المدونة

  • الباب الرابع: الكراء التجاري

    📖 العقود المسماة — الفصل 5 من 7 — فهرس الكتاب

    المبحث الأول: نطاق تطبيق القانون 49.16

    إذا كان الكراء المدني يهدف إلى حماية استقرار السكن، فإن الكراء التجاري ينطلق من فكرة أخرى تماما: حماية الأصل التجاري باعتباره مالا منقولا معنويا يستمد قيمته أساسا من عنصري الزبناء والسمعة التجارية، وهما عنصران يرتبطان ارتباطا وثيقا بموقع المحل. ومن هنا جاءت فكرة الملكية التجارية، أي حق المكتري في البقاء في المحل ما دام يستغل فيه أصلا تجاريا، وحقه في تعويض عادل إن أفرغ منه.

    حددت المادة الأولى من القانون 49.16 نطاق تطبيقه في عقود كراء العقارات أو المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري في ملكية تاجر أو حرفي أو صانع. ويستفاد من ذلك أن الخضوع لهذا القانون رهين بتوافر شرطين متلازمين: وجود أصل تجاري يستغل فعليا في المحل، وثبوت صفة التاجر أو الحرفي أو الصانع للمكتري، وهو ما يقتضي مبدئيا التقييد في السجل التجاري.

    وقد وسع المشرع من هذا النطاق ليشمل طوائف كانت محل خلاف قضائي في ظل ظهير 1955، فأخضع لأحكامه عقود كراء المحلات الملحقة بالمحل الأصلي، والأراضي العارية التي شيدت عليها بنايات لاستغلال أصل تجاري بموافقة كتابية من المالك، والمحلات التي تمارس فيها مؤسسات التعليم الخصوصي نشاطها، والمحلات التي تمارس فيها التعاونيات نشاطا تجاريا، والمصحات والمؤسسات المماثلة لها، والمحلات التي يمارس فيها النشاط الصيدلي ومختبرات التحاليل البيولوجية الطبية، فضلا عن المحلات الموجودة بالمراكز التجارية التي عرفها القانون تعريفا خاصا.

    وفي المقابل، استثنى المشرع من نطاق التطبيق عقود كراء المحلات الداخلة في نطاق الملك العام للدولة، والمحلات الداخلة في ملكها الخاص أو في ملك الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية حين تكون مرصودة لمنفعة عامة، والمحلات الداخلة في نطاق الأوقاف، والعقود المبرمة بناء على مقرر قضائي أو نتيجة له.

    المبحث الثاني: شكلية العقد والحق في التجديد

    نصت المادة 3 من القانون 49.16 على أن عقود كراء المحلات التجارية تبرم وجوبا بمحرر كتابي ثابت التاريخ. وقد أثار هذا النص نقاشا فقهيا واسعا، إذ لم يرتب المشرع جزاء صريحا على تخلف الكتابة، مما فتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل الكتابة هنا شرط لانعقاد العقد أم مجرد وسيلة لإثباته؟ ويميل جانب من الفقه والقضاء إلى اعتبارها شرطا للإثبات لا للانعقاد، حماية للمكتري حسن النية الذي قد يستغل المحل سنوات دون عقد مكتوب، وهو الاتجاه الأقرب إلى روح القانون الحمائية.

    ويشكل الحق في التجديد جوهر النظام الحمائي في الكراء التجاري. فقد نصت المادة 6 على أن المكتري يكون محقا في تجديد عقد الكراء متى توفرت الشروط المقررة، وأن كل شرط مخالف يعد باطلا. غير أن هذا الحق ليس مطلقا، إذ يشترط لاكتسابه أن يثبت المكتري انتفاعه بالمحل بصفة مستمرة لمدة سنتين على الأقل. وهذه المدة هي عتبة اكتساب الملكية التجارية، وقبلها يبقى المكتري في وضعية أقرب إلى وضعية المكتري العادي.

    ومن الناحية العملية، فإن انتهاء المدة المتفق عليها في العقد لا يؤدي تلقائيا إلى إفراغ المكتري؛ فإذا استمر هذا الأخير في شغل المحل بعد انصرام المدة دون اعتراض المكري، تحول العقد إلى عقد غير محدد المدة، واستمر المكتري في التمتع بحقه في التجديد.

    المبحث الثالث: الإفراغ والتعويض

    جعل المشرع الأصل هو أن رفض تجديد العقد يستوجب أداء تعويض للمكتري، ما لم توجد حالة من حالات الإعفاء. ويعادل هذا التعويض ما لحق المكتري من ضرر ناجم عن الإفراغ، ويشمل على الخصوص قيمة الأصل التجاري محددة على أساس التصريحات الضريبية للسنوات الأربع الأخيرة، وما أنفقه المكتري من تحسينات وإصلاحات، ومصاريف الانتقال، وقيمة العناصر التي فقدها الأصل التجاري بسبب الإفراغ.

