المدونة

  • العفو الملكي: فرصة ثانية لآلاف المغاربة

    العفو الملكي: فرصة ثانية لآلاف المغاربة

    في لحظات تاريخية معينة، تختار الدول إظهار رحمتها عبر قرارات إنسانية كبرى. هذه القرارات لا تقتصر على نصوص قانونية جافة، بل تحمل معاني عميقة عن التسامح والعدالة التصالحية. عندما يستقبل المجتمع أخباراً عن عفو جماعي، فإنه يستقبل في الواقع فرصة للبدء من جديد لأفراد وعائلاتهم.

    المشهد الذي يرسمه العفو الملكي لا يتعلق فقط بأرقام إحصائية باردة. إنه يتعلق بأشخاص حقيقيين يعودون إلى منازلهم، بآباء يعيدون الاتصال مع أطفالهم، بعائلات تبدأ فصلاً جديداً من حياتها. هذه الخطوة الإنسانية تعكس فلسفة القضاء الحديث التي تؤمن أن العقوبة ليست الهدف الأوحد للنظام القانوني.

    ماذا يعني العفو الملكي فعلياً؟

    العفو الملكي ليس مجرد إجراء روتيني يتكرر في المناسبات الرسمية. إنه امتياز دستوري يعكس سلطة الدولة في تطبيق العدالة برحمة. عندما يصدر العاهل قراراً بعفو جماعي يشمل آلاف الأفراد، فإنه يرسل رسالة واضحة حول أولويات النظام القانوني: الإصلاح والتأهيل بدلاً من العقاب الدائم.

    هذا النوع من القرارات لا يتخذ عشوائياً. خلفه دراسات مكثفة عن الحالات المستحقة للعفو، معايير واضحة تراعي سلوك السجناء، مدة عقوباتهم، وسلامة المجتمع. الجهات المختصة تمر على ملفات معقدة لاختيار من يستحق فرصة ثانية، مراعية حقوق الضحايا أيضاً.

    التأثير على النظام السجني

    العفو الملكي ينعكس مباشرة على الاكتظاظ في المؤسسات العقابية. السجون في العديد من الدول تعاني من امتلاء يتجاوز طاقتها الاستيعابية، مما يؤثر على الظروف الصحية والنفسية للمساجين. عندما يُفرج عن آلاف الأشخاص بموجب عفو، يخفف الضغط على هذه المؤسسات، مما يحسّن ظروف من تبقى فيها.

    معايير الاستحقاق

    ليس كل سجين يستطيع الاستفادة من العفو. هناك معايير محددة: السن، طبيعة الجرم، السلوك داخل السجن، مدة العقوبة المتبقية، والحالة الصحية. هذا النظام يضمن أن العفو يذهب لمن يستحقه فعلاً، مما يحافظ على توازن بين الرحمة والعدالة.

    كيف يعود المُفرج عنهم للحياة الطبيعية؟

    الإفراج عن السجين لا ينتهي بفتح باب الزنزانة. البداية الحقيقية تبدأ بعد ذلك مباشرة، حيث يواجه تحديات إعادة الاندماج الاجتماعي. الشخص الذي قضى سنوات في السجن يعود إلى مجتمع تغيّر، وعائلة قد تكون اختلفت، وسوق عمل قد لا يرغب في استقباله بسهولة.

    الدعم الاجتماعي والنفسي

    إعادة الاندماج الناجحة تتطلب نظاماً متكاملاً من الدعم. المؤسسات الاجتماعية والجمعيات المتخصصة تقدم برامج لمساعدة المُفرج عنهم على العثور على عمل، والتعامل مع الصدمة النفسية، وإعادة بناء علاقاتهم الأسرية. بدون هذا الدعم، قد يجد البعض أنفسهم محاصرين بين الماضي والحاضر.

    فرص التوظيف والتدريب

    من أهم التحديات التي يواجهها المُفرج عنهم هو العثور على عمل مستقر. السجل الجنائي قد يكون عائقاً في سوق العمل. لكن البرامج الحكومية والمنظمات غير الحكومية تعمل على توفير فرص تدريب مهني وتوظيف موجه، خاصة في القطاعات التي تؤمن بفرص المواطنة الثانية.

    الآثار الإيجابية على المجتمع

    قد يتساءل البعض: هل العفو عن آلاف الأشخاص آمن للمجتمع؟ الدراسات الجنائية تشير إلى أن العفو المدروس لا يزيد من معدلات الجريمة، بل قد يقللها. السبب بسيط: الشخص الذي يشعر بأنه حصل على فرصة ثانية من المجتمع، وأن الدولة تؤمن بقدرته على التغيير، يكون لديه حافز نفسي قوي لعدم العودة للطريق القديم.

    بناء الثقة بالنظام العدلي

    القرارات الإنسانية من هذا القبيل تعزز الثقة بالنظام القضائي. تظهر أن النظام ليس آلة عقاب بلا رحمة، بل هو نظام يسعى للعدالة الحقيقية التي تأخذ في الاعتبار إنسانية الفرد وقدرته على الإصلاح.

    التأثير الاقتصادي والاجتماعي

    عندما يعود آلاف الأشخاص للمجتمع ويصبحون عاملين منتجين، يترجم ذلك إلى فوائد اقتصادية واجتماعية. يقل الضغط على موارد السجون، تزداد قوة العمل، وتقل الضغوط على الخدمات الاجتماعية المرتبطة بسجناء الأسر.

    التحديات الباقية

    رغم كل الآثار الإيجابية، لا يزال هناك تحديات. المجتمع قد يكون غير متقبل في بعض الأحيان للعائدين من السجن. الوصمة الاجتماعية لا تزول بقرار حكومي، بل تحتاج لوقت وثقافة تسامحية. الحكومة والمنظمات المدنية يجب أن تعمل معاً على تغيير الذهنيات وفتح آفاق جديدة لهؤلاء الأشخاص.

    خلاصة: العفو كاستثمار في المستقبل

    العفو الملكي ليس مجرد رحمة عابرة أو احتفال برمزي بمناسبة وطنية. إنه استثمار حقيقي في مستقبل المجتمع. إنه اعتراف بأن الإنسان قابل للتغيير، وأن العدالة الحقيقية تكمن في إعطاء الفرص، وليس في الانتقام الدائم.

    عندما نستقبل خبراً عن عفو جماعي، نستقبل في الواقع قصصاً إنسانية كثيرة: آب يعود لأطفاله، شاب يبدأ حياة نظيفة، عائلة تعيد لملمة شتاتها. هذه ليست أرقاماً، بل حيوات حقيقية تستحق الفرصة.

    ما رأيك أنت؟ هل تؤمن بأن المجتمع يجب أن يعطي فرصاً ثانية للأشخاص؟ شارك تعليقك معنا.

  • في الحاجة إلى ثقافة الاحترام داخل التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 75 من 77 — فهرس الكتاب

    صلت وجلت في هذا الكتاب في مواضيع كثيرة، وأحببت أن أختمه بدواء قد يكون بلسما لمختلف أنواع المشاكل الناتجة عن تلاقي الأجسام داخل التنظيم، إنه الاحترام، وهو نوع من التقدير والاعتراف بإنسانية الآخر وكرامته عند الله [1]، الاحترام يولد السلام والسلام يأتي بالمحبة، بينما الاحتقار إذاية، والاذاية تولد الحرب، والحرب تقضي على المحبة، وباندثار المحبة ينهار التنظيم، لكن التنظيم لا يؤمن بقدرة البغضاء على تدميره، يعتقد أنه يقوم بالأوامر والضبط والصرامة والقسوة والمكر والحفر والكيد والتآمر والدهاء والركوب على التربية.

    أعرف أن التنظيم يكره سماع كلمة محبة، اللهم تلك المحبة السياسية المخادعة، إنه لا يؤمن إلا بالمحبة الصفراء الفاقع لونها بهتانا ونفاقا، لا يحب التنظيم المحبة إلا إذا كانت في اتجاه واحد إلى مسؤوليه، لا يحب سوى المحبة التي تنتج الطاعة المطلقة، يستثقل الاحترام والحب المتبادلين الصافيين غير القابلين للاستثمار التنظيمي والسياسي المصلحي، الاحترام المجرد والحب الخالص في الله يزعج التنظيم، وأحيانا يراه خطرا على مصالحه وعلى مسؤوليه، خاصة عندما يوجه إلى أشخاص لهم جاذبية تربوية وروحانية ساطعة.

    لكن الحقيقة أن الاحترام هو حق من الحقوق الطبيعية لأعضاء التنظيم ولجميع الانسانية، والاحترام لا يستلزم أن تكون للتنظيم فيهم حاجة تنظيمية أو سياسية، فهم يستحقون الاحترام لكون الشريعة تفرض ذلك بآية "ولقد كرمنا بني آدم"، ثم لأن الانسان كيفما كان دينه وجنسه ولونه ومرتبته الادارية والعلمية والمالية يستحق الاحترام بالمنطق الاخلاقي لمجرد نسبته إلى جنس الانسان، بل إن من الفقهاء من يقول باحترام مختلف الحيوانات والنباتات والجمادات، فكيف يحتقر التنظيم إنسانا بايع التنظيم وسخر جهده ووقته وماله لنصرة التنظيم؟ هل هو الطغيان التنظيمي؟

    إن سير التنظيم المسترسل يتطلب أن يستشعر جميع أعضائه بالقيمة التي يكفلها لهم الدين والخلق، هذه القيمة تتجلى ظاهرا في الكلام المؤدب ونظرة التقدير والاسلوب اللطيف والمواساة الأخوية وتواضع الجميع مع الجميع، ثم إنها تتجلى باطنا في الدعاء والمحبة المكنونة في الصدور.

    هذا الإحترام نفتقده في التنظيم الاسلامي، ذلك أنه يتعامل مع الاعضاء كما يتعامل مع الحيوانات الأليفة، يبتسم في وجوههم ظاهرا ويحتقرهم باطنا، ففي المجالس المسؤولة يتحدث المسؤولون التنظيميون عن الاعضاء كما يتحدثون عن قطيع الحيوانات أو عن بهائم لا تفهم وغير ذات قيمة، تنقيص واحتقار وإهانة وتكبر وعجرفة وتمختر وخيلاء وعنطزة فارغة وحركات لا مسؤولة، في المجالس المسؤولة يتحدث المسؤولون عن الاعضاء لكأنهم مخلوقات ناقصة القيمة، يشير المسؤول بيديه مستهترا بالأعضاء، يتحدث ضاحكا باستخفاف عن الاعضاء، يتخذ القرارات وهو على يقين أن قطيعا من الرجال التافهين سينفذون دون مناقشة مع تبجيل وتقديس للفهم التنظيمي الذي لا يخطئ، فهم تنظيمي تباركه السماء.

    التنظيم لم يصل بعد إلى السلطة فكيف الحال لو بلغها.

    كثير من المصائب التنظيمية كان من الممكن تفاديها بقليل من الاحترام، لكن التنظيم أمعن في الدعس على كرامة المؤمنين، عاملهم بطريقة فظة و عدوانية مبتسمة، يا سيدي المسؤول إني أتيت التنظيم عن طيب خاطر دون أي ضغط راغبا في رحمة الله وغفرانه، جئت سندا لدعوته منافحا عن كلمته، فلا تستغل طيبتي وصفاء سريرتي أيها التنظيم الاسلامي ولا تركب على الدين لترضي ساديتك وتتمتع بتعذيب الناس والتكبر عليهم، دع عنك الكبر وتعال، دع عنك النفخ الخاوي وتعال إلى أرض التواضع، دع عنك الهراء التنظيمي وتعال إلى أرض المحبة والتواضع والاحترام والتعاون على دعوة الله.

    قلي بالله عليك أيها المسؤول التنظيمي ما الذي تجنيه من مشية العنطوز التي تمشيها بين المؤمنين؟ هل تزيدك احتراما مثلا بين الاخوان؟ هل تزيدك توقيرا؟ أم تزيدك هدايا وانحناءة قامات أمامك؟ أم أنها تزيدك متعة نفسية؟ ما الذي يمنعك من إبداء الاحترام للمؤمنين ومعاملتهم بلطف حقيقي وتواضع واحترام حقيقيين، هل سينهار التنظيم مثلا إذا عاملت المؤمنين باحترام؟ هل تراك درست في مدارس النازية وعلموك أن التنظيم لا يستقيم إلا بالنهر والقهر والاحتقار؟ أم هي طريقةٌ علمك إياها من هم أكبر منك في الرتبة التنظيمية فتلقفتها بفهمك الحرفي.

    يبدو أن دراستك كانت في الكلية الخطأ، فمدرسة النبوة لا تؤمن بالأفكار العسكرية التي تهين الانسان وتعتبره مجرد آلة معدة للموت، هؤلاء المؤمنون قد باعوا أنفسهم لله من أجل إعلاء كلمة الله لا من أجل إعلاء صورة جميلة لك مستقبلا في مكاتب الدولة، فهم أولياء لله لما نصروا الله ودعوة الله، إنهم أسياد في دعوة الله لا كلاب من كلابك الاليفة تطعمها وتسخرها حيث شئت، فمن حقوق المؤمنين عليك أيها المسؤول التنظيمي أن تُعاملهم باحترام، ومن حقوق الانسان المفروضة عليك أخلاقيا أن تحترم إنسانية المؤمنين الذين يشكلون تنظيمك الآيل إلى السقوط بأفعالك الحقيرة، حقهم عليك أن توفر لهم سبل الامان والاستقرار النفسي والروحي والمالي والعائلي مثلما يجب عليك أن تستمع إليهم باحترام وإنصات وتوجه آذان قلبك ومنصات عقلك إليهم عندما يحدثونك أو ينتقدونك، لا تعتبرهم مساكين تافهين فقراء حمقى مجانين مدوخين، لا تعتبرهم مجرد حثالة لا يؤبه لحديثها ونصائحها وآرائها وتوجيهاتها.

    إن من تمام احترام الانسان وتكريمه أن تستمع له وتنصت له عندما يحدثك أو يناقشك أو ينتقدك، النقاش حق مشروع، والحوار فرض مكفول، فلست سوى جسم متعجرف يحمل الخراء في أمعائه، فلا داعي للكبر صديقي المسؤول.

    احترام المؤمنين يكون بالإنصات والمحبة والتقدير والتواضع والخدمة والتلاين، بالابتعاد عن أسلوب التحقير والتنقيص والاهانة والتقليل والاستهزاء والاذى، والاعضاء عندما يشعرون بالقيمة التي يعطيها لهم التنظيم حقيقة لا ابتسامة صفراء يعطون كل ما لديهم من طاقة، يشعرون أنهم بين أهليهم وعائلتهم وإخوانهم، تتحقق في قلوبهم الاخوة الحقة لا الاخوة المزيفة التي تنفضح عند أول اختبار، فالاحترام ليس حيلة تنظيمية، بل هو حقيقة قلبية واقعية عملية تصدر عن كامل القوى العقلية والبدنية تتمثل في احترام ذات الشخص واحترام أفكاره ومعتقداته وآراءه المختلفة.

    إنه لا خوف من الافكار المخالفة أيها التنظيم الجبان، لا خوف من الافكار ولا خوف من النقاش ولا خوف من الحوار، الخوف كل الخوف من تكبرك وتقديسك وتفردك بالطاعة المطلقة.

    المسؤول التنظيمي يعتقد دائما أن التنظيم يقوم على الطاعة، ويظن أن الطاعة تأتي بالإرهاب التنظيمي، ثم هو يحسب أن الارهاب التنظيمي يأتي بسيف التنظيم و هو الفصل، ولذلك تجد التنظيم كله من ساسه الى راسه مفزوع من الفصل، تتحدث مع مسؤول تنظيمي عن حقوق أو خروقات فيحدثك بخفوت "رد البال راك كتهضر في السياسة، هاد الشي خطير"، تجد نفسك في التنظيم الاسلامي كأنك في نظام دكتاتوري، فما الفائدة إذن من هذا التنظيم إذا كان سيعيد نفس دولة الحكرة والظلم.

    إن السيف التنظيمي لم يكن يوما مجلبة للاحترام، بل كان بالعكس من ذلك دائما إرهابا ومذبحة تربوية وتنظيمية لها ما بعدها من الاشكالات القلبية والتربوية والتنظيمية والاجتماعية والدعوية والسياسية.

    كنت أرى التنظيم يستعمل سيف الفصل فأخاف، أخاف من فقدان محاضن الايمان وفقدان الاخوان الطيبين الذين نعاشرهم وفقدان الجو الاخوي الذي نعيشه بين المؤمنين، لكني وجدت التنظيم كل مرة مُصرا على ضلاله، غير مرتدع عن جريمته، لا منته عن تكبره، لا متوقف عن تغوله، أصبح التنظيم يحتقر الجميع ويراهم عبيدا خاصة عند توسعه وتمكنه من بناء هياكل سياسية وتنظيمية ونسائية جديدة، حتى إذا عاملهم باحترام ظاهر طعنهم في الخلف إذا استلزمت ذلك المصلحة، لكأن أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن سيطرة الآلة على الانسان قد تحققت، آلة التنظيم الان تتحكم في المؤمنين.

    يا سيدي ما الفائدة من احترام أصفر وقتل من الخلف، حتى اصبح المسؤولون التنظيميون يدخلون على نساء الاخوان وهم في بيوتهن بينما أزواجهن في منهمكون في جلب لقمة العيش، قمة في انتهاك الخصوصية وحرمة البيوت وانتهاك صارخ لقيمة الرجل وتقليل من هيبته واحترامه لدى أسرته ولدى الناس.

    لم أعد اليوم أخاف من سيف الفصل ولا من التهديد بالفصل، ولا حتى من السيوف، وإذا دعت الضرورة سأحمل سيفي لأفصل كل مجرم تنظيمي فصل كثيرا من المؤمنين الكثير ودمر حياتهم.

    إن العمل المشترك يتطلب الاحترام وتعاضد الجميع من أجل إنجاح المشروع، وإذا لم يحصل الانجماع القلبي فعلى الاقل يجب أن يبقى الاحترام قائما بين الاخوان، لكن التنظيم نظرا لحقارة ذاته لا يُبقي للاحترام وزنا، فهو إما أن تكون معه أو ضده، كأنه في حرب صليبية، وفي كلتا الحالتين يحتقرك، فعندما تكون معه يحتقرك بأسلوب جميل، وعندما تكون ضده يعاملك باحتقار ظاهر وخسة بائنة.

    التنظيم يعتبر من معه من مؤمنين مجرد أرقام في دفتر أو أوراق في لعبة ورق أو بيادق في رقعة شطرنج، وهو مستعد لفصلهم في أية لحظة وعلى أتفه سبب، وحتى إذا عرف خطأه فهو لا يعتذر، فالتنظيم خُلقه الكبر والتعجرف، لا يتنازل ولا يعترف بأخطائه ظنا منه أن التنظيم سينهار إذا اعترف المسؤول بخطئه، معنى ذلك اذبح أخوك كي يبقى التنظيم قويا بالإرهاب التربوي وهيبة الفصل، أحاسيس الاخوان ومشاعرهم وقلوبهم آخر ما يفكر فيه التنظيم.

    إن مشاكل التنظيم لا يمكن حلها إلا بسيادة ثقافة الاحترام بين جميع مكونات التنظيم عن طريق إحياء خلق الاعتذار والتقدير ونظرة المحبة وتقدير مجهودات المؤمنين والتغاضي عن بعض هفواتهم واعتبارهم بشرا يخطئ كباقي البشر من سلالة بني آدم الذين أمر الله بتكريمهم وتقديرهم إكراما لله واحتراما لـقبس الروح الالاهية التي نفخها في أجسامهم.

    إن الانسانية التي نراها في النصارى لا نلمسها في التنظيم الاسلامي الذي من المفروض أن يعطي صورة حسنة عن تعاليم الاسلام التي تحض على تكريم الانسان واحترامه وتقديره وإنزاله المنزلة المكرمة التي أمر الله بها، إنه لا يتعامل باحترام حتى مع الذين خدموه عشرات السنين وبذلوا في سبيل بناء مؤسساته وكوادره الغالي والنفيس من أموالهم وأعمارهم، يحتقرهم في آخر أيام عمرهم كأنهم حثالة ومغفلون وساقطون أو مُتساقطون لا يفهمون.

    نُكران العشرة وجحود الأخوة مصيبة أخرى وكارثة أخلاقية عظمى يعاني منها التنظيم الاسلامي.

    الاحترام طاقة كبيرة تولد الخيرات داخل التنظيم وتجعل منه تنظيما قويا تربويا وسياسيا ومجتمعيا، احترام المؤمنين وتقديرهم يشكل الطاقة المعنوية التي يمكن أن تنقل التنظيم من حضيض كبرياء الانذال إلى علياء تواضع الكبار، من سفالة العجرفة إلى معالي المحبة والصفاء والاخوة والبذل والعطاء والتعاون على دعوة الله.

    هي نصيحة إليك أيها التنظيم، إحترم تُحترم، احتقر تُحتقر، اقهر تُقهر، اظلم وسيأتي الله بمن يظلمك، فكما تدين تدان.


    📌 الهوامش

    1. [1] "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا، وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا" الاسراء. 70

  • تصفية الرباطات الاربعينية ومدارس القرآن

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 54 من 77 — فهرس الكتاب

    المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن ريحانتا ولي الله، كان يوليهما الرجل عناية مستمرة ويُكن لهما محبة خاصة، كان لا يتوانى عن رعايتهما والتأكيد على التنظيم ليتعهدهما بالعناية والاحتضان، لكن التنظيم ضرب ضربته وغدر بالرجل ذابحا ريحانتاه اللتان كان يحبهما، لقد كان التنظيم يولي الاهتمام فقط بالسياسة والسياسيين ويعلمهم فنون المكر لشغر المناصب السياسية عندما تسنح الفرصة ويهتم بالقلوب زبر الحديد الذين يعدهم لشغر مناصب التنظيم ويعلمهم الابتسامة التربوية الصفراء.

    كان الهم التربوي حاضرا بقوة عند ولي الله، تقاسم معه هذا الهم بعض المسؤولين، بينما كانت التربية مجرد هراء عند عموم مسؤولي التنظيم، لذلك أنشأ الرجل المحاضن الاربعينية ومدارس القرآن ليتعلم المؤمنون دينهم ويكتسبوا المعاني الايمانية ويكتسبوا روح الدين، وأوكل إلى التنظيم بعد سجال مهمة تنظيم هذه المحاضن والسهر على إنجاحها، لكن التنظيم الغدار الحكار اعتبر هذا الامر لاحقا خطرا على قيادييه ومضيعة للوقت والجهد والمال وعرقلة للزحف السياسي والجلوس مع الدراويش والفقراء و"حمقى التربية" مُددا طويلة للوصول إلى المقامات التربوية التي يراها التنظيم غير نافعة في برنامجه السياسي، لقد كان التنظيم يتأفف من هذه الرباطات والمدارس القرآنية وينظر نظرة احتقار الى المرابطين وطلبة القرآن المنضوين فيها، لقد كان التنظيم متوجها بكليته إلى الواجهة السياسية، فهو يُكرم السياسيين ويحترمهم ويدعم برامجهم في المقام الأول بالمال والاهتمام ويدفع بهم الى واجهة الجماعة وقيادتها، ثم يشح الابتسامة والدينار على أصحاب القبلة والقرآن ويجعلهم تحت قدميه تاركا إياهم في الصفوف الاخيرة للجماعة يموتون تهميشا.

    قبل أن أتحدث عن الجيل المرابط القرآني الذي صفاه التنظيم، لابد أن نفهم المنطلق الذي ينطلق منه ولي الله وحواريوه والمنطلق الذي ينطلق منه التنظيم وزبانيته، إن الشخص الرباني المعلق قلبه بالله يحضن المؤمنين بصدق النية ورغبة في الانتقال بهم من حضيض النفس إلى علياء خلة الله، من الطينية إلى الروحانية، من الحقارة إلى التكريم، من الجهل إلى المعرفة، هذا هو منطلق وغاية ولي الله الذي يحضن المؤمنين، بينما التنظيم شيء آخر، فهو عبارة عن أشخاص لا حظ لهم من الله، جفاة قساة كالحجر تسلموا قيادة التنظيم في فراغ الساحة فزادتهم المسؤولية التنظيمية كبرا وطغيانا، نفوس متعجرفة خبيثة ماكرة ملتحية متحركة على ساحة الواقع، لا ذِكر لهم ولا أوراد إلا تكلفا، لا صحبة لهم ولا تعلق بالصالحين إلا مجاملة، تربية لا تعرف من التربية سوى ابتسامة صفراء توحي للمنخدع بها بأن صاحبها في أعلى مقامات التربية، تثاقل عن العبادة، نوم حتى مطلع الشمس، همة ساقطة عن طلب وجه الله، قلوب غير معلقة بالله، إرادة مرتبطة بالشُعبة والمال والتقارير والتجسس على الاخوان.

    مسؤول تنظيمي كبير وله "هيلالة" أي نعم لكنه يدور في قاع المعاني التربوية للجماعة.

    أمثال هؤلاء الحضيض التربوي هم من يحب التنظيم ويعشق ويرفع إلى مقام المسؤولية، وفي الاتجاه الاخر يطحن الجواهر النفيسة، الاشخاص النقية المعلقة بالله وبولي الله، العناصر التي تحب أن تغنم من معين الصلاح وتنشر الصلاح، العناصر التي تريد أن تحقق المعاني الايمانية وتجمع القرآن الكريم ومعانيه في صدرها، هؤلاء هم المرابطون الاربعينيون وطلبة القرآن، حاربهم التنظيم بقسوة ومكر وبُغض، لكأن التنظيم مُسلم الظاهر كافر القلب، لكأنه عدو لله مبثوث بين صفوف الجماعة، وهنا أتأمل كيف صبر ولي الله كل هذه السنين على هذا التنظيم الجبار الخوار، كيف تحمل زبانيته الذين يسيرونه، لابد أنه أراد أن يستفيد من هذه الحثالة في حربه على معاقل الفساد الكبير ويترك الاطهار على باب الله يرجون الفوز بالله أن يوسخهم بالدنيا، أراد أن يستعمل الحثالة الصغيرة لمحاربة الحثالة الكبيرة، لكنه كان يغامر، كان يلعب مع النفوس النارية، فقد تأتيه الضربة التي لا شفاء منها من هذه الوحوش البشرية الضارية الغادرة التي يريد أن يستعملها، فهذه الكلاب التنظيمية خطرة، تتمسح بأقدام ولي نعمتها وصانع هياكلها ومهندس دهاليزها دهرا، لكنها تعض عندما يغفل، إنها أحقر الحيوانات الملتحية على الاطلاق.

