📖 نظرية العقد — الفصل 18 من 21 — فهرس الكتاب
الفصل 306 : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له. ويكون الالتزام باطلا بقوة القانون:
- إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه؛
- إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه. “
الفصل 307 : ” بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع. بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي.”
الفصل 308 : ” بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما باعتباره عقدا متميزا عن العقد الأصلي.”
الفصل 309 : ” إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير.”
الفصل 310 : ” إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر.”
البطلان هو الجزاء الذي يقرره المشرع نتيجة تخلف أحد أركان العقد، كما لو كان أحد المتعاقدين صغيرا غير مميز أو كان محل الالتزام التعاقدي عملا مستحيلا أو كان الالتزام يفتقر إلى سبب يُحمل عليه، وقد يتقرر البطلان حتى بتوفر الأركان العامة للعقد وذلك بغياب الأركان الخاصة كالتسليم في العقود العينية والشكلية في العقود الشكلية أو تنصيص القانون على ذلك لاعتبارات تتعلق بالنظام العام.
فعندما يختل أحد أركان العقد المتمثلة في التراضي والمحل والسبب والشكلية في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية فان اجتماع إرادات أطراف العقد لا يمكن أن تنشئ التزامات، لأن القانون لا يسمح بذلك إلا إذا توفرت سائر الشروط التي يستلزمها الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
أما الابطال فهو الجزاء الذي يرتبه المشرع على الاخلال بشرط من شروط صحة العقد، كما لو كانت إرادة أحد المتعاقدين معيبة بأحد عيوب الرضى، أو كان أحد المتعاقدين ناقص الاهلية وإما بموجب نص قانوني يمنح حق الابطال لأحد المتعاقدين.
والبطلان والابطال كلاهما يرجع الخلل فيهما إلى مرحلة تكوين العقد على أن هناك جزاء مدنيا آخرا يترتب على الاخلال بالالتزامات الاطراف في مرحلة ما بعد تكوين العقد أي مرحلة التنفيذ وهو الفسخ، مع اقتصار هذا الأخير على العقود التبادلية، بينما يطال الابطال والبطلان العقود جميعها.
والبطلان صورة من صور الجزاء المدني، لكنه جزاء لا يفرض على شخص من الأشخاص كما هو الحال في العقوبة أو التعويض، بل يقع على كائن قانوني هو التصرف القانوني، فينصب الجزاء في البطلان على التصرف نفسه فيجعل العقد باطلا، لذلك فهو لا يبحث عن المسؤول عن المخالفة لتوقيع الجزاء عليه أو لإلزامه بالتعويض، بل يقصد التصرف القانوني مباشرة فيبطله.
فالبطلان كنظام قانوني مؤداه اعتبار العقد أو التصرف القانوني بوجه عام غير قائم بسبب اختلال شابه في تكوينه لعدم توافر ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحة الأركان، وعليه فالبطلان يؤدي إلى انعدام أثر العقد بالنسبة للمتعاقدين وكذا بالنسبة للغير، كما يؤدي إلى إعدام التصرف القانوني بأثر رجعي مما يجعله كأن لم يقم أصلا.
نستقرئ مفهوم البطلان من خلال الفصل 306 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له …”.
هكذا يتضح بأن مصير العقد هو انتفاء الأثر القانوني، فالقاعدة أن مصير البطلان هو هدم العقد بدرجة واحدة لا تقبل التدرج أو التفاوت، فالعقد الباطل بطلانا مطلقا ليس له وجود ، فهو والعدم سواء.
تمييز البطلان عن الفسخ
بالرغم من أن البطلان والفسخ كلاهما يؤديان إلى عدم نفاذ التصرف القانوني، إلا أن الاختلاف الجوهري بينهما واضح ومميز، فالفسخ نتيجة تقاعس وإخلال أحد طرفي العقد ببنود هذا العقد، أما البطلان فهو أثر قانوني ينصرف إلى التصرف القانوني الذي هو اتجاه الإرادة إلى أحداث أثر قانوني، فالبطلان ينصرف على الإرادة نفسها ولا ينصب على الارتباط بين الإرادات كما هو الشأن بالنسبة للفسخ، مما يكون معه الفرق بين الفسخ والبطلان متمثلا في كون أن العقد الباطل لم يقم أصلا بسبب اختلال في أحد أركانه، أما العقد المفسوخ فهو عقد قام صحيحا وأنتج كافة آثاره القانونية لكنه انحل بسبب عدم تنفيذ أحد عاقديه لالتزاماته التعاقدية .
