظيمي في تنظيم على هامش النظام القانوني للبلاد لم يصل بعد إلى مركز السلطة الشرعية، الناس لا تعرف ما يجري داخل التنظيم، ولا سلطة لها على التنظيم، حتى الدولة وجهاز عدالتها لا يدري بالتفصيل ما يجري داخل تنظيم مغلق، والنظام السياسي الحاكم ليس من مصلحته أن يسود العدل داخل صفوف مناوئيه، بل يهمه أن يتشتتوا ظلما وانتقاما وتصفية حسابات بينهم، فمن يا ترى يكبح الشر داخل صفوف المسؤولين في تنظيم خارج عن لعبة الحق والقانون والمؤسسات الرسمية؟

    أكيد أن المسؤولية تقع على عاتق قيادة التنظيم نفسه عبر إيجاد آليات تنظيمية تردع من سخن عليه رأسه فتجبر وطغا، فإذا كان للتنظيم الاسلامي قضاء إداري [1] فصل في المنازعات بين الرئيس والمرؤوس فـخفت وطأة الطغيان تلقائيا، وإذا لم يكن للتنظيم قضاء إداري صار الأمر بيد الادارة التنظيمية تجتهد بناء على مصالحها وأولوياتها، فتعدل متى شاءت وتظلم متى شاءت، تسكت عن بعض الظلم ريثما تجد البديل وتفصل المناوش إذا كان لديها بديل، مقاربات إدارية تختلف من منطقة إلى أخرى، حسب العرف السائد وحسب اجتهاد المسؤول المحلي، وحسب القرب أو البعد من عاصمة القيادة، تضارب في الاجتهاد واختلاف في الرؤية، رحمة في غير موضعها وفصل في غير موضعه، والنتيجة ارتجالية وتخبط ريثما تقف مؤسسة القضاء على قدميها فتدخل على الخط لتوحد الاجتهاد وتفرض القانون الداخلي.

    صادفت خلال مسيرتي في التنظيم كثيرا من النماذج المتجبرة، لا يمكن وصفها إلا بالفرعونية المتدينة، فرعونية شديدة يصعب علاجها لاختلاط الدين فيها بالإدارة، فالإدارة الدينية هي من أشد وأبشع أنواع الدكتاتوريات التي يمكن تصورها، ذلك أنها دكتاتورية عميقة وقوية تقوم على أسس متعددة ولا تقوم على قدم واحدة، فإضافة إلى عمود الادارة والمسؤولية التنظيمية، هناك عمود آخر وهو الدين، لنقل إن الأمر يصبح أكثر تعقيدا، كالأخطبوط الذي له أياد متعددة، يصعب القضاء عليه بقطع يد واحدة، ولذلك كان القضاء على الدكتاتورية في بلاد الغرب أسهل منه في بلاد المسلمين، فالدين عنصر قوي في حياة المسلمين يصعب تحييده، وفي التنظيم الاسلامي الأمر أكثر صعوبة بما أن حضور الدين أقوى بكثير منه في المجتمع المسلم، من هنا تجتمع في يد المسؤول التنظيمي على الاقل سلطتين، سلطة تنظيمية إدارية وفق السلم التنظيمي الهرمي المكون من رئيس ومرؤوس، ثم سلطة دينية يستمدها تلقائيا من السلم الاماري الذي يسيطر عليه، وهذه السلطة الدينية خلل في فلسفة التدبير وإشكال تنظيمي كبير، فالسلم الاداري من المفروض أن لا ينتج لنا سلطة دينية مرتبطة بالسماء بقدر ما يجب أن تكون هذه السلطة دلالة وظيفية أرضية إدارية بحتة.

    ولذلك فإنك عندما تخاصم المسؤول التنظيمي داخل التنظيم الاسلامي لكأنك تخاصم الله، مخاصمة المسؤول التنظيمي تعني أنك في مواجهة قامة إدارية قوية ثم قامة تربوية دينية مرتبطة بالله تهددك بالدعاء عليك وسلب رصيدك الايماني، فإذا كان التنظيم مُقسطا تدخل ونفى عن نفسه المكانة الدينية وترك لنفسه المكانة الادارية فقط فكان هنا القضاء على الطغيان التنظيمي أسهل بكثير من القضاء على طغيان يستمد قوته من الله في بيئة دينية منغلقة تؤمن بالدعم الالاهي للمسؤول التنظيمي، لكن التنظيم لا يتدخل أبدا لينفي عن مسؤوليه الصبغة الدينية، بل هو يرسخها لأنه يستمد رسوخه وقوته وثباته من تلك المكانة الدينية، لنقل إنها حقارة تنظيمية على غرار الحقارة الجبرية القائمة منذ الانكسار التاريخي.

    لا أملك حلا لهذه المعضلة، ولا أدري كيف تُحل اشكالية الجمع بين السمو الاداري والتميز الديني، فالمسؤول التنظيمي من المفروض أنه مشارك في العملية التربوية، فسماحته بطريارك على الاخرين، ثم إنه مسؤول إداري من المفترض أن يخضع كغيره من المسؤولين في النظم التي تحترم نفسها إلى رقابة قضاء إداري مستقل دونما اختباء ماكر خلف أية هالة دينية، فقط القلب الجامع رأس التنظيمين الدعوي والسياسي ولي الله من يجب أن يتمتع بهذه الهالة التربوية، أما ما دونه من المسؤولين التنظيميين فهم بشر كالبشر بل منهم أعداء للبشرية، والولي المرشد أيضا بشر كالبشر كائن غير مقدس، لكنه ليس كعامة البشر وعامة مسؤولي التنظيم فيما يخص خصوصيته الروحية والمعنوية والفكرية وهمته الاقتحامية التي تعمل عملها في الأكوان، لا مانع عندي أن نضيف إلى المرشد أعمدة التربية الذين يراهم هو كفيلين بمساعدته في ضبط العملية التربوية والسهر عليها بكل دقة وأمان، أما غير ذلك من المسؤولين التنظيميين فهم بشر عادي جدا جدا وأقل من العادي أحيانا، لا خصوصية لهم ولا ولاية ولا قطبية ولا غوثية ولا أي شيء من تلك الاوهام التي يبثها التنظيم، فقط برامج ومحاسبات ومهام إدارية ودراية بالكتف وتموقع جيد في التنظيم وكلام في كلام يرافق ذلك جبروت وطغيان وتكبر ووحشية ومشية خيلاء تثير الاشمئزاز.

    لا زلت أتذكر كثيرا من هؤلاء عندما كانوا يدخلون علينا في مشية متكبرة وينظرون نظرات الاستخفاف الى الحاضرين، "يثبتون المنظر" بعجرفتهم وحواجبهم المقطبة، يحدثونك وكأنك في ضيعة أبيهم، يحدثك المسؤول وكأنه خلقك فسواك فعدلك ثم التنظيم يسرك، يتعامل معك كأنه بشر خارق يبيت ليله مع الله ثم يرسل معه الله الاوامر الالاهية لنطبقها نحن العبيد، يوحي إليك أن له علاقة سرية بالله بينما أنت غافل في حضيض قبة البشرية، هذا حتى قبل أي تعامل أو احتكاك تنظيمي، أما عند المعافسة التنظيمية فخير لك أن تهرب كي لا ترتكب جريمة في أحدهم، فالظلم الذي دخلت كي تحاربه ستجد نظيره أمامك ماثلا في التنظيم يثير غيظك وحنقك كل حين بعنطزته المقززة وتكبره الذي يثير القيء.

    قوم فارغون أولئك المسؤولون التنظيميون المتجبرون، جثث خاوية من إدام الايمان، لا يعرفون الحب، أرواح سوداء كالحة، فراغ روحي، قساوة قلبية وجفاف إنساني، نفوس حقودة مسمومة، فراعنة بلباس التقوى، نوع من تلون أفعى النفس البشرية بين تطرفي الكفر والتقدس، فالنفس البشرية آية من آيات الله في إعجاز خلقها، فهي تتلون وتتشكل حسب وضعية صاحبها، فهي تتجبر كفرا، وتتجبر صلاحا، تنازع الله جبروته شيطنة، وتنازعه جبروته ملائكية، يتجبرون بما يقع في أيديهم من المسؤولية، فتوحي إليهم أنفسهم الخبيثة أنهم بشر فوق البشر، فهما وعلما وقوة وسلطة وإيمانا وتقوى، بينما هم في الحقيقة بالون فارغ، بالون كبير مليء بهواء كثير من التكبر، ويوم يغدر بهم التنظيم ويضربهم ومسؤوليتهم عرض الحائط ويثقب بالونهم الكبير بإبرة الفصل أو التهميش يقفون على حقيقة فراغهم، فراغ قلبي وعلمي وجسدي قاتل، يجدون أنفسهم كتلة لحم مهترئة لا تساوي عود ثقاب، كان المسكين المتعجرف مملوءا مسؤولية، كان مملوءا بالتميز عن المؤمنين، مملوءا بالتبجيل والتطبيل والتعظيم، ويوم راحت المسؤولية سقط التميز، أطلق البالون الكبير صفيرا حادا ثم خبا توهجه الايماني والفهاماتي بسرعة كأن لم يغن بالامس، أراهم اليوم كالعظام النخرة، لا هم ربحوا الدنيا ولا هم فازوا بالولاية، حطام بشري متكئ على دكة الخسران الشامل.

    مسؤولية التنظيم الاسلامي اليوم أن يعدل، حتى إذا ثُقب البالون يوما تفجر عن ينابيع الحكمة والايمان، على التنظيم أن يرسخ قيم العدل في نفسه، في مؤسساته، في أشخاصه، في قوانينه، في دروسه ومواعظه ثم بعد ذلك في واقعه، مسؤولية التنظيم أن يطرد من صفوفه رموز الطغيان وإلا فإنه التآمر على المؤمنين والتعاون على الشر، إذا لم يتخذ التنظيم خطوات حقيقية لتنقية الصف من المتجبرين الذين يستعبدون المؤمنين ويعاملونهم بحقارة، خاصة أولائك المتحاذقين الذين يمارسون الدكتاتورية بالحنية، الاستبداد الناعم المزيت بقليل من الكلام التربوي، إذا لم يقطع التنظيم رأس هذه الافاعي التربوية وقبل ذلك الكوبرات التنظيمية ويتخلص منها ثم يرسخ أقدام كل رجل صادق واضح شهم فإن هذا التنظيم سينهار لا محالة، لا يغرنك أيها التنظيم الآن كثرة الامعات.

    مسؤولية كبيرة هي، وتحد كبير، فأكبر تغيير هو تغيير النفس، والتنظيم مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتغيير نفسه، وإلا فهو الطوفان الذي سيجر التنظيم قبل النظام.

    إن الطوفان الذي أتصوره لن يأتي فقط على الأنظمة الظالمة، بل سيأتي أولا على التنظيم الاسلامي ما دام أنه ربيب الاستبداد، به سيبدأ، فالنصر الالاهي الذي أتصوره لن يفلت جبابرة التنظيم، سيطهر الارض أولا من رجسهم ويبني أساسات العدل ثم يُقعد صروحه على أكتاف رجال تخلصوا من نفوسهم وأخلصوا دينهم لله، رجال أخلاقهم نبوية غير مكيافيلية، رجال صادقون عاهدوا الله على نصرة دينه وليس نصرة مصالحهم المادية والنفسية، أتصورهم رجال من داخل التنظيم الاسلامي وأيضا من داخل النظام القائم الذي يتهمه التنظيم الاسلامي بالدكتاتورية، على أساس جمال ديمقراطيتك منقطعة النظير أيها التنظيم الاسلامي.

    إن من أهم آثار طغيان المسؤول التنظيمي ذلة العضو المرؤوس، ذلة وهوان يعيش فيه المؤمن، وما كان الله أن يتخذ وليا من الذل، ولعلني اشمأززت كثيرا من هذا الذل الذي يقع فيه المؤمنون بدعوى احترام التنظيم، إن هذا التنظيم لهو أكثر شرا من الشيطان إذا استعبد المؤمنين وتكلفوا معه الاحترام والسمع والطاعة، وما زلت أتذكر كيف يعامل المؤمنون الدراويش المسؤول التنظيمي بذلة وتقليل من أنفسهم ومسح للكابة وتعظيم، ويزداد المسؤول انتفاخا مع هذا الدلال التنظيمي، وأنا أعلم علم اليقين أنه ليس سوى مسير إداري ارتقى المسؤولية التنظيمية بطرق خسيسة منها اللحس والنميمة، إنه ليس وليا لله على الاطلاق، ولا علاقة له بالولاية لا من قريب ولا من بعيد.

    طبعا لا أُعمم، فما زلت أحفظ وُد الكثير من المسؤولين الذين هم فعلا رمز العطاء والصبر والتواضع والذلة على المؤمنين، الذلة بمعناها خفض الجناح واللين بين يدي الاخوان [2] وليس إعطاء الدنية من النفس، لكن هؤلاء قلة قليلة وسط جيش من الحقيرين الذين سطوا على مراكز التنظيم بالطرق الاموية.

    واضح أن الطغيان تصنعه السلطة، يصنعه التنظيم بتحالفه مع النفس التواقة إلى متعة السلطة والتشوف على الاقران والسيطرة عليهم وتسخيرهم بشكل من العبودية، جريمة الطغيان مسؤولية التنظيم الذي يُشارك بصمته أو تواطئه في صنع الطاغوت ثم يتنصل من مسؤوليته بدعوى أنه لا يعرف، والحقيقة أنه يمكن أن نلوم الافراد على طغيانهم لأنهم لم يتكئوا على شيء سوى التنظيم، فالمجرم الأول في صناعة الطاغوت هو التنظيم، بتهاونه الاداري وبغطائه التنظيمي، كل طاغية كبير يحمي الطواغيت الصغيرة في دائرة نفوذه، والتنظيم في عموم الكلام يحاول أن يتملص من المسؤولية ويرمي بالتهمة كاملة على الطاغوت الصغير، مكيافيلية، طريقة جميلة للتضحية بالكبش الفرعون الصغير وبقاء العجل الطاغية الكبير، يقول لك بلسان المنطق الحكيم ووجه البراءة التعميم حرام يا أخي، أنا بريء، يحاول شخصنة الخلل بينما الخلل هيكلي بامتياز، يضحي بالبيدق البسيط ويفلت بالطاغوت المنظم الكبير.

    لا يا حبيبي، العب غيرها، عندما كنا نحارب الطاغوت الصغير كنت تحميه وكنت تسخر مقدرات التنظيم لحمايته، كنت تزيد في ظهر المعلوف مسؤولية من الصلاحيات الجديدة والاطنابات السخية، كنت تهيئ لهم الجو بكثير من المدح والاطراء والتقليل من الاخرين، اسمح لي أن اقولها في وجهك صراحة أيها التنظيم الجبار، الطاغوت الشخصي لا يخلق إلا في حضن طغيان منظم.

    نفترض الآن أن التنظيم وقف مع نفسه وقفة مسؤولة أمام الله وأمام المؤمنين ثم أراد أن يقطع مع عهد الطغيان التنظيمي، مرحبا أخي التنظيم، لا نستطيع الآن أن نعادي تائبا إلى الله وراجعا إلى الحق، ذلك أنني أتصور أن القضاء على الطغيان التنظيمي له طريقان، أولهما وهو الاسلم، طريق داخلي، فيتطوع التنظيم طواعية بما أنه من المفروض أنه تنظيم إسلامي مصلح على طريق صلاح ليقوم بعملية تطهير ذاتي عبر قوانين صارمة وقرارات عازمة وشفافية وصفاء وإرادة سياسية وتنظيمية ذات استراتيجية واضحة في محاربة التجبر التنظيمي، هذه الطريق أكثر اختزالا للوقت وأكثر حفاظا على الطاقة وأكثر أمنا وأفضل نتيجة وأقل ضحايا.

    أما الطريق الثانية فهي طريق خارجية، حيث يتكتل الرجال في هيكل خارج التنظيم ويخوضون طريقا صعبا من الحرب التعبوية من الخارج لإسقاط الطاغوت التنظيمي الذي صادر جماعة المؤمنين وصادر مجالسها التربوية والتنظيمية وسخرها لحسابه الشخصي، هذه الطريق تتطلب رجالا من طينة علي وعمار، يُميزون بشكل واضح بين الحق والباطل ولا يخدعهم رفع مصاحف التنظيم، هذه الطريق صعبة وعرة المسالك مليئة بالضحايا حسني النية، هي طريق الفتنة والفتنة أشد من القتل، وسيجابهها التنظيم أولا باللامبالاة لعله يتمكن من وأدها في المهد، لكن مع الاصرار سيلجأ أخيرا إلى أحقر الوسائل الخسيسة التي كان يخفيها بابتسامته الايمانية الماكرة وسيقنع الاعضاء بضرورة القضاء على العناصر الثائرة بعد أن يلقي عليها تهمته الجاهزة وهي التعامل مع الجهات المعلومة.

    إن التنظيم الماكر المتلبس بالدين لن يستطيع الاستمرار في خداعه وجبروته طويلا، ذلك أن الرجال الذين تربوا على العزة في حضن ولي الله لن يستكينوا طويلا إلى طغيان مسؤوليه، وإذا كانت الظروف التي يصنعها الجو العام مليئة بالفقر والحاجة وضيق اليد تساعد التنظيم الجبار، فإن تغير أحوال الاقتصاد وانفتاح الجو السياسي سيكون له أثر كبير على استقرار التنظيم، فالكثير من الثائرين لا يوقف زحفهم الان سوى ضربات الحاجة التي يوجهها الطغيان الخارجي بتواطؤ مع الطغيان الداخلي، كلاهما يعملان على ضرب الخارجين من اللعبة في نقطة الضعف وهي المال.

    ولذلك تجد أن هؤلاء الرجال هم من يتلقى الضربة الاقتصادية وليس مسؤولي التنظيم، فتقول مستغربا كيف يعقل ذلك، هل هم أكثر خطورة من مسؤولي التنظيم؟ إنهم مجرد متساقطين يستحقون الاكفهرار في وجوههم والنميمة داخل الصف والمقاطعة الاجتماعية في المناسبات والتنقيص منهم في كل فرصة والتحذير منهم في كل لقاء والدعاء عليهم في جوف الليل، إنهم مجرد كم لا قيمة له، مجرد شعرة سقطت، أناس ضعاف، مهزومون نفسيا، مجروحون قلبيا، محطمون معنويا، مذبوحون روحيا، فقراء ماديا، فكيف يشكلون خطورة على الوضع أكبر من خطورة مسؤولي التنظيم؟

    نقول بلسان الصدق والنصيحة الأخوية أن على القيادة الراشدة إن كان لها مثقال ذرة من رشد أن تنظف الصف من الطواغيت التنظيمية، وتنظف صفها أولا، فالصف القيادي هو الحاضنة الفوقية للفراعنة المبثوثين على طول هرم التنظيم، شبكة الفراعنة تلتقي في يد واحدة أو أكثر من يد من الأيادي القوية داخل القيادة، فأول إصلاح شجاع هو الاطاحة برأس الافعى التي في القيادة، ثم ستسقط الافاعي الاخرى تباعا لما تفقد حائطها الذي تستند إليه، على أن بعض الافاعي يكون الجبروت قد سار في دمها فتفقد عقلها ولا يردعها قطع رأس الافعى الكبيرة بل يزيد من رعونة تجبرها، هذه مع قليل من الحزم التنظيمي والقوة الادارية والتعليمات الصارمة تطير بكل سهولة، وليذهب أصحابها الذين طغوا في البلاد إلى الجحيم.

    لنقلها بصراحة، تنظيم قوي هو ذاك الذي يتخلص من طواغيته، تنظيم ناجح ذاك الذي يخلو من مظاهر التجبر والتكبر والكلام المستعلي والتصرفات الرعناء، تنظيم يسوده الاحترام والمحبة والفناء في الجماعة، تنظيم تحس معه بالثقة والاطمئنان، تنظيم تجتاحه رياح الحب في الله وتغمره مياه الرحمة وتسوده لطائف المودة، هذا هو التنظيم الاسلامي الذي يعول عليه في غد الإسلام، تنظيمٌ مدرسة لبناء الانسان المتحضر والقضاء مع عهد الانسان المفترس.

    أعرف أنها صرخة في واد، فالتجارب الانسانية أثبتت على مدى قرون أن التنظيمات والأنظمة لا تتوب، والتغيير فيها لا يأتي من الداخل بل يأتي من الخارج، فقليل من الناس من يستطيع إصلاح نفسه من الداخل، فغالبا ما يأتي الطوفان من الخارج، تأتي الصاعقة من السماء فتحدث التغيير المنشود، فقط أولياء الله من يستطيعون قهر نفوسهم وتغييرها للأفضل، ثم أقوياء الارادة من الرجال الافذاذ، أما العامة فلا يستطيعون إلى تغيير أنفسهم سبيلا، وعامة التنظيمات لا تستطيع أن تصلح هياكلها من الداخل، ولذلك يلزمها صعقات خارجية كي تستفيق على واقع الاصلاح، التنظيم لا يصلحه إلا تنظيم آخر يطيح به أو نظام قاس يطحنه، فيستفيق التنظيم صباحا على يا ليتني لم أتخذ الدكتاتور الفلاني مسؤولا، حتى التنظيم النبوي عندما دخله معاوية ونخره لم يعد يرجى له إصلاح حتى صعقه الارتداد العباسي، وهكذا دواليك كلما فسد تنظيم أسقطه تنظيم آخر، قد يكون محليا نظام له حسابات أو تنظيم منشق غاضب أو تنظيم وليد طامح، وقد يكون خليطا من هذا وذاك توافقات سياسية دقيقة لا رجعة ولا رحمة في تنفيذها، تقصي التنظيم كما كان يقصي خيرة رجاله، تأكله كما كان يأكل عياله من قبل، تنزل عليه كالصاعقة فتجعله كأن لم يغن بالأمس.

    أما إذا كان تنظيما تدعمه العناية الالاهية فأكيد أنه سينجو وسيستخلف الله في الارض.

    ومع ذلك لي أمل، أمل ضعيف أن يستفيق التنظيم ويصلح ما أفسده الطغاة والزبانية، أن يرجع بالسفينة إلى بحر الصفاء والشفافية والوضوح والبذل والوحدة والتحاب، أملي أن يستحي التنظيم إكراما لوجه الله ولوجه مؤسسه ثم يرجع عن طريق التجبر والظلم والغواية والقهر والفصل، أملي كبير أن تسري روح النبوة في جسم التنظيم فيرجع إلى نور الخلافة ويتخلى عن ميكيافيلية فلورانسا، روح النبوة هذه ليست شيئا سوى صحبة الولي الوارث عن رسول الله، باب المدد وسبب التوفيق، وبدونه يصبح التنظيم ستالينية، فقط بالمفتوح له يلتحق جسد التنظيم بالنبوة، فولي الله هو روح التنظيم، أما الهياكل والمسؤولين فمجرد أقفاص بلا طائر، بدون ولي الله يكبر التنظيم خاويا من النوارس، ثم لا يلبث أن يصير وحشا ويلتهم المؤمنين.

    نتيجة الطغيان التنظيمي التبعية والإمعية والضعف السياسي وثقافة القطيع، وأول من يتأثر بجبروت التنظيم هم أعضاؤه الذين يصبحون عبيدا من حيث أرادوا نيل الحرية السياسية، هؤلاء العبيد لن يستطيعوا بالطبيعة تغيير أي نظام سياسي قائم ما داموا فقد فشلوا في ترويض تنظيمهم الداخلي، أنى لهم الحرية وقد وقعوا في فخ العبودية، ولجوا في بحر تنظيمي لجي يغشاه موج القهر من فوقه موج السياسة من فوقه سحاب الاختراق، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرجت يد الصفاء والمحبة لم تكد تراها من فرط الكدر والبغضاء، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.


    📌 الهوامش

    1. [1] اعتمدت بعض الدول نظاماً قضائياً موحداً ينظر في جميع المنازعات سواء أكانت إدارية أم مدنية أم تجارية، وسمّي هذا النظام بـ وحدة القضاء الذي لا يميز بين سلطة عامة أو أفراد، وذلك استناداً إلى مبدأ سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه، ومن أمثلة هذه الدول بريطانيا وأميركا والعراق والسودان والمغرب. في حين أن دولاً أخرى، مثل فرنسا ومصر وسورية ولبنان اعتمدت نظام القضاء المزدوج الذي يضم القضاء العادي الذي يفصل من حيث المبدأ بالمنازعات التي تحصل بين الأفراد فيما بينهم، ثم القضاء الإداري الذي ينظر بالمنازعات الإدارية وفق قواعد قانونية متميزة ومختلفة عن قواعد القانون الخاص حيث يأخذ في الحسبان طبيعة المنازعات الإدارية ومقتضيات المصلحة العامة، في القضاء الموحد يعلو هرم المحاكم محكمة النقض وفي القضاء المزدوج يعلو القضاء العادي محكمة النقض ويعلو القضاء الاداري مجلس الدولة. وفي كلتا الحالتين فالقضاء الاداري يفصل في النزاعات الادارية بين الافراد والدولة أو بين النزاعات بين الافراد وموظفي الدولة ويسهر على خضوع قرارات الإدارة وتصرّفاتها لرقابة القضاء.
    2. [2] كان رسول الله ﷺ لينا على المؤمنين، لينا لهم برحمة من الله الرحمن الرحيم. لم يكن فظا غليظ القلب. وقد من الله عليه بهذا الخلق العظيم في قوله تعالى: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ"، الاحسان1 ص413.

  • قوة التنظيم أم قوة أفراده؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 19 من 77 — فهرس الكتاب

    ما هو النظام الاجتماعي الذي يغلب على التنظيم، أهو مصلحة الفرد أم مصلحة الجماعة؟ رأسمالي هو التنظيم الاسلامي أم اشتراكي؟ هل تتدهور مصلحة المؤمن أمام مصلحة التنظيم؟ أم يتنازل التنظيم عن بعض مصالحه ليؤمن مصلحة أعضائه؟ أم ان التنظيم الاسلامي يستقي مفاهيمه من الشريعة فهو في توازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة محاولا التوفيق بينهما كما يوفق الرجل بين زوجتين.

    إن القول بأن التنظيم الاسلامي يرجع إلى الشريعة الاسلامية في أحكامه وتنظيمه لهو قول مغلوط مكذوب، والقول بأن التنظيم الاسلامي يستطيع التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة التنظيم قول مبالغ فيه من جهة حسن الظن، والقول بأن التنظيم الاسلامي يميل إلى مصلحة الفرد قول يقارب الخيال، قول مردود يخالف الواقع والجاري به العمل، فأسهل طريق أمام التنظيم هو التضحية بمصالح الفرد والارتماء بالكلية في طريق مصلحة التنظيم، إنه يمشي مع السهل والميسر، ولا قدرة له على بناء منظومة قوية تحافظ على مصلحة أفراده ولا رغبة له في مسايرة الشريعة الاسلامية التي يطالب الانظمة الحاكمة بتطبيقها من باب التعجيز لتحقيق شرعية إسلامية.

    في مقابل ذلك فالتنظيم وخلال زحفه على معاقل الأنظمة السياسية لا يتكئ إلا على أفراده، فهم عماده وسنده ومدده وقوته الضاربة، يقول مسؤولو التنظيم زعما أن الله سبحانه هو سند التنظيم وليس افراده، كلام ديني كالعادة لا دليل له فكرا ولا واقع له ممارسة، ذلك أن المعول عليه هو سواعد الاعضاء التي هي بمثابة الطاقة التي تحرك التنظيم وليس دعم الله سبحانه، فذاك شيء لا نعلمه ولا نعلم فعلا هل الله سبحانه مع التنظيم أو ضد التنظيم لأننا لا نجلس في الحضرة الالاهية كل يوم نستقي أخبار السماء، لكن الهياكل التنظيمية ضعيفة في اعتماداتها المالية وأُطرها المسيرة وغير قادرة على فرض تنافسية اتجاه أجهزة الانظمة الحاكمة، فالفرق بين أجهزة النظام وأجهزة التنظيم فرق شاسع كما بين السماء والارض، ومع ذلك فالتنظيم يزهد في أفراده ويذبح منهم الكثير لإرضاء المسؤولين وأنانياتهم الرئاسية، راحة المسؤول التنظيمي ورفاهيته الهرقلية سبيل واصل إلى النجاح الجماعي على الانظمة السياسية الغاشمة، أو هكذا تظن الرعية التنظيمية التي تشبه رعية السلطان، رعية تظن أن راحة ورفاهية وملذات هرقل التنظيم سبب في انتصار العبيد، فكلما كان الملك التنظيمي مرتاحا كلما كان النصر قريبا من المؤمنين، خرافة يستند إليها الحكام لتبرير تمتعهم على حساب المستضعفين، وكذلك يضحك بها المسؤول التنظيمي على العبيد الطائعين الخائفين من القتل المعنوي وهو الفصل التنظيمي أو الراكعين المبهورين بمكانته التنظيمية.

    يلجأ المسؤول أحيانا إلى أسلوب المحبة الزائفة ليغطي على هرقليته الدكتاتورية، يُكرم البيادق التي تدور في فلكه بالاكراميات السخية في مطاعم السبع نجوم، يملأ بطونهم بالسحت من أموال التنظيم ويرفع تقارير عن عشاء عمل ثم يرخي عليهم من العطايا المعنوية وهي المسؤوليات التنظيمية لعل أنفسهم المتعطشة للرئاسة تروى فتركع له عرفانا بالجميل، يسكت عن جرائمهم التنظيمية أيضا، ويغدق عليهم بالكثير من الاطناب في مجالس الرخاوة والطنز على الدراويش، وهذا الجو التنظيمي والتربوي المترهل لهو الضعف السياسي و التربوي بعينه، ضعف تأطيري يسبب ضعفا تربويا للأفراد ضحية هذا الاسلوب التدبيري الفاشل، ثم أنه يضعف الافراد الخارجين من دوامة الشكلية والتنطع والضحك على الذقون، يضعفهم لما يحرمون من مقدرات التنظيم التي كان يجب أن تصرف في حقها، فالمقدرات المالية والقلبية والنفسية والروحية والتنظيمية كان يجب أن تُصرف في مكانها الطبيعي وهي البرامج العملية التي تنبثق من الشورى الحقيقية داخل مجالس النقاش الحقيقي وليس الشورى التآمرية على هامش مجالس الزرود والمجاملة والرخاوة والنميمة والتعبئة الهامشية.

    إن قوة التنظيم ليست سوى قوة أفراده، ومتى فرط التنظيم في أبنائه فقد خسر قوته، ومتى خسر الصادقين فيه فقد خسر تأييد الله، وكلما خسر قوته الاجتماعية تلقى طعنات من الانظمة السياسية المتربصة ومن الفرقاء السياسيين الذين ينافسونه، فبمجرد أن يأكل التنظيم أشبال بيته تأكله ضباع غيره، ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز والله سبحانه لن ينزل إكراما لك أيها التنظيم الخبيث، بل إن الحماية هي الرهط المنافح عن المصحوب ولي الله رأس التنظيم، والتنظيم لا يفهم هذا إلا من باب استغلال المفاهيم الدينية واستدراج الرهط الكثير إلى صفوفه لقضاء مآربه السياسية وتقوية النفوذ التنظيمي لمسؤوليه وليس من باب تقوية أعضائه وبنائهم نفسيا وتربويا واجتماعيا، إنه لا يبذل أي جهد يذكر في سبيل بناء عناصر مؤمنة قوية، وفي مقابل ذلك يبحث كيف يستفيد منهم لتقوية هياكله التنظيمية وعندما ينتهي منهم يرميهم جانبا، وهو خلال ذلك في بحث دائم عن العناصر القوية الجاهزة داخل شعاب المجتمع المسلم.

    واضح أن التنظيم لا يهمه سوى بناء ذاته التنظيمية وتعزيز قواه السياسية ولا يهمه قوة أعضائه بالمرة، وقد لاحظت هذا خلال الممارسة التنظيمية، فقوة الافراد ونجاحهم التربوي والاجتماعي ليست في برامج التنظيم، استقرارهم المادي المالي لا يهمه، قوتهم الاجتماعية لا تهمه، استقرارهم الاجتماعي لا يهمه، قوتهم النفسية لا تهمه، ولا أدل على ذلك أنه عندما يدخل العضو في ضائقة مالية لا يتحرك التنظيم ولو حتى بنصيحة أخوية بل ينسل هاربا في هدوء، وقد يتعرض العضو إلى فصل تعسفي من العمل أو الوظيفة بسبب انتمائه التنظيمي ولا يتحرك التنظيم إعلاميا واجتماعيا إلا إذا كان المفصول تعسفيا مسؤولا في التنظيم أو محبوبا من مسؤولي التنظيم، وقد يتعرض العضو إلى أزمة نفسية لها علاقة وطيدة بانتمائه للتنظيم ومعاركه السلوكية، اضطهاد اجتماعي أو أسري أو أحوال تربوية قوية أو تعذيب نفسي من أحد مسؤولي التنظيم أو انهيار عصبي حاد لكثرة الطعنات ولا يتحرك التنظيم لإيجاد الحلول بل يترك العضو متخبطا وحيدا في حفرته وأحيانا أخرى يتدخل للقضاء عليه، وهذا ما نسميه بالغدر التنظيمي.

