المدونة

  • المحور 17: البطلان 306-310

    📖 نظرية العقد — الفصل 18 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 306 : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له. ويكون الالتزام باطلا بقوة القانون:

    • إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه؛
    • إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه. “

    الفصل 307 : ” بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع. بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي.”

    الفصل 308 : ” بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما باعتباره عقدا متميزا عن العقد الأصلي.”

    الفصل 309 : ” إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير.”

    الفصل 310 : ” إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر.”

    البطلان هو الجزاء الذي يقرره المشرع نتيجة تخلف أحد أركان العقد، كما لو كان أحد المتعاقدين صغيرا غير مميز أو كان محل الالتزام التعاقدي عملا مستحيلا أو كان الالتزام يفتقر إلى سبب يُحمل عليه، وقد يتقرر البطلان حتى بتوفر الأركان العامة للعقد وذلك بغياب الأركان الخاصة كالتسليم في العقود العينية والشكلية في العقود الشكلية أو تنصيص القانون على ذلك لاعتبارات تتعلق بالنظام العام.

    فعندما يختل أحد أركان العقد المتمثلة في التراضي والمحل والسبب والشكلية في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية فان اجتماع إرادات أطراف العقد لا يمكن أن تنشئ التزامات، لأن القانون لا يسمح بذلك إلا إذا توفرت سائر الشروط التي يستلزمها الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

    أما الابطال فهو الجزاء الذي يرتبه المشرع على الاخلال بشرط من شروط صحة العقد، كما لو كانت إرادة أحد المتعاقدين معيبة بأحد عيوب الرضى، أو كان أحد المتعاقدين ناقص الاهلية وإما بموجب نص قانوني يمنح حق الابطال لأحد المتعاقدين.

    والبطلان والابطال كلاهما يرجع الخلل فيهما إلى مرحلة تكوين العقد على أن هناك جزاء مدنيا آخرا يترتب على الاخلال بالالتزامات الاطراف في مرحلة ما بعد تكوين العقد أي مرحلة التنفيذ وهو الفسخ، مع اقتصار هذا الأخير على العقود التبادلية، بينما يطال الابطال والبطلان العقود جميعها.

    والبطلان صورة من صور الجزاء المدني، لكنه جزاء لا يفرض على شخص من الأشخاص كما هو الحال في العقوبة أو التعويض، بل يقع على كائن قانوني هو التصرف القانوني، فينصب الجزاء في البطلان على التصرف نفسه فيجعل العقد باطلا، لذلك فهو لا يبحث عن المسؤول عن المخالفة لتوقيع الجزاء عليه أو لإلزامه بالتعويض، بل يقصد التصرف القانوني مباشرة فيبطله.

    فالبطلان كنظام قانوني مؤداه اعتبار العقد أو التصرف القانوني بوجه عام غير قائم بسبب اختلال شابه في تكوينه لعدم توافر ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحة الأركان، وعليه فالبطلان يؤدي إلى انعدام أثر العقد بالنسبة للمتعاقدين وكذا بالنسبة للغير، كما يؤدي إلى إعدام التصرف القانوني بأثر رجعي مما يجعله كأن لم يقم أصلا.

    نستقرئ مفهوم البطلان من خلال الفصل 306 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له …”.

    هكذا يتضح بأن مصير العقد هو انتفاء الأثر القانوني، فالقاعدة أن مصير البطلان هو هدم العقد بدرجة واحدة لا تقبل التدرج أو التفاوت، فالعقد الباطل بطلانا مطلقا ليس له وجود ، فهو والعدم سواء.

    تمييز البطلان عن الفسخ

    بالرغم من أن البطلان والفسخ كلاهما يؤديان إلى عدم نفاذ التصرف القانوني، إلا أن الاختلاف الجوهري بينهما واضح ومميز، فالفسخ نتيجة تقاعس وإخلال أحد طرفي العقد ببنود هذا العقد، أما البطلان فهو أثر قانوني ينصرف إلى التصرف القانوني الذي هو اتجاه الإرادة إلى أحداث أثر قانوني، فالبطلان ينصرف على الإرادة نفسها ولا ينصب على الارتباط بين الإرادات كما هو الشأن بالنسبة للفسخ، مما يكون معه الفرق بين الفسخ والبطلان متمثلا في كون أن العقد الباطل لم يقم أصلا بسبب اختلال في أحد أركانه، أما العقد المفسوخ فهو عقد قام صحيحا وأنتج كافة آثاره القانونية لكنه انحل بسبب عدم تنفيذ أحد عاقديه لالتزاماته التعاقدية .

    كما أن الفرق بين الفسخ والبطلان ينصرف كذلك إلى التقادم، فدعوى الفسخ تتقادم بخمس سنوات في حين أن البطلان له أثر رجعي يستند لتاريخ إبرام العقد، فالدفع بالبطلان لا يخضع للتقادم المقرر لدعوى الإبطال بمقتضى الفصول 311 إلى 314 من ق ل ع أي للتقادم سنة واحدة وإنما يخضع للتقادم العادي 15 سنة .

    النظرية التقليدية في البطلان والابطال

    تعطي البطلان مفهوما واسعا يشمل حتى الابطال، وتقسمه نوعين بطلان مطلق يتحقق اذا تخلف في العقد ركن من أركان انعقاده، وبطلان نسبي يتحقق اذا كان العقد مستوفيا لجميع أركانه أو تخلف فيه شرط من شروط صحته، ثم قامت نظرية ثانية جعلت التقسيم ثلاثيا فقالت بالعقد المنعدم إذا فقد ركنا من اركانه كالرضى والمحل والسبب ثم العقد الباطل بطلانا مطلقا اذا كان المحل أو السبب أو الشكل غير مستوف شروطه، ثم العقد الباطل بطلانا نسبيا وهو في حالة كان أحد المتعاقدين ناقص الاهلية أو كانت ارادته مشوبة بعيب من عيوب الارادة، ثم قالوا بأن العقد المنعدم لا يحتاج إلى حكم ببطلانه فهو منعدم من تلقاء نفسه بينما العقد الباطل بطلانا مطلقا إذا توافرت بعض عناصر وجوده فلا بد من حكم قضائي يقضي ببطلانه، ثم أن العقد المنعدم لا يترتب عليه أي اثر قانوني بينما العقد الباطل بطلانا مطلقا قد تترتب عليه آثار قانونية.

    النظرية الحديثة القائمة على التمييز بين البطلان والابطال

    أصبح البطلان المطلق هو البطلان والبطلان النسبي هو الابطال، وهي النظرية التي سار عليها المشرع المغربي .

    البطلان في قانون الالتزامات والعقود المغربي

    يكون العقد باطلا إذا انعدمت أحد أركان العقد وهي الأهلية أو التراضي أو المحل أو السبب ويلحق بها الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية ، وهو المقتضى الذي نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 306 من ق ل ع حيث جاء فيها ما يلي : ” يكون الالتزام باطلا بقوة القانون :

    • إذا كان ينقصه لأحد الأركان اللازمة لقيامه
    • إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه ” .

    من خلال ما سبق يتضح أن العقد يكون باطلا إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه، أو في الحالات التي يقرر فيها القانون بطلان العقد بمقتضى نص خاص .

    الحالة الاولى : بطلان العقد لنقصان أحد أركانه

    • تخلف الركن التراضي

    يتحقق ذلك بالخصوص في حالة انعدام الأهلية التي تتحقق بمناسبة الصغير غير المميز الذي يقل سنه عن 12 سنة، وأيضا في حالة الجنون، وهذه الحالات تدخل ضمن حالات انعدام الأهلية، كما أن الرضا يعتبر متخلفا عندما تكون الإرادة غير جدية، كأن يبدي الشخص رغبته في التعاقد دون أن تكون له نية التحمل بالالتزام وفي هذا الصدد ذهب الفقيه الفرنسي بلانيول إلى أنه يتوجب لإنشاء الالتزامات أن تكون الإرادة جادة ويعتبر كأن لم يكن الاتفاق الذي يبرم مع شخص هازل.

    ويعتبر الغلط المانع من حالات تخلف الرضا الذي يجعل العقد باطلا، لأن من شأن هذا النوع من الغلط أن يمنع الرضا و يمنع بالتالي انعقاد العقد و يجعله باطلا و لذلك يسمى بالغلط المانع، كما يعتبر السكر إذا كان تاما من أسباب تخلف الرضا في القوانين الحديثة، لأن السكر التام يفقد التمييز و يعدم الرضا، أي يجعل العقد باطلا و هذا ما سار عليه الفقه و القضاء في فرنسا.

    نشير هنا إلى أن أسباب تخلف الرضا كثيرة لا يمكن حصرها، ذلك أن من الفقه و بعض التشريعات من يأخذ بالحقد الدفين و التنكر والغضب الشديد و الأمراض النفسية كحالات لتخلف الرضا و بالتالي تؤدي إلى بطلان العقود و الالتزامات على هذا الأساس.

    • تخلف ركن المحل أو عدم مشروعيته

    يكون العقد باطلا في حالة تخلف ركن المحل سواء لعدم وجوده أو كونه مستحيلا أو غير معين، نفس الحكم يطبق في حالة عدم مشروعية المحل، وكمثال على ذلك حالة التصرف في تركة إنسان لا يزال على قيد الحياة، أو عدم تحديد المشتري والبائع للثمن وباقي العناصر الاساسية للعقد حيث يعتبر العقد باطلا.

    • تخلف السبب أو عدم مشروعيته

    يعتبر العقد باطلا في حالة تخلف السبب تطبيقا للفصل 62 الذي نص على أنه : ” الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن.” كأن يلتزم وارث بتنفيذ وصية الهالك ثم يتبين أن الهالك قد تراجع عن وصيته أو كأن يتعهد شخص بدفع مبلغ من المال لشخص آخر مقابل ارتكاب جريمة، هنا انعدام السبب أو عدم مشروعيته يجعل العقد باطلا بطلانا مطلقا.

    • تخلف الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية

    إذا كان القانون يتطلب شكلا معينا لصحة العقد سواء تمثل في الكتابة بالنسبة للعقود الشكلية أو التسليم بالنسبة للعقود العينية، فان غياب ركن الشكلية أو التسليم يجعل العقد باطلا، فالعقود الشكلية عقود يتطلب تكوينها إفراغ التراضي عند إبرامها ضمن شكل معين يوضحه القانون، و ذلك تحت طائلة البطلان، وبتعبير آخر نكون أمام عقد شكلي عندما يكون الشكل مفروضا كشرط لصحة هذا العقد، ونجد أمثلة كثيرة للشكلية في القانون المغربي و خير هذه الأمثلة ما جاء في المادة 4 من مدونة الحقوق العينية التي جعلت الشكلية شرط صحة لازم لانعقاد التصرف القانوني المتعلق بنقل الملكية أو إنشاء الحقوق العينية أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها، وبتخلف الشكلية (عقد رسمي أو محرر ثابت التاريخ) يكون العقد باطلا و لو توافرت فيه الأركان اللازمة لانعقاده. أما بالنسبة لشرط التسليم في العقود العينية، فإنه في حالة اشتراط المشرع للتسليم في بعض العقود فإنه إذا لم يتم استيفاء شرط التسليم يكون العقد باطلا بطلانا مطلقا و هذا الأمر ينطبق على عدة عقود أهمها الرهن الحيازي و الوديعة الاختيارية و القرض.

    الحالة الثانية : البطلان بمقتضى نص قانوني خاص

    إذا كان العقد يقع باطلا عندما يفتقد أحد الأركان الأساسية المتمثلة في الرضا والمحل والسبب والشكلية بالنسبة للعقود الشكلية والتسليم فيما يخص العقود العينية، فانه في بعض الحالات يكون العقد متوفرا على جميع تلك الأركان والعناصر ومع ذلك يقع باطلا بمقتضى نص قانوني لاعتبارات تتعلق بالنظام العام، جاء في الفصل 306 من ق ل ع “..إذا قرر القانون حالة خاصة ببطلانه”.

    حالات بطلان العقد بمقتضى نص قانوني واردة في ظهير الالتزامات والعقود وكذا في نصوص قانونية خاصة ومن أهم هذه الحالات :

    • بطلان التعامل في تركة مستقبلة، الفصل 61 من ق ل ع وبطلان الفائدة بين المسلمين الفصل 870.
    • بطلان الاتفاقات التي يكون موضوعها تعليم السحر والشعوذة ، جاء في الفصل 729: ” يبطل كل اتفاق يكون موضوعه: تعليم أو أداء أعمال السحر والشعوذة أو القيام بأعمال مخالفة للقانون أو للأخلاق الحميدة أو للنظام العام؛ القيام بأعمال مستحيلة ماديا.”
    • بطلان الاشتراط الذي من شأنه إعفاء الدائن من كل مسؤولية عن الشيء المرهون حسب الفصل 1215 من ق ل ع.
    • بطلان العقد الذي يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته لشخص أخر طوال حياته الفصلين 727 و728 من ق ل ع، جاء في الفصل 728 : ” يبطل كل اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته طوال حياته، أو لمدة تبلغ من الطول حدا بحيث يظل ملتزما حتى موته.”
    • بطلان عقد الشركة إذا تضمن شرطا يمنح أحد الشركاء نصيبا من الارباح يفوق حصته أو أعفاه من الخسائر ، الفصل 1034.
    • بطلان العقود التي محلها مقامرة أو رهان الفصل 1092.

    خصائص البطلان

    أولا : بطلان جزء من العقد يبطل العقد في مجموعه

    ما لم يكن العقد قابلا للبقاء دون الجزء الذي لحقه البطلان، فإذا كان العقد جزءا لا يتجزأ أبطل في مجموعه، أما إذا تبين ان لا ارتباط بين الشق الباطل وبقية العقد فإن البطلان ينحصر فقط في الشق الباطل وهو ما يصطلح عليه بـ انتقاص العقد، هذه الحالة نص الفصل 1114 ق.ل.ع بقوله : ” الصلح لا يقبل التجزئة فبطلان جزء منه أو إبطاله يقتضي بطلانه أو إبطاله كله. ولا يسري هذا الحكم: أولا – إذا تبين من العبارات المستعملة أو من طبيعة الاشتراطات أن المتعاقدين قد اعتبروا شروط الصلح أجزاء متميزة ومستقلة بعضها عن البعض الآخر؛ ثانيا – إذا نتج البطلان عن عدم توفر الأهلية لدى أحد المتعاقدين. وفي هذه الحالة لا يستفيد من البطلان إلا ناقص الأهلية الذي تقرر لصالحه ما لم يكن قد اشترط صراحة أنه يترتب على فسخ الصلح التحلل من حكمه بالنسبة إلى المتعاقدين جميعا”.

    نلاحظ نظرية انتقاص العقد أيضا في الفصل 1035 : ” إذا تضمن العقد منح أحد الشركاء كل الربح، كانت الشركة باطلة، واعتبر العقد متضمنا تبرعا ممن تنازل عن نصيبه في الربح، ويبطل الشرط الذي من شأنه إعفاء أحد الشركاء من كل مساهمة في تحمل الخسائر، ولكن لا يترتب عليه بطلان العقد.”، نفس المقتضى جاء في مدونة الاسرة حيث يبطل شرط اسقاط النفقة من على كاهل الرجل ويبقى العقد صحيحا.

    لكن قد يحصل أن يقرر المشرع بطلان العقد بمجموعه وهو ما جاء في الفصل 870 : ” اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا، أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له.”

    نفس المقتضى جاء في الفصل 112 : ” يبطل الالتزام إذا كان وجوده معلقا على محض إرادة الملتزم (الشرط الإرادي). ومع ذلك، يجوز لكل من الطرفين أو لأحدهما أن يحتفظ لنفسه بالحق في أن يصرح خلال أجل محدد، بما إذا كان يريد الإبقاء على العقد أو يريد فسخه.”

    ثانيا : بطلان الالتزام الاصلي يقتضي بطلان الالتزامات التابعة وليس العكس

    وهو ما نص عليه الفصل 307 بقوله : ” بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع. بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي.” والالتزام الاصلي هو الذي يقوم بذاته دون غيره كالزام البائع في عقد البيع والتزام المقترض عقد القرض، أما الالتزام التابع فهو القائم بغيره كالتزام الكفيل والتزام الراهن الذان لا يقومان دون التزام اصلي ضمانا للوفاء به عن طريق الكفالة أو الرهن ، وبطلان الالتزام الاصلي هنا يقضي ببطلان عقد الكفالة أو عقد الرهن التابع له، لكن عدم صحة الالتزام التبعي لا يؤثر على الالتزام الاصلي وفق منطوق الفصل307.

    ثالثا : العقد الباطل لا يقبل الاجازة ولا التصديق عليه

    جاء في الفصل 310 : ” إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر.” والاجازة هي أن يوافق المتعاقد على تثبيت عقد سابق قد عقده وهي تعني الرضى ببقاء العقد واستقراره نهائيا ممن له الحق في إبطاله، وأما التصديق فهو يصدر عن أجنبي عن العقد يضيف أثر هذا العقد إلى نفسه كإقرار الموكل لتصرف من الوكيل جاوز فيه حدود الوكالة . ولما كان العقد الباطل معدوما فإنه بالتالي لا يقبل الاجازة ولا التصديق، يضاف إلى ذلك أن البطلان هو من النظام العام ولا يمكن للإجازة والتصديق أن تجيزا ما يخالف النظام العام.

    رابعا : البطلان لا يصححه التقادم لكن دعوى البطلان تتقادم

    فالمعدوم لا يصبح موجودا بمضي الزمن ولو تم تنفيذ العقد الباطل ، لكن يشترط أن يتم رفع دعوى البطلان داخل أجل 15 سنة ، أما إذا انقضت مدة التقادم فإن دعوى البطلان تتقادم حفاظا على استقرار المعاملات، فلو تم تنفيذ عقد بيع باطل ومضت على العقد مدة التقادم العادي ثم رفع البائع دعوى لاسترداد المبيع استنادا إلى بطلان البيع لم تسمع منه دعواه إذا مرت مدة التقادم المنصوص عليها في الفصل 387 وهي 15 سنة من تاريخ البيع.

    أما الدفع بالبطلان فإنه يجوز لدفع دعوى المدعي ولو بعد التقادم لأن التقادم لا يبدأ إلا من وقت تمكن صاحب الحق من مباشرة حقه، فلو أن المشتري في دعوى اقيمت عليه وجد أن من مصلحته التمسك ببطلان البيع ليدفع دعوى المدعي كان له ذلك ولو أنه يكون قد مر على البيع أكثر من 15 سنة وفق منطوق الفصل 315 : ” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال..”

    خامسا : العقد الباطل لا يحتاج إلى إبطال

    فهو يعتبر منذ صدوره باطلا، عدم في نظر القانون ولا يتوقف بطلانه على حكم قضائي لأن القانون هو الذي قرر بطلانه وحكم بطلانه هو حكم كاشف لوضع سابق وليس منشئا لوضع جديد، وعليه فإن البائع يستطيع أن يتصرف في المبيع لأنه لا يزال في ملكه ولو لم يحصل على حكم قضائي ببطلان البيع الأول، ولو أن المشتري الأول رفع دعوى للمطالبة بتسلم المبيع أمكن للبائع أن يدفع الدعوى ببطلان العقد الذي يطالب المشتري بمقتضاه الزام البائع بتسليم المبيع، فالمتمسك ببطلان العقد الباطل قبل تنفيذه يستطيع دائما ان يقف موقف الدفع إذا هوجم بدعوى تستند إلى العقد الباطل، والقاضي هنا يقرر البطلان الذي قرره القانون من الاصل ويكون حكمه كاشفا فقط لوضع سابق لا منشئا لوضع قانوني جديد.

    أما بعد تنفيذ العقد الباطل فإن من له مصلحة من المتعاقدين التمسك بالبطلان ويبادر إلى رفع دعوى البطلان لاسترداد ما أداه، وتتقادم دعوى البطلان خلال 15 سنة.

    سادسا : لكل ذي مصلحة في البطلان أن يتمسك به وللمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها

    ولو لم يطلبه أحد لأنه من النظام العام و يعتبر باطلا ولو تمسك به الطرفان وطالبا بتنفيذه ، فالبطلان مقرر للمصلحة العامة وليس للمصلحة الخاصة، ولذلك فإن لكل ذي مصلحة أن يثيره، سواء المتعاقدون والخلف العام والخلف الخاص والدائنون والقاضي الذي عليه أن يثيره من تلقاء نفسه حفاظا على النظام العام، جاء في الفصل 315 : ” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال.”

    أثـــار بطــلان العقد

    الاصل أن العقد الباطل ليس له وجود قانوني وبالتالي لا يترتب عليه أي أثر سواء بالنسبة إلى المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير، وهو ما نص عليه الفصل 306 بقوله : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له..”. نفس المقتضى بالنسبة للعقد القابل للإبطال حيث نص الفصل 316 على أنه : ” يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يرد للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله. وتطبق بشأن الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسني النية الأحكام الخاصة المقررة لمختلف العقود المسماة.”

    من خلال عملية الربط بين الفصلين 306 و 316 من قانون الالتزامات والعقود يتبين لنا أن كلا من العقد الباطل والعقد القابل للإبطال لا ينتجان أي أثر قانوني إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا لهذين العقدين، فالبيع الباطل لا ينقل الملكية والاجارة الباطلة لا تؤول إلى تمليك المنافع للمستأجر والرهن الباطل لا يمنح حق الافضلية على المال المرهون ، غير أن هذا المبدأ قد ترد عليه بعض الاستثناءات التي يستحيل معها إرجاع الأطراف إلى وضعية ما قبل التعاقد.

    أثار البطلان بالنسبة للمتعاقدين

    العقد الباطل لا ينتج أثارا بين المتعاقدين وليس بإمكان أحد المتعاقدين إلزام المتعاقد الأخر على تنفيذ عقد باطل، والبطلان يعود بالمتعاقدين إلى الحالة التي كان عليها قبل التعاقد ويسترد كل متعاقد ما دفعه تنفيذا لعقد باطل، وهذا ما قضى به الفصل 306 الذي أوجب ” استرداد ما دفع بغير حق، تنفيذا للعقد الباطل”، أما إذا كان العقد لم يشرع في تنفيذه فلا سبيل لأحد المتعاقدين أن يلزم الطرف الاخر بتنفيذيه، أما إذا كانت إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد أمرا مستحيلا فيجوز للمحكمة أن تقضي للمتضرر من هذه الاستحالة بتعويض يعادل الضرر الذي لحق به وفق المبادئ العامة، فإذا أُبطل عقد الايجار مثلا تعين على القاضي أن يلزم المستأجر بدفع تعويض للمؤجر مقابل المنفعة التي استوفاها من الشيء المستأجر.

    يستثنى من مبدأ إعادة المتعاقدين إلى الحالة السابقة للتعاقد الباطل العقد الذي يبرمه شخص فاقد الأهلية، فقد نص الفصل 6 على أنه : ” يبقى القاصر مع ذلك ملتزما في حدود النفع الذي استخلصه من الالتزام وذلك بمقتضى الشروط المقررة في هذا الظهير “، فهذا القاصر لا يلزم برد سوى ما كان عليه من نفع بسبب تنفيذ العقد كمصروفات ضرورية أو نافعة مثل شراء كتب أو وفاء بدين أو تعلم حرفة، أما المصروفات الضارة كالمقامرة أو المراهنة فلا تعتبر مصروفات نافعة ولا يردها الطرف الأخر في العقد، وإذا كان الشيء الذي حصل عليه من العقد لازال موجودا في حوزته فانه يعتبر من قبل النفع وذلك بموجب الفصل 9 الذي نص على : ” القاصر وناقص الأهلية يلتزمان دائما، بسبب تنفيذ الطرف الآخر التزامه، وذلك في حدود النفع الذي يستخلصانه من هذا التنفيذ. ويكون هناك نفع إذا أنفق ناقص الأهلية الشيء الذي تسلمه في المصروفات الضرورية أو النافعة، أو إذا كان هذا الشيء لازال موجودا في ماله.

    أثار البطلان بالنسبة للغير

    المقصود بالغير كل الأشخاص الذين لم يكونوا طرفا في العقد الباطل واكتسبوا حقوقا على الشيء محل العقد الباطل، فأثر البطلان بالنسبة لهذا الغير هو نفسه بالنسبة للمتعاقدين، فلو أن شخصا اشترى عينا بعقد باطل ثم باعها وتقرر بعد ذلك بطلان البيع الأول فان البائع في العقد الباطل يسترد العين من المشتري، وإذا كان هذا المشتري الثاني قد رتب على العين حقوقا فان البائع يسترد العين خالية من هذه الحقوق.

    الاستثناءات على ترتيب أثار على العقد الباطل

    إن أهم الاستثناءات الواردة على العقد الباطل والتي تمنح لهذا العقد بعض الآثار، هي حالة عقد الزواج وحالة تحول التصرف وحالة اكتساب الغير حسن النية حقا عينيا على منقول أو عقار محفظ محل العقد الباطل.

    حالة عقد الزواج الباطل

    اعتبر المشرع دخول الزوج بالمرأة في النكاح الفاسد لعقده دخولا شرعيا تستحق معه الزوجة الصداق ويستحق معه الولد ثبوت النسب، جاء في المادة 58 من مدونة الاسرة : ” تصرح المحكمة ببطلان الزواج تطبيقا لأحكام المادة 57 أعلاه ..، أو بطلب ممن يعنيه الأمر. يترتب على هذا الزواج بعد البناء الصداق والاستبراء، كما يترتب عليه عند حسن النية لحوق النسب وحرمة المصاهرة.”

    حالة تحول التصرف

    فإذا بطل التصرف الذي أراده العاقدان لسبب من أسباب البطلان وكان هذا التصرف الباطل يتضمن عناصر كافية لأن يتكون منها تصرف أخر غير الذي جرى عقده وكان الظاهر من ظروف العقد أن العاقدين لو علما بأن تصرفهما الواقع لا ينعقد لقبلا أن يعقدا بدلا منه ذلك التصرف الأخر الممكن، فان القانون يوجب في هذه الحالة اعتبار تصرفهما رغم بطلانه في صورة الواقعة منشئا حكم ذلك العقد الأخر الذي توافرت عناصره وشرائطه في هذا التصرف الباطل، إعمالا للنية المفترضة لدى العاقدين، وهذا ما يسمى بتحول التصرف، جاء في الفصل 309 : ” إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير.”

    مذال ذلك البيع الذي ليس فيه مقابل فهو بيع باطل لعدم توافر محل لالتزام المشتري ولكنه يصح هبة وتجري عليه أحكام الهبة إذا كانت نية المتعاقدين تنصرف إلى ذلك، نفس المقتضى بالنسبة إلى حالة السند التجاري، فإذا أُبطل هذا السند لعدم استيفاءه الشكليات الضرورية في المادة التجارية، اعتبر كسند عادي للدين وخضع للقانون المدني كسند للدين يوجب الأداء رغم كونه سندا تجاريا باطلا.

    نفس المقتضى في الشركة الفعلية، فالأصل العام أن الشركة تكتسب الشخصية المعنوية بمجرد تكوينها، وتبدأ في ممارسة الأعمال التي قامت من أجلها، وتترتب على هذا نتائج مهمة كأن تصبح هذه الشركة دائنة او مدينة، واذا حدث في العمل ان تقرر بطلان هذه الشركة او حكم بإبطالها، فإنه يستحيل اعادة الشركاء الى الحالة التي كانوا عليها قبل إبرام العقد، وعلى هذا الاساس اعتبر القضاء الشركة قائمة فعلا في الفترة ما بين تكوينها والحكم ببطلانها، أي أنها تعتبر في الواقع كما لو كانت شركة صحيحة وبعبارة اخرى يكون البطلان بمثابة حكم يحل الشركة قبل الميعاد المحدد لها.

    حالة اكتساب الغير حسن النية حقا عينيا على منقول أو عقار محفظ

    من القواعد الكلية التي أخد بها المشرع المغربي أن حيازة المنقول تعتبر سندا للملكية، فإذا حاز زيد منقولا بعقد باطل ورتب حقوقا على هذا العقد المنقول لمصلحة عمر، وكان عمر حسن النية، فبطلان العقد الذي دخل المنقول بموجبه إلى حيازة زيد لا يؤثر على حقوق عمر، بحيث يكون الوضع بالنسبة لهذا الأخير كما لو أن العقد المذكور وقع صحيحا، جاء في الفصل 1187 : ” الدائن الذي يتسلم بحسن نية، على سبيل الرهن الحيازي شيئا منقولا ممن لا يملكه يكسب حق الرهن، ما لم يكن الأمر متعلقا بشيء ضائع أو مسروق”.