    أعرف أن الكلاب التنظيمية تعوي الآن وهي تقرأ هذه السطور قائلة: انظروا إنه يسب، إنه يسب، إنه شخص قبيح، إنه شرير، إنه عميل، إنه شخص لا يعرف التربية، قاطعوه ولا تقرؤوا أوراقه، إنه شخص قبيح، المؤمن لا يسب، المؤمن لا يلعن، المؤمن لطيف، رسول الله لم يكن لعانا، رسول الله كان رحيما، وهل تمثلت أنت أخلاق رسول الله؟ وهل تمثل تنظيمك أخلاق رسول الله؟ هل كنت أنت لطيفا مع المؤمنين؟ هل حافظت على قلوب المؤمنين؟ هل كنت رحيما مع المرابطين وحملة القرآن؟ هل ساعدتهم في عقبتهم التربوية أم أنك طعنتهم في ظهورهم؟ كيف تتلو علينا الآن آيات الرحمة والايمان والاخلاق ويدك لم تجف بعد من الدماء المعنوية للمؤمنين؟

    ثم من قال لك أيها الحثالة التنظيمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سيتركك تلعب في تنظيمه وتقتل أصحابه، وهل المؤمن يذبح أخاه في الجماعة يا عدو الله؟ دبلومك في التنظيم مأخوذ من الكوفة بميزة حسن جدا [1]، دبلوم المروق من الدين والنفاق والشقاق، إنني أعرف أن هذه الحيلة لم تعد تنطلي الان على أحد، فالجميع يعرف أن التنظيم الذي ذبح معنويا خيرة المؤمنين لا يحق له أن ينتقد السب، السب شيء قليل في حقك يا مصاص الدماء، إن الذي قتل الحسين لا يحق له استنكار السب، ولا يحق له طلب فتوى قتل البعوض [2]، فالسب ليس بالجرم الكثير مقارنة بالجرائم المنظمة التي سهر تنظيمك على ارتكابها، العدل هو السن بالسن والجروح قصاص، العدل أن يحاسب مسؤولو التنظيم على تصفية جيل من خيرة المؤمنين من المرابطين وحملة القرآن وينالوا العقاب العادل الذي يستحقون.

    فلا يشوشننا زبانية التنظيم وعواؤهم عن رؤية الحقيقة، ولـنر كيف قاموا بتصفية الرباطات الاربعينية وحملة القرآن.

    بينما كان ولي الله يشحذ التنظيم لإنجاح برنامجه التربوي، كان من المفروض أن التنظيم أداة تربوية بيده، فولي الله هو صانع التنظيم وهو مُنظر حركاته وسكناته وهو مهندس مؤسساته وروابطه التنظيمية والمعنوية، وهذه القيادات التنظيمية لم تكن لتوجد على رقعة السياسة والدعوة لولا القوة الروحية والعقلية والنفسية التي استطاع بها ولي الله جمع هذه الحثالة ليُعلمها حب الله، جـمع النطيحة التربوية والمتردية الاخلاقية وما استغنى عنه سبع النظام من الذمم المريضة ثم صهرهم ولي الله في بوتقة التنظيم ليصنع منهم رجال الغد وحملة الرسالة، فالأصل أن قادة التنظيم شتات لولا ولي الله، لكن هذا الشتات أصبح اليوم قوة منظمة، فكيف يسيطر ولي الله على هذا الوحش الضاري المنظم والكلب المسعور على الرئاسة، لابد له من جنود ربانيين يعملون بين يديه يستخدمهم بصدق الولاء لله والولاء للصحبة وليس الولاء لآلة التنظيم.

    التنظيم كان يعلم هذا، وهو بنفاقه العميق المعشش في قلبه كان يتعامل بطول نفس مع ولي الله، كان يُظهر أنه حريص على التربية والقرآن والرباطات تماشيا مع الموجة لكنه في حقيقة أمره كان يكره المرابطين وحملة القرآن، وفي انتظار القضاء على هذه المؤسسات التربوية كان يستعملها لتركيع المؤمنين تنظيميا مستغلا الكلام التربوي والرقائق الصوفية والابتسامات الصفراء المخادعة، وفي مجالس الرباط والقرآن يسرب أفكاره السياسية والتنظيمية مستغلا انفتاح القلوب تحت تأثير رحمات الذكر والصيام والانجماع على الله، خلط للدين بالسياسة في انتظار القضاء على روح الدين، فالمظاهر التربوية التي كان يبديها التنظيم لم تكن سوى ذر للرماد في العيون، تماما كما تفعل بعض الانظمة عندما تلعب بالدين، تطلق الفضائيات الدينية ويظهر الرئيس على التلفاز مصليا، لكن الحقيقة أن المدافع القانونية والآلة التنظيمية تعمل عملها ليل نهار لقصف الناس بالترسانة القانونية التي تدك معاقل الدين والاخلاق في المجتمع المسلم، ثم تحكمه وتضبطه وتوجهه وتفسده وفق النموذج المستورد.

    كنت دئما أرى بوضوح كره التنظيم للتربية واستغلاله لها، لكني كنت أسمع من بعيد التسريبات الافظع على مستوى القيادة، بل إنني وقفت على لحظات سوء أدب في حضرة ولي الله هممت فيها أن أقوم وأضرب صاحبها على وجهه، ولي الله يدعم الرباطات وناهض حاله بها والتنظيم متلكئ متثاقل الى الارض يتلوى لكأنما تجر يهوديا إلى مسجد المسلمين، لكن الحق يقال وللإنصاف وحتى لا نظلم أحبة لنا في الجماعة، هناك في التنظيم رجال كانوا يسهرون بكل تفان على نجاح الرباطات الاربعينية والمدارس القرآنية، ذلك أننا عندما ننتقد التنظيم ننتقده في فلسفته وتصرفات بعض مسؤوليه، ذلك أننا كنا نصادف أحيانا داخل التنظيم جواهر بشرية لا تقدر بثمن، هذه الجواهر كنت دائما على يقين أنها لن تُعمر طويلا داخل التنظيم، وفعلا كنت أسأل عنها بين الفينة والفينة فأجد التنظيم قد قام بتصفية بعض أفرادها تنظيميا أو قام بتهميشها بهدوء ورميها إلى الزاوية عندما لا يجد مبررا لفصلها، التنظيم دائما يضرب في الصميم، يطعن في القلب، يقطع الرؤوس العارفة ويطعن الارواح الطيبة.

    إن أول ما فعله التنظيم هو التحايل على ولي الله ليوقف هذه الرباطات، كان يحاول إقناعه بعدم جدواها وقد فشلت محاولته، كان يجر نحو السياسة والانخراط في العمل السياسي والابتعاد عن هذه "الترهات" التربوية التي لا فائدة منها، كان يدعم النماذج الناجحة في حياتها وفي دراستها وتجارتها ووظيفتها على حساب الاشخاص الناجحة في أورادها وقيامها وحفظها للقرآن، التنظيم كان يعمل للدنيا بينما كان ولي الله يعمل للآخرة، ولذلك كان أول ما فعله التنظيم هو تهميش الطاقات التربوية وترميز أصحاب المال والوظيفة، مع احتكار الصحبة التي استأمنه ولي الله عليها حتى لا تبقى سلاحا بيد رجال التربية، بعد ذلك صارت العناصر التربوية تتسول الصحبة من التنظيم وتترجاه عدم حرمانها منها، أصبحت تتمسح به كي لا يمنعها من ولوج المحاضن الايمانية التي تقتات منها روحيا، ويا له من منظر بشع، مؤمن طيب يتسول المجالس من مسؤول ماكر متعجرف، يتملقه كي يسمح له بولوج مجالس النصيحة، ومسؤول يتعفر وأنفه في السماء مع ابتسامة شيطانية قائلا سننظر في الأمر.

    هذا الاقصاء كان طعنة خنجر في ظهر أبناء ولي الله، بل وفي ظهر ولي الله نفسه، فالحرمان من المجالس الايمانية التي هي في الاصل "ماركة مسجلة" باسم المصحوب وليس باسم التنظيم ثم عدم دعم هذه الفئات من المؤمنين وتهميشهم بل والتعبئة ضدهم وتشويههم والتقليل من شأنهم كان ضربة قوية تحت الحزام من التنظيم إلى أشخاص حاملين لواء التربية وعازمين على اقتحام أهوال التربية بحيث جعلهم لا هم واصلين إلى كمال التربية ولا هم محققين للجاه الدنيوي من مال ووظيفة، فصار المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن يعانون على رصيف التنظيم من الاحوال التربوية والبطالة والفقر والامراض النفسية والجسدية والروحية والتهميش التنظيمي والنكران الاجتماعي، صاروا في أسوأ حال، لا هم مع الله ولا هم مع الشيطان، العذاب من كل جهة، والضرب من كل جهة، حتى الاخوان "القاضيين حاجة" أصبحوا يطعنونهم في الظهر خذلانا ونميمة، الشيطان يطعنهم في الجسد مسا، والنظام يطعنهم في جيبهم فقرا، والتنظيم يطعنهم في قلوبهم استهزاء وتشفيا وقهقهات استخفاف واحتقار وتوصيات مقاطعة.

    لقد حقق التنظيم الوصاية على التربية ومحاضن التربية ورجال التربية، فالمسؤول التنظيمي الغافل عن الله الحسود الحقود النمام الغدار أصبح مُربيا وصارت بيديه مفاتيح محاضن التربية وعيون الصحبة، يُدخل من يشاء ويحرم من يشاء ويفتي في النوازل التربوية، وأول ما قطع هو رأس المرابطين وحملة القرآن الذين عانوا من التهميش سنين طويلة حتى فاحت من جروحهم رائحة المرض، وإذا كانت العناية الإلاهية قادرة على علاجهم من قروحات التنظيم إلا أن الجريمة السياسية – التنظيمية لا يمكن نفيها، لقد كان المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن يخرجون ملائكة طاهرين من الرباط الاربعيني يشع نورهم بين أيديهم قبل أن يحول التنظيم بعضهم الى شياطين، ذلك أنه كان لا يخفى على أحد نظرات الحسد والحقد التي ينظرها مسؤولو التنظيم إليهم، كانوا كالكتاكيت الفتية الجميلة التي خرجت من عش ولي الله، في حاجة إلى عناية ورعاية من التنظيم بما أنه مستأمن على مجالس التربية ومكلف باحتضان المؤمنين، فكان لزاما على التنظيم أن يكون على قدر المسؤولية ويعتني بالكتاكيت التربوية حتى تصير ديكة قوية تصيح بقوة وتطير حيث شاءت دون خوف، لكن التنظيم أجهض المولود المرابط القرآني.

    لقد أبان التنظيم عن غدرة في نفسه وخذلان فظيع عندما ترك المرابطين يعانون، بل إنه كان يطالبهم بالعمل داخل التنظيم والتخلي عن الرباطات بدعوى أنها تصوف ودروشة، والأنكى من ذلك أنه كان لا يتوقف عن السخرية منهم ومناداتهم بالمجاذيب والحمقى والمرضى والكسلاء وينعتهم بأبشع النعوت ويحتقرهم احتقارا، دائما يقلل منهم، يحتقرهم أمام الاخوان كي لا يتبعوهم إلى الرباطات، كان يتشفى فيهم كلما ظهرت عليهم أمارات إخفاق تربوي، لقد عانى المرابطون من التنظيم أشد الويلات، وحملة القرآن كذلك، فالسياسة بالنسبة للتنظيم كانت هي مناط التكريم والاهتمام، أما المرابطون وحملة القرآن فحثالة بالنسبة إليه وكم زائد لا يصلح إلا لملء المظاهرات، يتم استدعاؤهم تحت تهديد النعت بالتصوف والجذبة وإيثار النفس على مصلحة الأمة والتخلف يوم الزحف كلما قررت الجهات السياسية المكرفطة مظاهرة في العاصمة.

    المرابطون وحملة القرآن كانوا بالنسبة للتنظيم كما سياسيا ورقما تنظيميا لا غير، لا تهمه معاناتهم التربوية ولا مآسيهم السلوكية، كان التنظيم الحقير يتمنى سقوطهم في الزنا والسرقة والحمق والابتعاد عن الله، والبقية التي كانت ثابتة كان ينظر إليها على أنها كم سياسي يجب أن يستغل في التدافع مع الفرقاء السياسيين، وبالتالي كان يدفعهم إلى أخطر المهام السياسية وأوسخها وأتفهها، فيما يحتفظ لنفسه بالمراكز التنظيمية المفصلية والمهام ذات الشعبوية التي فيها ظهور قوي على الساحة.

    والحقيقة أن قوة التنظيم الحقيقية كانت بين جنبات الدراويش، فالقوة التربوية الروحية التي يمتلكها الدراويش الذين يحقترهم التنظيم وعلى رأسهم ولي الله كانت هي سبب الكثير من نجاحات التنظيم، فهي القوة الحقيقة التي كانت تسير بالتنظيم وتحرك دواليبه التنظيمية والسياسية من وراء حجاب.

    لقد ضرب الشيطان المرابطين في قلوبهم بعد أن منعهم التنظيم من المجالس الايمانية، ثم خذلهم التنظيم بعدم احتضانهم تربويا وماديا، ثم بعد أن مرضوا روحيا منعهم من زيارة ولي الله وصاية عليهم وحصارا له، وبعد أن استفحلت معاناتهم الروحية والمادية فصلهم بدعوى أنهم يخلطون في الاذكار والمشايخ، لم يكتف بهذا بل شن عليهم حملات تشويه منظمة داخل التنظيم، بل إنه كان يفرض على الاعضاء المقاطعة المالية لهم، لكأنه كان يساعد النظام على ضرب جيوب الدراويش، والفقر مدخل آخر تشفى فيه التنظيم في المرابطين وفرح أيما فرح بتفقيرهم.

    إنه عوض أن يساهم التنظيم في حماية المرابطين ويوفر لهم المحاضن والعناية حتى يشتد عودهم، وعوض أن يظهر المودة في حملة القرآن ويفتح لهم مدارس القرآن ويدعمهم ماديا حتى يقفوا على أقدامهم وقفة صحيحة، كان التنظيم يحفر لهم الحفر ويقتنص منهم الزلات، وكان لا يتقي الله فيهم غيبة [3] ونميمة وتشويها، صحيح ان الكثير منهم ارتد عن خط الصحبة، وضاع في غياهب الدنيا باحثا عن كسرة الخبز كي لا يذله التنظيم نميمة واحتقارا، لكن وجوههم ما زالت ماثلة أمامي، بمعاناتهم التربوية، بحرقتهم الايمانية، برجولتهم الاخلاقية، بأحوالهم الروحية، ببساطة معاشرتهم، بصفاء قلوبهم في الخلوة.

    لقد كانوا رجالا.

    ما زلت أتذكر أنينهم في جوف الليل ومناجاتهم لله في الخلوات، وما زلت أتذكر احتقار التنظيم لهم وطعنه لهم في ظهورهم وخذلانه لهم، لا زلت أتذكر كل شيء، لا زلت أتذكر كلمة المجذوب التي يطلقها المسؤول على الدرويش الصافي الطاهر الرجل الشهم ليُضحك بها قرناء السوء من المسؤولين [4]، ضحكات وقهقهات هوت بأمراء التنظيم إلى حضيض الأخلاق والدين، وهوت بالتنظيم إلى قاع التربية والسياسة والتنظيم [5].

    ومع كل ذلك لا زلت أتذكر نظرة الأسى من بعض أمراء التنظيم على قلتهم، نظرة تختزل حرقة على المؤمنين ورفضا لما يقوم به بعض رؤساء التنظيم، كاظمين غيظهم، صابرين لعل عناية الله تتدخل في الوقت المناسب، يقولون أن بحر الجماعة يلفظ الفاسدين، سلبية تنظيمية لم تؤدي أي دور سوى إطالة عمر زبانية التنظيم، فلا الدراويش أمسكوا خيط التربية، ولا بحر الجماعة لفظ زبانية التنظيم، بالعكس لقد لفظ بحر الجماعة الرجال الطيبين ورمي بهم شر رمية واحتفظ بالفاسدين والعملاء والمخنثين، ومع ذلك لا نزال نؤمن أن عناية الله ستظهر آخر الأمر، حاشا لله أن يذر على الأرض تنظيما ظالما طاغيا مجرما، وحاشا لله أن لا ينتقم لعياله الطيبين الذين قتلهم التنظيم.

    لقد خلت الساحة الان من أي رباطات اربعينية ومن أي مدارس حقيقية لتخريج حملة القرآن، لقد انتصر التنظيم في حربه على التربية، لكن لابد وأن الله مُظهر كيده ولو بعد حين، ولابد أن الله ناصر أحبابه بعد حين، سيأتي اليوم الذي يقلب فيه رجال الله طاولة القسمة الضيزى على أمراء التنظيم الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، إن ربك لبالمرصاد.


    📌 الهوامش

    1. [1] قال علي بن الحسين في إحدى خطبه يوبخ أهل الكوفة: «أيها الناس!من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسـين. أنا ابن من انتُهكت حرمتُه، وسُلِبَتْ نِعْمته، وانتُهِبَ مالُه، وسُبي عِيالُه. أنا ابن المذبوح بشَطِّ الفرات، مِن غير ذَحْلٍ ولا تِراتٍ، أنا ابن من قُتِل صَبْراً، وكفى بذلك فخرا. أيها الناس! ناشَدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة وقاتلتموه! فتبّاً لكم لِمَا قدَّمْتُم لأنفسكم، وسَوْأَةً لرأيكم! بأي عين تنظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول لكم: قتلتم عِتْرتي، وانتهكتم حُرمتي، فلستم من أُمتي! ».
    2. [2] جاء في الأثر أن رجلا من أهل العراق سأل عبد الله بن عمر في الحج عن حكم قتل بعوضة في الحرم فقال بن عمر عجبت لكم أهل العراق تقتلون الحسين بن علي وتسألون عن حكم قتل الذبابة في الحرم.
    3. [3] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ. . يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ "، أخرجه الترمذي، وأبو داود، وأحمد.
    4. [4] قال المناوي في فيض القديرفي تفسير حديث: " ويلٌ للذي يحدِّثُ بالحديثِ ليُضحكَ بهِ القومَ فيكذِبُ ويلٌ لهُ ويلٌ لهُ "، كرره إيذاناً بشدة هلكته وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم وجماع كل فضيحة فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح، ومن ثم قال الحكماء: إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة.
    5. [5] عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة -مِنْ رضوان الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سَخَط الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم. أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ.

  • القاعدة الذهبية : “لا تكشف أسرارك للتنظيم”

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 51 من 77 — فهرس الكتاب

    سنناقش في هذا المحور جدلية أسرار التنظيم وأسرار المؤمنين، سنتحدث عن أسرار التنظيم وكيف يتعامل معها المؤمنون، ثم سنتحدث عن أسرار المؤمنين وكيف يتعامل معها التنظيم، لنخلص إلى قاعدة ذهبية مفادها: " لا تكشف أسرارك للتنظيم".

    قبل ذلك نذكر أن التنظيم الاسلامي كغيره من التنظيمات السياسية يرتكز على عنصر السرية، سرية المؤسسات الداخلية والمسؤولين عنها، فالظاهر أن التنظيم يقوم على عمل تنظيمي علني مكشوف، لكن الدوائر المختصة والمنتبهين من المراقبين سيلاحظون أن التنظيم دائما يلعب على رقعة السرية، ليس سرية البرامج والنوايا والاهداف والاشخاص، بل سرية المهام والمسؤولين والمؤسسات ومصادر الاموال وكيفية تدبير الشأن العام الداخلي والخارجي، فالتنظيم ليس تنظيما سريا قابعا في الدهاليز، إنه تنظيم علني تتحدث عنه الصحافة وله ناطق رسمي ومقرات وكتب مرجعية وبرامج معروفة وخط سياسي واضح، لكن هذا التنظيم مجهول لدى أغلب الناس، فأغلب الناس خارج التنظيم لا يكادون يعرفون أبجديات التنظيم ولا كيف يسير ولا يعرفون غاياته الحقيقية ولا المسؤولين الحقيقيين عنه ولا كيفية صياغة القرارات السياسية والتنظيمية التي يتخذها.

    ورغم أسلوب الانفتاح الذي يسلكه التنظيم عبر نشر دوريات عن طريق الاعلام الداخلي والابتسامات الصفراء التي يوزعها هنا وهناك ورسائل الطمأنة التي يبعثها بمواقفه السياسية وقراراته المتخذة إلا أن الناس لا تثق في الظواهر والمواقف المتقلبة والابتسامات البلهاء، بل هي تنظر بعيدا تحلل الخفايا وتشك في النوايا وتفترض الفرضيات وتخاف من تجار الدين والسياسة وتضرب أخماسا في أسداس، نفس الشيء تفعله الانظمة السياسية الحاكمة، فهي تضرب نفس الاخماس لكن في أسداس أخرى، ثم إنها لا تتوقف عن أسلوب التوجس السلبي بل تبث جواسيسها داخل التنظيم لمعرفة أسرار هذا التنظيم، وتدفع في سبيل ذلك بالمال والحبال والرجال.

    القاعدة تقول أن معرفة أسرار العدو نصف النصر، والتنظيم الاسلامي عدو للأنظمة السياسية الحاكمة التي تلهث خلف أسراره وهدف تضييقاتها، ورغم أن التنظيم يلعب على هذه المظلومية ويعتبرها كافية لتحصيل الشرعية والقفز إلى منصة السلطة، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فمجرد الاضطهاد لا يعني أنك على صواب ولا يعني أنك تستحق السلطة، ولو كان الاضطهاد سببا كافيا لثبوت الحق والشرعية لكان معارضو التنظيم الذين يضطهدهم هذا الأخير في تربيتهم وأرزاقهم وسمعتهم أحق بالمراكز التنظيمية من المسؤولين الجبابرة فيه، ولكان لزاما على التنظيم أن يكرم مثواهم وينزلهم منزلة الابرار، لكن الأمر ليس بهذا المنطق، فالسياسة والتنظيم مجال للتلاعب بالناس لا لإحقاق العدالة، فلا الأنظمة ولا التنظيمات أشياء مقدسة أو حتى من تلك الاشياء التي تحكمها الاخلاق، بل هي تكتلات سياسية تبحث عن مصالحها بعيدا كل البعد عن العاطفة، وعنصر المعلومة أمر حاسم في كيفية توجيه الضربات نحو نقطة الضعف، فالقوة لازمة لكن توجيهها بالطريقة الصحيحة هو الضامن لفعاليتها، ولا شيء يضمن فعالية الضربات سوى المعلومة، المعلومة الصحيحة الدقيقة التي تعري العدو، وتجعله تحت القصف القاتل.

    إن الانظمة السياسية عندما تراقب التنظيم الاسلامي وتحط عليه آناء الليل وأطاف النهار لا تضيع وقته، والتنظيم عندما يراقب الاعضاء والهياكل ويحط عليهم ليل نهار ليعرف عنهم كل صغيرة وكبيرة لا يلعب، فالحرب ضروس، والمعلومة بالنسبة للتنظيم مهمة أهمية الذهب والجواهر الثمينة، وهنا تظهر حقارة التنظيم بوضوح، ذلك أنه يستعمل هذه المعلومات ليس للحفاظ عل كيانه التنظيمي من العناصر الدخيلة فقط، بل يستعملها لضرب العناصر الصادقة داخل صفوفه عندما تُعارضه أو تتنحنح قيد أنملة عن أوامره، وهذا لا ينفي حقارة الانظمة السياسية التي تضرب أيضا كل تنظيم سياسي في نقطة ضعفه بعد أن تكشف عورته لمجرد أنه يعارضها ويهدد نفوذها.

    الحقارة السياسية في المجتمعات الاسلامية المتخلفة أسلوب حياة بعد تأكد الانهيار الحضاري الاسلامي، موجودة وجاري بها العمل بين الافراد والتنظيمات وما بين التنظيمات والانظمة، هذه الحقارة لا تتوقف عند التجسس ومعرفة الاسرار والكشف عنها في الوقت المناسب من أجل تحقيق مآرب سياسية أو تنظيمية، بل تتعدى ذلك إلى ترويج المعلومات الخاطئة عن طريق البهتان والنميمة والغيبة والزور، والصواب أن الأسرار تُصان، سواء كانت أسرار تنظيم أم أسرار أفراد، فالتنظيم له أسرار يمشي بها وجب صيانتها، وهذا الأمر لا يناقض بتاتا علنية التنظيم وعمله في الضوء، ذلك أن الأسرار مناطها هو الطريقة التي يعمل بها لا الاهداف والبرامج التي يعمل على ضوئها، فإذا كنت أصارعك على الحلبة فلا يعني ذلك أن تعرف عني كيف أتدرب، ولا يعني ذلك أن تعرف كيف أفكر ومن أين أحصل على الغذاء، يكفي أنني أصارعك على الملأ ولا أضربك من وراء حجاب ثم أختفي خلف الاشجار ولا أستعمل منشطات محظورة.

    نقول هذا مدافعين عن حق التنظيم في الخصوصية، لكننا نعلم أن التنظيم نفسه يكشف أسرار المؤمنين لما له من سلطة أدبية وتنظيمية عليهم، ربما تعلم التنظيم الحقارة من الأنظمة، أو ربما هي أزمة أخلاقية عامة في المجتمع المسلم، تناقضات ناتجة عن انقلاب الأموية على الخلافة وتحولها إلى خنوع، فالأصل أن للتنظيم أسرار يحافظ عليها الاعضاء والمسؤولون كل قدر إحاطته بها، يستميتون في سبيل عدم وصولها إلى الأنظمة المتربصة، شريطة عدم فصل الصادقين من التنظيم وإطلاق يد المخبرين لتعبث داخله، وإلا فما معنى الحفاظ على أسرار التنظيم مع إدخال الجواسيس إلى عين المكان وإخراج الأرواح الصافية التي تشتم رائحتهم بسهولة، يمكن هنا الحديث عن اختراق على مستوى القيادة وتنزيل ذلك إلى الهياكل أو تبلد جماعي للحس التنظيمي.