كما أن الفرق بين الفسخ والبطلان ينصرف كذلك إلى التقادم، فدعوى الفسخ تتقادم بخمس سنوات في حين أن البطلان له أثر رجعي يستند لتاريخ إبرام العقد، فالدفع بالبطلان لا يخضع للتقادم المقرر لدعوى الإبطال بمقتضى الفصول 311 إلى 314 من ق ل ع أي للتقادم سنة واحدة وإنما يخضع للتقادم العادي 15 سنة .
النظرية التقليدية في البطلان والابطال
تعطي البطلان مفهوما واسعا يشمل حتى الابطال، وتقسمه نوعين بطلان مطلق يتحقق اذا تخلف في العقد ركن من أركان انعقاده، وبطلان نسبي يتحقق اذا كان العقد مستوفيا لجميع أركانه أو تخلف فيه شرط من شروط صحته، ثم قامت نظرية ثانية جعلت التقسيم ثلاثيا فقالت بالعقد المنعدم إذا فقد ركنا من اركانه كالرضى والمحل والسبب ثم العقد الباطل بطلانا مطلقا اذا كان المحل أو السبب أو الشكل غير مستوف شروطه، ثم العقد الباطل بطلانا نسبيا وهو في حالة كان أحد المتعاقدين ناقص الاهلية أو كانت ارادته مشوبة بعيب من عيوب الارادة، ثم قالوا بأن العقد المنعدم لا يحتاج إلى حكم ببطلانه فهو منعدم من تلقاء نفسه بينما العقد الباطل بطلانا مطلقا إذا توافرت بعض عناصر وجوده فلا بد من حكم قضائي يقضي ببطلانه، ثم أن العقد المنعدم لا يترتب عليه أي اثر قانوني بينما العقد الباطل بطلانا مطلقا قد تترتب عليه آثار قانونية.
النظرية الحديثة القائمة على التمييز بين البطلان والابطال
أصبح البطلان المطلق هو البطلان والبطلان النسبي هو الابطال، وهي النظرية التي سار عليها المشرع المغربي .
البطلان في قانون الالتزامات والعقود المغربي
يكون العقد باطلا إذا انعدمت أحد أركان العقد وهي الأهلية أو التراضي أو المحل أو السبب ويلحق بها الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية ، وهو المقتضى الذي نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 306 من ق ل ع حيث جاء فيها ما يلي : ” يكون الالتزام باطلا بقوة القانون :
- إذا كان ينقصه لأحد الأركان اللازمة لقيامه
- إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه ” .
من خلال ما سبق يتضح أن العقد يكون باطلا إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه، أو في الحالات التي يقرر فيها القانون بطلان العقد بمقتضى نص خاص .
الحالة الاولى : بطلان العقد لنقصان أحد أركانه
- تخلف الركن التراضي
يتحقق ذلك بالخصوص في حالة انعدام الأهلية التي تتحقق بمناسبة الصغير غير المميز الذي يقل سنه عن 12 سنة، وأيضا في حالة الجنون، وهذه الحالات تدخل ضمن حالات انعدام الأهلية، كما أن الرضا يعتبر متخلفا عندما تكون الإرادة غير جدية، كأن يبدي الشخص رغبته في التعاقد دون أن تكون له نية التحمل بالالتزام وفي هذا الصدد ذهب الفقيه الفرنسي بلانيول إلى أنه يتوجب لإنشاء الالتزامات أن تكون الإرادة جادة ويعتبر كأن لم يكن الاتفاق الذي يبرم مع شخص هازل.