    وفي المقابل، حددت المادة 8 حالات الإفراغ دون تعويض، وهي حالات يكون فيها المكتري قد أخل بالتزام جوهري، ومنها عدم أداء الوجيبة الكرائية داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ التوصل بالإنذار مع تكرار هذا الإخلال، وإحداث تغييرات بالمحل دون موافقة المكري تكون من شأنها المساس بسلامة البناية، وتغيير النشاط التجاري المتفق عليه دون موافقة، وعدم القيام بأعمال الصيانة الملزم بها رغم الإنذار، وكراء المحل من الباطن خلافا لما يقتضيه العقد، وفقدان الأصل التجاري لعنصر الزبناء والسمعة التجارية بسبب إغلاق المحل مدة معينة.

    كما نظم المشرع حالات خاصة يسترجع فيها المكري محله لأغراض مشروعة، مع تقرير ضمانات لفائدة المكتري:

    • الإفراغ لأجل الهدم وإعادة البناء: يشترط أن يكون المكري مالكا للمحل مدة لا تقل عن سنة من تاريخ الإنذار، وأن يؤدي للمكتري تعويضا مؤقتا يوازي كراء ثلاث سنوات، مع احتفاظ المكتري بحق الرجوع إلى المحل إذا اشتملت البناية الجديدة على محلات معدة لممارسة نشاط مماثل.
    • الإفراغ للتوسعة أو التعلية: ويخضع لمقتضيات مشتركة مع الحالة السابقة من حيث التعويض المؤقت وحق الرجوع.
    • الإفراغ للاستعمال الشخصي: يتعين على المستفيد أن يعتمر المحل شخصيا داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ مغادرة المكتري، ولمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وإلا حق للمكتري المطالبة بتعويض يوازي كراء ثمانية عشر شهرا حسب قيمة آخر وجيبة كرائية.

    ونظم القانون كذلك، في مادته 32، مسطرة استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة، إذ يحق للمكري الذي توقف مكتريه عن أداء الكراء وهجر المحل إلى وجهة مجهولة لمدة ستة أشهر أن يطلب من رئيس المحكمة، بصفته قاضيا للمستعجلات، إصدار أمر بفتح المحل والإذن له باسترجاع حيازته.

    وأخيرا، أفرد المشرع بابا خاصا لإفراغ السكن الملحق بالمحل التجاري، مانعا المالك من المطالبة به إذا كان استرجاعه سيحدث مساسا خطيرا باستغلال الأصل التجاري، وهو ما يعكس بجلاء المنطق الذي يحكم هذا القانون: تغليب استمرارية النشاط الاقتصادي.

    📗 خلاصة الباب

    • يخضع الكراء التجاري (كراء المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري في ملكية تاجر أو صانع أو حرفي مقيد في السجل التجاري) للقانون 49.16، الذي يشترط بدوره محررا كتابيا ثابت التاريخ.
    • يشكل الحق في التجديد جوهر الحماية في الكراء التجاري: يكتسبه المكتري بعد سنتين من الانتفاع المستمر، وامتناع المكري عن التجديد دون مبرر يستوجب أداء تعويض يعادل الضرر اللاحق بالأصل التجاري.
    • حدد القانون حالات إفراغ دون تعويض (كعدم الأداء)، وحالات استرجاع لأغراض مشروعة (الهدم وإعادة البناء، التوسعة، الاستعمال الشخصي) مع ضمانات لفائدة المكتري كتعويض مؤقت وحق الرجوع.

  • الباب الثالث: الكراء المدني

    📖 العقود المسماة — الفصل 4 من 7 — فهرس الكتاب

    المبحث الأول: نطاق تطبيق القانون 67.12

    يقصد بالكراء المدني، في مفهوم هذه الدراسة، ذلك الكراء الذي لا يرد على محل يستغل فيه أصل تجاري، فيخضع إما للقواعد العامة في ظهير الالتزامات والعقود، وإما للقانون 67.12 متى تعلق الأمر بمحل معد للسكنى أو للاستعمال المهني.

    حددت المادة الأولى من القانون 67.12 نطاق تطبيقه في عقود كراء المحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، بما في ذلك المحلات المفروشة والملحقات المرتبطة بها. ويشمل الاستعمال المهني الأنشطة التي لا تكتسي صبغة تجارية كمكاتب المحامين والأطباء والمهندسين والخبراء المحاسبين.