    القاعدة الذهبية هنا: " لا تفش أسرارك للتنظيم"، فأنت عندما تجيب بصدق على أسئلة المسؤول التنظيمي الذي ينبش في أمورك الخاصة أو تستشيره فيها بحسن نية تعرض نفسك لغدرة التنظيم، تعطي رقبتك له ليذبحك وقتما يشاء، فليس الامر كما يبدو لك من طهرانية التنظيم الاسلامي ونخوة مسؤوليه، فالحقيقة أن التنظيم عند اللحظة الحاسمة في حياتك وعندما تتكئ عليه معتقدا أخوة الدين التي أغواك بها تجده لئيما غير ذي نخوة، فالتنظيم إذا تيقن من عدم جدواك في برامجه أو فقط تكلفتك الغالية عليه طعنك بقوة في عين ضعفك، في أسرارك التي استودعتها فيه، طعنك طعنة العمر بكل قسوة ورمى بك الى الهاوية، لذلك اجعل حياتك الشخصية بعيدة كل البعد عن التنظيم و المسؤولين فيه، ولا تعط رقبتك إلى جسم تنظيمي لا يحس بالإنسان ولا يألم له، جسم تنظيمي وعقلية تنظيمية تتفطن فقط إلى مصالحها السياسية والتنظيمية.

    هذه نصيحة ذهبية أقدمها على طبق من ذهب محبة في الناس الطيبة التي تفشي أسرارها للتنظيم بحسن نية، وهذا لا يعني أن لا يستشير المرء أحدا من إخوانه، بتاتا، فهناك دائما إخوة في الله أهل للثقة والمشورة، لكن ليس مسؤولو التنظيم، المسؤول التنظيمي عندما يتعلق الأمر بأمورك الخاصة فر منه فرارك من قسورة، وابحث لك من أهل الاستشارة داخل التنظيم عن الطيبين المهمشين أهل الله الذاكرين الصابرين على غدر أهل التنظيم حتى يأتي أمر الله وهم كارهون.

    حالة عدم الثقة هذه يفرضها انعدام جهاز قضائي داخل التنظيم، فلا شيء يضمن حسن تصرف المسؤول التنظيمي في ظل دكتاتورية التنظيم وسيطرته على جميع السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية وعلى الحياة الشخصية للأعضاء داخل الجماعة، إن المرشد نفسه لا يستطيع خلق جو من الثقة في التنظيم بما أن رقبته بيد الاخطبوط التنظيمي، فتغول جسم التنظيم على باقي السلط وعلى أهل الله يجعلك ملزما بالحفاظ على أسرارك الشخصية بعيدا عن المسؤولين التنظيميين كي لا تتعرض للذبح التنظيمي.

    هل ترضى لنفسك أن تصبح محط ابتزاز تنظيمي وبيع وشراء وتهديد ثم تخرج من الباب الخلفي للتنظيم كاتما آهات القهر في صدرك؟ هل تحب أن تموت عرقا بعرق كاتما غدرة التنظيم؟ كيف تعيش وسيف الابتزاز مصلت على رقبتك الاجتماعية والنفسية وقلبك يكاد ينفجر من الظلم الصامت، هل ستختلق حسابا فيسبوكيا مستعارا ثم تفضفض؟ أم سوف تقهر نفسك وقلبك وتملأ جوفك من خمر أقرب حانة؟ هل ستموت كمدا في بيتك محتسبا شاكيا إلى الله منتظرا ساعة القيامة لتنتصب مظلوما أمام العدالة الالاهية؟

    لتجاوز كل هذه المآسي واحتراق الدم والاعصاب والكمد والغم والموت الصامت اسمع مني أخي الكريم نصيحة محب ولا تجادل: " لا تكشف أسرارك للتنظيم".


    ◀ الفصل السابق: النميمة المنظمة

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: لماذا الفصل؟

  • الاستقطاب التنظيمي والاستقطاب الدعوي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 18 من 77 — فهرس الكتاب

    حياة التنظيمات في عملية الاستقطاب، فهي الرحم التي يولد منها كوادر التنظيم وأعمدته، هذا الاستقطاب له طرق عديدة، وله نتائج متعددة، له طرق سليمة وأخرى مغشوشة، له نتائج حميدة وأخرى كارثية، فالاستقطاب عملية فكرية تستهدف عقول وقلوب الفئة المستهدفة والمعنية والمناسبة للتنظيم، عملية يمارسها الجميع بدون استثناء، كلٌ بطرقه الرحمانية أو الشيطانية، الفكرية أو القلبية، وبقاء التنظيم رهين بنجاح عملية الاستقطاب وإلا فهو الموت الدعوي والسياسي المحتم لهذا التنظيم.

    قبل الغوص قليلا في مفهوم الاستقطاب [1]، طرقه ونتائجه، أنواعه ووسائله، لابد أن نشير إلى أن الاستقطاب ليس بالضرورة أن يكون موجها للأفراد، فالتنظيم قد يكون بأكمله معرضا للاستقطاب، سواء من تنظيمات أخرى أو من النظام الحاكم أو من الدول الخارجية أو المنظمات الدولية، بل إن الدول بأكملها معرضة للاستقطاب السياسي والاقتصادي والمذهبي، فالقوى القوية دائما تتميز بمغناطيسية تجذب إليها العناصر الضعيفة، سواء على مستوى الافراد أو التنظيمات أو الانظمة، هو ناموس إلاهي نجده حتى بين الاجرام والكواكب والمواد، فالكواكب ذات الكتلة الكبيرة لديها قوة مغناطسية تجذب إليها الكواكب الأخرى الأقل كتلة [2]، فتجعلها أقمارا في فلكها، ثم تتمركز الشمس بقوة كتلتها جامعة حولها كل المجرة [3]، هذا يدور حول ذاك، وكذلك بين التنظيمات والافراد، فالتنظيم يستقطب الفرد لأنه أقوى منه، والنظام يستقطب التنظيم لأنه أقوى منه، والدول القوية تستقطب الانظمة، والتكتلات الاقتصادية والعسكرية العظمى تستقطب الدول الكبرى [4].

    لندع فقهاء العلاقات الدولية يناقشون استقطاب الانظمة والدول، ولنكتف بدراسة عملية استقطاب الافراد، وكيف يقوم التنظيم الاسلامي بالخصوص بـهذه العملية، وما هي أنواعها وما هي آثارها عليه، ثم لننتقدها قليلا.

    يراهن التنظيم الاسلامي كثيرا على الشباب، ينافسه في ذلك النظام والفرقاء السياسيون والتنظيمات الاخرى، وعملية الاستقطاب أشبه بعملية حرب نفوذ على الافراد، حرب ليست وقتية بل دائمة، فالعضلات السياسية أساسها نجاح عملية الاستقطاب، خاصة تلك الموجهة إلى الفئة الأكثر عطاء ونشاطا وحركية، الشباب ومن تحتهم من الفئات الصغرى، لكن بالدرجة الاولى الشباب ما بين 15 و 35 سنة، والتنظيم يبذل مجهودات كبيرة في سبيل تكثير الصف بالعناصر الشابة حيث يدخل الغمار بمنطق الاستثمار، فهو ينفق في البداية من جيبه، ثم يستنظر الثمار لاحقا، وإذا كان الوافد الجديد لا يأتي دائما بما يحبه التنظيم فإن هذا الأخير لا يُفرط في أحد، فلكل شخص مكانه إما في المحرقة السياسية أو في المناصب التنظيمية المهمة، لكن التنظيم يُفضل عادة الشباب الناجح لأنه يريد الربح السهل، فهو لا يجلب الشباب المهلوك الذي يصفه بالمتردية والنطيحة وما أكل السبع، بل يركز جهوده على الشباب الذي تلقى تربية جيدة في بيت والديه والشباب الناجح في دراسته والشباب الواصل إلى وظيفة مستقرة، هذا كله ربح في ربح بالنسبة للتنظيم، وقد يصيده بوسائل بسيطة غير مكلفة باستخدام صنارة الدين الملغمة بطعم الولاية أو بشبكة دولة الاسلام القادمة.

    على أن الصنارة الدينية والشبكة السياسية وسائل مشروعة لصيد الناس لو كان الصياد صادقا.

    الاستقطاب يقصد به نوعان من الاستقطاب، الاستقطاب الجماهيري أو السياسي، ثم الاستقطاب الدعوي أو التربوي، وإذا كان كلاهما يصب في الاخر، فإن أغلب الاستقطاب الذي توجه إليه كل الجهود هو الاستقطاب السياسي، بمعناه الفكري والحركي، أما الاستقطاب الدعوي فهو أكثر صعوبة كونه يتطلب قدرات تربوية عالية في التنظيم لا يتوافر عليها جميع مسؤولي التنظيم وأعضاؤه، فيكون الاستقطاب السياسي أسهل، ثم إن الاستقطاب الدعوي يتطلب محاضن تربوية ساخنة وقوية ومتابعة توجيهية مستمرة وجهود مضنية روحيا وماديا لا يقدر عليها سوى أولياء الله والصابرون من عباد الله، فالدعوة بالأساس موجهة إلى اصحاب القلوب الراغبة في معرفة الله، ثم هناك دعوات أقل همة توجه إلى الراغبين في تحسين أخلاقهم وعباداتهم ومظاهر لباسهم، لنقل الدعوة الى الالتزام بظاهر الشريعة الاسلامية من شكليات الاسلام وبعض معانيه السامية التي لا ترقى إلى معفرة الله، أما الاستقطاب السياسي فغايته التجنيد السياسي للضرب عن طريق الانزال في الساحات إبان الثورة والانقضاض على السلطة أو ساعة الانتخابات والتدافع على السلطة من داخل اللعبة.

    لقد مارست الاستقطاب سنين طويلة بشقيه السياسي والدعوي ومورس علي أيضا، ولم يستقطبني سوى تنظيم جماعة العدل والاحسان، لقد أمسك بي بكليتا يديه السياسية والتربوية، فقضيت فيه سنوات طويلة، لم أعرف غيره حتى بلغت الاربعين فأراد أن يذبحني مسؤولوه ففررت منهم لما خفتهم، ولست نادما على مراهقتي وشبابي الذين قضيتهما في حضنه، ذلك أنني تشرفت بصحبة الكثير من الصالحين فيه، والحق يقال، جماعة العدل والإحسان في أصلها جماعة خير وإحسان وصدق مع الله، ومؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين من خيرة عباد الله، وأخواه في الله والطريق سيدي محمد العلوي السليماني وسيدي أحمد الملاخ من النوادر في هذا العالم من الرجال الذين حازوا القلب الكبير والنور الظاهر والصدق في القلب واللسان.

    لكنني لم أكن لأركع لتنظيم مسؤولوه من الذئاب الملتحية، فقد علمني المصحوب أن لا طاعة للزبانية الظالمين، لقد أرادوا إذلالي فاخترت الموت واقفا على الحياة مذلولا.

    مرحلة الاستعباد تأتي بعد مرحلة الاستقطاب بسنين طويلة، فبعد أن يمتص التنظيم دمك وشبابك، يريد أن يُركعك تركيعا، فـإما أن تكون عبدا للتنظيم أو تموت وتندثر في هدوء، ثم هات ما عندكِ أيتها الاجهزة من وسائل وبرامج لاستقطاب التلاميذ، يصيح المسؤول في أعضاء التنظيم: نريد التلاميذ، نريد بيتا ودرسا وحلوى وابتسامة على الباب، وفي الجهة الاخرى من الدائرة السياسية نريد كأس شاي في مقهى خمسة نجوم مع موسيقى راقية وربطات عنق أنيقة وبريستيج في الكلام وحركات منمقة ولباس عصري وسيارات فارهة في الموقف، يحضر فقط نوع خاص من الاخوان حليقي اللحية اصحاب الصوت المخنث ليبدو التنظيم حداثيا جميلا، ومن كان متمسكا بلحيته فلينتقص منها ويرسمها بدقة، حتى هذا النوع من الاستقطاب السياسي يسميه التنظيم دعوة، لكن الأمر فيه نوع من المغالطة المفاهيمية.

    الدعوة في الأصل هي كلمة تعني في حقيقتها الدعوة إلى الله، فالدعوة التي لا تكون إلى الله لا يمكن تسميتها دعوة إلا من باب الاستقطاب، فالجملة الكاملة لكلمة دعوة هي "الدعوة إلى الله"، هذه الدعوة لا يمكن أن يحتكرها تنظيم معين، فالدلالة على الله حرفة الواصلين إلى الله وليست حرفة التنظيمات السياسية، بينما الدعوة إلى دين الاسلام مهمة جميع المسلمين، بلغوا عني ولو آية، أما الاستقطاب السياسي فهو دعوة إلى برامج سياسي مُعين [5] وليست دعوة لا إلى الله ولا إلى الاسلام حتى، لنكن صرحاء، هي دعوة سياسية ولا داعي للركوب على الاسلام.

    في التنظيم الاسلامي تختلط كل هذه الامور، فهذا مُستقطب من باب طلب وجه الله، وذاك دخل من باب السياسة والاخر ولج من باب الالتزام الاسلامي والتميز عن المجتمع، هكذا يدخل الناس التنظيم الاسلامي من كل باب أو هو يدخل عليهم، من أبواب متفرقة ولا يدخل عليهم من باب واحد، فيقع أن يتحصل لديه خليط من الناس داخل نفس الجسم التنظيمي، يحاول ولي الله لفت الانتباه إلى الله وشحذ همم الجميع على طلب وجه الله، بينما يحاول التنظيم صهر الجميع في بوتقة السياسة ويحرص كل الحرص على دمج عناصر الاستقطاب في الهياكل والمؤسسات التنظيمية بشكل من الاشكال ليتشعب أكثر ويتكاثر أكثر ويتغلغل أكثر، فيـقع أن تحصل شبه حرب باردة بين ولي الله والتنظيم، ولي الله يجذب نحو الله والتنظيم يجذب نحو الأرض والمؤسسات، وقد يُطعن في هذه الحرب الباردة الولي المرشد إذا لم يحسن اللعب مع أفاعي التنظيم.

    نرجع ونقول بأن الدعوة إلى الله ليست حكرا على شيخ معين ولا على تنظيم معين، كون هذا التنظيم وشيخه وجميع التنظيمات وشيوخها ليسوا سوى طوائف من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين، والتنظيم مهما بلغ عُدة وعددا لا يمكن أن يصل إلى حجم وقوة جماعة المسلمين، فالأمة الاسلامية أكبر من كل تنظيم وأقوى من كل شيخ، الأمة هي الأصل وهي صاحبة السيادة، والدعوة إلى الله متاحة للجميع وليست حكرا على أحد لكن كل وما يدعو إليه، كل يدعو إلى ما عنده أو إلى ما ليس عنده حسب علمه وفهمه وهمته وقدرته على التبليغ، وعندما تختلط الدعوة إلى الله بالتنظيم السياسي نُصبح أمام برامج سياسية ممتزجة بالدعوة، دعوة مختلطة بسياسة، ويصبح المدعو إلى الله فاعلا سياسيا بامتياز، من حيث يدري أو لا يدري أو ظانا من نفسه أنه يدعو إلى الله عن طريق نجاح برنامجه السياسي.

    صحيح أن الدعوة إلى الله بالمفهوم الشامل لا يمكن أن تكتمل إلا بالدعوة إلى إقامة نظام سياسي قائم على أسس البيعة الحرة والشورى والعدل والقانون والمؤسسات، فاستقرار النظام الاسلامي وحصول الاسلام على دولة من أوسع أبواب الدعوة إلى الله، وهو حق مشروع بل واجب آكد، لكن التنظيمات الاسلامية تختلف من حيث المدخل الحركي المؤدي إلى تغيير الواقع السياسي والولوج إلى عهد الخلافة، هذه الخلافة ليست سوى خلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وبذلك فالنظام السياسي للخلافة هو نظام يجمع جميع أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية خليفة رسول الله، الرجل المقتفي لأثر رسول الله، الرجل الذي شريعته هي شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم شكلا وروحا.

    لكن الاختلاف بين التنظيمات الاسلامية شديد ويصل إلى حد الطعن في النوايا والشيطنة والتكفير، فتنظيم العدل والاحسان الذي نشأت في حضنه وأعرفه جيدا لا يفوت مثلا فرصة للنيل من العدالة والتنمية إلا واستغلها، يرصد كل حركاتها بدقة وصفحات أعضائه على مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالاستهزاء والسخرية والطعن في نوايا الحركيين داخل هذا التنظيم المنافس، وقد يصل في صفحات بعضهم إلى حد التخوين، وفي نفس الوقت نفسه أعرف أن كثيرا من العناصر القيادية في تنظيم العدل والاحسان ترصد نجاحات العدالة والتنمية في المجال الاجتماعي والتأطيري والسياسي والتدبيري بكثير من الاهتمام ومستعدة للدخول في اللعبة السياسية لو رفع النظام من الثمن قليلا، بل وتعبئ لذلك داخليا على حذر وتحاول إقناع محيطها التنظيمي والسياسي بذلك عندما تكاد توقن بفوات الفرصة السياسية وتحقق البوار السياسي، على أن هناك نُبوءة قديمة تقول بتلاقي التنظيمين في مرحلة لاحقة من الزحف، مرحلة تحصل فيها العدل والاحسان قدرا من السلطة وتكون للعدالة والتنمية خبرة كبيرة في تسيير المؤسسات.

    نفس الامر مع البوتشيشية، فالبوتشيشية في نظر تنظيم جماعة العدل والاحسان عملاء للسلطة، ضعاف الهمة لما قصروا همتهم في الشطح ولا يصلوا إلى مقام الثبات والجمع بين التصوف والسياسة، بمعنى أن أعضاء تنظيم جماعة العدل والاحسان متفوقون تربويا بما أنهم جمعوا بين التصوف والسياسة، جمعوا بين الدين والدولة، فهم ينظرون إلى دراويش البوتشيشية من منظور الشفقة والتنقيص والاحتقار، وكل من يقترب من البوتشيشية بصفة خاصة والصوفية بصفة عامة يتم فصله فورا بدون رحمة من التنظيم لكأنه تعامل مع اليهود حتى أنك تخاف أن تقترب من بوتشيشي أو تدخل بيته أو تجلس في تكيته.

    أما السلفيون فهم في نظر التنظيم وهابية عملاء أمريكا جملة وتفصيلا ويهود وإسرائيليون وصناعة ماسونية ولا نقاش، فقههم متشدد موروث عن الانتداب البريطاني والاختراق الامريكي وفتاوى ابن تيمية وقد تجاوزه الزمن، لباسهم تخلف، عطورهم نتن، حرصهم على الشريعة غلو، اعتمادهم على ظاهر السنة تحجر، مواظبتهم على الصلاة في المسجد نفاق وإسلام شكلي فارغ، طاعتهم لولي الأمر خنوع، خروجهم عليه بالسيف إرهاب، فهم في جميع الأحوال ناقصون متخلفون بغال عملاء إسرائيل.

    أما التقدميون المنخرطون في الاحزاب السياسية فهم سكارى وزنادقة يجب أن نصبر عليهم وننسق معهم ونمد لهم يد التشارك ونقنعهم بالميثاق الاسلامي وإذا لم يقتنعوا فنمد إليهم الميثاق الوطني البريء من الاسلام، حتى إذا دخلنا اللعبة انقلبنا عليهم في إطار السياسة الميكيافيلية والحكمة تقتضي ثم نصل إلى الحكم ونعلنها دولة إسلامية قطرية ونصفي الكافرين السكارى الذين نسقنا معهم ونقصيهم من السلطة كما هي عادتنا في فصل كل مخالف، ثم نجمع باقي الاقطار الاسلامية أو اثنين منها ممن أعطونا البيعة لأننا جامعون بين التربية والتنظيم ولنا شيخ وليس لهم شيخ ثم نعلنها خلافة راشدة على منهاج النبوة، فيطيعنا جميع الاسلاميين ويسلموا لنا قيادة الخلافة ثم ننتصر على العالم.

    الخرافة في أبهى حللها، هراء تنظيمي يبثه التنظيم بين صفوفه، ولذلك يمكن القول أن تقديس الذات من كوارث التنظيم، وهو مرض تنظيمي وفكري وتربوي عضال، حتى داخل التنظيم فالمسؤول أكثر فهما وصلاحا، والمسؤول الأقل منه مرتبة أقل فهما وأقل صلاحا، وليس تقديس الذات وحده الآفة التي يلام عليها التنظيم بل الكارثة الاكبر هي تأسيس المجد على أشلاء الاخرين، فالتنظيم يقدس نفسه وينال من شرف التنظيمات الاخرى ليضمن الاستقطاب، والمسؤول التنظيمي يقدس نفسه وينال من سمعة المنافسين ليضمن المسؤولية، معنى ذلك أن المجد التنظيمي يتأسس على قدمين، هما تقديس الذات وتشويه الآخر.

    لو كان التنظيم على سنة التنظيم النبوي في محجته اللاحبة، أخويا لا يفصل أحدا من رجالاته، لقلنا إن الله لا يعجزه شيء ومن الممكن أن يحقق لهذا التنظيم طموحاته الاستخلافية والاحسانية، لكن مع سياسة الفصل والمصلحية يمكن القول أن هذه الطموحات مجرد هراء وكلام لا أساس له، الفتح الاسلامي العالمي يتطلب رجالا ربانيين نسخة كاملة من النموذج النبوي لا نسخة من ميكيافيلي.

    الاستقطاب إذن بالمفهوم الضيق عملية تُدخل المستهدف إلى الطائفة الناجية، الطائفة الفاهمة الكاملة الواصلة المجاهدة الجامعة المتميزة عن الناس، الاستقطاب عملية صناعة للذات من جديد، عملية تراتبية كلما تعمقت فيها وقفت على محاور فكرية وتربوية وتنظيمية جديدة، فهي الباب الذي يدخل منه الوافد إلى الآلة التنظيمية ليتشكل وفق النموذج المُعد لذلك، هي عملية في بدايتها أشبه بالصيد قبل الوضع في القالب، فالصياد الفنان هو الذي يصيد فريسته باحترافية دون أن تتفطن لذلك ويضعها في قالب فهمه، لكن أهل الله أيضا يصيدون، يصيدونك بقلوبهم من بحر الغفلة ويدخلونك إلى محمية الذكر، وأهل السياسة يصيدونك بطُعمهم المالي أو السلطوي من محمية والديك ليستنزفوك في لعبة سياسية خطرة، والنظام يستقطب بامتيازاته والتنظيمات السياسية والاحزاب بجميع تشكيلاتها تستقطب وترمي إليك بصنانيرها الملغومة بالمصالح الصغيرة لتغرد للناس بآيات صلاحها، والجميع يمارس معك الاستقطاب، إما إلى رذيلته وإما إلى فضيلته.

    نرجع إلى الاستقطاب الذي يمارسه التنظيم الاسلامي باعتباره موضوع حديثنا، هذا الاستقطاب الذي لي معه تجربة طويلة، فمع بداية التسعينات تعرفت على عديد من وجوه العمل الاسلامي في طنجة وأنا حينها تلميذ في الاعدادية، فلمست فيهم طيبوبة ومثالا للأخلاق الطيبة، والحقيقة كانت طيبوبة نابعة من القلب ولم تكن نفاقا كما هو الحال اليوم، كانت إشراقة في حياتي التي أشرقت للتو، على أنني عرفت الاسلاميين قبل ذلك في الثمانينات وأنا طفل صغير، حيث كان يأخذني والدي إلى المسجد الذي كان يعج باللحى الطويلة والملابس الأفغانية والجلابيب الطويلة، كنت منبهرا بهذه الوجوه المتدينة الملائكية، ومع مساعدتي لأبي في المكتبة كنت أطالع العديد من المجلات كمجلة العلم التي كانت تصدر في لندن منبر الأخبار أنذاك والتي كانت تتحدث عن الجهاد الافغاني بتفصيل كبير، فنشأ داخلي طفل إسلامي، كبر هذا الطفل معي، فنشأت محافظا على الصلاة، مبتعدا عن البنات، مستمعا إلى أشرطة كشك، تواقا إلى العمل الاسلامي والجهاد في سبيل الله وقطع رؤوس الكفرة الذين يحاربون المسلمين، أو هكذا كنت أتصور.

    كان لا يخامرني شك أنذاك أن الاسلاميين ومظاهر مظلوميتهم تتقاطر علي من كل حدب وصوب أنهم رمز الحق ونموذجه، بينما الأنظمة السياسية القائمة هي رمز الظلم والفرعونية والظلم والقهر والتفقير، ومع مراهقتي في التسعينات كبر الطفل الاسلامي في قلبي، فلم أكن لأجد مكانا لي إلا في صفوف الاسلاميين، فخطفني خطاب العدل والاحسان من بين كل الخطابات الاسلامية لأنه كان أعمق معنى وأقوى منطقا وأقرب إلى طينتي، ومع تلك الوجوه المنورة بدأت مشواري الدعوي والتربوي والسياسي، وكانت أحلى سنوات عمري رغم قسوتها.

    لكن يا حسرة على ذلك الجيل، لقد كان الشعلة التي احترقت بعد ذلك لتضيء للأجيال المقبلة طريقها، جيل مرت عليه دكاكة التنظيم فـسوته بالأرض، كان شعلة تربوية وحركية، أحببتها حبا من النظرة الاولى، وكان الجيل الذي قبله جيلا أكثر إشراقة وأكثر عمقا وأشمل فهما، جمعنا الغيب قبل أن تجمعنا الشهادة، فقد خلقنا لبعضنا، وعندما أتحدث اليوم عن منطق الاستقطاب فإني لا أسمي ما حدث لي استقطابا، لقد كان الأمر أرواحا التقت في الله عن سابق قدر الله، قلوب تحابت في الله، لكأن القدرة الالاهية ساقتنا إلى بعضنا في تلك الظروف المكفهرة القاسية، وأسدلت علينا من لباس التقوى وروتنا من سلسبيل الايمان وأشربتنا من رحيق الصحبة النبوية والمحبة في الله.

    إن العين لتذرف الآن شوقا إلى أولائك الاحباب، لم يستقطبونا كما يستقطب الان التنظيم البيادق ليحرقها على رقعة السياسة، فتحوا قلوبهم لنا وفتحنا قلوبنا لهم فاستوت على جودي المحبة قلوبنا وعلى صفاء النفس أرواحنا، لم يكن هناك حينها أصلا من شيء يستحق الخداع من أجله، لم تكن المصلحة نعرفها، ولم تكن الطبقية نراها، ولم تكن الخيانة نلمسها، لقد كنا أحبابا في الله، تلاقينا في الله، وافترقنا عليه، ودخل التنظيم الجبار، وإلى يومنا هذا أرى من هؤلاء الطينة من اشتعل رأسه شيبا واغرورقت عيناه من الحزن فهو كظيم، تجعد وجهه وانكمشت يداه وبردت في روحه تلك الحرارة الايمانية، أراهم اليوم كحطام يمشي على الارض ينتظر ساعته، والسابقون منهم قد ترجلوا في صمت، غادروا دار الكدر وأخذوا قلوبنا معهم.