    نكاد نخلص إلى نتيجة مفادها أن قوة الافراد ليست ضمن برامج التنظيم ولا اهتماماته، لا يهمه بتاتا أن يقوى الاعضاء أو يضعفوا، هو لا يعرف إلا شيئا واحدا، المصلحة، التنظيم، السياسة، الهياكل، المكاسب، الاستقرار، ثم يؤكد كل حين على تحرك آلة الاستقطاب الدعوي والسياسي حتى يمتلئ الصف بالرهط السياسي والديني ويعوض ما انهار من المنهوكين والمفصولين والمتآكلين، بمعنى أن التنظيم الاسلامي ليس مستعدا لخسارة شيء في سبيل الاعضاء، ومن ضعُف فالواد أولى به، والبديل هو الاستقطاب لضخ دماء قوية جديدة والتخلص من الدماء المنهكة التي ليس لها مناصب تنظيمية مهمة.

    نتحدث هنا عن الدور السلبي المتخاذل للتنظيم مع استحضار أن هذه الحالة هي أحسن الاحوال، ذلك أن أسوأ الحالات هي التي يكون فيها التنظيم نفسه هو سبب هذه الضربات القوية التي تضعف الاعضاء، فالضعف المادي والنفسي والأسري يكون أحيانا من تخطيط التنظيم وتدبيره الموجه ضد العناصر القوية الفاعلة، ولا أدل على ذلك من التشفي الواضح الذي يبديه مسؤولو التنظيم وابتسامتهم الصفراء الماكرة التي تظهر في توصياتهم التنظيمية وتدويناتهم الفيسبوكية فرحين بما أصابوا به الفرد المستضعف من أذى.

    الفرد يبقى دائما أقل قوة من التنظيم، وعندما يصمد أمام رياح التنظيم لوحده فهذا الفرد يزداد قوة وعزيمة وشدة مراس، بينما يضعف التنظيم لأنه يفقد كل يوم مصداقية وسندا ورجلا كان سيقدم الشيء الكثير إلى مؤسسة الدعوة، هذه القوة تذهب لاحقا إما إلى ذات الفرد، فيهجر التنظيمات مهتما بنفسه، وقد يتجه بعزيمته الجديدة وقوته المسترجعة إلى صف آخر يحارب به التنظيم المجرم الذي نكل به وغدر به ساعة الحقيقة.


  • تنظيم موحد أم تنظيم سياسي وآخر دعوي؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 17 من 77 — فهرس الكتاب

    من أهم نتائج تمايز الاستقطابين السياسي والدعوي أن الشخص السياسي [1] لا ينسجم غالبا مع الشخص الدعوي، حتى من المنظور الفلسفي فالسياسة صعب أن تتماشى مع الدين، فالدين له حدود وقيود، بينما السياسة فن الممكن الذي يخرق حدود الدين ولا يقيم وزنا للمثاليات الاخلاقية، فالممكن أحيانا كثيرة لا ينطبق مع الدين في تصوراته ومقتضياته ومحفزاته، كما أنه في أحيان كثيرة لا يؤمن بالأخلاق، فالسياسة تقتضي منك أن تحصل على كل ما تريد بكل الأساليب الممكنة دونما اعتبار للدين والخلق، أضف إلى ذلك أن نفسية رجل السياسة هي نفسية رجل ماكر مخادع يخالف ظاهرة باطنه، يمشي بين الناس بألف وجه، بينما نفسية رجل الدعوة هي نفسية رجل يعيش الصفاء والصدق والوضوح، رجل ظاهره كباطنه، رجل بوجه واحد.

    ومما يروى عن السياسي البريطاني تشرشل أنه مر على قبر سياسي بريطاني كُتب عليه: " هنا يرقد السياسي اللامع ورجل الأخلاق الحميدة (فلان الفلاني)"، فـعلق تشرشل ساخرا: ولماذا دفنوا رجلين في قبر واحد؟ .

    عالم السياسة يقتضي إذن أن تكون قادرا على أن تظهر ما لا تبطن وتبطن ما لا تظهر، تصرفات تجعل من رجل السياسة رجلا خبيثا في الواقع، لا تكاد تصنفه من البشر إلا من خلال ربطة عنقه ومنطق كلامه، بينما في باطنه هو ذئب كاسر أو ثعلب ماكر، ينتظر متى يغدر ومتى يعض ومتى ينقض على الفريسة السياسية وينهش من كعكة السلطة، على أن هناك قلة من السياسيين الصالحين يمكرون بعقولهم وقلوبهم صافية مع الخلق والله، يمكرون مع الماكرين ويصفون مع الصالحين ويدارون عامة الناس، يلعبون على أوتار السياسة لتنجو الدعوة.

    داخل التنظيم الاسلامي يكاد لا يتلاقى الخط الدعوي والخط السياسي، كما يتنافر رجال الدعوة ورجال الدولة، يختلفان من حيث القلب واللباس والكلام والمنطق والتفسير والدين والخلق ونمط العيش، حتى أرواحهم مختلفة ومتنافرة، رجال الدعوة رجال الصفاء والمحبة، ورجال التنظيم والسياسة والسلطة عموما لا قلوب لهم، قلوب كالحجر وأكباد لا تلين، كل شيء عندهم قابل للبيع إذا تم تسديد الثمن، وفوق ذلك غدر ومكر وذبح وتصفيات تنظيمية من أجل المنصب والجاه، وإذا كانت غاية رجال الدعوة وجه الله ورضى الله والجنة ودخول الناس في دين الله أفواجا، فإن غاية رجال الدولة تحقيق مكاسب سياسية على رقعة السياسة وتحصيل شعبية وأصوات انتخابية.

    عندما تختلف الغايات تختلف تبعا لذلك الوسائل، فإذا كانت وسائل فريق الدعوة المحبة واللقاءات التربوية وقيام الليل والإكثار من ذكر الله والتذكير بالموت والوعيد من غضب الله والدعاء والاستعداد ليوم الرحيل، فإن وسائل فريق السياسة هي البرامج السياسية الفهلوية وخلط الفرنسية بالعربية والتحالفات المصلحية والخطط الكيدية والكولسة التحتية والمظاهر البراقة والبريستيج الخادع والنفاق الاجتماعي وشراء الذمم واللعب بالدين.

    صحيح أن بعض رجال السياسة هم قوم صالحون، يجمعهم مع رجال الدعوة نفس الغاية وهي إعلاء كلمة الله ودلالة الناس على الخير [2]، لكن هؤلاء قلة، ولا يكاد يكون لهم وزن داخل العمل السياسي الاسلامي، فقيادة التنظيم السياسي آلة قاسية تسحق كل مؤمن رطب مُزيت بأخلاق الاسلام، وقبل ذلك تنحيه بوسائلها الماكرة من مراكز القرار وتدعه على هامش التنظيم يدعو إلى الله على بساطة المقام والوسائل، وآلة التصفية هي اللوبيات الموازية والخطط التحتية في الكواليس وهو ما لا يرضاه رجل الدعوة، فإذا أراد أن يجمع هذا الأخير بين غايات الاسلام النبيلة وغايات السياسة الخبيثة وقع في التناقض المنطقي والانقسام الحركي والازدواجية المفاهيمية والانفصام في الشخصية والفشل السياسي.

    رجال الجمع بين الدعوة والدولة قوم صفوا مع الله صفاء المحبين، وعانوا مع أنفسهم معاناة كل يوم أن يكونوا قد التحقوا برجال الدنيا دون أن يفطنوا لمصيدة الشيطان، ولذلك تجد الاكابر من هذه الأمة يخرجون من الدنيا وما عرفوا هل هم من أهل الجنة أم هم من أهل النار [3]، فمعافسة السياسة والسياسيين وتقلد المناصب التنظيمية والادارية واتساخ أيديهم بالدولة حالة تجعلهم يعيشون نوعا من التوتر يستشعرونها في قلوبهم الطاهرة، فيلزم رجل السياسة الذي يرجو صلاحا في نفسه وواقعه كثير من اتهام النفس والاستغفار الدائم والخوف من مكر الله [4] والقدرة على التنقل بين متناقضات الدعوة والدولة للجمع بين بينهما.

    قادة التنظيم الاسلامي ورؤساءه خاصة قادته السياسيين ليسوا كلهم من هذه الطينة الغالية، بل هم بشر عادي يعيش النفاق بأريحية، ينافس على المنصب بكل مكر وقسوة، ينسى تماما الأهداف الايمانية والغايات الاحسانية، فالسياسة تُنسيك أباك وأمك وأخاك، فكيف لا تنسيك دار المعاد، الكلام عن الاخرة والموت مجرد هراء بالنسبة إلى رجل السياسة، فهو ينظر إلى الفيلات والقصور والنساء والاموال والسيارات والعطل الرائعة والمناصب التنظيمية التي تخضع له فيها رؤوس الرجال، هذا ما يدير عجلاته ويحرك محركاته، في أحسن الاحوال يعمل على مسايرة الشريعة الاسلامية شكلا أمام الناس، فـيجعل لكل شهوة مخرجا دينيا، ثم ينهش من الدنيا والمال والنساء والسلطة قدر المستطاع باسم الدين، أما بينه وبين الله فقطيعة تامة.

    واضح جدا أن هناك تباينا كبيرا بين الدعوة والدولة من حيث نوعية الرجال والمهام، والتنظيم بما أنه جهاز مصلحي لابد أن يتكيف مع هذه الواقعة النفسية والاجتماعية، فهو يقسم نفسه إلى جهازين، جهاز دعوة وجهاز سياسة، فالجهاز الدعوي مهامه دعوية بامتياز، أدواره تدور حول استقطاب الغافلين ودلالتهم على طريق الهدى والتقى، له رجالات التربية والذكر والحب في الله والانجماع عليه، وله أيضا أدوار سياسية موسمية في مواسم الانزال، أما الجهاز السياسي فيتكلف بالمهام السياسية والنقابية وخوض لعبة السلطة والنقابة، وطبعا له أدوار دعوية من حيث إحالته لبعض السياسيين إلى الجهاز الدعوي لعله يضرب فيهم حقنته الروحية، جهازان كبيران يضمان أجهزة فرعية كثيرة، مع تراتبية تنظيمية تسهر على تنظيم عملية الدعوة واحتضان المدعويين من جهة، ثم الاهتمام من جهة أخرى بالنقابة والسياسة والمال.

    التنظيم يتخبط دائما هل يجمع الجهازين في جهاز واحد أم يفصل بينهما، وهو يحاول تارة الجمع بين التنظيمين كي لا ينشأ انفصال نكد من الجهازين وتتعارض برامجهما وتنشق الجماعة في النهاية قلبا أو ممارسة، وتارة أخرى يحاول الفصل بينهما فصلا عمليا مع جمع خيوطهما في يد واحدة على مستوى القيادة، بينما في تنظيمات ثالثة ينشأ فعلا انفصام نكد بين الجهازين، فينخرط الجهاز السياسي في إطار حزب سياسي ويحافظ الجهاز الدعوي على جهازه الدعوي متمثلا في حركة دعوية منفصلة عن الحزب، فيتجمع الدراويش في الحركة وتتجمع الذئاب في الحزب، الحمائم تدعو إلى المسجد والصقور تدعو إلى الانتخابات، وبين هاذين الخطين يلعب قادة التنظيم كل حين محاولين خلق توازن تنظيمي بين الكتلتين الكبيرتين كي لا يطغى جهاز على جهاز.

    طغيان الدعوة على السياسة يؤدي إلى انحراف التنظيم إلى شق واحد من الإسلام وينتج لنا ما يسمى بإسلام الزهادة ترافقه السلبية على مستوى الاهتمام بأمر المسلمين، بينما طغيان السياسة على الدعوة يكون مآل التنظيم فيه حزب سياسي لا علاقة له بالإسلام إلا الركوب عليه، فالإسلام بما انه دعوة ودولة يجمع بين القرآن والسلطان، على أن القرآن أشمل من السلطان، لكن القرآن ليس كافيا لتسيير دولة، فيلزم رجال أقوياء أمناء يسهرون على تنزيل تعاليم القرآن، قال عمر: " يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" [5]، معنى ذلك أن القرآن لا ينفع حين يتجاوز البعض خطوط الشرع، فينزل عليهم سيف السلطان، فيفهمون حينها معنى القرآن.

    يبدو الإشكال أكثر وضوحا على مستوى القاعدة، فالتباين بين الأفكار والتصرفات والمستوى التربوي يخلق نوعا من التجاذب والتنافر أحيانا، وقد يتطور إلى الاتهام في النوايا، فالرجل الدعوي رجل رطب مُيدم بإدام الصحبة متخلق بأخلاق الصالحين، أما رجل السياسة فـهو موس حاد، رجل مكر وخداع، رجل جاف تربويا، لا تكاد تشم منه رائحة إيمان، اللهم مظاهر وشكليات تجعلك تكاد تشك حتى في إسلامه، فيبدو في عينك مجرد حزبي سياسي، ثعلب يجري كل صباح لينسج علاقات سياسية ونقابية وجمعوية ويصنع فرصا اجتماعية ويدخل في صفقات مالية، لا ينظر إليك بعين رحمة الله بل يكيلك بميزان المال والمركز الاجتماعي، على أن طغيان السياسة على الدعوة قد يجر رجل الدعوة إلى نفس المنطق، فيتحول الجهاز الدعوي أيضا إلى مرتع للذئاب، ذئاب جافةٌ روحانيتهم الايمانية، باردة شعلتهم التربوية، تحس بالنفاق يدب بينهم، والمظاهر تطغى على معاملاتهم، يصيرون مجرد أبواق لرجال السياسة يُسخرون لهم التربية وأجهزتها ورجالها لقضاء مآربهم السياسية.

    هذه الحالة تسمى انصهار الدعوة في الدولة، بمعنى ابتلاع اللوبي السياسي لجهاز الدعوة وسيطرته عليه على مستوى القيادة والاجهزة، وهذه هي الحالة الاغلب، أي سيطرة السياسي على الدعوي، هذا الأخير لا يستعمل في الاغلب وسائل الغدر، بينما السياسي قلبه صلب كالحجر وماكر كالذئب ولا أخلاق له، فأغلب الظن أن ينتصر السياسي على الدعوي بما أن الساحة للذراع لا للحق، فسنة الله اقتضت أن ينتصر الذي يملك أكبر قدر من المال والمكر والنفوذ، حالات خاصة ونادرة جدا ينتصر فيها رجل الدعوة إذا كان ذا نورانية غير عادية وكرامات ظاهرة تستدعي تدخل العناية الالاهية في أبهر تجلياتها خارقة بذلك ناموس الدنيا.

    كل ما ذكرناه يحيلنا على فكرة مفادها أن التنظيم يفصل دائما بين الدعوة والسياسة كي لا تختلط الخيوط، وقلنا بأن الثعلب السياسي غالبا ما يطغى على حمل الدعوة، لكن يبقى أن جهاز الدعوة هو صمام أمان الجماعة وسر بقائها على شريعة الاسلام وبقاء الغاية الايمانية حاضرة في كيانها، والصراع بين الدعوة والدولة يجب أن ينحصر داخل القيادة فقط، فهناك حصريا يجب أن تدور الحرب الطاحنة بين الاجنحة دون أن يتسرب الخلاف إلى القاعدة وتصبح هذه الاخيرة ساحة معارك وتجاذبات سياسية وفكرية ثم تدخل على الخط مدافع بالوكالة وإغراءات خارجية وموالاة شخصية واختراقات، والويل ثم الويل للجماعة إن سيطر معاوية على القيادة واستفرد رفقة تيار السياسة بالسلطة، بل الويل للمسلمين جميعهم، فـنجاح الجماعة في احتضان ثورة الجياع مرتبط بانجماع الجماعة دعوة وسياسة بين يدي رجل واحد مفتوح له باب الولاية، رجل محنك سياسيا قادر على إسكات السياسيين بقوة علمه وفطنة عقله ووسامة وجهه، ثم إخضاع الدراويش بشمس روحانيته وفتح بصيرته وعمل همته.

    نصل إلى نتيجة مفادها أن تقلبات التنظيم بين الدعوة والدولة حالة عادية يختص بها التنظيم الاسلامي دون غيره من التنظيمات، إلا أن النتيجة الأكثر أهمية هي أن القبضة الحديدية للولي القابضة على كل أجنحة التنظيم هي السبيل الوحيد للحفاظ على مؤسستي الدعوة والدولة قائمتين على المنهاج، فالإمام هو البرزخ الذي يجعل بحر الدولة المارج لا يبغي على بحر الدعوة الهادئ، ويجعل المشروع السياسي خاضعا للمشروع الايماني الطامح إلى هداية الناس إلى سواء السبيل لا راكبا عليه.

    العزف على أوتار مؤسسات الدولة والدعوة معا بكل براعة وتناسق من صفات الكاملين.


    📌 الهوامش

    1. [1] الشخص السياسي هو القادر على صنع القرار السياسي من خلال فهمه لطريقة التحكم في المجتمع وفهم السلطة السياسية وديناميكية الجماعة.
    2. [2] " ليل المؤمن للتبتل، ونهاره للسبح الطويل. وهو السعي في حوائجه الدنيوية مثل الكسب، وحوائجه الأخروية مثل الجهاد. ولا يفترق شأن آخرة المؤمن عن شأن دنياه إلا اصطلاحا. وإلا فكل عمله جهاد، يسري في سبح النهار تبتلُ الليل". كتاب "محنة العقل المسلم".ص36
    3. [3] قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا لَيْتَنِي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ، وقَالَ عمر: يَا لَيْتَنِي مِثْلُ هَذِهِ التِّبْنَةِ، لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا، لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا.
    4. [4] ما يذكره بعضهم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها لما أمنت مكر الله".
    5. [5] معناه أن ضعيف الإيمان لا تؤثر فيه زواجر القرآن ونهي القرآن، بل يقدم على المحارم ولا يبالي، لكن متى علم أن هناك عقوبة من السلطان، ارتدع وخاف من العقوبة السلطانية، فالله يزع بالسلطان بعض المجرمين أكثر مما يزعهم بالقرآن لضعف إيمانهم.

  • تنظيم نخبوي أم تنظيم جماهيري؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 16 من 77 — فهرس الكتاب

    نطرح هذا السؤال استكمالا للمحور السابق، فالاستقطاب في عمومه والكيف في خصوصيته، الاستقطاب للجميع لكن أين نوجه القدر الأكبر من الاهتمام والعناية والرصد، للنخبة [1] أم للجماهير؟ كان السؤال الماضي هو هل السرية أم العلنية؟ أصبح الان هذا السؤال متجاوزا، ولعل السبب في ذلك فشل كل التنظيمات السرية في تحقيق أدنى شروط التغيير، فاقتنع الجميع بالعمل العلني، ولعل المتضرر الوحيد هو الانظمة التي كان يسهل عليها القضاء على التنظيمات التي تعمل في الظلام، تصفي من تشاء وتلصق به تهمة الارهاب بكل سهولة، تقضي عليه ليلا في دهاليز السرية، وتطلع نهارا بشعارات الحرية وحقوق الانسان، فتصفق الجماهير للزعيم الوطني.

    واضح أن العمل العلني أضحى أكثر إحراجا للأنظمة القائمة، لكن هذه الانظمة السياسية ليست حجرا جامدا، بل هي كائنات متحركة تتحرك وفق الظروف، تناور بكل براعة للحفاظ على مكاسبها السياسية، وتتلون بجميع التلاوين التي يمكن تصورها، فهي معك خصم شديد سواء كنت في السرية أم في العلنية أم تتنطط بينهما عن طريق تنظيم يظهر شيئا ويخفي شيئا آخر.

    أكيد أن العلانية لا تعني التعري أمام الخصم السياسي وإظهار كل الاوراق، لكنها تعني أيضا وضوح الخطاب والقيادة ومجال الحركة والبرنامج السياسي، معنى ذلك العمل في النهار، وأمام الفرقاء السياسيين وأمام الكتلة الناخبة، ثم المناورة بأشكال الحركات الشعبوية أو الكلام السياسي، المناورة نهارا كما ناور فرعون وملؤه ضحى، والضحى أكثر وقت تتضح فيه الرؤية، حيث تسطع الشمس الحارقة فلا يختبئ شيء إلا وراء الحيلة، والسياسة نوع من الحيلة التي توحي للناس عكس ما هو كائن حقيقة، فهي نوع من السحر العقلاني الذي لا يحتاج إلى الشياطين، فهناك شياطين بديلة تستعمل في السياسة، كلها تدور حول الكلام والمكر الخفي، وخير وسائل الكلام الاعلام والدين ثم كاريزما الكذب، حيث يتحدث الكاذب بكل ثبات حتى يعتقد هو نفسه صدق حديثه.

    سبق أن أشرنا إلى أن التنظيم اعتمد في بدايته سياسة الاستقطاب الجماهيري، فـفتح أبوابه المشروعة أمام الغث والسمين، حتى أنني أعتقد أن ليس هناك من شخص في الحي الذي أسكن فيه مثلا إلا ودخل التنظيم، فالخارجون منه يناهزون خمسة أو ستة أضعاف الباقين فيه، ولعل النسبة أكبر من ذلك بكثير، بحيث أنه لم يتبق الان سوى ما يناهز عشرة افراد في حين كنا نتحدث سابقا عن ما يقارب المائة عضو، عشرة في المائة هي التي تبقت وغادر التسعون في المائة، أما إذا تحدثنا عن الدوائر غير التنظيمية والاعداد الهائلة من المتعاطفين التي كانت تدعم المشروع دون أن تلتزم بالتنظيم فنتحدث عن عدد يناهز الثلاثمائة، لقد كانت الدائرة تتسع لأبعد من التنظيم، ذلك أن هذا الأخير كان ينتهج سياسة الابواب المفتوحة، بمعنى أن التنظيم كان أقرب إلى الحركة الجماهيرية، لكن بعد ذلك تمت غربلة كل هذه الاعداد والاحتفاظ بالعناصر النافعة، حمر النعم بالمفهوم التنظيمي لا بالمفهوم التربوي الذي يحتقره التنظيم، الرواحل السياسية التي لا تكاد تجد منها في المائة واحدة، وقد تم ما خطط له التنظيم، فأمسك حمر النعم السياسية وذبح حمر النعم التربوية لـوضوح وجهها وشدة مراسها وقوتها في الحق.

    تشكل التنظيم في البداية وفق معدن أفراده، فالمعادن النفيسة كانت تتجه إلى القيادة والمعادن الرخيصة كانت تبقى في القاعدة، والعناصر الناقصة كانت تتسيد القاعدة كحلقة وصل بين القاعدة والقيادة، هكذا كان البقاء للأقوى على تحمل ضربات النظام السياسي والقدرة على احتواء الجماهير وتنظيمها، فالأهمية لم تكن للصلاح الفردي بل للقدرة على ضبط الناس، كان بناء التنظيم أولى الاولويات، وكانت الجماهيرية سبيلا إلى ذلك، مع صرامة في التنظيم بما يشبه العسكر، لكن أمام الجماهير كان الكلام رومانسيا تربويا لإظهار عكس الحقيقة، فالصرامة لم تكن تظهر، بينما كان الكلام المعسول يلقى على عواهنه، العناصر التي فهمت اللعبة تَرقت في السلم التنظيمي، أما العناصر التي جعلت التربية كل شأنها فقد بقيت في حضيض التنظيم، قبل أن يلفظها التنظيم فيما بعد بدعوى الدروشة وعدم فهم التربية.

    جاءت المرحلة الثانية التي لم تعد فيها الجماهيرية تجدي نفعا، فلم يكن المطلوب كثير العدد، بل أصبح التركيز على النوع وعصرنة الهياكل، لقد تم الاعتراف بالتنظيم كقوة سياسية في البلاد، إذن ماذا لو سنحت الفرصة، نريد رجالا للإدارة، أما الجماهير فمن أراد البقاء فليبق ومن أراد أن يغادر فالواد موجود، ومن تنحنح قيد أنملة عن التنظيم يُفصل، ومن زار مولاي عبد السلام يُفصل، ومن زار زاوية يفصل، ومن انتقد القيادة يُفصل، ومن قال رأيه يُفصل، ومن أراد زوجة ثانية يفصل، ومن نشر تدوينة غير موفقة يُفصل.

    وبذلك دخل التنظيم مرحلة التشذيب، تشذيب شجرة التنظيم، وإعطائها رونقا معينا وفق المقاس السياسي المطلوب الذي يناسب المرحلة، هنا يمكن الحديث عن بداية النخبوية، سواء على مستوى القيادة أو الهياكل، وبدأ الاستقطاب يعرف نوعا من النخبوية، تدنت سوق العضوية وفقدت الكثير من قيمتها السوقية على سلم العملات السياسية ولم يعد الكل مرغوبا به داخل التنظيم الاسلامي، اللهم على مستوى قاع القاعدة، حيث يتسع القاع للجميع، وينفع في جميع الأحوال في مظاهرات استعراض العضلات لإرهاب النظام بقوة رهط التنظيم.

    النخبوية جاءت معها مظاهر جديدة، فلم تعد ثقافة التضحية بذلك القدر الذي نشأ فيه التنظيم، أصبح الجميع يحافظ على مصالحه ليحتفظ بمكانته النخبوية، فما الفائدة من التضحية بالنفس إذا كان التنظيم سيرميني ويأتي بنخبة جديدة، المال والجاه ضروريان للحفاظ على المركز التنظيمي، ارتقى ايضا اصحاب الشواهد الجامعية في التنظيم، ولم يعد هنالك مكان لأصحاب الابتدائي والثانوي حيث توقف السير التنظيمي عند الكثير منهم، أصبح سقفهم محدود جدا في التنظيم مع احتقار من المسؤولين ذوي الشواهد الجامعية العليا، وبدأ الحديث عن الدبلومات والشواهد يروج في المجالس، فـأصبح ممكنا أن تخدم التنظيم ثلاثين سنة وتفهم كل مدلهمات التنظيم والحركة والتربية ثم يأتي شاب في مقتبل العمر بربطة عنق وشهادة جامعية ووظيفة راقية ليعطيك دروسا في التربية والتنظيم والجهاد، ثم يقول لك اقتل نفسك.

    صحيح، هي طريقة لقتل لنفس بالمنطق التربوي، لكنها بالمنطق التنظيمي خراب للتنظيم، وبخراب التنظيم تخرب التربية، فإذا كان أسامة بن زيد استحق ريادة جيش فيه أبو بكر وعمر فإنه استحق ذلك بكفاءته لا بربطة عنقه وتخنث صوته، لقد استحق ذلك عن جدارة، ومع ذلك فهو لم يتطاول على التربية، بل بقي أبو بكر شيخ الصحابة، واكتفى القائد التنظيمي بمهمته المحددة، أما اليوم فالمنطق مغاير تماما، الشهادة الجامعية وربطة العنق تخول المسؤولية التنظيمية ومعها مشيخة تربوية وفهما تربويا لا يُناقش.

    بدأ الفساد ينخر في التنظيم بواسطة الكلام التربوي من قبيل اقتل نفسك، شعار "أقتل نفسك" أصبح رمزا للتطبيع مع العبودية والخضوع وتقديس التنظيم، والأصل أن "قتل النفس" مفهوم تربوي سامي لا يتطاول عليه سوى الشيوخ الذين يفهمون كيف تقتل النفس الامارة بالسوء، أما من نفسه تراها رأي العين فكيف يقتل نفسك بنفسه، الدراري ما يربيو الدراري، لقد بدأ يرتقي بشهادته إلى مقام التربية وقتل النفس كل دخيل على التربية والتنظيم ليصبح سريعا قياديا بارزا في التنظيم ثم يبدأ مشواره في التخوير والتكرفيص على عباد الله باسم قتل النفيسة، يقلب كل الموازين ويحرف السير ويعطي نصائح وإرشادات مغلوطة تخالف كل المفاهيم المؤسسة التي جاء به المؤسسون، فيغسل الكثيرون أيديهم من التنظيم وأهله ويغادرون بالحسبلة جوقة النفاق والخوار.

    جاءت النخبوية وجاءت معها أيضا مظاهر التسابق على شراء السيارات الفارهة والافتخار بها بعدما كانت التنظيم يجري على الدراجات العادية والنارية والسيارات المتهالكة، لكن هذه السيارات الجديدة لم تعد ترضى كما في البداية أن تخدم التنظيم وتحمل الخضر إلى الاعتكافات والبطانيات إلى الجلسات التربوية والمخيمات، بل أصبحت تخدم أصحابها فقط، وتعطيهم رونقا مميزا على باقي الجماهير، أصبحت تخدم نخبويتهم ومكانتهم الاجتماعية والتنظيمية لأنهم ملوك التنظيم وواجهته، ضاع البذل داخل التنظيم وأصبح كل ذي سيارة يحافظ على سيارته ليعطي رونقا للتنظيم عوض أن يحرث بها الطرقات إلى المجالس والزيارات الربانية الخالصة لوجه الله.

    النخبوية جاءت أيضا بمبيت منفرد عند نهاية اللقاءات التربوية والتنظيمية، فبعدما كان كل الأعضاء والمسؤولين يستلقون بعد اللقاء التنظيمي ليناموا على الأرض متساوين، أصبحت النخبة بعد نهاية اللقاءات تقصد بيتا خاصا مريشا بريش النعام ومبردا بالمكيفات ويُحضر لهم عشاء فاخر مميز عن عشاء الدهماء، ينامون على فرش بطائنها من إستبرق، ولا يستفيقون إلا آخرا بعد أن يستفيق العامة ويأخذوا أماكنهم وأعينهم تميل من النعاس، وبعد انتهاء البرنامج التربوي تصعد النخبة إلى المنصة وتأخذ مكبر الصوت لتعطي نصائح في الزهد والتواضع والأخلاق، كلام يلقى على رؤوس الاشهاد للاستهلاك فقط ويعلم الجميع أنه هراء، وإلا فإن أولياء الله الذين تربوا في عمق التنظيم يعرفون ما يجري، يحنون رؤوسهم ويعيشون مع الله حلاوة القرب تاركين للنخبة الزائفة زبد التنطع والتشوف على المؤمنين في واجهة المجالس.

    أصبحت النخبوية اليوم تكبر وتكبر وتزداد تغولا، صارت طبقة اجتماعية وسط التنظيم، والتمايز بين طبقة الكادحين وطبقة المسؤولين أصبح يتسع يوما بعد يوم، وتوجه طبقة المسؤولين أصبح يوما بعد يوم ينحو صوب نخبة المجتمع من الناس المهمين، وأصبح يولي ظهره للقاعدة المتساكنة المتدروشة، هذه الحال لا محالة ستأتي بنتائج عاجلة، أولها تبدد أجواء المحبة وتفكك العلاقات الشخصية ثم آخرها خراب التنظيم، فأجواء النفاق هذه تُفرغ التنظيم الاسلامي من أي معنى، ما دام أن ما يُقال يخالف ما يُفعل، وما دام أن هناك مصلحة شخصية تنفرد عن مصلحة الجماعة، بينما الاصل في التنظيم الاسلامي أنه تنظيم اشعري [2]، كل يأتي كل بما عنده ثم يقتسم الجميع ما تحصل قسمة الغرماء، أخلاق أشعرية هي الأصل، ومن خرج عن الأصل لم يَحسُن به أن يطلب الخلافة على منهاج النبوة، فمنهاج النبي صلى الله عليه وسلم منهاج أشعري، هم منه وهو منهم.

    حري بالتنظيم الاسلامي اليوم أن يهدم كل أسوار النخبوية، ويعيد التنظيم إلى سابق عهده من حيث التوازن بين الطبقات الاجتماعية، كما أنه مطالب بتقليم أظافر النخبة عن طريق طحن تكبرها باستخدام سياسة "اقتل نفسك" التي يستخدمها مع الاعضاء، فالأصل ان التنظيم الاسلامي تنظيم يضم العامة والنخبة لكنه يصهر بين الطبقين في بوتقة واحدة بـماء المحبة وملح الاحترام وإدام التواضع، فالغاية خدمة دعوة الله لا خدمة مصالح شخصية أو أجندات سياسية، الأصل هو تنظيم الصحابة ورسول الله، أعضاء هذا التنظيم النبوي كانوا ينصهرون في المجلس الواحد لا تكاد تميز بين المسؤول والعضو [3].