    غير أن المشرع استثنى من هذا النطاق طوائف من العقود، منها المحلات التي تدخل في نطاق الملك العام أو الخاص للدولة والجماعات الترابية حين تكون مرصودة لمنفعة عامة، والمحلات الممنوحة بسبب علاقة الشغل أو بمناسبتها، والمحلات المرتبطة بالمؤسسات السياحية، وكراء الغرف بالفنادق. كما تخرج من نطاقه عقود كراء المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري لخضوعها للقانون 49.16.

    المبحث الثاني: شكلية العقد والتزامات الطرفين

    أوجبت المادة 3 من القانون 67.12 إبرام عقد الكراء بمحرر كتابي ثابت التاريخ، يحرر في ثلاث نسخ. ويجب أن يتضمن العقد بيانات إلزامية حددتها المادة 4، من قبيل هوية الطرفين وبيانات بطاقتيهما الوطنيتين، ووصف المحل ومشتملاته، ومبلغ الوجيبة الكرائية وكيفية أدائها وتاريخ الاستحقاق، ومبلغ الضمانة إن وجدت، والغرض من الكراء. ويحرر الطرفان بيانا بوصف حالة المحل عند التسليم، وهو محرر بالغ الأهمية عمليا لأنه يحسم النزاع اللاحق حول الإصلاحات والتلفيات.

    وتتلخص التزامات المكري في تسليم المحل في حالة صالحة للاستعمال المخصص له، والقيام بالإصلاحات الضرورية غير المرتبطة بالاستعمال العادي، وضمان التعرض والاستحقاق والعيوب الخفية، وتسليم وصل بالأداء يميز بين الوجيبة والتكاليف التابعة لها. وقد نظم المشرع حالة امتناع المكري عن إنجاز الإصلاحات، فأجاز للمكتري ـ بعد إشعاره وانصرام أجل شهر ـ أن يستصدر أمرا من رئيس المحكمة الابتدائية يحدد قيمة الإصلاحات ويأذن له بإنجازها وخصمها من الوجيبة الكرائية.

    أما المكتري فيلتزم بأداء الوجيبة في أجلها، واستعمال المحل في الغرض المخصص له وفق ما يقتضيه حسن النية، والقيام بالإصلاحات التبعية الناتجة عن الاستعمال العادي، وعدم إدخال تغييرات على المحل دون موافقة المكري، ورد المحل عند انتهاء العقد على الحالة التي تسلمه بها مع مراعاة التقادم الطبيعي.

    المبحث الثالث: مراجعة الوجيبة الكرائية

    جعل المشرع الأصل هو حرية الطرفين في تحديد الوجيبة الكرائية عند إبرام العقد، غير أنه قيد مراجعتها بقيدين آمرين: قيد زمني وقيد نسبي. فمن حيث الزمن، لا يجوز الاتفاق على رفع مبلغ الوجيبة خلال مدة تقل عن ثلاث سنوات ابتداء من تاريخ إبرام العقد أو من تاريخ آخر مراجعة اتفاقية أو قضائية. ومن حيث النسبة، حدد المشرع سقف الزيادة في 8% بالنسبة للمحلات المعدة للسكنى و10% بالنسبة للمحلات المعدة للاستعمال المهني.

    وإذا لم يتفق الطرفان، جاز للمكري اللجوء إلى المحكمة الابتدائية لتحديد الوجيبة الجديدة، وتأخذ المحكمة بعين الاعتبار مجموعة من المعايير الموضوعية كموقع المحل ومساحته وحالته والصوائر التي صرفت عليه ورأس المال المستثمر وأثمنة الكراء الجاري بها العمل في المنطقة نفسها.

    المبحث الرابع: إنهاء العقد وفسخه

    يميز القانون 67.12 تمييزا دقيقا بين الإنهاء والفسخ، وهو تمييز يقوم على أساس السبب: فالإنهاء يستند إلى رغبة المكري في استرجاع محله لسبب جدي لا علاقة له بإخلال المكتري، بينما يستند الفسخ إلى إخلال المكتري بالتزاماته التعاقدية.

    فبخصوص الإنهاء، نصت المادة 44 على أن عقود الكراء لا تنتهي إلا بعد الإشعار بالإفراغ وتصحيحه عند الاقتضاء، رغم كل شرط أو مقتضى مخالف، وهو ما يفيد الطابع الآمر للقاعدة. ويجب أن يستند الإشعار إلى أسباب جدية حددتها المادة 45 على سبيل الحصر، وأهمها استرداد المحل للسكن الشخصي للمكري أو لسكن زوجه أو أصوله أو فروعه المباشرين من الدرجة الأولى، أو هدم المحل وإعادة بنائه، أو إدخال إصلاحات ضرورية تستوجب الإفراغ. ويبلغ الإشعار وفق الكيفيات المنصوص عليها في الفصول 37 و38 و39 من قانون المسطرة المدنية.