    حضرت وفاة كثير منهم فلم أكن أتصور أن هذه هي النهاية، كنت آمل نهاية أفضل من هذه بكثير بعد عطاء أكبر وانتصار أبهر، لكن التنظيم الغدار فعلها، لقد خان القضية، باع واشترى، والله اشترى من المؤمنين أنفسهم أن لهم الجنة فرفعهم إليه، ثم ترك الجيف مع بعضها في مسؤوليات التنظيم تتهارش على السلطة كالوحوش، ولذلك فإني لا أعتبر إلى يومنا هذا ما حدث لي استقطابا، بل هو اجتماع على الله وافتراق عليه، أما اليوم فهي لغة الاستقطاب مائة بالمائة بعد أن غزت السياسة معقل التنظيم واستحوذت على القيادة فيه، المنطق السياسي الان لا يستعمل حب الله والحب في الله إلا سياسةً، لا يستعمل الايمان إلا سياسةً، لا يستعمل الابتسامة إلى سياسةً، لا يستعمل الصلاة والقيام والصلاح إلا سياسةً، إخواننا الأوائل لا، كانت قلوبنا تذوب بين أيديهم، لقد أحبونا لله وليس للسياسة فأحببناهم في الله وليس للمناصب، رأوا فينا عونا على الاخرة لا مجرد رقم سياسي فأفنينا عمرنا في خدمتهم وأعطيناهم ثمرة قلوبنا وصفقة يدنا.

    ولذلك وعودا على بدء نريد أن يفهم الناس أن الاستقطاب في أصله دعوة إلى الله، لكنه مع السياسة والسياسيين يتحول إلى عملية استقطاب سياسي وضحك على الذقون واستدراج إلى المحرقة التنظيمية واستغلال فاحش للشباب اليانع كي يُدفع به إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، يحارب في جبهة غير جبهته، يستف دمه الفتي لقضاء مآرب تنظيمية وسياسية خاصة فيُصبح الاستقطاب كذبة كبيرة لا تخفى علينا، هو كذبة بطعم خيانة الله والرسول والمؤمنين.

    لقد انحدر التنظيم الاسلامي من علياء صفائه وتفرده وأصبح رقما سياسيا عاديا على رقعة السياسة، يستعمل نفس أدوات الاخرين في الاستقطاب، وهو أمر طبيعي لأن الناس العادية سيطرت على القيادة فيه، فلم يعد هناك ما يميز الاستقطاب السياسي عند الاسلاميين عن غيره من الاستقطابات السياسية الأخرى، فالقلوب قاحلة والروحانية مظلمة، فأنى له أن يستميل القلوب الطيبة، إن الطيبين ينفرون الان كلهم من الاستقطاب السياسي للتنظيم الاسلامي ويبحثون عن صدق الكلمة وصفاء القلب في الخلوة ودخول سوق الراس والنبش في الكتب الصفراء والحومان حول الزوايا الصوفية، لقد ارتكب التنظيم جريمة في حق الأمة عندما طمع في السلطة حتى قبل أن يقيم الدولة، فمارس سلطته داخليا واستعبد الناس وقد دخلوا التنظيم أحرارا، الطيبون الآن أحلاس بيوتهم يعضون اليد على قلة الحيلة والذئاب ترتع في حظيرة الدعوة كيف تشاء تقول إنها ستدل الناس على الله وسوف تقيم الدولة الاسلامية.

    لو أقمتها يا عدو الله لأحلقن لحيتي.

    لقد مارست الاستقطاب السياسي في الجامعة والاستقطاب الدعوي في الحي سنين طويلة، وقد نجحت في ذلك بأبسط الوسائل، كنت أغزو على غرار جيلنا القلوب بالقلب، أهجم على القلب مباشرة بصفاء القلب وروحانية الذكر فيقول الرجل حاشا لله ما هذا كذبا، كنت أستطيع أن أجلب هذا وأطرد ذاك بالقلب، فما أحببناه بقي وما كرهناه رحل، لكأن الله أعطاني مغناطيسا للقلوب أجذب بها من أشاء، فمن تعلقت همتي به آتي به طوعا أو كرها، ومن أنكره قلبي لم يستقر معي طويلا، وما خيبني الله في أحد قط [6]، لكن الضربة كانت تأتي دائما من داخل التنظيم لا من خارجه، كنت أجلب العناصر الطيبة فيدمرها التنظيم بعنجهيته وقلة حرصه على المؤمنين، إنهم الان في الحانات ومع المخدرات وفي أحضان العاهرات وأحسنهم حالا يدخن ويشرب الخمر ولا يقترب من شيء اسمه إسلاميين، لم يرتح التنظيم حتى كسر قلبي والقلوب الطيبة التي كنت أحضنها، برقت في عينيه بارقة السلطة فدهسني ودهس كثيرا من الصالحين، لست أدعي صلاحا، لكني كنت معلقا بالصالحين ومُصلحا بهم، فكنت صالحا ومُصلحا بهم لا بنفسي، ومثلي كثير قتلهم التنظيم، قتلتنا يا عدو الله، قاتلك الله.

    إنني أكتب هذه الكلمات ودموع الحسرة تسيل من قلبي، كسر القلوب وقتل الارواح معناه خرابك أيها التنظيم المجرم، سيستمر الان استقطابك للناس إلى مائدة العفن المُسيس حتى يتسمم الكثير من الشباب الطاهر الصادق داخل التنظيم ويدلهم الإبليس على طريق غير طريق الله، سيستف عنكبوت التنظيم دماءهم ثم يرميهم واحدا واحدا أو يصنعهم طواغيت يذبحون الناس، فاستقطاب الجماهير الان لم يعد غايته الدلالة على الله بل تقوية اللوبيات التنظيمية والاستعداد للصفقات السياسية، أصبح التنظيم مجالا للمشيخة التنظيمية والأستاذية الفارغة والسياسوية الحقيرة والبريستيج المنافق، بارد لا حرارة إيمانية فيه ولا محبة ولا خُلة ولا أخوة ولا نصيحة ولا أشعرية، عاجز عن استقطاب القلوب الصافية والطاقات المفكرة، فالح فقط في الركوع أمام أبواب اليسار والجمعيات النسائية لعله يحصل على صفقة سياسية.

    لقد تم استقطاب التنظيم نفسه إلى دائرة ذبحه، فعوض أن يستقطب الطاقات القلبية والروحية والعقلية للزحف على مواقع الفساد السياسي، أصبح مُستقطبا إلى الصفقات السياسية وتحسين مركزه السياسي، فمرحلة الاستقطاب الدعوي كانت مرحلة وانتهت، على اعتبار أن التنظيم كان في أشد الحاجة يومها إلى ملء الصف بالغث والسمين للاعتراف به كلاعب أساسي على الساحة السياسية، الدليل على ذلك أن التنظيم يفرط الآن بسهولة في أي عضو ولو قضى حياته كلها في خدمة التنظيم، يرمي شيوخا بلغوا من العمر فوق الستين سنة إلى سلة المهملات، لا مجال هنا للرحمة بل حتى للمجاملة، كل الاعضاء الآن مجرد أرقام، والتنظيم مستعد لمسح أي رقم بجرة قلم، ولو بوشاية من المسؤولين.

    الاستقطاب الآن يتم على مستويات عالية ترصدا للطاقات التي يمكن أن تحتل مناصب رفيعة في الدولة في حالة نجاح صفقة الحصول على السلطة الجزئية، أما رجال الدعوة والمحبة والصدق والآخرة فهم في القاع يلعبون لعبة المداراة والاختباء والسكوت والانتظار والتربص و"عندك تهضر تتأذى".

    لقد تقلصت الدعوة من حيث كونها دعوة إلى الله، واتسعت دائرة الاستقطاب السياسي المحض، الاستقطاب الفارغ من أي معاني ربانية، الاستقطاب المبني على الأغراض المالية والاهداف السياسية، هذا الأمر لاحظنا بدايته أواخر التسعينات وبدأ ينجلي بوضوح قبل خمسة عشر سنة، ثم غدا كالشمس الساطعة الان بعد فشل الربيع العربي، الأمر الذي يؤكد الانحراف الحاصل على مستوى قيادة التنظيم الاسلامي وفروعه، أما على مستوى القواعد فحدث ولا حرج.

    لقد حصل ما لم نكن نتوقعه، فقبل عشرين سنة كنا لا نتوقع انحرافا حتى على مستوى آخر عضو في التنظيم، كان آخر عضو في التنظيم أستاذا في السياسة والتربية، أما الآن فأصبح يقينا لدينا أن شيئا ما ليس على ما يرام تربية وسياسة وصدقا ليس على مستوى القاعدة بل على مستوى القيادة، لقد حدث اختراق عميق وانحراف رهيب وزيغان كبير عن الخط اللاحب الذي خطه الكبار المؤسسون، وما هذه الشحناء والبغضاء والفصل والغيبة والتشويه والمكر والوسائل الخسيسة إلا انعكاس للإختراق الفكري والتنظيمي الحاصل على مستوى قيادة التنظيم، ونتيجة طبيعية للخلل في التربية والعزم على مستوى كل الهياكل تحصيل حاصل.

    نريد بالمختصر المفيد أن يرجع التنظيم إلى الاستقطاب الدعوي القلبي التربوي ويتخلى عن الاستقطاب السياسي، فالسياسة ليست أساس التنظيم الاسلامي، إنما اساسه الدعوة إلى الله والدلالة على الله، وهي أمور من اختصاص رجال الله، والتنظيم يجب أن يساعد وينظم هذه العملية التربوية ليس إلا ويكف عن طموحاته السياسية القذرة، إنها خيانة لله أن يتحول التنظيم من ميدان العشق الالاهي ويرتمي في أحضان المصلحية السياسية، لكن كيف ذلك والسياسيون سيطروا على التنظيم ولبسوا جبة المشيخة واختلط للقاعدة السياسي بالتربوي وخدعوا من باب التربية وصُور لهم أن القيادة السياسية لها قدرة على الدلالة على الله.

    إنها خيانة لله أن تلبس أيها السياسي الماكر سلهام المشيخة، ولك طريقان لا ثالث لهما، إما أن تنزع لباس المشيخة وترجع إلى ثكنتك السياسية وتترك أمر القلوب إلى أولياء الله وتسمع الكلام، أو هي نهاية تنظيمك الغشاش بصالحيه وسياسييه، والأمر ليس متروكا لك لأني أراك ستختار تسييس التنظيم لقضاء مآربك السلطوية لا يهمك القلوب، لكن الأمر متروك للرجال الساكتين عن الحق أن يقولوا إن هذا منكر ويسحبوا المشيخة من تحت قدميك ويعيدوا الأمر إلى نصابه المنهاجي كي تُشرق القلوب والأرواح مرة ثانية.


    📌 الهوامش

    1. [1] الاستقطاب هو البحث عن الأفراد المؤهلين و جذبهم لشغل الوظائف التنظيمية الشاغرة أو المبرمجة.
    2. [2] قانون نيوتن: تقوم الأجسام بجذب الأجسامٍ أخرى بقوة تتناسب بشكلٍ طردي مع كتلتها، وعكسياً مع تربيع المسافة بينها، ويتم تمثيل ذلك باستخدام المعادلة الآتية: F= G ((m1×m2)/R2)، حيث إنّ m1 هي الكتلة الأولى، وm2 هي الكتلة الثانية، وRهي مربع المسافة بين الكتلتين، وG هي ثابتة.
    3. [3] تقع الشمس في مركز النظام وتربطه بجاذبيتها، فكتلتها تبلغ 99% من كتلة النظام بأكمله، كما أنها هي التي تشع الضوء والحرارة اللَّذين يَجعلان الحياة على الأرض مُمكِنَة.
    4. [4] نموذج ذلك الاستقطاب الامريكي والسوفياتي والأوروبي والصيني والايراني.
    5. [5] برامج تعبر عن عقيدة الحزب السياسي وقيمه ومواقفه السياسية.
    6. [6] يشبه الأمر ما قاله الإمام الرفاعي مع فارق كبير بيننا نحن المذنبين وولي الله الامام الرفاعي الكبير: "نِعَم الله تعالى تُذكَر. من قرّبْته من العزيز فهو قريب. ومن أبعدتُهُ عنه فهو بعيد. أيها البعيد عنا، الممقوت منا. ما كان هذا منك يا مسكين، لو كان لنا فيك مَقْصَدٌ يشهَدُ بحسن استعدادك، وخالص حبك لله عز وجل وأهلِه، اجتَذَبْنَاك إلينا، وحسبناك علينا، شِئْتَ أو لا. لكن الحقَّ يقال: حظُّك منعك، وعدم استعدادك قطعك. لو حَسَبْناك منا ما تباعدت عنا"، الأمر للتشبيه فقط لا غير، وإلا فنحن نخشى على أنفسنا دائما أن نكون مبعدين من أولياء الله.

  • طنجة تعزز موقعها كعاصمة ثقافية عالمية

    طنجة تعزز موقعها كعاصمة ثقافية عالمية

    عندما نتحدث عن المدن التي تشكّل هويتنا الثقافية، تبرز طنجة كموقع استثنائي يجمع بين عراقة التاريخ وحيوية الحاضر. هذه المدينة الشهيرة على ضفاف المتوسط لا تتوقف عن السعي لترسيخ مكانتها كمقصد ثقافي من الدرجة الأولى، وذلك من خلال استقطاب الفعاليات والشخصيات المؤثرة في المشهد الفني والفكري العالمي.

    في كل مناسبة ثقافية تشهدها طنجة، نشعر بأهمية الاستثمار في الموارد الفنية والإنسانية التي تحافظ على تراثنا وتطوّره. الأنشطة الثقافية لا تقتصر على الترفيه والفن فقط، بل تؤثر على اقتصاد المدينة والسياحة والفرص التي تُتاح للمهنيين المحليين.

    استقطاب الشخصيات البارزة يرفع من القيمة الثقافية

    يعكس استضافة طنجة لشخصيات ثقافية معروفة عالميًا التزام المدينة بالارتقاء بمستوى حضورها على الخريطة الفنية الدولية. هذه الاستقطابات ليست مجرد احتفالات عابرة، بل خطوات استراتيجية تهدف إلى بناء علاقات دائمة مع الأوساط الثقافية والفنية في مختلف أنحاء العالم.

    عندما تستقبل المدينة شخصيات لها تأثير قوي في مجالاتهن، تُفتح آفاق جديدة للحوار الثقافي وتبادل الخبرات. هذا التبادل ينعكس إيجابيًا على المشهد المحلي، حيث يستفيد الفنانون والمثقفون الطنجاويون من التفاعل المباشر مع أصحاب الخبرة والرؤى المتقدمة.

    تعزيز السياحة الثقافية والاقتصاد المحلي

    الفعاليات الثقافية الكبرى في طنجة لا تقتصر تأثيراتها على الجانب الفني والفكري وحسب. فهي تجذب الزوار من داخل المغرب وخارجه، مما يساهم في تنشيط القطاع السياحي ودعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به. الفنادق والمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية جميعها تستفيد من هذا الحضور المتزايد للسياح الثقافيين.

    الأثر المباشر على السياحة

    المدينة التي تُعرف بتراثها العريق وموقعها الجغرافي المميز، تزداد جاذبيتها عندما تصبح وجهة لاستضافة أحداث ثقافية متميزة. الزائرون الذين يأتون لحضور فعالية ثقافية يميلون للبقاء فترة أطول والتعرّف على معالم المدينة التاريخية والمتاحف والمعارض الفنية.

    خلق فرص عمل جديدة

    الأحداث الثقافية الكبرى تتطلب تنظيمًا معقدًا وتعاونًا بين عدة قطاعات. هذا يعني خلق فرص عمل مؤقتة وموسمية للشباب المحلي في مجالات التنظيم والضيافة والتسويق والإعلام. كما أن المشاريع المرتبطة بتحسين البنية التحتية الثقافية قد تخلق فرصًا طويلة الأجل.

    طنجة كجسر للحوار الثقافي الدولي

    تاريخ طنجة العريق كملتقى للثقافات يجعلها موقعًا طبيعيًا للقاءات الفكرية والفنية. المدينة التي احتضنت عبر قرون الفنانين والمثقفين والرحالة من جنسيات مختلفة، تستمر في هذا الدور حتى اليوم.

    التبادل الفكري والفني

    عندما تزور شخصيات ثقافية معروفة مدينة مثل طنجة، فإنها تحمل معهن أفكارًا وتجارب وأساليب فنية جديدة. هذا التفاعل المباشر بين الفنانين والمفكرين المحليين والدوليين يسهم في إثراء المشهد الثقافي المحلي وفتح آفاق جديدة للإبداع.

    بناء شراكات استراتيجية

    الزيارات الثقافية الرسمية غالبًا ما تؤدي إلى توقيع اتفاقيات تعاون بين المؤسسات الثقافية المختلفة. هذه الشراكات قد تشمل تنظيم معارض مشتركة، أو ورش عمل تدريبية، أو برامج تبادل فنانين، مما يعود بالفائدة على الطرفين.

    الدور المحوري للمؤسسات الثقافية المحلية

    نجاح طنجة في ترسيخ موقعها الثقافي يعتمد بشكل أساسي على قوة مؤسساتها الثقافية والفنية. المتاحف والمعارض والمراكز الثقافية تلعب دورًا محوريًا في استقبال هذه الشخصيات وتنظيم البرامج المحيطة بزياراتهم.

    تطوير البنية التحتية الثقافية

    الاستثمار في تحديث وتطوير المرافق الثقافية ليس خيارًا بل ضرورة. المدينة التي تطمح لاستضافة أحداث عالمية بحاجة إلى مقاعل عصرية وقاعات متعددة الأغراض وتقنيات حديثة في العرض والتقديم.

    تطوير الكوادر المحلية

    لا يكفي استقطاب الشخصيات الثقافية الدولية، بل يجب أيضًا الاستثمار في تطوير الكوادر المحلية من الفنانين والمثقفين والمنظمين. ورش العمل والندوات التدريبية التي تُنظم حول هذه الزيارات تساهم في رفع مستوى المهنيين المحليين.

    التحديات والفرص المستقبلية

    رغم النجاحات التي حققتها طنجة في مجال تعزيز دورها الثقافي، لا تزال هناك تحديات تستحق الانتباه. من أهمها ضمان استدامة هذه الفعاليات والاستفادة الحقيقية للمجتمع المحلي.

    التركيز على الاستدامة

    يجب أن تُصمم الفعاليات الثقافية بحيث تترك إرثًا دائمًا وليس آثارًا مؤقتة. هذا يعني إنشاء برامج طويلة الأجل تستمر حتى بعد انتهاء الفعاليات الرئيسية، وضمان تدريب الشباب المحلي على مهارات جديدة.

    الموازنة بين العالمية والمحلية

    من المهم أن تحافظ طنجة على هويتها الثقافية المميزة حتى وهي تستقبل تأثيرات عالمية. الهدف ليس التخلي عن الخصوصيات المحلية، بل دمجها بحكمة مع العناصر الثقافية الدولية.

    الخلاصة

    طنجة تسير بخطوات ثابتة نحو تعزيز دورها كعاصمة ثقافية معروفة عالميًا. استقطاب الشخصيات الثقافية البارزة جزء مهم من هذه الاستراتيجية، لكن النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذه اللقاءات إلى فرص حقيقية لتطوير المشهد الفني والفكري المحلي.

    هذا المسار يتطلب التزامًا مستمرًا من جانب المؤسسات الثقافية والحكومات المحلية والمجتمع المدني معًا. عندما تتعاون هذه الأطراف، تصبح طنجة فعلاً منارة ثقافية حقيقية.

    شارك رأيك: كيف تعتقد أن تؤثر هذه الفعاليات الثقافية على مستقبل المشهد الفني في مدينتنا؟ نحن نود سماع وجهات نظركم في التعليقات.

  • هل يصل الذكاء الاصطناعي إلى طريق مسدود؟

    هل يصل الذكاء الاصطناعي إلى طريق مسدود؟

    عندما تتصفح تطبيقات هاتفك أو تستخدم محركات البحث، لا تدرك أن مليارات الدولارات تُنفق خلف الكواليس لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه الاستثمارات الضخمة بدأت تثير قلقاً حقيقياً لدى رجال الأعمال والمستثمرين، خاصة مع تزايد الخسائر المالية التي تتكبدها الشركات الكبرى في هذا المجال.

    السؤال الذي يطرحه الكثيرون اليوم ليس عن مستقبل التكنولوجيا نفسها، بل عن استدامة النموذج الاقتصادي الذي يدعمها. هل نشهد فقاعة اقتصادية حقيقية قد تنفجر في أي لحظة، أم أننا أمام مرحلة تصحيح طبيعية على طريق النضج التقني؟

    الإنفاق الهائل والنتائج المخيبة

    الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الماضية. شركات عملاقة مثل أمازون وميتا وغيرها اعتمدت استراتيجية شرائية عدوانية، وسارعت بإطلاق منتجات وخدمات جديدة بسرعة قياسية. لكن السباق المحموم لم يترجم فوراً إلى أرباح حقيقية.

    بل على العكس، الخسائر الفصلية لعدد من هذه الشركات الكبرى ارتفعت بشكل ملحوظ. المستثمرون بدأوا يطرحون أسئلة حادة: أين العائد على استثماراتنا؟ كم سنحتاج قبل أن نرى الأرباح المتوقعة؟ هل كان هذا الإنفاق مبالغاً فيه؟

    تحول الرؤية لدى صناع القرار المالي

    لم يعد النقاش محصوراً في أوساق المتخصصين. القيادات العليا في الشركات الكبرى بدأت تتحدث علناً عن ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات الإنفاق. بعض المستثمرين الأثرياء والصناديق الضخمة بدأوا يطالبون بتقليل الميزانيات المخصصة لتطوير هذه التقنيات، أو على الأقل بإعادة توجيهها نحو مشاريع أكثر واقعية وقابلية للتحقق.

    هذا التحول يعكس تغييراً في المزاج العام. فترة الاستثمار “بدون حدود” بدأت تنتهي، والشركات تشعر بضغط متزايد لتبرير إنفاقاتها بنتائج ملموسة، وليس بوعود مستقبلية غامضة.

    من الابتهاج إلى الواقعية

    في 2023 و2024، شهدنا حماساً غير محدود حول إمكانيات الذكاء الاصطناعي. الإعلام يتحدث عن ثورة كاملة، والشركات تستثمر الملايين في التطبيقات الجديدة. لكن الواقع كان أقسى: الكثير من هذه التطبيقات لم تحقق الاعتماد الواسع الذي توقعته الشركات.

    المستخدمون في العالم العربي وأفريقيا، على سبيل المثال، واجهوا تطبيقات ذكاء اصطناعي لا تدعم لغتهم بشكل جيد أو غير مكيفة مع احتياجاتهم الفعلية. الشركات الناشئة، التي جمعت رؤوس أموال ضخمة، وجدت نفسها عاجزة عن تحقيق العوائد المتوقعة.

    الآثار على الاقتصاد التكنولوجي

    هذا التصحيح الاقتصادي له تداعيات واسعة. أولاً، فرص التوظيف في هذا القطاع بدأت تنخفض بعد سنوات من النمو السريع. الشركات بدأت تراجع خططها التوسعية وتقليل فريقها.

    ثانياً، الشركات الناشئة والصغيرة التي اعتمدت على الاستثمارات الضخمة في هذا المجال بدأت تواجه صعوبات حقيقية. بعضها أغلق أبوابه، وبعضها الآخر اضطر إلى إعادة هيكلة جذرية.

    ثالثاً، هناك تأثير نفسي واضح: ثقة المستثمرين في “سرديات” التكنولوجيا الجديدة بدأت تضعف، وأصبحوا أكثر حذراً وأكثر طلباً للبيانات والأرقام الحقيقية.

    ماذا يعني هذا للمستهلك العربي؟

    قد تتساءل: وماذا في الأمر إن كانت الشركات تخسر أموالاً؟ الحقيقة أن هذا يؤثر عليك بشكل مباشر.

    إذا حدثت أزمة اقتصادية حقيقية في قطاع الذكاء الاصطناعي، فإن الخدمات التي تستخدمها قد تصبح أقل وضوحاً أو حتى قد تختفي. الابتكار قد يتباطأ. الشركات قد تركز على الربحية على حساب التحسين المستمر.

    من جانب آخر، هذا قد يكون فرصة. التصحيح قد يؤدي إلى استثمارات أذكى وأكثر تركيزاً على المشاكل الفعلية بدلاً من المشاريع الخيالية.

    الطريق إلى الاستقرار

    الخبراء يشيرون إلى أن الصناعة بحاجة إلى إعادة معايرة. بدلاً من السباق المحموم، يجب التركيز على تطبيقات واقعية وقابلة للتطبيق. الشركات التي تدرك هذا وتعدل استراتيجياتها ستكون الفائزة على المدى الطويل.

    كما أن تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة مستدامة اقتصادياً يتطلب البحث عن نماذج أعمال جديدة. ليس كل شيء يجب أن يكون مجاني أو معتمداً على الإعلانات. خدمات مدفوعة متخصصة، حلول موجهة للشركات، تطبيقات صناعية محددة، كل هذا قد يكون جزءاً من المحفظة الصحيحة.

    لماذا لا نشهد انهياراً كاملاً؟

    على رغم التحديات، لا يتوقع الخبراء انهياراً كاملاً لقطاع الذكاء الاصطناعي. السبب بسيط: الفوائد الحقيقية للتكنولوجيا موجودة فعلاً. الشركات تستخدمها لتحسين العمليات، وخفض التكاليف، والابتكار.

    ما يحدث هو تصحيح في التوقعات والميزانيات، وليس انهيار كامل للقطاع. الشركات القوية ستبقى، والضعيفة ستختفي، وهذا أمر طبيعي في أي صناعة ناشئة.

    خلاصة

    نحن نشهد مرحلة انتقالية في قطاع الذكاء الاصطناعي. من فترة الاستثمار الجامح والتوقعات المبالغ فيها، ننتقل إلى فترة أكثر واقعية واستقراراً. هذا صحي بالفعل للصناعة على المدى الطويل.

    المهم الآن أن نركز على التطبيقات التي تحل مشاكل حقيقية وتحقق قيمة فعلية، سواء على المستوى الفردي أو الاقتصادي. التكنولوجيا ستبقى، لكن الطريقة التي نستثمر بها ونستخدمها ستتغير.