    📌 الهوامش

    1. [1] النخبة هي مجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على موارد مالية وبشرية ضخمة وقوة سياسية تأثيرية كبيرة، النخبة تعني مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة من غيرهم، ويمكن الحديث عن نخبة اجتماعية وهي الطبقة العليا من المجتمع، ثم نخبة اقتصادية وتتحكم في أهم الموارد المالية للمجتمع ثم النخبة السياسية وهي الأقلية الحاكمة، إضافة الى نخب أخر كالنخبة الدينية والعلمية. . . إلخ.
    2. [2] عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الأشعريين إذا أَرْمَلُوا في الغزو، أو قلَّ طعام عِيَالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة، فهم مني وأنا منهم".صحيح البخاري 1/ 307 رقم 2486. صحيح مسلم 4/ 1944 رقم 2500.
    3. [3] روى أبو داود في سننه عن أبي ذرٍّ وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه"، وقال له رجل: يا محمَّد، أيا سيِّدنا وابن سيِّدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيُّها النَّاس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينَّكم الشَّيطان، أنا محمَّد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله"، وكان صلى الله عليه وسلم مِن تواضعه، يتفقَّد أحوال أصحابه ويقوم بزيارتهم، فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِر له صومي، فدخل علي فألقيت له وسادة مِن أَدَم حشوها ليف فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال أما يكفيك مِن كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّام. قال: قلت: يا رسول الله، قال: خمسًا. قلت: يا رسول الله، قال: سبعًا. قلت: يا رسول الله، قال: تسعًا. قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة. ثمَّ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا صوم فوق صوم داود شطر الدَّهر، صم يومًا وأفطر يومًا".وكان يتفقَّدهم حتى في الغزوات والمعارك، ومِن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه مِن حديث أبي برزة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ. قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثمَّ قال: هل تفقدون مِن أحدٍ. قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثمَّ قال: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا. قال: لكنِّي أفقد جليبيبًا، فاطلبوه. فطُلِب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثمَّ قتلوه، فأتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثمَّ قتلوه، هذا منِّي وأنا منه، هذا منِّي وأنا منه. قال: فوضعه على ساعديه ليس له إلَّا ساعدا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: فحفر له ووضع في قبره"، وكان مِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، القيام بخدمة أصحابه، روى مسلم في صحيحه مِن حديث أبي قتادة، وفيه في قصَّة نومهم عن صلاة الفجر-: " قال ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأبو قتادة يسقيهم فلم يَعْدُ أن رأى النَّاس ماءً في الميضأة تكابُّوا عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنوا الْمَلَأَ كلُّكم سيَرْوى. قال: ففعلوا. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثمَّ صبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لي اشرب. فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله. قال: إنَّ ساقي القوم آخرهم شربًا. قال: فشربت، وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتى النَّاس الماء جامِّين رِوَاء"، ومِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنَّه إذا مرَّ على الصِّبيان، سلَّم عليهم، فقد روى البخاريُّ ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم، وقال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويسلِّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم، وعن أنس رضي الله عنه قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَير؟

  • تنظيم روحه الجهاد

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 15 من 77 — فهرس الكتاب

    لا نتحدث عن الجهاد بالقنابل والمدافع الرشاشة رغم أنه جهاد في موطنه، في موطنه وبشروطه، فالجهاد المسلح له حالات وشروط وضوابط شرعية وإلا انقلب إلى فتنة تحرق الأخضر واليابس، أقول هذا في وجه الزبد الذي حلق لحيته المعنوية وصار أشبه إلى النساء منه إلى الرجال الذين لا يستبعدون أي شيء من قاموس الجهاد، لست أدعو إلى الجهاد المسلح حتى لا ينصب لي ثعالب الاسلاميين والعلمانيين فخاخ الدعوة إلى العنف، لكنني أشير إلى عهد قريب قاوم فيه الرجال الاستعمار بالسلاح فأخرجوه ذليلا، ولا عزاء لأصحاب الانبطاح على حساب الرجولة، على أن في زمن الفتنة يكون السلاح غير صالح للاستعمال لاختلاط الحق بالباطل، هذا الاختلاط لا يصلح معه إلا سلاح التعليم والتربية وتسليط الاضواء الكاشفة حتى يتكشف الخيط الابيض من الاسود.

    رغم حمولة الجهاد الدموية إلا أن للجهاد مفهوما آخر غير ما هو متصور لدى عامة الناس وخاصتهم من المتلونين بتلاوين الحضارة الغربية ذات الاخلاق الزائفة، يقرنون الجهاد بالإرهاب، لا نريد الخوض في تفاصيل تضيع فيها الحقائق لكننا نشير إلى المفهوم الواسع للجهاد، وأول مفهوم للكلمة هو مفهوم المكابدة والمصابرة والاقتحام، فالجهاد أول ما يوحي به هو تحمل الاعباء ومكابدة المصاعب واقتحام العقبات، الجهاد كلمة أقرب إلى العرق الدائم، تعرق في سبيل الله وليس في سبيل أي شيء آخر، فالجهاد جمع بين المكابدة مع النية الخالصة لله، فهو جهاد في سبيل الله، وعندما يصير الجهاد في سبيل النفس أو في سبيل التنظيم أو المسؤول أو المال أو المنصب أو النساء [1] لا يصبح الأمر جهادا، بل هو معاناة كما يعاني جميع البشر في سبيل تحقيق أهدافهم الدنيوية.

    المعاناة المعاناة، المكابدة المكابدة، هي روح التنظيم الاسلامي، من القيادة إلى القاعدة، وعندما يترهل التنظيم يكون قد دخلت أوصاله ثقافة الرخاوة، واعتاد مسؤولوه الفطور بالشكولاتة وختم يومهم بالآيس كريم، سيارات فارهة تقف أمام باب المسؤول، وأعناق من تحته من المسؤولين مشرئبة إلى سيارة مماثلة، حياة رغدة مترفة وأبناء حنونون يتمرغون في النعم، اللهم لا حسد، لكني لا أتصور نصرا يأتي من تحت يد هكذا مسؤولين، إنهم يزرعون ثقافة الترهل والاستكانة إلى الدنيا في التنظيم، بينما مظاهر التقشف والاخشيشان هي ما يجب أن يميز المجاهد داخل جماعة المؤمنين.

    هذه الرخاوة المنظمة يتم الترويج لها في القواعد [2] ويجعلونها أصلا مؤصلا حتى يزول العار من على عاتق المسؤولين، وهم بذلك يرتكبون جريمة فكرية في حق الدعوة، يحولون وجهة السباق من ميدان الجهاد في سبيل الله والقرب من الله إلى ميدان المزايدات المالية والتنافس على الدنيا والتطاول في البنيان، أكيد أنهم يلعبون بالدين عندما يغطون عورتهم التربوية هاته ويستعملون أحاديث في غير سياقها ومقولات مستوردة جديدة تنص على التوسع في الدنيا كي لا نخسر أصدقاءنا السياسيين ونظهر أمامهم بمظهر التحضر.

    ما هذا يا حبيبي؟ ما هذا يا ساعيا نحو الخلافة الثانية؟ هل ستفسد أخلاق أمة من المؤمنين كي تربح حفنة من السياسويين الفاشلين؟ بئس البيع وهزلت الصفقة.

    لقد انتشر العيش الرغد بين المسؤولين التنظيميين وانحرفوا عن الجادة، وأصبح المال غاية تدرك لا وسيلة تستعمل، أصبح معيار الترقي في المسؤولية هو المنصب والمال والعلاقة، والكارثة أن معيار الصلاح والقرب من الله اصبح أيضا هو المال، فكلما كنت ذا مال كلما كان ذلك تنظيميا علامة على ولايتك وعلى توفيق الله لك وكمال تربيتك، هذا الانحراف في صفوف المسؤولين سبب انحرافات كثيرة لمن هم أدناهم، لقد تغيرت الوجهة من الوجهة إلى الله نحو الوجهة إلى الدنيا، فبعد أن كان الاسلاميون أغلبهم يتحدث عن الدنيا كأنها كلب أجرب، أصبحوا الان يتباهون بمن أوتي حظا كبيرا منها، وقد وقفت على حالات كثيرة أكلت الدنيا فيها من كنا نظنهم يوما أنهم من أولياء الله الذين تخلصوا من الدنيا وأخلصوا دينهم لله، لكنني تفاجأت بعكس ذلك، وأيقنت أن التخلص من حب الدنيا ليس بتلك السهولة، وأن حياة الرخاوة يصعب التخلص من حلاوتها ويصعب معها بناء رجال مجاهدين.

    الجهاد مجاهدة للدنيا، مجاهدة للنفس، مجاهدة للشيطان، مجاهدة للهوى، مجاهدة لأعداء الله، مجاهدة لانحراف المسؤولين داخل التنظيم الاسلامي المنوط به إحداث تغيير سياسي وأخلاقي في المجتمع، مجاهدة للاستبداد السياسي في بلاد المسلمين، مجاهدة للاستكبار العالمي، الجهاد فلسفة حياة، وطريقة عيش، ونمط تفكير، وأسلوب تعامل، ونتيجة ذلك الشهادة في سبيل الله، شهادة تتوج الجهاد عندما تنمحي الذات وتفنى النفس ويبقى وجه ربك ذي الجلال والاكرام، فغاية الجهاد بعد المجاهدة والصبر والعناء والمعاناة هو إفناء الذات والبقاء بالله، ولا عبرة هنا بالجسد، فالشهيد إما أن يكون شهيد معركة فيندثر جسده هنا وتصعد روحه هناك وإما أن يكون شهيد الطريق إلى الله، حيث يبقى الجسد حيا ويموت المجاهد معنى، يفنى عن الناس وعن نفسه، فيبقى مسيرا بالله، يمشي بالله، لا يتعامل بالشريعة إلا ظاهر القول، تسيره الحقيقة، وتُعنى به القدرة الالاهية، فهو ميت الأنا، حي الظاهر، طريح طريق الله، حتى إذا أنهض الله معناه أكمل المسير والتقت روحه بالأرواح الفانية في الله في الحضرة الالاهية، ولشهيد الجسد أيضا مسيرة أخرى يكملها هناك، فعمله لا ينحصر، وسريان حسناته لا يتوقف، وسمو روحه لا يفتر، وارتفاع مقاماته لا ينقطع، حتى جرحه لا يندمل، يسيل دما إلى يوم القيامة.

    الشهادة إذن تاج الجهاد، وذروة سنام المجاهدين، بها فاتوا المسلمين والمؤمنين، المجاهدون زبدة المسلمين وعصارة المؤمنين، فمقامهم إلى جنب الصديقين والانبياء، ضحوا بالنفس والمال في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، فازوا في امتحان الدنيا [3] وسبقوا إلى الاخرة، خاضوا ميدان العمل وتركوا ميدان الزهادة للزاهدين وميدان الدنيا للغافلين، تركوا الضعفاء مع ضعفهم والمساكين مع فقرهم والمخلفين مع جبنهم والمنافقين مع شقاقهم، لم يفوتوا فرصة البيع مع الله فوضعوا أموالهم وأنفسهم في كفة الله، تاجروا مع الله، فقبل الله البيع وتم الشراء ونجحت الصفقة، جهادهم كان قلبا على النية وأرضا في ميادين مقارعة الباطل، قوم التحقوا بالرعيل الأول من الصحابة الذين وضعوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يملكون وناصروه ونصروه وماتوا بين يديه.

    نالوا الخير الذي لا يتوقف والفضل الذي لا ينقطع، تركوا أصحاب الحساب لحسابهم، وضعوا كل شيء بيد الله ولم يستبقوا لأنفسهم شيئا، لذلك فَضلهم الله على غيرهم من القاعدين الذين استحلوا الكلام في المقامات وتمتعوا بحلاوة الايمان في الخلوات، المجاهدون ولجوا باب الكريهة وأرغموا النفس على ما تكره من مشاق الجسد والقلب، بينما المسلمون وقفوا مع الفرائض ووقف المؤمنون مع التزكية الفردية، أما المجاهدون فدخلوا على الله من كل باب، هجموا على الله فاستقبلهم خير استقبال، مَن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن جاءني مشيا أتيته هرولة [4].

    لكننا نتساءل، هل مسؤولو التنظيم الاسلامي مجاهدون فعلا؟ كثيرا ما كنا نسمع من المسؤولين أنهم مجاهدون، وعندما نرى خللا في التربية أو العبادة نستنكر ذلك فيقال لنا لا بأس إنهم مجاهدون، نرى فراغ قلوب أصحاب التنظيم من الرحمة فيقال لنا إنهم مجاهدون، نرى غلظة أفعالهم في حق المؤمنين فيقال لنا إنهم مجاهدون، نرى برودة حديثهم عندما يتحدثون عن المعاني التربوية فيقال لنا إنهم مجاهدون، نرى رفاهية عيشهم فيقال لنا إنهم مجاهدون [5]، نرى مكرهم وضحكات استهزائهم بالضعفاء فيقال لنا إنهم مجاهدون.

    واضح أن مسؤولي التنظيم يلعبون بالدين لعبا مفضوحا، لقد صادروا كلمة الجهاد وارخوها عليهم ونفوها عن بقية عباد الله، حتى عندما يستشهد بعض المجاهدين تراهم يحتقرون المجاهدين ويقللون من جهادهم ويـبخسونه قائلين إن هذا الجهاد الاصغر وهذه الشهادة الملطخة بالدم ليست شيئا صعبا ولا تستحق الذكر، فالجهاد الحقيقي هو قيادة التنظيم، والمجاهد هو حصريا المسؤول التنظيمي، واحيانا اخرى رأينا كيف يتم أحيانا الطعن حتى في نية المجاهدين بدعوى أن ليس لهم شيخا، التنظيم يفتخر أن له شيخ، وأن مجرد العمل القليل يرفع المسؤولين إلى أعلى درجات الشهادة دون أي قطرة دم، أي نعم ممكن، لكن الشيخ لم يقل ان تبخس الناس اشياءهم، ولم يقل أن تركب الفاره وتأكل ما لذ وطاب وتنام حتى الصباح ثم تدعي الجهاد.

    الحقيقة انقشعت عندما ارتفع الشيخ إلى الرفيق الاعلى فانكشفت الساحة عن مسؤولين هم أكثر الناس تشبثا بالحياة وفرارا من الشهادة، صار الجهاد كلاما يُلاك ودعوى ترفع بدون أساس، صارت الشهادة غباء والشهداء مغفلون، تميع الجهاد واستُحقرت الشهادة، وتصدر المشهد أصحاب الدنيا الذين عرفوا من أين تُؤكل كتف المناصب، لم يعد للجهاد معنى وسط ربطات العنق الماكرة والابتسامات الصفراء التي تركب سيارات الدفع الرباعي وتلقي عليك التحية في احتقار، فهمنا اليوم أن الجهاد مقام في الدين لا يبلغه إلا المصطفون الاخيار الذين اجتباهم الله لمنزلة الشهادة فوفقهم إليها وسخر لهم سبل الجهاد كي ينالوها، أصبح واضحا أن الجهاد كلمة يشمئز منها التنظيم الاسلامي الذي وجد له نوتة نغم وسط جوقة دين الانسانية من حقوق المرأة وحقوق الحيوان وحقوق بيض الكمبري.

    إننا لا ندعو إلى الجهاد المسلح لكننا لم نعتقد أن الأمر سيصل يوما إلى هذا التخنث.

    أصبح مسؤولو التنظيم يهمسون بكلمة الجهاد في خفوت كي لا يسمعهم أحد فينعتهم بالرجعية، بينما انبرى الفاهمون قليلا الآكلون من موائد التنظيم للبحث في كتب القوم عن مخرجات ثقافية تقضي نهائيا مع كلمة الجهاد وتاريخها السياسي المفزع وتؤسس للغة جديدة لا تستعمل المصطلحات الثقيلة، ومنهم من شرع يلين من الجهاد بإضافة مستملحات ثقافية عليه ليضحك الناس من الجهاد، تمييع، ثم أصبحت تطلق كلمة الجهاد على المهمات السهلة البسيطة، تمييع، إنها جريمة مفاهيمية وضربة في الصميم إلى قلب الدعوة تتجاوز بكثير الاخطاء التنظيمية الاخرى ذات البعد الفردي، فاللعب بالمفاهيم الأصولية التي هي روح الدين الاسلامي جريمة ليست كباقي الجرائم العادية، إنها جريمة منظمة ودقيقة تصيب روح الإسلام في مقتل، فإذا بنا أمام شباب إسلامي حداثي مترهل لم يعرف تاريخ المسلمين مثيلا لترهله كأنه تربى في باحة الجمعيات النسائية، وشيوخ شابوا في التنظيم أشبه بعمرو بن العاص.

    عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَتَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقَالَ: يا أميرَ المؤمنينَ! عائِذٌ بكَ منَ الظُّلْمِ! قَالَ: عُذْتَ مُعَاذاً! قَالَ: سابقْتُ ابنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَسَبَقْتُهُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُنِي بِالسَّوْطِ ويقولُ: أنَا ابْنُ الأَكْرَمينَ! فَكتَبَ عُمَرُ إلى عَمْرو يَأْمُرُهُ بالقُدُومِ وَيَقْدُمَ بِابْنِهِ مَعَهُ، فَقَدِمَ، فقَالَ عُمَرُ: أيْنَ المِصْرِيُّ؟ خُذِ السَّوْطَ فَاضْرِبْ. فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِالسَّوْطِ وَيَقولُ عُمَرُ: اِضْرِبْ ابْنَ الأكْرَمِينَ! قَالَ أنَسُ: فَضَربَ! فوَاللَّهِ لَقَدْ ضَرَبَهُ وَنَحْنُ نُحِبُّ ضَرْبَهُ! فَمَا أَقْلَعَ عَنْهُ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ يَرْفَعُ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ لِلْمِصْرِيِّ: ضَعْ عَلَى صَلْعَةِ عَمْرو! فقَالَ: يا أَميرَ المُؤْمنينَ! إِنَّمَا ابْنُهُ الَّذِي ضَرَبَنِي، وَقَدِ اسْتَشْفَيْتُ مِنْهُ! فقَالَ عُمَرُ لِعَمْرٍو: مُذْ كَمْ تَعَبَّدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْراراً؟ قَالَ: يا أميرَ المُؤْمنينَ! لَمْ أَعْلَمْ وَلَمْ يَأْتِنِي! . [6]

    لن نعلق كثيرا على الرواية، يكفينا أن الصحابة تمنوا أن يُضرب بن العاص وابنه، "فوَاللَّهِ لَقَدْ ضَرَبَهُ وَنَحْنُ نُحِبُّ ضَرْبَهُ"، كما نلاحظ الطريقة التي يتم بها صنع الاستبداد والظلم وقهر الناس واستعبادهم، كل ذلك من منطلق الجهاد عندما يتصدره من هم ليسوا في مقام الجهاد، فيقلبون الجهاد في سبيل الله إلى جهاد في سبيل المصالح الشخصية والعائلية والنعرات القبلية، ابن العاص هنا كان في مهمة جهادية وهي فتح مصر والسهر على تدبير أمورها الادارية والدعوية لكنه أخلف الوعد، نورد هنا قصة أخرى لنعلم كيف يتصرف دعاة الجهاد اللاعبين بدهاء بمفاهيم الجهاد وكيف يقلبون الحقائق الجهادية بمكر.

    قال الحسن البصري: " أفسد أمر هذه الأمة اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، وَالمغيرة بن شعبة حين أشار على معاوية بالبيعة ليزيد، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة" [7]، فعمرو ابن العاص حسب الامام حسن البصري أفسد الأمة يوم أشار بدهاء على معاوية برفع المصاحف حين رأى خوار جيشه الذي يزعم الجهاد أمام الجهاد الحقيقي للإمام علي، ولولا هذه الحيلة لاستأصل علي شأفة الفتنة، وقد فطن علي إلى الخدعة لكن لا رأي لمن لا يطاع.

    خدعة وحيلة ماكرة ما تزال سارية إلى يومنا هذا عندما يرفع في وجهك بخبث المسؤول التنظيمي مصحف جهاده، ثم يبزغ خبثه أكثر ما يكون الخبث عندما يحصر الجهاد في نفسه وجوقته من المطبلين له الدائرين في فلكه الراكعين لسلطته، يرفع في وجهك مصحف الجهاد ليفلت بجلده، ثم يهلك الامة بعد ذلك كما أهلك بن العاص الامة قبله، ذرية بعضها من بعض.

    دورنا هنا أن نؤكد على ضرورة عودة الروح الجهادية إلى التنظيم الاسلامي الذي يحمل مشعل الأمة الاسلامية على كاهله، وأول مظاهر الروح الجهادية الاخشيشان، قال رجل عرف الجهاد والمجاهدة: " تمعددوا واخشوشنوا، فإن الحضارة لا تدوم"، إنه عمر ابن الخطاب الذي يرى أن الاشخاص المترهلين لا يصلحون للجهاد ولا للسيادة ولا للتنظيم ولا للدولة، سرعان ما ينهار تنظيمهم ودولتهم، ضُعف أجسادهم ونعومتها النسوية وتخنثهم يؤدي إلى اعتمادهم على المكر والخديعة وأفعال النساء وعدم الوقوف على أمور التنظيم بالقوة والامانة المطلوبة، بينما التنظيم الذي تسري فيه روح الاخشيشان يكون بأخلاق الاسلام وشهامة الأشاوس وشراسة الاسود وتواجهية الرجال، فمؤسسات التنظيم يجب أن تكون عرين أسود لا أوكار عهر سياسي يجتمع فيه المخنثون.

    الجهاد هو نتيجة التربية والتنظيم، فالخلل في التربية والتنظيم ينتج عنه فشل الجهاد، فشله ماديا وفشله معنويا خذلانا من الله، وإذا كان للتربية نتيجة أخرى هي بلوغ الكمال الروحي فإن التنظيم لا نتيجة له سوى الاعداد للجهاد والشهادة، وعودا على بدء يكون النصر سببا لإعادة بناء مؤسسات التربية على أوسع نطاق وفق المدى الذي حققه الفتح، فما النصر إلا نصر الدعوة وما الجهاد إلا وسيلة للنصر للتمكين لدين الله والتمكين لأولياء الله خلفاء الله في الارض، فمتى زاغ المجاهدون عن الجادة كما زاغ بن العاص ومعاوية انهار الجهاد [8] وفشلت التربية وطغى التنظيم وطلع عليها جيل فاسد ثم استبدل الله قوما غير القوم [9].

    نشير هنا إلى التربية لكننا نضع الاصبع على الصحبة كمفتاح للتربية ومفتاح تبعا لذلك للجهاد ككل، روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم". 30

    هنا الفتح بالرؤية، لكن الرؤية في اصطلاح القوم تعني رؤية المحبة، تعني رؤية الكمال في المصحوب، تعني التشرب القلبي والتمثل الواقعي والصحبة الروحية والتلمذة والمعاشرة، تعني التصاق الهمة بالهمة ثم الاتباع خطوة خطوة، الرؤية التي يقصدها الحديث الشريف ليس فقط الرؤية المجردة، اللهم في حالات خاصة تكون العلاقة الروحية قائمة في الخفاء فتفجرها الرؤية تفجيرا، فتكون مجرد الرؤية الواحدة كافية للفتح الاعظم والنصر المبين.

    وبذلك لا يكون الفتح للمجاهدين إلا امتدادا قلبيا للنصر الكبير الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصر متكرر متمدد مستمر غير منقطع، ولا نصر غير نصر رسول الله، فهو المنصور بالله، وصحبته صحبة لله، فأنهار الصحبة كلها تنتهي في رسول الله، وبحارها تجتمع في الحضرة الالاهية، فمن هناك يأتي النصر، ومن هناك يخرج الفتح، دعني من الدواهي، فلم يكن النصر يوما مرتبطا بدهاء أحد، ولو كان كذلك لكان معاوية خليفة الله، لكنه ليس كذلك، معاوية خليفة نفسه وخليفة آل أمية، معاوية ملك وليس خليفة، ونصره هزيمة للأمة وليس فتحا لها، وجهاده وفتوحاته بعد ذلك ليست سوى ذر للرماد في العيون، هي أقرب الى الاستعمار منها إلى الفتوحات، فالفتح فتح القلوب لا فتح البلدان، الفتح إعلاء لكلمة الله لا إعلاء للأشخاص، إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، النصر عزة بالله ونصر لرسول الله، ومن يقول غير ذلك فهو عدو لله، لاعب بالدين لتحقيق أهواء نفسه الساقطة.

    وعلى ذلك فإذا كان الخلل في التربية باديا فإن توقف الجهاد لازم، ريثما يتم إصلاح النية والقصد والأساس التربوي الذي يقوم عليه رجال القومة، نفس الامر بالنسبة للتنظيم، فإصلاح التنظيم وبناؤه على أسس العدل والاحسان ضرورة من أجل استقامة القومة على المنهاج النبوي، ضرورة لازمة كي لا يعود الجهاد بنتائج عكسية، جهاد بلا تربية خراب للبلاد والعباد، وأول ما تتجلى التربية تتجلى في التنظيم داخليا، فحيثما رأيت تنظيما جبارا على أعضائه، خوارا في سياساته، ظالما في قراراته، طاغيا في تصرفاته، فاعلم أن هذا الجهاد نسخة مزيفة لا يراد بها وجه الله.

    وإذا كانت الصحبة، صحبة أولياء الله هي المفتاح، فإن الزاد هو ذكر الله، والسيف هو الصدق، أخرج ابن أبي الدنيا حديثا مُرْسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي أهل المسجد خير؟ قال: " أكثرهم ذكراً لله عز وجل". قيل: أي الجنازة خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل". قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل" قيل: فأي الحجاج خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل". قيل: وأي العُبَّاد خير؟ قال: " أكثرهم ذكرا لله عز وجل". [10]

    واضح أن أفضل المجاهدين أكثرهم ذكرا لله، ذلك أن ذكر الله قوة روحية وعقلية، قوة روحية تحرق شياطين العدو وتقوي عزيمة المجاهد ليخرق بها السماوات والاراضين، وهي قوة عقلية أيضا، فبذكر الله تفتح مغاليق العقول، وتستنير الفهوم، فالغافل شخص مطموس والذاكر لله شخص فطن، يرى بنور الله وله ضياء وكشف ونور يلقي به على الضباب فينقشع ويرسله على رقعة المعركة فيعرف سبل التحرك.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه وهم في جهاد: "سبق المفردون" قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات". رواه مسلم عن أبي هريرة.

    جهاد مفتاحه الصحبة وزاده ذكر الله وسيفه الصدق مع الله، ولنا عودة إلى الصدق.


    📌 الهوامش

    1. [1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.
    2. [2] " لا تحسب أن الحب في الله المقبول عند الله، الذي يتقرب به إلى الله استراحة وتبادُل وُدّي للعواطف في مجالس الرخاوة والبطالة، بل لِلْحُبِّ في الله مُقتضيات وواجبات أدناها إماطة الأذى عن طريق من تحبهم في الله، وأعلاها مواجهة الـمُبْغَضين في الله في صف الأحباب في الله حتى الاستشهاد.". كتاب "الإحسان"ج-1.ص191
    3. [3] " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" سورة الملك.
    4. [4] يقول النبيُّ ﷺ في الحديث القدسي: يقول الله جلَّ وجل: مَن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومَن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ خيرٍ منه، ومَن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومَن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً.
    5. [5] ". . فإذا لم يكن المحسنون هم الذين يتكلمون ويتحدثون عن العدل، هم الذين يخططون للعدل، هم الذين يقودون مسيرة إقامة العدل في الأمة، هم الذين يعيشون فعليا مع المستضعفين فيشعرون بما يشعر به المستضعفون، سيكون نشدان العدل من أعلى نوعا من دكتاتورية طبقة من الطبقات، وهذه الطبقة تحمل شعارات العدل، لكنها تعيش في بحبوحة بينما يعيش المستضعفون في فقر، وبالفعل هذا ما حدث في روسيا التي كانت تنادي بدكتاتورية البروليتاريا." عبد السلام ياسين، حوار شامل، صفحة 64.
    6. [6] أخرجه ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر وأخبارها، ص: 183
    7. [7] السيوطي رحمه الله في «تاريخ الخلفاء»
    8. [8] " يوغل في الوهم والغرور من يظن أن الخارجين من المسجد لتطهير الساحة هم ملائكة نازلون من السماء، بارئون من كل عيب". محنة العقل المسلم، ص109.
    9. [9] " هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" محمد 38
    10. [10] وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العباد أفضل وأرفع درجة عند الله يوم القيامة؟ فقال: "الذاكرون الله كثيرا". قيل: ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما فإن الذاكر لله أفضل منه درجة". أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري.

  • انعراجات التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 14 من 77 — فهرس الكتاب

    لا يسير التنظيم في خط مستقيم، بل يتعرج في مسيرته في مراحل تاريخية متعددة تحت تأثير ظروف داخلية أو موضوعية تفرض الانعراج بالجماعة بالقدر المطلوب دون زيادة أو نقصان، وأي خلل في سرعة الانعراج أو زاويته يؤدي الى انقلاب قاطرة التنظيم وسقوط ضحايا ما بين قتيل وجريح ومفقود، ولذلك كانت الانعراجات التي يجدها التنظيم في مسيرة الزحف من أخطر ما يمكن أن يدفع بالجماعة إلى ساحل النجاة أو يسبب لها خسائر مادية وبشرية لا يمكن تعويضها إلا بعد سنوات طويلة، هذا إذا لم تتكرر انتكاسات أخرى في منعرجات أخرى فيهوي التنظيم بالجماعة إلى الهاوية وتصبح في خبر كان.

    الانعراجات ضرورة تفرضها الظروف الداخلية قبل أن تفرضها ظروف الحال وضرورة مسايرة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تُطرح على الساحة، والحقيقة أنه لا يمكن تجاوز المنعرج دون خسائر، قليلة كانت أو كثيرة، ففي أحسن الاحوال ومع دوران القاطرة ورغم نجاة التنظيم يسقط من هذا الأخير بعض من الاعضاء الذين لا يتحملون الاهتزازات التي يسببها ميلان التنظيم عن حالته الطبيعية، وقد يرجع السبب إلى عدم إشعار التنظيم أعضاءه بحجم خطورة المنعرج أو عدم تنبيههم اليه بالمرة أو عدم اتخاذ الاحتياطات الضرورية والتسخينات الفكرية والتنظيمية والتربوية اللازمة.

    إن مسؤولية سلامة التنظيم خلال المنعرجات تقع لاشك عل عاتق القيادة، فهم الماسكون بدفة السفينة، وهم المسؤولون عنها خلال المراحل التاريخية التي تعترض مسيرة الجماعة، ذلك أنهم يملكون كامل الصلاحيات لإدارة المرحلة وبالتالي فإنهم يتحملون المسؤولية كاملة خلالها وما قبلها وما بعدها، المسؤولية قرينة المحاسبة، ولا يمكن التهرب من المسؤولية بحجة من الحجج، فالخط الاستراتيجي للتنظيم تخطه القيادة بكل حرية وبكل موضوعية واستقلالية عن القواعد اللهم استشارات غير ملزمة، وبالتالي فهي تتحمل نتائج برامجها وتخطيطاتها وطريقة تنزيل هذه البرامج والمخططات وتنفيذها.

    تختلف المنعرجات التاريخية التي يمر منها التنظيم ما بين تحولات تربوية كبيرة أو تغير مواقف سياسية كانت فيما مضى غير قابلة للنقاش أو خلق مؤسسات من الاهمية بمكان داخل هيكلة التنظيم أو موازية له، أو حتى غياب شخصيات كانت لها قوة وأهمية داخل النسيج التنظيمي والتربوي للجماعة، إن هذه المحطات التاريخية تتطلب من القيادة قدرا كبيرا من روح المسؤولية، وقدرا كبيرا من الفهم، إضافة إلى قوة كبيرة في مسك دفة القيادة وعدم الانجرار وراء الموجات الارتدادية للقرارات المصيرية.

    إن التنظيم يتغير ويتبدل مع مرور السنين، تنضم إليه فئات جديدة، تنضج فئات أخرى، تختفي فئات كانت موجودة، ديناميكية تنظيمية تسبب في تغير معادلة التنظيم باستمرار، وهياكل التنظيم بما أنها القلب النابض للتنظيم تتفاعل غالبا مع هذه الديناميكية التنظيمية، وتحاول احتوائها أو ركوبها أو سبقها كي لا تتطور إلى تحولات جارفة لا يمكن السيطرة عليها لاحقا، ولذلك يتدخل التنظيم في الوقت المناسب إذا كان على قدر من الانضباط والليونة فيفرض قانونا جديدا للعبة التنظيمية أو يفرض مؤسسات جديدة تنضاف إلى النسيج التنظيمي وتكون بمثابة نقلة نوعية للتنظيم من عهد إلى عهد جديد.