    وإذا امتنع المكتري عن الإفراغ صراحة أو ضمنا ببقائه في المحل، لجأ المكري إلى المحكمة للمطالبة بتصحيح الإشعار. وفي حالة الحكم بالتصحيح، يتعين على المكري أن يؤدي للمكتري، إضافة إلى صوائر الانتقال المثبتة، تعويضا تعادل قيمته وجيبة كراء سنة كاملة حسب آخر مبلغ مؤدى. وهذا التعويض محدد سلفا بنص القانون، وهو ما يميز الكراء السكني عن نظيره التجاري كما سيأتي بيانه. كما رتب المشرع جزاء على انحراف المكري، إذ إذا تبين أن الإفراغ تم بناء على سبب غير صحيح أو سبب لم ينفذ، حق للمكتري المطالبة بتعويض يوازي الضرر اللاحق به.

    أما الفسخ، فمجاله إخلال المكتري بالتزاماته، ولا سيما عدم أداء الوجيبة الكرائية. وقد نظم المشرع مسطرة خاصة تقوم على توجيه إنذار بالأداء، فإذا لم يستجب المكتري داخل الأجل القانوني، رفع المكري دعوى المصادقة على الإنذار والإفراغ. ولحماية المكتري من تعسف محتمل، نص المشرع على أنه إذا ثبت أن المكري توصل بمستحقاته وواصل بسوء نية مسطرة المصادقة، حق للمكتري المطالبة بتعويض يتراوح بين وجيبة كراء شهرين وستة أشهر، بصرف النظر عن المتابعات الجنائية عند الاقتضاء.

    وقد استحدث القانون 67.12 كذلك مسطرة استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة، تفاديا لتعطيل الملك بسبب اختفاء المكتري، كما نظم في المقابل مسطرة تمكن المكتري من استرجاع حيازته إذا تعرض للطرد خارج المساطر القانونية.

    📗 خلاصة الباب

    • يخضع الكراء المدني (كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني غير التجاري) للقانون 67.12 الذي يشترط محررا كتابيا ثابت التاريخ لإثبات العقد.
    • يلتزم المكري بتسليم المحل صالحا للاستعمال وإجراء الإصلاحات الضرورية، ويلتزم المكتري بأداء الوجيبة واستعمال المحل بحسن نية والمحافظة عليه.
    • تخضع مراجعة الوجيبة الكرائية لقيدين آمرين (زمني ونسبي)، ويميز القانون تمييزا دقيقا بين الإنهاء (لرغبة المكري في الاسترجاع لأسباب محددة) والفسخ (لإخلال المكتري بالتزاماته، وأبرزها عدم الأداء).

  • تمديد الخط السادس بأكزناية.. ربط مباشر للطلبة والعمال

    تمديد الخط السادس بأكزناية.. ربط مباشر للطلبة والعمال

    هل تشعر بإرهاق التنقل اليومي بين حيك ومكان عملك أو دراستك؟ هذا السؤال يطرحه آلاف السكان في مناطق أكزناية وطنجة الذين يضطرون لتغيير أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى وجهتهم. اليوم، تحمل أخبار جديدة من جماعة أكزناية بشرى قد تغير واقع تنقلك اليومي بشكل ملموس.

    أعلنت السلطات المحلية في جماعة أكزناية عن خطة طموحة لتحسين شبكة النقل العمومي بالحافلات، وتتضمن مشروع توسيع لخط المواصلات رقم 6i ليمتد عبر مسارات جديدة لم تكن تخدمها من قبل. هذا التطور يأتي استجابة مباشرة لاحتياجات المجتمع المتنامية والضغط المتزايد على خدمات النقل الحالية.

    الخط الجديد.. من الأحياء إلى المؤسسات الجامعية

    المسار الممتد للخط 6i لن يقتصر على حي واحد، بل سيشمل رحلة شاملة عبر عدة مناطق حيوية بطنجة. سيبدأ الخط انطلاقته من أحياء سكنية مختلفة منها بدريوين وسوق السمك، ثم يتوجه عبر إقامات جديدة مثل النخيل وباب الأندلس والمنزل، ليمر أخيراً بمدرسة المنفلوطي قبل الانطلاق نحو المناطق الاقتصادية والصناعية التي تشكل محرك الاقتصاد المحلي.

    الجديد حقاً هو امتداد هذا الخط عبر المنطقة الصناعية بقسميها الأول والثاني، وهي المناطق التي تستقطب آلاف العمال يومياً. لم تكن هذه المناطق الحيوية موصولة برابط مباشر من قبل، مما كان يجبر العاملين على قضاء وقت أطول في الطرق. إضافة إلى ذلك، سيمر الخط بمدخل المطار والجمارك، مما يسهل التنقل بين المناطق الخدماتية المهمة.