ويعتبر الغلط المانع من حالات تخلف الرضا الذي يجعل العقد باطلا، لأن من شأن هذا النوع من الغلط أن يمنع الرضا و يمنع بالتالي انعقاد العقد و يجعله باطلا و لذلك يسمى بالغلط المانع، كما يعتبر السكر إذا كان تاما من أسباب تخلف الرضا في القوانين الحديثة، لأن السكر التام يفقد التمييز و يعدم الرضا، أي يجعل العقد باطلا و هذا ما سار عليه الفقه و القضاء في فرنسا.
نشير هنا إلى أن أسباب تخلف الرضا كثيرة لا يمكن حصرها، ذلك أن من الفقه و بعض التشريعات من يأخذ بالحقد الدفين و التنكر والغضب الشديد و الأمراض النفسية كحالات لتخلف الرضا و بالتالي تؤدي إلى بطلان العقود و الالتزامات على هذا الأساس.
- تخلف ركن المحل أو عدم مشروعيته
يكون العقد باطلا في حالة تخلف ركن المحل سواء لعدم وجوده أو كونه مستحيلا أو غير معين، نفس الحكم يطبق في حالة عدم مشروعية المحل، وكمثال على ذلك حالة التصرف في تركة إنسان لا يزال على قيد الحياة، أو عدم تحديد المشتري والبائع للثمن وباقي العناصر الاساسية للعقد حيث يعتبر العقد باطلا.
- تخلف السبب أو عدم مشروعيته
يعتبر العقد باطلا في حالة تخلف السبب تطبيقا للفصل 62 الذي نص على أنه : ” الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن.” كأن يلتزم وارث بتنفيذ وصية الهالك ثم يتبين أن الهالك قد تراجع عن وصيته أو كأن يتعهد شخص بدفع مبلغ من المال لشخص آخر مقابل ارتكاب جريمة، هنا انعدام السبب أو عدم مشروعيته يجعل العقد باطلا بطلانا مطلقا.
- تخلف الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية
إذا كان القانون يتطلب شكلا معينا لصحة العقد سواء تمثل في الكتابة بالنسبة للعقود الشكلية أو التسليم بالنسبة للعقود العينية، فان غياب ركن الشكلية أو التسليم يجعل العقد باطلا، فالعقود الشكلية عقود يتطلب تكوينها إفراغ التراضي عند إبرامها ضمن شكل معين يوضحه القانون، و ذلك تحت طائلة البطلان، وبتعبير آخر نكون أمام عقد شكلي عندما يكون الشكل مفروضا كشرط لصحة هذا العقد، ونجد أمثلة كثيرة للشكلية في القانون المغربي و خير هذه الأمثلة ما جاء في المادة 4 من مدونة الحقوق العينية التي جعلت الشكلية شرط صحة لازم لانعقاد التصرف القانوني المتعلق بنقل الملكية أو إنشاء الحقوق العينية أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها، وبتخلف الشكلية (عقد رسمي أو محرر ثابت التاريخ) يكون العقد باطلا و لو توافرت فيه الأركان اللازمة لانعقاده. أما بالنسبة لشرط التسليم في العقود العينية، فإنه في حالة اشتراط المشرع للتسليم في بعض العقود فإنه إذا لم يتم استيفاء شرط التسليم يكون العقد باطلا بطلانا مطلقا و هذا الأمر ينطبق على عدة عقود أهمها الرهن الحيازي و الوديعة الاختيارية و القرض.
الحالة الثانية : البطلان بمقتضى نص قانوني خاص
إذا كان العقد يقع باطلا عندما يفتقد أحد الأركان الأساسية المتمثلة في الرضا والمحل والسبب والشكلية بالنسبة للعقود الشكلية والتسليم فيما يخص العقود العينية، فانه في بعض الحالات يكون العقد متوفرا على جميع تلك الأركان والعناصر ومع ذلك يقع باطلا بمقتضى نص قانوني لاعتبارات تتعلق بالنظام العام، جاء في الفصل 306 من ق ل ع “..إذا قرر القانون حالة خاصة ببطلانه”.