    ما رأيك؟ هل تشعر أن الذكاء الاصطناعي الذي تستخدمه يومياً قدم لك قيمة حقيقية؟ شارك رأيك في التعليقات أدناه.

  • المغرب يرتقي لمصاف القوى الكبرى في كرة القدم

    المغرب يرتقي لمصاف القوى الكبرى في كرة القدم

    عندما تشاهد مباراة لمنتخب بلدك، ربما تشعر بفخر مختلط بالقلق حول مستقبل فريقك. هذا الشعور بات طبيعياً لملايين المغاربة الذين باتوا يتابعون تطور النسر الملكي بانتباه شديد، خاصة بعد السنوات الأخيرة التي شهدت تحولاً ملحوظاً في أداء الفريق الوطني على الساحة الدولية.

    اليوم، لم تعد كرة القدم المغربية مجرد فريق يسعى لتحقيق الإنجازات، بل أصبحت قصة نجاح تحدثها الأندية الأوروبية الكبرى في حلقات نقاشاتها، وتدرسها الأكاديميات الرياضية كنموذج متطور. هذا التحول لم يحدث بالصدفة، بل هو نتيجة استثمار منظم في البنية التحتية والرؤية الاستراتيجية الواضحة.

    تطور منتظم على مدار السنوات

    شهدت كرة القدم المغربية مسيرة تصاعدية لافتة للنظر خلال العقد الماضي. بدأ هذا التطور لا من خلال نتائج فورية ومذهلة، بل من خلال بناء أساسات قوية تتعلق بتطوير البنية التحتية والكوادر الفنية والإدارية. تدريجياً، بدأ المنتخب الوطني يحقق نتائج إيجابية في البطولات الإقليمية والقارية، ما أثبت أن الخطة طويلة الأمد كانت على المسار الصحيح.

    هذا الصعود لم يقتصر على نتائج رياضية فحسب، بل انعكس على مستوى الاهتمام الإعلامي والجماهيري بالمستوى العالمي. أصبح المنتخب المغربي موضوع نقاش جاد في الأوساط الرياضية الدولية، وليس كفريق هامشي، بل كمنافس حقيقي له طموحات عالية وإمكانيات متزايدة.

    الاعتراف الدولي والمصداقية

    العالم الرياضي لا يعترف بالشعارات والتصريحات العابرة، بل بالنتائج الملموسة والأداء المستمر. في السنوات الأخيرة، بدأ المحللون الرياضيون والنقاد الدوليون يتحدثون عن المغرب بوصفه قوة صاعدة جديرة بالمتابعة والحساب. هذا الاعتراف جاء بعد تحقيق المنتخب لإنجازات متتالية أثبتت أن الفريق لا يعتمد على اللاعبين الأفراد فحسب، بل على نظام متكامل يدعم الأداء الجماعي المتناسق.

    ما يميز هذه المرحلة من التطور هو أن المغرب لم يعد مجرد فريق يشارك في البطولات الكبرى، بل أصبح يفرض أسلوباً خاصاً به يعكس هويته وقيمه الرياضية. الفريق الوطني بدأ يترك بصمة واضحة في كل مباراة يخوضها، سواء من خلال الحضور الدفاعي القوي أو الهجمات المنظمة أو إدارة المباراة بذكاء كبير.

    التأثير على الأندية المحلية والشباب

    هذا الاعتراف الدولي بقوة المنتخب الوطني لم يبقَ حبيس الملاعب الكبرى فقط. بدأ تأثيره الإيجابي ينعكس على الحركة الكروية المحلية بشكل واضح. الأندية المغربية بدأت تستقطب اهتماماً أكبر من الأندية الأوروبية الكبرى، سواء لشراء لاعبيها أو الاستفادة من خبراتها التكتيكية والتنظيمية.

    بالنسبة للاعبي الشباب والمواهب الناشئة، أصبح المنتخب الوطني نموذجاً ملهماً يحفزهم على السعي نحو مستويات أعلى. الشاب الموهوب لم يعد يرى المشروع الوطني كحلم بعيد المنال، بل كطريق واقعي وممكن إذا ما التزم بالتطور المستمر والاحترافية.

    البنية التحتية والاستثمار الذكي

    وراء كل نجاح رياضي، توجد استراتيجية واضحة واستثمارات مدروسة. المغرب اعتمد على نهج متكامل يجمع بين تطوير البنية التحتية والملاعب الحديثة، وجذب الكوادر الفنية المتخصصة، وتطوير أكاديميات تدريب متقدمة. هذا الاستثمار الذكي في العنصر البشري والمادي خلق بيئة خصبة لنمو المواهب وتطورها.

    الجانب الإداري والإدارة الرياضية احتلت دوراً محورياً أيضاً. اتخاذ القرارات بناءً على دراسات وتحليلات عميقة، وليس على العاطفة أو الضغوط الآنية، جعل المشروع الكروي المغربي أكثر استقراراً واستدامة.

    الطريق نحو المستقبل

    المرحلة الحالية ليست نهاية المسار، بل محطة في رحلة طويلة. المنتخب الوطني بحاجة إلى المحافظة على المستويات التي وصل إليها، وفي نفس الوقت السعي المستمر نحو تحسينات جديدة. التحديات الدولية كثيرة، والمنافسة الشرسة من فرق كبيرة معروفة عالمياً تتطلب جهداً مستمراً وتطويراً لا ينقطع.

    ماذا يعني هذا للقارئ المغربي؟

    باختصار، التطور الذي يشهده المنتخب الوطني ليس مجرد قضية رياضية بحتة. إنه يعكس قدرة البلد على بناء مؤسسات قوية، وتطوير كفاءات محلية، والوصول إلى مستويات عالمية في أي مجال يتم الاستثمار فيه بجدية واستراتيجية واضحة. هذا الإنجاز يعطي الثقة أن باستطاعة المغاربة تحقيق نجاح حقيقي في مجالات أخرى عديدة.

    ما رأيك أنت؟ هل شعرت بالفرق في أداء المنتخب الوطني؟ شارك تعليقاتك وملاحظاتك معنا.

  • المرأة والعمل السياسي: نحو تمثيل حقيقي في المؤسسات الحزبية

    المرأة والعمل السياسي: نحو تمثيل حقيقي في المؤسسات الحزبية

    عندما تتابعين الأخبار السياسية أو تشاركين في النقاشات العائلية حول قرارات البلد، هل لاحظتِ كم مرة تجدين أصواتاً نسائية حقيقية تقود التغيير من الداخل؟ الحقيقة أن الحضور النسائي في أروقة الأحزاب والمؤسسات السياسية لا يزال محدوداً في الواقع العملي، رغم المبادرات والقوانين التي تطالب به.

    هذا الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية دفعت منظمات نسائية محلية إلى اتخاذ خطوة جريئة، بإطلاق ميثاق شامل يستهدف تحسين وضع المرأة داخل الهياكل الحزبية. وهنا يكمن السؤال الحقيقي: ما الذي يجب أن يتغير فعلاً لكي تصبح الكفاءة النسائية مسموعة ومؤثرة في صنع القرار السياسي؟

    لماذا التركيز على الأحزاب تحديداً؟

    الأحزاب السياسية ليست مجرد منظمات إدارية عادية. إنها بيئة حاضنة لصناع القرار، ومحطة التدريب لقادة الغد، وملتقى تلاقح الأفكار والرؤى السياسية. عندما تكون المرأة غائبة أو ممثلة بشكل رمزي فقط من هذه المؤسسات، ينعكس هذا الغياب على جميع السياسات والقرارات التي تؤثر على المجتمع بأسره.

    المشكلة لا تقتصر على العدد وحسب. فالكثير من النساء اللاتي يشغلن مناصب في الأحزاب قد لا يملكن الصلاحيات الحقيقية في صنع القرار أو تحديد الأجندة السياسية. إنها مسألة تتعلق بالنوعية والتأثير الفعلي، لا بالحضور الشكلي.

    محتويات الميثاق: ماذا يتضمن؟

    الميثاق الذي تم إطلاقه يركز على عدة محاور أساسية:

    تعزيز التمثيل الحقيقي وليس الرمزي

    الهدف ليس الاكتفاء برفع نسب المشاركة النسائية في الخطب والإعلانات الحزبية. بل يتعلق الأمر بضمان حضور فعلي في لجان القرار والهيئات التنفيذية للأحزاب. هذا يعني أن تصبح النساء عضوات فاعلات في تشكيل رؤية الحزب والسياسات التي ينادي بها.

    الالتزام بمعايير الكفاءة والجدارة

    يؤكد الميثاق أن اختيار النساء للمناصب القيادية يجب أن يكون مبنياً على الكفاءة والخبرة والرؤية السياسية، وليس على العطف أو الحاجة لملء حصة محددة. هذا النهج يرفع من مصداقية المرأة السياسية ويقطع الطريق أمام أي حجة تقول إن النساء في المناصب هن “مجرد أرقام”.

    توفير فرص التدريب والتطوير

    تطوير الكفاءات النسائية في المجال السياسي يتطلب استثماراً حقيقياً. الميثاق يدعو الأحزاب للاستثمار في برامج تدريبية متخصصة، وورش عمل حول القيادة السياسية، والمساعدة في بناء الخبرات اللازمة.

    محاسبة الأحزاب على التزاماتها

    بدون آليات للمتابعة والمراجعة، قد تصبح الميثاق مجرد وثيقة حبراً على ورق. لذا يتضمن آليات لقياس التقدم والعودة للأحزاب بملاحظات ملموسة حول مدى التزامها بالتعهدات.

    التحديات التي تواجه هذه المبادرة

    رغم أهمية هذا الميثاق، إلا أن طريقه نحو التطبيق الفعلي ليست معبدة. الثقافة السياسية في المنطقة العربية عموماً والمغرب خصوصاً لا تزال تحمل رواسب من الهياكل التقليدية التي تحصر الأدوار القيادية في فئات معينة.

    هناك أيضاً تحدٍ آخر: قد تواجه هذه المبادرة مقاومة من داخل الأحزاب نفسها، خاصة من قيادات ترى أن هذه التغييرات تهدد استقرارها أو توازنات القوى الداخلية القائمة. ما يتطلب استراتيجية محكمة للتواصل وإقناع صناع القرار بأن هذا ليس صراعاً على السلطة، بل استثمار في الكفاءة والفعالية.

    الفرصة الحقيقية للتغيير

    ما يميز هذه المبادرة أنها لا تنتظر القانون أو الضغط الحكومي. إنها خطوة حرة من المنظمات النسائية نفسها، وهو ما يعطيها مصداقية وقوة معنوية. فالمرأة لا تطالب بالمعاملة الخاصة، بل بالحق في المشاركة الحقيقية والقرار الفعلي.

    كما أن هذا الميثاق يفتح الباب أمام حوار بناء بين المنظمات النسائية والأحزاب، بدلاً من التصادم المستمر. إنها دعوة للتعاون بدل المواجهة، وهي رسالة حكيمة في سياق سياسي معقد.

    ماذا ينتظرنا؟

    الخطوة التالية تقع الآن على عاتق الأحزاب. هل ستسمع الأحزاب هذه الدعوة وتستجيب لها بجدية؟ أم أنها ستبقى مجرد وثيقة رمزية؟ الإجابة تعتمد على مدى الضغط الشعبي، وعلى رؤية الأحزاب نفسها للمستقبل الذي تريد له.

    المرأة المغربية والعربية لديها الكثير لتقدمه للعمل السياسي والحزبي. سياسيات ومفكرات وقائدات قادرات على قيادة التغيير. ما ننتظره هو أن تصبح هذه الكفاءات متاحة، مقدرة، ومفعلة بحقيقة ووضوح.

    شاركي رأيك: هل تعتقدين أن مثل هذه الميثاقات يمكن أن تحدث تغييراً فعلياً على الأرض؟ وما الذي تودين رؤيته يتغير في المؤسسات السياسية حولك؟

  • في الحاجة إلى ثقافة الاحترام داخل التنظيم

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 75 من 77 — فهرس الكتاب

    صلت وجلت في هذا الكتاب في مواضيع كثيرة، وأحببت أن أختمه بدواء قد يكون بلسما لمختلف أنواع المشاكل الناتجة عن تلاقي الأجسام داخل التنظيم، إنه الاحترام، وهو نوع من التقدير والاعتراف بإنسانية الآخر وكرامته عند الله، الاحترام يولد السلام والسلام يأتي بالمحبة، بينما الاحتقار إذاية، والاذاية تولد الحرب، والحرب تقضي على المحبة، وباندثار المحبة ينهار التنظيم، لكن التنظيم لا يؤمن بقدرة البغضاء على تدميره، يعتقد أنه يقوم بالأوامر والضبط والصرامة والقسوة والمكر والحفر والكيد والتآمر والدهاء والركوب على التربية.

    أعرف أن التنظيم يكره سماع كلمة محبة، اللهم تلك المحبة السياسية المخادعة، إنه لا يؤمن إلا بالمحبة الصفراء الفاقع لونها بهتانا ونفاقا، لا يحب التنظيم المحبة إلا إذا كانت في اتجاه واحد إلى مسؤوليه، لا يحب سوى المحبة التي تنتج الطاعة المطلقة، يستثقل الاحترام والحب المتبادلين الصافيين غير القابلين للاستثمار التنظيمي والسياسي المصلحي، الاحترام المجرد والحب الخالص في الله يزعج التنظيم، وأحيانا يراه خطرا على مصالحه وعلى مسؤوليه، خاصة عندما يوجه إلى أشخاص لهم جاذبية تربوية وروحانية ساطعة.

    لكن الحقيقة أن الاحترام هو حق من الحقوق الطبيعية لأعضاء التنظيم ولجميع الانسانية، والاحترام لا يستلزم أن تكون للتنظيم فيهم حاجة تنظيمية أو سياسية، فهم يستحقون الاحترام لكون الشريعة تفرض ذلك بآية “ولقد كرمنا بني آدم”، ثم لأن الانسان كيفما كان دينه وجنسه ولونه ومرتبته الادارية والعلمية والمالية يستحق الاحترام بالمنطق الاخلاقي لمجرد نسبته إلى جنس الانسان، بل إن من الفقهاء من يقول باحترام مختلف الحيوانات والنباتات والجمادات، فكيف يحتقر التنظيم إنسانا بايع التنظيم وسخر جهده ووقته وماله لنصرة التنظيم؟ هل هو الطغيان التنظيمي؟

    إن سير التنظيم المسترسل يتطلب أن يستشعر جميع أعضائه بالقيمة التي يكفلها لهم الدين والخلق، هذه القيمة تتجلى ظاهرا في الكلام المؤدب ونظرة التقدير والاسلوب اللطيف والمواساة الأخوية وتواضع الجميع مع الجميع، ثم إنها تتجلى باطنا في الدعاء والمحبة المكنونة في الصدور.

    هذا الإحترام نفتقده في التنظيم الاسلامي، ذلك أنه يتعامل مع الاعضاء كما يتعامل مع الحيوانات الأليفة، يبتسم في وجوههم ظاهرا ويحتقرهم باطنا، ففي المجالس المسؤولة يتحدث المسؤولون التنظيميون عن الاعضاء كما يتحدثون عن قطيع الحيوانات أو عن بهائم لا تفهم وغير ذات قيمة، تنقيص واحتقار وإهانة وتكبر وعجرفة وتمختر وخيلاء وعنطزة فارغة وحركات لا مسؤولة، في المجالس المسؤولة يتحدث المسؤولون عن الاعضاء لكأنهم مخلوقات ناقصة القيمة، يشير المسؤول بيديه مستهترا بالأعضاء، يتحدث ضاحكا باستخفاف عن الاعضاء، يتخذ القرارات وهو على يقين أن قطيعا من الرجال التافهين سينفذون دون مناقشة مع تبجيل وتقديس للفهم التنظيمي الذي لا يخطئ، فهم تنظيمي تباركه السماء.

    التنظيم لم يصل بعد إلى السلطة فكيف الحال لو بلغها.

    كثير من المصائب التنظيمية كان من الممكن تفاديها بقليل من الاحترام، لكن التنظيم أمعن في الدعس على كرامة المؤمنين، عاملهم بطريقة فظة و عدوانية مبتسمة، يا سيدي المسؤول إني أتيت التنظيم عن طيب خاطر دون أي ضغط راغبا في رحمة الله وغفرانه، جئت سندا لدعوته منافحا عن كلمته، فلا تستغل طيبتي وصفاء سريرتي أيها التنظيم الاسلامي ولا تركب على الدين لترضي ساديتك وتتمتع بتعذيب الناس والتكبر عليهم، دع عنك الكبر وتعال، دع عنك النفخ الخاوي وتعال إلى أرض التواضع، دع عنك الهراء التنظيمي وتعال إلى أرض المحبة والتواضع والاحترام والتعاون على دعوة الله.

    قلي بالله عليك أيها المسؤول التنظيمي ما الذي تجنيه من مشية العنطوز التي تمشيها بين المؤمنين؟ هل تزيدك احتراما مثلا بين الاخوان؟ هل تزيدك توقيرا ؟ أم تزيدك هدايا وانحناءة قامات أمامك؟ أم أنها تزيدك متعة نفسية؟ ما الذي يمنعك من إبداء الاحترام للمؤمنين ومعاملتهم بلطف حقيقي وتواضع واحترام حقيقيين، هل سينهار التنظيم مثلا إذا عاملت المؤمنين باحترام؟ هل تراك درست في مدارس النازية وعلموك أن التنظيم لا يستقيم إلا بالنهر والقهر والاحتقار؟ أم هي طريقةٌ علمك إياها من هم أكبر منك في الرتبة التنظيمية فتلقفتها بفهمك الحرفي.

    يبدو أن دراستك كانت في الكلية الخطأ، فمدرسة النبوة لا تؤمن بالأفكار العسكرية التي تهين الانسان وتعتبره مجرد آلة معدة للموت، هؤلاء المؤمنون قد باعوا أنفسهم لله من أجل إعلاء كلمة الله لا من أجل إعلاء صورة جميلة لك مستقبلا في مكاتب الدولة، فهم أولياء لله لما نصروا الله ودعوة الله، إنهم أسياد في دعوة الله لا كلاب من كلابك الاليفة تطعمها وتسخرها حيث شئت، فمن حقوق المؤمنين عليك أيها المسؤول التنظيمي أن تُعاملهم باحترام، ومن حقوق الانسان المفروضة عليك أخلاقيا أن تحترم إنسانية المؤمنين الذين يشكلون تنظيمك الآيل إلى السقوط بأفعالك الحقيرة، حقهم عليك أن توفر لهم سبل الامان والاستقرار النفسي والروحي والمالي والعائلي مثلما يجب عليك أن تستمع إليهم باحترام وإنصات وتوجه آذان قلبك ومنصات عقلك إليهم عندما يحدثونك أو ينتقدونك، لا تعتبرهم مساكين تافهين فقراء حمقى مجانين مدوخين، لا تعتبرهم مجرد حثالة لا يؤبه لحديثها ونصائحها وآرائها وتوجيهاتها.

    إن من تمام احترام الانسان وتكريمه أن تستمع له وتنصت له عندما يحدثك أو يناقشك أو ينتقدك، النقاش حق مشروع، والحوار فرض مكفول، فلست سوى جسم متعجرف يحمل الخراء في أمعائه، فلا داعي للكبر صديقي المسؤول.

    احترام المؤمنين يكون بالإنصات والمحبة والتقدير والتواضع والخدمة والتلاين، بالابتعاد عن أسلوب التحقير والتنقيص والاهانة والتقليل والاستهزاء والاذى، والاعضاء عندما يشعرون بالقيمة التي يعطيها لهم التنظيم حقيقة لا ابتسامة صفراء يعطون كل ما لديهم من طاقة، يشعرون أنهم بين أهليهم وعائلتهم وإخوانهم، تتحقق في قلوبهم الاخوة الحقة لا الاخوة المزيفة التي تنفضح عند أول اختبار، فالاحترام ليس حيلة تنظيمية، بل هو حقيقة قلبية واقعية عملية تصدر عن كامل القوى العقلية والبدنية تتمثل في احترام ذات الشخص واحترام أفكاره ومعتقداته وآراءه المختلفة.

    إنه لا خوف من الافكار المخالفة أيها التنظيم الجبان، لا خوف من الافكار ولا خوف من النقاش ولا خوف من الحوار، الخوف كل الخوف من تكبرك وتقديسك وتفردك بالطاعة المطلقة.

    المسؤول التنظيمي يعتقد دائما أن التنظيم يقوم على الطاعة، ويظن أن الطاعة تأتي بالإرهاب التنظيمي، ثم هو يحسب أن الارهاب التنظيمي يأتي بسيف التنظيم و هو الفصل، ولذلك تجد التنظيم كله من ساسه الى راسه مفزوع من الفصل، تتحدث مع مسؤول تنظيمي عن حقوق أو خروقات فيحدثك بخفوت “رد البال راك كتهضر في السياسة، هاد الشي خطير”، تجد نفسك في التنظيم الاسلامي كأنك في نظام دكتاتوري، فما الفائدة إذن من هذا التنظيم إذا كان سيعيد نفس دولة الحكرة والظلم.

    إن السيف التنظيمي لم يكن يوما مجلبة للاحترام، بل كان بالعكس من ذلك دائما إرهابا ومذبحة تربوية وتنظيمية لها ما بعدها من الاشكالات القلبية والتربوية والتنظيمية والاجتماعية والدعوية والسياسية.

    كنت أرى التنظيم يستعمل سيف الفصل فأخاف، أخاف من فقدان محاضن الايمان وفقدان الاخوان الطيبين الذين نعاشرهم وفقدان الجو الاخوي الذي نعيشه بين المؤمنين، لكني وجدت التنظيم كل مرة مُصرا على ضلاله، غير مرتدع عن جريمته، لا منته عن تكبره، لا متوقف عن تغوله، أصبح التنظيم يحتقر الجميع ويراهم عبيدا خاصة عند توسعه وتمكنه من بناء هياكل سياسية وتنظيمية ونسائية جديدة، حتى إذا عاملهم باحترام ظاهر طعنهم في الخلف إذا استلزمت ذلك المصلحة، لكأن أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن سيطرة الآلة على الانسان قد تحققت، آلة التنظيم الان تتحكم في المؤمنين.

    يا سيدي ما الفائدة من احترام أصفر وقتل من الخلف، حتى اصبح المسؤولون التنظيميون يدخلون على نساء الاخوان وهم في بيوتهن بينما أزواجهن في منهمكون في جلب لقمة العيش، قمة في انتهاك الخصوصية وحرمة البيوت وانتهاك صارخ لقيمة الرجل وتقليل من هيبته واحترامه لدى أسرته ولدى الناس.

    لم أعد اليوم أخاف من سيف الفصل ولا من التهديد بالفصل، ولا حتى من السيوف، وإذا دعت الضرورة سأحمل سيفي لأفصل كل مجرم تنظيمي فصل كثيرا من المؤمنين الكثير ودمر حياتهم.

    إن العمل المشترك يتطلب الاحترام وتعاضد الجميع من أجل إنجاح المشروع، وإذا لم يحصل الانجماع القلبي فعلى الاقل يجب أن يبقى الاحترام قائما بين الاخوان، لكن التنظيم نظرا لحقارة ذاته لا يُبقي للاحترام وزنا، فهو إما أن تكون معه أو ضده، كأنه في حرب صليبية، وفي كلتا الحالتين يحتقرك، فعندما تكون معه يحتقرك بأسلوب جميل، وعندما تكون ضده يعاملك باحتقار ظاهر وخسة بائنة.

    التنظيم يعتبر من معه من مؤمنين مجرد أرقام في دفتر أو أوراق في لعبة ورق أو بيادق في رقعة شطرنج، وهو مستعد لفصلهم في أية لحظة وعلى أتفه سبب، وحتى إذا عرف خطأه فهو لا يعتذر، فالتنظيم خُلقه الكبر والتعجرف، لا يتنازل ولا يعترف بأخطائه ظنا منه أن التنظيم سينهار إذا اعترف المسؤول بخطئه، معنى ذلك اذبح أخوك كي يبقى التنظيم قويا بالإرهاب التربوي وهيبة الفصل، أحاسيس الاخوان ومشاعرهم وقلوبهم آخر ما يفكر فيه التنظيم.

    إن مشاكل التنظيم لا يمكن حلها إلا بسيادة ثقافة الاحترام بين جميع مكونات التنظيم عن طريق إحياء خلق الاعتذار والتقدير ونظرة المحبة وتقدير مجهودات المؤمنين والتغاضي عن بعض هفواتهم واعتبارهم بشرا يخطئ كباقي البشر من سلالة بني آدم الذين أمر الله بتكريمهم وتقديرهم إكراما لله واحتراما لـقبس الروح الالاهية التي نفخها في أجسامهم.

    إن الانسانية التي نراها في النصارى لا نلمسها في التنظيم الاسلامي الذي من المفروض أن يعطي صورة حسنة عن تعاليم الاسلام التي تحض على تكريم الانسان واحترامه وتقديره وإنزاله المنزلة المكرمة التي أمر الله بها، إنه لا يتعامل باحترام حتى مع الذين خدموه عشرات السنين وبذلوا في سبيل بناء مؤسساته وكوادره الغالي والنفيس من أموالهم وأعمارهم، يحتقرهم في آخر أيام عمرهم كأنهم حثالة ومغفلون وساقطون أو مُتساقطون لا يفهمون.

    نُكران العشرة وجحود الأخوة مصيبة أخرى وكارثة أخلاقية عظمى يعاني منها التنظيم الاسلامي.

    الاحترام طاقة كبيرة تولد الخيرات داخل التنظيم وتجعل منه تنظيما قويا تربويا وسياسيا ومجتمعيا، احترام المؤمنين وتقديرهم يشكل الطاقة المعنوية التي يمكن أن تنقل التنظيم من حضيض كبرياء الانذال إلى علياء تواضع الكبار، من سفالة العجرفة إلى معالي المحبة والصفاء والاخوة والبذل والعطاء والتعاون على دعوة الله.

    هي نصيحة إليك أيها التنظيم، إحترم تُحترم، احتقر تُحتقر، اقهر تُقهر، اظلم وسيأتي الله بمن يظلمك، فكما تدين تدان.