    بوخالف والمؤسسات الجامعية.. خدمة الطلبة والعاملين

    لكن الخطوة الأهم ربما تكمن في وصول الخط إلى منطقة بوخالف والمؤسسات الجامعية هناك. آلاف الطلبة يقطنون في أحياء أكزناية ويدرسون في الجامعات بمنطقة بوخالف، وحتى الآن كانوا يعانون من صعوبات في التنقل الآمن والاقتصادي. هذا الامتداد سيوفر لهم خطاً مباشراً يختصر الوقت والمال والجهد، ويسمح لهم بالتركيز على دراستهم بدلاً من قضاء ساعات في المواصلات.

    المسار سيستمر بعد ذلك في اتجاه حي إيبيريا، مما يربط بين أطراف مختلفة من مدينة طنجة ويوفر حركية أفضل عبر المدينة. هذا التصميم الشامل يعكس فهماً جيداً من إدارة الجماعة للاحتياجات الفعلية للسكان وليس مجرد تخطيط عشوائي.

    رؤية استراتيجية لتحسين التنقل اليومي

    إذا نظرنا إلى الصورة الكاملة، نجد أن هذا المشروع ليس مجرد إضافة مسار جديد، بل هو استراتيجية متكاملة للتعامل مع ازدحام المدينة وتحسين الربط بين المناطق المختلفة. السلطات المحلية تدرك أن النقل العمومي الفعال هو عصب المدينة الحديثة، وأن تحسينه ينعكس على جودة حياة السكان برمتها.

    التأثير العملي لهذا التمديد سيكون محسوساً بشكل مباشر: أوقات تنقل أقصر، تكاليف أقل على المحفظة الشهرية، وراحة نفسية من عدم الاضطرار للانتظار الطويل أو تغيير الوسائل مراراً. الطالب لن يتأخر عن محاضراته بسبب الاختناقات المرورية، والعامل سيصل إلى عمله باستقرار واطمئنان، والأسرة ستتمكن من قضاء وقتها بحرية بدلاً من القلق حول وسيلة التنقل.

    تعزيزات إضافية على خطوط أخرى

    لم تكتفِ جماعة أكزناية بتمديد خط واحد فقط. بموازاة هذا الإجراء، قررت تعزيز الخط 9i بحافلات إضافية، وكذلك الخط 19i الذي يمتد عبر كورنيش الجماعة وصولاً إلى المدينة الجديدة ابن بطوطة. هذا التنويع يشير إلى رؤية شاملة لتحسين شبكة المواصلات ككل، وليس التركيز على مشروع واحد فقط.

    كما أعلنت الجماعة عن قرار مهم آخر يتعلق بتمديد ساعات العمل للخطين 9i و9a حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، خاصة يومي السبت والأحد. هذا القرار يأخذ في الاعتبار احتياجات من يعملون بفترات مسائية أو يرغبون في قضاء الليل خارج منازلهم في نهاية الأسبوع دون قلق حول الوصول.

    لماذا هذا يهمك كقارئ طنجاوي

    قد تشعر أحياناً بأن المدينة لا تعطيك الأولوية، وأن خدماتها العامة تسير ببطء أو عشوائية. لكن هذا الإعلان يأتي ليقول لك إن هناك من يستمع ويعمل على تحسين واقعك. السلطات المحلية تعترف أن النقل العمومي ليس ترفاً، بل هو حق أساسي يستحقه كل ساكن في المدينة.

    هذه الخطوات تنم عن فهم متطور للتحديات الحقيقية التي يواجهها السكان، وليس عن تخطيط نظري بعيد عن الواقع. الطالب، العامل، الموظف، الأم التي تنقل أطفالها إلى المدرسة، الشاب الذي يبحث عن عمل في المنطقة الصناعية، كلهم سيشعرون بفرق في حياتهم اليومية.

    في الختام.. بدايات تستحق التفاؤل

    تحسين النقل العمومي ليس مسألة ثانوية أو رفاهية، بل هو استثمار في إنتاجية المدينة وسعادة سكانها. عندما يصل الموظف إلى عمله بأقل إرهاقاً، يؤدي عمله بأفضل استطاعة. عندما يصل الطالب بتركيز كامل، يستفيد من دراسته. عندما تشعر الأسرة بالأمان في التنقل، تنعم بجودة حياة أفضل.

    المشروع الذي أعلنت عنه جماعة أكزناية يستحق المتابعة والتقييم عند تطبيقه. نأمل أن يتحقق كما هو مخطط له، وأن تنعكس فوائده على حياتك وحياة عائلتك قريباً جداً.

    ما رأيك أنت؟ هل تتوقع أن يحدث هذا التمديد فرقاً في تنقلك اليومي؟ شارك معنا تجربتك مع وسائل النقل الحالية.