حالات بطلان العقد بمقتضى نص قانوني واردة في ظهير الالتزامات والعقود وكذا في نصوص قانونية خاصة ومن أهم هذه الحالات :
- بطلان التعامل في تركة مستقبلة، الفصل 61 من ق ل ع وبطلان الفائدة بين المسلمين الفصل 870.
- بطلان الاتفاقات التي يكون موضوعها تعليم السحر والشعوذة ، جاء في الفصل 729: ” يبطل كل اتفاق يكون موضوعه: تعليم أو أداء أعمال السحر والشعوذة أو القيام بأعمال مخالفة للقانون أو للأخلاق الحميدة أو للنظام العام؛ القيام بأعمال مستحيلة ماديا.”
- بطلان الاشتراط الذي من شأنه إعفاء الدائن من كل مسؤولية عن الشيء المرهون حسب الفصل 1215 من ق ل ع.
- بطلان العقد الذي يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته لشخص أخر طوال حياته الفصلين 727 و728 من ق ل ع، جاء في الفصل 728 : ” يبطل كل اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته طوال حياته، أو لمدة تبلغ من الطول حدا بحيث يظل ملتزما حتى موته.”
- بطلان عقد الشركة إذا تضمن شرطا يمنح أحد الشركاء نصيبا من الارباح يفوق حصته أو أعفاه من الخسائر ، الفصل 1034.
- بطلان العقود التي محلها مقامرة أو رهان الفصل 1092.
خصائص البطلان
أولا : بطلان جزء من العقد يبطل العقد في مجموعه
ما لم يكن العقد قابلا للبقاء دون الجزء الذي لحقه البطلان، فإذا كان العقد جزءا لا يتجزأ أبطل في مجموعه، أما إذا تبين ان لا ارتباط بين الشق الباطل وبقية العقد فإن البطلان ينحصر فقط في الشق الباطل وهو ما يصطلح عليه بـ انتقاص العقد، هذه الحالة نص الفصل 1114 ق.ل.ع بقوله : ” الصلح لا يقبل التجزئة فبطلان جزء منه أو إبطاله يقتضي بطلانه أو إبطاله كله. ولا يسري هذا الحكم: أولا – إذا تبين من العبارات المستعملة أو من طبيعة الاشتراطات أن المتعاقدين قد اعتبروا شروط الصلح أجزاء متميزة ومستقلة بعضها عن البعض الآخر؛ ثانيا – إذا نتج البطلان عن عدم توفر الأهلية لدى أحد المتعاقدين. وفي هذه الحالة لا يستفيد من البطلان إلا ناقص الأهلية الذي تقرر لصالحه ما لم يكن قد اشترط صراحة أنه يترتب على فسخ الصلح التحلل من حكمه بالنسبة إلى المتعاقدين جميعا”.
نلاحظ نظرية انتقاص العقد أيضا في الفصل 1035 : ” إذا تضمن العقد منح أحد الشركاء كل الربح، كانت الشركة باطلة، واعتبر العقد متضمنا تبرعا ممن تنازل عن نصيبه في الربح، ويبطل الشرط الذي من شأنه إعفاء أحد الشركاء من كل مساهمة في تحمل الخسائر، ولكن لا يترتب عليه بطلان العقد.”، نفس المقتضى جاء في مدونة الاسرة حيث يبطل شرط اسقاط النفقة من على كاهل الرجل ويبقى العقد صحيحا.
لكن قد يحصل أن يقرر المشرع بطلان العقد بمجموعه وهو ما جاء في الفصل 870 : ” اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا، أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له.”
نفس المقتضى جاء في الفصل 112 : ” يبطل الالتزام إذا كان وجوده معلقا على محض إرادة الملتزم (الشرط الإرادي). ومع ذلك، يجوز لكل من الطرفين أو لأحدهما أن يحتفظ لنفسه بالحق في أن يصرح خلال أجل محدد، بما إذا كان يريد الإبقاء على العقد أو يريد فسخه.”