  • تصفية الرباطات الاربعينية ومدارس القرآن

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 54 من 77 — فهرس الكتاب

    المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن ريحانتا ولي الله، كان يوليهما الرجل عناية مستمرة ويُكن لهما محبة خاصة، كان لا يتوانى عن رعايتهما والتأكيد على التنظيم ليتعهدهما بالعناية والاحتضان، لكن التنظيم ضرب ضربته وغدر بالرجل ذابحا ريحانتاه اللتان كان يحبهما، لقد كان التنظيم يولي الاهتمام فقط بالسياسة والسياسيين ويعلمهم فنون المكر لشغر المناصب السياسية عندما تسنح الفرصة ويهتم بالقلوب زبر الحديد الذين يعدهم لشغر مناصب التنظيم ويعلمهم الابتسامة التربوية الصفراء.

    كان الهم التربوي حاضرا بقوة عند ولي الله، تقاسم معه هذا الهم بعض المسؤولين، بينما كانت التربية مجرد هراء عند عموم مسؤولي التنظيم، لذلك أنشأ الرجل المحاضن الاربعينية ومدارس القرآن ليتعلم المؤمنون دينهم ويكتسبوا المعاني الايمانية ويكتسبوا روح الدين، وأوكل إلى التنظيم بعد سجال مهمة تنظيم هذه المحاضن والسهر على إنجاحها، لكن التنظيم الغدار الحكار اعتبر هذا الامر لاحقا خطرا على قيادييه ومضيعة للوقت والجهد والمال وعرقلة للزحف السياسي والجلوس مع الدراويش والفقراء و”حمقى التربية” مُددا طويلة للوصول إلى المقامات التربوية التي يراها التنظيم غير نافعة في برنامجه السياسي، لقد كان التنظيم يتأفف من هذه الرباطات والمدارس القرآنية وينظر نظرة احتقار الى المرابطين وطلبة القرآن المنضوين فيها، لقد كان التنظيم متوجها بكليته إلى الواجهة السياسية، فهو يُكرم السياسيين ويحترمهم ويدعم برامجهم في المقام الأول بالمال والاهتمام ويدفع بهم الى واجهة الجماعة وقيادتها، ثم يشح الابتسامة والدينار على أصحاب القبلة والقرآن ويجعلهم تحت قدميه تاركا إياهم في الصفوف الاخيرة للجماعة يموتون تهميشا.

    قبل أن أتحدث عن الجيل المرابط القرآني الذي صفاه التنظيم، لابد أن نفهم المنطلق الذي ينطلق منه ولي الله وحواريوه والمنطلق الذي ينطلق منه التنظيم وزبانيته، إن الشخص الرباني المعلق قلبه بالله يحضن المؤمنين بصدق النية ورغبة في الانتقال بهم من حضيض النفس إلى علياء خلة الله، من الطينية إلى الروحانية، من الحقارة إلى التكريم، من الجهل إلى المعرفة، هذا هو منطلق وغاية ولي الله الذي يحضن المؤمنين، بينما التنظيم شيء آخر، فهو عبارة عن أشخاص لا حظ لهم من الله، جفاة قساة كالحجر تسلموا قيادة التنظيم في فراغ الساحة فزادتهم المسؤولية التنظيمية كبرا وطغيانا، نفوس متعجرفة خبيثة ماكرة ملتحية متحركة على ساحة الواقع، لا ذِكر لهم ولا أوراد إلا تكلفا، لا صحبة لهم ولا تعلق بالصالحين إلا مجاملة، تربية لا تعرف من التربية سوى ابتسامة صفراء توحي للمنخدع بها بأن صاحبها في أعلى مقامات التربية، تثاقل عن العبادة، نوم حتى مطلع الشمس، همة ساقطة عن طلب وجه الله، قلوب غير معلقة بالله، إرادة مرتبطة بالشُعبة والمال والتقارير والتجسس على الاخوان.

    مسؤول تنظيمي كبير وله “هيلالة” أي نعم لكنه يدور في قاع المعاني التربوية للجماعة.

    أمثال هؤلاء الحضيض التربوي هم من يحب التنظيم ويعشق ويرفع إلى مقام المسؤولية، وفي الاتجاه الاخر يطحن الجواهر النفيسة، الاشخاص النقية المعلقة بالله وبولي الله، العناصر التي تحب أن تغنم من معين الصلاح وتنشر الصلاح، العناصر التي تريد أن تحقق المعاني الايمانية وتجمع القرآن الكريم ومعانيه في صدرها، هؤلاء هم المرابطون الاربعينيون وطلبة القرآن، حاربهم التنظيم بقسوة ومكر وبُغض، لكأن التنظيم مُسلم الظاهر كافر القلب، لكأنه عدو لله مبثوث بين صفوف الجماعة، وهنا أتأمل كيف صبر ولي الله كل هذه السنين على هذا التنظيم الجبار الخوار، كيف تحمل زبانيته الذين يسيرونه، لابد أنه أراد أن يستفيد من هذه الحثالة في حربه على معاقل الفساد الكبير ويترك الاطهار على باب الله يرجون الفوز بالله أن يوسخهم بالدنيا، أراد أن يستعمل الحثالة الصغيرة لمحاربة الحثالة الكبيرة، لكنه كان يغامر، كان يلعب مع النفوس النارية، فقد تأتيه الضربة التي لا شفاء منها من هذه الوحوش البشرية الضارية الغادرة التي يريد أن يستعملها، فهذه الكلاب التنظيمية خطرة، تتمسح بأقدام ولي نعمتها وصانع هياكلها ومهندس دهاليزها دهرا، لكنها تعض عندما يغفل، إنها أحقر الحيوانات الملتحية على الاطلاق.

    أعرف أن الكلاب التنظيمية تعوي الآن وهي تقرأ هذه السطور قائلة : انظروا إنه يسب، إنه يسب، إنه شخص قبيح، إنه شرير، إنه عميل، إنه شخص لا يعرف التربية، قاطعوه ولا تقرؤوا أوراقه، إنه شخص قبيح، المؤمن لا يسب، المؤمن لا يلعن، المؤمن لطيف، رسول الله لم يكن لعانا، رسول الله كان رحيما، وهل تمثلت أنت أخلاق رسول الله؟ وهل تمثل تنظيمك أخلاق رسول الله؟ هل كنت أنت لطيفا مع المؤمنين؟ هل حافظت على قلوب المؤمنين؟ هل كنت رحيما مع المرابطين وحملة القرآن؟ هل ساعدتهم في عقبتهم التربوية أم أنك طعنتهم في ظهورهم؟ كيف تتلو علينا الآن آيات الرحمة والايمان والاخلاق ويدك لم تجف بعد من الدماء المعنوية للمؤمنين؟

    ثم من قال لك أيها الحثالة التنظيمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سيتركك تلعب في تنظيمه وتقتل أصحابه، وهل المؤمن يذبح أخاه في الجماعة يا عدو الله؟ دبلومك في التنظيم مأخوذ من الكوفة بميزة حسن جدا، دبلوم المروق من الدين والنفاق والشقاق، إنني أعرف أن هذه الحيلة لم تعد تنطلي الان على أحد، فالجميع يعرف أن التنظيم الذي ذبح معنويا خيرة المؤمنين لا يحق له أن ينتقد السب، السب شيء قليل في حقك يا مصاص الدماء، إن الذي قتل الحسين لا يحق له استنكار السب، ولا يحق له طلب فتوى قتل البعوض، فالسب ليس بالجرم الكثير مقارنة بالجرائم المنظمة التي سهر تنظيمك على ارتكابها، العدل هو السن بالسن والجروح قصاص، العدل أن يحاسب مسؤولو التنظيم على تصفية جيل من خيرة المؤمنين من المرابطين وحملة القرآن وينالوا العقاب العادل الذي يستحقون.

    فلا يشوشننا زبانية التنظيم وعواؤهم عن رؤية الحقيقة، ولـنر كيف قاموا بتصفية الرباطات الاربعينية وحملة القرآن.

    بينما كان ولي الله يشحذ التنظيم لإنجاح برنامجه التربوي، كان من المفروض أن التنظيم أداة تربوية بيده، فولي الله هو صانع التنظيم وهو مُنظر حركاته وسكناته وهو مهندس مؤسساته وروابطه التنظيمية والمعنوية، وهذه القيادات التنظيمية لم تكن لتوجد على رقعة السياسة والدعوة لولا القوة الروحية والعقلية والنفسية التي استطاع بها ولي الله جمع هذه الحثالة ليُعلمها حب الله، جـمع النطيحة التربوية والمتردية الاخلاقية وما استغنى عنه سبع النظام من الذمم المريضة ثم صهرهم ولي الله في بوتقة التنظيم ليصنع منهم رجال الغد وحملة الرسالة، فالأصل أن قادة التنظيم شتات لولا ولي الله، لكن هذا الشتات أصبح اليوم قوة منظمة، فكيف يسيطر ولي الله على هذا الوحش الضاري المنظم والكلب المسعور على الرئاسة، لابد له من جنود ربانيين يعملون بين يديه يستخدمهم بصدق الولاء لله والولاء للصحبة وليس الولاء لآلة التنظيم.

    التنظيم كان يعلم هذا، وهو بنفاقه العميق المعشش في قلبه كان يتعامل بطول نفس مع ولي الله، كان يُظهر أنه حريص على التربية والقرآن والرباطات تماشيا مع الموجة لكنه في حقيقة أمره كان يكره المرابطين وحملة القرآن، وفي انتظار القضاء على هذه المؤسسات التربوية كان يستعملها لتركيع المؤمنين تنظيميا مستغلا الكلام التربوي والرقائق الصوفية والابتسامات الصفراء المخادعة، وفي مجالس الرباط والقرآن يسرب أفكاره السياسية والتنظيمية مستغلا انفتاح القلوب تحت تأثير رحمات الذكر والصيام والانجماع على الله، خلط للدين بالسياسة في انتظار القضاء على روح الدين، فالمظاهر التربوية التي كان يبديها التنظيم لم تكن سوى ذر للرماد في العيون، تماما كما تفعل بعض الانظمة عندما تلعب بالدين، تطلق الفضائيات الدينية ويظهر الرئيس على التلفاز مصليا، لكن الحقيقة أن المدافع القانونية والآلة التنظيمية تعمل عملها ليل نهار لقصف الناس بالترسانة القانونية التي تدك معاقل الدين والاخلاق في المجتمع المسلم، ثم تحكمه وتضبطه وتوجهه وتفسده وفق النموذج المستورد.

    كنت دئما أرى بوضوح كره التنظيم للتربية واستغلاله لها، لكني كنت أسمع من بعيد التسريبات الافظع على مستوى القيادة، بل إنني وقفت على لحظات سوء أدب في حضرة ولي الله هممت فيها أن أقوم وأضرب صاحبها على وجهه، ولي الله يدعم الرباطات وناهض حاله بها والتنظيم متلكئ متثاقل الى الارض يتلوى لكأنما تجر يهوديا إلى مسجد المسلمين، لكن الحق يقال وللإنصاف وحتى لا نظلم أحبة لنا في الجماعة، هناك في التنظيم رجال كانوا يسهرون بكل تفان على نجاح الرباطات الاربعينية والمدارس القرآنية، ذلك أننا عندما ننتقد التنظيم ننتقده في فلسفته وتصرفات بعض مسؤوليه، ذلك أننا كنا نصادف أحيانا داخل التنظيم جواهر بشرية لا تقدر بثمن، هذه الجواهر كنت دائما على يقين أنها لن تُعمر طويلا داخل التنظيم، وفعلا كنت أسأل عنها بين الفينة والفينة فأجد التنظيم قد قام بتصفية بعض أفرادها تنظيميا أو قام بتهميشها بهدوء ورميها إلى الزاوية عندما لا يجد مبررا لفصلها، التنظيم دائما يضرب في الصميم، يطعن في القلب، يقطع الرؤوس العارفة ويطعن الارواح الطيبة.

    إن أول ما فعله التنظيم هو التحايل على ولي الله ليوقف هذه الرباطات، كان يحاول إقناعه بعدم جدواها وقد فشلت محاولته، كان يجر نحو السياسة والانخراط في العمل السياسي والابتعاد عن هذه “الترهات” التربوية التي لا فائدة منها، كان يدعم النماذج الناجحة في حياتها وفي دراستها وتجارتها ووظيفتها على حساب الاشخاص الناجحة في أورادها وقيامها وحفظها للقرآن، التنظيم كان يعمل للدنيا بينما كان ولي الله يعمل للآخرة، ولذلك كان أول ما فعله التنظيم هو تهميش الطاقات التربوية وترميز أصحاب المال والوظيفة، مع احتكار الصحبة التي استأمنه ولي الله عليها حتى لا تبقى سلاحا بيد رجال التربية، بعد ذلك صارت العناصر التربوية تتسول الصحبة من التنظيم وتترجاه عدم حرمانها منها، أصبحت تتمسح به كي لا يمنعها من ولوج المحاضن الايمانية التي تقتات منها روحيا، ويا له من منظر بشع، مؤمن طيب يتسول المجالس من مسؤول ماكر متعجرف، يتملقه كي يسمح له بولوج مجالس النصيحة، ومسؤول يتعفر وأنفه في السماء مع ابتسامة شيطانية قائلا سننظر في الأمر.

    هذا الاقصاء كان طعنة خنجر في ظهر أبناء ولي الله، بل وفي ظهر ولي الله نفسه، فالحرمان من المجالس الايمانية التي هي في الاصل “ماركة مسجلة” باسم المصحوب وليس باسم التنظيم ثم عدم دعم هذه الفئات من المؤمنين وتهميشهم بل والتعبئة ضدهم وتشويههم والتقليل من شأنهم كان ضربة قوية تحت الحزام من التنظيم إلى أشخاص حاملين لواء التربية وعازمين على اقتحام أهوال التربية بحيث جعلهم لا هم واصلين إلى كمال التربية ولا هم محققين للجاه الدنيوي من مال ووظيفة، فصار المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن يعانون على رصيف التنظيم من الاحوال التربوية والبطالة والفقر والامراض النفسية والجسدية والروحية والتهميش التنظيمي والنكران الاجتماعي، صاروا في أسوأ حال، لا هم مع الله ولا هم مع الشيطان، العذاب من كل جهة، والضرب من كل جهة، حتى الاخوان “القاضيين حاجة” أصبحوا يطعنونهم في الظهر خذلانا ونميمة، الشيطان يطعنهم في الجسد مسا، والنظام يطعنهم في جيبهم فقرا، والتنظيم يطعنهم في قلوبهم استهزاء وتشفيا وقهقهات استخفاف واحتقار وتوصيات مقاطعة.

    لقد حقق التنظيم الوصاية على التربية ومحاضن التربية ورجال التربية، فالمسؤول التنظيمي الغافل عن الله الحسود الحقود النمام الغدار أصبح مُربيا وصارت بيديه مفاتيح محاضن التربية وعيون الصحبة، يُدخل من يشاء ويحرم من يشاء ويفتي في النوازل التربوية، وأول ما قطع هو رأس المرابطين وحملة القرآن الذين عانوا من التهميش سنين طويلة حتى فاحت من جروحهم رائحة المرض، وإذا كانت العناية الإلاهية قادرة على علاجهم من قروحات التنظيم إلا أن الجريمة السياسية – التنظيمية لا يمكن نفيها، لقد كان المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن يخرجون ملائكة طاهرين من الرباط الاربعيني يشع نورهم بين أيديهم قبل أن يحول التنظيم بعضهم الى شياطين، ذلك أنه كان لا يخفى على أحد نظرات الحسد والحقد التي ينظرها مسؤولو التنظيم إليهم، كانوا كالكتاكيت الفتية الجميلة التي خرجت من عش ولي الله، في حاجة إلى عناية ورعاية من التنظيم بما أنه مستأمن على مجالس التربية ومكلف باحتضان المؤمنين، فكان لزاما على التنظيم أن يكون على قدر المسؤولية ويعتني بالكتاكيت التربوية حتى تصير ديكة قوية تصيح بقوة وتطير حيث شاءت دون خوف، لكن التنظيم أجهض المولود المرابط القرآني.

    لقد أبان التنظيم عن غدرة في نفسه وخذلان فظيع عندما ترك المرابطين يعانون، بل إنه كان يطالبهم بالعمل داخل التنظيم والتخلي عن الرباطات بدعوى أنها تصوف ودروشة، والأنكى من ذلك أنه كان لا يتوقف عن السخرية منهم ومناداتهم بالمجاذيب والحمقى والمرضى والكسلاء وينعتهم بأبشع النعوت ويحتقرهم احتقارا، دائما يقلل منهم، يحتقرهم أمام الاخوان كي لا يتبعوهم إلى الرباطات، كان يتشفى فيهم كلما ظهرت عليهم أمارات إخفاق تربوي، لقد عانى المرابطون من التنظيم أشد الويلات، وحملة القرآن كذلك، فالسياسة بالنسبة للتنظيم كانت هي مناط التكريم والاهتمام، أما المرابطون وحملة القرآن فحثالة بالنسبة إليه وكم زائد لا يصلح إلا لملء المظاهرات، يتم استدعاؤهم تحت تهديد النعت بالتصوف والجذبة وإيثار النفس على مصلحة الأمة والتخلف يوم الزحف كلما قررت الجهات السياسية المكرفطة مظاهرة في العاصمة.

    المرابطون وحملة القرآن كانوا بالنسبة للتنظيم كما سياسيا ورقما تنظيميا لا غير، لا تهمه معاناتهم التربوية ولا مآسيهم السلوكية، كان التنظيم الحقير يتمنى سقوطهم في الزنا والسرقة والحمق والابتعاد عن الله، والبقية التي كانت ثابتة كان ينظر إليها على أنها كم سياسي يجب أن يستغل في التدافع مع الفرقاء السياسيين، وبالتالي كان يدفعهم إلى أخطر المهام السياسية وأوسخها وأتفهها، فيما يحتفظ لنفسه بالمراكز التنظيمية المفصلية والمهام ذات الشعبوية التي فيها ظهور قوي على الساحة.

    والحقيقة أن قوة التنظيم الحقيقية كانت بين جنبات الدراويش، فالقوة التربوية الروحية التي يمتلكها الدراويش الذين يحقترهم التنظيم وعلى رأسهم ولي الله كانت هي سبب الكثير من نجاحات التنظيم، فهي القوة الحقيقة التي كانت تسير بالتنظيم وتحرك دواليبه التنظيمية والسياسية من وراء حجاب.

    لقد ضرب الشيطان المرابطين في قلوبهم بعد أن منعهم التنظيم من المجالس الايمانية، ثم خذلهم التنظيم بعدم احتضانهم تربويا وماديا، ثم بعد أن مرضوا روحيا منعهم من زيارة ولي الله وصاية عليهم وحصارا له، وبعد أن استفحلت معاناتهم الروحية والمادية فصلهم بدعوى أنهم يخلطون في الاذكار والمشايخ، لم يكتف بهذا بل شن عليهم حملات تشويه منظمة داخل التنظيم، بل إنه كان يفرض على الاعضاء المقاطعة المالية لهم، لكأنه كان يساعد النظام على ضرب جيوب الدراويش، والفقر مدخل آخر تشفى فيه التنظيم في المرابطين وفرح أيما فرح بتفقيرهم.

    إنه عوض أن يساهم التنظيم في حماية المرابطين ويوفر لهم المحاضن والعناية حتى يشتد عودهم، وعوض أن يظهر المودة في حملة القرآن ويفتح لهم مدارس القرآن ويدعمهم ماديا حتى يقفوا على أقدامهم وقفة صحيحة، كان التنظيم يحفر لهم الحفر ويقتنص منهم الزلات، وكان لا يتقي الله فيهم غيبة ونميمة وتشويها، صحيح ان الكثير منهم ارتد عن خط الصحبة، وضاع في غياهب الدنيا باحثا عن كسرة الخبز كي لا يذله التنظيم نميمة واحتقارا، لكن وجوههم ما زالت ماثلة أمامي، بمعاناتهم التربوية، بحرقتهم الايمانية، برجولتهم الاخلاقية، بأحوالهم الروحية، ببساطة معاشرتهم، بصفاء قلوبهم في الخلوة.

    لقد كانوا رجالا.

    ما زلت أتذكر أنينهم في جوف الليل ومناجاتهم لله في الخلوات، وما زلت أتذكر احتقار التنظيم لهم وطعنه لهم في ظهورهم وخذلانه لهم، لا زلت أتذكر كل شيء، لا زلت أتذكر كلمة المجذوب التي يطلقها المسؤول على الدرويش الصافي الطاهر الرجل الشهم ليُضحك بها قرناء السوء من المسؤولين، ضحكات وقهقهات هوت بأمراء التنظيم إلى حضيض الأخلاق والدين، وهوت بالتنظيم إلى قاع التربية والسياسة والتنظيم.

    ومع كل ذلك لا زلت أتذكر نظرة الأسى من بعض أمراء التنظيم على قلتهم، نظرة تختزل حرقة على المؤمنين ورفضا لما يقوم به بعض رؤساء التنظيم، كاظمين غيظهم، صابرين لعل عناية الله تتدخل في الوقت المناسب، يقولون أن بحر الجماعة يلفظ الفاسدين، سلبية تنظيمية لم تؤدي أي دور سوى إطالة عمر زبانية التنظيم، فلا الدراويش أمسكوا خيط التربية، ولا بحر الجماعة لفظ زبانية التنظيم، بالعكس لقد لفظ بحر الجماعة الرجال الطيبين ورمي بهم شر رمية واحتفظ بالفاسدين والعملاء والمخنثين، ومع ذلك لا نزال نؤمن أن عناية الله ستظهر آخر الأمر، حاشا لله أن يذر على الأرض تنظيما ظالما طاغيا مجرما، وحاشا لله أن لا ينتقم لعياله الطيبين الذين قتلهم التنظيم.

    لقد خلت الساحة الان من أي رباطات اربعينية ومن أي مدارس حقيقية لتخريج حملة القرآن، لقد انتصر التنظيم في حربه على التربية، لكن لابد وأن الله مُظهر كيده ولو بعد حين، ولابد أن الله ناصر أحبابه بعد حين، سيأتي اليوم الذي يقلب فيه رجال الله طاولة القسمة الضيزى على أمراء التنظيم الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، إن ربك لبالمرصاد.


  • القاعدة الذهبية : “لا تكشف أسرارك للتنظيم”

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 51 من 77 — فهرس الكتاب

    سنناقش في هذا المحور جدلية أسرار التنظيم وأسرار المؤمنين، سنتحدث عن أسرار التنظيم وكيف يتعامل معها المؤمنون، ثم سنتحدث عن أسرار المؤمنين وكيف يتعامل معها التنظيم، لنخلص إلى قاعدة ذهبية مفادها : ” لا تكشف أسرارك للتنظيم”.

    قبل ذلك نذكر أن التنظيم الاسلامي كغيره من التنظيمات السياسية يرتكز على عنصر السرية، سرية المؤسسات الداخلية والمسؤولين عنها، فالظاهر أن التنظيم يقوم على عمل تنظيمي علني مكشوف، لكن الدوائر المختصة والمنتبهين من المراقبين سيلاحظون أن التنظيم دائما يلعب على رقعة السرية، ليس سرية البرامج والنوايا والاهداف والاشخاص، بل سرية المهام والمسؤولين والمؤسسات ومصادر الاموال وكيفية تدبير الشأن العام الداخلي والخارجي، فالتنظيم ليس تنظيما سريا قابعا في الدهاليز، إنه تنظيم علني تتحدث عنه الصحافة وله ناطق رسمي ومقرات وكتب مرجعية وبرامج معروفة وخط سياسي واضح، لكن هذا التنظيم مجهول لدى أغلب الناس، فأغلب الناس خارج التنظيم لا يكادون يعرفون أبجديات التنظيم ولا كيف يسير ولا يعرفون غاياته الحقيقية ولا المسؤولين الحقيقيين عنه ولا كيفية صياغة القرارات السياسية والتنظيمية التي يتخذها.

    ورغم أسلوب الانفتاح الذي يسلكه التنظيم عبر نشر دوريات عن طريق الاعلام الداخلي والابتسامات الصفراء التي يوزعها هنا وهناك ورسائل الطمأنة التي يبعثها بمواقفه السياسية وقراراته المتخذة إلا أن الناس لا تثق في الظواهر والمواقف المتقلبة والابتسامات البلهاء، بل هي تنظر بعيدا تحلل الخفايا وتشك في النوايا وتفترض الفرضيات وتخاف من تجار الدين والسياسة وتضرب أخماسا في أسداس، نفس الشيء تفعله الانظمة السياسية الحاكمة، فهي تضرب نفس الاخماس لكن في أسداس أخرى، ثم إنها لا تتوقف عن أسلوب التوجس السلبي بل تبث جواسيسها داخل التنظيم لمعرفة أسرار هذا التنظيم، وتدفع في سبيل ذلك بالمال والحبال والرجال.

    القاعدة تقول أن معرفة أسرار العدو نصف النصر، والتنظيم الاسلامي عدو للأنظمة السياسية الحاكمة التي تلهث خلف أسراره وهدف تضييقاتها، ورغم أن التنظيم يلعب على هذه المظلومية ويعتبرها كافية لتحصيل الشرعية والقفز إلى منصة السلطة، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فمجرد الاضطهاد لا يعني أنك على صواب ولا يعني أنك تستحق السلطة، ولو كان الاضطهاد سببا كافيا لثبوت الحق والشرعية لكان معارضو التنظيم الذين يضطهدهم هذا الأخير في تربيتهم وأرزاقهم وسمعتهم أحق بالمراكز التنظيمية من المسؤولين الجبابرة فيه، ولكان لزاما على التنظيم أن يكرم مثواهم وينزلهم منزلة الابرار، لكن الأمر ليس بهذا المنطق، فالسياسة والتنظيم مجال للتلاعب بالناس لا لإحقاق العدالة، فلا الأنظمة ولا التنظيمات أشياء مقدسة أو حتى من تلك الاشياء التي تحكمها الاخلاق، بل هي تكتلات سياسية تبحث عن مصالحها بعيدا كل البعد عن العاطفة، وعنصر المعلومة أمر حاسم في كيفية توجيه الضربات نحو نقطة الضعف، فالقوة لازمة لكن توجيهها بالطريقة الصحيحة هو الضامن لفعاليتها، ولا شيء يضمن فعالية الضربات سوى المعلومة، المعلومة الصحيحة الدقيقة التي تعري العدو، وتجعله تحت القصف القاتل.