  • ملحق : حالات تطبيقية وأسئلة للمراجعة

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 9 من 9 — فهرس الكتاب

    يهدف هذا الملحق إلى مساعدة الطالب على تحويل القواعد النظرية التي عرضناها في أبواب هذا الكتاب إلى أداة لحلّ النوازل، وهو ما يُطلب منه عادة في الامتحانات الجامعية والمباريات المهنية على السواء. وقد رتّبنا الحالات والأسئلة بحسب ترتيب الأبواب.

    أولا : حالات تطبيقية

    الحالة الأولى (الأهلية). أبرم شخص يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً عقد بيع لدرّاجته النارية دون إذن أبيه، وقبض الثمن كاملاً. بعد أسبوعين اكتشف الأب الأمر وطلب إبطال العقد. حلّلوا : ما نوع البطلان المترتب على هذا العقد ؟ ومن له حق طلبه ؟ وهل يجوز للمشتري أن يتمسك بأن البائع أخفى عنه سنّه الحقيقية ؟

    عناصر الجواب : العقد قابل للإبطال لا باطل بطلاناً مطلقاً (الفصل 4)، والحق في طلب الإبطال يعود للأب بصفته النائب الشرعي أو للقاصر نفسه بعد بلوغه الرشد. أما إخفاء السنّ فقد يُثير مسألة التدليس من جانب القاصر نفسه، وهي مسألة اجتهد فيها الفقه دون أن يحسمها نصّ صريح في هذا الظهير.

    الحالة الثانية (عيوب الرضا). اشترى شخص لوحة فنية معتقداً أنها أصلية، بناءً على تأكيد صريح من البائع، فتبيّن لاحقاً أنها نسخة. حلّلوا : أي عيب من عيوب الرضا يمكن التمسك به هنا ؟ وما الفرق بينه وبين ما لو اكتشف المشتري لاحقاً أن ثمنها كان أعلى بكثير من قيمتها الحقيقية دون أي تصريح كاذب من البائع ؟

    عناصر الجواب : الحالة الأولى تدليس بحسب الفصل 52 لأن البائع لجأ إلى تأكيد كاذب دفع المشتري إلى التعاقد. أما الحالة الثانية فهي غَبْن مجرد، ولا يخوّل الإبطال بحسب الفصل 55 إلا إذا كان المشتري قاصراً أو ناقص أهلية (الفصل 56)، أو إذا اقترن بتدليس.

    الحالة الثالثة (تنفيذ الالتزام). التزم مقاول بتسليم شقة سكنية في أجل محدد، وتأخر عن التسليم ثلاثة أشهر بسبب إضراب عام شلّ قطاع البناء في المنطقة. حلّلوا : هل يُسأل المقاول عن التأخير ؟ وهل يتغيّر الجواب لو كان المقاول قد دخل في حالة مَطْل قبل وقوع الإضراب ؟

    عناصر الجواب : الإضراب العام قد يُكيَّف قوة قاهرة إن توافر فيه شرطا عدم التوقع واستحالة الدفع (الفصل 269)، فينتفي التعويض (الفصل 268). لكن لو كان المقاول متماطلاً قبل وقوعه، فإنه يتحمل تبعته كاملة بحسب الفصل 266، ولا يُعفى منه.

    الحالة الرابعة (انقضاء الالتزامات). كان لشخص دين على آخر بمبلغ معيّن، ثم توفي الدائن وآل إرثه لمدينه نفسه بوصفه وارثه الوحيد. بعد سنة، ظهر أن الوفاة كانت نتيجة تزوير في عقد وأن هناك وارثاً آخر حقيقياً. حلّلوا أثر ذلك على الدين.

    عناصر الجواب : الانقضاء بادئ الأمر يقع باتحاد الذمة (الفصل 319)، لكن ببطلان سبب هذا الاتحاد (ثبوت التزوير)، يعود الدين بتوابعه في مواجهة جميع الأشخاص، ويُعتبر اتحاد الذمة كأن لم يكن أبداً بحسب الفصل 370.

    الحالة الخامسة (المسؤولية التقصيرية). انزلق أحد المارة على أرضية مبتلّة أمام محل تجاري لم يضع صاحبه أي علامة تحذيرية، فأصيب بكسر في يده. حلّلوا أساس مسؤولية صاحب المحل وأركانها.

    عناصر الجواب : المسؤولية هنا تقصيرية أساسها الخطأ (الفصل 78) المتمثل في الإهمال — ترك ما كان يجب فعله، أي وضع علامة تحذيرية أو تجفيف الأرضية. وتتوفر أركانها الثلاثة : الخطأ (الإهمال)، والضرر (الإصابة الجسدية)، والعلاقة السببية المباشرة بينهما.