    إن أهم مثال لهذه الحالة هو خلق جهاز سياسي مستقل عن التنظيم، فيصبح التنظيم العام للجماعة برأسين، رأس دعوي يمثله أمير التنظيم، ورأس سياسي يمثله رئيس الحزب السياسي، وفي مرحلة ما قد لا يسمح التنظيم بتأسيس حزب بل يكتفي بنواة حزب يسميها أسماء مختلفة، وكلها تدل على نواة شيء إسمه حزب سياسي مستقبلي، وغالبا ما تكون الحكمة من خلق هذا الجهاز هو خلق نوع من التخصص داخل الجماعة، والتخصص دليل الاتقان، كما أنه يسمح للتنظيم الدعوي بالعمل بعيدا عن لوثات السياسة وكدرها، ويمكن القول أن هذا الأمر خصوصية داخل التنظيم الاسلامي حيث أن العمل السياسي ليس كل غاية التنظيم، بل هناك غايات أخرى غالبا ما تكون دعوية وتربوية.

    خلق كيان سياسي داخل التنظيم يؤدي إلى إيجاد نوع من الصراع الخفي بين الجهازين، الدعوي التربوي والسياسي النقابي، يظهر هذا الصراع جليا في الناحية الشخصية أو المؤسساتية، فالأشخاص داخل الجهازين تظهر بينهم فوارق كبيرة في التفكير وأحيانا تكون وجهات نظرهم متعارضة، مما يجعل التنظيم يضم تكتلين كبيرين، أصحاب السياسة لهم اجتماعاتهم ولهم حميتهم الفكرية، ثم أصحاب التربية أو لنقل اصحاب الدعوة لأن التربية ليس لها هياكل واضحة، بل لها هياكل خفية تلتقي بيد المرشد مباشرة، فأصحاب الدعوة أيضا لهم مجالسهم وحميتهم الخاصة، ولا يتوقف التباين هنا بل يصل إلى المؤسسات، فتريد كل مؤسسة أن تحتوي الاخرى، تضمها وتأكلها وتبتلعها وتختزلها في أجهزتها وتجعلها على الأقل تابعة لها لا تملك أي إرادة تنظيمية مستقلة، ثقل آخر ينضاف إلى الاثقال التي ترهق كاهل القيادة ويلقي على عاتقها مسؤولية الحفاظ على وحدة التصور ووحدة الجماعة.

    بعيدا عن الجانب المؤسساتي من الممكن أيضا أن نتصور انعراجات خطيرة للتنظيم تماشيا مع تغير الواقع السياسي، هذا التغيير يفرض في كثير من الاحيان اتخاذ تدابير تنظيمية متناسبة مع حجم التحديات الجديدة المطروحة أمام الهياكل السياسية للتنظيم، وبتحركها واتخاذها للمواقف السياسية يمكن أن تحدث ارتجاجات قوية داخل التنظيم، هذا الأخير غالبا ما يحاول التوطئة لها عن بعد وعن مسافة بعيدة حتى يتجنب تزعزع ثقة القاعدة في القيادة وارتباك الهياكل وتداخل مهامها بل وحتى تطور الاختلافات السياسية الداخلية إلى ولاءات خارجية أو انشاقاقات داخلية أو تغير الروابط التنظيمية غير المعلنة داخل التنظيم لأن هذه الخلافات غالبا ما تؤدي إلى طيران رؤوس وبروز أخرى.

    طيران الرؤوس بصفة طبيعية أو بطريقة مدبرة هو نفسه انعراج خطير داخل التنظيم رغم أن هذا الأخير يحاول عدم تهويل غياب شخص بعينه، فالتنظيم غالبا ما يحاول ربط الاشخاص بالهياكل وليس بالأشخاص مخافة أن يغيب الشخص أو يتم عزله فيتشقق التنظيم، وإذ كان التنظيم على حق في هذا الامر على اعتبار أن الاشخاص الطبيعية معرضة دائما لخطر الانتكاس أو الطغيان، إلا أن الاستهانة بقدر الاشخاص وجعلهم مجرد كراكيز تنظيمية تؤدي مهام معينة ثم رميها إلى خارج التنظيم لهو أمر مقرف، هذا القرف يكون في حد ذاته منعرجا يصعب على التنظيم تجاوزه إذا كان المعني بها ذا كاريزما تنظيمية من الأهمية بمكان، وهنا يتجاوز التنظيم المنعرج اعتماد على الكذب المُضلل عبر تنزيل تعليمات ظالمة بناء على مبررات كاذبة، وهنا تكون مصداقية وصدقية التنظيم على المحك، وغالبا ما يثور الاشخاص الذين يثقون في الشخص المُغيب ويطالبون التنظيم بتسوية وضعيته التنظيمية بإنصاف، يتدخل التنظيم بكبرياء وعجرفة كما تتدخل الانظمة السياسية الشمولية بالرصاص ويفصل المحتجين قبل ان يكبر شأنهم، ثم يستمر في كذبه المنظم على القاعدة.

    كثيرة هي الحالات المشابهة وقد أفلت التنظيم منها بنجاح، فالأشخاص غالبا ما يهزمون داخليا أمام قوة التنظيم نظرا لتعليماته المقدسة التي لا يمكن مناقشتها داخل الهياكل، ثم أن الأفراد لا يمكنهم بأي حال من الأحوال إقناع جميع مؤسسات التنظيم بالتجاوزات التي تحدث رغم المناوشات على الأنترنيت، فغالبا ما يحرك التنظيم فيالقه الاعلامية التي تضرب تحت الحزام على الخاص، ثم يركن الثائرون إلى الخلوات يصبون جام غضبهم على التنظيم في الادعية والصلوات، التنظيم نفسه يروج لهذا الحل الدرويشي المستكين فيدعو الجميع إلى تصفية الحسابات في ليالي التبتل والصلوات، إنه يعلم جيدا أن الساحة للفعل وليس للصلوات التي لا تجدي شيئا في العمل التنظيمي، كما أنه يعلم أن حليفه الشيطان سيظفر بالمفصولين في غياهب الغفلة والبلاء والتخبط قبل أن يُستجاب لهم دعاء، المخرج الصوفي مخرج جميل للتنظيم.

    نتحدث عن التبتل والدعوات كسلاح وننسى أن الجانب التربوي في حد ذاته يكون أحيانا منعرجا قويا يهدد الجماعة برمتها، فغياب المصحوب أو حصاره أو وفاته أو انتكاسة أحواله التربوية أو الكدر العام داخل الصف بشكل حاد أو انتقال الاشكال التربوية من شكل إلى شكل آخر أو حتى تغيير الانتماء التربوي للجماعة من مدرسة إلى مدرسة تربوية أخرى، أو تغيير الاذكار والاوراد، أو حتى غيوم القبض التي تتلبد في سماء الروحانية بين الفينة والفينة، أو هجمات القوى الروحية المضادة، كلها تغيرات قوية تحدث داخل التنظيم ويحاول هذا الأخير امتصاص ارتداداتها والتأثيرات التي يمكن أن تؤثر على أنشطته الدعوية والتربوية والسياسية.

    إن رجل التربية الأول في التنظيم وهو المرشد المصحوب قد يحاول أحيانا الانتقال بالجماعة من حال تربوي إلى حال آخر عبر مجموعة من التدابير التنظيمية ذات البعد التربوي، وقد يرفض التنظيم هذه البرامج التربوية وقد يسايرها إلى حين متربصا تماشيا مع قوة المرشد تنظيميا وتربويا داخل الجماعة، والحال ان التنظيم قد يكون أداء طيعة في يد المرشد فتنجو الجماعة من الانعراج التربوي بسهولة وقد يُعرض التنظيم الجماعة إلى خطر تربوي كبير إذا لم يتمتع بالقدر الكافي من الطاعة والليونة بين يدي المرشد، وهنا يحاول التنظيم إفشال البرامج التربوية بطرقه الماكرة الهادئة، وهو في حد ذاته منعرج آخر خاصة عندما يصطدم مؤيدو المرشد ومحبوه مع أمراء الحرب داخل أجهزة التنظيم الذين لا يهمهم سوى السير التنظيمي ولا شان لهم بالتربية على الاطلاق.

    إن الانعراجات الحاسمة في مسار التنظيم تختلف وتتعدد ويصعب حصرها، وقد اقتصرنا على بعضها دون جلها، ويمكن الاشارة باقتضاب إلى بعض المحطات التاريخية الأخرى التي تكون لها انعكاسات قوية فيما بعد على التنظيم، نذكر منها تغير مواقف التنظيم السياسية من النظام القائم، فقبول شكل سياسي بعد رفضه حدث قوي داخل التنظيم، وأيضا تغير الحركة من السرية إلى العلنية أو العكس، تحول التنظيم من السلمية إلى العنف أو العكس، المشاركة في الانتخابات، تحول التنظيم من الاعتماد على التمويل الداخلي إلى قبول التمويلات الخارجية، تحول التنظيم من البعد الوطني إلى البعد الدولي، كل هذه منعرجات يكون لها دور كبير في ازدهار التنظيم أو انشقاقه أو اندثاره.

    والحقيقة أننا لا نرجو انقلاب عربة التنظيم في أي منعرج من هذه المنعرجات ليقيننا التام في القيمة المضافة التي يمثلها التنظيم داخل النسيج الاجتماعي والسياسي داخل القطر، لكننا نريد أن يسير التنظيم على القاطرة الصحيحة ويستوي على الجادة، ولن يتحقق ذلك دون تكريس آليات ديمقراطية داخلية تحسم التوجهات الكبرى للجماعة مع ميزة للإمام بما يحفظ تربية الاعضاء ورسوخ الجماعة وانضباط التنظيم على مبادئ الحكامة الادارية [1] والديمقراطية الداخلية [2] والتركيز على التربية خدمة للمشروع النبيل الذي وضعه الرجال السابقون بإحسان.

    إن الحفاظ على قاطرة التنظيم من التردي في الهاوية الاخلاقية والتربوية لهو مسؤولية القيادة وحدها، وما دامت هذه القيادة راشدة سائرة على هدى من الله ونور منه فقد أفلت المؤمنون من الهلاك، أما إذا حدث خلل تنظيمي سمح للعناصر المريضة بالوصول إلى السلطة، فإن التنظيم لن ينتظر المنعرجات ليهوي إلى القاع بل سينعرج فورا إلى طريق الضلال، ولو سلمنا فرضا أن المؤمنون قد سلموا من الهلاك الظاهر فإن طريق الضلال لا يمكن أن يكون موصلا إلى الهدف الذي خرجوا من أجله ولو كان مفروشا بالورود، نكون حينها أمام حالة أسوأ من حالة الانقلاب في المنعرج والشهادة في سبيل الله، هي حالة تيهان وانحراف رغم ما يبدو عليه الامر من سلامة الظاهر، ضياع القلب وخراب المعنى وانقطاع الوصل بالله أشد وبالا وأكثر خبالا من هلاك الجسد.


    📌 الهوامش

    1. [1] الحكامة الادارية هي الإدارة الجيدة والتدبير الجيد، كما أن المؤسسـات الدولية كثيرا ما تستعمل مبدأ الحكامة الجيدة من أجل تحديد سمات وخصائص الإدارة العمومية الجيدة التـي يمكن للدولة تبنيها للقيام بإصلاحات مرتبطة بعلاقتها بالمجتمع. وعلى ضوء هذا الاستعمال تبرز الصلة الوطيدة بين الحكامة الإدارية والتنمية البشرية. فهذا النمط من الحكامة جزء أساسي لا محيد عنه من خطط التنميـة الحديثة، واستراتيجية الحكامة الإدارية التي لا بد من الرفع بمبادئها ما هي سوى استراتيجية جزئية حتمية مـن استراتيجية أعم وأشمل هي الاستراتيجية التنموية المستدامة بكل جوانبها الاقتصادية والثقافيــة والاجتماعية والإدارية والعلمية، حيث تشكل هذه الجوانب المتنوعة والمتعددة كلا متكاملا تتداخـل عناصره وتترابط محاوره وتتشابك مكوناته في علاقات متبادلة منسجمة وتفاعلية. الحكامة التي أضحت حكامة جيدة، تلخص التراكمات والإغناءات في مجال تدبير الإدارة العمومية، وتعكس الإلحاح على ضرورات التقدم وشروط المسؤولية والفعالية للارتقاء بالخدمات والمجتمع.
    2. [2] تشير الديمقراطية الداخلية في الاحزاب السياسية والتي تعرف ايضاً بديمقراطية الاحزاب الى مستوى واساليب اشراك اعضاء الحزب في صنع القرار وتداوله ضمن الهيكلية الحزبية. وعادة ما تعرف الديمقراطية الداخلية بانها تخلق ممثلين أكثر مقدرة وتضمن ان الحزب سيكون قادراً على خلق سياسات وبرامج سياسية أفضل.

  • تنظيم بدون قانون

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 13 من 77 — فهرس الكتاب

    تحدثنا في المحور السابق عن ضرورة خلق جهاز قضائي داخل التنظيم الاسلامي، وفي هذا المحور نناقش القانون الذي يجب أن يعتمده هذا القضاء، وفي هذا المجال هناك مدرستان غربيتان رئيسيتان اضافة الى المدرسة الاسلامية، المدرسة الاولى هي المدرسة الانكلوسكسونية حيث أن القاضي يساهم في خلق القاعدة القانونية ويطبق قواعد السوابق القضائية، وأي قرار لمحكمة النقض العليا في هذا النظام يكون مُلزماً لكل محكمةٍ أخرى في البلاد، فعلى سبيل المثال يعد القتل جريمةً بالقانون وفق هذه المدرسة دون الحاجة إلى دعمه بتعميمٍ برلماني، إلا أنَّ البرلمان يستطيع تنقيح وتعديل القانون أو حتى إبطاله بما يناسب مصلحة المجتمع، ولذلك يعتمد القانون الإنكليزي والويلزي تولية القانون التشريعي على القانون العام عندما يتعارضان.

    أما المدرسة الثانية فهي تُقيد القاضي بالنص القانوني الذي يصدره البرلمان، فلا يمكن للقاضي أن يحكم إلا بناء على نص تشريعي سابق، ولذلك نجد القضاء عندنا على غرار المذهب الفرنسي لا يتحرك يمنة ولا يسرة إلا بناء على النص القانوني، وهنا يتحكم البرلماني في القاضي ويملي عليه النص الواجب التطبيق سواء من حيث التجريم أو العقاب، ففي المدرسة الفرنسية لا يمكن تجريم الفعل إلا بناء على نص ولا يمكن العقاب إلا طبقا للعقوبة الموجودة في النص، والقاضي ملزم بتطبيق النص الذي يصدره البرلمان ويبقى له هامش ضيق جدا للمناورة بين ظروف التخفيف وظروف التشديد في المادة الجنائية، وله أيضا هامش ضيق في إطار الاجتهاد القضائي في المادة المدنية عند سكوت النص.

    يمكن أن ندع الشريعة الاسلامية تدخل على الخط لمزيد من الاثارة الفكرية ونرى هل سيطبق التنظيم الاسلامي الشريعة الاسلامية داخل صفوفه، فما دام أنه تنظيم إسلامي أكيد أنه لن يتبع لا المدرسة الفرنسية ولا الانجليزية الغربيتين الغريبتين عنه وغالبا سيتبع الشريعة الاسلامية الاقرب إليه، لكن الحقيقة أن التنظيم الاسلامي يتقزز من كل شيء يمت بصلة إلى الشريعة الاسلامية ويعتبرها عارا يهرب منه لينفي عنه تهمة التخلف والرجعية، التنظيم الاسلامي إسلامي شكلا غربي قلبا، يدعم خارجيا القانون الوضعي على حساب الشريعة الاسلامية ويفضل داخليا الفراغ القانوني خوفا من محاسبة أي مسؤول تنظيمي.

    فبما أن العلمانية القانونية تفرض نفسها داخل التنظيم الاسلامية سنحاول مناقشة الأمر في سياقه العلماني الذي يعجب إسلاميي ربطة العنق.

    نكاد نميل إلى المطالبة بـإعداد نص قانوني سابق على إحداث جهاز قضائي بما أننا في حاجة إلى عدالة، هذا القانون لن يكون مائة بالمائة وفق الشريعة الاسلامية كما قلنا لنفور المسؤولين الاسلاميين من بعبع الشريعة الاسلامية لكن أكيد أن بعض مبادئ الشريعة ستكون حاضرة، هذا النظام القانوني لن يكون طبعا وفق النموذج الانجليزي لانعدام السوابق القضائية وانعدام اي تجربة قضائية سابقة وانعدام قُضاة أكفاء داخل التنظيم باستطاعتهم خلق القاعدة القانونية، بل سيكون عبارة عن نص قانوني ينبع من ضمير الأمة كما يقول رواد المدرسة الرومانية الجرمانية التي ينتمي إليها المذهب الفرنسي، وضمير الأمة في التنظيم الاسلامي هم أعضاؤه، فيجب انتخاب جمعية عمومية من جميع طبقات الهياكل التنظيمية يناط بها مهمة إرساء قانون داخلي ثم عرضه من جديد على قواعد التنظيم لتبدي رأيها فيه.

    القانون يجب أن ينبع من الأمة ويعبر عن احتياجاتها لا أن يضعه المسؤولون في التنظيم، لكن بعض رجال القانون يميلون إلى انتخاب القضاة وفق النظام الانجليزي وليس تعيينهم من التنظيم كما هو الامر في النظام الفرنسي حيث يخرج القضاة من صفوف السلطة التنفيذية، إذ كيف يمكن الحديث عن قضاء مستقل تعينه سلطة تنفيذية، ولذلك كان تعيين القضاة وفق النموذج الانجليزي أفضل في نظر الكثير من فقهاء القانون، وبذلك قال منتسكيو، فالقانون النابع من الأمة يلزم لتطبيقه قضاة تثق فيهم الأمة وتنتخبهم الامة، طبعا إذا كانت أمة في المستوى وكانت الانتخابات تحيط بها ضمانات النزاهة.

    قضاة إذن وقانون نابعان من الأمة الخاصة المسماة ولتكن منكم أمة وهم أعضاء التنظيم، ولم لا لجان صُلح تعمل وفق الشريعة الاسلامية قبل وصول النزاعات الشخصية بين افراد التنظيم إلى محاكم الدولة، حل سيرضي المسؤولين الكارهين للشريعة الاسلامية وسيرضي النساء خاصة داخل التنظيم الاسلامي الكارهات للشريعة التي توجب عليهن طاعة الزوج، فنساء الاسلاميين اليوم اقتنعن بالقانون الوضعي في شقه المتعلق بالأحوال الشخصية واقتـنعن بالمساواة بالرجال فلا طاعة عليهن لرجل واقتنعن بفكرة المرأة الواحدة لكل رجل، فإذا أراد الرجل الزوجة الثانية فمن حقهن الزوج الثاني وإذا خان فمن حقهن الخيانة، يعتقدن أيضا أن الارث يجب أن يتساوى، ويسرن في اتجاه أن المرأة مخلوق أسمى من الرجل ويجب أن تحصل المرأة على امتيازات قانونية إضافة إلى المساواة مع الرجل في حقوقه وتقاسمه أمواله والدخول تحت نفقته والاحتفاظ بأموالهن خالصة دون أي تدخل قانوني.

    في جملة واحدة الشريعة الاسلامية قد ظلمت النساء والله سبحانه لا يفهم في النساء، وبالتالي فالشريعة متجاوزة حاليا ولا تصلح لنساء القرن الواحد والعشرين.

    هل نتحدث عن ضغط الشباب والمنظمات الدولية في إطار العلاقات الدولية للتنظيم الاسلامي مع محيطه الدولي أم نكتفي بهذا القدر لنثبت أن الشريعة الاسلامية أصبحت متجاوزة، أظن أن الأمر محسوم لصالح القانون الوضعي ولا داعي للإطناب، إذن نكاد نتفق على ضرورة صياغة قانون وضعي داخل التنظيم الاسلامي تماشيا مع القوانين الوضعية التي سارت عليها الانظمة الحاكم التي نعذرها الآن على خياراتها التي كنا نلومها عليها سابقا ونعتقد أنها كافرة.

    لكني ومع كل هذا التيار الجارف لا زلت من القلائل الذين يُعتبرون من الراديكاليين إن صح التعبير، فشخصيا لست مستعدا للتنازل عن حرف واحد من الشريعة الاسلامية التي أرى أنها يجب أن تسمو في تراتبيتها القانونية على القانون الوضعي الذي يجب أن يحتل المرتبة الثانية خلفها، إنني أعتقد جازما رغم تمكني من عديد من فروع القانون الوضعي بأن الشريعة الاسلامية تفوقت على القانون الوضعي في كثير من الموضوعات القانونية، خاصة منها الشق الاسري، فالشريعة الاسلامية بالنسبة إلي أكثر تناسبا مع خصوصيات المجتمع المسلم، وأرى أن القانون الوضعي قد دمر الاسرة وأفسد المرأة وخنث الرجل وشتت الطفل، والمشرع الوضعي والتنظيم الاسلامي يتحملان المسؤولية في هذا التخنث وهذه الوضعية المزرية التي وصل إليها الرجل.

    نرجع إلى ضرورة وجود القانون الداخلي داخل التنظيم كضرورة وجوده داخل كل شكل من أشكال العمل الجماعي، ونقدم نصيحة أخوية إلى القيادة بالعمل عاجلا غير آجل على صياغة قانون داخلي واضح للجميع، كفى من الغموض والماء العكر، نريد أن يعرف كل منا حقوقه وواجباته داخل التنظيم، نريد قانونا يؤطر علاقات الافراد والمؤسسات داخل التنظيم، وليس هذا بالأمر الذي يهدد التنظيم، القانون الداخلي يجب أن يعرفه الجميع، لتكن مجلة داخلية توزع على الاعضاء يصدر فيها القانون الداخلي للتنظيم، أما التذرع بفضح التنظيم فلكي نكون واضحين فالعملاء يسرحون ويمرحون بكل طلاقة داخل التنظيم ولا أحد يحاسبهم، أما تنظيم الحق والقانون والمؤسسات فلن يهدم التنظيم في شيء، يبدو أنها مجرد ذرائع للحفاظ على الوضع والمصالح.

    بعد إصدار القانون الداخلي للتنظيم يجب العمل على تنصيب مؤسسة قضائية بقانون داخلي خاص أيضا يحدد مهامها وعلاقاتها مع القيادة، روح هذا القانون الخاص هو استقلالية الجهاز القضائي، استقلاليته المالية والادارية وسموه على باقي مؤسسات التنظيم فلا يخضع لرقابة أحد أو وصاية أحد اللهم رقابة القواعد التي يجب أن تراقب عمل هذه المؤسسة وتعطيها صلاحية تغيير القضاة كل مدة معينة بناء على انتخابات شفافة ونزيهة لا يقترب منها التنظيم، هذا الأخير يجب أن يغلق فمه أيضا تجاه كل قرارات القضاة ويحترم قراراتهم القضائية وإلا تعرض لعقوبات إدارية أقساها الحل وإعادة انتخاب الكوادر المسيرة للتنظيم من جديد.

    هذا القانون وهذا القضاء شيء مخيف للتنظيم، قضاء بهذا الحجم من الاستقلالية والسلطة والقوة داخل هيكل التنظيم سيكون سيفا على رقبة مسؤولي التنظيم، أمر مفزع فعلا لتنظيم اعتاد السرح والمرح بين المؤمنين كيفما يشاء، القانون والمؤسسات القضائية سوف تحد من الشطط في استعمال السلطة وسيُخندق المسؤول التنظيمي داخل دائرة ضيقة من الرقابة والمحاسبة والشفافية ولن يجد المجال لمراوغاته التنظيمية الحقيرة، تضييق الخناق على التنظيم سيعود نتاجه على التنظيم ككل بالخير والسير إلى الامام، سيصلح الكثير من الاشكالات التي تعرقل السير، وسيطمئن الكثير من الاصوات الحرة المبحوحة، وسيرطب الكثير من القلوب المجروحة.

    الضربة التي سيتلقاها التنظيم في جبروته التنظيمي وفرعنته الداخلية ستكون نتائجها باهرة على مستوى التربية والدعوة، وسوف يكون نموذج التنظيم الاسلامي في شقه المتعلق بالوضوح والحفاظ على الحقوق والكرامة مساعدا للناس على الانخراط فيه، أما أسلوب الدولة الدينية المقدسة فقد أثبت فشله في كثير من الدول والتنظيمات، وهو بالعقل فاشل قبل أن نراه واقعا، فلنا عقول ترى أن المستقبل للحرية والكرامة والعدل والقانون والمؤسسات، ولا مجال مستقبلا لدكتاتورية التنظيم باسم الدين.


  • قضاء يسمو على التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 12 من 77 — فهرس الكتاب

    لتجنب فساد أي مؤسسة إدارية لابد من قضاء يسمو عليها ويفرض رقابته القضائية على قراراتها الادارية [1]، فالقضاء هو السيف المصلت على رقبة التنظيم أن يقع في الشطط في استعمال السلطة الادارية أو السياسية، هذا القضاء يجب أن يكون مستقلا وليس بيد التنظيم نفسه، فمن احترام عقول الناس أن لا يجتمع الخصم والحكم في شخص واحد أو مؤسسة واحدة، فيحكم الشخص لصالح نفسه أو تحكم المؤسسة لصالح أشخاصها، وكما أن الظلم هلاك الدول، فالظلم أيضا داخل التنظيم هو نهاية التنظيم، الظلم يهدم أي مؤسسة والعدل يقيمها.

    استقلالية السلطة القضائية [2] نتحدث عنها بعد إيجاد هذه السلطة أولا، فالتنظيم الاسلامي كمؤسسة سياسية أو دعوية لا يتوفر على سلطة قضائية، بل تجتمع لدى المسؤول التنظيمي سلطة إدارية ومعها سلطة قضائية وحتى تشريعية، فإذا حدث أن وقع بينك وبين المسؤول نزاع حكم عليك تحت إشرافه بقانونه ولصالحه وأيده التنظيم في حكمه، ولي في هذا الصدد تجارب كثيرة وقفت فيها على ظلم التنظيم وانحيازه لمسؤوليه، بل إنه لا يستمع إليك أصلا ولا يعطيك حتى حق الدفاع عن نفسك، وإذا ما تواضع واستدعاك إلى جلسة ينهال عليك بالاتهامات كأنك مجرم، وكل كلمة تنطقها حينها تُحسب عليك كأنك أمام سلطة اتهام، نيابة عامة وقاضي ومُشرع وخصم وشاهد كلها تجتمع في المسؤول التنظيمي الخصم، يعاملك التنظيم كأنك كلب أجرب تريد أن تعتدي على ولي الله المسؤول التنظيمي لمجرد أنه اشتكى من تصرفاتك، أما إذا تقدمت أنت بشكاية إلى التنظيم فهو لا يستمع بتاتا للتظلمات، بل يحتقرك ويدعو عليك بالهلاك لأنك لم تتوكل على الله ولم تفوض أمرك إلى الله، وأيما باب قصدته وجدت صدا واكفهرارا، لكأنك ترتكب جرما عندما تطالب بمحاكمة عادلة، فالمسؤول التنظيمي كائن مقدس لا تجوز مقاضاته.

    كارثة قضائية يعرفها التنظيم الاسلامي للأسف، ظلم مستشري وحكرة، فلا تجد أمامك سوى الله تشكو إليه ضعف قوتك وهوانك على التنظيم.

    على أن هناك حالات يتواضع فيها التنظيم تواضع الذئب وينزل لسماع الشكوى لكن ليس لإنصاف المشتكي بل للنظر كيف يقضي عليه نهائيا، فكن على يقين أخي الطيب الكريم أن التنظيم عندما يستدعيك بابتسامة صفراء ومحبة مخادعة ولين كلام ماكر فهو لا يبتسم لك ابتسامة الأخ للأخ، بل هو يفكر ويبحث كيف يقضي عليك نهائيا، فـحذار أن تظن أن التنظيم يستدعي أحدا لمساعدته، إنه خطأ كبير وقع فيه الكثير وما زال يقع فيه الكثير، فالتنظيم عندما ينزل لسماع الشكوى فهو يبحث في الثغرات لدى المشتكي ليدخل عليه منها ويذبحه من الوريد إلى الوريد، وهو يأتيك أول مرة بالمحبة الكاذبة ليستل لسانك بهدوء، إنه يعتقد أن الشخص المشتكي شخص خطير على التنظيم، فالعضو السليم هو الذي لا يشتكي ولا يتقدم بتظلمات، العضو الجيد هو حمار الرحى الذي يحمل الظلمات ويصمت صمت القبور ويحتسب عند الله، العضو الجيد هو العضو الذليل المنكسر أمام المسؤولين، وما الاستدعاء سوى بداية التحقيق الناعم لمعرفة خطة طريق للقضاء عليك، بعد ذلك يكشر التنظيم عن أنيابه ويبرز كافة وسائله وأشخاصه ومؤسساته لينال من المشتكي بعد أن يجمع المعلومات ويعرف نقاط الضعف.

    لقد صُدمت في البداية من هذه التصرفات، لكني فهمت لاحقا أن غياب الجهاز القضائي في التنظيم سبب من أسباب هذه الكوارث.

    نكاد نتفق على ضرورة وجود جهاز قضائي داخلي ضمن الهياكل التنظيمية للتنظيم الاسلامي حتى يقف حاجزا ضد طغيان مسؤوليه، ثم يرجع بالحقوق إلى أصحابها وينال من الظالمين الذين يتجاوزون حدود الشرع والنظام الداخلي، لكن إيجاد هذا الجهاز يتطلب إرادة سياسية من القيادة، فالقيادة نفسها غارقة في التظلمات ضدها وهي ليست من الغباء بحيث تعطي سكين ذبحها للمظلومين إلا إذا كانت قد باعت نفسها لله، ولذلك فالأمر ليس بتلك السهولة المتصورة، بل يتطلب ضغطا تحتيا لتحقيق هذا المطلب الآني، وإيجاد هذا الجهاز القضائي لن يتم إلا بإلحاح من القواعد التنظيمية والمؤسسات الداخلية الساهرة على حسن سير التنظيم، فالحق يُؤخذ ولا يعطى، والمسؤول التنظيمي كالحاكم الجبري [3] لن يعطيك حقك إلا انتزعته منه بذراعك.

    أشير هنا إلى أننا لا نرمي إلى إحداث دولة داخل دولة، بل نريد قضاء داخليا يفض النزاعات التنظيمية الداخلية التي لها علاقة بالعمل الدعوي والسياسي المشترك داخل التنظيم، وإلا فإن محاكم الدولة هي المختصة نوعيا في فض النزاعات الشخصية التي قد تنشب بين أعضاء التنظيم مع ضرورة تحييد قطاع المحامين التابع للتنظيم وعدم تدخله للدفاع عن عضو ضد عضو أو ترجيح كفة مسؤول في مواجهة عضو.

    لقد كنا أغرارا عندما اعتقدنا في بداية انضمامنا للتنظيم أن مسيروه من النزاهة بحيث يفكرون في مصلحة المؤمنين، فكان حسن النية منا يقتضي أن هذا العدل مفترض أصلا بين المؤمنين، فسيرة عمر ابن الخطاب التي كنا نتدارسها في المجالس بداية انضمامنا [4] كان من أولوياتها العدل، فكان مُستغربا كل الاستغراب في أذهاننا أن يكون التنظيم هو نفسه ظالما، لكننا مع النضج داخل أروقة التنظيم وجدنا أننا كنا أطفالا صغارا لا ندري كيف تسير الأمور، فهمنا الأمور فقط عندما صدمنا رأسنا بحائط صلب داخل التنظيم اسمه الظلم، لقد دفعنا ثمن الفهم غاليا ليالي من الغم والحسرة التي تمزق القلب جراء الالم الذي سببه لنا التنظيم والظلم الذي قهرنا به، لقد فهمنا أخيرا أن التنظيم ليس بتلك الطهارة التي تصورناه بها بداية عهدنا به، إنه بشر كالبشر في أحسن الاحوال، وفي أحوال أخرى وحش لا رحمة فيه، ذئب لا ثقة فيه، شيطان رجيم يلزمه جهاز قضائي مستقل لكسر شيطنته.