ثانيا : بطلان الالتزام الاصلي يقتضي بطلان الالتزامات التابعة وليس العكس
وهو ما نص عليه الفصل 307 بقوله : ” بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع. بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي.” والالتزام الاصلي هو الذي يقوم بذاته دون غيره كالزام البائع في عقد البيع والتزام المقترض عقد القرض، أما الالتزام التابع فهو القائم بغيره كالتزام الكفيل والتزام الراهن الذان لا يقومان دون التزام اصلي ضمانا للوفاء به عن طريق الكفالة أو الرهن ، وبطلان الالتزام الاصلي هنا يقضي ببطلان عقد الكفالة أو عقد الرهن التابع له، لكن عدم صحة الالتزام التبعي لا يؤثر على الالتزام الاصلي وفق منطوق الفصل307.
ثالثا : العقد الباطل لا يقبل الاجازة ولا التصديق عليه
جاء في الفصل 310 : ” إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر.” والاجازة هي أن يوافق المتعاقد على تثبيت عقد سابق قد عقده وهي تعني الرضى ببقاء العقد واستقراره نهائيا ممن له الحق في إبطاله، وأما التصديق فهو يصدر عن أجنبي عن العقد يضيف أثر هذا العقد إلى نفسه كإقرار الموكل لتصرف من الوكيل جاوز فيه حدود الوكالة . ولما كان العقد الباطل معدوما فإنه بالتالي لا يقبل الاجازة ولا التصديق، يضاف إلى ذلك أن البطلان هو من النظام العام ولا يمكن للإجازة والتصديق أن تجيزا ما يخالف النظام العام.
رابعا : البطلان لا يصححه التقادم لكن دعوى البطلان تتقادم
فالمعدوم لا يصبح موجودا بمضي الزمن ولو تم تنفيذ العقد الباطل ، لكن يشترط أن يتم رفع دعوى البطلان داخل أجل 15 سنة ، أما إذا انقضت مدة التقادم فإن دعوى البطلان تتقادم حفاظا على استقرار المعاملات، فلو تم تنفيذ عقد بيع باطل ومضت على العقد مدة التقادم العادي ثم رفع البائع دعوى لاسترداد المبيع استنادا إلى بطلان البيع لم تسمع منه دعواه إذا مرت مدة التقادم المنصوص عليها في الفصل 387 وهي 15 سنة من تاريخ البيع.
أما الدفع بالبطلان فإنه يجوز لدفع دعوى المدعي ولو بعد التقادم لأن التقادم لا يبدأ إلا من وقت تمكن صاحب الحق من مباشرة حقه، فلو أن المشتري في دعوى اقيمت عليه وجد أن من مصلحته التمسك ببطلان البيع ليدفع دعوى المدعي كان له ذلك ولو أنه يكون قد مر على البيع أكثر من 15 سنة وفق منطوق الفصل 315 : ” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال..”
خامسا : العقد الباطل لا يحتاج إلى إبطال
فهو يعتبر منذ صدوره باطلا، عدم في نظر القانون ولا يتوقف بطلانه على حكم قضائي لأن القانون هو الذي قرر بطلانه وحكم بطلانه هو حكم كاشف لوضع سابق وليس منشئا لوضع جديد، وعليه فإن البائع يستطيع أن يتصرف في المبيع لأنه لا يزال في ملكه ولو لم يحصل على حكم قضائي ببطلان البيع الأول، ولو أن المشتري الأول رفع دعوى للمطالبة بتسلم المبيع أمكن للبائع أن يدفع الدعوى ببطلان العقد الذي يطالب المشتري بمقتضاه الزام البائع بتسليم المبيع، فالمتمسك ببطلان العقد الباطل قبل تنفيذه يستطيع دائما ان يقف موقف الدفع إذا هوجم بدعوى تستند إلى العقد الباطل، والقاضي هنا يقرر البطلان الذي قرره القانون من الاصل ويكون حكمه كاشفا فقط لوضع سابق لا منشئا لوضع قانوني جديد.
أما بعد تنفيذ العقد الباطل فإن من له مصلحة من المتعاقدين التمسك بالبطلان ويبادر إلى رفع دعوى البطلان لاسترداد ما أداه، وتتقادم دعوى البطلان خلال 15 سنة.