    كذلك من القواعد الكلية في التشريع العقاري المغربي المبني على نظام السجل العقاري فإن من يكتسب عن حسن نية حقا عينيا على عقار محفظ بالاستناد إلى القيد في السجل العقاري فان بطلان هذه القيود لا يكون لها أثر اتجاهه.

    فالأصل أن الالتزامات التي ترتبها العقود لا تلزم سوى من كان طرفا فيها ، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم، وكذلك البطلان ، فالفصل 228 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أن : ” الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون”، لكن هذا المبدأ ترد عليه بعض الاستثناءات منصوص عليها في القانون ومن هذه الاستثناءات ما نص عليه الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري الذي جاء فيه أن : ” كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتسجيله وابتداء من يوم التسجيل في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية ولا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التسجيل في مواجهة الغير ذي النية الحسنة” .

    وبالتوقف عند سياق الفصل 66 السالف الذكر وألفاظه فإنه يمكن القول بأنه لا يمكن المطالبة بإبطال صدقة تم تسجيلها بالرسم العقاري والمستفيد منها شخص حسن النية على أساس أنها باطلة كما لو كان المتصدق لا يملك العقار المتصدق به، والسبب في ذلك يرجع إلى أن التسجيل يقوم على مجموعة من الشروط الشكلية ورد التنصيص عليها في الفصل 69 من ظهير التحفيظ العقاري التي تؤثر على موضوع الحق عند الخطإ فيها أو إغفالها، وهو ما دفع المشرع إلى القول بحماية الغير حسن النية، وهو ما يصطلح عليه بـ مبدأ حجية التقييد في الرسم العقاري في مواجهة المقيد حسن النية .

    فمن بين القواعد القانونية التي أقرها المشرع العقاري و التي تكتسي أهمية قصوى هي حجية التقييد حيث أن كل مالم يقيد بالرسم العقاري من حقوق عينية لا يمكن الإحتجاج به في مواجهة الغير ولا يعتد به إلا عند تقييده، كما أنه لا يمكن المطالبة بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير حسن النية طبقا للفصل 66 من قانون 14-07، إذ لا يشطب على المقيد في الرسم العقاري إلا إذا كان تقييده قد تم بسوء نية .

    📗 خلاصة الباب

    • البطلان جزاء تخلف ركن من أركان العقد (الأهلية، الرضا، المحل، السبب) أو شرط شكلي أو تسليم في العقود العينية (الفصل 306).
    • العقد الباطل معدوم من الأصل: لا يقبل الإجازة ولا التصديق (الفصل 310)، ولا يحتاج لحكم قضائي منشئ بل كاشف فقط، ولكل ذي مصلحة التمسك به وللمحكمة إثارته تلقائياً.
    • بطلان الالتزام الأصلي يستتبع بطلان الالتزامات التابعة كالكفالة والرهن دون العكس (الفصل 307)، وبطلان جزء من الالتزام يبطله كله إلا إذا أمكن بقاؤه دون هذا الجزء (الفصل 308).
    • ترد استثناءات على انعدام أثر العقد الباطل: تحوّل التصرف (الفصل 309)، الزواج الفاسد بعد البناء، واكتساب الغير حسن النية حقاً عينياً استناداً إلى التسجيل العقاري أو الحيازة.

  • المحور 16 : السبب 62-65

    📖 نظرية العقد — الفصل 17 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 62 : ” الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن، يكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون.”

    الفصل 63 : ” يفترض في كل التزام أن له سببا حقيقيا ومشروعا ولو لم يذكر.”

    الفصل 64 : ” يفترض أن السبب المذكور هو السبب الحقيقي حتى يثبت العكس.”

    الفصل 65 : ” إذا ثبت أن السبب المذكور غير حقيقي أو غير مشروع، كان على من يدعي أن للالتزام سببا آخر مشروعا أن يقيم الدليل عليه.”

    ركن السبب هو الركن الرابع الذي نص عليه المشرع في الفصل 2 من ق ل ع، فهو الغرض الغائي (مشتق من الغاية) أو الهدف المباشر الذي يقصد الملتزم تحقيقه والذي من أجله تحمل بالالتزام عن طريق التعاقد، فيكون السبب جوابا للسؤال التالي : لماذا التزم المتعاقد ؟ ويختلف سبب العقد عن سبب الالتزام، فـسبب العقد يقاس بمعيار شخصي ذاتي، وهو الباعث والدافع الذي دفع بالشخص إلى التعاقد، أما سبب الالتزام فهو الغاية والقصد من وراء إنشاء الالتزام.

    هناك نظريتان في ركن السبب، النظرية الاولى لها مفهوم تقليدي ويقصد بالسبب فيها ذلك السبب المباشر سبب التزام الملتزم، كقبض الثمن بالنسبة لالتزام البائع وتملكه بالنسبة للمشتري، هذا المفهوم التقليدي يتسم بالطابع الموضوعي ولا دخل له بالبواعث النفسية، أما النظرية الثانية فلها مدلول غير مباشر وهي النظرية الحديثة، فهنا السبب يقصد به سبب العقد وليس سبب الالتزام، وسبب العقد له طابع شخصي، ففي العقد سبب الحصول على الثمن قد يكون السفر في رحلة أو أداء مصاريف عملية جراحية، لذلك فإن سبب العقد يتسم بطابع شخصي بينما سبب الالتزام له طابع موضوعي .

    شروط صحة ركن السبب

    أولا : أن يكون السبب موجودا

    وهو المقتضى الذي نص عليه الفصلان 2 و 62 من ق ل ع. فبالرجوع إلى الفصل 62 من ق ل ع نجده ينص على أن ” الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كان لم يكن”، إذ لا يمكن للإرادة أن تتحرك بدون سبب. كما ان الفصل 2 ينص على أن : ” الأركان اللازمة لصحة الالتزامات الناشئة عن التعبير عن الإرادة هي:

    • الأهلية للالتزام؛
    • تعبير صحيح عن الإرادة يقع على العناصر الأساسية للالتزام؛
    • شيء محقق يصلح لأن يكون محلا للالتزام؛
    • سبب مشروع للالتزام.”

    ثانيا : أن يكون السبب حقيقيا

    جاء في الفصل 64 : ” يفترض أن السبب المذكور هو السبب الحقيقي حتى يثبت العكس.”

    ويكون السبب غير حقيقي عندما يكون وهميا أو كاذبا بمعنى أن يكون صوريا يخفي سببا آخر، والالتزام الذي يقوم على سبب صوري لا يكون باطلا للصورية وإنما لأن هذا السبب الصوري يكون في غالب الاحيان غير مشروع، وعليه فيفترض في كل التزام أن يكون له سبب حقيقي، أما إذا كان السبب موهوما نتيجة الوقوع في غلط، ففي هذه الحالة يبطل العقد لان السبب كان موهوما و غير صحيح، بينما الصورية فهي لا تعتبر في حد ذاتها سببا للبطلان ما دام أن هناك سببا حقيقيا للعقد، ولا يبطل العقد في هذه الحالة إلا إذا كان السبب الحقيقي للعقد غير مشروع فيبطل لعدم مشروعية السبب.

    ثالثا : أن يكون السبب مشروعا

    إذ ينص الفصل 62 من ق ل ع على انه ” يفترض في كل التزام أن له سببا حقيقيا و مشروعا و لو لم يذكر”، و بالتالي فان مشروعية السبب هي مسالة محتملة إلى حين إثبات العكس، وعلى المدين الذي ينازع سبب الدين أن يقيم الدليل على ذلك بأية وسيلة من وسائل الاثبات، و هو الأمر الذي أشار إليه الفصل 65 من ق ل ع حين نص على انه ” إذا ثبت أن السبب المذكور غير حقيقي أو غير مشروع كان على من يدعي أن للالتزام سببا آخر مشروعا أن يقيم الدليل عليه”، والعقد الذي يكون سببه غير مشروع يكون مآله البطلان بناء على الفقرة الأولى من الفصل 62 من ق ل ع، و يكون السبب غير مشروع عندما يتعارض مع نص قانوني آو يكون مخالف للنظام العام و الآداب العامة، وهو ما يستفاد أيضا من الفقرة الثانية من الفصل 62.

    📗 خلاصة الباب

    • السبب هو الغاية المباشرة التي يقصد الملتزم تحقيقها، ويجب أن يكون موجوداً وحقيقياً ومشروعاً وإلا اعتُبر الالتزام كأن لم يكن (الفصل 62).
    • يُفترض في كل التزام وجود سبب حقيقي ومشروع ولو لم يُذكر (الفصل 63)، والسبب المذكور يُفترض أنه الحقيقي حتى يثبت العكس (الفصل 64).
    • الصورية في السبب لا تُبطل العقد بذاتها ما دام هناك سبب حقيقي مشروع خلفها؛ لا يبطل العقد إلا إذا كان السبب الحقيقي غير مشروع.
    • عبء إثبات وجود سبب حقيقي آخر مشروع يقع على من يدّعيه بعد ثبوت عدم صحة السبب المذكور (الفصل 65).

  • المحور 15 : المحل 57-61

    📖 نظرية العقد — الفصل 16 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 57 : ” الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلا للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة التعامل بشأنها.”

    الفصل 58 : ” الشيء الذي هو محل الالتزام يجب أن يكون معينا على الأقل بالنسبة إلى نوعه. ويسوغ أن يكون مقدار الشيء غير محدد إذا كان قابلا للتحديد فيما بعد.”

    الفصل 59 : ” يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئا أو عملا مستحيلا، إما بحسب طبيعته أو بحكم القانون.”

    الفصل 60 : ” المتعاقد الذي كان يعلم، أو كان عليه أن يعلم عند إبرام العقد، استحالة محل الالتزام يكون ملزما بالتعويض تجاه الطرف الآخر. ولا يخول التعويض إذا كان الطرف الآخر يعلم أو كان عليه أن يعلم أن محل الالتزام مستحيل.

    ويطبق نفس الحكم :

    • إذا كان المعقود عليه مستحيلا في البعض دون الباقي وصح العقد في ذلك الباقي
    • إذا كانت الالتزامات تخييرية وكان أحد الأشياء الموعود بها مستحيلا.

    الفصل 61 : ” يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا أو غير محقق فيما عدا الاستثناءات المقررة بمقتضى القانون. ومع ذلك لا يجوز التنازل عن تركة إنسان على قيد الحياة، ولا إجراء أي تعامل فيها أو في شيء مما تشتمل عليه ولو حصل برضاه. وكل تصرف مما سبق يقع باطلا بطلانا مطلقا.”

    المحل هو الركن الثالث الذي نص عليه المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود في الفصل الثاني منه، و نميز بين محل العقد الذي هو إنشاء التزامات بين المتعاقدين وبين محل الالتزام الذي هو عبارة عن أداء يجب أن يقوم به المدين لصالح الدائن وهو إما إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل، تبرز أهمية هذا التمييز عندما يكون محل العقد باطلا كما هو الامر في عقد بيع تركة وفق الفصل 61 بينما يكون محل الالتزام مشروعا مادام أن بيع الاشياء المستقبلية يجوز .

    نلاحظ أننا نقصد بالالتزام الالتزام الارادي على اعتبار أن الالتزام الناشئ عن العمل غي المشروع يتولى القضاء تعيين المحل فيه، كما نشير إلى التحولات التي شهدتها العقود المبرمة بين المهنيين والمستهلكين التي تشترط أن يتسم المحل بقدر من العدالة وعدم التفاوت الفاحش بين محل التزامات الطرفين تفاديا للغبن الاستغلالي الذي يعتبر من عيوب الرضا .

    أولا : ضرورة وجود محل للالتزام

    محل الالتزام هو إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، ولابد لقيام التزام تعاقدي من وجود محل، فهو ركن من أركان العقد فقد يحدث أن يتم التعاقد على التزام لا محل له كأن يكون الشيء أو الحق قد هلك أو انقضى قبل التعاقد ، كما في ايجار بناء تهدم قبل الايجار، أو بيع سفينة قد غرقت في البحر أو حوالة دين انقضى بالوفاء قبل الحوالة، في هذه الحالات ينتفي فيها وجود محل للالتزام فيقع الالتزام التعاقدي باطلا وبطلان الالتزام يفضي بالضرورة الى بطلان العقد، لكن يجب التمييز بين الحالة التي ينتفي فيها وجود محل للالتزام انتفاء كليا وبين الحالة التي يقع فيها الالتزام على محل غير موجود في الحال لكنه سيوجد في المستقبل، ففي الحالة الاولى يقع الالتزام باطلا أما في الحالة الثانية فحسب الفصل 61 : ” يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا أو غير محقق فيما عدا الاستثناءات المقررة بمقتضى القانون…”، والامثلة على ذلك عديدة كما في التزام المزارع ببيع محصول مستقبلي لم ينبت بعد، أو بيع منزل حتى قل وضع أي حجر فيه أو بيع بضاعة قبل صنعها.

    ولعل أبرز مثال على ذلك هو بيع السلم الذي نظمه المشرع المغربي من الفصول 613 الى 618 من ق ل ع والذي يعني بيع كمية من المنتجات قبل صنعها مع تعجيل المشتري بثمن البيع أو بجزء منه، نفس الأمر يسري في حق بيع العقار في طور الانجاز الذي نظمه المشرع المغربي بالقانون 44.00 المعدل بموجب قانون 107.12 .

    على أن الاموال الواردة في الفصل 61 يجب الاخذ بها بمدلولها الواسع ، كما قد يكون محل الالتزام معلقا على شرط كأن يشترط الأب على ابنه النجاح في الدراسة للحصول على جائزة، لكن الفصل 61 يشير إلى حالة استثنائية لا يجوز فيها الالتزام بناء على حق مستقبلي وهو التنازل عن التركة ، يضيف الفصل 61 : ” ومع ذلك لا يجوز التنازل عن تركة إنسان على قيد الحياة، ولا إجراء أي تعامل فيها أو في شيء مما تشتمل عليه ولو حصل برضاه. وكل تصرف مما سبق يقع باطلا بطلانا مطلقا.”

    ثانيا : شروط محل الالتزام

    يؤثر محل الالتزام على قيام العملية التعاقدية من حيث أن العقد لا ينعقد إلا إذا كان للالتزامات التي تنشأ عنه محل تتوافر فيه الشروط القانونية، فالقانون يتطلب وجود محل للالتزام، ثم يشترط في هذا المحل أن يكون مشروعا وممكنا ومعينا أو على الاقل قابلا للتعيين.

    أولا : أن يكون المحل مشروعا

    فالعقد لا يقوم إلا إذا كان محله مشروعا، ويكون المحل مشروعا عندما يكون مما يجوز التعامل به ثم يكون غير مخالف للنظام العام أو الآداب، أي أن يكون جوهر الشيء المتعاقد عليه داخلا في دائرة التعامل.

    1-أن يكون المحل مما يجوز التعامل به

    نص المشرع في الفصل 57 من ق ل ع على أن: ” الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلا للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة التعامل بشأنها.”

    والأشياء التي تخرج عن دائرة التعامل تنقسم إلى قسمين:

    أشياء تخرج عن دائرة التعامل بطبيعتها، وهي الأشياء التي يشترك كافة الناس في الانتفاع بها كما هو الشأن بالنسبة للشمس والهواء و البحر، ثم أشياء تخرج عن دائرة التعامل بحكم القانون، وهي التي لا يجيز القانون أن تكون محلا للإلتزام كالمخدرات.

    وبالرجوع إلى الفصل 484 من ق ل ع نجده ينص على انه ” يبطل بين المسلمين بيع الأشياء المعتبرة من النجاسات وفقا لشريعتهم مع استثناء الأشياء التي تجيز هذه الشريعة الاتجار فيها، كالأسمدة الحيوانية المستخدمة في أغراض الفلاحة”.

    و من الأشياء التي تخرج عن دائرة التعامل بحكم القانون نجد أيضا أملاك الدولة العامة التي لا يصح بيعها أو التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرفات لأنها مخصصة للمنفعة العامة، إلا انه بالرجوع إلى الواقع نجد إن الدولة قد تمنح رخصا باستغلال بعض الممتلكات العامة إلا أن هذا الأمر لا يعتبر إجازة للتصرف في الأموال العامة فهذه الأخيرة قد تمنح رخص لاستغلالها لكن لا يصح التصرف فيها تصرفات قانونية.

    يخرج أيضا من دائرة التعامل أعضاء جسم الانسان حيث نصت المادة 30 من قانون 16.98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء البشرية الذي عاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات كل من عرض معاملة تجارية بشأن أعضاء بشرية.

    2-أن يكون المحل غير مخالف للنظام العام والآداب العامة

    هذا المفهوم يختلف زمانا ومكانا، فما يكون من الآداب العامة في دولة ليس بالضرورة أن يكون كذلك في دولة أخرى، وما كان من الآداب العامة في زمن معين ليس بالضرورة أن يكون كذلك في زمن مغاير، فكراء بيت من أجل الدعارة أو المقامرة يعتبر عقد كرائه باطلا لمخالفته للنظام العام والآداب العامة.

    ثانيا : أن يكون المحل ممكنا

    بمعنى أن يكون جوهر العقد مما يمكن تحقيقه وهو المضمون الذي نستشفه من نص الفصل 59 من ق ل ع إذ ينص على انه ” يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئا أو عملا مستحيلا، إما بحسب الطبيعة أو بحكم القانون”، والاستحالة المقصودة هي الاستحالة المطلقة والتي تنقسم إلى استحالة طبيعية وأخرى قانونية، ومثال الأولى أن يلتزم جراح بإجراء عملية جراحية لمريض مات قبل العقد، ومثال الثانية أن يلتزم محامي بالطعن باستئناف حكم بعد انقضاء ميعاد الطعن بالاستئناف.

    أما إذا كان الشيء محقق الوقوع في المستقبل فيجوز أن يكون محلا للعقد كأن يبيع فلاح محصول أرضه الذي لا وجود له أثناء إبرام العقد، فان العقد يكون صحيحا على خلاف الأمر إذا كان المحل غير محقق الوقوع في المستقبل إذ يقع العقد باطلا.

    تجدر الإشارة أن الاستحالة المطلقة السابقة على انعقاد العقد تجعله باطلا، وإذا كانت لاحقة على انعقاد العقد جعلته قابلا للفسخ، بدون تعويض إذا كانت تلك الاستحالة راجعة لقوة قاهرة ومع تعويض إذا كانت الاستحالة ناتجة عن عمل مقصود، وإذا كان أحد الطرفين على علم باستحالة محل العقد أو من المفروض أن يعلم يجب أن يعوض الطرف الآخر، كالمحامي الذي يستأنف حكم موكله خارج الآجال القانونية.

    أما إذا كانت الاستحالة جزئية وبقيت أجزاء الاتفاق الاخرى صحيحة كان التعويض فقط في الجزء المتعلق بالاستحالة الجزئية، أما إذا كان الالتزام تخييريا وهو الالتزام الذي تبرأ ذمة المدين فيه إذا أدى واحدا منها، وكان أحد الاشياء الموعود بها مستحيلا بحيث يتعذر على الدائن ممارسة الاختيار، ففي هذه الحالة يجوز للدائن مطالبة المدين بالتعويض إذا كان المدين يعلم أو كان ينبغي أن يعلم استحالة الاشياء الموعود بها ما لم يكن الدائن يعلم أو كان ينبغي عليه أن يعلم.

    ثالثا : أن يكون المحل معينا أو قابلا للتعيين

    و قد نص على هذا الشرط الفصل 58 من ق ل ع بقوله ” الشيء الذي هو محل الالتزام يجب أن يكون معينا على الأقل بالنسبة إلى نوعه و يسوغ أن يكون مقدار الشيء غير محدد إذا كان قابلا للتحديد فيما بعد”.

    نميز هنا بين حالتين :

    الحالة الاولى : الالتزام بإعطاء شيء

    والتعيين بالنسبة للأشياء إما أن يكون تعيينا بالذات وإما تعيينا بالنوع، فالتعيين بالذات مثاله نقل حق عيني كأن يكون محل الالتزام أرضا مثلا وجب تعيينها بالموقع والحدود والمساحة والعنوان، أما تعيين الشيء بالنسبة لنوعه فيكون النوع صالحا لأن يوفى به الالتزام كتسليم كمية من الدقيق أو السكر، ففي هذه الحالة يتم تعيين الشيء بالنسبة إلى نوعه فقط، لكن لابد أن يتعين المقدار.

    الحالة الثانية : الالتزام بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل

    إذ يجب في هذه الحالة أن يعين العمل بدقة وبصورة تنفي الغموض بحيث يكون العقد مشتملا على العناصر تجعل محل الالتزام قابلا للتعيين، كان يتعهد مقاول ببناء بناية ويكون العقد متضمنا لبنود تكشف عن جميع مواصفات البناء، فإذا لم تذكر المواصفات أو لم تتوفر العناصر التي تجعل محل الالتزام قابلا للتعيين يبطل الالتزام لافتقاره لمحل مُعين ومحدد بدقة وبالتالي امتنع انعقاد العقد.

    📗 خلاصة الباب

    • محل الالتزام هو إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عنه، ويجب أن يكون مشروعاً (الفصل 57)، ممكناً (الفصل 59)، ومعيناً أو قابلاً للتعيين (الفصل 58).
    • يجوز أن يكون المحل شيئاً مستقبلاً كبيع السلم أو المحصول المستقبلي (الفصل 61)، لكن يُستثنى صراحة التعامل في تركة إنسان حي ولو برضاه.
    • الاستحالة المطلقة السابقة على العقد توجب البطلان، بينما اللاحقة عليه توجب الفسخ، مع تعويض إن كان أحد الطرفين عالماً بالاستحالة أو واجباً عليه العلم بها (الفصل 60).
    • تخرج عن دائرة التعامل أشياء بطبيعتها (كالهواء) وأشياء بحكم القانون (كالمخدرات وأعضاء جسم الإنسان)، مع خصوصية بيع النجاسات بين المسلمين (الفصل 484).

  • المحور 14 : الغبن 55-56

    📖 نظرية العقد — الفصل 15 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 54 ” أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القضاة.”

    الفصل 55 ” الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعد.”

    الفصل 56 ” الغَبْن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقا للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر. ويعتبر غَبْنا كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء.”

    الغبن هو التفاوت وانتفاء التوازن بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه مقابل ما يعطيه في عقود المعاوضة، مثال ذلك الشراء بثمن مبالغ فيه، فالمتعاقد المغبون يكون واهما مخدوعا في قيمة ما يأخذ فتكون إرادته معيبة بما يقرب الغلط أو التدليس، والاصل أن الغبن المجرد لا يخول الابطال، فحفاظا على استقرار المعاملات لا يتدخل القانون لتضييق الحرية الاقتصادية ولا يعطي حق طلب الابطال للراشدين الذين طالهم الغبن، فالقانون ليس من شأنه أن يحرص على التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين، بل هو يحرص فقط على التكافؤ القانوني وتكريس قيم العدالة وأن يكون كل من المتعاقدين حر الارادة، لكن هناك حالات خاصة ينهض الغبن فيها سببا للإبطال كما هو الحال بالنسبة للقاصرين وبالنسبة للراشدين عندما يقترن الغبن بتدليس.

    النظرية التقليدية للغبن

    يؤخذ هنا الغبن بنظرة مادية قاصرة ترتكز فقط على مجرد اختلال التوازن الاقتصادي للعقد، ويتميز الغبن وفق هذه النظرية بثلاثة خصائص هي:

    • أنه عيب مادي ذو طابع اقتصادي
    • أن نطاقه محصور في مجال العقود المحددة، حيث يعرف فيها مسبقا كل الطرفين مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي لحظة إبرام العقد وهذا يعني استبعاد العقود الاحتمالية وعقود التبرع.
    • أن الغبن لا يعتد به إلا إذا كان فاحشا.

    وبالرجوع إلى قانون الالتزامات و العقود يتضح أن المشرع المغربي لم يجعل من الغبن عيبا مستقلا كباقي العيوب الأخرى، مما يعني أنه يعتبر الغبن المجرد لا يخول طلب الإبطال، فالمتعاقدون ما داموا راشدين فهم أحرار في معاملاتهم، والقانون لا يتدخل إلا في الحالات التي يختل فيها التكافؤ القانوني بشكل يضر بأحد الأطراف ولا شأن له بالتوازن الاقتصادي، جاء في الفصل 55 : ” الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعد.”

    لكن هذا المبدأ العام ترد عليه استثناءات ينهض معها الغبن سببا لإبطال العقد في حالات محدودة بالنسبة للراشدين وفي جميع الحالات بالنسبة للقاصرين، بالنسبة للراشدين فالغبن يخول الإبطال إذا اقترن بتدليس صادر من المتعاقد الآخر أو نائبه، أما بالنسبة للقاصرين وناقصي الأهلية فمراعاة لمصلحتهم فقد قرر المشرع المغربي إبطال العقود المشوبة بالغبن ولو لم يكن مقترنا بالتدليس، ويتم هذا الإبطال حتى في الحالات التي يتعاقد فيها الطرف المغبون القاصر أو ناقص الأهلية بمعونة وصيه أو مساعده القضائي.

    تجدر الإشارة إلى أن المشرع قد علق حق المطالبة بالإبطال في هذه الحالة على شرط أن يتجاوز مقدار الغبن ثلث الفرق ما بين القيمة الحقيقة للشيء وقيمته المذكورة في العقد . فإذا اشترى قاصر منقولا بمبلغ 9000 درهم في حين أن قيمته الحقيقية هي 6000 درهم مثلا كان من حقه أن يطالب بإبطال هذا العقد ما دام قد تجاوز مقدار الغبن اللاحق به ثلث القيمة الحقيقة للشيء، جاء في الفصل 56 : ” الغَبْن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقا للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر. ويعتبر غَبْنا كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء.”

    النظرية الحديثة للغبن وموقف المشرع المغربي منها

    الغبن في إطار هذه النظرية هو استغلال يتحقق إذا أعطى الشخص أكثر من قيمة الشيء الشخصية نتيجة لحالته النفسية أو الصحية، فالعبرة هنا بالقيمة الشخصية لا بالقيمة المادية كما هو الشأن في الغبن المجرد، ويرتكز هذا الغبن المسمى الغبن الاستغلالي على عنصرين أحدهما موضوعي والآخر نفسي:

    العنصر الموضوعي :

    يتمثل في الاختلال الذي يحدث بين ما يعطيه المتعاقد و ما يأخذه، غير أن تقدير هذا الاختلال لا يعتمد على الأساس المادي كما في النظرية التقليدية بل يعتد بقيمة الشيء في نظر المتعاقد، بمعنى اعتماد المعيار الشخصي لا المادي، ويعود تقدير هذا الاختلال لقاضي الموضوع.

    العنصر النفسي :

    يقصد به أن أحد المتعاقدين يريد أن يستغل في العاقد المغبون حاجة أو طيشاً أو هوى أو عدم خبرة أو ضعف إدراك، فيتعاقد معه تعاقداً يلحق به غبنا فاحشا، والهوى هو الميل الجارف الذي يضعف الإرادة فتنقاد لحكمه بالاستسلام، فمن استغلت رغبة زوجها الجامحة في الزواج بزوجة ثانية وأبرمت معه عقودا وأخذت كل أمواله مستغلة رغبته تكون قد استغلت هوى جامحاً في زوجها، أما الطيش فهو الخفة والاندفاع وعدم تقدير العواقب، فالشاب الثري الطائش قد يقع في غبن فاحش، أما ضعف الإدراك فهو عدم الخبرة وسوء التقدير للأمور .

    ولا يوجد في قانون الالتزامات والعقود أي نص صريح في الغبن الاستغلالي باستثناء الفصل 54 من ق ل ع الذي نص على انه : ” أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القضاة.”