    استقلال السلطة القضائية من المبادئ التي أقرتها مختلف المواثيق الدولية التي يزغرد لها التنظيم الاسلامي صباح مساء ويطالب بها الأنظمة الحاكمة، يطالب بها غيره مؤكدا أن الاسلام كان سباقا إلى إقرارها، نذالة تبحث عن غطاء قانوني وشرعي ثم تبحلس على أبواب التقدمية، والصواب أن قبول المواثيق الدولية في شموليتها يقتضي إقرار مؤسسة قضائية داخلية مستقلة داخل التنظيم، فالعدل ليس شيئا زائدا بل هو صمام الأمان وغاية الغايات الارضية للتنظيم، أليس التنظيم من يرفع للناس شعار العدل؟

    العدل يتطلب مؤسسة قضائية داخلية مستقلة تفصل بالقانون الداخلي للتنظيم أو التحاكم إلى المحاكم الرسمية للدولة للفصل بقانون الدولة، ويُقصد باستقلال السلطة القضائية لدى رجال القانون مفهومان، المفهوم الأول استقلال ذاتي لشخص القاضي في اتخاذ قراراته القضائية، ويقصد بالثاني استقلال مؤسسة القضاء عن المؤسستين التنفيذية والتشريعية، وفي التنظيم الاسلامي المؤسسة التشريعية هي مجلس الشورى، والمؤسسة التنفيذية هي التنظيم وأجهزته، فيبقى من الضروري إيجاد مؤسسة مستقلة تكون ضمانة عل حسن سير المؤسسات وهي مؤسسة القضاء، بما فيها القضاء الاداري الذي يفصل بين المؤسسات والمؤسسات وبين الاشخاص والمؤسسات، ثم القضاء العادي الذي يسهر على فض النزاعات الشخصية بين الاشخاص الطبيعية.

    إن المقتضيات القانونية المقررة لاستقلالية القضاء سبقت إليها الدول الثائرة على الظلم، حيث تم إقرار مبدأ استقلال السلطة القضائية في إعلان حقوق الانسان والمواطن [5] الفرنسي أواخر القرن18 الذي جاء متأثرا بـفكر التنوير ونظريات العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية التي قال بها مفكرون أمثال جان جاك روسو، جون لوك، فولتير، مونتيسكيو، ثم نص عليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان في باريس سنة 1948 [6] الذي صاغه ممثلون من مختلف الخلفيات القانونية والثقافية من جميع أنحاء العالم، ولقد فطنت الأنظمة الحاكمة إلى أهمية استقلالية القضاء في استقرار دولها فأقرت به في تشريعاتها، ولذلك نجد أن هذه الانظمة الدستورية وكثير منها لا يدين بدين الاسلام كانت أكثر عدلا من التنظيمات الاسلامية عندما أرست مجموعة من المؤسسات القضائية القوية، حتى أصبح الإخوة اليوم داخل التنظيم الاسلامي يتحاكمون أمام قضاء الدولة التي يريدون إسقاط نظامها السياسي والقضائي، والغريب أن هؤلاء المعارضين للدولة عندما يُخاصمون الدولة أو يُقاضون أحد مسؤوليها يجدون من أجهزتها عدلا وإنصافا ورحمة أكثر مما يجدونه في تنظيمهم الاسلامي.

    كلمة نقولها بكل أسف، النظام السياسي الظالم رغم كل الظلم الذي نعرفه عنه أكثر عدلا وإنصافا من التنظيم "الاسلامي"، ولي تجربة شخصية وشهادات بهذا الخصوص بالعشرات.

    ستقول أخي القارئ إنني أبالغ، لكنني أؤكد لك أن هذا الأمر واقعي لا مبالغة فيه، بل إنني أؤكد لك أن التنظيم حتى لو أوجد هذه المؤسسات القضائية فهو لن يصل إلى عدل النظام القائم لأنه تلزمه سنوات طويلة من التطهير التنظيمي، وقد لاحظ العديد من الإخوان هذا الأمر وصرحوا به إلي على انفراد وصدقتهم لأنني عايشت ذلك، فالتنظيم عندما تدخل وفصل في بعض الخلافات أثبت أنه ظالم أكثر من الأنظمة الحاكمة، وأصل الظلم فيه أزمة أخلاقية منبعها فشل العملية التربوية، بينما التنظيم الاسلامي مطالب في الاصل تماشيا مع شعاره الاسلامي باقتباس عدله من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسيرة الخلفاء الراشدين بما أنه ذي مرجعية إسلامية لا من التوصيات الدولية، يكفيه أن يطبق سياسة عمر بن الخطاب في العدل [7] إذا أعجزته سياسة المنظمات الدولية، رغم أنني على يقين أنه يميل إلى المواثيق الدولية لأن واقع البريستيج داخل التنظيم يفرض ذلك، فالمواثيق الدولية خاصة ما يتعلق بالنساء أكثر حضارة في نظره وأكثر رقيا من الشريعة الاسلامية، وهي أقرب طريق لكسب ود الاشتراكيين والتقدميين الذين يلهث التنظيم الاسلامي خلف رضاهم صباح مساء.

    إن الناظر إلى حجم الخراب التربوي والنفسي والتنظيمي الذي سببه طغيان التنظيم يجعلنا نقول أن هذا الأخير في حاجة ماسة إلى جهاز قضائي داخلي مستقل، جهاز قادر على فض النزاعات والخلافات التنظيمية داخل الصف والوقوف ضد جبروت التنظيم وتحطيمه للمؤمنين بدعوى الحفاظ على الدعوة، فكل الجرائم التي قام بها التنظيم مبرره فيها الحفاظ على الدعوة، فأين هي الدعوة مع آلاف الدعوات بالانتقام من هذا التنظيم الظالم، أين هي الدعوة مع آلاف من القلوب المنكسرة من جبروت التنظيم، أين هي الدعوة مع آلاف من القلوب الصامتة التي ترجو من الله حقها، حاشاه سبحانه أن ينصر دعوة ظالمة، فكان لزاما على التنظيم الذي يدعي أنه إسلامي أن يتبنى الاسلام ويؤسس لقضاء مستقل، فإذا لم يكن قادرا على إنشاء جهاز قضائي مستقل وهو المتخصص في إنشاء أجهزة كثيرة لا معنى لها في إطار تخمة الهياكل والمؤسسات والمسؤوليات الفارغة، فليوكل الأمر إلى رجل واحد كما كان علي رضي الله عنه مكلفا بالقضاء [8]، رجل مستقل عن التنظيم الجبار تكون سلطته فوق سلطة التنظيم فيما يخص العدل حتى يستطيع تقليم أظافر الظلم لدى الشيطان المنظم ويكسر شوكة رجاله الطغاة القساة المعتدين على حرمات المؤمنين.


    📌 الهوامش

    1. [1] عندما تصدر الإدارة قراراتها الإداريّة يجب أن تكونَ هذه القرارات متفقة مع أحكام القانون وعدم مخالفته، وللتّأكد من ذلك وجدت الرقابة القضائية على أعمال الإدارة ضمانًا لحقوق الأفراد وحرياتهم، وهناك نظامين في العالم للرقابة القضائية على أعمال الإدارة هما نظام القضاء الموحد، ونظام القضاء المزدوج، نظام القضاء الموحد يوجد في الدول الانكلوسكسونية حيث إن هذا النظام تقوم عليه جهة قضائية واحدة تفصل في جميع المنازعات بغض النظر عن أطرافها سواء أكانوا هيئاتٍ أم أفرادًا، ويتّسم هذا المبدأ بالمساواة والبساطة والوضوح، إلا أنّ مِن عيوبه عدم التخصص؛ فعندما تنظر جهة قضائية واحدة إلى المنازعات كافّة فإنها قد تعجز عن الحفاظ على حقوق الأفراد وحرياتهم. أما نظام القضاء المزدوج فإنه يقوم على مبدأين مهمّين هما استقلال المحاكم الإدارية عن المحاكم العادية وتطبيق قواعد قانونية مختلفة في طبيعتها عن القانون العادي وهي قواعد القانون الإداريّ، ويُلاحظ أن الأصل في هذا النظام يعود إلى القضاء الفرنسي، وتتسم هذه الرقابة بكونها تعدّ فعالة أكثر من النظام الموحّد؛ لأنها تفصل منازعات الأفراد عن الإدارة، ممّا يوفر الوقت والجهد للوصول إلى أحكام أكثر دقّة.
    2. [2] القرارات القضائية يجب أن تكون حيادية وغير خاضعة لنفوذ السلطتين التنفيذية والتشريعية أو لنفوذ المصالح الخاصة أو السياسية، وبعبارة أخرى ما يسمى فصل بين السلطات.
    3. [3] الحاكم الدكتاتوري
    4. [4] كانت لنا وقفات اسبوعية مع كتاب رجال حول الرسول
    5. [5] إعلان حقوق الإنسان والمواطن هو الإعلان الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الوطنية في 26 آب/أغسطس 1789. ويعتبر الإعلان وثيقة حقوق من وثائق الثورة الفرنسية الأساسية وتُعرَّف فيها الحقوق الفردية والجماعية للأمة. وهو يشكل الخطوة الأولى لصياغة الدستور.
    6. [6] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو وثيقة حقوق دولية تمثل الإعلان الذي تبنته الأمم المتحدة 10 ديسمبر 1948 في قصر شايو في باريس. الإعلان يتحدث عن رأي الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان المحمية لدى كل الناس. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يتألف من 30 مادة ويخطط رأي الجمعية العامة بشأن حقوق الإنسان المكفولة لجميع الناس. ويعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة، 1948 من بين الوثائق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان والتي تم تبينها من قبل الأمم المتحدة، ونالت تلك الوثيقة موقعاً هاماً في القانون الدولي، وذلك مع وثيقتي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من سنة 1966، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من سنة 1966. وتشكل الوثائق الثلاثة معاً ما يسمى "لائحة الحقوق الدولية". وفي 1976، بعد أن تم التصديق على الوثيقتين من قبل عدد كاف من الأمم، أخذت لائحة الحقوق الدولية قوة القانون الدولي.
    7. [7] روى الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ». فمن دلائل اتصاف الفاروق بالعدل أنه لا يخاف في الله لومة لائم، ويقيم الحدود على القريب والبعيد، الحبيب والغريب حتى إنه ليضرب به المثل في ذلك الأمر. يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: شرب أخي عبد الرحمن بن عمر، وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث، ونحن بمصر في خلافة عمر بن الخطاب فَسَكِرَا، فلما صَحا انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر فقالا: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه. قال عبد الله بن عمر: فلم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص، قال: فذكر لي أخي أنه قد سكر فقلت له: ادخل الدار أطهرك، قال: إنه قد حدث الأمير. قال عبد الله: فقلت: والله لا تحلق اليوم على رؤوس الناس، ادخل أحلقك وكانوا إذا ذاك يحلقون مع الحد، فدخل معي الدار. قال عبد الله: فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهما عمرو بن العاص، فسمع عمر بن الخطاب بذلك فكتب إلى عمرو: أن ابعث إليّ عبد الرحمن بن عمر على قتب. ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبد الرحمن المدينة على أبيه الفاروق عمر جلده، وعاقبه من أجل مكانه منه، ثم أرسله فلبث أشهرًا صحيحًا ثم مات، فيحسب عامة الناس أنه مات من جلد عمر، ولم يمت من جلده. فالفاروق لا يبالي على من وقع الحق، على ولده أم على غيره من الناس، فهو رجل لا تأخذه في الله لومة لائم، لذلك كان ينهى أهله أشد النهي حذرًا من وقوعهم في مخالفته. يقول ابن عمر رضي الله عنهما: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله وقال: "إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا وإنهم إنما ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وأيم الله لا أوتي برجل منكم فعل الذي نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة، لمكانه مني فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر".
    8. [8] اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون قاضياً على اليمن رغم أنه كان في ذلك الوقت شاباً صغيراً، وقد قال له رسول الله قبل أن يتوجه إلى اليمن: « يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء». كما جاء في الكامل أن القضاء في عهد أبي بكر كان لعلي بن أبي طالب، كما كان علي قاضي عمر على المدينة، وكان يستشيره عمر في كثير من القضايا والأمور الفقهية والسياسية ويعمل بمشورته، حتى قال عمر في ذلك: «لولا علي لهلك عمر»، ويُنسب لعمر كذلك أنه قال «أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن». وحين كان عمر يحتضر رشح ستة للخلافة من بعده ممن توفي رسول الله وهو عنهم راض، وكان من بين الستة علي بن أبي طالب.

  • الاختلاف التنظيمي وآليات تدبيره

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 11 من 77 — فهرس الكتاب

    هل يحدث أن يقع خلاف بين أعضاء التنظيم؟ كيف ذلك وهم مؤمنون مسلمون إخوانيون ملائكة طاهرون؟ لابد أن الخلاف من صفات الاشرار فقط، لكن الحقيقة أن التنظيم الاسلامي هو مرتع للخلافات على مر التاريخ بامتياز، فالشيطان يحضر بشكل واضح في التنظيمات الاسلامية، كون جائزة الشيطان الذي يحدث الخلاف بين المرء وأخيه هي أعلى مقامات الشيطانية، يحوز الوسام الملكي من درجة فارس للشيطنة مباشرة من ابليس اللعين، ولذلك تكون الخلافات داخل التنظيمات الاسلامية قوية ودموية وعميقة وحارة بحرارة اللهب وشدة أبي لهب خاصة إذا كان التنظيم الاسلامي غير منتبه إلى هذه الثغرة الشيطانية غير واضع على بابها القوانين والمؤسسات والرجال الناصحين الفاصلين الصارمين في هذا المجال.

    دعني من رخاوة الحب في الله المزعوم، الحب في الله الحقيقي هو اقامة المؤسسات القضائية المستقلة العادلة ووضع القانون الذي يعلو الجميع، فالواقع يشهد أن هذا الحب في الله مجرد زعم، مجرد وسيلة سياسية لجمع الاعداد الغفيرة من المبتدئين وإلهائها بمادة الحب، بينما الاشخاص الذكية تقفز مباشرة إلى واقعية المصلحية ومراكز المسؤولية تاركة وراءها قطعان السابحين في هلامية الحب المزعوم.

    الحب في الله [1] داخل التنظيم الاسلامي مجرد دعاية، لا أساس لها، والمحبون الصادقون هم أشد الناس بلاء داخل هذه التنظيمات وأكثرهم دفعا للثمن جراء مثاليتهم النبوية، أوتوا من باب كتب التاريخ الاسلامي الذي يحكي عن الحب في الله الذي كان يعيشه الرعيل الأول من الصحابة والمتقدمين في الاسلام والصوفية الابرار، لكن واقع القرون المتأخرة يشهد أن وبال السياسة وحب الرئاسة ومجتمع المادة قد قضى نهائيا على مادة الحب، والطوفان المادي الذي اجتاح الامة الاسلامية جراء الاستعمار لم يترك مادة الحب في الله على حالها الذي كانت عليه إبان عهد الصالحين الأولين، فضغط الحياة المادية اليومية جعل التنظيم الاسلامي يدور في عجلة المصلحة، فلم يستطع الرقي بالمؤمنين المنتظمين داخله إلى مرتبة يتخلصون فيها من قبضة المادة ومُنبطح الاستهلاك ومهاوي الشكلية ونتانة النفاق الاجتماعي.

    التنظيم الاسلامي بجميع هياكله غارق في المادية والمصلحية والنفاق الاجتماعي، هذا موظف أو معلم إذن فاهم للتربية، وهذا فقير لم يستطع الوصول إلى الوظيفة إذن فهو غير فاهم للتربية وغير ضابط للتربية، فميزان التربية عند التنظيم هو المال والوظيفة والجاه والمرتبة الاجتماعية، وتحدث أنت أيها القادم من قراءة رجال حول الرسول مع مظهرك المثير للشفقة عن أوهام الحب في الله.

    إن الاختلاف التنظيمي ينهل من هذه المتلازمة الشيطانية، متلازمة المال والسلطة، فهي مادته وأصله، وأشد ما يكون الاختلاف عند توزيع السلط وبزوغ المناصب، يغشى أعين رجال التنظيم غشاء السلطة فلا ترى معاني الخلافة والعدل والدولة الاسلامية والايمان والاحسان وطلب وجه الله والوصول إلى الله، فإذا برجل التنظيم ذباح مكار قاسي القلب لا يرحم مؤمنا ولا يرقب فيه إلا ولا ذمة، فإذا تحدثت معه استدعى ترسانة الحكمة تقتضي واتهم تربيتك وادعى أن الامر فيه قولان والصبر على قجاقل المرشد واجب، فهو من القجاقل المُؤذية ويجب أن تصبر على ظلمه، إنه لا يستحي أن يكون مجرد قجقول مُؤذي عوض أن يكون مساعدا تربويا، المهم عنده أن يقبض على السلطة، ثم يدعوك بعد ذلك بكل صفاقة إلى الركوع، يدعوك إلى ذبح نفسك الأبية الكريمة التي لا ترى أن القجقول مُنزل من عند الله، ولا تريد أن تقتنع أن القجقول بات مع الله ليلا فأرسله نهارا ليتسلم المسؤولية كما يقول الحاكم بأمر الله السيد "قجقول".

    اللعب بالدين هو أكثر شيء واضح في التنظيم الاسلامي، وهو يُنتج دكتاتورية لا يمكن أن توصف إلا بالدكتاتورية الشاملة التي يصعب اقتلاعها، فساد مغلف بالإسلام والاسلام منه براء، ولذلك كانت الدول الاسلامية في قاع الدول حضارة وتقدما لأن دكتاتوريتها مُركبة، دكتاتورية يصعب اقتلاعها لاختلاطها بالدين [2]، فلا نقول بالعلمانية كما يقول بها بعض الكارهين للدين وكي لا يقتـنصنا إخواننا، لكن إشكالية اللعب بالدين والحديث باسم الدين والمراوغة بالدين والمناقشة بالدين إشكالية حاصلة موجودة، وهذه التركيبة الشيطانية المتسربلة بالدين المختلطة به المختبئة خلفه تجعلنا أحيانا نُفضل علمانية يسهل اقتلاع الظلم فيها على إسلام مشوه يتسربل فيه الظلم بالدين فينتج لنا شيطانا ملعونا ينطق بالدين، ثم يأتي على الاخضر واليابس ويعطي لنا نتاجا كبيرا من الفساد الاخلاقي والدعارة السياسية والتدهور الاقتصادي والانحطاط المجتمعي والتخبط الديني والاقتـتال الطائفي لا تنتجه حتى أعتى العلمانيات.

    لم أكره في حياتي شيئا كما كرهت الدكتاتورية الدينية لرجال التنظيم [3] الواقفة على الخواء الاخلاقي والتربوي، دكتاتورية حقيرة لا أساس لها سوى الشيطان المتربع على القلوب والتمظهرات المثيرة للغثيان لهذه الشيطنة وهي تفصل من التنظيم أطهر ما خلق الله وتلبس جلابيب بيضاء توحي مع رائحة العفونة القلبية فيها أن صاحبها خليفة منتظر يحمل لنا خلافة راشدة، بينما هو في الحقيقة جالس على الخراء الأخلاقي والفراغ التربوي تحيط به هالة من الروائح الزاكمة للأنوف من الحقد والتكبر والتعجرف التنظيمي [4]، الشخص السوي يهرب من هذه القذارات التنظيمية عندما تبرز إلى الواقع متعجرفة بفهمها للتربية، متكبرة بعذريتها السياسية، لابسة لباس الفهامة البشع، فيتقيأ كل مسلم غيور في وجه هذا التنظيم وعلى ما في داخله من تراكمات التكبر والظلم والجبروت الديني.

    إن من أولى مهام التنظيم الاسلامي أن يخلق مؤسسات تحل الخلاف بين المؤمنين المنتظمين داخله، خاصة بين المسؤولين ومن تحتهم، هذه المؤسسات يجب أن تعمل وفق قانون ونظام وليس وفق أهواء المسؤولين، فالقانون يجعل الجميع سواء، والمؤسسات المستقلة تجعل هذا القانون قابلا للتطبيق على أرض الواقع، وإذا كان الشقاق أساس التفتت وفشل المشاريع بصفة عامة فقد أوضحنا بأنه في حالة التنظيم الاسلامي تكون حرارة الخلاف أشد لأن الشيطان ينفخ فيها بهمزه ونفثه ويجلب عليها بخيله ورجله، ولذلك كان مفترضا أن يكون التنظيم وقافا على القلوب أن يصيبها داء الشقاق، فيشتت الشيطان في دقائق بإذكاء الخلاف ما جمعه الصالحون في سنين، فوجب على التنظيم أن يبعث حكما من أهله [5] يفصل في النزاع لا أن ينحاز إلى شيعته من المسؤولين ويُسجل الكلام خُفية.

    إن الخلاف اليوم داخل الصف الاسلامي لم تعد تعالجه المادة التربوية وأولها رجال الله، فهؤلاء تم إقصاءهم وإبعادهم عن مراكز القرار، وأُخرجوا من دائرة التنظيم وأصبحوا يسبحون على هامش الجماعة، يُستزارون في أحسن الاحوال لنيل البركة، بينما يـتمركز الجبروت التنظيمي والفكري والحركي والمالي داخل صلب التنظيم الاسلامي ناشرا وسخه على مجمل التنظيم، بل إن إقصاء التربية وضعف مكانتها داخل التنظيم الاسلامي جعلها مثار الشفقة، وجعل أهلها في موضع التقليل والاحتقار، فأهل التربية في نظر أصحاب التنظيم خشاش أرض وأشخاص حقيرون وحثالة وأغبياء لأنهم لم يرقوا بعد إلى مستوى التاحراميات التنظيمية وممارسة ألاعيب السياسة والتنظيم الميكيافيلي [6] ولم يحصلوا من الوظائف الشيء المهم، فلا مكان لهم إذن في التنظيم إلا في البوادي، ويُستحسن استغلالهم وإرسالهم إلى الفتوحات الدعوية ومواطن الموت والخطر والمظاهرات والمصادمات مع الدولة ليموتوا بصدقهم، ثم يستفرد الميكيافيليون أبناء معاوية بعد ذلك بالتنظيم والسياسة والمال والسلطة.

    هذه الدعوات الأموية أصبحت اليوم قائمة داخل التنظيمات الاسلامية قائلة بضرورة انسلاخ التنظيم عن المفاهيم الاسلامية والتحاقه بالمفاهيم الميكيافلية الرائجة عند السياسيين تماشيا مع العصر وجذبا لمزيد من الطاقات العلمية والحركية ونزعا للمادة التي يجتمع عليها الشيطان وهي الروابط الايمانية وتجاوزا لهرطقات رجال التربية حول الاخلاق والتربية والروحانيات وخلطها بالسياسة، وإذا كانت هذه الدعوات ضعيفة في بداية الدعوة إلى إقامة الخلافة والعدل على اساس الشريعة الاسلامية فإنه وبعد سحب البساط من تحت أقدام رجال التربية واقتناع الحركيين داخل الصف الاسلامي بالقوانين الوضعية وتأففهم من الشريعة الاسلامية، فإن المكيافيلية أصبحت اليوم منظمة وأصبح لها منطق قوي داخل الصف الاسلامي وميزانيات ورجال وقوة موازية للتنظيم الاسلامي، بل إنها الان أصبحت تبتلع التنظيم بأكمله.

    إنه لأمر مؤسف أن ينقشع ضباب الحركة الاسلامية عن مثل هذه الوحشية النفسية والذئبية التنظيمية الغادرة، فقد كنا ننتظر من الاسلاميين عموما أن يكونوا في مستوى الصحابة الكرام الذين ضحوا في سبيل إقامة دولة العدل بالغالي والنفيس وبكل ما يملكه المرء من ماله ووقته ونفسه في سبيل الله، لكننا عرفنا أخيرا أن ذلك الجيل الفريد [7] كان فعلا فريدا من نوعه كما وصفه سيد قطب [8] رحمه الله، فصعب جدا أن يتكرر جيل الصحابة في واقع مادي مغاير، ومناخ أخلاقي أقرب إلى النفاق الممزوج بالتخنث، فالنفاق والتخنث هو أبعد شيء عن الصحابة رضي الله عنهم الذين تمتعوا بالرجولة والوضوح في المواقف والصدق مع الله ومع رسول الله.

    رجاء لا تُشعرونا بالغثيان أيها المسؤولون التنظيميون وأنتم تقارنون أنفسكم بالصحب الكرام، فأنتم شيء، والصحابة شيء آخر تماما، وبناء على ذلك يمكن القول أن الخلاف اليوم بين أشباه إخوان رسول الله الذين بشر بهم يختلف عن الخلاف الذي دار بين الصحابة الذين حسموه بالسيف لرجولتهم ووضوح مواقفهم وشدتهم في أمر الله، الخلاف اليوم بين أعضاء التنظيم الاسلامي الذي لم يرق بعد بأعضائه إلى مرتبة إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خلاف يتم حسمه بالمكر النسائي، وكأننا في مكائد حريم السلطان، ويمكن تفسير ذلك بانعدام وسائل العنف، فالدولة تحتكر العنف المشروع [9] وتحتكر السيف، ولولا ذلك لقطع بعض المسؤولين بعضهم إربا ولنصبوا المشانق للأعضاء المخالفين، وإذا أضفنا إلى ذلك أن المسؤولين التنظيميين قد أُشربوا القانون الوضعي القادم من دول الديوثة في كأس التطور الانساني يتضح لنا كيف يُحسم الخلاف داخل التنظيمات الاسلامية حيث تنعدم أبسط شروط العدالة والانصاف وتندثر جميع الأخلاق، وهات ما عندك من الاموال والرجال والمراكز الوظيفية في الدولة والشبكات التنظيمية الموازية والعلاقات العائلية والمالية والتنظيمية داخل التنظيم.

    لا تحدثني رجاء عن العدل في جماعة العدل، ولا عن الأخوة في جماعة الاحسان، ولا عن الأخلاق في جماعة قال الله وقال الرسول، إنها غابة بلا قانون، والغلبة للأقوى.

    إنه باطلاعنا على الواقع المزري لفض الخلافات داخل التنظيم الاسلامي نقف على حجم الفساد الأخلاقي المستشري داخل الصف الاسلامي، لكننا نتشوف إلى خلق مؤسسات مستقلة داخلية مهمتها السهر على إقامة العدل بين الإخوان، هذه الوسيلة العلاجية مهمة وهي مقتبسة من مبادئ العدالة الانسانية، وسوف سنخصص لها محورا مستقلا نتحدث فيه عن مؤسسات العدل داخل التنظيم الاسلامي، لكننا نطرح هنا أسئلة عن البرامج التربوية المفترضة القبلية الوقائية والمؤسسات الداخلية التي من المفروض ان يضعها التنظيم لخلق خطوط عازلة تقف أمام اشتعال الفتنة داخل الصف الداخلي، ونتساءل هنا أين هم رجال التربية وما موقعهم في التنظيم؟ ثم نتحدث بعد ذلك عن القوانين الداخلية الصارمة التي تجعل من المسؤولين أحرص الناس على جو الديمقراطية والشفافية واحترام حقوق الآخر في التعبير والتصريح بما يختلج نفسه من أفكار ومقترحات وانتقادات وحتى تساؤلات لا تتماشى مع الخط العام دون أن يكون ذلك سببا للخلاف أو مدعاة للتصفية التنظيمية.

    إن الواقع اليوم تبدو فيه بجلاء مظاهر الطغيان التنظيمي للمسؤولين، ولا أدل على ذلك من مشيتهم الخيلاء داخل الصف، طريقة حديثهم، تصرفاتهم التي توحي أنهم شيء فوق القانون وفوق النظام العام، هذا الأمر لا يساعد على فض الخلافات الفردية والمؤسساتية بل على العكس إنه يزيد من تأجيجها ويُسعر نارها ويسكب الزيت عليها، فالإحساس بالظلم والطبقية داخل الصف يترك في النفس جروحا عميقة وغُمة لا يُطفئ من لهيبها إلا الجو التربوي، وفي أول فرصة تغيب فيها الرحمات الالاهية تشتعل الحروب الضروس التي لا تذر أخضرا ولا يابسا، حينها يتدخل التنظيم قائلا، نحن نترفع عن الخلاف، لأن الخلاف من الشيطان، ونحن لن نفصل في الخلاف، فاقتلوا بعضكم.

    يا حلاوتك أيها التنظيم عندما تنسل في هدوء هاربا من فض الخلاف، وتترك المجال للسيوف النسائية تعمل عملها، يا حلاوة مشيخة التنظيم ومركز الارشاد ومسؤولية الجهات والمناطق ومسؤولي الطماطم في الدولة الاسلامية إذا كانت بهذه السلبية، فكيف تفعل سعادتك عندما يقع خلاف بين المؤسسات، أتُراك تعزل هذا وتضرب رقبة ذاك، أم تترك الآليات الديمقراطية الداخلية لتعمل عملها في عدل وشفافية؟ نحن نعلم أنه لا شفافية ولا ديمقراطية داخل التنظيم الاسلامي، بل هو التوجيه عن بعد و قطع الرؤوس، فالتنظيم الاسلامي لا يحتمل مثقال ذرة من ديمقراطية، اللهم إن تعلق الأمر بأمور هي أتفه من التفاهة، أقول أتفه من التفاهة لأن الأمور التافهة لا يسمح بالخلاف فيها، فقط الأمور التافهة جدا جدا هي المسموح بالخلاف فيها، وتظهر في التعاطي معها عضلات الديمقراطية وسعة الصدر.

    نقول هذا بكل مرارة، ذلك أن تدبير الخلاف شيء غير موجود داخل التنظيم الاسلامي، هناك فقط ابتسامات صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين، مضمونها كسب الوقت لحين نزول السيف التنظيمي، سيف الفصل أو سيف التهميش أو سيف التشويه والقطيعة الاجتماعية، والسبب في ذلك أن التنظيم الاسلامي بهياكله الحالية لا يحتمل تكريس فن تدبير الخلاف ولا تستطيع هياكله خلق مؤسسات لهذه المهمة، فهو واقف على قشة الدكتاتورية التنظيمية التي تخشى من أبسط كلمة نقد أو اختلاف، ومع أدنى نقاش يكون الحل السهل هو السيف التنظيمي، فهو أسهل الحلول التي لا تكلف التنظيم الشيء الكثير، لكن بتكرارها يفقد هذا التنظيم كوادره، خصوصا تلك التي لها وزن تربوي وتنظيمي، ومع توالي تشذيب التنظيم من العناصر الفاعلة التي لابد أن تقع في خلاف، يبقى الصف في الأخير عبارة عن تجمع بشري لكائنات غوغائية ومخابراتية وإمعات وأواني فارغة لا تختلف.

    بعبارة أخرى يصبح التنظيم الاسلامي عبارة عن قطيع، قطيع مطيع، وفي الجانب الآخر على هامش التنظيم ضحايا ومعوقين ومكسورين ومجروحين ومرضى نفسيين وحمقى وناقمين كسرهم التنظيم، وفوق الجميع قيادة مقدسة تدعي أنها تفهم كل شيء.

    كان الاجدر بالتنظيم أن يضع آليات ديمقراطية لتدبير الخلاف ويصنع جوا من الشفافية التنظيمية، فالدوام للصح الصحيح القائم على الوضوح والشفافية والنقد والنقد المضاد والمحبة والتواضع والصفاء، أما أسلوب القهر والطغيان والتصفية والحقد والتهميش والنميمة المنظمة فهو علاج قصير المدى بأقل الخسائر وقد جربته الانظمة السياسية الجائرة ولم تفلح، إن هذا الاسلوب خراب للتنظيم على المدى البعيد، فالافضل للتنظيم أن يواجه البلبلة الداخلية والجو الديمقراطي الساخن بروح النقاش على أن يصنع متلازمة القطيع والناقمين والمقدسين، الشفافية والحرية والجو الديمقراطي يضع كل شيء على الطاولة ويكون الدواء الشافي للخلاف بالأساليب الحديثة للتفاهم والتحاور، نقول حديثة بين قوسين وإلا فإن التاريخ الاسلامي يشهد أن الخلاف على عهد الرسول الكريم والصحابة الكرام كان يوضع على الطاولة أيضا ولا يُفض تحتها بالأساليب النسائية الماكرة، رُجولة نفتقدها في مسؤولي التنظيم الاسلامي اليوم.

    لكأني بقائل يقول ما هذا التحامل على التنظيم الاسلامي، إنه أفضل من التنظيمات اليسارية والعلمانية والتقدمية بكثير، إنه تنظيم اسلامي أعضاؤه لا يسرقون، ولهم لحية طويلة، ويصلون الصلوات الخمس، ويذهبون إلى صلاة الجمعة كل اسبوع، ولا يسكرون، ومسؤولوه من أولياء الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكني أقول لك أخي الكريم أن هذه النظرة قاصرة، وقد كنا نحملها كغيرنا من الناس القاصرين، بساطة وسذاجة كنا نحملها في عقولنا لما كنا صغارا، ومع توالي الأيام فهمنا أن خلط الدين بالتنظيم لا يجلب إلا الكوارث، وتأكد أخي أن خلط الدين بالتنظيم يتم عمدا بالنسبة للقواعد، أما فيما بين كبار التنظيم فلا يخلطون التنظيم بالدين، بل يتعاملون بسياسة الند للند، بالعقل والمكر والخديعة وجميل وسائل الذكاء، الدين فقط يرمى للاستهلاك القاعدي، يستعمل لتعزيز النفوذ السياسي لهذا أو ذاك، لذلك اللوبي أو ذاك الشخص المنافس على القيادة، يستعمل أيضا للحفاظ على الصف وجمع وحدته على قيادة واحدة لا تتزعزع الثقة فيها مما يكسبها قوة أمام الخصم الديمقراطي على رقعة السياسة، ولذلك يستشيط المنافسون السياسيون للتنظيمات الاسلامية غضبا من استغلال هذه التنظيمات للدين فيلجؤون إلى طرق بديل كالمال والاغراء.