سادسا : لكل ذي مصلحة في البطلان أن يتمسك به وللمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها
ولو لم يطلبه أحد لأنه من النظام العام و يعتبر باطلا ولو تمسك به الطرفان وطالبا بتنفيذه ، فالبطلان مقرر للمصلحة العامة وليس للمصلحة الخاصة، ولذلك فإن لكل ذي مصلحة أن يثيره، سواء المتعاقدون والخلف العام والخلف الخاص والدائنون والقاضي الذي عليه أن يثيره من تلقاء نفسه حفاظا على النظام العام، جاء في الفصل 315 : ” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال.”
أثـــار بطــلان العقد
الاصل أن العقد الباطل ليس له وجود قانوني وبالتالي لا يترتب عليه أي أثر سواء بالنسبة إلى المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير، وهو ما نص عليه الفصل 306 بقوله : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له..”. نفس المقتضى بالنسبة للعقد القابل للإبطال حيث نص الفصل 316 على أنه : ” يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يرد للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله. وتطبق بشأن الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسني النية الأحكام الخاصة المقررة لمختلف العقود المسماة.”
من خلال عملية الربط بين الفصلين 306 و 316 من قانون الالتزامات والعقود يتبين لنا أن كلا من العقد الباطل والعقد القابل للإبطال لا ينتجان أي أثر قانوني إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا لهذين العقدين، فالبيع الباطل لا ينقل الملكية والاجارة الباطلة لا تؤول إلى تمليك المنافع للمستأجر والرهن الباطل لا يمنح حق الافضلية على المال المرهون ، غير أن هذا المبدأ قد ترد عليه بعض الاستثناءات التي يستحيل معها إرجاع الأطراف إلى وضعية ما قبل التعاقد.
أثار البطلان بالنسبة للمتعاقدين
العقد الباطل لا ينتج أثارا بين المتعاقدين وليس بإمكان أحد المتعاقدين إلزام المتعاقد الأخر على تنفيذ عقد باطل، والبطلان يعود بالمتعاقدين إلى الحالة التي كان عليها قبل التعاقد ويسترد كل متعاقد ما دفعه تنفيذا لعقد باطل، وهذا ما قضى به الفصل 306 الذي أوجب ” استرداد ما دفع بغير حق، تنفيذا للعقد الباطل”، أما إذا كان العقد لم يشرع في تنفيذه فلا سبيل لأحد المتعاقدين أن يلزم الطرف الاخر بتنفيذيه، أما إذا كانت إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد أمرا مستحيلا فيجوز للمحكمة أن تقضي للمتضرر من هذه الاستحالة بتعويض يعادل الضرر الذي لحق به وفق المبادئ العامة، فإذا أُبطل عقد الايجار مثلا تعين على القاضي أن يلزم المستأجر بدفع تعويض للمؤجر مقابل المنفعة التي استوفاها من الشيء المستأجر.
يستثنى من مبدأ إعادة المتعاقدين إلى الحالة السابقة للتعاقد الباطل العقد الذي يبرمه شخص فاقد الأهلية، فقد نص الفصل 6 على أنه : ” يبقى القاصر مع ذلك ملتزما في حدود النفع الذي استخلصه من الالتزام وذلك بمقتضى الشروط المقررة في هذا الظهير “، فهذا القاصر لا يلزم برد سوى ما كان عليه من نفع بسبب تنفيذ العقد كمصروفات ضرورية أو نافعة مثل شراء كتب أو وفاء بدين أو تعلم حرفة، أما المصروفات الضارة كالمقامرة أو المراهنة فلا تعتبر مصروفات نافعة ولا يردها الطرف الأخر في العقد، وإذا كان الشيء الذي حصل عليه من العقد لازال موجودا في حوزته فانه يعتبر من قبل النفع وذلك بموجب الفصل 9 الذي نص على : ” القاصر وناقص الأهلية يلتزمان دائما، بسبب تنفيذ الطرف الآخر التزامه، وذلك في حدود النفع الذي يستخلصانه من هذا التنفيذ. ويكون هناك نفع إذا أنفق ناقص الأهلية الشيء الذي تسلمه في المصروفات الضرورية أو النافعة، أو إذا كان هذا الشيء لازال موجودا في ماله.