    بمعنى أنه لتقرير الإبطال في حالة المرض والحالات المشابهة انسجاما مع النظرية الحديثة لا بد من توفر شرطين:

    • أن يتعلق الأمر بعقد تم إبرامه تحت وطأة المرض أو الحاجة.
    • أن يرتبط الغبن بالاستغلال، فإثبات هذا الاستغلال هو السبب الأساسي لتقرير الإبطال.

    والفصل 54 جعل تقدير ذلك من اختصاص القضاة في إطار سلطتهم التقديرية .

    📗 خلاصة الباب

    • الغبن اختلال التوازن بين ما يأخذه المتعاقد وما يعطيه، والأصل أنه لا يخول الإبطال حفاظاً على استقرار المعاملات وحرية التعاقد.
    • بالنسبة للراشدين، لا يخول الغبن الإبطال إلا إذا اقترن بتدليس من الطرف الآخر أو نائبه (الفصل 55).
    • بالنسبة للقاصرين وناقصي الأهلية، يخول الغبن الإبطال ولو لم يقترن بتدليس، بشرط أن يتجاوز ثلث القيمة الحقيقية للشيء (الفصل 56).
    • النظرية الحديثة (الغبن الاستغلالي) تعتد باستغلال حاجة أو طيش أو ضعف إدراك المتعاقد، وتجد سنداً جزئياً في الفصل 54 المتعلق بحالة المرض المتروكة لتقدير القضاة.

  • المحور 13 : التدليس 52-53

    📖 نظرية العقد — الفصل 14 من 21 — فهرس الكتاب

    جاء في الفصل 52 من ق ل ع : ” التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر. ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به.”

    كما جاء في الفصل 53 من ق ل ع : ” التدليس الذي يقع على توابع الالتزام من غير أن يدفع إلى التحمل به لا يمنح إلا الحق في التعويض.”

    التدليس هو استعمال خديعة توقع الشخص في غلط يدفعه الى التعاقد، فالمتعاقد تحت التدليس يتعاقد تحت تأثير الوهم الدي دفعه الى التعاقد، هذا الوهم أو التدليس يؤدي الى الغلط والغلط يجعل الارادة مَعيبة، لكن الغلط هنا لا يكون تلقائيا يقع فيه المتعاقد من تلقاء نفسه، بل يكون نتيجة الاحتيال والتضليل من طرف المدلس، ويتحقق ذلك في صورتين إحداهما أن يذكر أحد المتعاقدين للآخر أموراً تشجعه على الإقدام على التعاقد وثانيهما أن يقوم بإجراءات فعلية تدفعه إلى التعاقد معه، من ذلك أن يعرض المشتري على البائع شراء قطعة أرضية ويظهر له تصاميم ودراسات مغلوطة تسمح بإقامة دار للسينما ثم يتبين لاحقا أن القطعة الارضية لا تصلح لإقامتها.

    تمييز التدليس عن الغلط

    التدليس أمر مدبر بليل يؤدي إلى الوهم الذي يتولد في ذهن المتعاقد، عكس الغلط حيث يظل فيه الوهم تلقائيا يقع فيه المتعاقد من تلقاء نفسه، كما أن المطالبة بإبطال العقد للغلط غير ممكنة إلا إذا ورد هذا الأخير على موضوعات محددة أوردها القانون على سبيل الحصر، في حين أن التدليس يخول لضحيته المطالبة بإبطال العقد أيا كان نوع الغلط الذي وقع فيه المُدَلس عليه بفعل التدليس.

    تمييز التدليس عن الغش

    يقترب الغش من التدليس في كون كل منهما يعتبر عملا غير مشروع ويخولان لضحيتهما المطالبة بالتعويض، لكن التدليس يحدث في مرحلة تكوين العقد ويقع في إطار العتاقد ويدفع الواقع فيه إلى التعاقد، أما الغش فيقع خارج نطاق تكوين التعاقد بل يحدث أثناء تنفيذ العقد، فيشتري الشخص مثلا الحليب ممزوجا بالماء عوض حليب صافي، فهذا غش، والغش لا يُبطل العقد، بل يُلزم مرتكبه بتنفيذ العقد تنفيذا وفق المقتضيات التي تم الاتفاق عليها في العقد أو يعطيه الحق للمطالبة بالتعويض .

    شروط تحقق التدليس

    ليكون العقد قابلا للإبطال للتدليس لابد من توافر ثلاثة شروط :

    الشرط الأول : استعمال المُدلس وسائل احتيالية لتضليل المُدلَس عليه

    هذا الشرط يتحلل إلى عنصرين، عنصر مادي وهو الطرق الاحتيالية، وعنصر معنوي وهو نية التضليل للوصول إلى غرض غير المشروع.

    العنصر المادي هو الطرق الاحتيالية، أي الأعمال والتصرفات التي تستعمل للتأثير على إرادة المتعاقد، ويتفاوت تأثير هذه الطرق بتفاوت ذكاء أو غباء الشخص المدلس عليه، فهناك من يصعب تدليسه وهناك من يسهل خداعه، والطرق الاحتيالية يجب أن تكون كافية للتضليل حسب حالة كل متعاقد، فالمعيار هنا معيار شخصي يتعلق بشخص المدلس عليه، من ذلك الكذب المعروف بين التجار في وصفهم الخيالي للمبيع فهو لا يعتبر تدليسا، لكن اذا طال هذا الكذب بيانات مهمة فهو تدليس، نفس الامر بالنسبة للكتمان بسوء نية، فالمتعاقد ليس ملزما من حيث المبدأ بالإفصاح عن كل ملابسات التعاقد، لكن السكوت والكتمان يمكن اعتبارهما طرقاً احتيالية إذا كان هناك التزام على عاتق المتعاقد بأن يُفصح عن معلومات لها أهميتها في التعاقد.

    أما العنصر المعنوي فيتمثل في نية التضليل للوصول إلى غرض غير مشروع، كالمؤمن له على حياته الذي يدلي بمعلومات خاطئة عن حالته الصحية للحصول على كسب غير مشروع من شركة التأمين، أما لو استعمل الدائن حيلة للحصول على دينه فلا يعتبر الامر تدليسا، كما لو لجأ الدائن إلى حيلة لأخذ رهن عيني يضمن به استيفاء دينه من مدين ظهرت بوادر إعساره .

    الشرط الثاني: أن تكون الوسائل الاحتيالية هي الدافع إلى التعاقد

    يجب أن تصل الطرق الاحتيالية حداً من الجسامة بحيث تؤثر في إرادة المتعاقد فتدفعه إلى التعاقد، بحيث لولاها لما أقدم على التعاقد مع الطرف الآخر، والقاضي يقدر ذلك وفقاً لحالة المتعاقد الشخصية مسترشداً بما تعارف عليه الناس في معاملاتهم، فالمعيار كما في كل عيوب الإرادة هو معيار شخصي مرن تراعى فيه حالة المتعاقد الشخصية.

    فالتدليس إذا لم يكن مؤثرا في إرادة المتعاقد بما يجعله هو الدافع الى التعاقد فالعقد يبقى صحيحا، وهذا ما جعل الفقهاء يميزون بين التدليس الدافع والتدليس العارض، فالأول هو الذي يحمل على التعاقد بحيث لولاه لما أقدم الشخص على التعاقد، والثاني هو الذي يتعلق بأمور ثانوية في العقد من غير أن يكون هو الدافع للتعاقد، فهو يحصل في الحالة التي يكون فيها الشخص عازما على التعاقد، مما يعني أن دور الوسائل الاحتيالية هو فقط دفع المتعاقد إلى القبول بشروط أقسى، فالتدليس العارض هنا لا يخول إبطال العقد بل يمنح ضحيته حق المطالبة بالتعويض المدني، ويبقى العقد صحيحا ومنتجا لكافة آثاره القانونية، مثال ذلك كما لو أبرز بائع عقد كراء صوري للمشتري المصمم على الشراء يظهر سومة كرائية عالية يرجو من خلالها انتزاع مكسب إضافي يتمثل في السماح له بعد عملية البيع بـجني الثمار، فهذا التدليس لا يجعل العقد قابلا للإبطال بل يعطي الحق للمدلس عليه المطالبة بالتعويض طبقا لقواعد المسؤولية التقصيرية بما انه كان مصمما على الشراء، فقط تم حرمانه من الثمار بناء على عقد كراء صوري خادع .

    الشرط الثالث : صدور الطرق الاحتيالية عن المتعاقد الاخر أو كونه على علم بها

    نص الفصل 52 على أنه : ” التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر. ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به.” فالأصل أن يصدر التدليس من أحد المتعاقدين أو من نائبه وهذا النوع من التدليس لا إشكال فيه حيث يجعل العقد قابلا للإبطال، لكن الإشكال يتعلق بالتدليس الصادر من الغير، فمن أجل التوفيق بين مبدأ سلطان الإرادة وضمان استقرار المعاملات فإن المشرع المغربي خول للمدلس عليه حق المطالبة بإبطال العقد وذلك في حالتين:

    الحالة الأولى تتعلق بتواطؤ المتعاقد المدلس أو نائبه مع الغير بغية الدفع بالمدلس عليه إلى التعاقد، فهنا يتحقق التدليس.

    والحالة الثانية تتعلق بكون المتعاقد الآخر يعلم بالتدليس الصادر من الغير وسكت عن الإفصاح عن ذلك مادام أنه مستفيد منه، لكن إذا لم يكن المتعاقد عالما بالتدليس الحاصل من الغير فإن المدلس عليه لا يمكنه الطعن في العقد للتدليس والمطالبة بالإبطال.

    📗 خلاصة الباب

    • التدليس استعمال حيل أو كتمان لدفع الطرف الآخر إلى التعاقد بما لولاه لما تعاقد (الفصل 52)، ويُميَّز عن الغلط بكونه احتيالاً مدبَّراً لا وهماً تلقائياً.
    • يُميَّز التدليس الدافع (يخول الإبطال) عن التدليس العارض المتعلق بأمور ثانوية (لا يخول سوى التعويض، الفصل 53).
    • شروط قيامه ثلاثة: وسائل احتيالية، كونها الدافع إلى التعاقد، وصدورها عن المتعاقد الآخر أو نائبه أو علمه بها إن صدرت من الغير.
    • يختلف التدليس عن الغش في أن الأول يقع عند تكوين العقد ويوجب الإبطال، بينما يقع الثاني عند التنفيذ ولا يمس صحة العقد بل يوجب التعويض فقط.

  • المحور 12 : الإكراه 46-51

    📖 نظرية العقد — الفصل 13 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 46 ” الإكراه إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه.”

    الفصل 47 ” الإكراه لا يخول إبطال الالتزام إلا: 1 – إذا كان هو السبب الدافع إليه. 2 – إذا قام على وقائع من طبيعتها أن تحدث لمن وقعت عليه إما ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا… أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير مع مراعاة السن والذكورة والأنوثة وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم.”

    الفصل 48 ” الخوف الناتج عن التهديد بالمطالبة القضائية أو عن الإجراءات القانونية الأخرى لا يخول الإبطال، إلا إذا استغلت حالة المتعاقد المهدد بحيث تنتزع منه فوائد مفرطة أو غير مستحقة وذلك ما لم يكن التهديد مصحوبا بوقائع تكون الإكراه بالمعنى الذي يقتضيه الفصل السابق.”

    الفصل 49 ” الإكراه يخول إبطال الالتزام وإن لم يباشره المتعاقد الذي وقع الاتفاق لمنفعته.”

    الفصل 50 ” الإكراه يخول الإبطال، ولو وقع على شخص يرتبط عن قرب مع المتعاقد بعلاقة الدم.”

    الفصل 51 ” الخوف الناشئ عن الاحترام لا يخول الإبطال، إلا إذا انضمت إليه تهديدات جسيمة أو أفعال مادية.”

    الإكراه ضغط غير مشروع يقع على إرادة الشخص فيبعث في نفسه رهبة تحمله على التعاقد، عرفه المشرع المغربي في الفصل 46 بقوله : ” الإكراه إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه”.

    الإكراه يصيب الارادة في أهم عنصر من عناصرها وهو الحرية لكنه يفسد الرضا ولا يُعدمه لذلك فالعقد يكون قابلا للإبطال، فالمكره لا يرغب في التعاقد بل هو مدفوع له دفعا، والمتعاقد تحت تأثير الرهبة انما تعاقد بإرادته، ولكن إرادته هاته لم تكن حرة من حيث أنه كان عليه إما أن يتحمل الاذى أو أن يتعاقد، فاختار التعاقد كأهون الشرين لدرء الضرر عنه، لذلك فالعقد المشوب بالإكراه لا يعتبر باطلا بل هو قابل للإبطال لعيب في إرادة المُكرَه.

    لكن يجب التمييز بين الإكراه المادي الذي يعدم الإرادة بحيث لا يدع مجالا للاختيار بالنسبة للشخص المتعاقد، وفي هذه الحالة فإن العقد يقع باطلا، أما الإكراه المعنوي فهو يقتصر على إفساد الإرادة دون أن يُعدمها ويمنح لضحيته حق التقدم الى المحكمة بطلب إبطال العقد.

    شروط تحقق الاكراه

    جاء في الفصل 47 من ق ل ع : ” الإكراه لا يخول إبطال الالتزام إلا:

    • إذا كان هو السبب الدافع إليه.
    • إذا قام على وقائع من طبيعتها أن تحدث لمن وقعت عليه إما ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير مع مراعاة السن والذكورة والأنوثة وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم.”

    الشرط الاول : استعمال وسيلة للضغط على الشخص

    لتتحقق فكرة الاكراه قانونا يجب أن تستعمل وسيلة للضغط على المكره فتسبب له ” ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا عميقا” م47 أي في الجسم أو المال أو النفس أو الشرف، تهديد بالضرب أو إثارة فضيحة أو خطف قريب، لكن النفوذ الادبي لا يبطل العقد وإن شكل إكراها نفسيا كالإكراه من الأب مثلا، جاء في الفصل 51 : ” الخوف الناشئ عن الاحترام لا يخول الابطال إلا إذا انضمت إليه تهديدات جسيمة أو أفعال مادية “، كما أن الاكراه الصادر من غير المتعاقدين يعتد به ويعتد أيضا بالإكراه الذي هيأت ظروفه مصادفة واستغلها أحد الطرفين، كأن ينقذ شخص شخصا مشترطا عليه مبلغا باهضا من المال.

    الشرط الثاني : كون الوسيلة المتبعة بعثت رهبة في نفس المكره

    فليست العبرة بوسيلة الاكراه بل بمدى إثارتها للرهبة في نفس المكره، جاء في الفصل 50 من ق ل ع : ” الاكراه يخول الابطال ولو وقع على شخص يرتبط عن قرب مع المتعاقد “، فمعيار جسامة الخطر معيار شخصي محض يعتد فيه بشخص المكره وظروفه، فيجب مراعاة السن والذكورة والأنوثة وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم، ولا يشترط أن يكون الخطر حقيقياً بل يكفي أن يكون كذلك من وجهة نظر المـُـكره، وتقدير جسامة الخطر وعظم الضرر وما تحدثه من رهبة في نفس المتعاقد هي من المسائل الواقعية التي يعود تقديرها إلى قاضي الموضوع، وكما قلنا المعيار هنا شخصي يتبع حالة المكره وظروفه المحيطة.

    الشرط الثالث : كون الرهبة المتولدة في نفس المكره هي الدافع إلى التعاقد

    فلا يهم الوسيلة سواء كانت مادية أو حسية بقدر ما يهم أثرها، أما إذا لم يكن الاكراه هو الدافع إلى التعاقد بل ساهم فقط بالتعجيل به فإنه لا يشكل عيبا في الارادة بل يعتبر عملا غير مشروع يتطلب التعويض، جاء في الفصل 47 : ” .. إذا كان هو السبب الدافع إليه..”

    الشرط الرابع : كون المقصود من الرهبة المتولدة في نفس المكره تحقيق غرض غير مشروع

    لا فرق هنا بين وسيلة مشروعة وغير مشروعة في الاكراه، بل المقصود هنا هو أن يكون الغرض من وراء الاكراه غير مشروع، أما إذا كان الاكراه يهدف إلى غرض مشروع فلا إكراه هنا حتى ولو كانت الوسيلة غير مشروعة، وقد تكون الوسيلة مشروعة والغرض غير مشروع مثال ذلك المطالبة القضائية لإرغام الاخر على دفع ثمن أكبر، جاء في الفصل 48 من ق ل ع : ” الخوف الناتج عن التهديد بالمطالبة القضائية أو عن الإجراءات القانونية الأخرى لا يخول الإبطال، إلا إذا استغلت حالة المتعاقد المهدد بحيث تنتزع منه فوائد مفرطة أو غير مستحقة…”، هكذا يتحقق الاكراه إذا استخدم شخص وسيلة مشروعة كالتهديد بالمطالبة القضائية من أجل الوصول إلى هدف غير مشروع أو كأن يهدد دائن مدينه بشهر إفلاسه أو بسلوك مسطرة الحجز إذا لم يؤد أكثر مما هو مطلوب منه، أو كأن يفاجئ المشتري البائع وهو يغش فيهدده بالمتابعة الجنائية إذا لم يدفع له مبلغا طائلا، أو كأن يهدد أحد الزوجين الاخر بأن يرفع عليه دعوى خيانة زوجية إذا لم يدفع له مبلغ من المال ، خلاصة القول نتحدث هنا عن 4 حالات :

    استعمال وسائل غير مشروعة لتحقيق غرض غير مشروع، يتحقق الإكراه.

    استعمال وسيلة مشروعة والغرض غير مشروع، يتحقق الإكراه.

    استعمال وسيلة مشروعة والغرض مشروع فلا يتحقق الإكراه، كأن يهدد الدائن مدينه بالتنفيذ على أمواله إذا لم يقدم له رهنا على عين معينة.

    استعمال وسيلة غير مشروعة والغرض مشروع، كما لو هددت زوجة زوجها المتقاعس عن الإنفاق عليها بأخذ أبنائه إذا لم يبادر بالالتزام بواجبه في النفقة، أو كما لو هددت امرأة رجلا عاشرها مدة من الزمن بالتشهير به إذا لم يعوضها عن مدة المعاشرة، لكن يشترط هنا أن لا يصل الأمر إلى اعتباره جريمة وفق القانون الجنائي فإذا كان الفعل يرقى إلى درجة العمل الجرمي تحقق الاكراه ويمكن بالتالي إبطال العقد.

    📗 خلاصة الباب

    • الإكراه إجبار غير مشروع يحمل شخصاً على التعاقد رغم إرادته (الفصل 46)؛ يُميَّز بين الإكراه المادي المُعدِم للإرادة (يوجب البطلان) والإكراه المعنوي المُفسِد لها فقط (يوجب الإبطال).
    • شروط تحقق الإكراه أربعة: استعمال وسيلة ضغط، إحداثها رهبة حقيقية في نفس المُكرَه، كونها الدافع إلى التعاقد، واستهداف غرض غير مشروع (الفصل 47).
    • التهديد بإجراء قانوني مشروع كالمطالبة القضائية لا يشكل إكراهاً إلا إذا استُغل لانتزاع فائدة مفرطة غير مستحقة (الفصل 48).
    • لا يشترط صدور الإكراه من المتعاقد المستفيد نفسه (الفصل 49)، ويكفي وقوعه على شخص وثيق الصلة بالمتعاقد (الفصل 50).

  • المحور 11 : الغلط 40-45

    📖 نظرية العقد — الفصل 12 من 21 — فهرس الكتاب

    في المحاور الاربعة اللاحقة سنتحدث عن عيوب الارادة وهي الغلط والاكراه والتدليس والغبن، وقبل ذلك لابد من التمييز بين الحالة التي يكون فيها الرضى مفقودا وبين الحالة التي يكون فيها الرضى موجودا لكنه معيب، ففي الحالة الاولى كما لو كان المتعاقد غير مميز كان الرضى مفقودا وبذلك يفقد العقد ركنا من أركان انعقاده فيقع بطلا ، أما في الحالة الثانية عند وجود الرضى لكنه كان معيبا بأحد عيوب الرضى فيكون العقد مستجمعا كافة اركانه ويكون منعقدا لكن بما أن الارادة قد عيبت فيكون العقد قابلا للإبطال لمصلحة من عيبت إرادته، ونحن في المحاور اللاحقة سنقتصر على دراسة عيوب الرضى التي خصها المشرع المغربي من الفصول 39 الى 56 .

    جاء في الفصل 39 من ق ل ع : ” يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط، أو الناتج عن تدليس، أو المنتزع بإكراه.”

    ويعتبر الغلط واحدا من عيوب الرضا اضافة الى التدليس او الاكراه او أو الغبن، ويعرف بأنه توهم يصور لشخص معين الواقع على غير حقيقته ويدفعه الى التعاقد، هذا الغلط يصيب الارادة فيوجهها وجهة تخالف ما تخيله المتعاقد عند إبرام العقد، فالغلط إذن يصيب الارادة عند ابرام العقد وليس بعده، فيتوهم المتعاقد أمرا ويقوم بناء على ذلك الوهم بالتعاقد، لكن سرعان ما تتبين له الحقيقة ويكتشف الغلط الذي وقع فيه.

    الغلط بين النظرية التقليدية والحديثة

    الغلط في النظرية التقليدية

    الغلط المانع

    وهو غلط يقع في ماهية العقد أو في ذاتية محل العقد أو في سبب الالتزام المترتب على العقد، هذا النوع من الغلط يعدم الإرادة كليا فيجعل من العقد باطلاً بطلانا مطلقا، كأن يعطي شخص لآخر نقوداً على أنها عقد قرض وأخذها الآخر على إنها عقد هبة، والغلط في ذاتية المحل مثاله أن شخص يملك سيارتين من نوعين مختلفين فباع إحداهما والمشتري يعتقد أنه اشترى الأخرى، أما الغلط في سبب الالتزام فمثاله أن يتعهد شخص بأن يسلم شيئا موصى له إلى شخص آخر ثم يتبين له أن الوصية ملغاة.

    الغلط المؤثر المسبب للإبطال

    هذا الغلط يعيب الإرادة فيجعل العقد قابلا للإبطال، كما في حالتي الغلط الواقع على مادة الشيء التي كانت الدافع للتعاقد كأن يشترى شخص قطعة أرضية لاعتقاده أنها صالحة للبناء في حين أنها ليست كذلك، ثم الغلط الواقع على هوية الشخص متى كانت هويته محل اعتبار في العقد كأن يتعاقد مريض مع طبيب لإجراء عملية جراحية معتقدا بأنه الجراح الشهير، فإذا به طبيب آخر لكنه يحمل نفس الاسم.

    الغلط غير المجدي

    هذا النوع من الغلط لا يؤثر على سلامة إرادة المتعاقد ولا في صحة العقد وذلك كالغلط في القيمة والغلط في الباعث الحافز للتعاقد.

    الغلط في النظرية الحديثة

    أهم ما يميز هذه النظرية هو كونها ألغت التقسيمات التي اعتمدتها النظرية التقليدية، فقد استبعدت الغلط المانع كما ألغت التفرقة المادية بين غلط منتج وغلط غير منتج، هذه النظرية وعلى عكس التقليدية تبنت معيارا ذاتيا مرنا، فكلما كان الغلط جوهريا دافعا إلى التعاقد سواء تعلق الأمر بالغلط في القيمة أو بالباعث أو في مادة الشيء أو صفة فيه كان العقد قابلا للإبطال، فعملية تكييف الغلط متروكة لتقدير القضاة، والغلط الواحد قد يكون عيبا في الإرادة لبعض الأشخاص دون البعض الآخر، فالعبرة بأثر الغلط على الرضا وليس بالأمر محل الغلط ولهذا يطلق عليها النظرية الشخصية للغلط.

    صور الغلط

    * الغلط في صفة جوهرية في الشيء

    * الغلط في شخص المتعاقد

    * الغلط في القيمة

    * الغلط في الباعث

    * الغلط في القانون

    الغلط وفق قانون الالتزامات والعقود المغربي

    تناول المشرع المغربي حالات الغلط في ظل الفصول من 40 الى 45 من قانون الالتزامات والعقود، ويمكن القول أنه ميز بين أنواع الغلط بنفس منطق النظرة التقليدية تقريبا مع الأخذ بالنظرية الحديثة في الفصل 40 الذي جعل الغلط مؤديا الى الابطال كلما كان جوهريا ودافعا الى التعاقد، والفصل 44 الذي جاء فيه : ” على القضاة، عند تقدير الغلط أو الجهل، سواء تعلق بالقانون أم بالواقع، أن يراعوا ظروف الحال، وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا”.

    هكذا نجد أن المشرع المغربي زاوج بين النظريتين التقليدية والحديثة، فمن مظاهر تأثره بالنظرية الحديثة عدم إدراجه للغلط المانع ضمن أنواع الغلط، فضلا عن اشتراطه أن يكون الغلط هو الدافع للتعاقد سواء كان غلطا في القانون أو الواقع، ومن مظاهر ميله للنظرية التقليدية أنه قسم الغلط إلى منتج وغير منتج من جهة وغلط في القانون وغلط في الواقع من جهة أخرى، مما يعني أن الغلط حتى ولو كان جوهريا مؤثرا في نفسية المتعاقد دافعا له إلى التعاقد، فقد لا يخول ضحيته حق إبطال العقد كما إذا وقع على القيمة لأن مكان الاعتداد بالحيف الحاصل في القيمة هو نظرية الغبن متى توافرت شروطه.

    وهناك ملاحظة أخرى تتعلق بحديث المشرع المغربي عن الفسخ عوض الإبطال، والحال أن جزاء العقد المشوب بالغلط هو الإبطال وليس الفسخ وهو نفس الحكم الذي قرره المشرع بشأن عيوب الإرادة، في حين أن الفسخ هو جزاء يترتب عن إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماتهما.

    المشرع المغربي ميز بين الغلط المنتج والغلط غير المنتج تأثرا بالمدرسة التقليدية في الغلط فجعل من الغلط المنتج سببا للإبطال بينما لم يجعل ذلك للغلط غير المنتج ، جاء في الفصل 41 من ق ل ع : ” يخول الغلط الإبطال، إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى.”

    أما الفصل 42 فقد جاء فيه : ” الغلط الواقع على شخص أحد المتعاقدين أو على صفته، لا يخول الفسخ إلا إذا كان هذا الشخص أو هذه الصفة أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضى من المتعاقد الآخر.”

    أما الفصل 45 فقد تحدث عن الغلط المنتج الصادر من الوسيط حيث نص على أنه : ” إذا وقع الغلط من الوسيط الذي استخدمه أحد المتعاقدين، كان لهذا المتعاقد أن يطلب فسخ الالتزام في الأحوال المنصوص عليها في الفصلين 41 و42 السابقين وذلك دون إخلال بالقواعد العامة المتعلقة بالخطأ ولا بحكم الفصل 430 في الحالة الخاصة بالبرقيات”.

    أولا : الغلط في القانون

    نشير هنا إلى أن القواعد القانونية الآمرة لا يجوز طلب الابطال للغلط فيها، بينما يجوز ذلك في القواعد القانونية المكملة، فلا يعذر أحد بجهله للقانون كي لا يستطيع أحد التملص من الإلتزامات الواقعة عليه بذريعة جهله للقانون.

    والغلط في القانون يقع على حكم من أحكام القانون في أمر من أمور التصرف القانوني، فهو توهم المتعاقد قاعدة قانونية على خلاف حقيقة حكمها وهو الأمر الذي يخول له الابطال، وهذا لا يتعارض مع القاعدة المعروفة لا يعذر أحد بجهله للقانون التي تعني عدم جواز التهرب من تطبيق القانون، ومثال ذلك أن يتنازل شخص معين عن نصيبه من تركة معتقدا أن نصيبه الربع بينما نصيبه النصف، هذا المقتضى نص عليه الفصل 40 من ق ل ع بقوله : ” الغلط في القانون يخول إبطال الالتزام :1 – إذا كان هو السبب الوحيد أو الأساسي؛ 2 – إذا أمكن العذر عنه.”

    لكن بالرغم من تحقق الشروط السالفة الذكر إلا أن المشرع المغربي لا يجيز أحيانا الاعتداد بالغلط في القانون كمبرر للإبطال، مثال ذلك ما جاء في الفصل 1112 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون، ولا يجوز الطعن فيه بسبب الغَبْن إلا في حالة التدليس.”