    ثانيا : أسئلة للمراجعة بحسب كل باب

    الباب الأول والثاني (النظرية العامة للالتزام والعقد)

    • ميّزوا بين الحق الشخصي والحق العيني من حيث المحل والأثر.

    • ما الفرق بين العقد الملزم لجانبين والعقد الملزم لجانب واحد من حيث الدفع بعدم التنفيذ ؟

    • عدّدوا مصادر الالتزام كما حصرها الفصل الأول من ق.ل.ع.

    الباب الثالث (شروط صحة العقد)

    • ما الفرق بين الغلط الجوهري والغلط في شخص المتعاقد من حيث شروط الاعتداد به ؟

    • متى يخوّل الغَبْن وحده — دون تدليس — طلب إبطال العقد ؟

    • عدّدوا الاستثناءات الثلاثة على قاعدة عدم إلزام ناقص الأهلية بتعهداته.

    الباب الرابع (تنفيذ الالتزام)

    • ما الفرق بين الفسخ القضائي والفسخ بمقتضى شرط فاسخ صريح ؟

    • لماذا لا يُعفى المدين المتماطل من تبعة القوة القاهرة ؟

    الباب الخامس (انقضاء الالتزامات)

    • ما الفرق بين التجديد والمُقاصة من حيث الأثر على الضمانات التابعة للدين ؟

    • لماذا لا يُسقط التقادم الدعوى بقوة القانون؟ وما الأثر العملي لذلك ؟

    الباب السادس (المسؤولية التقصيرية)

    • ميّزوا بين المسؤولية عن الفعل الشخصي والمسؤولية عن فعل الأشياء من حيث عبء الإثبات.

    • متى ينتفي ركن الخطأ رغم وقوع الضرر ؟

    ثالثا : معجم المصطلحات القانونية

    المصطلحتعريفه الموجز
    الالتزامرابطة قانونية بين دائن ومدين، يلتزم بمقتضاها المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل
    الحق الشخصيالالتزام منظوراً إليه من جهة الدائن
    الحق العينيسلطة مباشرة لشخص على شيء معيّن، يحتج بها على الكافة
    الأهليةصلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمّل الالتزامات ومباشرة التصرفات القانونية
    الإيجابتعبير باتّ عن الإرادة في إبرام عقد بشروط محددة
    القبولتعبير باتّ عن الرضا بالإيجاب مطابقاً له
    الغلطوهم يقوم في ذهن المتعاقد فيجعله يتصوّر الأمر على خلاف الحقيقة
    التدليساستعمال حيل احتيالية تدفع المتعاقد إلى التعاقد على غير ما كان سيرتضيه
    الإكراهإجبار غير مشروع يحمل شخصاً على التعاقد بغير رضاه
    الغَبْناختلال جسيم بين ما يأخذه المتعاقد وما يعطيه
    محل الالتزامما التزم المدين بأدائه إعطاءً أو عملاً أو امتناعاً
    سبب الالتزامالغرض المباشر الذي من أجله التزم المتعاقد
    مَطْل المدينتأخر المدين عن تنفيذ التزامه كلياً أو جزئياً من غير سبب مقبول
    الفسخإنهاء العقد قضائياً أو اتفاقياً بسبب إخلال أحد الطرفين بالتزامه
    الإقالةاتفاق المتعاقدين على إنهاء عقدهما القائم صحيحاً برضاهما المشترك
    القوة القاهرةأمر لا يستطيع الإنسان توقعه ولا دفعه، يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً
    الوفاءتنفيذ الالتزام عيناً على الوجه الذي التزم به المدين
    الإبراءتنازل الدائن عن حقه في مطالبة المدين بالوفاء
    التجديداستبدال التزام قديم بالتزام جديد ينقضي بموجبه الأول
    المُقاصةانقضاء دينين متقابلين بين شخصين في حدود الأقلّ منهما
    اتحاد الذمةاجتماع صفتي الدائن والمدين في شخص واحد
    التقادم المسقطانقضاء الحق في المطالبة القضائية بالدين لمضي مدة معينة
    المسؤولية التقصيريةالتزام بتعويض ضرر ناتج عن فعل ضار لا عن إخلال بعقد سابق
    الخطأترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه
    العلاقة السببيةالصلة المباشرة بين الخطأ والضرر الحاصل

    خاتمة

    تناولنا في البابين الأولين النظرية العامة للالتزام والعقد : مفهومه وخصائصه

    وتمييزه عن الحق العيني، وأركان العقد وتقسيماته التسعة. ثم فصّلنا في الباب

    الثالث شروط صحة العقد أهلية وتراضياً ومحلاً وسبباً، وجزاء تخلف هذه الشروط

    بطلاناً مطلقاً أو نسبياً، وفي الباب الرابع أثر

    الالتزام عند تنفيذه أو الإخلال به : المَطْل والتعويض والقوة القاهرة. وخصّصنا

    الباب الخامس للطرق السبع التي ينقضي بها الالتزام، وختمنا بمدخل إلى المسؤولية

    التقصيرية أساساً وأركاناً وصوراً.