أثار البطلان بالنسبة للغير
المقصود بالغير كل الأشخاص الذين لم يكونوا طرفا في العقد الباطل واكتسبوا حقوقا على الشيء محل العقد الباطل، فأثر البطلان بالنسبة لهذا الغير هو نفسه بالنسبة للمتعاقدين، فلو أن شخصا اشترى عينا بعقد باطل ثم باعها وتقرر بعد ذلك بطلان البيع الأول فان البائع في العقد الباطل يسترد العين من المشتري، وإذا كان هذا المشتري الثاني قد رتب على العين حقوقا فان البائع يسترد العين خالية من هذه الحقوق.
الاستثناءات على ترتيب أثار على العقد الباطل
إن أهم الاستثناءات الواردة على العقد الباطل والتي تمنح لهذا العقد بعض الآثار، هي حالة عقد الزواج وحالة تحول التصرف وحالة اكتساب الغير حسن النية حقا عينيا على منقول أو عقار محفظ محل العقد الباطل.
حالة عقد الزواج الباطل
اعتبر المشرع دخول الزوج بالمرأة في النكاح الفاسد لعقده دخولا شرعيا تستحق معه الزوجة الصداق ويستحق معه الولد ثبوت النسب، جاء في المادة 58 من مدونة الاسرة : ” تصرح المحكمة ببطلان الزواج تطبيقا لأحكام المادة 57 أعلاه ..، أو بطلب ممن يعنيه الأمر. يترتب على هذا الزواج بعد البناء الصداق والاستبراء، كما يترتب عليه عند حسن النية لحوق النسب وحرمة المصاهرة.”
حالة تحول التصرف
فإذا بطل التصرف الذي أراده العاقدان لسبب من أسباب البطلان وكان هذا التصرف الباطل يتضمن عناصر كافية لأن يتكون منها تصرف أخر غير الذي جرى عقده وكان الظاهر من ظروف العقد أن العاقدين لو علما بأن تصرفهما الواقع لا ينعقد لقبلا أن يعقدا بدلا منه ذلك التصرف الأخر الممكن، فان القانون يوجب في هذه الحالة اعتبار تصرفهما رغم بطلانه في صورة الواقعة منشئا حكم ذلك العقد الأخر الذي توافرت عناصره وشرائطه في هذا التصرف الباطل، إعمالا للنية المفترضة لدى العاقدين، وهذا ما يسمى بتحول التصرف، جاء في الفصل 309 : ” إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير.”
مذال ذلك البيع الذي ليس فيه مقابل فهو بيع باطل لعدم توافر محل لالتزام المشتري ولكنه يصح هبة وتجري عليه أحكام الهبة إذا كانت نية المتعاقدين تنصرف إلى ذلك، نفس المقتضى بالنسبة إلى حالة السند التجاري، فإذا أُبطل هذا السند لعدم استيفاءه الشكليات الضرورية في المادة التجارية، اعتبر كسند عادي للدين وخضع للقانون المدني كسند للدين يوجب الأداء رغم كونه سندا تجاريا باطلا.
نفس المقتضى في الشركة الفعلية، فالأصل العام أن الشركة تكتسب الشخصية المعنوية بمجرد تكوينها، وتبدأ في ممارسة الأعمال التي قامت من أجلها، وتترتب على هذا نتائج مهمة كأن تصبح هذه الشركة دائنة او مدينة، واذا حدث في العمل ان تقرر بطلان هذه الشركة او حكم بإبطالها، فإنه يستحيل اعادة الشركاء الى الحالة التي كانوا عليها قبل إبرام العقد، وعلى هذا الاساس اعتبر القضاء الشركة قائمة فعلا في الفترة ما بين تكوينها والحكم ببطلانها، أي أنها تعتبر في الواقع كما لو كانت شركة صحيحة وبعبارة اخرى يكون البطلان بمثابة حكم يحل الشركة قبل الميعاد المحدد لها.