    شروط الابطال للغلط في القانون (الفصل 40)

    • أن يكون الغلط في القانون هو السبب الرئيس للتعاقد فلو تكشف له الغلط امتنع عن التعاقد.
    • ان يكون مما يعذر عنه كأن يكون أميا أو ليس على دراية بالميدان.
    • أن لا يوجد نص قانوني يحول دون الابطال، فمن أدى دينا متقادما بالغلط فلا يسترجعه الفصل 73.

    ثانيا : الغلط في الواقع

    • الغلط في مادة الشيء ونوعه

    جاء في الفصل 41 : ” يخول الغلط الإبطال، إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى.”

    مادة الشيء عبر عنها المشرع بذاتية الشيء وقد أخفق في التعبير حيث أن الغلط في ذاتية الشيء تسبب البطلان وليس الابطال لأنه صورة من صور الغلط المانع.

    الغلط في مادة الشيء مثلا شراء خاتم من نحاس مطلي بالذهب عوض شراء خاتم من الذهب، صفة مثلا آنية غير أثرية عوض آنية أثرية، أما النوع مثلا رديء عوض ممتاز، ويتم إبطال العقد إذا كان الغلط مشتركا بين الطرفين أو كان أحدهما فقط على علم بالعيب وكان سيء النية فلم ينبه الطرف الاخر.

    • الغلط في شخص المتعاقد او صفة فيه

    خاصة في العقود التي تقوم على اساس الاعتبار الشخصي كالهبة والوكالة والمقاولة وشركات الاشخاص والكراء، ويجب ان تكون الصفة جوهرية في الشخص كما نص على ذلك الفصل 42 : ” الغلط الواقع على شخص أحد المتعاقدين أو على صفته، لا يخول الفسخ إلا إذا كان هذا الشخص أو هذه الصفة أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضى من المتعاقد الآخر.”، لذلك فإن الغلط في الشخص أو صفة فيه يعيب الارادة ويكون سببا في الابطال لكن مع شرط مهم وهي أن تكون هذه الصفة أو ذات الشخص هي الدافع إلى التعاقد ، ومن أمثلة ذلك أن يتعاقد المريض مع طبيب لخبرته الطويلة ثم يتبين له أن تعاقد مع طبيب آخر أو أن يهب شخص مالا لشخص قريب ثم يتبين له انه غير ذلك أو يكري شخص بيتا لامرأة على أساس أنها امرأة شريفة ثم يتبين أنها فاسدة السلوك، ويعود أمر تقدير ما إذا كانت ذات الشخص أو صفته محل اعتبار لدى التعاقد من مهام القاضي حسب كل قضية، جاء في الفصل 44 : “على القضاة، عند تقدير الغلط أو الجهل، سواء تعلق بالقانون أم بالواقع، أن يراعوا ظروف الحال، وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا”.

    • الغلط الواقع من الوسيط

    اعتبر الفصل 45 من ق ل ع أن الغلط الواقع من الوسيط كالغلط الحاصل من المتعاقد نفسه مادام أن دور الوسيط يقتصر فقط على نقل إرادة الموجب إلى القابل، فإذا تمسك المُرسل بالغلط لطلب الابطال يمكن ان يطالب المتعاقد الاخر بالتعويض الذي قد يكون الزاما بالعقد ويكون للمرسل ان يرجع على الوسيط بما أداه وبهذا يصبح الوسيط مسؤولا ازاء احد المتعاقدين، جاء في الفصل 45 : ” إذا وقع الغلط من الوسيط الذي استخدمه أحد المتعاقدين، كان لهذا المتعاقد أن يطلب فسخ الالتزام في الأحوال المنصوص عليها في الفصلين 41 و42 السابقين وذلك دون إخلال بالقواعد العامة المتعلقة بالخطأ…” وعليه فإذا كلف شخص وسيطا بالتعاقد مع مهندس فإذا بالوسيط يتعاقد مع مهندس آخر فيجوز للمرسل أن أن يعتد بالغلط ويطالب بإبطال العقد، لكن في حالة وقوع خطإ من الوسيط فإن هذا الوسيط يلزم بتعويض المضرور عن الضرر الذي سببه وفق المبادئ العامة للمسؤولية في الفصل77 من ق ل ع .

    الغـلط غير المنتج

    هو الغلط الذي لا يؤثر في صحة العقد ولا يعتبر معيبا للإرادة كالغلط الذي في الحساب حيث لا يخول الابطال من ذلك :

    • الغلط في القيمة : الفرق الفاحش بين المبيع والثمن، يعد مظهرا من مظاهر الغبن لكن إذا اقترن بتدليس.
    • الغلط في الباعث : كسبب غير مباشر لا ينهض عنه سبب لاحق في الابطال.

    📗 خلاصة الباب

    • الغلط توهم يدفع المتعاقد للتعاقد على غير حقيقة الواقع؛ ميّز المشرع بين الغلط المنتج المخوِّل للإبطال (في ذات الشيء أو نوعه أو صفته الجوهرية، أو في شخص المتعاقد إذا كانت شخصيته محل اعتبار) والغلط غير المنتج (في القيمة أو الباعث أو الحساب).
    • الغلط في القانون يخول الإبطال بشرطين: أن يكون السبب الوحيد أو الأساسي للتعاقد، وأن يكون معذوراً (الفصل 40)، مع استثناء عدم جواز الطعن في الصلح بغلط في القانون (الفصل 1112).
    • غلط الوسيط يُعامَل معاملة غلط المتعاقد نفسه (الفصل 45)، مع بقاء إمكانية رجوع المتعاقد على الوسيط المخطئ.
    • أخطاء الحساب المجردة لا تخول الإبطال بل مجرد التصحيح (الفصل 43).

  • المحور 10 : الرضا 14-56

    📖 نظرية العقد — الفصل 11 من 21 — فهرس الكتاب

    المقصود بالتراضي انصراف إرادة أطراف العقد إلى الاثار القانونية المرغوبة، أو لنقل هو تطابق الايجاب مع القبول كتعبير عن إرادتي طرفي العقد، لذلك فركن الرضا هو الركن الأساسي الذي لا يقوم العقد بدونه، جاء في الفصل 2 من ق ل ع ” تعبير صحيح عن الإرادة يقع على العناصر الأساسية للالتزام ”، لذلك لقيام الرضا لا بد أن توجد إرادة لدى المتعاقدين، عرف الفقه الرضا بأنه توافق إرادتي المتعاقدين على إحداث الأثر القانوني المتوخى من العقد، هذا التوافق يتحقق قانونا بتبادل التعبير عن إرادتين متطابقتين تكون بصدور إيجاب متضمن لعرض موجه من شخص لأخر وصدور قبول مطابق للإيجاب صادر من القابل الذي وجه إليه الإيجاب، وبذلك يقترن القبول بالإيجاب ويحصل التراضي فيتم العقد، وبالتالي فإنشاء العقد يُفترض فيه وجود طرفين احدهما موجب و الأخر قابل، أما حالة وجود إرادة واحدة كافية بذاتها لإنشاء الالتزام فان مصدر هذا الالتزام في هذه الحالة هو الإرادة المنفردة ولا يكون مصدره هو العقد بالمعنى الصحيح للعقد، كما هو الشأن لعقد الهبة أو الصدقة.

    لكن التراضي غير كاف للقول بوجود عقد صحيح و إنما يتوجب أن يكون هذا التراضي صادرا عن شخص يكون أهلا للتعبير عن هذا التصرف و تتحقق هذه الحالة عندما تكون إرادة الطرفين سليمة من العيوب التي تفسدها والمتمثلة في الإكراه و الغلط و التدليس والغبن و المرض و الحالات المشابهة كما هي منظمة في ق ل ع من الفصل 39 إلى الفصل 56 ، والتعبير عن الإرادة قد يكون بطريقة مباشرة كما قد يكون بطريقة ضمنية كما هو الحال بالنسبة ” لسائق سيارة الأجرة الذي يقف بسيارته في الموقف المخصص لهذا النوع من السيارات إذ يعبر بتصرفه هذا عن إرادته في إبرام عقد نقل مع من يتقدم إليه.

    القاعدة أنه لا يشترط أن يتم التعبير عن الإرادة في شكل محدد وإنما يمكن أن يتم بكل ما يدل على وجودها كالكتابة واللفظ الشفوي أو بالإشارة، ومبدأ حرية التعبير عن الإرادة يستلزم أن يكون تعبيرا صحيحا عن الإرادة، كما يجب أن ينصب هذا التعبير على العناصر الأساسية للالتزام فحتى نكون أمام عقد بيع صحيح لا بد أن يتم الاتفاق بين البائع والمشتري بخصوص هذه العناصر كاملة.

    أولا : كيفية التعبير عن الإرادة، التعبير الصريح والتعبير الضمني

    التعبير الصريح عن الإرادة : هو الذي يعكس إرادة صاحبه بطريقة مباشرة ومن غير حاجة لإعمال الفكر أو الاستنتاج، ويتم هذا التعبير باللفظ أو الكتابة أو الإشارة المتداولة عرفا، وقد يتم التعبير الصريح عن الإرادة باتخاذ موقف معين لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على حقيقة المقصود.

    التعبير الضمني عن الإرادة : التعبير الضمني هو الذي لا يكون بذاته تعبيرا عن الإرادة بشكل صريح وإنما يستدل عليه بطريقة غير مباشرة بعد إعمال الفكر في الاستنتاج والتفسير واستنباط دلالة التعبير في ضوء ظروف الحال.

    السكوت كتعبير عن الارادة

    لا يتصور ذلك في الايجاب، فالإيجاب لا يكون أبدا سكوتا، لكن يُتصور ذلك في القبول عندما تحفه ظروف معينة تدل عليه، فالسكوت كما قال الفقهاء في معرض الحاجة الى البيان بيان، كذلك نصت الفصل 25 على أن السكوت يدل على القبول إذا كانت بين المتعاقدين معاملات سابقة، نضيف للحالتين السابقتين وهما ظروف الحال و المعاملات السابقة حالة أخرى وهي حالة ما إذا كان الايجاب لمصلحة من عرض عليه فأجاب بالسكوت كالإعفاء من الفوائد، لكن تبقى القاعدة العامة أن السكوت لا يصلح تعبيرا على الارادة.

    إذن السكوت باعتباره حالة سلبية لا يمكن أن يدل دلالة ضمنية عن الإيجاب الذي يعتبر موقفا إيجابيا متمثلا في عرض بات للتعاقد، أما بالنسبة للقبول فيتعين التمييز بين حالتين، الحالة التي يكون فيها السكوت مجردا أي غير مقترن بظروف من شأنها أن تفصح عن دلالته وفي هذه الحالة لا يصلح السكوت تعبيرا عن القبول، أما الحالة التي يكون فيها السكوت مقترنا بظروف تسمح بأن يستنتج منه القبول بشكل واضح لا غموض فيه يعتبر السكوت حينها تعبيرا عن إرادة القابل، وقد أخذ المشرع المغربي بالسكوت الملابس تعبيرا عن الإرادة في حالات نص عليها ق ل ع ، ويعتبر الرد مطابقا للإيجاب إذا اكتفى المجيب بقول “قبلت” أو نفذ العقد بدون تحفظ .

    إذن السكوت لا يصلح تعبيرا عن الارادة مع استثناءات جاءت في ق ل ع :

    الاستثناء الاول

    جاء في الفصل 25 من ق ل ع : ” عندما يكون الرد بالقبول غير مطلوب من الموجب، أو عندما لا يقتضيه العرف التجاري فإن العقد يتم بمجرد شروع الطرف الآخر في تنفيذه. ويكون السكوت عن الرد بمثابة القبول، إذا تعلق الإيجاب بمعاملات سابقة بدأت فعلا بين الطرفين.”، هنا اعتبر المشرع السكوت بمثابة قبول إذا تعلق الإيجاب بمعاملات سابقة بدأت فعلا بين المتعاقدين، كأن يعتاد صاحب مصنع على تمويل بائع الجملة بمجموعة من البضائع بشكل دوري .

    الاستثناء الثاني

    جاء في الفصل 28 من ق ل ع : ” يعتبر الرد مطابقا للإيجاب إذا اكتفى المجيب بقوله قبلت أو نفذ العقد بدون تحفظ.”، مفاد ذلك أن الشخص الذي يقبل تنفيذ العقد دون تحفظ يعتبر قابلا للعرض بمعنى أنه في هذه الحالة الطرف الأخر الموجه إليه الإيجاب لا يصدر أي تعبير عنه بالقبول وإنما يبادر بتنفيذ العقد وهذا التنفيذ بحد ذاته يعتبر قبولا للتعاقد، كأن يعرض شخص على شخص آخر شراء بضاعة معينة فيقوم هذا الأخير بأداء الثمن دون أن يصرح بالقبول بكيفية صريحة باللفظ او بالكتابة هذا الأداء يعتبر بمثابة قبول.

    الاستثناء الثالث

    جاء في الفصل 38 من ق ل ع : ” يسوغ استنتاج الرضى أو الإقرار من السكوت، إذا كان الشخص الذي يحصل التصرف في حقوقه حاضرا أو أعلم بحصوله على وجه سليم، ولم يعترض عليه من غير أن يكون هناك سبب مشروع يبرر سكوته. “، يفيد هذا الفصل على أنه إذا كان هناك شخص معين حاضر وكان هنالك ما يمس حقوقه كحقه في شيء محل صفقة البيع ولم يعترض على هذا العقد، فالسكوت يعتبر قبولا لهذا العقد.

    الاستثناء الرابع

    إذا كان الايجاب لصالح من وُجه إليه، كما لو كان الايجاب تضمن هبة أو إعفاء من الفوائد أو عرض زواج من شخص غني فالسكوت هنا يعتبر قبولا لأنه تمخض عن منفعة لمن وجه إليه الايجاب.

    الارادة الباطنة والإرادة الظاهرة

    الاصل ان العقد لا يعتد به قانونا إلا إذا تم التعبير عنه بما لا يدع مجالا للِشك في انصراف إرادة أطرافه الى الغرض المقصود منه، حيث يتوجب توافق الارادة الظاهرة مع الارادة الباطنة، لكن قد نصادف انه لا تتوافق فيه الارادتين، وقد ظهرت هنا نظريتان ، نظرية المدرسة اللاتينية التي تأخذ بالإرادة الباطنة، ثم نظرية المدرسة الجرمانية التي تأخذ بالإرادة الظاهرة، على أساس مبدأ استقرار المعاملات ذلك أن الارادة الباطنة لا يعتد بها لعدم امكانية مخالجة ضمير الانسان لمعرفتها، وقد أخذ المشرع المغربي بكلا النظريتين فقد جاء في الفصل 21 من ق ل ع : ” التحفظات والقيود التي لم تنه إلى علم الطرف الآخر لا تنقص ولا تقيد آثار التعبير عن الإرادة المستفادة من ظاهر اللفظ.”، وكما جاء في الفصل 461 ” إذا كانت ألفاظ العقد صريحة، امتنع البحث عن قصد صاحبها.”

    ثانيا : كيفية حصول التراضي

    التراضي لا يتم الا بصدور الايجاب و القبول من طرفي العقد، وقد يكون التطابق بين الايجاب و القبول في مجلس العقد و قد لا يكون ان غاب احد الطرفين عن المجلس.

    الايجاب

    هو تعبير عن إرادة منفردة صادرة من طرف شخص إلى الغير سواء لشخص واحد أو عدة أشخاص قصد التعاقد معه، هنا يعبر الشخص عن إرادته في التعاقد عن طريق التعبير الصريح أو التعبير الضمني، فالتاجر الذي يعرض سلعة عليها ثمن للعموم يعتبر ايجابا .

    تمييز الإيجاب عن المفاوضات التمهيدية : المفاوضات تعتبر بمثابة خطوة نحو الإيجاب فقط دون أن يكون لها دور حاسم في إبرام العقد، وهي قد تطول وقد تقصر حسب أهمية موضوع العقد.

    تمييز الإيجاب عن الدعوة الى التعاقد: هذه الدعوة قد تأتي على شكل إعلان يُعرب فيه شخص عن رغبته في التعاقد مع إطار معين يحمل شهادة معينة ويقبل بأجر معين، وقد تأتي على شكل نشرات تصدرها شركات سياحية تعلن فيها عن برامج لرحلات بتعريفة محددة مسبقا، نفس الامر بالنسبة للدعوة إلى المشاركة في مناقصة أو مزايدة، فهذه الإعلانات والدعوات لا تنطوي على إيجاب في إبرام العقد وإنما هي مجرد دعوة إلى التعاقد حتى ولو تضمنت الأركان والشروط الأساسية للعقد المراد إبرامه، فبعد المناقشة يقع الايجاب ثم القبول ثم انعقاد العقد .

    أنواع الايجاب

    أولا : الايجاب الصريح والايجاب الضمني : الايجاب يصعب أن يكون ضمنيا فهو غالبا صريح، ومعبر عنه بطريقة كتابية أو شفوية أو إشارية، غير أنه يمكن أن نستشف ايجابا ضمنيا كوقوف سيارة الاجرة في المكان المخصص لها .

    ثانيا : الايجاب المقترن بمدة والايجاب المطلق : فيبقى الموجب مقيدا بالإيجاب خلال هذه المدة، لذلك يسمى بالإيجاب الملزم، وقد أكد عليه قانون الالتزامات والعقود في الفصل 29 الذي جاء فيه : ” من تقدم بإيجاب مع تحديد أجل للقبول بقي ملتزما تجاه الطرف الآخر إلى انصرام هذا الأجل، ويتحلل من إيجابه إذا لم يصله رد بالقبول خلال الأجل المحدد.” أما الايجاب المطلق فهو الذي يكون من حق الموجب الرجوع فيه في أي لحظة مادام لم يقترن به قبول تماشيا مع الفصل 26 الذي نص على أنه : ” يجوز الرجوع في الإيجاب مادام العقد لم يتم بالقبول أو بالشروع في تنفيذه من الطرف الآخر.”

    ثالثا : الايجاب الالكتروني

    معظم التشريعات تطلق على الايجاب اسم ” العرض ” وهو مصطلح اقتصادي يقابله الطلب، ومن شروط العرض أن يأتي واضحا و متضمنا لكافة العناصر الجوهرية لعقد البيع وإلا فإنه ليس إلا دعوة للتعاقد، وعلى خلاف العرض الموجه إلى شخص محدد أثارت مسالة العرض الموجه الى الجمهور اختلافا فقهيا فيما إذا كان ايجابا أم مجرد دعوة للتعاقد، من ذلك البيانات المطروحة عبر الانترنت التي يجب أن تكون صحيحة وواضحة لتعتبر إيجابا ويستطيع المستهلك التعامل معها بسهولة، وقد أقر المشرع في المادة 3 من قانون 53.05 أنه يمكن استعمال الوسائل الالكترونية لوضع عروض تعاقدية أو معلومات متعلقة بسلعة أو خدمة من أجل ابرام العقد، كما يمكن إرسال العروض عبر البريد الالكتروني.

    والمادة 2 من القانون 53.05 ألغت الفصول من 23 الى 30 من ق ل ع بالنسبة للعقود المبرمة إلكترونيا، ونصت على أنه حتى يكون الايجاب الالكتروني صحيحا قانونيا يجب احترام المادة 4 من نفس القانون التي تؤكد على أن يوضح البائع للمشتري بعض النقاط المهمة واعتبرها شكليات دقيقة يجب التقيد بها من ذلك :

    • الخصائص الرئيسية للسلعة أو الخدمة المقترحة
    • شروط بيع السلعة أو الخدمة
    • مختلف المراحل المتبعة لإبرام العقد بشكل الكتروني
    • الوسائل التقنية التي تمكن المستعمل من كشف العيوب المحتملة قبل إبرام العقد
    • اللغات المقترحة من أجل إبرام العقد
    • طريقة حفظ العقد في الأرشيف من لدن صاحب العرض وشروع الاطلاع على العرض
    • وسائل التعرف بطريقة الكترونية على القواعد المهنية والتجارية التي يريد الموجب الخضوع لها عند الاقتضاء .

    القوة الملزمة للإيجاب

    من حيث الأصل فإن الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين هو إيجاب غير ملزم ما دام لم يقبله الطرف الآخر أو مدام لم يشرع الطرف الآخر في تنفيذه حسب الفصل 26 الذي نص على أنه : ” يجوز الرجوع في الإيجاب مادام العقد لم يتم بالقبول أو بالشروع في تنفيذه من الطرف الآخر.”

    إلا أنه في بعض الحالات الاستثنائية يكون هذا الإيجاب إيجاباً مُلزما .

    الحالة الاولى

    حينما يكون هذا الإيجاب مقترنا بأجل للقبول، فيتوجب هنا على الموجب أن يلتزم بالبقاء على إيجابه إلى أن تنقضي المدة المحددة له وهذا ما أكد عليه الفصل 29 ق ل ع : ” من تقدم بإيجاب مع تحديد أجل للقبول بقي ملتزما تجاه الطرف الآخر إلى انصرام هذا الأجل، ويتحلل من إيجابه إذا لم يصله رد بالقبول خلال الأجل المحدد.”، فالمطلوب في هذه الحالة هو وصول التصريح بالقبول قبل انقضاء المدة التي حددها الموجب لإيجابه.

    الحالة الثانية

    حينما يكون الايجاب بالمراسلة ودون تحديد الأجل، هنا يتوجب على صاحبه أن يبقى على إيجابه طيلة مدة معقولة ومناسبة لوصول رد المرسل إليه، هنا نأخذ بعين الاعتبار المدة التي تستغرقها الرسالة للوصول إلى الطرف الآخر والمدة التي يتطلبها جواب الطرف الآخر، وتقدير هذه المدة يعود للقاضي الذي يأخذ بعين الإعتبار الظروف التي تمت بها هذه المراسلة .

    شروط الإيجـاب

    يشترط في الايجاب أن يكون باتا ومتضمنا للعناصر الأساسية للتعاقد ووصول الإيجاب الى علم المتعاقد الاخر

    أولا : يجب أن يكون الإيجاب باتا

    بمعنى أن يكون نهائيا وحازما لإبرام العقد بحيث بمجرد صدور القبول من الطرف الآخر ينعقد العقد .

    ثانيا : يجب أن يتضمن الإيجاب شروط التعاقد الأساسية

    حينما يوجه إيجاب إلى الطرف الأخر يجب أن يتحدد المحل، هل يتعلق الأمر بعقار أو منقول، كما يجب أن يحدد الثمن، ويمكن أن يتضمن العناصر الأخرى التي قد يعتبرها الطرف الاخر أساسية.

    ثالثا : وصول الإيجاب إلى علم المتعاقد الأخر

    بحيث لا يعتبر الإيجاب ملزما ولا يترتب عليه اي اثر قانوني إلا إذا وصل إلى علم الطرف الموجه اليه وهو الأمر الذي أكد عليه الفصل 18 بقوله : ” الالتزامات الصادرة من طرف واحد تلزم من صدرت منه بمجرد وصولها إلى علم الملتزم له. “

    كما أن للموجب التراجع عن ايجابه الذي لم يقبله الطرف الموجه اليه او لم يبدأ هدا الاخير في تنفيذه بموجب الفصل 26 الذي جاء فيه : ” يجوز الرجوع في الإيجاب مادام العقد لم يتم بالقبول أو بالشروع في تنفيذه من الطرف الآخر.”

    سقوط الإيجاب

    الحالة الاولى

    • يسقط الإيجاب الموجب إذا رفض الطرف الأخر هذا الإيجاب، سواء كان الإيجاب ملزما لصاحبه أو غير ملزم وسواء كان صريحا أو ضمنيا، كأن يرفض صراحة أو يقدم عرضا جديدا أو يقبل الايجاب بشرط.
    • عندما ينتهي الأجل المحدد للإيجاب دون أن يعبر الموجب له عن قبوله صراحة أو ضمنيا.
    • إذا انفض مجلس العقد دون اقتران الإيجاب بالقبول فينقض بانصرافهما معا أو انصراف أحدهما أو بتغير مجرى الحديث إلى موضوع لا علاقة له بالتعاقد .
    • إذا حصلت وفاة الموجب أو فقد أهليته واتصل ذلك بعلم من وجه إليه الإيجاب قبل أن يقبله.

    القـبــول

    هو تعبير عن إرادة من وُجه إليه الايجاب، وبصدور القبول متطابقا مع الايجاب تتم عملية التعاقد بين الموجب والقابل، والقبول يتصف دائما بالصفة الفردية حيث يوجه إلى شخص الموجب بالذات ولا يوجه إلى الجمهور كالإيجاب، القبول اذن هو تعبير صادر عن الطرف الأخر يقبل بمقتضاه شروط الموجب وبالتالي تتطابق الإرادتين وينشأ العقد المقصود.

    شروط القبول الصحيح

    • يجب أن يكون القبول والايجاب لازال قائما، إن كان الايجاب مصحوب بأجل وجب صدور القبول قبل فوات الاجل، كما لو عرض تاجر على تاجر بضاعة مخبرا إياه أنه مرتبط بإيجابه لمدة عشرة ايام فقط، أو كما لو تم الايجاب عن طريق المراسلة فيكون اجل الوقت العادي لبلوغ الرسالة ورجوع جوابها، أما اذا تم الايجاب في مجلس العقد فيجب ان يصدر الايجاب فورا، نفس المقتضى إذا تم الايجاب من خلال المكالمة الهاتفية فإذا لم يصدر القبول فورا أو انقطع الاتصال الهاتفي فلا قبول ولا عقد.
    • يجب أن يكون هذا القبول مطابقا للإيجاب تمام المطابقة، ويتعين فيه أن يكون موافقا لكافة شروط الإيجاب وقد نص على ذلك الفصل 28 من ق ل ع الذي يعتبر الرد مطابقا للإيجاب اذا اكتفى المجيب بقوله قبلت او نفذ العقد بدون تحفظ، أما إذا اقترح القابل عروضا جديدة أو اشترط شروطا مغايرة كان ذلك بمثابة ايجاب جديد، وهو ما جاء في الفصل 27 بقوله : ” الرد المعلق على شرط أو المتضمن لقيد يعتبر بمثابة رفض للإيجاب يتضمن إيجابا جديدا.”
    • يجب أن يكون القبول باتا، بمعنى أن موافقة القابل على الإيجاب يجب أن تكون تامة ونهائية دون شرط أو تقديم عرض جديد.

    القبول الالكتروني

    هو ثاني تعبير يصدر عن أحد المتعاقدين لإنشاء العقد، نص الفصل65 من القانون 53.05 ” يشترط لصحة العقد أن يكون من أرسل العرض إليه قد تمكن من التحقق من تفاصيل الاذن الصادر عنه وعن السعر الاجمالي ومن تصحيح الاخطاء المحتملة وذلك قبل تأكيد الاذن المذكور لأجل التعبير عن قبوله ” . يتضح أن شروط حصول القبول لانعقاد العقد يكون على الشكل التالي :

    • أن يقوم القابل باختيار البضاعة المراد شراؤها
    • أن يقوم الموجب بالاشعار بطريقة الكترونية دون تأخير غير مبرر بتسلمه القبول الموجه إليه فيعرض على من قبل التعاقد معه ملخصا لطلبه قصد تمكينه من التحقق من تفاصيل الأمر الصادر عنه وعن السعر الاجمالي
    • يقوم الطرف القابل بتأكيد الأمر لأجل التعبير عن قبوله بواسطة النقر مرة ثانية .

    اقتران القبول بالإيجاب كمرحلة جد مهمة للحصول التراضي

    لا يكفي لإتمام العقد صدور إيجاب من أحد الأطراف وقبول من الطرف الأخر، وإنما يتوجب أن يكون هناك توافق تام بين إرادتين، وهذا التوافق يكون على العناصر الأساسية للعقد، أما العناصر الثانوية فيمكن الإتفاق عليها في وقت لاحق، بشرط ألا يكون الطرفان قد اختلفا بخصوصها سواء تعلق الأمر بالشروط الأساسية أو الثانوية، والتعاقد قد يكون بين طرفين حاضرين يضمهما مجلس العقد وقد يتم بالمراسلة وقد يحصل عن طريق رسول أو وسيط يحمل الايجاب وقد يجري بالهاتف، ولكل من هذه الطرق أحكامها بالنسبة إلى اقتران الايجاب بالقبول.