    الصلوات الخمس وعدم السكر ليس كافيا ليصبح المسؤول التنظيمي مطاعا طاعة عمياء ومقدسا في نظر من تحته، يصبح هنا الدين أداة لاستغلال الناس وسلب حريتهم وجعلهم كالقطيع المسلوب الارادة، وهو ما يخالف حقيقة الدين الاسلامي، فالدين الذي يستعمل للتركيع ليس سوى الدين المزور المعدل وفق المفهوم المبسط للعامة، أما الدين الحق فينكر الطاعة العمياء، والدين الاسلامي على ملة ربعي بن عامر يُنكر سلب حرية الناس، إن الدين الحق الذي هو الاسلام ينص على حرية الرأي وقوة الشخصية و الصدح بالكلام وعزة النفس، أظنه عمر من قال متى استعبدتم الله وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

    ولذلك فإن منطق الكلام ليس التحامل على التنظيم الاسلامي، ولو كان هناك تحامل فهو أمر مشروع، فقد أختلف معك وأهاجمك وقد أكون معك فأدعمك، فمن أنت أيها البشر حتى تتعاظم وتفرض على الناس احترامك واتباعك وطاعتك، صلاتك لله وليس لتركيع الناس، سُبحتك لله وليس لاستعباد الناس، عدم سكرك لله وليس للأصوات السياسية، وغير ذلك فهو النفاق والرياء وأكثر من ذلك هو خساسة وحقارة، تدمر أيها المسؤول اللعين مؤمنين وتفصلهم وترميهم إلى الهاوية بوجه لا يستحي، تنتهك حرمةً أشرف من حرمة الكعبة وهي حرمة المؤمن وتوسخ دينا عزيزا جاء بالحرية وتجعله دينا مستبدا يستغل الناس ويستعبدهم على غرار دين الاكليروس [10]، فأي جرم أكبر من تحريف الدين لغير ما جاء به الله.

    أشير هنا إلى أن الخلاف داخل التنظيم الاسلامي ليس مرده دائما إلى الفكر أو الرأي، بل قد يكون مرده إلى بعض الأمراض القلبية كالحسد [11]، فبالنبش في جذور الخلاف تجد أحيانا كثيرة أن أصل الخلاف هو الحسد، والحسد داء هذه الأمة، وإذا كان الحسد لا دواء له بين الناس، فإن التنظيم الاسلامي يجب أن يضع آليات مؤسساتية وقوانين داخلية لعلاج الحسد والضرب على يد من ينزل حسده على أرض الواقع عن طريق تصرفات قوية تدل على مرض قلبه، الناس العاديون يتطاحنون سنين على أبواب المحاكم أو يقتل بعضهم بعضا لإطفاء نار الحسد والاستمتاع برواء الغل الذي في القلوب، لكن الطليعة المجاهدة التي تحمل مشروع الاسلام إلى الناس يجب أن تكون قد قطعت أشواطا في علاج الحسد، سواء بالوسائل الترغيبية التربوية أو بالوسائل الزجرية التنظيمية، ومن المفروض أن تكون الشدة أكثر على المسؤولين الذين يحسدون من تحتهم، فالتنظيم الذي يدافع عن المسؤول هو تنظيم يقتل ذاته، بينما التنظيم الذي يدافع عن المظلوم هو تنظيم صاعد، فلا أضر على التنظيم من المسؤول الذي يحسد من تحته ويصفيهم لما له من سلطة عليهم، يصفيهم لمصلحته للشخصية لا لمصلحة التنظيم، فيربح هو متعة نفسية جراء تصفية غيره ويربح ماليا واجتماعيا وتنظيميا جراء قطع رؤوس منافسيه، لكن التنظيم يخسر طاقات وكوادر هو في أمس الحاجة إليها خلال الزحف على قلاع الطغيان السياسي الجاثم على صدر الامة.

    على أن الخلاف قد يصنعه التنظيم أحيانا فقط بجموده وقلة برامجه وعدم نفعية هياكله، وليس بالضرورة أن يكون مرده إلى أمراض نفسية كحسد أعضاء التنظيم وتكبر مسؤوليه، فالتنظيم الذي تسوده البيروقراطية الجامدة مرتع خصب للخلاف بين الافراد الصالحين الطامحين إلى غد التغيير السياسي والتربوي، فالجمود يقتل المبادرة الحرة والحركية الدعوية التلقائية النشطة فيحز في النفس ويشعل نار الغضب لله التي تلقي بظلالها على العلاقات الشخصية بين أفراد التنظيم الواحد، يزيد النار اشتعالا تقاعس التنظيم عن معالجة الخلافات بذريعة نحن نترفع عن الخلاف، يا أخي ترفع ما تشاء فسوف تصلك حرارة الخلاف، فمنذ متى كان المسؤول التنظيمي يدفن رأسه في التراب مترفعا عن الخلاف، إنه في الحقيقة منحط غير مترفع، فالترفع يكون عن سفساف الامور لا عن خلافات بين المؤمنين يطرب لها عرش الشيطان ويتزعزع من هولها عرش الرحمان، دعني من دعاوى الترفع والتكبر والعجز التنظيمي المغلف بالدين وأساليب التنصل من المسؤولية وانزل إلى أرض الواقع وضع يدك في الخلاف وعالجه، ألم تقل أنك ستضع يدك في أوساخ الامة في غد الخلافة وتحل مشاكل الامة وتحلها، هيهات أيها المسؤول التنظيمي الجبار الخوار، لا أراك إلا دعيا، منافقا، تهرف بما لا تقدر عليه ولا حتى على نصيفه.

    الخلاف إذن ضرورة تنظيمية، وحله ضرورة تنظيمية أيضا، ولا معنى لأي ترفع عند حدوث خلاف تنظيمي، الترفع هنا خيانة وحفاظ على الكاريزما التنظيمية على حساب الجماعة، حفاظ على نقاء صفحة المسؤول من تلوثها بمعالجة الخلافات بما يصاحب ذلك من نجاح أو إخفاق، تهرب من مواطن الخطر إلى مواطن الامان والحفاظ على المنصب الرئاسي، مراوغة سياسية تعني وجود نظام تنظيمي فاسد يسيره فاسدون ويعني ذلك أيضا قوانين فاسدة لا تستطيع ان تحمي المسؤول الذي يتدخل لوضع حد للخلاف، تعني أن التنظيم لا يعطي أي ضمانات للمسؤول الغيور، تعني تنظيما ينشر الظلم والمحسوبية، عاجز عن إيجاد آليات تنظيمية لبقاء حرية الرأي، عاجز عن ضمان تبعات الكلمة الحرة.

    لاحظنا كيف أن الخلاف مرده إلى العامل النفسي تارة ومرده تارة أخرى إلى ضعف الهياكل التنظيمية وهلامية الروابط القانونية بين هذه الهياكل، بصريح العبارة الخلاف الاصل فيه مرض العضو أو مرض التنظيم، ومرض التنظيم ليس إلا مرض مجموع الاشخاص الطبيعية المكونة للتنظيم، بسبب مرض أعضاء التنظيم أو مرض رأس التنظيم أو مرض قيادة التنظيم أو مسؤوليه التنظيميين أو عدم قدرة الهياكل التنظيمية على معالجة حالات الوباء التي تظهر بين الفينة والفينة بين أعضاء التنظيم، معنى ذلك أن معادلة التنظيم غير صحيحة، فهناك خلل في اجهزة التنظيم أو مديريها أو القوانين والروابط التي تجمع هذه الهياكل والاشخاص المسؤولة عنها، لكن معرفة الاسباب ليست سوى نصف العلاج، والهدف ليس الوقوف عند أصل الداء والتمتع بمنظره المقزز، بل الغرض من الوصف هو معرفة أقرب الطرق إلى إصلاح العطب وإعادة الصورة إلى شكلها الطبيعي المبهج، الغاية هي العلاج لا البقاء مع المرض.

    إن معالجة الخلافات التي تطرأ بين الاعضاء أو بين الاعضاء والمسؤولين هي من اهم مسؤوليات التنظيم وهياكله ومسؤوليه، اللهم إذا كنا في تنظيم مكون من ملائكة، فالتنظيم مكون من أشخاص ينتمون إلى جنس البشر، يضيف البعض قليلا أو كثيرا من الجن، والبشر صنعه الله فجعله بصيرا سميعا متكلما مفكرا عاقلا يتخذ المبادرة [12]، ولم يجعله حيوانا يُساق، هنا كان التمييز وحضر التكليف، وبالتالي فاستعباد التنظيم للبشر غير منطقي ويخالف الدين ويخالف العقل، وقهر التنظيم للبشر ومنع تفكيرهم مخالف حتى للتوصيات الحديثة للتسيير الجيد والحكامة الادارية.

    يقول فقهاء الادارة إن المسؤول الناجح هو الذي يقنع من تحته بالمشروع ويجعلهم يخدمون المشروع من تلقاء أنفسهم عن محبة واقتناع ودون رقابة وفرض سلطة كما يفعل الاسياد في مواجهة العبيد حيث يرغمونهم على العمل لصالحهم بالحديد والنار، على أن هذا الاقناع لابد فيه من نزول أرض، ومشاركة هموم ومساواة في المعاناة، ولابد فيه من حب المسؤول لمن تحته أو على الاقل التظاهر بالحب ريثما يتسع القلب للحب الفعلي، إن لم تبكوا فتباكوا، ابتسامة صفراء يوزعها المسؤول الناجح في الشركة نصف الناجحة، أما الشركة الناجحة والتنظيم الناجح فيرمي الناس أنفسهم من عل لفائدة التنظيم مع كامل المحبة والتقدير للمسؤول.

    المشاركة [13] إذن سبب في حمل العضو للمشروع، المشاركة استعباد خفي بطريقة حلوة، والسماح للأفراد بالتفكير استعباد خفي أيضا واستعمال لطاقة الخصم في استنزاف نفسه لينجح المشروع، نقول خصم لأن مصلحة الجماعة غالبا ما تتعارض مع مصلحة الفرد، فمصلحة الفرد تتدهور مع مصلحة الجماعة التي بُنيت على الانتقاص من مصالح الافراد، هذه الجدلية سالت فيها دماء كثيرة بين اللبراليين والاشتراكيين، لكن الاسلام حسم الامر بوسطيته واعتداله، فجعل للجماعة حقوقا والافراد حقوقا، ولم يعط لأحدهما حقا على حساب الاخر، لكن الامر يختلط عندما تصبح مصلحة الجماعة دعاية تخفي وراءها مصلحة الافراد القيادية، ولعمري إن هذا هو الداء الذي يصيب التنظيمات والانظمة فيرديها صريعة غير قابلة لأي اصلاح سوى الهدم.

    التعبير عن الرأي قوة للتنظيم، والحرية قوة للتظيم، والتفكير قوة للتنظيم، وأجواء النقاش قوة للتنظيم، والهياكل التي تسري فيها اجواء الكلام والتعبير والنقاش وتقليب الامور هياكل ناجحة، الهياكل التي تستوعب أبناءها هياكل يرجى منها خير، أما الهياكل التي لا يروق لها إلا الدعاية الرسمية فهي هياكل آيلة إلى السقوط، فارغة مدمرة للأشخاص داخلها، الهياكل التي لا تقبل الاختلاف ولا تعالج الخلاف هياكل لا مستقبل لها، هذا في أحسن الاحوال، أما الهياكل التي تحارب أعضاءها المفكرين النشيطين المستقلين بأفكارهم عن دين الانقياد وتنصب لهم المكائد فهي هياكل مُجرمة، هي أصل الخلاف، وفشلها محقق لا محالة، وجرائمها ستكون مناط المسؤولية يوما ما.

    الهياكل التي تمكر بأفرادها تجاوزت الفشل إلى الخراب، تجاوزت الانتكاسة الدعوية إلى خسران الذات، تجاوزت الاخفاق السياسي إلى تلوث الذمة، لذلك لا نخاف من الدكتاتورية التنظيمية [14] عندما نقول أن الدعوة في حاجة إلى خلق أجواء الحوار للتقليل من الخلاف ومعالجة الخلافات التي تطرأ بين الكوادر المتحركة، النقاش والتعبير عن الرأي يفرغ ما في النفس من ثقل الفكر وكدر الحركة ويضع ذلك الثقل على أرض الجماعة للتعاون على فسخه، بينما القهر يفجر الصدور ويملؤها غيظا، والقهر يشعل النار بينما حرية العبير تشفي النفوس، وليس الخلاف إلا حرارة نار وليس التوافق إلا تعبير ثم التقاء.

    لعمري إن هذا الكلام يقرأه المسؤول التنظيمي ثم يدندن في نفسه قائلا: " أي حرية أيها الاحمق، يجب أن يطيع الجميع المسؤولين، الطاعة من النواظم الثلاث ويجب أن يطيعنا الجميع لتسير السفينة، ليس لدينا وقت لفك الخلافات ولا وقت لدينا للنقاش"، المسؤولون بالنسبة للمسؤول هم وحدهم الفاهمون، هم فقط من يحمل هم الأمة، هم فقط الصالحون، هم فقط من يجب أن يتكلم، والبقية مجرد ناس تابعين، مجرد حيوانات أليفة، مجرد خليط من الفاشلين دراسيا والضعفاء ماديا، مجرد حمقى نمسكهم بالدين، مجرد خليط من المدوخين والهابطين، مجرد شيء تافه، فلا نعطيهم حق المشاركة في صناعة القرار، ولا نستمع إليهم أصلا، وهل يُستمع إلى التافهين؟ القرار بيد الصفوة الماسكة بزمام التنظيم، الصفوة في الجاه والمال والشواهد والوظيفة وحلاوة اللسان الديني وسحر الكلام السياسي.

    التنظيم في نظر المسؤول التنظيمي قيادة وقطيع، هكذا يتخيل المسؤول التنظيم في عقله، لكأن عقله سقط على كوكبنا من القرون الوسطى حينما كان التنظيم البشري يعتمد على القائد القوي والعبيد التابعين، هذه الهيكلة التنظيمية كانت ذات مفعول ذات زمن، ولذلك نقرأ اليوم عن أبطال في الاسلام ونسخهم الجديدة من الزعماء في نسختهم المزورة، نقرأ في تاريخ الاسلام عن المقاتل الشرس فلان الذي يشق صفوف العدو والقائد العسكري علان الذي تجاوزت خططه العسكرية خطط القرن العشرين، خيل تجري وسيوف تُشهر ورؤوس تطير وأتباع تسير، ونقرأ لدى غير المسلمين عن الهراقلة الخارقين والجيل الجديد منهم من رامبو وباطمان وسبايدر مان وجميع أبطال الديجيتال، ورغم حلاوة البطولة في عين الناس الطامحين إلى الكمال البشري ولمعان هذه البطولة في أعينهم، إلا أن العقل البشري اليوم أصبح على يقين أن الناس سواسية، فلا وجود لأي باطمان ولا لأي بشر خارق للعادة، مجرد كاريزما وأنف مصقول وقامة ممشوقة وشعر مصفوق وحلاوة لسان وطريقة كلام وتهريج مضحك أو جدية مصطنعة تفرض هيبتها، أما غير ذلك فالبشر متساوون، ولذلك فالمسؤول التنظيمي الذي يتخيل نفسه قائدا إسلاميا يجر خلفه جيشا من التابعين يخوض في وهم كبير.

    عقلية اليوم تفرض المشاركة وسواسية المسؤول بالعضو، تفرض ثقافة الشركة في تسيير التنظيم، ثقاف التواضع والشعبوية، هذا الكلام شعار يرفعه الجميع، لكنه على ارض الواقع غير موجود، الواقع داخل التنظيم المتخلف إداريا هو أطعني أو أذبحك، لن أذبحك بالسيف كما كان يفعل السلاطين المتقدمين، لكني سأذبحك بطريقة مناسبة، سأذبح رأسك السياسي أو الاخلاقي أو التنظيمي أو الاجتماعي بطريقة نسائية، سأتركك تُفرطط وحيدا في غياهب النسيان والاستنكار والاحتقار، سأذبحك معنى وأتركك شكلا، ولو كانت ثقافة العصر تسمح بالذبح لذبحتك ذبحا ماديا، لكنها الدولة تقف حائلا ثم موجة حقوق الانسان التي تحافظ على شكليات الانسان، حقوق إنسان خادعة تحمل مشعلها حتى التنظيمات الاسلامية، توزع الابتسامات مجانا وتذبح الصالحين من سكات.

    ومن بين وسائل قطع الرأس النميمة [15]، وهي تعني قطع رأسك الاجتماعي والتنظيمي، وهي سلاح محتكر من التنظيم تماما كما تحتكر الدولة العنف، فالنميمة بالنسبة للتنظيم هو السلاح الذي يقطع به الرؤوس دون أن يكون للآخر حق الرد، وعندما ينبس ببنت شفة يصبح غير صالح لأن يجابه القدر ولا يصبر على البلاء، يقال له انه من العناصر المشككة أو القابلة للتشكيك ولا تصلح لبناء، سبحان الله، لو قال التنظيم هذا الامر قبل ثلاثين سنة، لو اجتزتم للعضو اختبار الالتحاق في بداية التحاقه ونظرتم هل هو صالح أم غير صالح لكان الامر أحسن، أما بعد حياة كاملة من الجري خلف مصالح التنظيم التوسعية والسياسية والدعوية والواجب الشهري [16] ثم يقال له آخر الامر أنت غير صالح و شاك وقابل للتشكيك، يصبح الأمر كأنه خدعة، استهتار بحياة الناس، ضحك على الذقون، لو كان غير صالح فلابد أن هناك خللا في تنظيمك، فقد كان طيلة شبابه وعطائه عضوا صالحا، فلا يُعقل أن ينتكس فجأة في كهولته أو شيخوخته، والاعداد المنتكسة بالألاف وليست آحادا، لابد أن سياستك الادارية غير صالحة وبرامجك التنظيمية غير مجدية ومسؤوليك فاشلون أو مجرمون، وإلا كان عليك أن تقول للعضو منذ البداية أنت غير صالح للتنظيم وتدعه يستثمر حياته في شيء آخر.

    تحدث سحرة اليوم من كوتشات التنمية البشرية كثيرا عن تدبير الخلاف، وقالوا بأن أفضل حل هو سياسة غالب غالب، بمعنى أن يخرج الجميع منتصرا، لكن هذه الفكرة تختلف عن فكرة القضاء العادل، فالقضاء لا يعترف بسياسة غالب غالب، بل هو يضرب ضربة لازب فيفصل في الخلاف لصالح أحد الطرفين فيجعله منتصرا ويجعل الطرف الاخر منهزما ثم يكلفه فوق ذلك بصوائر الدعوى، لكن الخلاف بين الاسلاميين داخل التنظيم الاسلامي يختلف قليلا وربما كثيرا عن الخلاف بالمفهوم العادي بين عامة الناس، الخلاف هنا ممزوج بالدين وبهياكل تنظيمية يقال إنها إسلامية وحسابات سياسية، خلاف له أبعاد رئاسية وأبعاد دينية، يُستغل فيها المركز التنظيمي وأيضا يحضر الامتياز الديني، بل إن حتى النفسيات داخل التنظيم تختلف عن نفسية عامة الناس، وبالتالي فإن نصائح رواد التنمية البشرية لا يمكن إسقاطها بعموميتها على الحالة هاته، اللهم في الإطار العام حيث يشترك أعضاء التنظيم الاسلامي مع عامة الناس في البشرية، لكن ومع استحضار الخصوصيات يتضح جليا أن الخلاف داخل ا لتنظيم الاسلامي لا يخضع إطلاقا للمعالجة الحداثية ذات الفهلوات الكلامية على المواقع والقنوات.

    نستحضر أولا الحقد التنظيمي الرئاسي الذي يطبع النفوس في صراعها على المناصب داخل التنظيم، ثانيا نستحضر الهيبة الدينية لزعماء التنظيم التي يتم صنعها بوسائل ماكرة بعدما كانت على العهد الأول يصنعها الله بالمكاشفات والرؤى والعمل الصالح في الميدان والبرهان على ساحة الابتلاء، ثالثا نستحضر مصلحة التنظيم التي تتدهور فيها مصالح العضو، رابعا نستحضر غياب هياكل قضائية داخل التنظيم الاسلامي، خامسا نستحضر الهاجس الامني الذي يقتضي إبقاء الخلاف في سرية تامة بعيدا عن أعين الدولة، سادسا نستحضر عقلية التسامح الساذجة المذلولة التي تسمح للبعض بالبغي على البعض لما لا يجد رادعا في وجهه، هذه العقلية تنتج عقلية مستسلمة استسلام النعجة للذبح، لا تنتظر إلا معجزة إلاهية، أما هي فلا تحرك ساكنا، منطق صوفي يتم الترويج له حتى لا يتحقق العدل داخليا وحتى يزاح عن أكتاف القيادة عبء إقامة العدل داخليا حسب نظرتها كي تتفرغ للجهاد ضد الاستبداد السياسي خارجيا.

    الظلم فيها وتريد إقامة العدل في غيرها.

    لا يمكنني في هذا المقام أن أطرح الحلول الكافية والشافية لإشكالية الخلاف، لكنني في لمحات أشير إلى أن الخلاف داخل الصف الاسلامي يجد حله في الجانب التربوي، فما يميز التنظيم الاسلامي هو امتلاكه لمؤسسات تربوية ودعوية من المفروض أنها تعمل على نشر ثقافة الحوار والتشارك والاخوة والمحبة والتسامح [17]، هذه العناصر يستحيل معها أن ينشب خلاف حاد بين الاخوان اللهم خلافات بسيطة غير ذات بعد ديني فيتدخل التنظيم بآلياته ومؤسساته فيفصل فيها بالعدل، كل ذلك تحت رقابة مؤسسة قضائية ذات سمو تنظيمي على التنظيم الذي يبقى تحت رقابتها في أي محاولة شطط في استعمال السلطة أو تجاوزها أو سوء في التقدير.

    التربية تُعلمنا أن الخلاف يُقتل في مهده، ولا يجب أن يتناوم التنظيم ومؤسساته في القضاء عليه باكرا قبل أن تتسع رقعته فيؤدي ثمن ذلك الاهمال كثير من الابرياء، التساهل مع المرض يؤدي إلى تفاقم المرض، والخلاف مرض من أمراض التنظيم، بل وأخطرها على الاطلاق، فإذا صار شقاقا قلبيا سالت معه دماء القلب والروح، والتنظيم لا يتدخل لا للوقاية ولا للمعالجة، هذا في أحسن الأحوال عندما نتحدث عن التساهل، لكن الواقع يشير إلى ما هو أخطر من التساهل، فهناك الصمت الشيطاني الذي تكون الغاية منه موالاة المسؤول على حساب العضو أو موالاة الذي معنا في اللوبي على حساب الآخر الذي يميل الى لوبي آخر، فالغاية هنا هي القتل التنظيمي، والمرض الذي يُسكت عنه تكون الغاية من تركه يستفحل هو قتل الطرف الضعيف في معادلة الخلاف، بمفهوم المخالفة هو التمكين للطرف القوي تربويا تنظيميا ماليا أو وظيفيا عن طريق خذلان الطرف الآخر.

    إنه لأمر شائن في حق تنظيم إسلامي يرمي إلى إقامة العدل والدفاع عن المظلوم والوقوف مع الحق حيث كان أن يسكت على الظلم داخل صفوفه، فالمفروض أن التنظيم الاسلامي دائر مع الحق حيث دار، حُداؤه صوت الحق لا صوت المصلحة، مرجعيته الاسلام وشريعته القرآن لا شريعة ميكيافيلي، فالتربية يجب أن تعالج التنظيم والافراد من هذا المنطلق، من منطلق إقامة العدل في النفس قبل إقامته في الناس، والتنظيم نفسه وسيلة علاج، فالتربية كلام ونصائح ومجالس رحمة وتوجيهات، توجيه وتحفيز وترغيب، والتنظيم تحرك واقعي ميداني عبر اشخاص ومؤسسات وقوانين وتدخلات ميدانية ترجع الحقوق إلى أصحابها وتتخذ تدابير تفض عقدة الخلاف وترجع الأمر إلى نصاب الاستقامة وباحة المحبة، فالناس لا تستمع أحيانا لصوت خطيب الجمعة الناصح بقدر ما تستمع لصوت القاضي على منصة الحكم ورجل السلطة عندما ينفذ الحكم ورجل الادارة عندما يزمجر في وجه كل من مخالف للقانون.


    📌 الهوامش

    1. [1] "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه الشيخان عن النعمان بن بشير مرفوعا. وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا. أوَلاَ أدلكم على شيء إن فعلتموه تحابَبْتم؟ أفشوا السلام بينكم".
    2. [2] الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، واحتفظ بها الأحبار من بعده، فكان الأمر يقتضي وجود عدد من ذوي الموهبة والعناية يتفرغون لحفظ الكتاب وشرح تعاليمه وتأويل مشكله وإيضاح أحكامه، كي يسير عليها الفرد والمجتمع، وأمر الله تعالى هؤلاء العلماء أن يكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون، ونهاهم عن كتمان شيء منه أو تحريفه أو شراء شيء من عرض الدنيا به، لكن الأمر آل إلى أن كثيراً من الأحبار أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، ضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية، يأكلون أموال الناس بالباطل، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال.
    3. [3] " مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" آل عمران: 79/80.
    4. [4] " لا نعادي أحدا ولا نحقد على أحد، إنما نعادي الفساد والفحشاء والجور والطغيان. نظرتنا إلى الإنسان من حيث هو مخلوق هي نظرة تكريم، لكن نظرتنا للأعمال التي يقوم بها وإلى سلوكه في المجتمع تتحدد بشريعة الله في الأرض. لا نيأس من حاكم مفتون أو سياسي جاهلي مغرور، ولا يغرنا عابد زاهد ولا عالم ذو ذلاقة لسان. في المؤمن جاهلية يجب تربيتها كما في الجاهلي لطيفة ربانية يجب تزكيتها." عبد السلام ياسين، مجلة الجماعة. العدد الاول، ص77.
    5. [5] التحكيم قضاء خاص يُخول هيئة التحكيم سُلطة فصل النزاع بين الأطراف المُتنازعة وهذه السُلطة مُستمدة من إرادة طرفي النزاع، ويتفق التحكيم والقضاء بكونهما جهات مُختصة للفصل في المُنازعات، لكن يبقى التحكيم قضاء" خاصا" ويبقى القضاء الرسمي هو السُلطة القضائية في الدولة وأحد مظاهر سيادتها، لذلك يختصُ القضاء بنظر في جميع القضايا التي تُعرضُ عليه ويفصلُ بها وفقا للقوانين النافذة بينما يبقى التحكيم بصفته قضاء" خاصا" غير قادر على حل جميع القضايا حتى لو اتجهت إرادة طرفي النزاع الى ذلك.
    6. [6] مذهب فكرى سياسى يمكن تلخيصه في عبارة "الغاية تبرر الوسيلة" و ينسب إلى الدبلوماسي والكاتب نيكولا مكيافيلي الذي عاش في عصر النهضة الإيطالية، و كتب عن هذا المذهب في كتابه " الأمير".
    7. [7] الجيل الَّذي تمَّ فيه اللِّقاء بين المثال والواقع، فترجم وطبَّق مثاليات الإسلام إلى واقع عملي.
    8. [8] يقول سيد قطب رحمه الله: " هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان. وأن يقفوا أمامها طويلاً. ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها.لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه، ثم لم تعد تُخرج هذا الطراز مرة أخرى. .".
    9. [9] فكرة "العنف المشروع" تستند في الأصل إلى مبدأ القانون الذي يعبّر عن الإرادة الجماعية التي يتنازل فيها الأفراد عن جزء من حريتهم للسلطة التي يختارونها وتمثلها الدولة، هذه الشرعية مستندة إلى الإرادة العامة، وفرض إرادة الدولة واحتكار العنف يكون داخل سلطة القانون وليس خارجه، أي أن احتكار "العنف المشروع" يأتي لصيانة مصالح الجماعة، وشرعيته تُستَمد من الأسس التي يعبر عنها والمتمثلة في فكرة الدولة وطبيعتها وتركيبتها. ومن ثَمَّ لا يمكن الفصل بين فكرتي: "العنف المشروع" ومفهوم "الدولة".
    10. [10] الإكليروس هو النظام الكهنوتي الخاص بالكنائس المسيحية ولم يظهر هذا النظام إلا في القرن الثالث الميلادي وتتفق الكنيسة الرومانية الكاثوليكية مع الكنائس الأرثوذكسية في درجات النظام الكهنوتي إلا أن البابا في الكنيسة الكاثوليكية يتمتع بسلطات أعلي من نظيره في الكنيسة الأرثوذكسية. أما البروتستانت فلا يعترفون إلا بدرجتين فقط من درجات هذا النظام وهما(القس والشماس) في الكنيسة البروتستانتية حيث يمتنع رجال الإكليروس في الكاثوليكية عن الحقوق الزوجية التي يترتب علي مخالفتها العقوبات الصارمة بينما لا تعترف الكنيسة البروتستانتية بذلك أما في الكنيسة الأرثوذكسية القبطية فيحظر الزواج على البطريرك والراهب فقط.
    11. [11] الحسد هو شعور عاطفي بتمني زوال قوة أو إنجاز أو ملك أو ميزة من شخص آخر والحصول عليها أو يكتفي الحاسد بالرغبة في زوالها من الآخرين. وهو بخلاف الغبطة فإنها تمنّي مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط.
    12. [12] " إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا، إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا. ." الانسان آية2
    13. [13] تعني المشاركة داخل تنظيم ما، أن يكون للأعضاء المتأثرين أو المرتبطين بقرار ما رأي في صنع هذا القرار، هذه القرارات قد تشتمل على حل المشكلات أو وضع جداول الأعمال أو توزيع المهام أو التدريب، أو أي عدد من الموضوعات التي ترتبط بأعمالهم. يشترك الأعضاء في تحديد الأهداف، وفي تقييم أداء بعضهم البعض، وقد يقررون أيضاً كيفية توزيع المكافآت. وتتحقق عن طريق تمثيل العاملين في الاجتماعات والجان ومشاركتهم في صنع القرارات.
    14. [14] المسؤول الدكتاتوري هو الذي يؤمن بالمركزية الشديدة في اتخاذ القرار ويحتفظ بجميع الصلاحيات والسلطات في يده ولا يسمح بأية فرصة لاستشارة معاونيه ويتدخل في الأعمال الروتينية والتفاصيل الدقيقة حتى توافه الأمور، أما المسؤول الديمقراطي فهو الذي يسمح لمرؤوسيه بالمشاركة في عملية اتخاذ القرار ويستشير وينزل للاستفادة من المرؤوسين.
    15. [15] تعرف النميمة بأنّها نقل كلام بين الناس بغرض الإفساد وإيقاع العداوة والكره بينهم وإيغال صدورهم، وأشد أنواعها حرمة وإثماً نقل الكلام إلى المسؤولين، وهو ما يعرف بالوشاية، وتنبع خطورتها من كون المسؤول ذو قدرة على البطش والانتقام وإيقاع الظلم، أما النّمام فهو ناقل الكلام بين الناس بغرض إيقاع العداوة والإفساد بينهم، وهو أشد خطراً على الناس من المغتاب، كون النميمة يتعدى أثرها إلى الجماعة، فتتسبب بقطع الأرحام، وتعكير صفو النفوس، وتوقع العداوة بين الناس.
    16. [16] مبلغ مالي يدفع شهريا الى التنظيم
    17. [17] عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُم الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَبِعَهُ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَت الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُم الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ ! فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ" ابن حنبل، المسند، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، رقم: الحديث 12236.

  • الزحف المنظم والتنظيم الزاحف

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 10 من 77 — فهرس الكتاب

    بعد ترسيخ أسس التربية، يبدأ التنظيم، ومع التنظيم لا تزول العملية التربوية بل تستمر وتتنوع، وبعد اكتمال التنظيم واشتداد عوده تأتي مرحلة الزحف الحقيقي، الزحف نحو المشاركة في الشأن العام، بنية الاصلاح، ثم عودا على بدء لفتح باب الدعوة وترسيخ التربية الايمانية والاخلاقية والسلوكية والمعرفية، وبذلك تكتمل الحلقة، وتدور عجلة الاصلاح والتنمية، تربية وتنظيما وزحفا والهدف دائما هو التربية، والتربية التي نعنيها هي تحبيب الناس إلى الله وتحبيب الله إلى الناس، لكن قد يبتدئ الزحف حتى قبل اكتمال التنظيم إنما بشكل لطيف.