    إن الانظمة السياسية عندما تراقب التنظيم الاسلامي وتحط عليه آناء الليل وأطاف النهار لا تضيع وقته، والتنظيم عندما يراقب الاعضاء والهياكل ويحط عليهم ليل نهار ليعرف عنهم كل صغيرة وكبيرة لا يلعب، فالحرب ضروس، والمعلومة بالنسبة للتنظيم مهمة أهمية الذهب والجواهر الثمينة، وهنا تظهر حقارة التنظيم بوضوح، ذلك أنه يستعمل هذه المعلومات ليس للحفاظ عل كيانه التنظيمي من العناصر الدخيلة فقط، بل يستعملها لضرب العناصر الصادقة داخل صفوفه عندما تُعارضه أو تتنحنح قيد أنملة عن أوامره، وهذا لا ينفي حقارة الانظمة السياسية التي تضرب أيضا كل تنظيم سياسي في نقطة ضعفه بعد أن تكشف عورته لمجرد أنه يعارضها ويهدد نفوذها.

    الحقارة السياسية في المجتمعات الاسلامية المتخلفة أسلوب حياة بعد تأكد الانهيار الحضاري الاسلامي، موجودة وجاري بها العمل بين الافراد والتنظيمات وما بين التنظيمات والانظمة، هذه الحقارة لا تتوقف عند التجسس ومعرفة الاسرار والكشف عنها في الوقت المناسب من أجل تحقيق مآرب سياسية أو تنظيمية، بل تتعدى ذلك إلى ترويج المعلومات الخاطئة عن طريق البهتان والنميمة والغيبة والزور، والصواب أن الأسرار تُصان، سواء كانت أسرار تنظيم أم أسرار أفراد، فالتنظيم له أسرار يمشي بها وجب صيانتها، وهذا الأمر لا يناقض بتاتا علنية التنظيم وعمله في الضوء، ذلك أن الأسرار مناطها هو الطريقة التي يعمل بها لا الاهداف والبرامج التي يعمل على ضوئها، فإذا كنت أصارعك على الحلبة فلا يعني ذلك أن تعرف عني كيف أتدرب، ولا يعني ذلك أن تعرف كيف أفكر ومن أين أحصل على الغذاء، يكفي أنني أصارعك على الملأ ولا أضربك من وراء حجاب ثم أختفي خلف الاشجار ولا أستعمل منشطات محظورة.

    نقول هذا مدافعين عن حق التنظيم في الخصوصية، لكننا نعلم أن التنظيم نفسه يكشف أسرار المؤمنين لما له من سلطة أدبية وتنظيمية عليهم، ربما تعلم التنظيم الحقارة من الأنظمة، أو ربما هي أزمة أخلاقية عامة في المجتمع المسلم، تناقضات ناتجة عن انقلاب الأموية على الخلافة وتحولها إلى خنوع، فالأصل أن للتنظيم أسرار يحافظ عليها الاعضاء والمسؤولون كل قدر إحاطته بها، يستميتون في سبيل عدم وصولها إلى الأنظمة المتربصة، شريطة عدم فصل الصادقين من التنظيم وإطلاق يد المخبرين لتعبث داخله، وإلا فما معنى الحفاظ على أسرار التنظيم مع إدخال الجواسيس إلى عين المكان وإخراج الأرواح الصافية التي تشتم رائحتهم بسهولة، يمكن هنا الحديث عن اختراق على مستوى القيادة وتنزيل ذلك إلى الهياكل أو تبلد جماعي للحس التنظيمي.

    القاعدة الذهبية هنا : ” لا تفش أسرارك للتنظيم”، فأنت عندما تجيب بصدق على أسئلة المسؤول التنظيمي الذي ينبش في أمورك الخاصة أو تستشيره فيها بحسن نية تعرض نفسك لغدرة التنظيم، تعطي رقبتك له ليذبحك وقتما يشاء، فليس الامر كما يبدو لك من طهرانية التنظيم الاسلامي ونخوة مسؤوليه، فالحقيقة أن التنظيم عند اللحظة الحاسمة في حياتك وعندما تتكئ عليه معتقدا أخوة الدين التي أغواك بها تجده لئيما غير ذي نخوة، فالتنظيم إذا تيقن من عدم جدواك في برامجه أو فقط تكلفتك الغالية عليه طعنك بقوة في عين ضعفك، في أسرارك التي استودعتها فيه، طعنك طعنة العمر بكل قسوة ورمى بك الى الهاوية، لذلك اجعل حياتك الشخصية بعيدة كل البعد عن التنظيم و المسؤولين فيه، ولا تعط رقبتك إلى جسم تنظيمي لا يحس بالإنسان ولا يألم له، جسم تنظيمي وعقلية تنظيمية تتفطن فقط إلى مصالحها السياسية والتنظيمية.

    هذه نصيحة ذهبية أقدمها على طبق من ذهب محبة في الناس الطيبة التي تفشي أسرارها للتنظيم بحسن نية، وهذا لا يعني أن لا يستشير المرء أحدا من إخوانه، بتاتا، فهناك دائما إخوة في الله أهل للثقة والمشورة، لكن ليس مسؤولو التنظيم، المسؤول التنظيمي عندما يتعلق الأمر بأمورك الخاصة فر منه فرارك من قسورة، وابحث لك من أهل الاستشارة داخل التنظيم عن الطيبين المهمشين أهل الله الذاكرين الصابرين على غدر أهل التنظيم حتى يأتي أمر الله وهم كارهون.

    حالة عدم الثقة هذه يفرضها انعدام جهاز قضائي داخل التنظيم، فلا شيء يضمن حسن تصرف المسؤول التنظيمي في ظل دكتاتورية التنظيم وسيطرته على جميع السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية وعلى الحياة الشخصية للأعضاء داخل الجماعة، إن المرشد نفسه لا يستطيع خلق جو من الثقة في التنظيم بما أن رقبته بيد الاخطبوط التنظيمي، فتغول جسم التنظيم على باقي السلط وعلى أهل الله يجعلك ملزما بالحفاظ على أسرارك الشخصية بعيدا عن المسؤولين التنظيميين كي لا تتعرض للذبح التنظيمي.

    هل ترضى لنفسك أن تصبح محط ابتزاز تنظيمي وبيع وشراء وتهديد ثم تخرج من الباب الخلفي للتنظيم كاتما آهات القهر في صدرك؟ هل تحب أن تموت عرقا بعرق كاتما غدرة التنظيم؟ كيف تعيش وسيف الابتزاز مصلت على رقبتك الاجتماعية والنفسية وقلبك يكاد ينفجر من الظلم الصامت، هل ستختلق حسابا فيسبوكيا مستعارا ثم تفضفض؟ أم سوف تقهر نفسك وقلبك وتملأ جوفك من خمر أقرب حانة؟ هل ستموت كمدا في بيتك محتسبا شاكيا إلى الله منتظرا ساعة القيامة لتنتصب مظلوما أمام العدالة الالاهية؟

    لتجاوز كل هذه المآسي واحتراق الدم والاعصاب والكمد والغم والموت الصامت اسمع مني أخي الكريم نصيحة محب ولا تجادل : ” لا تكشف أسرارك للتنظيم”.


    ◀ الفصل السابق: النميمة المنظمة

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: لماذا الفصل؟

  • الاستقطاب التنظيمي والاستقطاب الدعوي

    📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 18 من 77 — فهرس الكتاب

    حياة التنظيمات في عملية الاستقطاب، فهي الرحم التي يولد منها كوادر التنظيم وأعمدته، هذا الاستقطاب له طرق عديدة، وله نتائج متعددة، له طرق سليمة وأخرى مغشوشة، له نتائج حميدة وأخرى كارثية، فالاستقطاب عملية فكرية تستهدف عقول وقلوب الفئة المستهدفة والمعنية والمناسبة للتنظيم، عملية يمارسها الجميع بدون استثناء، كلٌ بطرقه الرحمانية أو الشيطانية، الفكرية أو القلبية، وبقاء التنظيم رهين بنجاح عملية الاستقطاب وإلا فهو الموت الدعوي والسياسي المحتم لهذا التنظيم.

    قبل الغوص قليلا في مفهوم الاستقطاب، طرقه ونتائجه، أنواعه ووسائله، لابد أن نشير إلى أن الاستقطاب ليس بالضرورة أن يكون موجها للأفراد، فالتنظيم قد يكون بأكمله معرضا للاستقطاب، سواء من تنظيمات أخرى أو من النظام الحاكم أو من الدول الخارجية أو المنظمات الدولية، بل إن الدول بأكملها معرضة للاستقطاب السياسي والاقتصادي والمذهبي، فالقوى القوية دائما تتميز بمغناطيسية تجذب إليها العناصر الضعيفة، سواء على مستوى الافراد أو التنظيمات أو الانظمة، هو ناموس إلاهي نجده حتى بين الاجرام والكواكب والمواد، فالكواكب ذات الكتلة الكبيرة لديها قوة مغناطسية تجذب إليها الكواكب الأخرى الأقل كتلة، فتجعلها أقمارا في فلكها، ثم تتمركز الشمس بقوة كتلتها جامعة حولها كل المجرة، هذا يدور حول ذاك، وكذلك بين التنظيمات والافراد، فالتنظيم يستقطب الفرد لأنه أقوى منه، والنظام يستقطب التنظيم لأنه أقوى منه، والدول القوية تستقطب الانظمة، والتكتلات الاقتصادية والعسكرية العظمى تستقطب الدول الكبرى.

    لندع فقهاء العلاقات الدولية يناقشون استقطاب الانظمة والدول، ولنكتف بدراسة عملية استقطاب الافراد، وكيف يقوم التنظيم الاسلامي بالخصوص بـهذه العملية، وما هي أنواعها وما هي آثارها عليه، ثم لننتقدها قليلا.

    يراهن التنظيم الاسلامي كثيرا على الشباب، ينافسه في ذلك النظام والفرقاء السياسيون والتنظيمات الاخرى، وعملية الاستقطاب أشبه بعملية حرب نفوذ على الافراد، حرب ليست وقتية بل دائمة، فالعضلات السياسية أساسها نجاح عملية الاستقطاب، خاصة تلك الموجهة إلى الفئة الأكثر عطاء ونشاطا وحركية، الشباب ومن تحتهم من الفئات الصغرى، لكن بالدرجة الاولى الشباب ما بين 15 و 35 سنة، والتنظيم يبذل مجهودات كبيرة في سبيل تكثير الصف بالعناصر الشابة حيث يدخل الغمار بمنطق الاستثمار، فهو ينفق في البداية من جيبه، ثم يستنظر الثمار لاحقا، وإذا كان الوافد الجديد لا يأتي دائما بما يحبه التنظيم فإن هذا الأخير لا يُفرط في أحد، فلكل شخص مكانه إما في المحرقة السياسية أو في المناصب التنظيمية المهمة، لكن التنظيم يُفضل عادة الشباب الناجح لأنه يريد الربح السهل، فهو لا يجلب الشباب المهلوك الذي يصفه بالمتردية والنطيحة وما أكل السبع، بل يركز جهوده على الشباب الذي تلقى تربية جيدة في بيت والديه والشباب الناجح في دراسته والشباب الواصل إلى وظيفة مستقرة، هذا كله ربح في ربح بالنسبة للتنظيم، وقد يصيده بوسائل بسيطة غير مكلفة باستخدام صنارة الدين الملغمة بطعم الولاية أو بشبكة دولة الاسلام القادمة.

    على أن الصنارة الدينية والشبكة السياسية وسائل مشروعة لصيد الناس لو كان الصياد صادقا.

    الاستقطاب يقصد به نوعان من الاستقطاب، الاستقطاب الجماهيري أو السياسي، ثم الاستقطاب الدعوي أو التربوي، وإذا كان كلاهما يصب في الاخر، فإن أغلب الاستقطاب الذي توجه إليه كل الجهود هو الاستقطاب السياسي، بمعناه الفكري والحركي، أما الاستقطاب الدعوي فهو أكثر صعوبة كونه يتطلب قدرات تربوية عالية في التنظيم لا يتوافر عليها جميع مسؤولي التنظيم وأعضاؤه، فيكون الاستقطاب السياسي أسهل، ثم إن الاستقطاب الدعوي يتطلب محاضن تربوية ساخنة وقوية ومتابعة توجيهية مستمرة وجهود مضنية روحيا وماديا لا يقدر عليها سوى أولياء الله والصابرون من عباد الله، فالدعوة بالأساس موجهة إلى اصحاب القلوب الراغبة في معرفة الله، ثم هناك دعوات أقل همة توجه إلى الراغبين في تحسين أخلاقهم وعباداتهم ومظاهر لباسهم، لنقل الدعوة الى الالتزام بظاهر الشريعة الاسلامية من شكليات الاسلام وبعض معانيه السامية التي لا ترقى إلى معفرة الله، أما الاستقطاب السياسي فغايته التجنيد السياسي للضرب عن طريق الانزال في الساحات إبان الثورة والانقضاض على السلطة أو ساعة الانتخابات والتدافع على السلطة من داخل اللعبة.

    لقد مارست الاستقطاب سنين طويلة بشقيه السياسي والدعوي ومورس علي أيضا، ولم يستقطبني سوى تنظيم جماعة العدل والاحسان، لقد أمسك بي بكليتا يديه السياسية والتربوية، فقضيت فيه سنوات طويلة، لم أعرف غيره حتى بلغت الاربعين فأراد أن يذبحني مسؤولوه ففررت منهم لما خفتهم، ولست نادما على مراهقتي وشبابي الذين قضيتهما في حضنه، ذلك أنني تشرفت بصحبة الكثير من الصالحين فيه، والحق يقال، جماعة العدل والإحسان في أصلها جماعة خير وإحسان وصدق مع الله، ومؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين من خيرة عباد الله، وأخواه في الله والطريق سيدي محمد العلوي السليماني وسيدي أحمد الملاخ من النوادر في هذا العالم من الرجال الذين حازوا القلب الكبير والنور الظاهر والصدق في القلب واللسان.

    لكنني لم أكن لأركع لتنظيم مسؤولوه من الذئاب الملتحية، فقد علمني المصحوب أن لا طاعة للزبانية الظالمين، لقد أرادوا إذلالي فاخترت الموت واقفا على الحياة مذلولا.

    مرحلة الاستعباد تأتي بعد مرحلة الاستقطاب بسنين طويلة، فبعد أن يمتص التنظيم دمك وشبابك، يريد أن يُركعك تركيعا، فـإما أن تكون عبدا للتنظيم أو تموت وتندثر في هدوء، ثم هات ما عندكِ أيتها الاجهزة من وسائل وبرامج لاستقطاب التلاميذ، يصيح المسؤول في أعضاء التنظيم : نريد التلاميذ، نريد بيتا ودرسا وحلوى وابتسامة على الباب، وفي الجهة الاخرى من الدائرة السياسية نريد كأس شاي في مقهى خمسة نجوم مع موسيقى راقية وربطات عنق أنيقة وبريستيج في الكلام وحركات منمقة ولباس عصري وسيارات فارهة في الموقف، يحضر فقط نوع خاص من الاخوان حليقي اللحية اصحاب الصوت المخنث ليبدو التنظيم حداثيا جميلا، ومن كان متمسكا بلحيته فلينتقص منها ويرسمها بدقة، حتى هذا النوع من الاستقطاب السياسي يسميه التنظيم دعوة، لكن الأمر فيه نوع من المغالطة المفاهيمية.

    الدعوة في الأصل هي كلمة تعني في حقيقتها الدعوة إلى الله، فالدعوة التي لا تكون إلى الله لا يمكن تسميتها دعوة إلا من باب الاستقطاب، فالجملة الكاملة لكلمة دعوة هي “الدعوة إلى الله”، هذه الدعوة لا يمكن أن يحتكرها تنظيم معين، فالدلالة على الله حرفة الواصلين إلى الله وليست حرفة التنظيمات السياسية، بينما الدعوة إلى دين الاسلام مهمة جميع المسلمين، بلغوا عني ولو آية، أما الاستقطاب السياسي فهو دعوة إلى برامج سياسي مُعين وليست دعوة لا إلى الله ولا إلى الاسلام حتى، لنكن صرحاء، هي دعوة سياسية ولا داعي للركوب على الاسلام.

    في التنظيم الاسلامي تختلط كل هذه الامور، فهذا مُستقطب من باب طلب وجه الله، وذاك دخل من باب السياسة والاخر ولج من باب الالتزام الاسلامي والتميز عن المجتمع، هكذا يدخل الناس التنظيم الاسلامي من كل باب أو هو يدخل عليهم، من أبواب متفرقة ولا يدخل عليهم من باب واحد، فيقع أن يتحصل لديه خليط من الناس داخل نفس الجسم التنظيمي، يحاول ولي الله لفت الانتباه إلى الله وشحذ همم الجميع على طلب وجه الله، بينما يحاول التنظيم صهر الجميع في بوتقة السياسة ويحرص كل الحرص على دمج عناصر الاستقطاب في الهياكل والمؤسسات التنظيمية بشكل من الاشكال ليتشعب أكثر ويتكاثر أكثر ويتغلغل أكثر، فيـقع أن تحصل شبه حرب باردة بين ولي الله والتنظيم، ولي الله يجذب نحو الله والتنظيم يجذب نحو الأرض والمؤسسات، وقد يُطعن في هذه الحرب الباردة الولي المرشد إذا لم يحسن اللعب مع أفاعي التنظيم.

    نرجع ونقول بأن الدعوة إلى الله ليست حكرا على شيخ معين ولا على تنظيم معين، كون هذا التنظيم وشيخه وجميع التنظيمات وشيوخها ليسوا سوى طوائف من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين، والتنظيم مهما بلغ عُدة وعددا لا يمكن أن يصل إلى حجم وقوة جماعة المسلمين، فالأمة الاسلامية أكبر من كل تنظيم وأقوى من كل شيخ، الأمة هي الأصل وهي صاحبة السيادة، والدعوة إلى الله متاحة للجميع وليست حكرا على أحد لكن كل وما يدعو إليه، كل يدعو إلى ما عنده أو إلى ما ليس عنده حسب علمه وفهمه وهمته وقدرته على التبليغ، وعندما تختلط الدعوة إلى الله بالتنظيم السياسي نُصبح أمام برامج سياسية ممتزجة بالدعوة، دعوة مختلطة بسياسة، ويصبح المدعو إلى الله فاعلا سياسيا بامتياز، من حيث يدري أو لا يدري أو ظانا من نفسه أنه يدعو إلى الله عن طريق نجاح برنامجه السياسي.

    صحيح أن الدعوة إلى الله بالمفهوم الشامل لا يمكن أن تكتمل إلا بالدعوة إلى إقامة نظام سياسي قائم على أسس البيعة الحرة والشورى والعدل والقانون والمؤسسات، فاستقرار النظام الاسلامي وحصول الاسلام على دولة من أوسع أبواب الدعوة إلى الله، وهو حق مشروع بل واجب آكد، لكن التنظيمات الاسلامية تختلف من حيث المدخل الحركي المؤدي إلى تغيير الواقع السياسي والولوج إلى عهد الخلافة، هذه الخلافة ليست سوى خلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وبذلك فالنظام السياسي للخلافة هو نظام يجمع جميع أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية خليفة رسول الله، الرجل المقتفي لأثر رسول الله، الرجل الذي شريعته هي شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم شكلا وروحا.

    لكن الاختلاف بين التنظيمات الاسلامية شديد ويصل إلى حد الطعن في النوايا والشيطنة والتكفير، فتنظيم العدل والاحسان الذي نشأت في حضنه وأعرفه جيدا لا يفوت مثلا فرصة للنيل من العدالة والتنمية إلا واستغلها، يرصد كل حركاتها بدقة وصفحات أعضائه على مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالاستهزاء والسخرية والطعن في نوايا الحركيين داخل هذا التنظيم المنافس، وقد يصل في صفحات بعضهم إلى حد التخوين، وفي نفس الوقت نفسه أعرف أن كثيرا من العناصر القيادية في تنظيم العدل والاحسان ترصد نجاحات العدالة والتنمية في المجال الاجتماعي والتأطيري والسياسي والتدبيري بكثير من الاهتمام ومستعدة للدخول في اللعبة السياسية لو رفع النظام من الثمن قليلا، بل وتعبئ لذلك داخليا على حذر وتحاول إقناع محيطها التنظيمي والسياسي بذلك عندما تكاد توقن بفوات الفرصة السياسية وتحقق البوار السياسي، على أن هناك نُبوءة قديمة تقول بتلاقي التنظيمين في مرحلة لاحقة من الزحف، مرحلة تحصل فيها العدل والاحسان قدرا من السلطة وتكون للعدالة والتنمية خبرة كبيرة في تسيير المؤسسات.

    نفس الامر مع البوتشيشية، فالبوتشيشية في نظر تنظيم جماعة العدل والاحسان عملاء للسلطة، ضعاف الهمة لما قصروا همتهم في الشطح ولا يصلوا إلى مقام الثبات والجمع بين التصوف والسياسة، بمعنى أن أعضاء تنظيم جماعة العدل والاحسان متفوقون تربويا بما أنهم جمعوا بين التصوف والسياسة، جمعوا بين الدين والدولة، فهم ينظرون إلى دراويش البوتشيشية من منظور الشفقة والتنقيص والاحتقار، وكل من يقترب من البوتشيشية بصفة خاصة والصوفية بصفة عامة يتم فصله فورا بدون رحمة من التنظيم لكأنه تعامل مع اليهود حتى أنك تخاف أن تقترب من بوتشيشي أو تدخل بيته أو تجلس في تكيته.

    أما السلفيون فهم في نظر التنظيم وهابية عملاء أمريكا جملة وتفصيلا ويهود وإسرائيليون وصناعة ماسونية ولا نقاش، فقههم متشدد موروث عن الانتداب البريطاني والاختراق الامريكي وفتاوى ابن تيمية وقد تجاوزه الزمن، لباسهم تخلف، عطورهم نتن، حرصهم على الشريعة غلو، اعتمادهم على ظاهر السنة تحجر، مواظبتهم على الصلاة في المسجد نفاق وإسلام شكلي فارغ، طاعتهم لولي الأمر خنوع، خروجهم عليه بالسيف إرهاب، فهم في جميع الأحوال ناقصون متخلفون بغال عملاء إسرائيل.

    أما التقدميون المنخرطون في الاحزاب السياسية فهم سكارى وزنادقة يجب أن نصبر عليهم وننسق معهم ونمد لهم يد التشارك ونقنعهم بالميثاق الاسلامي وإذا لم يقتنعوا فنمد إليهم الميثاق الوطني البريء من الاسلام، حتى إذا دخلنا اللعبة انقلبنا عليهم في إطار السياسة الميكيافيلية والحكمة تقتضي ثم نصل إلى الحكم ونعلنها دولة إسلامية قطرية ونصفي الكافرين السكارى الذين نسقنا معهم ونقصيهم من السلطة كما هي عادتنا في فصل كل مخالف، ثم نجمع باقي الاقطار الاسلامية أو اثنين منها ممن أعطونا البيعة لأننا جامعون بين التربية والتنظيم ولنا شيخ وليس لهم شيخ ثم نعلنها خلافة راشدة على منهاج النبوة، فيطيعنا جميع الاسلاميين ويسلموا لنا قيادة الخلافة ثم ننتصر على العالم.

    الخرافة في أبهى حللها، هراء تنظيمي يبثه التنظيم بين صفوفه، ولذلك يمكن القول أن تقديس الذات من كوارث التنظيم، وهو مرض تنظيمي وفكري وتربوي عضال، حتى داخل التنظيم فالمسؤول أكثر فهما وصلاحا، والمسؤول الأقل منه مرتبة أقل فهما وأقل صلاحا، وليس تقديس الذات وحده الآفة التي يلام عليها التنظيم بل الكارثة الاكبر هي تأسيس المجد على أشلاء الاخرين، فالتنظيم يقدس نفسه وينال من شرف التنظيمات الاخرى ليضمن الاستقطاب، والمسؤول التنظيمي يقدس نفسه وينال من سمعة المنافسين ليضمن المسؤولية، معنى ذلك أن المجد التنظيمي يتأسس على قدمين، هما تقديس الذات وتشويه الآخر.

    لو كان التنظيم على سنة التنظيم النبوي في محجته اللاحبة، أخويا لا يفصل أحدا من رجالاته، لقلنا إن الله لا يعجزه شيء ومن الممكن أن يحقق لهذا التنظيم طموحاته الاستخلافية والاحسانية، لكن مع سياسة الفصل والمصلحية يمكن القول أن هذه الطموحات مجرد هراء وكلام لا أساس له، الفتح الاسلامي العالمي يتطلب رجالا ربانيين نسخة كاملة من النموذج النبوي لا نسخة من ميكيافيلي.

    الاستقطاب إذن بالمفهوم الضيق عملية تُدخل المستهدف إلى الطائفة الناجية، الطائفة الفاهمة الكاملة الواصلة المجاهدة الجامعة المتميزة عن الناس، الاستقطاب عملية صناعة للذات من جديد، عملية تراتبية كلما تعمقت فيها وقفت على محاور فكرية وتربوية وتنظيمية جديدة، فهي الباب الذي يدخل منه الوافد إلى الآلة التنظيمية ليتشكل وفق النموذج المُعد لذلك، هي عملية في بدايتها أشبه بالصيد قبل الوضع في القالب، فالصياد الفنان هو الذي يصيد فريسته باحترافية دون أن تتفطن لذلك ويضعها في قالب فهمه، لكن أهل الله أيضا يصيدون، يصيدونك بقلوبهم من بحر الغفلة ويدخلونك إلى محمية الذكر، وأهل السياسة يصيدونك بطُعمهم المالي أو السلطوي من محمية والديك ليستنزفوك في لعبة سياسية خطرة، والنظام يستقطب بامتيازاته والتنظيمات السياسية والاحزاب بجميع تشكيلاتها تستقطب وترمي إليك بصنانيرها الملغومة بالمصالح الصغيرة لتغرد للناس بآيات صلاحها، والجميع يمارس معك الاستقطاب، إما إلى رذيلته وإما إلى فضيلته.