    على أن جميع هذه الطرق لها أحكام عامة تتمثل في :

    • يجب أن يشمل تراضي الطرفين الناصر الاساسية للعقد وفق الفصل 19 الذي ينص على ضرورة الاتفاق على العناصر الاساسية وباقي الشروط المشروعة الاخرى التي يعتبرها الطرفان أساسية.
    • إذا أقدم الطرفان المتعاقدان فور إبرامهما للعقد على إجراء تعديلات على هذا الاتفاق فإن هذا الامر لا يعتبر عقدا جديدا قائما بذاته بل يعتبر جزءا لا يتجزأ من العقد وهو ما جاء بصريح الفصل 19 الذي اعتبر هذه التعديلات جزءا من العقد القديم ما لم يعلن الطرفان صراحة على أن التعديلات الجديدة التي حدثت في مجلس العقد هي عقد جديد قائم بذاته.
    • إذا وقع تراضي الطرفين على بعض شروط العقد واحتفظا صراحة بشروط أخرى معينة لتكون مدار اتفاق لاحق فإن العقد لا يتم والشروط التي تم الاتفاق عليها تبقى مجردة من أي أثر قانوني حتى لو حررت كتابة.
    • العبرة بالإرادة الظاهرة التي اطمأن إليها الطرفان وليس بالإرادة الباطنة الكامنة في النفس وفق الفصل21 من ق ل ع.

    أولا : التعاقد بين حاضرين

    تناوله الفصل 23 ق ل ع بقوله ” الإيجاب الموجه لشخص حاضر، من غير تحديد ميعاد، يعتبر كأن لم يكن إذا لم يقبل على الفور من الطرف الآخر. ويسري هذا الحكم على الإيجاب المقدم من شخص إلى آخر بطريق التليفون.”

    نلاحظ أن الإيجاب الذي يصدر من أحد المتعاقدين يجب أن يقبله الطرف الأخر فوريا في مجلس العقد، أي أن المكان الذي يجمع المتعاقدين مباشرة ووقت انعقاد العقد هو وقت صدور القبول وعلم الموجب به، وينفض هذا المجلس إذا انصرف الطرفان أو أحدهما أو إذا تحول مجرى الحديث إلى موضوع آخر.

    يمكن الحديث هنا عن العربون وهو مبلغ من المال يدفع لضمان تنفيذ العقد، وقد تناول المشرع المغربي العربون في الفصول ما بين 288 و290 من ق ل ع، ونص على أنه مبلغ من المال يقدمه المشتري للبائع ضمانا لتنفيذ العقد ويبقى من حق البائع طبقا للفصل 290 الذي جاء فيه : ” إذا كان الالتزام غير ممكن التنفيذ أو إذا فسخ بسبب خطأ الطرف الذي أعطى العربون، كان لمن قبضه أن يحتفظ به ولا يلزم برده إلا بعد أخذه التعويض الذي تمنحه له المحكمة، إن اقتضى الأمر ذلك.”

    ثانيا : التعاقد بين غائبين بالمراسلة

    لا يجمعهما مجلس واحد بحيث أن صدور القبول من الطرف الموجب له وعلم الطرف الموجب به يستغرق وقتا وهذا التعاقد كأن يكتب الموجب رسالة يبعثها للطرف الأخر يعرض عليه شراء بضاعة بثمن معين مع تحديد شروط التعاقد ، وهذا يعني أن هناك فترة زمنية تفصل بين صدور القبول وعلم الموجب به، وتطرح هنا إشكالية تحديد زمن انعقاد العقد ومكانه، أي تحديد الوقت الذي لا يستطيع الموجب بعده أن يعدل عن إيجابه وكذلك تحديد الوقت الذي لا يستطيع بعده القابل أن يعدل عن قبوله، ثم تحديد بداية سريان تقادم الالتزامات المترتبة عن العقد، كما تظهر أهمية ذلك من حيث مكان انعقاد العقد في تحديد قانون البلد الواجب تطبيقه على العقد ثم تحديد المحكمة المختصة للفصل في النزاعات التي قد تترتب على تنفيذ العقد.

    وقد اختلف الفقه والقضاء على مسألة تحديد زمان ومكان انعقاد العقد عندما يتم التعاقد بين غائبين عن طريق المراسلة أو بواسطة رسول أو بالوسائل الالكترونية ووجدت في هذا الصدد أربع نظريات :

    • نظرية إعلان القبول : حيث أن العقد ينعقد في اللحظة التي يعلن فيها القابل عن قبوله.
    • نظرية تصدير القبول : يجب أن يكون الإعلان عن القبول نهائياً ولا يتم ذلك إلى بتصديره.
    • نظرية استلام القبول : العقد لا ينعقد إلا وقت وصول خطاب القبول إلى الموجب، هنا الوصول يقوم على قرينة علم الموجب.
    • نظرية العلم بالقبول : هنا الإرادة لا تنتج أثرا إلى إذا علم بها من وجهت إليه.

    المشرع المغربي اعتد بوقت ومكان إعلان القابل لقبوله أي بالنظرية الأولى في الفصل 24 من ق ل ع ، لكنه بعد ذلك اشترط توصل الموجب بالقبول إذا كان قد حدد أجلا للقبول تطبيقا لما جاء في الفصل 30 من ق ل ع على أن يتم هذا التوصل داخل الأجل المحدد، وفي حالة التعاقد عن طريق المراسلة يعتبر الإيجاب متضمنا لأجل ضمني يبقى فيه الموجب ملتزما بإيجابه إلى الوقت المناسب لوصول رد المرسل إليه داخل الأجل المعقول.

    ثالثا : التعاقد بين غائبين بواسطة رسول أو وسيط

    يشبه التعاقد بالمراسلة ويخضع لنفس الاحكام، نشير فقط إلى أن الرسول لا إرادة له بينما الوسيط له إرادة.

    رابعا : التعاقد بالهاتف

    هنا يعتبر كالتعاقد بين حاضرين وإن كان لا يضمهما مجلس و احد بالنسبة للزمان، أما من حيث المكان فالمشرع المغربي التزم السكوت لكن واعتبارا لكون هذا الأخير أقر مذهب انعقاد العقد بمجرد اعلان القبول من القابل في الفصل 24 ، فإن العقد بالهاتف يعتبر منعقدا في مكان القابل.

    📗 خلاصة الباب

    • الرضا تطابق الإيجاب والقبول على العناصر الأساسية للعقد، ويكون صريحاً أو ضمنياً، والسكوت لا يُعد قبولاً إلا في حالات استثنائية حددها المشرع (الفصول 25، 28، 38).
    • الإيجاب غير ملزم من حيث الأصل ويجوز الرجوع فيه ما لم يقترن بأجل (الفصل 29) أو يشرع الطرف الآخر في التنفيذ (الفصل 26).
    • زمان ومكان انعقاد العقد بين غائبين يُحدَّدان وفق نظرية إعلان القبول التي أخذ بها المشرع المغربي (الفصل 24)، مع اشتراط وصول القبول داخل أجل معقول.
    • عيوب الرضا الأربعة (الغلط، الإكراه، التدليس، الغبن) تجعل العقد قابلاً للإبطال لا باطلاً، لأن الرضا موجود لكنه معيب.

  • المحور 9 : الأهلية (3-13)

    📖 نظرية العقد — الفصل 10 من 21 — فهرس الكتاب

    لإبرام أي عقد كيفما كان نوعه لابد من توافر ركن الأهلية كأول ركن عام نص عليه قانون الالتزامات و العقود المغربي في الفصل الثاني منه، والأهلية في اللغة هي الصلاحية أو الجدارة أو الكفاءة واصطلاحا هي قابلية الشخص لأن يكتسب الحقوق ويتحمل بالالتزامات وأن يمارس بنفسه التصرفات القانونية، وبالرجوع إلي الفقرة الأولى من الفصل 3 من ق ل ع نجد : ” الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية .وكل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك”، والاهلية من النظام العام نظمها المشرع من خلال ق ل ع في الفصول من 3 الى 13 منه وفي مدونة الاسرة من الفصول 206 الى 228 وحيث أنها من النظام العام فلا يجوز مخالفة مقتضياتها .

    المقصود بقانون الأحوال الشخصية هو مدونة الأسرة قانون 70.03، هذه الأخيرة نصت في المادة 206 على أنه : ” الأهلية نوعان : أهلية وجوب وأهلية أداء.”، فأهلية الوجوب تعني صلاحية الشخص لثبوت الحقوق و الالتزامات له و عليه و هي أهلية ثابتة للشخص منذ ولادته حيا إلى وقت وفاته، بل وتبدأ قبل ذلك للجنين، أما أهلية الأداء فهي صلاحية الشخص للقيام بالتصرفات القانونية و تحمل الالتزامات على الوجه المطلوب قانونا.

    جاء في المادة 207 من مدونة الاسرة: ” أهلية الوجوب هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات التي يحددها القانون، وهي ملازمة له طول حياته ولا يمكن حرمانه منها”، أما المادة 208 فقد جاء فيها : ” أهلية الأداء هي صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته، ويحدد القانون شروط اكتسابها وأسباب نقصانها أو انعدامها”، وباستقراء فصول ق ل ع نجد أن المشرع خصص 11 فصلا للحديث عن ركن الأهلية من الفصل 3 إلى الفصل 13 مما يكشف عن أهمية هذا الركن.

    أولا : الاصل في الشخص كمال الاهلية

    أهلية الأداء هي مناط اهتمامنا إذ أنها الأهلية المطلوبة في التعاقد، والأصل في الشخص هو كمال الأهلية طبقا لما نصت علية الفقرة الثانية من الفصل الثالث من ق ل ع، إذ أقرت أن ” كل شخص أهل للإلزام و الالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك”، بمعنى أن كل شخص يكون أهلا لإبرام العقود بمجرد بلوغه سن الرشد القانوني المحدد من طرف المشرع المغربي في 18 سنة شمسية كاملة كما نصت على ذلك المادة 209 من مدونة الأسرة المغربية بقولها : ” سن الرشد القانوني 18 سنة شمسية كاملة.”.

    كما جاء في المادة 210: ” كل شخص بلغ سن الرشد ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته.”، إلا أن تعبير المشرع في الفصل 3 من ق ل ع بقوله ”ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك” يوحي بأن هناك استثناءات على كمال الأهلية و تتجلى هذه الاستثناءات في ثبوت سبب من أسباب نقصان أو انعدام الأهلية، حيث تتدخل عوامل السن أو القدرات العقلية .

    والاهلية تتعلق بالنظام العام، ويجب مراعاة أحكامها وفق ما قرره المشرع، وعليه فلا يجوز منح الاهلية لشخص عن طريق العقد أو حرمانه منها ، بل إن الاهلية أو فقدانها أمر يقرره القانون، فلو باع قاصر عقارا وتعهد للمشتري بعدم الطعن في البيع بعد بلوغ سن الرشد كان البيع باطلا، وإذا وافق النائب الشرعي على تسليم القاصر أمواله بعد بلوغه سن 15 سنة بينما حدد القانون سن الرشد في 18 سنة كانت هذه الموافقة باطلة وعديمة الاثر القانوني.

    ثانيا : نقصان الأهلية

    أشارت المادة 213 من مدونة الأسرة إلى أن ناقصي الأهلية هم الصبي المميز و السفيه و المعتوه بقولها : ”  يعتبر ناقص أهلية الأداء

    1 – الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد؛     2 – السفيه؛     3 – المعتوه.”

    الصبي المميز: هو كل من بلغ سن التمييز القانوني وهو 12 سنة شمسية كاملة حسب صريح المادة 214 من مدونة الأسرة و بالتالي فان الصبي المميز هو القاصر الذي لم يبلغ سن الرشد القانوني لكنه أتم 12 سنة . الصبي المميز يمكنه قبل بلوغه سن الرشد في حالة الترشيد من طرف القاضي مزاولة التجارة أو الصناعة وتسلم بعضا من أمواله لإدارتها على سبيل التجربة، هنا تكون أهلية الصبي المميز المأذون له كاملة فيما أذن له القاضي ولا يجوز إبطالها، بينما يجوز إلغاء هذا الاذن بإذن من المحكمة إذا تبين أنه أساء إدارة أمواله وتسبب ذلك في خسائر فادحة، لكن لا يكون لهذا الالغاء أي أثر بالنسبة للتصرفات القانونية التي يكون قد أجراها قبل الالغاء .

    السفيه : هو كل شخص لا يحسن تدبير أمواله وقد عرفته المادة 215 من مدونة الأسرة بقولها : ” السفيه هو المبذر الذي يصرف ماله فيما لا فائدة فيه، وفيما يعده العقلاء عبثا، بشكل يضر به أو بأسرته.”

    المعتوه : عرفته المادة 216 بقولها ” المعتوه هو الشخص المصاب بإعاقة ذهنية لا يستطيع معها التحكم في تفكيره وتصرفاته.”، وبمقارنة المعتوه مع المجنون و المريض مرضا عقليا أو نفسيا نجده يأتي في مرتبة وسطى بينهما.

    وبالنسبة للتصرفات التي يقوم بها ناقصو الأهلية فتختلف باختلاف نوع التصرف، إذ تنقسم التصرفات التي يبرمها ناقصي الأهلية إلى نافعة نفعا محضا و ضارة ضررا محضا و الدائرة بين النفع و الضرر، فتكون تصرفاتهم نافذة إذا كانت نافعة بالنسبة لهم نفعا محضا و تكون باطلة إذا كانت مضرة، في حين يتوقف نفاذها على إجازة النائب الشرعي في حدود اختصاصات هذا الأخير إذا كانت هذه التصرفات دائرة بين النفع و الضرر، واستثناء من هذا المبدأ يعتبر الصبي المميز الذي أُذن له بإدارة جزء من أمواله على سبيل اكتساب التجربة كامل الأهلية في حدود الأموال الممنوحة له لإدارتها وفي التقاضي فيها، كما أن القاصر الذي أُذن له بالزواج دون السن القانوني يصبح كامل الأهلية في كل الحقوق و الالتزامات التي تترتب عن ذلك الزواج.

    ثالثا : فقدان الأهلية

    فاقدو الأهلية هم الصبي غير المميز و المجنون وفاقد العقل بنص المادة 217 من قانون 70.03 التي جاء فيها : ” يعتبر عديم أهلية الأداء: أولا: الصغير الذي لم يبلغ سن التمييز؛ ثانيا: المجنون وفاقد العقل. يعتبر الشخص المصاب بحالة فقدان العقل بكيفية متقطعة، كامل الأهلية خلال الفترات التي يؤوب إليه عقله فيها. الفقدان الإرادي للعقل لا يعفي من المسؤولية.”

    الصبي غير المميز: هو الصبي الذي لم يتم سن التمييز بحيث أنه لا يستطيع قبل بلوغ هذا السن التمييز بين ما يعود عليه بالنفع و ما يعود عليه بالضرر.

    المجنون و فاقد العقل : الجنون هو العارض الذي يصيب الإنسان فيذهب بعقله فينتفي معه كل إدراك و تمييز، وهو حالة قد تصيب الإنسان بصورة مستمرة فيسمى بالجنون المطبق و قد يكون في أوقات معينة فقط فيسمى بالجنون المتقطع.

    رابعا : ترشيد القاصر

    جاء في المادة 226 من قانون 70.03 : ”  يمكن للصغير المميز أن يتسلم جزءا من أمواله لإدارتها بقصد الاختبار. يصدر الإذن من الولي أو بقرار من القاضي المكلف بشؤون القاصرين بناء على طلب من الوصي أو المقدم أو الصغير المعني بالأمر. يمكن للقاضي المكلف بشؤون القاصرين إلغاء قرار الإذن بالتسليم بطلب من الوصي أو المقدم أو النيابة العامة أو تلقائيا إذا ثبت سوء التدبير في الإدارة المأذون بها. يعتبر المحجور كامل الأهلية فيما أذن له وفي التقاضي فيه.”

    والمقصود بالترشيد المبكر حصول الصغير المميز على أهلية كاملة عند توافر الشروط المنصوص عليها في المادة 218 من مدونة الاسرة التي نصت على ما يلي : ” ينتهي الحجر عن القاصر إذا بلغ سن الرشد، ما لم يحجر عليه لداع آخر من دواعي الحجر. يحق للمحجور بسبب إصابته بإعاقة ذهنية أو سفه، أن يطلب من المحكمة رفع الحجر عنه إذا أنس من نفسه الرشد كما يحق ذلك لنائبه الشرعي. إذا بلغ القاصر السادسة عشرة من عمره، جاز له أن يطلب من المحكمة ترشيده. يمكن للنائب الشرعي أن يطلب من المحكمة ترشيد القاصر الذي بلغ السن المذكورة أعلاه، إذا أنس منه الرشد. يترتب عن الترشيد تسلم المرشد لأمواله واكتسابه الأهلية الكاملة في إدارتها والتصرف فيها، وتبقى ممارسة الحقوق غير المالية خاضعة للنصوص القانونية المنظمة لها. وفي جميع الأحوال لا يمكن ترشيد من ذكر، إلا إذا ثبت للمحكمة رشده بعد اتخاذ الإجراءات الشرعية اللازمة”.

    العوارض الثانوية التي تؤثر في أهلية الأداء

    الحكم بعقوبة جنائية

    بالرجوع إلى الفصل 38 من القانون الجنائي نجده ينص على أنه : ” الحجر القانوني يحرم المحكوم عليه من مباشرة حقوقه المالية طوال تنفيذ العقوبة الاصلية …”. وعليه فالمحكوم عليه بعقوبة جنائية تصبح معه التصرفات القانونية التي تجريها باطلة طبقا للفصل 38 من ق ج .

    السكر غير الارادي

    ذلك أن السكر الارادي لا يعفي من المسؤولية وهو الامر الذي يستشف من المادة 217 من مدونة الاسرة التي جاء فيها بأن الفقدان الارادي للعقل لا يعفي من المسؤولية، وبمفهوم المخالفة فإن الفقدان الاضطراري للعقل يترتب عنه الاعفاء من المسؤولية وهي حالة السكر غير الارادي .

    العاهات المزدوجة

    كالعمى والبكم والصم، فالمشرع قرر له نوعا من الحماية تتمثل في مساعدة الوصي في التعبير عن إرادته، جاء في الفصل 97 من ق ل ع : ” الصم البكم وغيرهم من ذوي العاهات يسألون عن الأضرار الناتجة من أفعالهم أو أخطائهم إذا كان لهم من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعمالهم.”

    حكم تصرفات ناقصي الاهلية وعديميها

    بالنسبة للصبي غير المميز فقد نصت المادة 224 من 70.03 على أنه : ” تصرفات عديم الأهلية باطلة ولا تنتج أي أثر.”

    بالنسبة للصبي المميز فقد حددت المادة 225 حكم تصرفاته فنصت على ما يلي : ” تخضع تصرفات الصغير المميز للأحكام التالية: 1 – تكون نافذة إذا كانت نافعة له نفعا محضا؛ 2 – تكون باطلة إذا كانت مضرة به؛ 3 – يتوقف نفاذها إذا كانت دائرة بين النفع والضرر على إجازة نائبه الشرعي حسب المصلحة الراجحة للمحجور، وفي الحدود المخولة لاختصاصات كل نائب شرعي.”

    بالنسبة للبالغ الرشيد فقد نصت المادة 210 على حكم تصرفاته فقالت : ” كل شخص بلغ سن الرشد ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته.”

    بالنسبة لمن له أهلية إدارة الاموال ، فقد جاء في المادة 226 : ” يمكن للصغير المميز أن يتسلم جزءا من أمواله لإدارتها بقصد الاختبار. يصدر الإذن من الولي أو بقرار من القاضي المكلف بشؤون القاصرين بناء على طلب من الوصي أو المقدم أو الصغير المعني بالأمر. يمكن للقاضي المكلف بشؤون القاصرين إلغاء قرار الإذن بالتسليم بطلب من الوصي أو المقدم أو النيابة العامة أو تلقائيا إذا ثبت سوء التدبير في الإدارة المأذون بها. يعتبر المحجور كامل الأهلية فيما أذن له وفي التقاضي فيه.”

    بالنسبة للترشيد المبكر فقد نصت المادة 218 على أحكام إدارته لأمواله فنصت على ما يلي : ” … إذا بلغ القاصر السادسة عشرة من عمره، جاز له أن يطلب من المحكمة ترشيده. يمكن للنائب الشرعي أن يطلب من المحكمة ترشيد القاصر الذي بلغ السن المذكورة أعلاه، إذا أنس منه الرشد. يترتب عن الترشيد تسلم المرشد لأمواله واكتسابه الأهلية الكاملة في إدارتها والتصرف فيها، وتبقى ممارسة الحقوق غير المالية خاضعة للنصوص القانونية المنظمة لها. وفي جميع الأحوال لا يمكن ترشيد من ذكر، إلا إذا ثبت للمحكمة رشده بعد اتخاذ الإجراءات الشرعية اللازمة.”

    بالنسبة للمجنون ، جاء في المادة 217 : ” يعتبر الشخص المصاب بحالة فقدان العقل بكيفية متقطعة، كامل الأهلية خلال الفترات التي يؤوب إليه عقله فيها.” بمعنى أنه في حالة الافاقة من الجنون فإن التصرف يكون صحيحا وفي حالة الجنون يلتحق بحالة عديم الاهلية المنصوص عليها في المادة 224 فيقع تصرف المجنون باطلا .

    📗 خلاصة الباب

    • الأصل كمال الأهلية ببلوغ سن الرشد (18 سنة)، ولا يُحرم منها أحد إلا بنص (الفصل 3 من ق.ل.ع، والمادة 210 من مدونة الأسرة).
    • ناقصو الأهلية هم الصبي المميز والسفيه والمعتوه: تصرفاتهم نافذة إن كانت نافعة نفعاً محضاً، باطلة إن كانت ضارة، وموقوفة على إجازة النائب إن ترددت بين النفع والضرر.
    • فاقدو الأهلية هم الصبي غير المميز والمجنون وفاقد العقل: تصرفاتهم باطلة بطلاناً مطلقاً ولا تنتج أي أثر.
    • عوارض ثانوية تمس الأهلية: الحجر القانوني بعقوبة جنائية، السكر غير الإرادي، والعاهات المزدوجة التي تستوجب مساعدة الوصي دون إسقاط الأهلية.

  • المحور 8 : تكوين العقد

    📖 نظرية العقد — الفصل 9 من 21 — فهرس الكتاب

    من أجل تكوين العقد يتطلب الامر العديد من الاركان والشروط لصحته، وفي حالة اختلال هذه الاركان أو فقدان عنصر من عناصر تكوين العقد فالأثر المترتب هو البطلان أو الابطال.

    جاء في الفصل 2 من ق ل ع : ” الأركان اللازمة لصحة الالتزامات الناشئة عن التعبير عن الإرادة هي :

    • الأهلية للالتزام؛
    • تعبير صحيح عن الإرادة يقع على العناصر الأساسية للالتزام؛
    • شيء محقق يصلح لأن يكون محلا للالتزام؛
    • سبب مشروع للالتزام.

    سنتعرف على الاتفاقات التمهيدية لإنشاء العقد بعدها سنتطرق إلى أركان العقد وهي الاهلية والرضا والمحل والسبب .

    أولا : مرحلة التفاوض على إنشاء العقد

    تلعب المفاوضات أهمية في تكوين العناصر الجوهرية للعقد، إذ بفضلها يعرف المتعاقد بدقة ما يعطيه له العقد وما يمليه على عاتقه من التزامات، وهذه المرحلة لا تعتبر لازمة لتكوين العقد أو لصحته، إذ أن العقد يمكن أن يقوم بين طرفيه دون أن تسبقه مفاوضات، ففي هذه المرحلة ينشأ ما يسمى بالالتزام بالإعلام، مثل واجب الإفصاح عن العيوب الكامنة في الشيء المبيع، أو تقديم نصيحة إلى الطرف الآخر.

    ولمرحلة ما قبل التعاقد أهمية تتمثل في أن ما يقع أثناءها من مفاوضات يعد أحد أهم وسائل تفسير العقد عند تنفيذه، ففي هذه المرحلة ومن خلال ما اتخذ فيها من إجراءات ومن تبادل النظر، يمكن الكشف عن النية المشتركة للمتعاقدين، هذه المرحلة السابقة على التعاقد لها التزاماتها المستقلة عن التزامات العقد ذاته، ذلك أن طبيعة المهمة التي يقوم بها الطرفان في هذه المرحلة تفرض على كل منهما التزامات معينة تنتج عن الثقة التي وضعها في الطرف الآخر، مثل الالتزام بعدم التفاوض دون نية التعاقد، والالتزام بعدم قطع التفاوض في وقت غير مناسب، والالتزام بعدم إفشاء الأسرار بمناسبة التفاوض .

    كما ترتب هذه المرحلة آثارا قانونية، بالرغم من أن العقد لم يكن قد تم بعد، كالالتزام بالإعلام بالعيوب في الشيء المتعاقد عليه، وتوضيح كل ما يتعلق بمحل العقد تجنبا للوقوع في الغلط أو التدليس.

    ولم يحتم المشرع المغربي مظهرا للتفاوض وإنما ترك للأفراد الحرية في الإفصاح عن إرادتهم وفقا للطريقة التي يرونها في تحديد ما يرتبه العقد من حقوق وما يفرض عليهم من التزامات، على أنه في بعض الأحوال قد تفرض شروط العقد من أحد الطرفين استنادا إلى ما يتمتع به من قوة اقتصادية تتمثل في احتكاره لبعض السلع أو الخدمات الضرورية كمؤسسات الكهرباء أو الاتصال أو النقل، فيذعن الطرف الضعيف أمام الحاجة أو الضعف فنكون أمام عقد إذعان .

    الوعد بالتعاقد

    وهو اتفاق يقوم على أساس توافق إرادتي طرفين، أحدهما يلتزم بإبرام عقد معين والآخر يقبل هذا الالتزام، مثال ذلك الوعد بالبيع الذي بموجبه يعد مالك الشيء أو الحق شخصا آخر يُدعى الموعود له إذا أبدى هذا الأخير رغبته في الشراء خلال أجل معين، هذا الوعد بالتعاقد كسائر العقود لا ينعقد إلا إذا توافرت فيه شروط التعاقد الجوهرية وهي الاتفاق على طبيعة الوعد وتحديد موضوعه تحديدا كافيا مانعا لكل جهالة وتعيين مدة الوعد، كما أنه قد يكون بسيطا أو موصوفا على شرط واقف إذا تخلف كان الوعد عديم الأثر، كالوعد ببيع بضاعة شريطة وصولها سالمة إلى الميناء أو الوعد ببيع قطعة أرض في تجزئة عقارية شريطة صدور الترخيص الإداري بخصوصها، على أن الوعد بالتعاقد إما أن يكون ملزما لطرف واحد أو للطرفين .

    العربون

    الفصل 288 العربون هو ما يعطيه أحد المتعاقدين للآخر بقصد ضمان تنفيذ تعهده.

    الفصل 289 إذا نفذ العقد، خصم مبلغ العربون مما هو مستحق على من أعطاه. مثلا إذا كان من أعطى العربون هو المشتري أو المكتري خصم من ثمن البيع أو من الكراء، وإذا كان من أعطى العربون هو البائع أو المكري، ونفذ العقد وجب رده. كما يجب رد العربون أيضا، إذا ألغي العقد بتراضي عاقديه.

    الفصل 290 إذا كان الالتزام غير ممكن التنفيذ، أو إذا فسخ، بسبب خطأ الطرف الذي أعطى العربون، كان لمن قبضه أن يحتفظ به، ولا يلزم برده، إلا بعد أخذه التعويض الذي تمنحه له المحكمة، إن اقتضى الأمر ذلك.

    ثانيا : مرحلة الموافقة على إنشاء العقد

    الاتفاق الابتدائي

    الاتفاق المبدئي التزام تعاقدي بتقديم إيجاب أو الاستمرار في المفاوضات الجارية بغية الوصول إلى إبرام عقد لم يحدد موضوعه إلا بشكل جزئي وغير كاف للتعاقد نهائيا، أو هو بتعبير آخر اتفاق يلزم الأطراف بالمضي في التفاوض إلى حين تحديد مختلف شروط وتفاصيل التعاقد النهائي.