حالة اكتساب الغير حسن النية حقا عينيا على منقول أو عقار محفظ
من القواعد الكلية التي أخد بها المشرع المغربي أن حيازة المنقول تعتبر سندا للملكية، فإذا حاز زيد منقولا بعقد باطل ورتب حقوقا على هذا العقد المنقول لمصلحة عمر، وكان عمر حسن النية، فبطلان العقد الذي دخل المنقول بموجبه إلى حيازة زيد لا يؤثر على حقوق عمر، بحيث يكون الوضع بالنسبة لهذا الأخير كما لو أن العقد المذكور وقع صحيحا، جاء في الفصل 1187 : ” الدائن الذي يتسلم بحسن نية، على سبيل الرهن الحيازي شيئا منقولا ممن لا يملكه يكسب حق الرهن، ما لم يكن الأمر متعلقا بشيء ضائع أو مسروق”.
كذلك من القواعد الكلية في التشريع العقاري المغربي المبني على نظام السجل العقاري فإن من يكتسب عن حسن نية حقا عينيا على عقار محفظ بالاستناد إلى القيد في السجل العقاري فان بطلان هذه القيود لا يكون لها أثر اتجاهه.
فالأصل أن الالتزامات التي ترتبها العقود لا تلزم سوى من كان طرفا فيها ، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم، وكذلك البطلان ، فالفصل 228 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أن : ” الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون”، لكن هذا المبدأ ترد عليه بعض الاستثناءات منصوص عليها في القانون ومن هذه الاستثناءات ما نص عليه الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري الذي جاء فيه أن : ” كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتسجيله وابتداء من يوم التسجيل في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية ولا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التسجيل في مواجهة الغير ذي النية الحسنة” .
وبالتوقف عند سياق الفصل 66 السالف الذكر وألفاظه فإنه يمكن القول بأنه لا يمكن المطالبة بإبطال صدقة تم تسجيلها بالرسم العقاري والمستفيد منها شخص حسن النية على أساس أنها باطلة كما لو كان المتصدق لا يملك العقار المتصدق به، والسبب في ذلك يرجع إلى أن التسجيل يقوم على مجموعة من الشروط الشكلية ورد التنصيص عليها في الفصل 69 من ظهير التحفيظ العقاري التي تؤثر على موضوع الحق عند الخطإ فيها أو إغفالها، وهو ما دفع المشرع إلى القول بحماية الغير حسن النية، وهو ما يصطلح عليه بـ مبدأ حجية التقييد في الرسم العقاري في مواجهة المقيد حسن النية .
فمن بين القواعد القانونية التي أقرها المشرع العقاري و التي تكتسي أهمية قصوى هي حجية التقييد حيث أن كل مالم يقيد بالرسم العقاري من حقوق عينية لا يمكن الإحتجاج به في مواجهة الغير ولا يعتد به إلا عند تقييده، كما أنه لا يمكن المطالبة بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير حسن النية طبقا للفصل 66 من قانون 14-07، إذ لا يشطب على المقيد في الرسم العقاري إلا إذا كان تقييده قد تم بسوء نية .
📗 خلاصة الباب
- البطلان جزاء تخلف ركن من أركان العقد (الأهلية، الرضا، المحل، السبب) أو شرط شكلي أو تسليم في العقود العينية (الفصل 306).
- العقد الباطل معدوم من الأصل: لا يقبل الإجازة ولا التصديق (الفصل 310)، ولا يحتاج لحكم قضائي منشئ بل كاشف فقط، ولكل ذي مصلحة التمسك به وللمحكمة إثارته تلقائياً.
- بطلان الالتزام الأصلي يستتبع بطلان الالتزامات التابعة كالكفالة والرهن دون العكس (الفصل 307)، وبطلان جزء من الالتزام يبطله كله إلا إذا أمكن بقاؤه دون هذا الجزء (الفصل 308).
- ترد استثناءات على انعدام أثر العقد الباطل: تحوّل التصرف (الفصل 309)، الزواج الفاسد بعد البناء، واكتساب الغير حسن النية حقاً عينياً استناداً إلى التسجيل العقاري أو الحيازة.