    نرجع إلى الاستقطاب الذي يمارسه التنظيم الاسلامي باعتباره موضوع حديثنا، هذا الاستقطاب الذي لي معه تجربة طويلة، فمع بداية التسعينات تعرفت على عديد من وجوه العمل الاسلامي في طنجة وأنا حينها تلميذ في الاعدادية، فلمست فيهم طيبوبة ومثالا للأخلاق الطيبة، والحقيقة كانت طيبوبة نابعة من القلب ولم تكن نفاقا كما هو الحال اليوم، كانت إشراقة في حياتي التي أشرقت للتو، على أنني عرفت الاسلاميين قبل ذلك في الثمانينات وأنا طفل صغير، حيث كان يأخذني والدي إلى المسجد الذي كان يعج باللحى الطويلة والملابس الأفغانية والجلابيب الطويلة، كنت منبهرا بهذه الوجوه المتدينة الملائكية، ومع مساعدتي لأبي في المكتبة كنت أطالع العديد من المجلات كمجلة العلم التي كانت تصدر في لندن منبر الأخبار أنذاك والتي كانت تتحدث عن الجهاد الافغاني بتفصيل كبير، فنشأ داخلي طفل إسلامي، كبر هذا الطفل معي، فنشأت محافظا على الصلاة، مبتعدا عن البنات، مستمعا إلى أشرطة كشك، تواقا إلى العمل الاسلامي والجهاد في سبيل الله وقطع رؤوس الكفرة الذين يحاربون المسلمين، أو هكذا كنت أتصور.

    كان لا يخامرني شك أنذاك أن الاسلاميين ومظاهر مظلوميتهم تتقاطر علي من كل حدب وصوب أنهم رمز الحق ونموذجه، بينما الأنظمة السياسية القائمة هي رمز الظلم والفرعونية والظلم والقهر والتفقير، ومع مراهقتي في التسعينات كبر الطفل الاسلامي في قلبي، فلم أكن لأجد مكانا لي إلا في صفوف الاسلاميين، فخطفني خطاب العدل والاحسان من بين كل الخطابات الاسلامية لأنه كان أعمق معنى وأقوى منطقا وأقرب إلى طينتي، ومع تلك الوجوه المنورة بدأت مشواري الدعوي والتربوي والسياسي، وكانت أحلى سنوات عمري رغم قسوتها.

    لكن يا حسرة على ذلك الجيل، لقد كان الشعلة التي احترقت بعد ذلك لتضيء للأجيال المقبلة طريقها، جيل مرت عليه دكاكة التنظيم فـسوته بالأرض، كان شعلة تربوية وحركية، أحببتها حبا من النظرة الاولى، وكان الجيل الذي قبله جيلا أكثر إشراقة وأكثر عمقا وأشمل فهما، جمعنا الغيب قبل أن تجمعنا الشهادة، فقد خلقنا لبعضنا، وعندما أتحدث اليوم عن منطق الاستقطاب فإني لا أسمي ما حدث لي استقطابا، لقد كان الأمر أرواحا التقت في الله عن سابق قدر الله، قلوب تحابت في الله، لكأن القدرة الالاهية ساقتنا إلى بعضنا في تلك الظروف المكفهرة القاسية، وأسدلت علينا من لباس التقوى وروتنا من سلسبيل الايمان وأشربتنا من رحيق الصحبة النبوية والمحبة في الله.

    إن العين لتذرف الآن شوقا إلى أولائك الاحباب، لم يستقطبونا كما يستقطب الان التنظيم البيادق ليحرقها على رقعة السياسة، فتحوا قلوبهم لنا وفتحنا قلوبنا لهم فاستوت على جودي المحبة قلوبنا وعلى صفاء النفس أرواحنا، لم يكن هناك حينها أصلا من شيء يستحق الخداع من أجله، لم تكن المصلحة نعرفها، ولم تكن الطبقية نراها، ولم تكن الخيانة نلمسها، لقد كنا أحبابا في الله، تلاقينا في الله، وافترقنا عليه، ودخل التنظيم الجبار، وإلى يومنا هذا أرى من هؤلاء الطينة من اشتعل رأسه شيبا واغرورقت عيناه من الحزن فهو كظيم، تجعد وجهه وانكمشت يداه وبردت في روحه تلك الحرارة الايمانية، أراهم اليوم كحطام يمشي على الارض ينتظر ساعته، والسابقون منهم قد ترجلوا في صمت، غادروا دار الكدر وأخذوا قلوبنا معهم.

    حضرت وفاة كثير منهم فلم أكن أتصور أن هذه هي النهاية، كنت آمل نهاية أفضل من هذه بكثير بعد عطاء أكبر وانتصار أبهر، لكن التنظيم الغدار فعلها، لقد خان القضية، باع واشترى، والله اشترى من المؤمنين أنفسهم أن لهم الجنة فرفعهم إليه، ثم ترك الجيف مع بعضها في مسؤوليات التنظيم تتهارش على السلطة كالوحوش، ولذلك فإني لا أعتبر إلى يومنا هذا ما حدث لي استقطابا، بل هو اجتماع على الله وافتراق عليه، أما اليوم فهي لغة الاستقطاب مائة بالمائة بعد أن غزت السياسة معقل التنظيم واستحوذت على القيادة فيه، المنطق السياسي الان لا يستعمل حب الله والحب في الله إلا سياسةً، لا يستعمل الايمان إلا سياسةً، لا يستعمل الابتسامة إلى سياسةً، لا يستعمل الصلاة والقيام والصلاح إلا سياسةً، إخواننا الأوائل لا، كانت قلوبنا تذوب بين أيديهم، لقد أحبونا لله وليس للسياسة فأحببناهم في الله وليس للمناصب، رأوا فينا عونا على الاخرة لا مجرد رقم سياسي فأفنينا عمرنا في خدمتهم وأعطيناهم ثمرة قلوبنا وصفقة يدنا.

    ولذلك وعودا على بدء نريد أن يفهم الناس أن الاستقطاب في أصله دعوة إلى الله، لكنه مع السياسة والسياسيين يتحول إلى عملية استقطاب سياسي وضحك على الذقون واستدراج إلى المحرقة التنظيمية واستغلال فاحش للشباب اليانع كي يُدفع به إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، يحارب في جبهة غير جبهته، يستف دمه الفتي لقضاء مآرب تنظيمية وسياسية خاصة فيُصبح الاستقطاب كذبة كبيرة لا تخفى علينا، هو كذبة بطعم خيانة الله والرسول والمؤمنين.

    لقد انحدر التنظيم الاسلامي من علياء صفائه وتفرده وأصبح رقما سياسيا عاديا على رقعة السياسة، يستعمل نفس أدوات الاخرين في الاستقطاب، وهو أمر طبيعي لأن الناس العادية سيطرت على القيادة فيه، فلم يعد هناك ما يميز الاستقطاب السياسي عند الاسلاميين عن غيره من الاستقطابات السياسية الأخرى، فالقلوب قاحلة والروحانية مظلمة، فأنى له أن يستميل القلوب الطيبة، إن الطيبين ينفرون الان كلهم من الاستقطاب السياسي للتنظيم الاسلامي ويبحثون عن صدق الكلمة وصفاء القلب في الخلوة ودخول سوق الراس والنبش في الكتب الصفراء والحومان حول الزوايا الصوفية، لقد ارتكب التنظيم جريمة في حق الأمة عندما طمع في السلطة حتى قبل أن يقيم الدولة، فمارس سلطته داخليا واستعبد الناس وقد دخلوا التنظيم أحرارا، الطيبون الآن أحلاس بيوتهم يعضون اليد على قلة الحيلة والذئاب ترتع في حظيرة الدعوة كيف تشاء تقول إنها ستدل الناس على الله وسوف تقيم الدولة الاسلامية.

    لو أقمتها يا عدو الله لأحلقن لحيتي.

    لقد مارست الاستقطاب السياسي في الجامعة والاستقطاب الدعوي في الحي سنين طويلة، وقد نجحت في ذلك بأبسط الوسائل، كنت أغزو على غرار جيلنا القلوب بالقلب، أهجم على القلب مباشرة بصفاء القلب وروحانية الذكر فيقول الرجل حاشا لله ما هذا كذبا، كنت أستطيع أن أجلب هذا وأطرد ذاك بالقلب، فما أحببناه بقي وما كرهناه رحل، لكأن الله أعطاني مغناطيسا للقلوب أجذب بها من أشاء، فمن تعلقت همتي به آتي به طوعا أو كرها، ومن أنكره قلبي لم يستقر معي طويلا، وما خيبني الله في أحد قط، لكن الضربة كانت تأتي دائما من داخل التنظيم لا من خارجه، كنت أجلب العناصر الطيبة فيدمرها التنظيم بعنجهيته وقلة حرصه على المؤمنين، إنهم الان في الحانات ومع المخدرات وفي أحضان العاهرات وأحسنهم حالا يدخن ويشرب الخمر ولا يقترب من شيء اسمه إسلاميين، لم يرتح التنظيم حتى كسر قلبي والقلوب الطيبة التي كنت أحضنها، برقت في عينيه بارقة السلطة فدهسني ودهس كثيرا من الصالحين، لست أدعي صلاحا، لكني كنت معلقا بالصالحين ومُصلحا بهم، فكنت صالحا ومُصلحا بهم لا بنفسي، ومثلي كثير قتلهم التنظيم، قتلتنا يا عدو الله، قاتلك الله.

    إنني أكتب هذه الكلمات ودموع الحسرة تسيل من قلبي، كسر القلوب وقتل الارواح معناه خرابك أيها التنظيم المجرم، سيستمر الان استقطابك للناس إلى مائدة العفن المُسيس حتى يتسمم الكثير من الشباب الطاهر الصادق داخل التنظيم ويدلهم الإبليس على طريق غير طريق الله، سيستف عنكبوت التنظيم دماءهم ثم يرميهم واحدا واحدا أو يصنعهم طواغيت يذبحون الناس، فاستقطاب الجماهير الان لم يعد غايته الدلالة على الله بل تقوية اللوبيات التنظيمية والاستعداد للصفقات السياسية، أصبح التنظيم مجالا للمشيخة التنظيمية والأستاذية الفارغة والسياسوية الحقيرة والبريستيج المنافق، بارد لا حرارة إيمانية فيه ولا محبة ولا خُلة ولا أخوة ولا نصيحة ولا أشعرية، عاجز عن استقطاب القلوب الصافية والطاقات المفكرة، فالح فقط في الركوع أمام أبواب اليسار والجمعيات النسائية لعله يحصل على صفقة سياسية.

    لقد تم استقطاب التنظيم نفسه إلى دائرة ذبحه، فعوض أن يستقطب الطاقات القلبية والروحية والعقلية للزحف على مواقع الفساد السياسي، أصبح مُستقطبا إلى الصفقات السياسية وتحسين مركزه السياسي، فمرحلة الاستقطاب الدعوي كانت مرحلة وانتهت، على اعتبار أن التنظيم كان في أشد الحاجة يومها إلى ملء الصف بالغث والسمين للاعتراف به كلاعب أساسي على الساحة السياسية، الدليل على ذلك أن التنظيم يفرط الآن بسهولة في أي عضو ولو قضى حياته كلها في خدمة التنظيم، يرمي شيوخا بلغوا من العمر فوق الستين سنة إلى سلة المهملات، لا مجال هنا للرحمة بل حتى للمجاملة، كل الاعضاء الآن مجرد أرقام، والتنظيم مستعد لمسح أي رقم بجرة قلم، ولو بوشاية من المسؤولين.

    الاستقطاب الآن يتم على مستويات عالية ترصدا للطاقات التي يمكن أن تحتل مناصب رفيعة في الدولة في حالة نجاح صفقة الحصول على السلطة الجزئية، أما رجال الدعوة والمحبة والصدق والآخرة فهم في القاع يلعبون لعبة المداراة والاختباء والسكوت والانتظار والتربص و”عندك تهضر تتأذى”.

    لقد تقلصت الدعوة من حيث كونها دعوة إلى الله، واتسعت دائرة الاستقطاب السياسي المحض، الاستقطاب الفارغ من أي معاني ربانية، الاستقطاب المبني على الأغراض المالية والاهداف السياسية، هذا الأمر لاحظنا بدايته أواخر التسعينات وبدأ ينجلي بوضوح قبل خمسة عشر سنة، ثم غدا كالشمس الساطعة الان بعد فشل الربيع العربي، الأمر الذي يؤكد الانحراف الحاصل على مستوى قيادة التنظيم الاسلامي وفروعه، أما على مستوى القواعد فحدث ولا حرج.

    لقد حصل ما لم نكن نتوقعه، فقبل عشرين سنة كنا لا نتوقع انحرافا حتى على مستوى آخر عضو في التنظيم، كان آخر عضو في التنظيم أستاذا في السياسة والتربية، أما الآن فأصبح يقينا لدينا أن شيئا ما ليس على ما يرام تربية وسياسة وصدقا ليس على مستوى القاعدة بل على مستوى القيادة، لقد حدث اختراق عميق وانحراف رهيب وزيغان كبير عن الخط اللاحب الذي خطه الكبار المؤسسون، وما هذه الشحناء والبغضاء والفصل والغيبة والتشويه والمكر والوسائل الخسيسة إلا انعكاس للإختراق الفكري والتنظيمي الحاصل على مستوى قيادة التنظيم، ونتيجة طبيعية للخلل في التربية والعزم على مستوى كل الهياكل تحصيل حاصل.

    نريد بالمختصر المفيد أن يرجع التنظيم إلى الاستقطاب الدعوي القلبي التربوي ويتخلى عن الاستقطاب السياسي، فالسياسة ليست أساس التنظيم الاسلامي، إنما اساسه الدعوة إلى الله والدلالة على الله، وهي أمور من اختصاص رجال الله، والتنظيم يجب أن يساعد وينظم هذه العملية التربوية ليس إلا ويكف عن طموحاته السياسية القذرة، إنها خيانة لله أن يتحول التنظيم من ميدان العشق الالاهي ويرتمي في أحضان المصلحية السياسية، لكن كيف ذلك والسياسيون سيطروا على التنظيم ولبسوا جبة المشيخة واختلط للقاعدة السياسي بالتربوي وخدعوا من باب التربية وصُور لهم أن القيادة السياسية لها قدرة على الدلالة على الله.

    إنها خيانة لله أن تلبس أيها السياسي الماكر سلهام المشيخة، ولك طريقان لا ثالث لهما، إما أن تنزع لباس المشيخة وترجع إلى ثكنتك السياسية وتترك أمر القلوب إلى أولياء الله وتسمع الكلام، أو هي نهاية تنظيمك الغشاش بصالحيه وسياسييه، والأمر ليس متروكا لك لأني أراك ستختار تسييس التنظيم لقضاء مآربك السلطوية لا يهمك القلوب، لكن الأمر متروك للرجال الساكتين عن الحق أن يقولوا إن هذا منكر ويسحبوا المشيخة من تحت قدميك ويعيدوا الأمر إلى نصابه المنهاجي كي تُشرق القلوب والأرواح مرة ثانية.


  • المغرب ينظم أول بطولة نسائية عالمية للكرة الشاطئية

    المغرب ينظم أول بطولة نسائية عالمية للكرة الشاطئية

    إذا كنت من متابعي الرياضة النسائية، فستلاحظ أن المشهد الرياضي العربي يشهد تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. المغرب، بموقعه المتميز وبنيته التحتية المتطورة، يستعد لاستضافة حدث رياضي تاريخي سيضع المملكة على الخريطة الرياضية العالمية بطريقة جديدة وغير مسبوقة.

    هذا التطور ليس مجرد خبر رياضي عابر، بل هو انعكاس لتحول أعمق في كيفية اهتمام المنطقة العربية بالرياضة النسائية واعترافها بقيمتها الحقيقية. فعندما تستضيف دولة عربية بطولة رياضية نسائية بمستوى عالمي، فإنها تبعث رسالة قوية عن التزامها بالمساواة والتطور.

    قراءة في أهمية هذا الحدث الرياضي التاريخي

    تمثل هذه البطولة نقطة فاصلة في تاريخ الرياضة النسائية بالمنطقة. إنها ليست مجرد منافسة رياضية بين فريق وآخر، بل هي منصة عملاقة تعطي الرياضيات نساءً فرصة للتألق على المستوى الدولي بدعم كامل من دولة تؤمن برسالة الرياضة الحقيقية.

    ما يميز هذا الحدث بشكل خاص أن المنظمون يسعون لجعله ملتقى عالمياً حقيقياً، حيث ستشارك فيه فرق من مختلف القارات، ما يعني تعريض الرياضيات العربيات لمستويات تنافسية عالمية جداً، وهو ما سيسهم في تطوير مستوياتهن بشكل جذري.

    لماذا يهمك أن تتابع هذا الحدث

    قد تتساءل: لماذا يجب أن أهتم برياضة نسائية معينة؟ الإجابة ببساطة هي أن دعمك لمثل هذه الأحداث يعني دعماً لاستثمار حقيقي في المواهب المحلية. عندما تتابع هذه البطولة، فأنت تشجع الفتيات الصغيرات على ممارسة الرياضة بجدية، وتساهم في تغيير الصورة النمطية عن الرياضة النسائية في المجتمع.

    كل متابع ومتابعة يضيف إلى رصيد النجاح هذا، ويجعل الاستثمار فيه أكثر جدوى من الناحية المالية والمعنوية. كما أن مشاهدة مستويات رياضية عالية جداً من الإناث تثري معرفتك بهذه الرياضة وقوانينها وحكايات الفريقات والنجمات.

    التغطية الإعلامية العالمية: نافذة على المملكة

    يتوقع أن تجذب هذه البطولة انتباه وسائل إعلام عالمية كبرى. هذا يعني أن العالم سيشاهد المغرب من خلال عدسة رياضية إيجابية، ويرى البنية التحتية الحديثة والتنظيم الاحترافي الذي تتمتع به المملكة.

    التغطية الإعلامية الدولية لا تقدر بثمن من حيث الدعاية والتسويق. فعندما تبث شبكات إعلامية عالمية أحداث هذه البطولة، فإنها تعرض ليس فقط الرياضة، بل أيضاً الثقافة المغربية والحضارة والمعالم السياحية والاستقرار الاقتصادي. يتحول الملعب إلى منصة حوار حضاري بين الدول.

    جانب الجوائز والإنجاز الشخصي

    في كل حدث رياضي عالمي توجد جوائز وتكريمات. لكن هذه البطولة ستحمل معها قيمة رمزية أكبر بكثير من مجرد الميداليات والكؤوس. إنها فرصة ذهبية للرياضيات للحصول على إنجاز عالمي معترف به دولياً، قد يفتح لهن أبواباً كثيرة في مسيرتهن المهنية.

    للفريق المضيف، وهو الفريق المغربي أو الفريق المدعوم من المملكة، ستكون هناك مزايا نفسية كبيرة جداً. اللعب أمام جمهورك الخاص، على أرضك، بدعم الحضور المحلي، هو عامل نفسي يؤثر بشكل كبير على الأداء الرياضي.

    آفاق مستقبلية للرياضة النسائية بالمنطقة

    هذا الحدث لن يكون نهاية المطاف، بل سيكون بداية فصل جديد تماماً في تاريخ الرياضة النسائية العربية. عندما تنجح دولة في استضافة بطولة عالمية نسائية، تفتح الباب أمام دول أخرى للقيام بالمثل. يحدث نوع من التنافس الإيجابي حول استضافة مثل هذه الأحداث، وهو ما يضر بالرياضة النسائية بشكل عام.

    كما أن اهتمام الاتحاد الدولي للعبة بالمنطقة العربية سيزداد، ما قد يؤدي لإرسال مزيد من البعثات التدريبية والفنية، وزيادة الدعم المالي والتقني. هذا سيرفع من جودة البطوليات المحلية والإقليمية بشكل عام.

    الاستعدادات العملية على الأرض

    لاستضافة حدث بهذا المستوى، تحتاج الدول إلى تحضيرات ضخمة. من إنشاء ملاعب حديثة ومرافق متطورة، إلى تدريب الكوادر الإدارية والفنية، وتنظيم النقل والإيواء والتأمين. كل هذه الجوانب تتطلب تخطيطاً دقيقاً ويعكس مدى جدية الدولة في هذا الملف.

    المغرب، بخبرته في استضافة أحداث دولية كبرى، يمتلك الكفاءات البشرية والمالية لتنفيذ هذا الحدث بنجاح. التقارير الأولية تشير إلى استعدادات جدية وعلى مستوى عالٍ من الاحترافية.

    ختام: الرياضة النسائية ليست خيارات، بل ضرورة

    بما أن الرياضة تمثل نحو 50% من السكان (النساء)، فإن إهمال الجانب النسائي منها يعني خسارة حقيقية من حيث المواهب والإمكانيات والاستثمارات المحتملة. بطولة من هذا الحجم تثبت أن الاستثمار في الرياضة النسائية ليس كمالياً، بل هو استثمار استراتيجي حقيقي.

    ندعوك لمتابعة هذا الحدث المهم، سواء من خلال وسائل الإعلام أو بالحضور المباشر إن أمكن. شاركنا برأيك: كيف ترى أثر مثل هذه الأحداث على الرياضة النسائية في وطنك؟

  • كيف تؤثر قرارات البنوك المركزية على محفظتك المالية؟

    كيف تؤثر قرارات البنوك المركزية على محفظتك المالية؟

    عندما تسمع أخبار البنك المركزي على الراديو أو تقرأها في الجريدة، قد تشعر أن الأمر لا يعنيك مباشرة. لكن الحقيقة أن قرارات هذه المؤسسات تصل إليك بطرق أكثر مما تتخيل—من سعر الفائدة على قرضك العقاري، إلى قيمة الراتب الذي تحصل عليه شهرياً، إلى أسعار السلع في السوق.

    في عالمنا المعاصر، أصبح التنسيق بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية ضرورياً أكثر من أي وقت مضى. هذا التعاون يهدف إلى حماية اقتصاداتنا من التقلبات والأزمات، وضمان استقرار أسعار السلع والخدمات التي نشتريها يومياً.

    ما هو دور البنك المركزي في حياتك الاقتصادية؟

    البنك المركزي ليس مجرد مؤسسة حكومية بيروقراطية. إنه بمثابة “حارس الاستقرار المالي” للدولة. يشرف على عرض النقود في السوق، يحدد أسعار الفائدة الأساسية، ويراقب التضخم—أي ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

    عندما يرتفع التضخم بشكل مبالغ فيه، تنخفض قيمة أموالك فعلياً. ألف درهم اليوم لا تساوي نفس قيمتها بعد سنة إذا ارتفعت الأسعار بشكل كبير. هنا يأتي دور البنك المركزي: يحاول الحفاظ على استقرار الأسعار حتى يبقى راتبك وادخاراتك محتفظة بقيمتها الحقيقية.

    التضخم: العدو الصامت لمدخراتك

    التضخم يشبه “السارق الصامت” الذي يأكل من قيمة أموالك دون أن تشعر. إذا كنت توفر مبلغاً من المال في البيت لأجل غير مسمى، فإن قيمته الشرائية تنخفض تدريجياً مع الوقت.

    البنك المركزي يعمل على توقع معدلات التضخم المستقبلية بناءً على بيانات اقتصادية دقيقة. يستخدم هذه التوقعات لتحديد السياسات النقدية المناسبة—مثل رفع أو خفض سعر الفائدة. هذه القرارات تؤثر بشكل مباشر على:

    تكلفة الاستدانة

    عندما يرفع البنك المركزي سعر الفائدة الأساسي، تصبح الفائدة على القروض أعلى. هذا يعني أن شراء منزل بقرض عقاري سيكلفك أكثر، وكذلك تمويل السيارة أو أي قرض آخر.

    العائد على الادخار

    بالمقابل، إذا ادخرت أموالك في البنك، فإن الفائدة على حسابك الادخاري ستكون أعلى أيضاً. لكن العكس صحيح—عندما ينخفض سعر الفائدة، تنخفض أرباحك من الادخار.

    قيمة العملة المحلية

    أسعار الفائدة المرتفعة تجذب المستثمرين الأجانب للاستثمار بالعملة المحلية، مما يزيد الطلب عليها ويرفع قيمتها. هذا يؤثر على أسعار الواردات والصادرات والسفر إلى الخارج.

    التعاون مع الصندوق: لماذا يهم؟

    صندوق النقد الدولي ليس حكماً خارجياً يفرض سياساته على الدول. بل هو مؤسسة متخصصة تجمع خبرات اقتصادية عالمية. عندما يجتمع البنك المركزي مع بعثة من الصندوق، يحدث نقاش متعمق حول:

    الاستقرار المالي للدولة

    هل الدولة قادرة على سداد ديونها؟ هل المصارف لديها احتياطيات كافية؟ هل تتمتع بسياسات مالية سليمة؟ هذه الأسئلة ليست نظرية—إجاباتها تحدد ما إذا كان الاستثمار الأجنبي سيدخل البلد أم لا، وهو ما يؤثر على فرص العمل والنمو الاقتصادي.

    التوقعات الاقتصادية المستقبلية

    من خلال تحليل البيانات الدقيقة، يمكن توقع معدلات التضخم والنمو في السنوات القادمة. هذه التوقعات تساعد الحكومات على اتخاذ قرارات أفضل بشأن الإنفاق والاستثمار.

    السياسات النقدية المناسبة

    لا توجد “سياسة نقدية واحدة تناسب الجميع”. كل دولة لها ظروفها الخاصة. النقاش مع الخبراء الدوليين يساعد على تحديد السياسات الأكثر فعالية للوضع الاقتصادي الحالي.

    كيف ينعكس هذا على جيبك؟

    لنكن عمليين. إذا أعلن البنك المركزي عن قرارات لمحاربة التضخم (مثل رفع سعر الفائدة)، فإن تأثير ذلك قد يكون:

    تكاليف استدانة أعلى: الحصول على قرض سيصبح أغلى – فائدة أفضل على الادخار: أموالك في البنك ستنمو أسرع – أسعار أقل في الأسواق: على المدى الطويل، السيطرة على التضخم تعني استقراراً اقتصادياً أفضل – استقرار في الأسعار: لن تجد نفسك مفاجأ بارتفاعات حادة في أسعار الضروريات

    الخلاصة: استقرار اليوم، أمان الغد

    اقتصاد صحي ومستقر لا يحدث بالصدفة. إنه نتيجة تخطيط دقيق، نقاش مستمر مع الخبراء الدوليين، وقرارات صعبة يتخذها صانعو السياسات. البنك المركزي وشركاؤه الدوليون يعملان معاً حتى تستمتع أنت بحياة اقتصادية مستقرة نسبياً—راتب ثابت، أسعار معقولة، وثقة في المستقبل.

    في المرة القادمة التي تسمع فيها خبراً عن البنك المركزي أو صندوق النقد الدولي، تذكر أن هناك قصة حقيقية وراء الأرقام والإحصائيات: قصة جهود مستمرة للحفاظ على استقرارك المالي ورفاهيتك الاقتصادية.

    ما رأيك؟ كيف تؤثر هذه السياسات الاقتصادية على خطططك المالية الشخصية؟ شارك تجربتك معنا في التعليقات.

📚 المكتبة القانونية