    والاتفاق المبدئي لا يلزم طرفيه بتحقيق نتيجة إبرام العقد بصورة نهائية، بل يلزمهما فقط بوسيلة تتمثل في بذل الجهد للوصول إلى الهدف وهو التعاقد عن طريق المفاوضات والمناقشة بجدية وحسن نية، لهذا فقطع التفاوض يتحمل المخل بها المسؤولية العقدية ويلتزم بالتالي دفع تعويض عن تفويت فرصة التعاقد على الطرف الآخر الذي علق عليها آماله، ولذلك كان قطع المفاوضات دون روح الجدية وبدون إبداء اقتراحات يبرر الفسخ القضائي للاتفاق المبدئي، مع الحق في الحصول على التعويض المناسب عن الضرر الحاصل .

    حاصل الأمر أن الاتفاق المبدئي يولد رابطة عقدية للمضي في المفاوضات واحترام تنفيذها بحسن نية، وإلا تحمل المخل على عاتقه دفع تعويض للطرف الآخر، وتعتبر العقود المبرمة على العقار في طور الإنجاز المثال الأبرز على الاتفاقات المبدئية، إذ أن المشرع تطلب توفر شكلية معينة في هذا النوع من العقود، كالتوثيق والتسجيل أو الحصول على رخصة إدارية معينة، وبدونها يقع العقد الابتدائي باطلا.

    الاتفاق النهائي

    إذا كان المشرع قد أوجب في بعض العقود الابتدائية شكلية الانعقاد فانه لم يغفل من ذلك العقد النهائي، وهو ما يستساغ من نص الفصل 618-16 من ق ل ع، الذي أوجب ضرورة توثيق العقد النهائي لبيع العقار في طور الإنجاز في محرر رسمي تحت طائلة البطلان، على أن ملكية الأجزاء المبيعة لا تنتقل إلى المشتري إلا من تاريخ إبرام العقد النهائي أو صدور الحكم في الدعوى إذا كان العقار غير محفظ أو في طور التحفيظ، وتنتقل الملكية بعد تقييد العقد النهائي أو الحكم بالسجل العقاري إذا كان العقار محفظا .

    التسليم

    حمل المشرع في بعض العقود العينية أحد طرفي العقد الالتزام بتسليم الشيء المبيع، إذ أن العقد لا يتم إلا إذا حصل التسليم، ويعد هذا الأخير من أهم الالتزامات التي يتحملها البائع تجاه المشتري بعد تمام إبرام العقد، حيث يتخلى البائع أو نائبه عن رقبة الشيء المبيع لصالح المشتري، وقد نص عليه الفصل 499 من ق ل ع بقوله : ” يتم التسليم حين يتخلى البائع أو نائبه عن الشيء ويضعه تحت تصرف المشتري، بحيث يستطيع هذا الأخير حيازته بدون عائق. “

    بعد هذه المرحلة التمهيدية يتم إبرام العقد، ولقيامه صحيحا يجب توافر الاركان المنصوص عليها في الفصل الثاني من ق ل ع وهي الاهلية والرضا والمحل والسبب .

    📗 خلاصة الباب

    • أركان الالتزام أربعة حصرها الفصل 2 من ق.ل.ع: الأهلية، تعبير صحيح عن الإرادة (الرضا)، محل، وسبب مشروع.
    • تسبق التعاقد أحياناً مرحلة تفاوض واتفاق مبدئي، لا يلزمان بإبرام العقد نهائياً بل بالسعي الجاد إلى ذلك بحسن نية تحت طائلة المسؤولية.
    • العربون (الفصول 288-290) ضمان لتنفيذ التعهد يُخصم من الثمن عند التنفيذ، ويُحتفظ به عند الإخلال بخطأ من أعطاه.
    • في العقود العينية لا يكتمل التكوين إلا بالتسليم (الفصل 499)، وهو ركن خامس مستقل عن واقعة التسليم اللاحقة لتنفيذ عقود أخرى كالبيع.

  • المحور 7 : تقسيمات العقود

    📖 نظرية العقد — الفصل 8 من 21 — فهرس الكتاب

    لا يمكن حصر الالتزامات وبالتالي لا يمكن حصر عدد العقود التي تعتبر مصدرا أساسيا للإلتزام فهي كثيرة و متنوعة، وكل يوم يطلع علينا نوع جديد من العقود، لهذا اكتفى الفقه بمحاولة تأصيل أحكام هذه العقود من خلال إيجاد قواسم مشتركة، كما أن الفقه هو من تولى هذه المهمة حيث أعرضت أغلب التشريعات عن إعطاء تقسيمات للعقود. فمن حيث التكوين فالعقد إما رضائي أو شكلي أو عيني، أما من حيث الموضوع فهو إما عقد مسمى أو عقد غير مسمى أو هو عقد بسيط وعقد مختلط، أما من حيث الاثر فهو إما عقد ملزم لجانبين أو عقد ملزم لجانب واحد أو هو عقد معاوضة ويقابله عقد تبرع، أما من حيث الطبيعة فهو إما عقد محدد أو عقد احتمالي أو هو عقد فوري وعقد زمني، أما بالنظر إلى الاشخاص المتعاقدين فالعقد إما أن يكون عقد مساومة أو عقد إذعان، وإما أن يكون عقدا فرديا يقابله عقد جماعي.

    التقسيم الاول : العقود الرضائية والعقود الشكلية والعقود العينية

    أولا : العقد الرضائي

    هو الذي ينعقد بمجرد توافق إرادتي الطرفين أي باقتران الإيجاب بالقبول دونما حاجة لأية شكليات. أو بمعنى أخر دونما حاجة لوضع التعبير في قالب خاص، وهناك من يرى أن الرضائية في العقود إذا كانت تظهر مقبولة من الناحية المنطقية، فهي ليست بمنأى عن كل عيب، وأن لها مساوئ بالنسبة لطرفي العقد وبالنسبة للغير.

    فبالنسبة للمتعاقدين، فضرورة الالتزام في التعبير عن الإرادة بشكل معين أو تسليم الشيء المتعاقد عليه يثير انتباه المتعاقد ويدعوه للتفكير. الشيء الذي قد لا يتحقق في حالة الاكتفاء بمجرد توافق للإرادتين. ويتضح ذلك خاصة في حالة الكتابة التي تساعد على معرفة التزامات الطرفين بكثير من الدقة والوضوح.

    ثانيا : العقد الشكلي

    هو العقد الذي لا يكفي لانعقاده توافق إرادتي الطرفين، بل لا بد بالإضافة إلى ذلك من أن يُحترم في إبرامه شكل معين يحدده القانون. وهناك من يسمي هذا النوع من العقود بالعقود الاحتفالية اعتبارا للمراسيم الاحتفالية التي كانت تنعقد بها العقود في القوانين القديمة. و الشكل المطلوب لانعقاد العقد قد يتمثل في الكتابة وقد يتمثل في الكتابة والإمضاء، وقد يكون هو التسجيل في السجل التجاري. غير أنه يجب في حالة الكتابة التمييز بين ما إذا كانت الكتابة مطلوبة لانعقاد العقد أم أنها مجرد وسيلة من وسائل الإثبات. وإذا نص القانون على شكلية معينة دون أن يوضح ما إذا كانت للانعقاد أو الإثبات، فإنها تعتبر مطلوبة للإثبات لا غير، ذلك أن الأصل في التشريعات الحديثة هو رضائية العقود، وأن الشكلية هي الاستثناء، وذلك خلافا لما كان عليه الأمر عند الرومان.

    ثالثا : العقد العيني

    هو العقد الذي لا يكفي لانعقاده توافق إرادتي عاقديه، بل يجب زيادة على ذلك أن يتم فيه تسليم الشيء المتعاقد عليه. ويعود أصل هذه العقود إلى القانون الروماني الذي ظهرت فيه في مرحلة اعتبرت انتقالية من الشكلية للرضائية حيث استثنى فيها بعض العقود من الخضوع للشكلية مشترطا لانعقادها وجوب تسليم الشيء المتعاقد عليه. هذه العقود انتقلت بصفتها هاته إلى القانون المدني الفرنسي ومنه إلى القانون المدني المغربي الذي اعتبرها عقودا عينية كعقود كالرهن الحيازي والوديعة وعقد العارية وعقد القرض في قانون الالتزامات والعقود إضافة إلى عقد الهبة الذي لم ينص عليه هذا القانون لكنه معروف في المغرب كعقد عيني تطبيقا لأحكام الشريعة الإسلامية. إلا أنه يجب التمييز بين التسليم الذي يعتبر الركن الخامس للعقد بعد التراضي والاهلية والمحل والسبب وبين واقعة التسليم والتسلم التي تعتبر النهاية الطبيعية لمعظم العقود كعقد البيع الذي يفرض على البائع تسليم المبيع للمشتري وهو سالم من العيوب.

    التقسيم الثاني : العقود المسماة والعقود غير المسماة

    أولا : العقد المسمى

    هو العقد الذي خصه المشرع باسم يميزه ونظمه بأحكام وقواعد خاصة، كعقد البيع الفصل 478 وما يليه، والإيجار الفصل 626 وما يليه، والشركة والوكالة . وتكمن علة تخصيص المشرع بعض العقود بأحكام وقواعد خاصة في أنها تشكل العقود الأكثر انتشارا وذيوعا بين الناس، لأنه أمام كثرة العقود واستحالة حصرها، لا يمكن للمشرع أن ينظمها جميعها تنظيما لذلك فهو يفرد العقود الأكثر شيوعا وأهمية بمثل هذا التنظيم تيسيرا على المتعاقدين والمهتمين وتخفيفا للخلافات والمشاكل .

    ثانيا : العقد غير المسمى

    هو العقد الذي لم يعطه المشرع اسما محددا ولم ينظمه بقواعد خاصة. ويرجع ذلك إما إلى عدم أهمية مثل هذه العقود وعدم إقبال الناس عليها في معاملاتهم، وإما إلى جدتها وحداثتها وهذا النوع من العقود لا يقع تحت حصر فهو يشمل كل ما عدا العقود المسماة. ومعيار التفرقة بين العقد المسمى والعقد غير المسمى هو كثرة التداول بين الناس، فيكون العقد مسمى حتى ولو لم ينهض المشرع لتنظيم أحكامه، كعقد الهبة، فبالرغم من أن المشرع لم ينظمه بأحكام تخصه فهو من أهم العقود المسماة، لكن هناك فريقا آخر ذهب إلى القول بأن العقد المسمى هو الذي تولاه المشرع بالتنظيم، ونحن نميل إلى هذا القول الأخير حفاظا على استقرار المعاملات وتجنب الفوضى واطمئنان المتعاقدين إلى الاثار المترتبة عن الالتزامات العقدية .

    أهمية هذا التقسيم

    إذا سكت المتعاقدان حين إبرامهما لعقد ما عن بعض الأمور المتعلقة به، فإن القاضي من أجل تأويل العقد يلجأ إلى القواعد المكملة الخاصة بهذا العقد لأن المفترض في المتعاقدين أنهما أحالا إليها بسكوتهما. إلا أن القاضي يكون ملزما قبل ذلك بتكييف العقد. والتكييف هو تحديد الوصف القانوني للعقد، وهو مسألة قانون يخضع فيها القاضي لرقابة المجلس الأعلى.

    التقسيم الثالث : العقد البسيط والعقد المختلط

    أولا : العقد البسيط

    هو العقد الذي يقتصر على عقد واحد وليس مزيجا من عقود متعددة كعقد البيع موضوعه واحد وهو انتقال الملكية مقابل ثمن نقدي.

    ثانيا : العقد المركب

    و هو العقد الذي يتناول عدة عمليات قانونية تكون في مجموعها عقدا متميزا عن باقي العقود، حيث يكون خليطا أو مزيجا من عدة عقود، ومن أمثلة ذلك عقد الإيجار المفضي إلى تملك العقار أو العقد الفندقي حيث يشمل عقد إيجار للغرفة و عقد بيع للطعام وعقد وديعة بالنسبة للأمتعة . وهنا تطبق أحكام هذه العقود المكونة للعقد كل منها لما وضع له، فتطبق أحكام الكراء والبيع والعمل والوديعة، غير أنه إذا كان العقد المركب يجمع بين عدة عقود تتباين أحكامها بحيث لا يمكن الجمع بينها وجب تغليب أحدها مع تحري ما قصد إليه المتعاقدان .

    التقسيم الرابع : العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد

    أولا : العقد الملزم لجانب واحد

    أو العقد غير التبادلي وهو العقد الذي لا يلتزم فيه إلا طرف واحد أما الطرف الثاني فلا يتحمل بموجب هدا العقد بأية التزامات، إذ يكفي حصول القبول منه. وبذلك فالعقد الملزم لجانب واحد هو الذي يكون فيه كل من الطرفين إما دائنا أو مدين . ومثال ذلك عقد الوديعة بدون أجر. ففي هذا العقد لا يلتزم المودع بأي شيء في حين يلتزم المودع لديه بعد أن يتسلم الوديعة بأن يحافظ عليها وأن يردها بعينها. ونفس الشيء يقال عن القرض بدون فائدة وعن عارية الاستعمال والوعد بالبيع الملزم للبائع فقط، ويجب عدم الخلط بين العقد الملزم لجانب واحد وبين التصرف بإرادة منفردة . ففي العقد الملزم لجانب واحد لا بد من توافق إرادتين أو أكثر. فإذا كان متعدد الأطراف أثناء نشوئه فهو أحادي الطرف حين تنفيذه خلافا للإرادة المنفردة .

    ثانيا : العقد الملزم لجانبين

    أو العقد التبادلي، وهو العقد الذي يرتب التزامات على عاتق طرفيه بحيث يكون كل منهما دائنا ومدينا في نفس الوقت، وذلك كما هو الشأن في عقد البيع والإيجار والقرض بفائدة. ففي مثل هذا النوع من العقود سبب التزامات كل طرف هو التزامات الطرف الآخر، فكل منهما يلتزم تجاه الآخر لأنه هو أيضا يلتزم تجاهه.

    أهمية تقسيم العقود إلى ملزمة لجانبين وملزمة لجانب واحد

    • إمكانية الدفع بعدم التنفيذ : في العقود الملزمة للجانبين يجوز لكل من الطرفين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إلى أن ينفذ الطرف الآخر التزامه المقابل. وتحديد البادئ بالتنفيذ يتعلق بطبيعة المعاملة أو العرف الجاري به العمل أو الاتفاق، أما في العقود الملزمة لجانب واحد، فلا مجال لإعمال هذه القاعدة طالما أن الطرف الدائن لا يتحمل بأي التزام حتى يمتنع عن تنفيذه .
    • إمكانية المطالبة بالفسخ : من القواعد العامة أنه في حالة عدم تنفيذ المدين لالتزامه، يحق للدائن المطالبة بالتنفيذ الجبري. لكن الدائن يجوز له كذلك للتحلل من التزامه المقابل فيطالب بفسخ العقد أي بمحوه وإلغاء أثاره بحيث لا يكون أي من المتعقدين ملزما إزاء الآخر. ومن الواضح أن هذه الإمكانية غير واردة في حالة العقد الملزم لجانب واحد، لأن الدائن الذي لا تقع عليه التزامات في هذا النوع من العقود لا يستفيد شيئا من فسخ العقد إذا ماطل المدين في تنفيذه.
    • تحمل تبعة الهلاك والمخاطر : تقضي القاعدة أن تبعة استحالة التنفيذ في العقود الملزمة للجانبين تقع على عاتق المدين بالالتزام الذي استحال تنفيذه. فإذا افترضنا مثلا أن حادثا غير متوقع ولا يمكن دفعه (قوة قاهرة) منع أحد المتعاقدين من تنفيذ التزامه، فالطرف الآخر يكون في حِل من الالتزام الملقى على عاتقه. أما إذا كان العقد ملزما لجانب واحد، فالدائن هو الذي يتحمل الخسارة الناتجة عن هذه الاستحالة، فالمدين ينقضي التزامه هنا دون أن يترتب على ذلك انقضاء أي التزام على عاتق الدائن.

    التقسيم الخامس : عقود المعاوضة وعقود التبرع

    أولا : عقود المعاوضة

    عقد المعاوضة هو العقد الذي يأخذ فيه كل من المتعاقدين مقابلا لما يعطيه. فكل منهما يبحث عن مصلحة معينة يسعى للحصول عليها بإبرامه للعقد. والملاحظ أن مثل هذا التصنيف لا ينظر إلا إلى المصلحة الاقتصادية متغافلا عن العنصر النفسي للطرف الذي لا يسعى إلى تحقيق هذه المصلحة في التبرعات.

    ثانيا : عقود التبرع

    عقد التبرع هو العقد الذي لا يأخذ فيه المتعاقد مقابلا لما يعطيه، ولا يعطي فيه المتعاقد الأخر مقابلا لما يأخذه، فهو عقد يتم في غياب تقابل عوضين، وعقود التبرع كثيرة كالعارية والهبة والقرض بدون فائدة. وينبغي لفت الانتباه إلى أنه ليس كل عقود المعاوضة ملزمة للجانبين ولا كل عقود التبرع ملزمة لجانب واحد . فالقرض بفائدة عقد معاوضة رغم أنه لا يلقي التزامات إلا على عاتق المقترض. فهو بالتالي عقد معاوضة ملزم لجانب واحد. وبالمقابل فالهبة بعوض وهي الهبة التي يلزم فيها الموهوب له بأداء ما أو بالالتزام ببعض الالتزامات، تظل عقد تبرع رغم أن مثل هذا العقد يعتبر ملزما للجانبين معا. وكذلك الشأن بالنسبة للعارية بأجر.

    أهمية تقسيم العقود إلى عقود المعاوضة وعقود التبرع

    إن أهمية تقسيم العقود إلى معاوضة وعقود تبرع تظهر على عدة مستويات، وفي عدة مجالات.

    في مجال القانون المدني

    تظهر الأهمية هنا على مستوى مراعاة شخصية المتعاقد وعلى مستوى المسؤولية وكذلك الأهلية.

    أولا: من حيث مراعاة شخصية المتعاقد : إن شخصية المتعاقد غالبا ما تكون محل اعتبار في عقود التبرع، لذلك فالغلط في شخصية المتعاقد تخول المطالبة بإبطال العقد فالواهب لا يهب ماله للموهوب له إلا اعتبارا لشخصه كوجود قرابة أو صداقة متينة بينهما أو غير ذلك من الاعتبارات الشخصية التي تجعله بتبرع له بجزء من ماله. أما في عقد البيع مثلا فشخصية المشتري ليست في الأصل محل اعتبار لذلك فالغلط فيها لا يعرض البيع للإبطال.

    ثانيا: من حيث المسؤولية : حين يتعلق الأمر بعقد تبرع فمسؤولية المتعاقد تكون أخف منها في حالة عقد المعاوضة. فالواهب مثلا لا يضمن إلا فعله الشخصي، بينما يضمن البائع فعل الغير أيضا. كما أن الأمر يختلف في حالة الوديعة بين ما إذا كانت بأجر أو بدونه.

    ثالثا: من حيث الأهلية : تصرفات القاصر تكون باطلة وعديمة الأثر إذا تعلق الأمر بعقود تبرع بينما تكون قابلة للإبطال بالنسبة لعقود المعاوضة .

    في مجال القانون التجاري : تقوم التجارة على أساس الربح والكسب، وهو ما لا يتحقق في عقود التبرع، لذلك لا تخضع هذه الأخيرة للأحكام المطبقة على المعاملات التجارية، لأنها تعتبر أعمالا مدنية دائما. أما عقود المعاوضة فقد تكون تجارية وقد تكون مدنية بحسب الأحوال.

    التقسيم السادس : العقود المحددة القيمة والعقود الاحتمالية

    أولا : العقد المحدد

    هو الذي تُحدد فيه وقت التعاقد التزامات كل من طرفيه والفائدة التي سيحصل عليها من تعاقده ومثال ذلك البيع والإيجار.

    ثانيا : العقد الاحتمالي

    ويسمى كذلك بعقد الغرر حيث لا يمكن وقت إبرامه تقدير الفائدة أو النفع الذي سيجنيه من ورائه كل من طرفيه لتوقف ذلك على حدث غير محقق. ومن أمثلة العقود الاحتمالية عقود التأمين والرهان. ولا يعتبر العقد احتماليا إلا إذا توفر فيع عنصر الاحتمال.

    أهمية هذا التقسيم

    تتجلى أهمية التمييز بين العقود الاحتمالية والعقود المحددة خاصة في ما يتعلق بالغبن. إذ إن المطالبة بالإبطال للغبن ممكن تصوره في العقود المحددة وهو يُقدر حين إبرامها وليس حين تنفيذها، لكن الغبن غير مُتصور في العقود الاحتمالية لأنها تقوم على احتمال الربح والخسارة منذ إبرامها والتي يُعتبر الغَبنُ طبيعيا فيها .

    التقسيم السابع : العقود الفورية والعقود الزمنية

    أولا : العقد الفوري

    هو العقد الذي ينفذ دفعة واحدة، ودون أن يرتبط تنفيذه بعنصر الزمن، كالبيع مثلا فهو ينتج أثاره القانونية دون تأثر بعامل الزمن. وحتى إذا تأخر التنفيذ إلى وقت لاحق فذلك لا يغير في الأمر شيئا ما دام أنه لا يؤثر في التزامات الطرفين.

    ثانيا : العقد الزمني

    ويسمى كذلك بالعقد المستمر، فهو العقد الذي يلعب فيه عنصر الزمن دورا جوهريا وحاسما وعلى أساسه يقاس محله وتحدد التزامات طرفيه. ومثاله عقد الإيجار وعقد العمل، والشركة والتوريد. فهذا النوع من العقود يُنشئ روابط قانونية تستمر في الزمان.

    أهمية هذا التقسيم

    • في حالة بطلان العقد أو فسخه : يؤدي بطلان العقد وفسخه إلى زوال العقد ومحو أثاره بأثر رجعي، أي إلى إرجاع المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد. غير أن ذلك إذا كان ممكنا في العقود الفورية، فهو ليس كذلك في العقود المستمرة أو الزمنية حيث لا يمكن محو الآثار التي ترتبت في الماضي.
    • في حالة الظروف الطارئة : وهي الحالة التي تظهر فيها ظروف طارئة لم تكن موجودة ولا متوقعة حين إبرام العقد بحيث يصبح تنفيذ المدين لالتزامه مرهقا مما يمنحه إمكانية المطالبة بمراجعة شروط العقد وردها إلى الحد الذي يضمن له تنفيذ التزامه دون إرهاق. فتطبيق نظرية الظروف الطارئة، لا يتصور في العقود الفورية التي لا يلعب فيها عنصر الزمن دورا جوهريا، خلافا للعقود المستمرة
    • من حيث الدفع بعدم التنفيذ : فإنه لا ينطبق على العقود الزمنية بخلاف العقد الفوري، فالقاعدة أن الملتزم بالتزام ممتد هو الذي يجب عليه أن يقوم بتنفيذه أولا .
    • من حيث وقف التنفيذ : إن توقيف تنفيذ العقد الزمني يؤثر في عمر وزوال جزء منه لأنه لا يمكن تعويض الذي وقف فيها العقد الزمني، بخلاف العقود الفورية فإن وقف التنفيذ لا يؤثر في التزامات المتعاقدين .
    • الالتزامات في العقد الزمني : تتقابل تقابلا تاما من حيث الوجود ومن حيث التنفيذ، ففي عقد الايجار تقابل الاجرة الانتفاع، أما في العقد الفوري فالتقابل يتحقق في الوجود وقد لا يتحقق في التنفيذ .
    • من حيث وجوب الاعذار : فالإعذار شرط أساسي لاستحقاق التعويض في العقد الفوري بخلاف الاعذار في العقود الزمنية فهو ليس ملزما عند تأخر تنفيذ الالتزام، فالإعذار من طبيعة العقد الفوري .

    التقسيم الثامن : العقود الفردية والعقود الجماعية

    العقد الفردي : هو الذي لا تنصرف آثاره إلا إلى الأطراف الذين شاركوا في إبرامه. ويستوي في هذه المشاركة أن تكون شخصية ومباشرة أو بواسطة الغير عن طريق النيابة القانونية كما يستوي أن يكون أطراف العقد اشخاصا طبيعيين أو اعتباريين، وأن يكون كل من طرفيه واحدا أو متعددا، فالمهم هو ألا تنصرف آثاره إلا إلى عاقديه تطبيقا لمبدأ نسبية آثار العقد الذي يقضي بأن العقد كأصل عام لا يلزم من كان طرفا في إبرامه.

    العقد الجماعي: هو العقد الذي تنصرف آثاره إلى أشخاص لم يشاركوا في إبرامه، ويعتبر ظهور العقود الجماعية مظهرا من مظاهر التطور الاجتماعي الذي تبرمها نقابة للعمال مع رب العمل أو مجموعة من أرباب العمل أو مع نقابة لأرباب العمل، فهي تلزم كل أجير تابع لمؤسسة رب العمل سواء كان يعمل بها قبل إبرام الاتفاقية أو التحق بها بعد ذلك وذلك حتى لو لم يكن عضوا في النقابة التي أبرمت الاتفاقية، وبل وحتى لو عارضها جملة أو في بعض أجزائها.

    أهمية التقسيم

    تظهر أهمية هذا التقسيم على مستوى الآثار التي تترتب عن كل من العقد الفردي أو الجماعي فإذا كانت قاعدة نسبية أثار العقد تجد لها مكانا للتطبيق في العقود الفردية باعتبارها الأصل والمبدأ، فإن الخروج عنها في العقود الجماعية يشكل القاعدة والأساس بحيث تسري بنودها وآثارها على من لم يكن طرفا حين إبرامها. فالاتفاقية الجماعية للشغل مثلا تسري على العمال الجدد الذين لم يكونوا تابعين لرب العمل حين توقيعه عليها بل إنها تشكل الإطار العام الذي يحكم عقودهم الفردية.

    التقسيم التاسع : عقود المساومة وعقود الاذعان

    تعتبر الإرادة العنصر الجوهري والأساسي لتكوين العقد، وحين تغيب الإرادة أو تكون معيبة، فالقانون يجيز المطالبة ببطلان العقد، وهو ما يعني ان القانون يحمي إرادة الأطراف، غير أنه ما بين الإرادة الحرة المتبصرة وبين الرضا المعيب، تقابلنا مجموعة من الأوضاع التي يُملي أحد الطرفين نظرا لقوته الاقتصادية مثلا أو لدرايته بأعمال معينة شروطه على الطرف الآخر الذي يبدو أقل منه قوة وخبرة . ويمكننا في هذا الصدد أن نميز بين عقود إذعان وعقود المساومة.

    أولا : عقد المساومة

    هو العقد الذي يملك كل من طرفيه حرية مناقشة شروطه قبل إبرامه على قدم المساواة مع الطرف الآخر. ففي مثل هذا النوع من العقود يكون الطرفان في نفس المركز.

    ثانيا : عقد الإذعان

    هو العقد الذي يستأثر فيه أحد المتعاقدين بوضع شروط العقد في حين لا يبقى للطرف الآخر إلا قبولها جملة أو رفضها جملة، دون أن يكون له الحق في مناقشتها أو طلب تعديلها وذلك لأن المتعاقد الآخر يكون في مركز أعلى منه يجعله يفرض شروطه. ويتحقق هذا النوع من العقود حين يكون احد الطرفين مستأثرا بخدمة أو محتكرا لسلعة ما، مما يجعل الطرف الثاني يذعن لشروطه إن هو أراد الاستفادة منها، ورغم الانتشار الكبير الذي عرفه هذا النوع من العقود نتيجة التطور الاقتصادي والاجتماعي، خاصة العقود المتعلقة بتوصيل الكهرباء والماء والخطوط الهاتفية والربط بشبكة الإنترنيت، فقد أثارت العديد من النقاشات الفقهية ودعا بعض الفقهاء إلى إخراجها من دائرة العقود المدنية وإلحاقها بالقانون العام بحجة أن إرادة أحد الطرفين غائبة فيها. ومع ذلك فالرأي الغالب يتجه إلى اعتبارها عقودا مدنية ما دام الطرف المذعن يملك حرية إبرامها أو عدم إبرامها، إضافة إلى أن تحقيق المساواة الاقتصادية أو النفسية أمر يستحيل حتى في العقود التي تعتبر عقود مساومة.