    الزحف لا يكون إلا مُنظما، فالزحف المشتت لا يأتي بنتيجة، وهو أمر منطقي، فلكي يؤتي الزحف أُكله يجب أن يتم بانتظام حتى لا تضيع الجهود سدى، بلغة الاقتصاد والتدبير السليم "النتيجة المرجوة بأقل تكلفة مادية وبشرية"، على أن القيادة يُناط بها السهر على أن لا يضيع الزحف تحت هوى أمراء التنظيم، فهؤلاء مهمتهم هي خدمة الصالح العام وهو الغاية التي من أجلها التحق الناس بالتنظيم، في حالتنا هذه هو إقامة العدل والحفاظ على الحقوق، إلا أن الواقع علمنا أن هذه الغاية سرعان ما تغيب، بل تغيب حتى الغاية الايمانية الاحسانية وسط الهرج والمرج والكدر وفتنة الدنيا وزهرتها والتطاحن داخل التنظيم والاقتتال على السلطة، تغيب وسط الاهواء والمغريات والمثبطات والحفر المزروعة والبشر والخوف من الاهوال المتوقعة، ودواء ذلك شيء واحد، وهو اليقين، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعلم اليقين كما نتعلم القرآن حتى نعرفه.

    روى خالد بن معدان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه"، معنى ذلك أن اليقين يُتعلم ويُدرس ويُلقن كما يلقن القرآن، معنى ذلك أن هناك معلما ومربيا يسهر على تربية هذا الشيء في القلوب، فمحط اليقين هو القلب [1]، والقلب عندما يمرض يضعف يقينه، والمرض يأتي من الخلل في التربية، بمعنى أن الصحبة في الله تنقص أو تختفي أو تمُنع، أو أن ذكر الله قد فتر أو أن الوجهة قد تغيرت واختل ميزان النية والصدق، معنى ذلك أن اليقين شيء يُكتسب، لكنه في أحوال أخرى يكون علما َلدُنيا غير كسبي، يهبه الله لمن يشاء من عباده المخلصين، فيمتلئ القلب يقينا وطمأنينة.

    التنظيم هنا من المفروض أن يكون مُعلما مساعدا إلى جانب المعلم الكبير وهو الولي المربي، فالتنظيم مسؤول باستمرار عن إيصال المعاني الربانية والفتل فيها، ورجال التنظيم يجب أن يعطوا قدوة لإخوانهم في الصبر على مدلهمات الطريق عندما يبرزون ما في قلوبهم من يقين يُترجمونه أفعالا ميدانية تظهر مدى يقينهم في موعود الله وثقتهم بما في يد الله أكثر من ثقتهم مما في أيديهم، على أن التنظيم الذي يختل فيه اليقين تتيه وجهته ويتسلط عليه المخربون والمخبرون والعملاء والطامعون والمصلحيون والمخنثون والامعات وتضيق فيه مساحة الصادقين الشاربين من الاصل والمعين، ولذلك كان المسؤول التنظيمي أحوج الناس في عملية الزحف إلى تربية، فمتى انهارت تربية المسؤول انهارت تربية من معه ومن هم دونه، وهكذا دواليك حتى تضعف روحانية الجماعة وتقل الدعوة وتكثر المشاحنات والانتقامات والحسابات والولاءات الشخصية والتكتلات الموازية.

    الزحف المنظم يحتاج تنظيما زاحفا، لا تنظيما واقفا أو متراجعا، وآليات إصلاح أعطاب التنظيم يجب أن تكون مستمرة باستمرار الحركة والسير، ذلك أن المعول عليه دائما هو العمل المنظم، فالعامة لا تزحف إلا في اتجاه خبزها وفرجـها، هذا الغثاء [2] من الاعداد الغفيرة من الشتات لا يعول عليه بتاتا في إحقاق معادلة العدل والايمان، فلا تغيير يرجى منه إلا أن يهيج كالثور يوما فيحطم كل شيء، ثم تتسلم ثعالب التنظيم والسياسة الحكم، أما ما دون ذلك فلا يرجى من شتات خير على صعيد السياسة والحكم والدولة والدين.

    " ليكن الهدف المباشر هو الزحف الأرضي للاستيلاء على الحكم" [3]، هكذا وصف الرجل عملية الزحف، ومعناه أن الزحف كسب للمواقع على رقعة اللعبة السياسية لا تحليق في سماء الأحلام والخيال والوهم، وقد جعل الهدف مباشرا تماشيا مع مبدأ الوضوح، فوضوح الرؤية أهم من العمل نفسه، فلا عمل دون وضوح في الرؤية، إنما يتخبط من لا يدري هدفه، يتخبطه الشيطان من مس الهوى والجهل، لا يستوي هو ومن يرى ويمشي على صراط مستقيم، على بصيرة، ولا يخاف من الوضوح إلا المنافقون ومن في كروشهم عجائن الحرام وفي عقولهم مخططات الغدر، لذلك تجد المنافقين و أهل الغدر يفضلون المياه الضحلة والبرك الاسنة حيث تنعدم الرؤية، فهم يسعدون في الظلام، ويحيون في الميكروبات، ويتكاثرون في النتانة، ويهنؤون في الفتن، ويموتون تحت ضوء الشمس.

    الوضوح في الهدف يخلق أجواء الثقة ويوفر مجهودات فك الخلاف، ويعطي للعمل الجماعي موقعا متفردا على الميدان، كما أن التنظيم يحاسب سياسيا على وضوح مواقفه على اعتبارها مرجعا فكريا كلما ظهرت على الساحة مستجدات التدليس والتلفيق السياسي والاعلامي، فالخروج من سراديب الظلام يقتضي وضوحا، هذا الوضوح له ثمن، لكنه في جميع الاحوال منجاة من موارد الهلاك في أزقة الظلام، دعونا من غباء المنبطحين الذين يفضحون كل أوراقهم بقصد كسب ود سياسي بطعم الذل، إننا نقصد بالوضوح وضوح المواقف والمنطلقات والاهداف لا وضوح الوسائل والرجال والمهام والبرامج الداخلية والاسماء ومصادر التمويل، ومع ذلك نؤكد على أن وضوح الهدف وسرية الوسائل قد ينسجمان مع ثقافة الثغرة والفرصة، لكنه لا يكون لهما أثر الا مع ثقافة البناء، بناء الفرد وبناء المؤسسات، البناء البناء، وما عدا ذلك من عقلية الانتهاز والاقتناص دون بناء فهو السراب والضحك على الذقون.

    من صفات الزحف المنظم أنه بطيء شاق طويل وصعب المراس، ومن صفات التنظيم الزاحف أنه صبور مصمم عازم هادئ متحمل جلد غير مستعجل، يرسم الاهداف والسياسات طويلة المدى ويبرمج الخطوات الحالة، فالزحف المنظم يختلف عن ثورة طنجرة الضغط، وما تسخين الطنجرة إلا نشاط من أنشطته، ذلك أنه يعمل في وسط متغير متقلب وصعب، والتحديات الداخلية والخارجية لا تفتر عن التكاثر والتجدد والتلون والضرب بين الفينة والاخرى ضربات موجعة لأشخاص ومؤسسات التنظيم، فالسلوك السياسي نحو السلطة طريق دقيق وعر و شاق خطر، خطر لأهمية الهدف، فإسقاط المؤسسات الرسمية وتعويضها بأخرى لعب بالنار، اعتبارا لكون التغيير السياسي يطرح دائما تحديات كبيرة خاصة عند مواجهة نظام قد لا يعمل دائما وفق القانون، فلا قانون يعلو فوق قانون الممكن [4] ولا قانون يسمو فوق قانون الفرصة وشريعة الغاب، على أن التنظيم نفسه يتعامل مع أفراده أحيانا كثيرة بنفس المنطق، فلا قانون واضح، إنما هي الخديعة والفرصة وفن الممكن ومراكز القوة ما يحكم تصرفات أمراء التنظيم.

    إن التنظيم المتسرع غالبا ما يقع في أخطاء كثيرة، أولها الخروج عن السكة وآخرها الانقلاب، فوعورة الطريق أمر يصعب على تنظيم تتزعمه عناصر متشوفة إلى لذات الرئاسة والسلطة والمال والمكانة الاجتماعية والظهور على الاقران السياسيين والتنظيميين، لمعان السلطة في عيون أمراء التنظيم له إغراء قوي، ومع ضعف التربية وضعف رجال التربية على المستوى التنظيمي وخلو يدهم من سلطة القرار يصبح المؤمنون البسطاء ضحية رجال السياسة والتنظيم المتسرعين المتشوفين إلى لذة الحكم، لكن الذي يدفع الثمن الاكبر هو صاحب المشروع والصديقون الذين معه، هؤلاء يعلمون أن الزحف يتطلب تُؤدة وطول نفس وصبرا على مطارق التربية ومشاق التدافع السياسي ومرارات كدر الجماعة، ولذلك فإننا لا نمل من التذكير بأن التربية يجب أن تكون على رأس قائمة برامج التنظيم لا شيئا ثانويا زائدا، مجالس الرخاوة على طاولات البريستيج السياسي والنفاق التنظيمي التي تُعطاها هيلالة كبيرة من التنظيم وتخصص لها ميزانيات كبيرة وتجييش مؤسساتي وفكري كبير هي آخر ما يجب أن يستنفر التنظيم.

    الزحف الهادئ يتطلب نفوسا اعتادت على الرباطات الطويلة والصيام الطويل، على جلسات ذكر الله الطويلة في الخلوات، نفوس أنست شرنقة العبادة وتخلصت من شهوات الرئاسة والمال، نفوس لا تمل من الهدوء الطويل الذي يشبه الموت، لكنه موت خادع تدب في داخله حياة الايمان والفكر، فالقلب العامر بالله تحسبه جامدا وهو يمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، لكن هذا الأمر يتحقق فقط لآحاد أفراد، وهو غير متاح لجميع أمراء التنظيم الذين يصلون بطريقة أو بأخرى إلى مراكز القرار ليتحكموا في الجماعة وهم لم يضبطوا حتى أدبيات التربية فبالأحرى التمكن من حقائق الاحسان، ولذلك نرجع ونقول بأن التنظيم مسؤول من البداية عن ترسيخ معاني المحبة والاخاء والتضامن والتضحية ونكران الذات وخدمة الصالح العام بوسائله التنظيمية وقدوة عناصره القيادية وفتح المجال أمام رجال التربية ليمارسوا مهامهم التربوية بعيدا عن أسلوب الحسابات الرئاسية وإقصاء العناصر النورانية خوفا من مغناطيسها القلبي ذي الانعكاسات التنظيمية.

    الزحف عمل هادئ، منظم، رصين، مستمر غير منقطع، قاصد عازم غير متسكع، صامت غير صاخب، متفاعل غير جامد، مستقيم لكنه يدور، هذا في تعاطيه مع الواقع الموبوء، أما داخل الجماعة فالمفروض أنه لا زحفَ على الإخوان ولا هجوم عليهم، فلا شدة على المؤمنين ولا رحمة على الكافرين، بل سلام ورحمة وأمان وسبح في فضاءات رحمة الله، ذوبان في بوتقة الحب في الله، غياب كلي لنية الزحف على إذاية الاخوان وانعدام تام للتفكير في الزحف على مواقع المسؤولية والتشوف على المؤمنين والرئاسة عليهم والاضرار بهم أو النيل منهم أو التخطيط لهم بما يؤذيهم، فالزحف إنما يُفهم منه الزحف على قلاع الفساد لإصلاح النظام وإقامة العدل لا الزحف على المؤمنين للتمشيخ عليهم، الغاية هي الاصلاح لا الانقلاب، وإلا كان الزحف على التنظيم الداخلي الفاسد وإصلاحه أو تغييره أولى من الزحف على الغير.

    الزحف الحقيقي يمشي إذن على خيط رفيع وهو خوف الله لا خشية أمراء التنظيم، ومتى سقط الزحف عن هذه الشعرة هوى إلى جحيم التنظيم الجبار الخوار، فخوف الله معنى أساسي من معاني التربية التي يجب أن تكون مُفترضة في برامج التنظيم وفي أعضائه فبالأحرى في مسؤوليه، خوف الله قرينة على العلم وغير ذلك جهل، قال تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" [5]، معنى ذلك أن العلماء يخشون الله، بينما الجاهلون أبعد ما يكونون عن خوف الله، وبناء على ذلك يمكن القول أن التنظيم الذي لا يراعي الله في أعضائه هو تنظيم جهول ومسؤولوه من سلالة أبي لهب وحمالة الحطب، جهلاء جالسين على كراسي المسؤولية.

    وإذا كان الزحف بهذه الدقة والوضوح والهدوء والتصميم والعزم والخوف من الله فلابد أن يكون الهدف مباشرا، واضحا ودقيقا، وهو الزحف الارضي لا الوهمي، قالها الرجل بكل وضوح، ثم أتى من بعده من خوار الركب من يريد أن يلوي عنق النص الواضح وضوح الشمس لضعف في ركبه الايمانية ولحاجة سياسوية في نفسه، يتلوى وهو يتحدث عن دولة الحب والانسانية التي ستفرق الحب في مكاتب الادارة، دعنا من نفاقك أيها المجرم الملتحي الذي ما تزال يداه ملطختان بدماء المؤمنين فصلا وتشويها وتحميقا وتعذيبا وكيدا ونميمة، دعنا من أكاذيبك يا قفصا بلا طائر وتعال إلى هنا رجلا لرجل نتحدث حديث الرجال، متى كنت مُحبا لإخوانك في التنظيم؟ متى أحببت أخاك في الله أيها القلب الضيق الحرج والمسؤول المتعجرف، لم يبق لك الا الانسانية تحاضر فيها، حاشا أن يكون في غد مكاتب دولتك مثقال ذرة حب تفرقه على الناس، إنما هي حيل السياسة للوصول إلى السلطة، أما الانسانية فهي أبعد شيء منك.

    الهدف المباشر حسب قول الرجل هو زحف قاصد هادئ رصين، سعي نحو الاصلاح عن طريق الاستيلاء لا عن طريق الركوع على أبواب الفسدة، نبرة صوت الرجال تقول أن مركز القوة الذي يتبعه عدل لا يناله الرجال إلا بالقوة والتصميم وبالعزة المحمدية لا بالذل المتحاذق، كلام دقيق يعبر عن صدق الحديث، حديث الرجال، رجال الله، أولياء الله البراء من التكلف الذين لا يتورعون عن استخدام أدق العبارات رغم حمولتها السياسية الثقيلة في ميزان ضعاف النفوس، وضعاف النفوس اليوم بحر مائج، وهو أمر عادي في زمن اجتمعت فيه كل الخناجر القانونية والسياسية على قتل الرجولة.

    الزحف المباشر يتطلب إقداما لا نكوصا، شجاعة لا تخاذلا، اعتدال قامة لا انحناءة هامة، وضوح قول لا حكمة تقتضي، زئيرا في مواطن الحرب لا تعاهرا إعلاميا ولا لواطا سياسيا، قال تعالى: " وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" [6]، وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" [7].

    التولي وإعطاء الدبر في مواطن الاقدام جريمة وغضب من الله وفشل وموبقة وقلة رجولة.

    نشير هنا إلى نوع آخر من التولي وهو التولي عن الاصلاح بين الاخوان لفائدة مسؤولين معينين، قال تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. ." [8] معنى ذلك أن بغي الأخ على الأخ يستوجب من التنظيم أن يقاتل الباغي لا أن يسمح له بالبغي، ولا يجب أن يُطبل له وينصره فقط لأنه مسؤول، فقاتلوا التي تبغي، أي الفئة الباغية التي خرقت حدود الشريعة وطغت، النكوص عن قتال فئة المسؤول الباغي حتى يفيء إلى العدل والشورى تولي من نوع آخر عن الزحف على مراكز الفساد داخل التنظيم، فالباغي المسكوت على بغيه لن يتوقف عن البغي، وسيبغي وسيبغي حتى يخرب الصف بكامله، حينها سيجني الصف عاقبة التولي عن إصلاح البين داخل التنظيم.

    لاحظ معي أخي الكريم أن الثبات يوم الزحف أمر مصيري لا تنفع معه تبريرات الحكمة تقتضي، فالقضاء على الظلم وحشد القوة ضد الفساد الديني والدنيوي وتواجه الرجال مع الرجال في ساحة المعركة أمر من الاهمية بمكان بحيث لا يترك للمتخاذل من خيار إلا الثبات والهجوم، النصر أو الموت، ثم لاحظ معي كيف قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف بالشرك بالله وقتل النفس وسائر الموبقات، ذريعة الحفاظ على النفس تقتل أجيالا، وقد لاحظت ذلك في التنظيم، فمع انتشار ثقافة الانانية والنكوص والتخاذل والتولي عن مواجهة الفساد الخارجي والخوف من مصارحة الفساد الداخلي والتلوي والهروب من مواطن الخطر والمواجهة واعتبار ذلك ذكاء وفطنة وحنكة حصل الخراب الكبير للذمم والاخلاق والدين.

    من هنا كان التولي يوم الزحف قتلا للنفس من حيث التذاكي أنه حفاظ عليها، فالتذاكي هنا مصدره الجبن وتزعزع الثقة في الله وضعف اليقين فيه ونصره للمؤمنين، ونتيجة ذلك لا محالة هو الدمار الاخلاقي الكبير.

    إن نشر ثقافة الاقدام والتحدي هي مسؤولية التنظيم لا ريب، وإصلاح ذات البين هي مسؤولية التنظيم أيضا، وتربية الاعضاء على طول النفس وروح المسؤولية هي مسؤولية التنظيم، وتنظيم عملية الزحف ككل من ألفها إلى يائها هي مسؤولية التنظيم، على اعتبار أن التنظيم هو أهم أداة للزحف، وما التربية إلا العامل المعنوي المساعد، فمتى قام التنظيم بتصفية التربية وأهل التربية فقد صفى الزحف، ومتى ركن المسؤولون التنظيميون إلى حلاوة المسؤولية وتلكؤوا عن حمل مسؤولياتهم وخوض غمار البناء التنظيمي القوي فقد خانوا الرجال وقتلوا الزحف.


    📌 الهوامش

    1. [1] " من صح يقينه نظر بعين رأسه الخلق، وبعين قلبه فعل الله عز وجل فيهم، يرى تحريكه وتسكينه لهم، فهذا نظر العزة. من أولياء الله عز وجل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه، وباطنه بعين قلبه. وينظر مولاه عز وجل بعين سره". الإمام عبد القادر الجيلاني في " الفتح الرباني".
    2. [2] جاء في سنن أبي داود: عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» سنن أبي داود/ 4297، مسند أحمد/ 21890
    3. [3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص18
    4. [4] السياسة فن المُمْكِنْ على اعتبار أن السياسة فعل متميز لا يستطيع القيام به كل الناس، ذلك أن رجل السياسة الحقيقي يمارس الفعل السياسي في ضوء علاقة الممكن والمستحيل بالظروف الوقتية والواقعية و المناخ السياسي السائد، وفي إطار يجمع بين الواقع وقدرٍ من الخيال يساعد على تغيير الواقع في إطارٍ من الممكن، وهنا يحدث التزاوج القائم بين الحقائق الثابتة والأحلام القابلة للتطبيق فلا مخرج إلا من باب الممكن.
    5. [5] آل عمران، 175.
    6. [6] الأنفال 16
    7. [7] البخاري في كتاب الوصايا
    8. [8] الحجرات 9

  • سير موحد أم اجتهاد فردي؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 9 من 77 — فهرس الكتاب

    من فوائد التنظيم أنه يوحد السير، يجمع الجهود والعقول، ويمنع الشتات والعمل الفردي المنعزل الذي لا فائدة منه إلا على صاحبه، فالعمل المنظم له قوة وفاعلية بما أنه حلقة في مشروع كبير، والفرد الذي له مهمة في هذا المشروع لكأنه يحمل المشروع بأكمله [1]، يستشعر روح الجماعة، ويدخل في نطاق الآية الكريمة: " وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا " [2]، على أن هذا السير الموحد يحتاج وحدة تصور ثم انضباطا داخل الصف، فالفهوم المتفاوتة المتضاربة تشكل عرقلة للعمل، والعمل غير المنظم يعتبر خبط عشواء في ساحة متلاطمة الأمواج تحتاج فهما موحدا وعملا دقيقا وفعلا منظما.

    وحدة التصور تحتاج إلى علم مسبق [3]، والانضباط يحتاج إلى روح الجندية، والجندية عبارة عن مدارك يكتسبها الفرد باحتكاكه بالعناصر الفاعلة داخل التنظيم، فتقوى نفسه على احترام السير الجماعي وتقديس النظام العام وتنفيذ المهمات الموكولة إليه بالدقة المطلوبة، لكن وحدة التصور يصعب تحصيلها لتعلقها بالفهوم والارادات المختلفة، ناهيك عن الرصيد المعرفي الذي يأتي الفرد حاملا إياه إلى دواليب العمل المنظم، وكلنا يعلم حجم الاختلاف الفقهي والتضارب الفكري الموروث عن الفقهاء والعلماء المتقدمين، قرون طويلة من الاجتهاد والفتاوى والمدارس المتضاربة والمذاهب المختلفة [4]، هذا يضرب في ذاك.

    في بدايتي مع العمل المنظم كنت أستغرب من وجود مدارس مختلفة داخل نفس الصف، سلفية وشيعة وإخوان وصوفية وحركيون وإسلام فكري وخليط من التصورات، لم تكن وحدة التصور قد تبلور بعد واكتملت عناصرها على المنهاج الواحد، فأحيانا كنت أتأثر بالصوفية فألبس مسوح التصوف، وأحيانا كنت أجد نفسي مع الشيعة فألبس السواد، وتارة أخرى كنت أُعجب بالسلفية الصارمة فأحك أسناني بالسواك، تارة أخرى أجد نفسي حركيا مناضلا فلا شيء غير النقد السياسي والاحتجاج في الجامعة، تارة درويشا مسالما وتارة مقاتلا عنيفا وتارة شيعيا حاقدا وتارة سلفيا متزمتا وتارة وتارة.

    لكن مع مرور السنوات ومطالعة مزيد من كتب المدرسة التي انتميت إليها والاحتكاك بذوي السابقة والسفر من مدينة إلى أخرى وحضور المحاضن التربوية والرباطات الطويلة والاستماع إلى السابقين بإحسان كنت أجد تصورا جديدا يتبلور تدريجيا في داخلي نحو مزيد من الانفتاح وتقبل جميع التصورات، وبدأ الخليط يتفاعل في بوتقة واحدة لينتج تصورا واحدا ينسجم مع تصور المدرسة، هذا النضج الذي عشته وعاشه كثير ممن عاشرتهم داخل التنظيم أخرج لنا أناسا يحملون تصورات متقاربة في شتى ميادين الفكر والحركة والتربية والسياسة.

    لكنني أشير إلى أنه إذا كانت وحدة التصور على المستوى الفقهي يُقدر على توحيدها ببساطة بترجيح مذهب من المذاهب على المذاهب الاخرى بقرار تنظيمي أن اتبعوا المذهب الفلاني مثلا، فإن وحدة التصور بالنسبة لمواضيع أكثر عمقا وحساسية كالتربية والصحبة والمال والاقتصاد وشكل الدولة المرغوب فيه والعلاقات الخارجية والتحركات السياسية مع اللاعبين السياسيين وغيرها من المطالب الانية التي تطرح على الساحة يصعب توحيد التصور فيها، فيُلجأ عادة في ذلك إلى أدبيات الجماعة وكتب مُنظرها أو إلى الشورى كآلية لتوحيد الجهود أو إلى الدكتاتورية التنظيمية لإسكات الجميع.

    إن الاسلاميين خاصة والمسلمين عامة ليسوا على درجة واحدة من الفهم والقدرة على الفهم، قدرات عقلية مختلفة، والتنظيم مُطالب باستيعاب كل هذه القدرات العقلية المتفاوتة وجمعها والتأليف بينها دون إقصاء شوري أو قهر تنظيمي أو ضغط فكري، فالتنظيم القاهر فوق عباده لابد أن يدفع الثمن يوما ما، ذلك أن الايمان بالمشروع أمر مبني على الفهم والاقناع لا على القهر والاكراه، وقديما قالوا طلاق المكره لا يجوز [5]، وما بني على باطل فهو باطل باصطلاح الفقهاء، ولذلك فإن من أولى أولويات التنظيم أن يعمل على توحيد التصور كل وقت وحين بشكل طوعي وعلمي ولطيف، ونشير هنا إلى دور المحبة والذكر في توحيد التصور، فـذكر الله الجماعي من الأمور التي توحد الفهوم والقلوب، ذكر الله في حد ذاته علم بل هو ينتج العلم، فهو منبع العلم، وروح العلم، ذكر الله الكثير تأتي معه بحار من الفهم، ذكر الله يقرب الارواح والعقول داخل التنظيم، وما تعارف من الارواح في مجالس الذكر يسهل تشربه للتصور الجامع [6].

    لكن بالنظر إلى الارادات الهابطة والهمم العالية نجد أن وحدة التصور تتطلب مزيدا من الصبر والمصابرة، فالهمم المعلقة بالله غير الهمم المعلقة بالمناصب، والهمة المتعلقة بالدنيا غير الهمة المتعلقة بالحضرة، فالهمة المعلقة بالله تفهم عن الله، تنتصر لله وبالله، تصورها عميق المعنى، بعيد المدى، عالي المقام، بينما الهمة المعلقة بالمنصب التنظيمي فهمها مؤقت مصلحي ضيق، سطحي قريب المدى، هابط إلى دركات النفس والشيطان والتشوف على الاقران، الفهم الضيق نتيجة الهمة الهابطة، وينتج عنه تنفيذ المهمات التنظيمية وفق المصالح الشخصية الضيقة، ولذلك يكثر لدى هذه الفئة حب الجدل والنقاش والانتصار الفكري والحركي، ثم تجر معها الاخرين من ذوي الهمم الهابطة إلى حضيضها مما ينذر بتأسيس أجنحة على هامش التنظيم تكون غاياتها مرحلية مصلحية هابطة لا تخدم التصور العام للمشروع.

    هذا الأمر قد يتسبب في النفور والتباغض بين اخوان المدرسة الواحدة، وأحيانا الاقتتال العلني أو الصامت أو التنافس غير الشريف، وكل ذلك مرتبط بالمستوى التربوي الذي يسير فيه التنظيم، فمع رقي التربية على مستوى القيادة والقاعدة يرتفع سقف الاخلاق ويرتفع مستوى المحبة والفناء في الجماعة فينتج لنا وحدة التصور ووحدة الفهم ووحدة السير، فالتربية المتوازنة تقتضي سيرا جماعيا أشعريا [7] يسير سير الضعيف ويعين الكَل على نوائب المطبات الحركية والتربوية المتناثرة على طول الطريق، ومع غياب وحدة التصور يحضر الإجتهاد الفردي، خصوصا عند ضعف التنظيم وعدم قدرته على توحيد التصور، فيصبح التنظيم عبارة عن أمراء حرب، شتات منظم، كل يفتي برأيه ويتصرف بمشيئته ويستبد بقراراته، المهم أن يضبط من تحته، وتحلو لأغيلمة التنظيم كلمة الضبط لكأنه يضبط القمر، يمنع التمردات ويفصل المفكرين ويجبـي الواجبات المالية للقيادة ليقال إن التنظيم قوي موجود، لا يهم حتى كيف هو هذا الوجود.

    الإجتهاد الفردي لشخص المسؤول التنظيمي مع استبداده بتصوره القاصر يقتل الافراد على المستوى القريب ويقتل الجماعة على المستوى البعيد، يقتل الهمم ويحبط العزمات، يكسر القلوب وينفر الطاقات التربوية والتنظيمية الطموحة الذكية والفاعلة، يحافظ فقط على الإمعات، الشخصيات الضعيفة السامعة الطائعة الخانعة الراكعة، ولذلك كان من مهام التنظيم الناجح أن يقلل من هامش الاجتهاد الفردي للمسؤولين على اعتبار أنهم عرضة للخطأ وأكثر من ذلك عرضة للطغيان والاستكبار، الاجتهاد الفردي دوره محدود، فقط فيما لم يحضر فيه نص تنظيمي أو شرعي، والتنظيم الاسلامي يجب أن يرجع إلى الشريعة الاسلامية وعمادها القرآن والسنة النبوية ثم تنظيرات مؤسسيه الحركيين وزعمائه الروحيين، ثم ما أجمعت عليه الشورى من قرارات داخلية مُسطرة.

    الاجتهاد الفردي ليس إلا استثناء من الأصل وهو سيادة القانون، سواء القانون الداخلي للتنظيم الصادر من الجهة التشريعية داخل التنظيم أو القرارات التنظيمية التنفيذية الصادرة عن الجهات التنفيذية المختصة شريطة أن لا تتعارض مع القوانين الصادرة عن الجهة التشريعية، ونتصور أن التنظيم الاسلامي يجب أن يستقي قواعده القانونية من الشريعة الاسلامية لا من القانون الوضعي والمواثيق الدولية، من الشريعة الاسلامية وأيضا من الاجتهاد الجماعي القائم على الشورى وتنظيرات القيادة التاريخية المؤسسة للتنظيم، ثم أخيرا القانون الفرعي الذي تسهر على إعداده اللجان الداخلية المختصة، كل في قطاعه، شريطة احترام باقي القوانين في سمو بعضها على بعض [8]، لكن يبقى الاشكال داخل التنظيم الاسلامي في الجهة المخول لها تطبيق القانون وتفسيره، أي القضاء، فالتنظيم يعاني من انعدام الجهات الساهرة على تطبيق القانون، بل يعاني من غياب القانون نفسه.

    نخلص إذن إلى أن السير الموحد يقتضي قطعا نهائيا مع العشوائية والانفراد بالقرارات المصيرية، يقتضي قبل ذلك رجوعا إلى التربية باعتبارها عنصرا مساعدا ومهيئا ومحفزا على الانصهار في النظام العام، والتربية يلزمها تقيد كامل بالبرامج التربوية من لدن المسؤولين التنظيميين وفق الخط التربوي الذي رسمه المصحوب المربي وعدم الافلات من التربية وتركها للأعضاء، بينما يتطلب القطع مع عهد العشوائية والانفراد بالقرارات التنظيمية تكريس مفهوم تنظيم "الحق والقانون والمؤسسات"، فيعمد الساهرون على التنظيم إلى تسطير القواعد القانونية المنظمة للعمل الجماعي بشكل واضح للخروج من الضبابية التنظيمية، ثم يعمدون بعد ذلك إلى تكريس مفهوم المؤسسات والقطع مع ماضي أمراء الحرب وقياد المناطق، ثم أخيرا خلق جهاز قضائي داخلي يضمن الحق وتطبيق القانون والسير الطبيعي للمؤسسات.

    يقول الصيادون في الماء العكر إن التربية تكفي، والمحبة تكفي لخلق وحدة التصور وإرساء السير الموحد، يلعبون بالدين عندما تخور ترسانتهم الفكرية والتنظيمية، لا يا صديقي، هذا ما كنا نعتقده قبل عشرين سنة، كنا نظن أن التربية كافية لخلق وحدة تصور وكنا نعتقد أن التربية كافية وحدها لسير موحد، لكننا اكتشفنا أن الأمر شيك على بياض لمجموعة من الثعالب التنظيمية لتلعب بالمجموعة كيف تشاء، خلقنا قطيعا وذئابا ترعى القطيع عندما نثرنا المحبة ومنعنا حرية التعبير وسيادة المؤسسات، لقد نظمنا هذه العشوائية لضمان الشيك الابيض وخلقنا أجهزة تنظيمية لحماية الانفرادية وترسيخ فلسفة الذئب راعي القطيع، ثم أنتجنا الدكتاتورية المنظمة تحصيل حاصل، بينما المحبة خاصة والتربية بشكل عام ليست سوى الارهاصات الأولية لسير موحد، ليست سوى تعطير وتهيئة للأجواء العامة، لكن المعول على الجو التنظيمي العام والقانون والمؤسسات، بدليل أن التربية منفردة لوحدها حتى في غياب الثعالب خلقت إشكالات أخرى على مستوى وحدة التصور، وخلقت إشكالات تنظيمية جديدة أثرت على وحدة السير.