    📗 خلاصة الباب

    • تتعدد تقسيمات العقود بحسب زاوية النظر: رضائية/شكلية/عينية، مسماة/غير مسماة، ملزمة لجانبين/لجانب واحد، معاوضة/تبرع، محددة/احتمالية، فورية/زمنية، فردية/جماعية، مساومة/إذعان.
    • التقسيم إلى ملزم لجانبين وملزم لجانب واحد هو الأهم عملياً: يحدد إمكانية الدفع بعدم التنفيذ، والمطالبة بالفسخ، وتحمّل تبعة الهلاك.
    • تمييز عقود المعاوضة عن التبرع يؤثر في تقدير الغلط بشخص المتعاقد ودرجة المسؤولية وأهلية إبرام العقد.
    • عقد الإذعان يبقى عقداً مدنياً رغم غياب المساومة الفعلية، ما دام الطرف المذعن حراً في إبرامه من عدمه.

  • المحور 6 : الوكالة

    📖 نظرية العقد — الفصل 7 من 21 — فهرس الكتاب

    من المبادئ المقررة في ميدان التعاقد ان العقد لا يلزم الا من كان طرفا فيه، فآثاره لا تنصرف الا الى متعاقديه بالذات ما دام قد ارتضيا ذلك، غير هذه القاعدة ليست مطلقة، اذ قد يحدث أحيانا، وهذا جائز قانونا، ان يتعاقد شخص نيابة عن غيره فتنصرف آثار التعاقد مباشرة الى هذا الغير كما لو كان قد باشر العقد بنفسه، فتترتب له الحقوق ويتحمل بالالتزامات الناشئة عنه، ويكون للأصيل الحق في المطالبة بها بنفسه كما يطالب بتنفيذ الالتزامات، والتعاقد بالنيابة يقتضي حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل في إبرام تصرف قانوني باسم الأصيل ولحسابه، وذلك ضمن حدود النيابة المرسومة له.

    وتنقسم النيابة إلى نيابة قانونية منظمة بمقتضى مدونة الاسرة، كما أن هناك النيابة الاتفاقية ( الوكالة) المنظمة بموجب قانون الالتزامات والعقود، وهناك أيضا الوكالة التجارية التي نظمت أحكامها مدونة التجارة .

    عقد الوكالة التجارية

    عرفت مدونة التجارة المغربية عقد الوكالة التجارية من خلال المادة 393 بقولها: ” الوكالة التجارية عقد يلتزم بمقتضاه شخص ودون أن يكون مرتبطا بعقد عمل، بالتفاوض أو بالتعاقد بصفة معتادة، بشان عمليات تهم أشرية أو بيوعات، أو بصفة عامة جميع العمليات التجارية باسم و لحساب تاجر أو منتج أو ممثل تجاري آخر يلتزم من جهته بأدائه أجرة عن ذلك”.

    من خلال هدا التعريف يتضح أن عقد الوكالة التجارية باعتباره مثل سائر العقود، يجب أن يخضع للأركان العامة للعقد الواردة في قانون الالتزامات و العقود، وباعتبار أن الأمر يتعلق بعقد تجاري و هذا الأخير يعد من أعمال التصرف و الإدارة، و بالتالي يجب على الوكيل أن يكون متوفرا على جميع الشروط التي يتطلبها القانون لاكتساب الأهلية التجارية حتى يستطيع أن يبرم عقد وكالة تجارية .

    أولا : النيابة القانونية

    تكون النيابة قانونية عندما يتولى القانون أمر تعيين النائب الذي يقوم بشؤون الاصيل، كالولي الذي يقوم بإبرام تصرفات قانونية نيابة عن القاصر، والفضولي الذي يعمل نيابة عن رب العمل، والدائن في الدعوى غير المباشرة الذي يقيم دعوى نيابة عن مدينه المتقاعس عن دفعها، فالمشرع نص على النيابة القانونية حماية لمصالح بعض الفئات من أفراد المجتمع من الضياع اما لصغر سنهم أو لضعف ادراكهم أو لعدم كفاءتهم .

    إلى جانب هؤلاء هناك اشخاص اخرون اعتبرهم القانون بحكم الوظيفة نوابا، وبإمكانهم ان يباشروا بعض التصرفات القانونية كالوزراء ومديري المصالح حيث يعتبرون نوابا عن الحكومة في تصرفاتهم المالية بمقتضى القوانين الدستورية والادارية، ولما كانت هذه القوانين تعتبر الوظيفة تكليفا فان نيابتهم تعتبر نيابة قانونية .

    ثانيا : النيابة القضائية

    تكون النيابة قضائية حين يكون تعيين النائب قد تم من طرف القضاء، كما هو الشأن بالنسبة للوصي والمقدم والحارس القضائي ووكيل التفليسة والمصفي القضائي، والنائب يعتبر معينا من طرف القضاء ولو كان اختياره للنيابة قد جاء نتيجة اتفاق بين الاطراف ما دام أن تعيينه كان متوقفا على اجازة القضاء .

    ثالثا : النيابة الاتفاقية

    تكون النيابة اتفاقية اذا كان مصدرها العقد، أي عقد الوكالة، بعبارة اخرى هي النيابة الناتجة عن اتفاق بين الاصيل وهو المُـُوكل مع النائب وهو الـَوكيل، حيث يقوم الوكيل بمقتضى عقد الوكالة بالقيام بالتصرفات القانونية المنصوص عليها في هذا العقد نيابة عن الاصيل وباسمه. والنيابة الاتفاقية قد ترد صراحة وقد ترد ضمنيا حيث يستفاد ذلك من ظروف الحال، ونلاحظ أن القانون هو الذي يحدد ولاية النائب في كل من النيابة القانونية والنيابة القضائية فهو مصدرها، بينما الاتفاق هو الذي يحدد ولاية النائب في النيابة الاتفاقية فهو مصدرها. تقوم الوكالة بدور مهم في المعاملات المدنية والتجارية ذلك أنه من خلالها يتمكن الاشخاص غير القادرين على إبرام التصرفات القانونية من قضاء مصالحهم عن طريق الوكالة، كما أنهم يتمكنون من تجاوز سلبيات الانقال من مكان إلى آخر.

    عرف المشرع المغربي الوكالة في الفصل 879 من ق ل ع بأنها : ” الوَكالة عقد بمقتضاه يكلف شخص شخصا آخر بإجراء عمل مشروع لحسابه، ويسوغ إعطاء الوَكالة أيضا لمصلحة الموكل والوكيل، أو لمصلحة الموكل والغير، بل ولمصلحة الغير وحده.”

    أما بالنسبة لمحل العقد، فان الأمر يتعلق هنا بالتفاوض أو التعاقد على شراء أو بيع بضائع أو منتجات يجب أن يكون التعامل عليها مباحا و ليس محرما قانونا و لا مخالفا للنظام العام أو الآداب، وبالتالي يجب أن يكون المحل مشروعا، أما بالنسبة للسبب فيجب أن يكون موجودا سواء تعلق الأمر بسبب الالتزام أو بسبب العقد، فالأول يجب أن يكون متقابلا و مشروعا و الثاني يجب أن يكون مشروعا كذلك، كل هذا مع ضرورة صدور الإيجاب و القبول عن رضا تام صحيح غير مشوب بأي عيب من عيوب الإرادة مثل الغلط و التدليس و الإكراه و الغبن بشروطه.

    تمييز الوكيل عن الرسول

    في التعاقد بالنيابة يعبر النائب عن ارادته الشخصية التي تحل محل ارادة الاصيل فهو ليس بوسيط تقتصر مهمته على نقل ارادة احد الطرفين الى الطرف الاخر الذي يجعل منه رسولا، فالنائب يختلف عن الرسول، فالرسول يقتصر دوره على نقل ارادة احد الطرفين الى الطرف الاخر، لا يهم بعد ذلك اذا ما كان نقل هذه الارادة قد تم شفويا او كتابيا ولا دخل لإرادته الشخصية في عملية التعاقد، فالرسول هو فقط بمثابة مبلغ بين الطرفين، فالرسول ناقل لإرادة الغير على حالها، كما عبر عنها ذلك الغير، اما النائب فعكس الرسول فهو لا ينقل ارادة الاصيل بل يعبر عنها وذلك بإحلال ارادته الشخصية محلها، فالتعاقد بنائب يعتبر كالتعاقد بين حاضرين اذ جمع النائب والغير متعاقد معه مجلس واحد، اما التعاقد برسول فيعتبر تعاقدا بين غائبين ما دام الاصيل يتعاقد بنفسه ولكن بواسطة رسول عنه حتى ولو جمع الرسول والطرف الاخر مجلس واحد.

    لذلك فإن التعاقد بالنيابة يتم بإرادة النائب التي تحل محل ارادة الاصيل، لذا وجب فيه ان يكون متمتعا بالتمييز، اذ لا يعقل ان يكون النائب صبيا غير مميز لانعدام إرادته، كما يجب أن تكون ارادته خالية من العيوب التي قد تشوبها كالغلط او التدليس او الاكراه، اما في التعاقد برسول فان العبرة بإرادة المُرسل لا الرسول الذي يعد ناقلا لها، ولا يشترط في الرسول توافر اهلية الالتزام بل يجب أن يكون قادرا فقط على نقل الرسالة، لذلك تصح الرسالة الواقعة من الصبي غير المميز او المجنون، أي انه يصح ان يكون رسولا، ما دام أن عيوب الارادة لا يرجع فيها الى الرسول بل الى المُرسل، فالتعاقد برسول لا يعدو ان يكون سوى مجرد اداة لنقل ارادة المرسل الى المرسل اليه، فدوره في التعاقد لا يختلف عن الدور الذي تقوم به ادارة البريد من اجل تبليغ الرسائل والبرقيات لأصحابها.

    تمييز الوكالة عن النيابة

    ميز الفقه بينهما مبينا بان النيابة هي سلطة قانونية لتمثيل شخص معين في ابرام تصرف قانوني معين، هذه السلطة تستمد مصدرها من القانون أو من القضاء أو من عقد الوكالة نفسه، اما الوكالة فهي العقد التي تستمد منه هذه السلطة، الامر الذي يتجلى منه بكل وضوح الفرق بين السلطة ومصدرها، فالنيابة الاتفاقية سلطة قانونية والوكالة مصدر هذه النيابة، واذا كانت الوكالة أساسها العقد، فان النيابة الاتفاقية أساسها الارادة المنفردة، اذ الاعمال التي يقوم بها النائب لحساب الاصيل تعود اثارها الى هذا الاخير على الرغم من انه لم يقم بها بنفسه. يتبين اذن انه ليس من الضروري وجود تلازم بين النيابة والوكالة، فقد توجد النيابة بدون وكالة وهذا هو الشأن في النيابة القانونية كنيابة الولي، او في النيابة القضائية كنيابة الوصي او المقدم او الحارس القضائي او السنديك، كما قد توجد الوكالة بدون نيابة، كما هو الشأن في حالة تعاقد الوكيل باسمه الشخصي، وليس باسم موكله او حالة تعاقد الوكيل بالعمولة.

    ويلاحظ ان هناك فرقا بين الحالة التي يتعاقد فيها الوكيل باسم موكله ولحسابه حيث تنسحب اثار العقد الى الاصيل فنكون امام وكالة ونيابة في ان واحد وبين الحالة التي يكون فيها الشخص وكيلا عن الغير ولكنه يتعاقد باسمه حيث تنعدم النيابة وتبقى العلاقة قائمة بين الوكيل المتعاقد باسمه الشخصي والمتعاقد الاخر ومنحصرة عليهما وحدهما فنكون أمام وكالة دون نيابة.

    شروط الوكالة أو النيابة الاتفاقية

    يتطلب قيام الوكالة قياما صحيحا مجموعة من الشروط .

    أولا : إحلال إرادة النائب محل إرادة الأصيل

    يتعاقد النائب بإرادته الشخصية لا بإرادة الاصيل فهو يعبر عنها ويقصد من وراء احلالها محل ارادة الاصيل احداث اثار قانونية في ذمة هذا الاخير، هذا الأمر هو ما يميز الوكيل عن الوسيط الذي يقتصر دوره فقط على نقل إرادة الأصيل، بينما الوكيل يتصرف بإرادته، ولا يشترط الفصل 880 من ق ل ع أن تتوافر فيه الأهلية الكاملة بل يكتفي أن يكون متمتعا بالتمييز و بقواه العقلية، عكس الموكل الذي يشترط فيه أن يكون كامل الأهلية .

    ثانيا : يجب أن يكون التعاقد باسم الأصيل ولحسابه

    معنى ذلك أن يبين الوكيل عن هويته القانونية باعتباره وكيلا، فإذا لم يكن الغير المعنى بالعقد على علم بكون التعاقد يتم باسم الأصيل ولحسابه فإن آثار العقد تنصرف إلى الاصيل لا إلى الوكيل.

    ثالثا : تقيد الوكيل بتعليمات الأصيل

    بمعنى أن الوكيل يجب أن يحترم حدود الوكالة وهو الأمر الذي نص عليه الفصل 895 من ق ل ع بقوله : ” على الوكيل أن ينفذ بالضبط المهمة التي كلف بها. فلا يسوغ أن يجري أي عمل يتجاوز أو يخرج عن حدود الوَكالة.” بمعنى أن آثار العقد لا تنصرف إلى الأصيل ما لم تتم النيابة في حدودها إلا في حالات خاصة محددة نص عليها الفصل 927 بقوله : ” لا يلتزم المُوكل بما يجريه الوكيل خارج حدود وكالته أو متجاوزا إياها، إلا في الحالات الآتية: أولا : إذا أقره، ولو دلالة؛ ثانيا : إذا استفاد منه؛ ثالثا : إذا أبرم الوكيل التصرف بشروط أفضل مما تضمنته تعليمات الموكل؛ رابعا : إذا أبرم الوكيل التصرف بشروط أقسى مما تضمنته تعليمات الموكل مادام الفرق يسيرا، أو كان مما يتسامح به في التجارة أو في مكان إبرام العقد.

    تمثيل الاشخاص المعنوية

    التعاقد بالنيابة لا يقتصر على الاشخاص الطبيعية فحسب بل يشمل حتى الاشخاص المعنوية فلما كان الشخص المعنوي لا يستطيع التعبير عن ارادته، فقد بات من اللازم تعيين من ينوب عنه في التعبير عن هذه الارادة عند اجراء التصرفات القانونية. والشخص المعنوي قد يكون شركة أو جمعية عمومية، فيحتاج من اجل تقوية نشاطه الى ابرام عقود مع الغير، هذه العقود لا يتأتى ابرامها الا من طرف ممثليه من مدراء او متصرفين او وكلاء، فتصرف اثارها الى الشخص المعنوي نفسه على الرغم من ان التعبير عن الارادة قد تم بواسطة النائب.

    التمثيل بواسطة المستخدم

    يعتبر المستخدم بمقتضى عقد العمل تابعا لمخدومه، فهو يطبق تعليماته فقط ولا ينوب عنه فعلاقته هي علاقة التابع بالمتبوع، غير انه قد يحدث احيانا ان يمنح رب العمل لبعض مستخدميه بعض السلطات كتحديد ثمن البضاعة المعروضة للبيع مثلا او اختيار نوعية الزبناء، فيمتزج عقد العمل بالنيابة، وعندئذ ينبغي تطبيق القواعد المتعلقة بالنيابة اذا ما مارسها المستخدم في اطار السلطة الممنوحة له، ولا يهم بعد ذلك ما اذا كانت صريحة او ضمنية تبعا لما اقره الاجتهاد من ان الطابع الاساسي للنيابة لا يتحقق الا في السلطة الممنوحة للوكيل وذلك بالعمل نيابة عن الموكل . جاء في الفصل 884 من ق ل ع : ” غير انه لا يفترض في الخدم انهم موكلون في شراء الحاجيات الضرورية لمنازل مخدومهم بالسلف ما لم يثبت ان من عادة المخدوم الشراء بالسلف”.

    فالمشرع هنا يكون قد اقر الوكالة الضمنية للخادم.

    📗 خلاصة الباب

    • الوكالة نيابة اتفاقية مصدرها العقد (الفصل 879)، تختلف عن النيابة القانونية والقضائية اللتين يحدد القانون أو القضاء ولايتهما.
    • الوكيل يعبّر بإرادته الشخصية عكس الرسول الذي ينقل فقط إرادة الأصيل، ولذلك يكفي فيه التمييز لا الأهلية الكاملة (الفصل 880).
    • الوكيل مقيّد بحدود وكالته (الفصل 895)، ولا يلتزم الموكل بما تجاوزه إلا في حالات محددة كالإقرار أو الاستفادة (الفصل 927).
    • تنتهي الوكالة من حيث المبدأ بموت الموكل أو الوكيل (الفصل 929)، إلا إذا كانت لمصلحة الوكيل أو الغير.

  • المحور 5 : الغير

    📖 نظرية العقد — الفصل 6 من 21 — فهرس الكتاب

    الغير هو الأجنبي عن العقد، فهو كل شخص خلاف المتعاقدين وخلفائهما ودائنيهما، فهو لا يتأثر بالعقد ولا يحمله بأي التزام، فالعقد المبرم بين المتعاقدين كما لا يضر الغير فهو لا ينفعه وفقا لقاعدة نسبية آثار العقد، مع استثناءات.

    أولا : الاشتراط لمصلحة الغير ( العقد لا ينفع الغير)

    جاء في الفصل 228 من ق ل ع : ” الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون”. نستشف هنا قاعدتين مختلفتين، تعتمد الأولى على الجانب السلبي المتمثل في عدم سريان ما ينتج عن العقد من التزامات تجاه الغير الذي لم يكن طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير، وتركز الثانية على الجانب الايجابي، فالعقد لا ينفع الغير، والحقوق المتولدة عن عقد لم يكن الغير طرفا فيه لا تنصرف إلى هذا الغير إلا استثناء وبنص القانون.

    الفصل 33 : ” لا يحق لأحد أن يلزم غيره، ولا أن يشترط لصالحه إلا إذا كانت له سلطة النيابة عنه بمقتضى وكالة أو بمقتضى القانون. “

    الفصل 34 : ” ومع ذلك، يجوز الاشتراط لمصلحة الغير ولو لم يعين إذا كان ذلك سببا لاتفاق أبرمه معاوضة المشترط نفسه أو سببا لتبرع لمنفعة الواعد. وفي هذه الحالة ينتج الاشتراط أثره مباشرة لمصلحة الغير، ويكون لهذا الغير الحق في أن يطلب باسمه من الواعد تنفيذه وذلك ما لم يمنعه العقد من مباشرة هذه الدعوى أو علقت مباشرتها على شروط معينة. ويعتبر الاشتراط كأن لم يكن إذا رفض الغير الذي عقد لصالحه قبوله مبلغا الواعد هذا الرفض.”

    الفصل 35 : ” يسوغ لمن اشترط لمصلحة الغير أن يطلب مع هذا الغير تنفيذ الالتزام ما لم يظهر منه أن طلب تنفيذه مقصور على الغير الذي أجري لصالحه.”

    الاشتراط لمصلحة الغير هو عقد ينشأ بموجبه لشخص أجنبي عن العقد ويسمى المنتفع، حق مباشر تجاه أحد المتعاقدين ويسمى المتعهد اشترطه عليه المتعاقد الآخر ويسمى المشترط، فالاشتراط لمصلحة الغير يشكل استثناء من مبدأ العقد لا يُكسب نفعا للغير، واستثناء لما قرره الفصل 33 من ق ل ع الذي نص على أنه : ” لا يحق لأحد أن يلزم غيره، ولا أن يشترط لصالحه إلا إذا كانت له سلطة النيابة عنه بمقتضى وكالة أو بمقتضى القانون.”

    وقد أقر ق ل ع في الفصلين 34 و 35 جواز الاشتراط لمصلحة الغير وبين الآثار التي تترتب عليه سواء بالنسبة للمشترط أو بالنسبة للمنتفع أو الغير.

    الفصل 34 : ” يجوز الاشتراط لمصلحة الغير ولو لم يعين إذا كان ذلك سببا لاتفاق أبرمه معاوضة المشترط نفسه أو سببا لتبرع لمنفعة الواعد. وفي هذه الحالة ينتج الاشتراط أثره مباشرة لمصلحة الغير، ويكون لهذا الغير الحق في أن يطلب باسمه من الواعد تنفيذه وذلك ما لم يمنعه العقد من مباشرة هذه الدعوى أو علقت مباشرتها على شروط معينة. ويعتبر الاشتراط كأن لم يكن إذا رفض الغير الذي عقد لصالحه قبوله مبلغا الواعد هذا الرفض.”

    وللاشتراط لمصلحة الغير صور عديدة، كعقود الهبة بعوض، وفي عقود التأمين خصوصا التأمين عن الحياة أو التأمين من المسؤولية، فقد يؤمن المتعاقد على حياته لمصلحة أولاده. أو يؤمن لمصلحة متضرر محتمل على الطرق السيارة، كما نجده في عقود نقل البضائع وعقود نقل الاشخاص، وفي عقود المرافق العامة.

    الأطراف في الاشتراك لمصلحة الغير

    • المــُشترط : وهو الشخص الذي يقرر الحق للغير
    • الــمُتعهد : وهو الشخص الذي يتحمل بالالتزام
    • المـُستفيد : وهو المنتفع من العقد رغم أنه ليس طرفا فيه ولا يشترط أن يكون معينا وقت ابرام العقد.

    شروط الاشتراط لمصلحة الغير:

    • أن يتعاقد المشترط باسمه لا باسم المنتفع وهذا ما يميزه عن الوكالة والفضالة، فكل شخص يستطيع أن يشترك لمصلحة الغير ما دامت له مصلحة من وراء ذلك، ويمكنه الرجوع في هذا الاشتراك لمصلحة الغير ما لم تكن ثمة التزامات تربطه بالمنتفع وتحول دون هذا الرجوع.
    • أن تنصرف إرادة المتعاقد إلى إنشاء حق مباشر للمنتفع، فمصدر هذا الحق هو العقد ذاته، فينشأ حق شخصي للمنتفع على المتعهد من هذا العقد رغم أنه ليس طرفا فيه.
    • أن تكون للمشترط مصلحة شخصية مادية أو أدبية، وهذا ما يميزه عن الفضولي في الفضالة، هذه المصلحة يجب أن تكون مشروعة .

    بالإضافة الى هذه الشروط يجب أن يخضع العقد للقواعد العامة كصحة الارادة وكذلك للشروط الخاصة بالبيع مثلا لو تعلق الامر بعقد بيع أو للشروط الخاصة بعقد التأمين لو تعلق الامر بعقد تأمين.

    آثار الاشتراط لمصلحة الغير ، نميز بين علاقات ثلاث:

    علاقة المشترط أو المتعاقد بالمتعهد أو الملتزم : وتحدد هذه العلاقة بمقتضى العقد الذي توافق عليه الطرفان، وبقوته يمكن للمشترط أن يطالب المتعهد بتنفيذ التزامه.

    علاقة المشترط بالمنتفع : قد تكون هذه العلاقة من قبيل التبرع وإما من قبيل المعاوضة، تبعا لقصد المشترط من العقد، وهو ما جاء به الفصل 34 من ق.ل.ع، ذلك أنه سواء كانت طبيعة العلاقة بين المشترط والمنتفع علاقة تبرع أم معاوضة، فإن حق المنتفع في الاستفادة من الاشتراط متوقف على عدم رفضه له.

    علاقة المنتفع بالمتعهد : تعد هذه العلاقة أهم ما في الاشتراط لمصلحة الغير، لأنها هي التي تضفي عليه طابعه الخاص كاستثناء من قاعدة نسبية آثر العقد وعدم انصراف أثاره إلى غير المتعاقدين، إذ ينشأ عن هذه العلاقة حق مباشر للمنتفع يكون مصدره عقد الاشتراط. وهنا يظهر الخروج على قاعدة نسبية آثار العقد، فالمنتفع وهو لم يكن طرفا في عقد الاشتراط، بل من الممكن أن يكون غير موجود أصلا وقت الاشتراط أي قد يكون وجود المنتفع شرطا مستقبليا أو أن يكون شخصا غير معين بالذات وقت العقد، و مع ذلك ينتفع من العقد. ومتى وقع الاشتراط لمصلحة الغير صحيحا، فإن آثاره تنصرف مباشرة إلى هذا الغير المنتفع في مواجهة المتعهد، ويكون في مركز الشخص الذي اشترط لمصلحته المشترط، فالاشتراط لمصلحة الغير ينتج أثره مباشرة لمصلحة هذا الغير، وتكون له الصفة في أن يقاضي باسمه الملتزم بتنفيذ ما التزم به .

    ثانيا : الالتزام عن الغير شرط إقراره إياه ( العقد لا يضر الغير )

    الغير طبقا لمبدأ نسبية آثار العقد لا يتأثر بما يبرمه غيره من العقود، لكن هناك حالات استثنائية تجعل الغير يتحمل بالتزامات في إطار عقد لم يشارك في إبرامه، وأهم هذه الحالات : الالتزام عن الغير شرط إقراره إياه، ثم التعهد عن الغير .

    الفصل 36 : ” يجوز الالتزام عن الغير على شرط إقراره إياه، وفي هذه الحالة يكون للطرف الآخر أن يطلب قيام هذا الغير بالتصريح بما إذا كان ينوي إقرار الاتفاق. ولا يبقى هذا الطرف ملتزما إذا لم يصدر الإقرار داخل أجل معقول، على أن لا يتجاوز هذا الأجل خمسة عشر يوما بعد الإعلام بالعقد.”

    الفصل 37 : ” يعتبر الإقرار بمثابة الوَكالة، ويصح أن يجيء ضمنيا وأن ينتج من قيام الغير بتنفيذ العقد الذي أبرم باسمه. وينتج الإقرار أثره في حق المقر فيما يرتبه له وعليه من وقت إبرام العقد الذي حصل إقراره ما لم يصرح بغير ذلك، ولا يكون له أثر تجاه الغير، إلا من يوم حصوله.

    ويقصد بالالتزام عن الغير شرط إقراره إياه، أن يلتزم شخص باسم غيره، شرط أن يقر هذا الغير هذا الالتزام، وقد نظمت أحكام هذا الالتزام الفصول من 36 و 37 من ق.ل.ع، وتتحقق هذه الصورة عندما يتصرف شخص باسم شخص آخر دون أن يكون له وكيلا، لكن تربطه بمن يتصرف عنه صلة خاصة تجعله موقن بأنه سيقر تصرفه، وقد يكون وكيلا لكنه تجاوز حدود وكالته، وتطبيقا لمبدأ سلطان الإرادة، فإن الغير الذي أُبرم الالتزام باسمه له الحرية المطلقة في أن يرفض هذا الالتزام أو يقبل به فيكون الاقرار اللاحق بمثابة الوكالة السابقة.

    * حالة رفض الالتزام

    إذا رفض الغير العقد المبرم باسمه، فلا يمكن إلزامه به، لأن الالتزام وقع في الأصل معلقا على شرط واقف هو أن يحظى التعاقد بإقرار الغير المتعاقد باسمه.

    * حالة إقرار الالتزام

    يجب أن يكون الإقرار داخل أجل معقول، وللملتزم أن يطلب من هذا الغير التصريح بموقفه والإفصاح عن نيته في ما إذا كان ينوي إقرار الاتفاق داخل أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ الإعلام بالعقد، طبقا للفصل 36 من ق ل ع : ” يجوز الالتزام عن الغير على شرط إقراره إياه، وفي هذه الحالة يكون للطرف الآخر أن يطلب قيام هذا الغير بالتصريح بما إذا كان ينوي إقرار الاتفاق. ولا يبقى هذا الطرف ملتزما إذا لم يصدر الإقرار داخل أجل معقول، على أن لا يتجاوز هذا الأجل خمسة عشر يوما بعد الإعلام بالعقد.”

    وإذا ما أجاز هذا الغير التصرف داخل هذا الأجل انقلب الملتزم عن الغير وكيلا، فالإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وينتج هذا الإقرار أثره في ما بين المتعاقد الآخر والمُقر الغير من وقت إبرام التصرف الذي وقع إقراره، بمعنى أن للإقرار أثر رجعي ما بين المقر والمتعاقد الآخر دون الغير الذي لا يكون للإقرار أي أثر في مواجهته إلا من تاريخ حصوله طبقا للفصل 37 من ق.ل.ع.

    ثالثا : التعهد عن الغير

    لم ينص عليه المشرع المغربي لكن الفقه يعتبره صورة من صور الالتزام عن الغير شرط اقراره اياه، ويقصد بالتعهد عن الغير ذلك العقد الذي يتم بين شخصين بمقتضاه يلتزم أحدهما وهو المُتعهد بان يجعل شخصا ثالثا يلتزم في مواجهة المتعاقد معه، فنتحدث عن عقدين بين ثلاثة اشخاص، لكن التعهد عن الغير يستلزم توافر ثلاثة شروط:

    أولا : أن يتعاقد المتعهد عن الغير باسمه لا باسم الغير الذي يتعهد عنه

    من هنا فإن المتعهد يعمل لنفسه وينصرف إليه أثر العقد، ومركزه القانوني يختلف عن مركز الوكيل والفضولي، كما يختلف عن الملتزم عن الغير الذي يتعاقد باسم الغير لا باسمه، وبالتالي فإن العلاقة بين المتعهد والمتعاقد الآخر هي علاقة تعاقدية يترتب على عدم وفاء المتعهد بالتزامه تحقق مسؤوليته العقدية.

    ثانيا : أن تتجه نية المتعهد إلى إلزام نفسه بهذا التعهد لا إلزام الغير

    وإلا فإن تعاقده باسمه مع إرادة إلزام غيره بتعاقده، يجعل العقد باطلا لاستحالة المحل، لذلك فإن قبول الغير للتعهد هو الذي يولد عقدا آخر جديدا بين هذا الغير والمتعاقد الآخر، ويكون هذا العقد هو مصدر التزام الغير وليس تعاقد المتعهد، وفي هذا يظهر الاختلاف بين التعهد عن الغير والاشتراط لمصلحة الغير الذي تنصرف فيه نية المشترط إلى إكساب الغير حقا مباشرا من ذات العقد الذي أبرمه المشترط مع المتعهد . وكذلك الأمر بالنسبة للالتزام عن الغير شرط إقراره إياه، إذ إن إقرار الغير لهذا الالتزام لا يولد عقدا جديدا، بل يبقى العقد الذي أبرم باسمه هو الذي ينتج آثاره.

    ثالثا : أن يكون محل التزام المتعهد القيام بعمل يتمثل في حمل الغير على قبول التعهد

    فالتزام المتعهد هنا هو التزام بتحقيق نتيجة وليس فقط التزاما بوسيلة، بحيث إذا رفض الغير إبرام هذا العقد تحمل المتعهد المسؤولية العقدية، أما إذا قبل الغير إبرام العقد لكن تراخى عن تنفيذه فلا مسؤولية على المتعهد مادام أنه قد التزم فقط بضمان ابرام العقد لا بتنفيذه.

    📗 خلاصة الباب

    • الأصل أن العقد لا يضر الغير ولا ينفعه (الفصل 228)، لكن الاشتراط لمصلحة الغير استثناء صريح يمنح المنتفع حقاً مباشراً تجاه المتعهد (الفصلان 34 و35).
    • الالتزام عن الغير مشروط بإقراره (الفصل 36)، والإقرار يعادل الوكالة السابقة وله أثر رجعي بين المتعاقدين لا تجاه الغير نفسه إلا من يوم حصوله (الفصل 37).
    • يُميَّز بين الاشتراط لمصلحة الغير (تعاقد باسم المشترط لإنشاء حق مباشر للمنتفع) والتعهد عن الغير (التزام بتحقيق نتيجة هي حمل الغير على القبول).

  • المحور 4 : الخلف العام والخلف الخاص والدائنون

    📖 نظرية العقد — الفصل 5 من 21 — فهرس الكتاب

    يُقصد بمبدأ نسبية آثار العقد من جهة، اقتصار آثار العقد على طرفيه وعدم انصرافها إلى الغير إلا في حالات معينة وضمن حدود محددة وهي نسبية آثار العقد من حيث الأشخاص، وهناك من جهة ثانية عدم إمكانية إلزام الأطراف المتعاقدة إلا بما تضمنه العقد أو تفرضه طبيعة المعاملة، وهي نسبية العقد من حيث الموضوع.

    فإذا انعقد العقد صحيحا ترتبت آثاره التي أرادها عاقدوه، أي أن هذه الآثار تنسحب إلى العاقدين، ولا تمتد إلى غيرهما، وهذا ما يعبر عنه بنسبية آثار العقد من حيث الأشخاص، لكن إذا كان المبدأ هو اقتصار آثار العقد على المتعاقدين، فإنه ولاعتبارات ترجع إلى العدالة واستقرار التعامل تنصرف كذلك إلى الغير، لذلك فإن الحديث عن آثار العقد بالنسبة إلى المتعاقدين لا يعني أن هذه الآثار تنصرف فقط إلى من كان طرفا في العقد وعبر عن إرادته، وإنما تنصرف كذلك إلى من يمثل هذا الطرف في التعاقد، فالعقد الذي يبرمه الشخص كما ينصرف آثره إليه، ينصرف كذلك إلى خلفه العام وقد ينصرف إلى خلفه الخاص، كما قد يمتد إلى دائينه .

    أولا : الخلف العام

    يعرف الخلف العام بأنه كل من يخلف سلفه في كل ذمته أو في كسر حسابي محدد منها، والقاعدة هي انصراف آثر العقد إلى الخلف العام والاستثناء هو عدم انصرافه إليه في حالات محددة، جاء في الفصل 229 من ق.ل.ع : ” تنتج الالتزامات أثرها لا بين المتعاقدين فحسب، ولكن أيضا بين ورثتهما وخلفائهما ما لم يكن العكس مصرحا به أو ناتجا عن طبيعة الالتزام أو عن القانون. ومع ذلك، فالورثة لا يلتزمون إلا في حدود أموال التركة، وبنسبة مَناب كل واحد منهم. وإذا رفض الورثة التركة، لم يجبروا على قبولها ولا على تحمل ديونها وفي هذه الحالة ليس للدائنين إلا أن يباشروا ضد التركة حقوقهم.”

    مفاد الفصل 229 أن الالتزامات التي ينشئها العقد تنتقل إلى الوارث بعد موت الموروث المتعاقد، أما الشريعة الإسلامية فتنص على أنه ” لا تركة إلا بعد سداد الدين”، وعليه فإن الورثة ليسوا مسؤولين عن ديون الهالك، لكن إذا حازوا التركة قبل تصفية الديون كانوا مسؤولين عن ذلك حسب نسبة كل واحد منهم ، معنى ذلك أن أثر العقد ينصرف إلى الخلف العام، بشكل يجعله في منزلة المتعاقد، لكن في حدود ما أصابه من التركة، ويسري في حقه ما كان يسري في حق السلف بخصوص العقد.

    الاستثناء عدم انصراف آثر العقد إلى الخلف العام

    أشار الفصل 229 من ق ل ع إلى حالات ثلاث، تشكل في مجملها استثناءات من مبدأ سريان آثار العقد على الخلف العام وهي:

    – إرادة المتعاقدين : طبقا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فإنه إذا تضمن العقد أن أثرا من آثاره لا ينتقل من السلف العاقد إلى خلفه فلا ينتقل تبعا لذلك، ما دام أن ذلك لا يخالف النظام العام، اذا اشترط الدائن أن المدين وحده من يستفيد من أجل الدين فيجب على الورثة أداء الدين.

    – طبيعة العقد : إذا اقتضت طبيعة التعامل عدم انتقال آثاره إلى الخلف العام، فإن هذه الآثار لا تنسحب إلى هذا الأخير سواء كان المانع من الانتقال قانونيا أو ماديا، فالطبيعة القانونية لعقد الانتفاع تقتضي أن لا ينتقل حق الانتفاع الى الورثة، نفس المقتضى في عقد المزارعة أو عقد الوكالة أو عقد الشركة، والطبيعة المادية لعقد التطبيب تقتضي أن التزام علاج المريض لا ينتقل الى ورثة الطبيب .

    – حالة نص القانون : فقد يتضمن القانون نصا صريحا يقضي بعدم انتقال آثار العقد إلى الخلف، وبالتالي يصبح المنع بقوة القانون ولا يكون للأطراف الاتفاق على مخالفته وإلا كان الاتفاق مخالفا للنظام العام، من ذلك مثلا ما نص عليه الفصل 929 بأن الوكالة تنتهي بقوة القانون بموت الموكل أو الوكيل، وبالتالي فإن آثار عقد الوكالة لا يمكن أن تنتقل إلى الخلف، نفس المقتضى بالنسبة للوصية إذ لا يسوغ للشخص أن يوصي بأكثر من ثلث تركته، وإذا أوصى بأكثر من الثلث كانت وصيته غير نافذة في الجزء الزائد على الثلث.

    ثانيا : الخلف الخاص

    يقصد بالخلف الخاص من يتلقى من سلفه حقا معينا كان قائما في ذمة هذا السلف، سواء كان الحق عينيا أو شخصيا، وكذا الموصى له بمنقول أو عقار معين وكذا الموهوب له، فالخلفية هنا خلفية خاصة تثبت على حق محدد وليس على عنصر مشاع في الذمة المالية، كما هو الحق في الحوالة أو النزول عن الايجار، فالمحال له خلف خاص للمحيل في الحق المحال به، نفس الامر بالنسبة للمشتري لكن في حالة الابطال أو الفسخ لا نتحدث عن الخلافة لأن الأثر الرجعي ينص على أن الملكية لم تنتقل الى المشتري اصلا، الفكرة أن الخلف الخاص يخلف سلفه في حق معين بمقتضى تصرف إرادي كالعقد، هذا الحق ينتقل الى الخلف الخاص بكل أوصافه كالشرط والأجل، وإذا كان قابلا للطعن بالبطلان أو الفسخ انتقل بهذه القابلية للطعن، وإذا كانت عليه ضمانات عينية كالرهن أو شخصية كالكفالة انتقل بهذه الضمانات جميعها، وإذا كان مثقلا بحقوق عينية كالارتفاق انتقل بها إلى الخلف الخاص أيضا.

    لكن هناك ضابطان لانتقال الحقوق والالتزامات من السلف إلى الخلف الخاص :

    – لا يمكن للشخص أن ينقل لغيره أكثر مما يملك :

    فانتقال الشيء أو الحق إلى الخلف الخاص يكون وفق الحالة التي كان عليها في ذمة سلفه، فالحقوق والالتزامات التي يحصل فيها الاستخلاف الخاص يلزم أن تكون قد تقررت للسلف بمقتضى العقد، ففاقد الشيء لا يعطيه، وعليه، فانتقال الشيء محل الاستخلاف إلى الخلف الخاص يستتبع انتقال كافة الالتزامات والحقوق المتصلة به شريطة أن تكون من مستلزماته.

    وتعد الحقوق من مستلزمات الشيء إذا كانت تابعة ومكملة له كضمان العيوب الخفية، وتعتبر أيضا من مستلزمات الشيء إذا كانت محددة له ومقيدة لاستعمالاته، كالتزام مالك الأرض بمراعاة قيود معينة عند البناء في أرضه، فالقاعدة أن الفرع يتبع الأصل.

    – يجب أن يكون الخلف الخاص عالما بما أنشأه العقد الذي أبرمه سلفه

    المطلوب بالنسبة للحقوق هو مجرد العلم الافتراضي، بينما الالتزامات يجب العلم بها علميا يقينيا، وليس فقط العلم بمعناه البسيط، باعتبارها قيودا من شأنها التأثير بالزيادة في خصوم ذمته، إذ لما كانت هذه الالتزامات قيودا على حق الخلف الخاص كان من السائغ اشتراط علم ذلك الخلف بوجود هذه القيود، فمثلا المشتري لعقار كان بائعه المالك قد التزم بعدم تحويله إلى فندق بمقتضى عقد سابق، لا يفترض تقييده بهذا الالتزام إلا إذا كان عالما به وقت شرائه له.

    ثالثا : الدائنون

    الدائن يتأثر بالعقود التي يبرمها المدين، لأنها تؤثر على الضمان العام، فآثار العقد الذي يجريه المدين تكون سارية في وجه دائنه، فالعقد ينعكس على الدائن سلبا وإيجابا بحسب ما إذا كان من شأنه الانتقاص أو الزيادة في الذمة المالية للمدين، وإذا كانت التشريعات المقارنة قد اعتبرت الدائن من الخلف العام عملا بالقاعدة التقليدية التي تعتبر الدائن من الخلف ذي الصفة العامة اعتبارا أن له حق ارتهان أو ضمان عام على ذمة المدين بمجموعها، فإن التقنين المدني المغربي لم يضف هذا الوصف على الدائن، وإنما اكتفى في الفصل 1241 من ق.ل.ع بتقرير حق الضمان العام للدائن على أموال مدينه، بقوله : ” أموال المدين ضمان عام لدائنيه، ويوزع ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم ما لم توجد بينهم أسباب قانونية للأولوية.” وأسباب الاولوية حسب الفصل 1242 هي الامتياز والرهن وحق الحبس، ثم تدخل المشرع بعدة وسائل قانونية لحماية الدائن من التصرفات القانونية الضارة به والتي تصدر من المدين بقصد الإضرار بدائنه، وهي الحالة التي يمكن اعتباره فيها من الغير، من هذه الوسائل دعوى الصورية ودعوى توقيع الحجز التحفظي ثم حق الحبس.

    – دعوى الصورية :

    نص ق ل ع على هذه المكنة القانونية في الفصل 22 بقوله : ” الاتفاقات السرية المعارضة أو غيرها من التصريحات المكتوبة لا يكون لها أثر إلا فيما بين المتعاقدين ومن يرثهما، فلا يحتج بها على الغير، إذا لم يكن له علم بها. ويعتبر الخلف الخاص غيرا بالنسبة لأحكام هذا الفصل”، فالمشرع خول للدائن حق الطعن في العقد الذي أبرمه مدينه بشكل صوري للإضرار بدائنيه عن طريق نقص الذمة المالية له، فالدائن هنا يعمل على الكشف عن الحقيقة التي أراد المدين إخفاءها و يسعى إلى إعادة الأموال التي خصمت من الذمة المالية للمدين كأثر للعقد الصوري الذي أبرمه لتظل داخلة في ضمانه العام. هذه الدعوى تشبه الى حد كبير الدعوى البوليانية التي يرفعها الدائن للطعن في تصرفات المدين الذي تفقر ذمته المالية وتشبه الدعوى غير المباشرة التي يرفعها الدائن في وجه مدين مدينه للمطالبة بحق مدينه المتقاعس.

    – دعوى توقيع الحجز التحفظي :

    نص عليها ق ل ع في الفصل 138 بقوله : ” يجوز للدائن بدين مقترن بأجل أن يتخذ، ولو قبل حلول الأجل، كل الإجراءات التحفظية لحفظ حقوقه. ويجوز له أيضا أن يطلب كفيلا أو أي ضمانة أخرى أو أن يلجأ إلى الحجز التحفظي، إذا كانت له مبررات معتبرة تجعله يخشى إعسار المدين أو فراره.”

    كما نظم قانون المسطرة المدنية إجراءات الحجر التحفظي من الفصول 452 الى 458 ، فيتضح أن للدائن حق إقامة دعوى الحجز التحفظي، من أجل منع المدين من التصرف في الأموال المراد الحجز عليها حتى و لو كان دين الدائن مقرونا بأجل، غير أن إقامة هذه الدعوى حسب منطوق الفصل 138 يبقى رهينا بضرورة وجود مبررات تجعل الدائن يخشى إعسار المدين أو فراره.

    – حق الحبس .

    📗 خلاصة الباب

    • الخلف العام يخلف سلفه في كل ذمته أو في نسبة منها (كالوارث)، وتنصرف إليه آثار العقد إلا باستثناء الإرادة أو طبيعة العقد أو نص القانون (الفصل 229).
    • الخلف الخاص يتلقى حقاً معيناً من سلفه (كالمشتري) بكل أوصافه وضماناته، بشرط علمه بالقيود المقترنة به وقت التلقي.
    • الدائن يتأثر بتصرفات مدينه لأن أموال المدين ضمان عام لدائنيه (الفصل 1241)، وله وسائل حماية كدعوى الصورية (الفصل 22) والحجز التحفظي (الفصل 138) وحق الحبس (الفصل 291).

  • المحور 3 : آثار مبدأ سلطان الارادة

    📖 نظرية العقد — الفصل 4 من 21 — فهرس الكتاب

    يمكن الحديث هنا عن ثلاثة نتائج : الحرية التعاقدية، القوة الملزمة للعقد، نسبية آثار العقد

    أولا : الحرية التعاقدية

    معنى ذلك أن الفرد حر في أن يتعاقد أو لا يتعاقد، هذه الحرية لها بعد شكلي وبعد موضوعي، فمن حيث الشكل فإن تبادل الارادات يكفي لقيام العقد، أما من حيث المضمون فالمتعاقد يحق له اختيار مضمون العقد وقبل ذلك اختيار شخص المتعاقد الاخر ثم التعاقد من عدمه .

    هذه الحرية التعاقدية يترتب عنها المبدأ الثاني وهو القوة الملزمة للعقد، فيصبح القاضي ملزما باحترام إرادة المتعاقدين عند تفسير العقد والبحث عن إرادة المتعاقدين، ولا يجوز له تحريف العقد طبقا للفصل 461 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” إذا كانت ألفاظ العقد صريحة، امتنع البحث عن قصد صاحبها.”

    هكذا وبمقتضى مبدأ حرية التعاقد، يكون كل طرف من أطراف العقد الحرية في مناقشة الشروط المدرجة في العقد مع الطرف الآخر سواء عند ابرام العقد أو أثناء تنفيذه، لكن تدخل المشرع ببعض النصوص الاخرى غير ق ل ع أدى إلى التضييق من مساحة مبدأ الحرية التعاقدية، حيث لم يعد للمتعاقد كامل الحرية في إبرام العقود وتحديد مضمونها، بل أصبح القانون يتدخل لفرض إبرام بعض العقود مثال ذلك عقود التأمين على السيارات، كما أنه من حيث المضمون أصبح القانون يتدخل لتحديد بعض مضامين العقد بغية تحقيق مصلحة عامة، من ذلك بعض العقود المتعلقة بالعقار.

    ثانيا : القوة الملزمة للعقد

    معنى ذلك أن المتعاقد ملزم باحترام التزاماته الناتجة عن العقد، وهنا يقوم العقد مقام القانون، فالعقد شريعة المتعاقدين، وهو المقتضى الذي أشار إليه الفصل 230 بقوله : ” الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون.”

    القاعدة العامة إذن أن العقد شريعة المتعاقدين، ومعنى ذلك أن للعقد قوة ملزمة اكتسبها من إرادة المتعاقدين أو اتجاهها إلى ترتيب آثاره، وبهذا فإن الحقوق و الالتزامات التي تتولد عن العقد هي واجبة التنفيذ، وبالتالي لا يمكن نقض العقد أو تعديله إلا وفقا لاتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون، هذا الالتزام هو الذي يبرر المبدأ المعروف بالقوة الملزمة للعقد الذي تتجلى مظاهره في المبادئ التالية : العقد شريعة المتعاقدين، تنفيذ العقد بحسن نية، الالتزام بمحتوى العقد.

    • العقد شريعة المتعاقدين

    فيقوم العقد بين المتعاقدين مقام القانون في تنظيم العلاقات العقدية و يطبقه القاضي كما يطبق القانون، ويترتب على هذا من ناحية أن العقد لا يجوز نقضه و لا تعديله إلا باتفاق طرفيه، فالإرادة المشتركة التي أنشأت العقد هي وحدها من يستطيع إنهاء أو تعديل الالتزامات المتولدة عنه، ولا يجوز لأحد المتعاقدين بإرادته المنفردة أن ينقض العقد أو يعدله أو ينهيه دون رضاء المتعاقد الأخر، لأن ما تعقده الإرادة المشتركة لا تستطيع أن تحله إرادة واحدة، ومع ذلك فقد يقرر القانون استثناء على هذا الأصل لأحد العاقدين أن يستقل بإلغاء العقد كما في عقد العارية . والعارية كما عرفها الفصل الفصل 830 : ” عارية الاستعمال عقد بمقتضاه يسلم أحد طرفيه للآخر شيئا، لكي يستعمله خلال أجل معين أو في غرض محدد، على أن يرده بعينه. وفي العارية يحتفظ المعير بملكية الشيء المستعار وبحيازته القانونية. وليس للمستعير إلا مجرد استعماله.”

    كما أنه يجوز نقض العقد أو تعديله باتفاق الطرفين عند التعاقد على إعطاء هذا الحق لأحدهما كما يجوز ذلك لسبب يقره القانون، فهناك عقود ينص القانون على أنه يجوز لأحد المتعاقدين أن يستقل بإلغائها كالوكالة والوديعة، أو ينص القانون على جواز تعديلها كالشرط الجزائي ومنح المدين نظرة الميسرة و أجرة الوكيل ورد الإلتزام المرهق إلى الحد المعقول في نظرية الظروف الطارئة.

    • تنفيذ العقد بحسن نية

    وفقا لمبدأ القوة الملزمة للعقد، يكون لزاما على المتعاقدين تنفيذ العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، وهو ما أكده الفصل 231 من ق.ل.ع عندما نص على أنه ” كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية…”.

    وسوء النية في تنفيذ العقد يسمى غشا، ويتم خلال مرحلة تنفيذ العقد، يقابله التدليس الذي يتم عند تكوين العقد، فكما يجب أن يخلو العقد من التدليس عند نشأته، يلزم كذلك أن يخلو من الغش عند تنفيذه، فإذا أخل أحد المتعاقدين بمبدأ حسن النية كان مسؤولا مسؤولية عقدية، بل إن المدين سيء النية لا يسأل عن خطئه و تقصيره فحسب، بل يسأل حتى في حالة القوة القاهرة متى تبين أن عدم تنفيذه للعقد راجع بالأساس إلى ارتكابه غشا أو خطأ جسيما.

    على أن مبدأ حسن النية إذا كان يُقيد المدين في طريقة تنفيذه لالتزامه فهو يقيد الدائن أيضا في طريقة المطالبة بحقه إزاء المدين، فلا يجب أن يتمسك بحرفية بنود العقد بشكل يجعله متعسفا في استعمال حقه، وهو ما يعني وجوب حصول تعاون بين الدائن والمدين في تنفيذ العقد من منطلق مبدإ حسن النية.

    • الإلتزام بمحتوى العقد و ملحقاته

    الالتزامات التي تترتب على إبرام عقد معين، ليست فقط تلك الإلتزامات المتضمنة في هذا العقد واتجهت إليها إرادة المتعاقدين صراحة أو ضمنا، بل ترد على العقد التزامات أخرى تعتبر من مستلزماته و التي يُرجع في تحديدها إلى القانون أو العرف أو العدالة وهو ما نص عليه الفصل 231 من ق ل ع حيث جاء فيه : ” كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية، و هو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الإلتزام التي يقررها القانون، أو العرف أو الإنصاف، وفقا لما تقتضيه طبيعته”.

    هذا كأصل عام، لكن هناك قيود كثيرة تحد من قوة هذا المبدأ و هذه القيود منها ما يتعلق بإمكانية تعديل العقد ومنها ما يرتبط بضرورة تنفيذ العقد بطريقة  تستوجب حسن النية، حيث ينص الفصل 231 من ق ل ع على أن كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية، ومن ذلك إمكانية منح مهلة الميسرة، كما يمكن تعديل الشرط الجزائي، إضافة إلى إمكانية تطبيق نظرية الظروف الطارئة التي تسمح بتعديل العقد .

    * تدخل القاضي في إطار نظرية الظروف الطارئة

    حيث يتمكن القاضي من مراجعة بنود العقد عندما يثبت لديه بأن الاستمرار في تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتق المدين أصبح مرهقا لهذا الأخير ومن شأن هذا التنفيذ أن يلحق بالمدين أقصى الخسارات المادية، لكن المشرع المغربي لم يأخذ بهذه النظرية .

    * تدخل القاضي لتمتيع المدين بمهلة الميسرة

    أو الأجل القضائي وهو الذي يكون مصدره القضاء، حيث يجيز القانون للقاضي أن يمنح المدين حسن النية أجلا معقولا للوفاء بدينه دون أن يلحق الدائن من ذلك ضرر جسيم، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 243 من ق ل ع ” … يسوغ للقضاة مراعاة منهم لمركز المدين، ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق، أن يمنحوه آجالا معتدلة للوفاء، وأن يوقفوا إجراءات المطالبة، مع إبقاء الأشياء على حالها.”

    * تدخل القاضي للتخفيف من حدة الشروط التعسفية

    الأصل في التعاقد أن يتم إجراؤه بحرية النقاش و المساومة، بحيث تُترك لكل من طرفيه الفرصة في أن يجعل الآخر يرتضي أفضل الشروط بالنسبة إليه. وهذا هو عقد المساومة الذي يكون فيه توافق الإرادتين نتيجة مساومة بين طرفين متساويين، يؤدي كل منهما دورا في إبرام العقد مساويا للدور الذي يؤديه الأخر، وهناك نوع أخر من العقد يشذ عن هذه القاعدة، فلا تكون هناك مساومة أو نقاش في شروط العقد و إنما يضع أحد الطرفين هذه الشروط و لا يكون أمام الطرف الثاني إلا أن يذعن لها فيقبلها جملة أو يرفضها جملة.

    هنا تتمثل سلطة القاضي إما في تعديل الشروط التعسفية أو الغائها، فالمظهر الأساسي للحماية التي يضمنها القانون لصالح الطرف المذعن تتمثل في رفع الضرر الذي يلحق بهذا الطرف من جراء الشروط التعسفية إما بتعديل هذه الشروط أو بإلغائها، فبالنسبة لتعديل الشروط التعسفية، مثال ذلك تعديل التزامات الطرفين بالزيادة أو النقصان أو تعديل الشرط الجزائي، أما فيما يخص الغاء الشروط التعسفية فهذه الصورة من التدخل تعتبر دون شك أشد جرأة من الصورة الأولى، وسلاحا بالغ الخطورة في يد القضاء، إذ بموجبه يستطيع القاضي إذا ما وصف الشرط بأنه تعسفي أن يلغيه، فيعفي الطرف المذعن منه مخالفا بذلك قاعدة أساسية وهي أن العقد شريعة المتعاقدين.

    * تدخل القاضي في إطار الشرط الجزائي

    الشرط الجزائي أو ما يعرف بالتعويض الاتفاقي، هو اتفاق سابق على تقدير التعويض الذي يستحقه الدائن في حالة عدم تنفيذ المدين للالتزامه الأصلي أو لمجرد التأخير في تنفيذه.

    جاء في الفصل 264 من ق ل ع : ” يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على التعويض عن الأضرار التي قد تلحق الدائن من جراء عدم الوفاء بالالتزام الأصلي كليا أو جزئيا أو التأخير في تنفيذه. يمكن للمحكمة تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه أو الرفع من قيمته إذا كان زهيدا، ولها أيضا أن تخفض من التعويض المتفق عليه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي”.

    واضح أنه بمقتضى هذه المادة أصبح بإمكان المحكمة التدخل في مجال العقد بشكل مباشر وبالتالي تعديل قيمة الشرط الجزائي سواء بالتخفيض أو الرفع استنادا إلى معايير موضوعية تكشفها المحكمة لما لها من سلطة تقديرية .

    ثالثا : نسبية آثار العقد

    أطراف العقد فقط من يتوجب عليهم احترام بنوده، مما يعني أن العقد لا يربط إلا أطرافه ولا يمكن أن يستفيد أو يتضرر منه الغير، وهو ما نص عليه الفصل 228 بقوله : ” الالتزامات لا تُلزم إلا من كان طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون.”

    لكن ماذا عن الخلف العام والخلف الخاص والدائنون والغير ؟

    📗 خلاصة الباب

    • ثلاثة آثار رئيسية لسلطان الإرادة: الحرية التعاقدية، القوة الملزمة للعقد (الفصل 230: العقد شريعة المتعاقدين)، ونسبية آثار العقد (الفصل 228).
    • القوة الملزمة تستلزم تنفيذ العقد بحسن نية (الفصل 231) والالتزام بمحتواه وملحقاته لا بحرفيته وحدها.
    • يتدخل القاضي استثناءً رغم القوة الملزمة: مهلة الميسرة (الفصل 243)، تعديل الشرط الجزائي (الفصل 264)، والتخفيف من الشروط التعسفية في عقود الإذعان.

📚 المكتبة القانونية