    التربية جامعة، والتنظيم جامع، ولا سير موحد دونهما، فمتى اختلت التربية طلع علينا فهم جديد وتصور جديد، ومتى اختل التنظيم خرج علينا أمير حرب جديد وشتات جديد، والتربية تختل عندما يرتبك أساس الصحبة أو عندما لا تدور السبحة بالشكل الكافي، بينما اختلال التنظيم في الدكتاتورية [9] الادارية وشكلية المؤسسات وغموض القانون، فمتى كانت التربية مبنية على أسس متينة كان التصور واضحا، ومتى كان التنظيم منضبطا للقانون منسجما مع المؤسسات الشورية صرنا نتحدث عن سير موحد.

    إننا لا نبحث عن صناعة نسخ مطابقة من الأفراد والمؤسسات داخل التنظيم، بل نبحث عن إفشاء استقرار فكري تربوي وتناسق حركي تنظيمي داخل التنظيم، رجلا سلما لرجل لا شركاء متشاكسون في الفهم متضاربون في التصور متخبطون في السير، ثم نريد بعد ذلك خلق مؤسسات شورية حية ومتفاعلة مع محيطها الداخلي والخارجي بكل مؤسساتية وديمقراطية ووضوح، بعيدا عن أسلوب الكنتونات التنظيمية التي يحكمها الافراد الذين يلتقون على مستوى القيادة ليتآمروا على الجماعة.

    إننا لا نتصور سيرا موحدا جامدا، بل نتصوره سيرا موحدا في مظهره متفاعلا في داخله، حركية تربوية وتنظيمية حرة منفتحة غير تشاكسية وفق المبادئ التربوية الايمانية الاخلاقية الديمقراطية الشورية الشفافة، هكذا فقط نحقق سيرا قاصدا موحدا يخدم الاهداف السياسية الاستراتيجية المسطرة والغايات الايمانية الاحسانية المرجوة.


    📌 الهوامش

    1. [1] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الإِسْلامِ، اللَّهَ لا يُؤْتَى الإِسْلامُ مِنْ قِبَلِكَ " حديث مرفوع، أخرجه المروزي، مؤسسة الكتب الثقافية 1 / 13.
    2. [2] المائدة، الآية 32
    3. [3] " أيها الولد، العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون"، أبو حامد الغزالي، كتاب أيها الولد.
    4. [4] المذاهب الإسلامية مدارس عقدية وفقهية تندرج كلها تحت الدين الإسلامي؛ فإذا كانت الاختلافات الفقهية ليست بالكبيرة بين المذاهب الإسلامية بشكل عام، إلا ان الاختلافات العقدية مؤثرة جدا سياسيا واجتماعيا.
    5. [5] قال صاحب الحلية: حدثنا. . . قال سمعت أبا داود يقول: ضرب جعفر بن سليمان مالك بن أنس في طلاق المكره، وحكى لي بعض أصحاب ابن وهب عن ابن وهب أن مالكا لما ضرب حلق وحمل على بعير! فقيل له: ناد على نفسك. قال: فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأنا أقول: طلاق المكره ليس بشيء.
    6. [6] " ومن حقك أخي وأختي أن تَعْلَم، أن تُعْلَمَ، أن تُخبَرَ، مجردَ الإخبار، والله تعالى يفتح قلب من يشاء ويختم ويحُل الأختام. في المسجد، في مجالس الإيمان، في صحبة الأخيار، في ليلة القيام المنيرة الساطعة على نهار الجهاد، في مداومة ذكر الله، في صدق الطلب وتلَهُّف الهمة". عبد السلام ياسين، العدل، ص365.
    7. [7] عن أبي موسى الاشعري قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم"، أخرجه البخاري، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض.
    8. [8] القواعد القانونية ليست على درجة واحدة من القوة، فبعضها يسمو على بعض، والقاعدة القانونية الدستورية في القانون الوضعي هي أسمى القواعد القانونية، وهو مبدأ متفق عليه بين فقهاء القانون، وكذلك بالنسبة لباقي القوانين حيث تسمو القاعدة الصادرة عن السلطة التشريعية عن تلك الصادرة عن السلطة التنفيذية.
    9. [9] الديكتاتورية هي شكل من أشكال الحكم المطلق حيث تكون سلطات الحكم والادارة محصورة في شخص واحد.

  • هوس السلطة

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 8 من 77 — فهرس الكتاب

    حب السلطة والهوس بها أمر طبيعي عند الرجل، فهو دائما يهفو إلى السيادة على أقرانه والتشوف عليهم والتحكم في حركاتهم ومصائرهم، وإذا كان الأمر قرين الانظمة الاستبدادية التي عودتنا دائما على التضحية بمصالح الناس مقابل الحفاظ على عروشها فإن الأمر مُستغرب جدا في التنظيمات الاسلامية التي تُطنطن علينا صباح مساء أنها سليلة الاسلام وشريعته ووريثة النبوة وأخلاقها وأنها تريد مصلحة الأمة لا مصالحها الشخصية.

    هل فعلا هناك هوس بالسلطة داخل التنظيم الاسلامي؟

    في نظري الاجابة على هذا السؤال شبه محسومة بالنظر إلى الجو العام الذي يسبح فيه العمل الدعوي داخل التنظيم الاسلامي، ورغم أن الناظر من بعيد أو غير المنغمس في العمل التنظيمي بشكل حقيقي يبدو له الجو العام خاليا تماما من حب الرئاسة، فهو يعتقد أن القوم في فناء تام في دعوة الله، لكن الحقيقة غير ذلك، فالسلطة هي المحرك الرئيس لأغلب الأنشطة التنظيمية وأغلبها يتم من أجل ترسيخ المركز التنظيمي لعنصر ما داخل التنظيم، طبعا يُلقى بالكلام التربوي على الملأ من قبيل الدعوة إلى الله والدلالة عليه لكن دائما يتم استبطان هوس السلطة في القلوب وتحت طاولات المجالس العليا.

    أرجع بالذاكرة إلى عشرين سنة خلت ونيف فلا أجد هذا الحرص على السلطة، والسبب في ذلك أنني كنت في هوامش التنظيم حيث لا تظهر مظاهر السلطة، في هذه الهوامش لا تجد سوى حرارة الايمان وأناشيد البطولة وأهازيج فلسطين وسير الرجال حول الرسول ولا وقت حتى للبحث عن السلطة التنظيمية أو الحرص عليها، لا يوجد هناك أصلا ما يغري بالسلطة، في هذه الهوامش التنظيمية المركز التنظيمي كله اثقال تنظيمية وخطورة سياسية، شيء واحد كان يغري بالمسؤولية أنذاك وهو الالتماس الايماني المباشر بالعناصر النورانية التي توجد على رأس قيادة الدعوة والتربية.

    بعد توالي الايام تغير الوضع، بل إنه تغير أنذاك دون أن ندري بما أننا كنا في القاعدة، لقد أصبحت المسؤولية التنظيمية مغنما ومكسبا يتصارع الناس عليه، أصبح التنظيم مرتعا لخيوط تنظيمية عديدة كل واحد منها يجذب في الاتجاه الذي يريد، هكذا بدأت الحروب التنظيمية والتكتلات الولائية واللوبيات الموازية، والغاية بعد أن كانت الله أصبحت السلطة، وبعد أن كانت السلطة مجرد أثقال تنظيمية ومخاطرات سياسية أصبحت مشيخة تربوية ومكانة دينية وإمارة تنظيمية وسلطة سياسية ومكاسب مالية يتصارع حولها سباع التنظيم.

    أصبحت ترى الأخ يقتل أخاه تنظيميا من أجل المنصب التنظيمي، يقتله بالتهميش والفصل والاقصاء بدعوى حماية الدعوة من العناصر المتسخة، يقتله نميمة داخلية وتشويها خارجيا، يقتله بالحفر التنظيمي والاجتماعي والاخلاقي، يحفر لأخيه الحفرة ويستدرجه إليها ليقضي عليه ويتمتع بعد ذلك بالمنصب التنظيمي، وبما أن التنظيم ساكت بل ومشارك في لعبة العروش فإن الأمر أصبح عاديا ومعمولا به داخل التنظيم، هذا يطيح بذاك وهذا يحفر لذاك، مصائد منصوبة وخطط محبوكة ومكائد مزروعة وحضي راسك عندك يفوزو بيك المسؤولين يا فلان.

    أصبح الهوس السلطوي شيئا عاديا جاريا به العمل بلا استحياء، وطبعا تُستدعى الترسانة الدينية في هذه الاحوال لتزكية الهوس السلطوي، أصبحت السلطة رمزا للقوي الأمين، وأصبح التواضع رمزا للمؤمن الضعيف، والمصيبة أن المسؤول التنظيمي أصبح رمزا تربويا بمعنى أنه صار شيخا مربيا يسهر على تربية المؤمنين بينما أضحى المتواضع العفيف الناكر لذاته رمزا للضعف يجب قتله تنظيميا لتخلو الساحة لمشيخة التنظيم، وبهذا الترامي التنظيمي على منبر التربية تمت تصفية العديد من رموز الجماعة الذين حملوا بين أضلعهم نور الصحبة.

    وبما أن الكرسي التنظيمي يخول كل هذه الصلاحيات فإذن هيا بنا نُقاتل على المنصب، هيا بنا نشحذ السيوف لنذبح كل من يقف في طريق نشوتنا التربوية والرئاسية، كل ينادي هيا بنا إلى مقامات الاحسان الموضوع تحت كراسي المسؤولية التنظيمية بما أن القاع التنظيمي لا إيمان فيه ولا ولاية ولا إحسان، إنه لا مال فيه أيضا ولا احترام و لا قوة عُمرية ولا أمانة مُوسوية ولا شيء مما يسر الانفس وتلذ به الاعين.

    أستحضر هنا الكثير من لقطات الهوس السلطوي، من بينها مسؤول تنظيمي استطاع أن يفصل من التنظيم كثيرا من الرجالات التربوية والتنظيمية واحدا تلو الآخر كي يصل إلى السلطة المطلقة في منطقته، ولم نكن نفهم حينها أن الأمر سير حثيث نحو المشيخة والسلطة، بل كنا نعتقد أن الأمر حرص على الدعوة، لكننا فهمنا أن الأمر تخطيط وتنسيق على أعلى مستوى تنظيمي من أجل ترسيخ بيدق تنظيمي ينتمي إلى لوبي معين يريد أن يثبت أركانه داخل التنظيم.

    تنظر في وجه المسؤول وحركاته وتصرفاته فتجدها كلها تدور حول الاحتفاظ بالمنصب التنظيمي، تماما كما يحدث في الانظمة السياسية المستبدة التي يحاربها التنظيم زعما، لكن النظام السياسي المستبد تجده داخل كل قطاع من التنظيم، إن التنظيم كله عبارة عن أنظمة دكتاتورية منتظمة في إطار فدرالية دكتاتورية كبيرة تسمى التنظيم الاسلامي، حيثما وليت وجهك تجد هوسا بالمسؤولية، من أعلى رتبة تنظيمية إلى آخر وحدة تنظيمية، الكل حريص على الكرسي التنظيمي، حتى تكاد تعتقد أنه لربما ستحل الخلافة الاسلامية قريبا فيتم توزيع الاموال والسيارات والنساء مجانا على المسؤولين.

    هوس سلطوي هو المحرك لكل تحركات التنظيم، الجميع يتحرك بما يحفظ كرسيه، يسير الكرسي الصغير وفق الكرسي الأكبر منه، في تناغم وتناسق حتى لا يضيع الكرسي ومن تحته، وفي ظل الهوس التنظيمي ترتكب الجرائم التنظيمية في حق المؤمنين، هذه الجرائم لا يوجد من يتابع مرتكبيها ولا من يحاسبهم بما أن ظهورهم محمية من الخلفيات التنظيمية التي ينتمون إليها، وبعد أن يمر المسؤول التنظيمي تتكشف من خلفه دماء زكية مهروقة وطاقات تربوية مهدورة وأدمغة نشطة كادت تجن حطمها المسؤول التنظيمي المهووس بالسلطة خلال مروره المبارك.

    لا بأس كل شيء يهون من أجل الدعوة، هكذا يبرر المسؤول جرائمه، ومضمون الكلام كل شيء يهون من أجل المنصب التنظيمي والمكاسب السياسية التي سيحققها المسؤول الفاهم الواعر الذكي القوي الذي لا مثيل له.

    إن الهوس التنظيمي بالسلطة مرض أصاب التنظيم في مقتل، لقد تشتتت الكثير من التكتلات الايمانية وتمزقت كثير من الروابط الأخوية التي كانت هي أساس العمل الاسلامي، كما أن الصراع التنظيمي على السلطة أبان عن خلل تربوي فظيع وعن ارتباك تنظيمي أفظع، بل إن أُسس العمل الاسلامي قد نخرها السوس منذرا بانهيار التنظيم ومنظومته الاخلاقية وغاياته الاستخلافية وفشل كل الوعود الاحسانية والسياسية التي رفعها المؤمنون الأولون الذين بنوا التنظيم على الفناء في الجماعة لا على المصلحة السلطوية الشخصية والمذهبية الضيقة.

    لقد أصبح الأمر عارا على الاسلاميين أن يتأسس بناؤهم الاسلامي التنظيمي على الصراعات السلطوية والمنافسات الرئاسية، أصبح لا معنى لأي تربية ولم يعد هناك معنى لأي دروس إيمانية، لنقلها بصراحة: التنظيم الاسلامي تنظيم سياسي تحركه الاطماع السلطوية.


  • السلم الإماري نعمة أم نقمة؟

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 7 من 77 — فهرس الكتاب

    التنظيم من ضرورات الجهاد، بلغة أخرى وبالأسلوب المنمق الحضاري فالتنظيم ضرورة لإحداث التنمية وتنظيم الجهود من أجل بلوغ المرام الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، التنظيم تعبئة ورص للصفوف وتوفير للجهد والوقت [1] والمال والرجال وفعل سياسي في الزمن والوقت المناسبين، التنظيم الاداري [2] طريقة عمل ذكية وأسلوب حياة أكثر رقيا من أسلوب العشوائية والتخبط والفردية، هذا التنظيم من أبجدياته أنه يتكون من سلم إماري، لنقل إنه هياكل إدارية هرمية متكونة من شخص فوق شخص ومؤسسة فوق مؤسسة، مؤسسات يسيرها أشخاص ويعمل فيها أشخاص، هرمية تنظيمية هي الاسلوب الشائع في شتى التنظيمات الاقتصادية والسياسية، هذا السلم الاماري يفرز لنا طبقات وتكتلات بشرية متفاوتة من حيث المكانة الاجتماعية والقوة الاقتصادية والهيبة الدينية.

    الشخص المسؤول عادة يتمتع بالاحترام والتقدير لـكأنه من صنع الصاروخ أول مرة، بينما الشخص غير المسؤول مجرد شخص تافه لا يفهم، فقير غالبا ويحمل أخطاء الاسياد دائما، هذا هو الشائع في التنظيمات داخل البلدان المتخلفة، والدول المحيطة على رأس قائمة التخلف في العالم، فهي في قاع القاع بإجماع جميع ألوان البشر على كوكب الارض، في الدول الأكثر حضارة ورقيا يخف هذا التفاوت ويختلف ميزان كيل البشر، فبالكاد تكاد تميز بين المسؤول وغير المسؤول وكأنك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في عهد عمر بن الخطاب، انكماش كبير في الفروق بين طبقات التنظيم خاصة وطبقات المجتمع عامة، فالمسؤول ليس عبقري زمانه ولا هو شخص خارق للعادة، مجرد شخص يقوم بوظيفة ما بسبب ملكاته العلمية أو العملية من أجل تسيير موقع تنظيمي معين، لا يكاد يميزه عن غيره من الناس سوى اسمه، فهو بين الناس بشر كالبشر [3].

    في التنظيمات الاسلامية واعتبارا لموقعها الاجتماعي داخل دول متخلفة يحضر فيها بقوة تميز المسؤول التنظيمي عن العضو العادي، تُضاف إلى الهالة التنظيمية هالة أخرى نورانية دينية تُسدل عليه مجانا بمجرد تموقعه التنظيمي، وقد يحصل على درجة ولاية الله بمجرد أن يتم انتخابه لموقع قيادي، فبالنسبة للتنظيم الاسلامي جميع أعضاء القيادة أولياء لله، وبخروج الشخص من مجلس القيادة فإنه يفقد ولاية الله وتُنزع منه الصحبة ولا يصح أن يكون مربيا أو ناصحا وفق ما ينشر في مجالس التنظيم، هكذا قد يحصل الشخص على مقام البدلية لمجرد حصوله على مسؤولية الجهة، وعلى مقام الوتدية عندما يحصل درجة نقيب شعبة، وهكذا دواليك، فالسمو التنظيمي قرينة على نوع معين من الولاية.

    هراء فكري واستغلال ديني فاحش لمؤسسات تربوية راقية.

    الكارثة أن الانتخابات داخل التنظيم الاسلامي التي تنتج لنا هذه المقامات الدينية القديسة في الغالب لا تتم بطريقة ديمقراطية نزيهة، فالمناصب لا تحصل بالانتخاب بل بحسن التموقع داخل التنظيم وبالتودد الدائم للمسؤول الاعلى درجة وبالعلاقات الشخصية خارج التنظيم وبالوظيفة والمال والشهادة الجامعية، وبذلك يكون المقام الديني المرافق للمقام التنظيمي مغشوشا غير حقيقي، خداع تنظيمي، مقام تربوي غير حائز على إذن ولا سند من أولياء الله الساهرين على التربية بل مصنوع في كواليس التنظيم، شيء مغشوش مقطوع عن الصحبة الواصلة، وهذه التربية المقطوعة لا تؤتي أكلها بل تُهلك القاعدة المخدوعة.

    الموقع التنظيمي في الحقيقة هو موقع سامٍ و سامٌ في آن واحد، سام من السمو وسام من السُم، سُم زعاف هو الموقع التنظيمي الذي يتقاتل عليه كل الناس داخل التنظيمات الاسلامية، فتلك الهيبة التي يتم نشرها داخل التنظيم بطريقة منظمة لترميز فلان أو علان هي سم زعاف يحقن داخل جسم التنظيم، أولا لأنه ينتج تربية منحرفة مسمومة وثانيا لأنه يتسبب في صنع طواغيت داخل التنظيم ثم يخلق جوا من الاقتتال على المسؤولية لنيل هذه الامتيازات الدينية والتنظيمية، أضف إلى ذلك أن الطاغوتية والحرب على المسؤولية يقع ضحاياها كثير من المؤمنين الذين يذهبون بين الرجلين لا لذنب سوى أنهم أخلصوا دينهم لله ولم يتموقعوا جهة أحد ضد أحد.

    السلم الاداري يجرنا للحديث عن السلطة [4]، ويسميها الغربيون القوة، فالسلطة قرينة القوة power، هذه السلطة هي مفهوم داخل مفهوم التنظيم الذي هو عبارة عن حقوق وواجبات وقوانين ومؤسسات وعلاقات وحدود تفصل كل مهمة عن الاخرى وتفصل كل رجل عن رجل ليقوم كل منهما بالدور المنوط به داخل آلة التنظيم، فالسلطة هي أهم أداة داخل الحزب والدولة والنظام والتنظيم والجمعية والشركة والمقاولة والتعاونية والسانديك وغيرها من أشكال التنظيمات، وبدون السلطة ينهار التنظيم، لكن هذه السلطة باب كبير يدخل منه الشيطان، كجميع المغريات الاخرى التي يدخل منها عدو الله وعدو الانسان.

    عندما استفاق الاوروبيون أواسط القرن17 جعلوا هذا المدخل الشيطاني ضيقا حرجا يصعد نفس المسؤول فيه إلى السماء من ثقل المسؤولية والمحاسبة، لم يتركوه غنيمة يلعب الشيطان بصاحبها ليُهلك الحرث والنسل، وقد عانوا قبل ذلك من هلاك الحرث والنسل وخراب الاوطان من تلاعب رجال السياسة والدين بالسلطة وتسخيرها لقضاء مصالحهم الشخصية وهي التي وُضعت بادئ الامر لخدمة الناس، فالناس لم يتنازلوا بداية عن السلطة إلا من أجل تنظيم الحياة ورفاهية العيش.

    نسقط حالتنا هذه على التنظيمات الاخرى غير الانظمة الحاكمة فنجدها حالة مصغرة تنطبق عليها نفس خصائص السلطة في الانظمة الدستورية السائدة، في التنظيمات الاسلامية مثلا تختفي المحاسبة [5] نهائيا، فالمسؤول في التنظيم رغم صغر كيان هذا الاخير سياسيا واقتصاديا يستشعر في نفسه سلطة مطلقة يكاد يطالب فيها بالتقديس والربوبية على الناس، تحس بهذه الفرعونية الضمنية وهو يمشي الخيلاء أمام المؤمنين ويرميهم بنظرات الاستصغار، تحس بالطاغوتية والمسؤول يكره أن يناقشه أحد، يستبطن في نفسه الافضلية على غيره وأحيانا يصرح بها، ثم يعمل على تركيع جميع من تحته، والويل لمن تسول له نفسه المقارعة أو المنافسة أو الاستفهام أو الجهر بالرأي المخالف، وإذا استحضرنا البعد الديني الحاضر بقوة داخل التنظيم الاسلامي نجد أن المسؤول يلبس مسوح التقوى بمجرد تحصيله للسلطة، فيزداد ركوع الاخرين له نظرا لحضور الاعتبار الديني القوي لديهم، فالمسؤول قرين الله ووليه وصاحبه والبائت معه والآمر بأمره والناهي بنهيه، ما قاله المسؤول هو ما أمر به الله، وما لم يقله المسؤول فهو من النفس والشيطان.

    أحيانا كثيرة يفعلها المسؤول التنظيمي عن حسن نية، والويل لمن شكك أو امتعض، يـغريه الشيطان فيصور له نفسه على أنه فعلا ولي من أولياء الله بما أنه مصطفى للمسؤولية، فتجده يُغير من مشيته متناسيا ولا تمش في الارض مرحا [6]، يُغير طريقة كلامه ويتحدث من مكان علي، ينظر لمن حوله على أنهم مسخرون من الله لخدمة الدعوة، والدعوة في مخيلته هي شخصه، تماما كما يحس الدكتاتور أنه هو الوطن، فالمسؤول لا يُعصى، وبالتالي طاعته واجبة ولو سرق مالك وضرب ظهرك، فإنما هو أمر الله الذي يوجب الصبر والاحتساب على ظلم قجاقل المرشد [7].

    أمراض نفسية يعاني منها المسؤول التنظيمي تجعل العمل المنظم في خبر كان والتربية في خبر كانت.

    نلاحظ بوضوح أن السلم الاماري كارثة على التنظيم الاسلامي، وعندما أستحضر الامثلة الحاضرة أمامي أكاد أجزم أن أول عمل كان يجب على القيادة التاريخية التي أسست التنظيم أن تفعله هو تهشيم أنوف المسؤولين وكسر نفوسهم قبل أن ينالوا المسؤولية التنظيمية داخل التنظيم، فطريقة الاختيار المبنية على المال والجاه والمكانة العلمية والقرابة الشخصية كانت معايير خاطئة تسرب أهلها إلى جسم التنظيم فأهلكوه، والمعيار العُمري كان أصح، الغناء والسابقة والحظ من الله، معايير ثلاثة قال بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجعلها نبراسا لتعيين المسؤولين [8].

    على أننا في عصرنا هذا لسنا عبيدا لعمرو ولا زيد، فواجبنا أن نرفع القبعة لسيدنا عمر ونترضى عنه ونتبرك بزيارة مضجعه ونترحم عليه وسنقتدي بسيرته ونهتدي بهديه ونهدي إليه آيات من كتاب الله ونلقن سيرته للأطفال ليكونوا على نهجه، لكننا مطالبين بالاجتهاد كما اجتهد هو لما هو في صالح قومه، وعلى ذلك أرى أنه يجب أن ينضاف معيار آخر إلى هذه المعايير، وهو معيار التواضع [9]، فصاحب الغناء والسابقة والحظ من الله لا يصلح للإمارة إذا كان مترفعا عن الناس ظانا في نفسه الولاية والفضل والسيادة والأفضلية عليهم.

    هذا الامر مفترض في من له حظ من الله، فصاحب الحظ من الله هو أكثر الناس تواضعا، وعندما نرى أمراء في التنظيم يتعوجون في مشيتهم تكبرا نفهم أن لا حظ لهم من الله رغم دعاويهم أن هذه المشية لإخافة أعداء الله، فالواقع يشهد أنهم يمشونها أمام إخوتهم وليس أمام الاعداء، أما أمام الاعداء فيتحدثون لغة الحكمة تقتضي ولغة الصبر على البلاء، وأمام يسار الالحاد والمروق وحط قدم و هز قدم وكشلي بالدم فيتحدثون بكل تواضع وخفض جناح وحنان ورأفة وأريحية عن التشارك والمشاركة والاشتراك عكس ما يعاملون به الاعضاء داخل الصف من تخراج عينين واحتقار و نهر وعجرفة.

    أمراء التنظيم حين يتكبرون على المؤمنين هم أكبر أعداء الله ولا نقاش، مقعدهم في قاع جهنم إلى جانب فرعون وهامان لا يمكن أن ينازعهم فيه أحد، أخذوا ذلك من تبعيتهم للشيطان الذي تكبر وتجبر وظن من نفسه الافضلية، مكانهم بجوار الطغاة الجبابرة الذين مروا عبر التاريخ وكلهم تميزوا بالكبر والتجبر، ولذلك فالامير الجبار لا أحد مزاحمه في قاع جهنم رغم دعاويه بالولاية والصلاح والتدين والحكمة والنزاهة والصلاة وعدم السرقة، سرقت حياة الناس يا عدو الله مستغلا دين الله فكيف تضحك علينا بعدم سرقة دريهمات، لو سرقت وزنيت وسكرت لكان أفضل لك من التجبر على خلق الله والاستعلاء عليهم وتسخيرهم لقضاء مآربك النفسية، وكثيرا ما أمر أمام شباب مبتلين بالسكر والزنى والسرقة والمخدرات على ناصية الشارع فلا يساورني شك أن المسؤولين التنظيميين المتعوجين في مشيتهم أكثر حقارة وإجراما من هؤلاء المذنبين البسطاء.

    التنظيم الاماري نعمة إذا كان يحكمه قانون صارم يحمي البسطاء، إذا كان فوقه سلطة قضائية تبطل كل قراراته الادارية المتسمة بالشطط وتعاقب كل حقير تجبر على خلق الله وتضرب على يديه حتى ينزل منزلة البشر التي خلقنا الله عليها سواء، حتى لا ينافس الله الالوهية وحتى لا يستعبد خلق الله مستغلا دين الله وسلطة التنظيم الامارية.

    التنظيم الاماري نعمة إذا كان المسؤولون فيه يعتقدون أنهم ما بأولياء ولا خيرة الله في ارضه، بل هم مجرد موظفين اصطفاهم الله لخدمة عياله وعيال الله خلق الله [10]، وكلما حادوا عن هذه المهمة أصبحوا شياطين قذرة تلبس مسوح الدين وتلبس على الناس دينهم، نعمة هو السلم الاماري إذا كان أداة احتضان للمؤمنين وأخذا بيدهم إلى طريق الله ونصحا لهم بتواضع وجمعا لشتات قلوبهم وأرواحهم من الفردية الفاشلة والانزواء السلبي، نعمة هو إذا تم تسخيره لشد عضد المؤمنين واستقصاء أخبارهم أول بأول ورعايتهم وتتبع مسيرتهم الايمانية ومشاغلهم الدنيوية وتشجيعهم على اقتحام العقبات الدينية والدنيوية، نعمة هو السلم الاماري إذا كان قنطرة إيمانية تنقل معاني الخير من القيادة إلى القاعدة، تحبب الناس إلى الله وتحبب الله إلى الناس، أما غير ذلك فهو الخبال والطاغوتية.


    📌 الهوامش

    1. [1] " ليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحا أن تصرفه في الغفلة وتضيعه في ما لا يغني، واعلم أن الوقت الذي تندم عليه ولات ساعة ندم هو وقت لم تذكر فيه الله". المنهاج النبوي، ص54.
    2. [2] الإدارة فن قيادة الآخرين، فالإنسان يتشكل من مجموعة من العواطف والمشاعر، لذا فهو بحاجة إلى مرونة كاملة في التعامل معه، لذا فالواجب على الإدارة أن تكون مرنة، وعلى المدير الناجح أن يفهم ذلك جيداً.
    3. [3] روى أبو داوود عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: " كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَجْلِسُ بينَ ظهرَيْ أصحابِه، فيجيءُ الغريبُ، فلا يدري أيُّهم هو، حتى يسألَ، فطلَبْنا إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: أن نَجْعَلَ له مجلساً يَعْرِفُه الغريبُ إذا أتاه".
    4. [4] السلطة هي الاستخدام الشرعي للقوة بطريقة مقبولة اجتماعيًا، وهي القوة الشرعية التي يمارسها شخص أو مجموعة على الآخرين. ويعد عنصر الشرعية عنصرًا هامًا لفكرة السلطة وهو الوسيلة الأساسية التي تتمايز بها السلطة عن مفاهيم القوة الأخرى كفرض القوة قسرًا أو باستخدام العنف. وتعتمد السلطة في المقابل على قبول المرؤوسين منح الحق لمن فوقهم من رؤساء بإصدار الأوامر أو التوجيهات.
    5. [5] المحاسبة نوع من المراقبة البعدية، أي أنها عبارة عن مسلسل لوضع الإنجازات رهن إشارة من يملكون القدرة على تقويمها والحكم على مدى صحتها ودقتها، وقد أضحت المحاسبة في الوقت الراهن تلعب الدور الريادي في تتبع السياسات العمومية، وبالتالي التمكن من محاسبة الجهة التي عملت على تنفيذها، خاصة فيما يتعلق بالشق التنموي منها، بحيث أن واجب تقديم الحسابات يعد عنصرا أساسيا في كل استراتيجية لتحديث بلد ما. فكلما كان الفاعلون في التنمية مطالبين بتقديم الحسابات للمواطنين حول السياسات التي ينفذونها كلما تعززت فرص تنفيذ المشاريع، بهدف خدمة المجتمع وتحسين رفاهية المواطنين. وهي بذلك تتميز عن المساءلة التي هي عملية استجواب أصحاب القرار بشأن النتائج التي أفضت إليها المحاسبة.
    6. [6] ". . وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" لقمان28.
    7. [7] عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قلتُ: يا رسول اللَّه! إنَّا كنَّا بِشرٍّ, فجاء اللَّه بخيرٍ, فنحن فيه, فهل من وراء هذا الخير شرٌّ؟ قال: «نَعَمْ» قلت: هل وراءَ ذلك الشَّرِّ خيرٌ؟ قال: «نَعَمْ». قلت: فهل وراء ذلك الخير شرٌّ؟ قال: «نَعَمْ» قلت: كيف؟ قال: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ». قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللَّه إن أدركت ذلك؟ قال: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ». أخرجه أحمد 8713.
    8. [8] فضل عمر رضي الله عنه الناس في العطاء بعضهم على بعض، وقد كانوا على عهد الصديق رضي الله عنه سواسية فيه، سألوه عن ميزان التفضيل، فقال: «المرء وغناؤه في الإسلام، المرء وسابقته في الإسلام، والمرء وحظه من الله».
    9. [9] كان عمر بن الخطاب يلبس ثوبا عليه اثنتا عشرة رقعة. ومن تواضعه وسياسته لنفسه وإلجامه إيّاها أنه جمع الناس في المسجد فخطب يقول: «أيها الناس! لقد رأيتُني وأنا أرعى على خالات لي من بني مخزوم. فكنت أستعذِبُ لهن الماء، فيقبضن لي القبضة من التمر أو الزبيب». ثم نزل فسأله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ويحك يا ابن عوف! خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين! وليس بينك وبين الله أحد! فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعَرِّفها قدرها. ولما قدم الشام بعد فتحها عرضت له مَخَاضَةٌ في النهر، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه فأمسكها بيده، وخاض الماء ومعه بعيره. فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض! يعني أن أهل الشام ألفوا عجرفة الروم وأُبَّهتهم، فهم لا يتوقعون من رئيس دولة أن يتصرف بهذه البساطة. فما كان من عمر إلا أن صَكَّ في صدر أبي عبيدة قائد جيش المسلمين وقال: أوه. لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذلَّ الناس وأحقر الناس وأقل الناس. فأعزكم الله بالإسلام. فمهما تطلبوا العزة بغيره يُذِلّكم الله". الاحسان1، ص413.
    10. [10] " الخلقُ عيالُ اللهِ فأحبُّهم إلى اللهِ أحسنُهم لعيالِه" أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (5541 )، وأبو نعيم في حلية الأولياء (2/ 102)، والبيهقي في شعب الإيمان (7048).

    ◀ الفصل السابق: اللوبيات التنظيمية

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: هوس السلطة

📚 المكتبة القانونية