    والخيط الجامع بين هذه الأبواب كلها أنها ليست ترفاً نظرياً، بل لكل قاعدة فيها

    أثر عملي يظهر عند النزاع : فتقسيم العقود إلى ملزمة لجانبين وملزمة لجانب واحد

    هو الذي يحدد من له الدفع بعدم التنفيذ ومن له طلب الفسخ ومن يتحمل تبعة الهلاك،

    وتمييز عيوب الرضا بعضها عن بعض هو الذي يحدد شروط دعوى الإبطال وأجلها، وتمييز

    طرق انقضاء الالتزام هو الذي يحدد أثر كل واحدة منها على التوابع والضمانات.

    فنظرية الالتزام بهذا المعنى أداة للحكم في النزاع لا وصف نظري للأشياء، وهذا ما

    ينبغي أن يستصحبه الطالب والممارس معاً في كل مسألة يعرضها عليه هذا الميدان

    الواسع من ميادين القانون الخاص.

    قائمة المراجع

    النصوص التشريعية

    • قانون الالتزامات والعقود، ظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)، صيغة محيّنة

    بتاريخ 26 غشت 2019، وزارة العدل.

    • مدونة الأسرة، القانون رقم 70.03، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.04.22

    بتاريخ 3 فبراير 2004.

    • القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، نصّ مُوحّد، الأمانة العامة

    للحكومة.

    • القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم

    1.96.83 بتاريخ فاتح غشت 1996.

    • القانون رقم 58.11 المتعلق بمحكمة النقض، الظهير الشريف رقم 1.11.170 بتاريخ

    25 أكتوبر 2011، الجريدة الرسمية عدد 5989 مكرر بتاريخ 26 أكتوبر 2011.

    • القانون رقم 44.00 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز.

    • القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.

    • القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية.

    • القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك.

    المراجع الفقهية المُحال عليها في المتن

    • عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني.

    • مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام.

    • سافيني (Savigny)، في المذهب الشخصي للالتزام.

    • سالي (Saleilles)، في المذهب المادي للالتزام.

    • مازو (Mazeaud)، دروس في القانون المدني.

    • ويل وتيري (Weill et Terré)، القانون المدني : الالتزامات.

    الاهداء للإمام المجدد رحمه اللّه


  • الباب السادس : مدخل إلى المسؤولية التقصيرية

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 8 من 9 — فهرس الكتاب

    بيّنا في الباب الأول أن مصادر الالتزام تشمل، إلى جانب الاتفاقات وأشباه العقود، الجرائم وأشباه الجرائم — وهي ما يُصطلح على تسميته اليوم بالمسؤولية التقصيرية أو المسؤولية عن الفعل الضار، تمييزاً لها عن المسؤولية العقدية التي مصدرها إخلال بالتزام تعاقدي سابق. ونعرض في هذا الباب لأساسها وأركانها وأهم صورها بحسب قانون الالتزامات والعقود.

    الفصل الأول : أساس المسؤولية التقصيرية

    قرّر المشرع المغربي أساس المسؤولية التقصيرية في فصلين متتاليين متكاملين. نصّ الفصل 77 على أن «كل فعل ارتكبه الإنسان عن بيّنة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضرراً مادياً أو معنوياً للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر». وأتبعه الفصل 78 بقوله : «كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضاً، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر»، وعرّف الفصل نفسه الخطأ بأنه «ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر».

    فالمشرع المغربي إذن يميّز بين صورتين للمسؤولية التقصيرية : مسؤولية عن الفعل العمدي (الفصل 77) الذي يقترن بقصد الإضرار، ومسؤولية عن الخطأ غير العمدي (الفصل 78) الذي لا يشترط فيه هذا القصد بل يكفي فيه الإهمال أو عدم التبصّر. ويشترك الحكمان في أن التعويض لا يُستحق إلا إذا كان الفعل أو الخطأ هو السبب المباشر في وقوع الضرر — وهو ما يُعرف بركن العلاقة السببية. وقد قرّر الفصلان معاً بطلان كل شرط يخالف قاعدة المسؤولية عن الفعل الضار، تحصيناً لهذه القاعدة من محاولات الإعفاء المسبق منها.

    فأركان المسؤولية التقصيرية بحسب هذين الفصلين ثلاثة : الخطأ (فعلاً كان أو تركاً، عمدياً أو غير عمدي)، والضرر (مادياً كان أو معنوياً)، والعلاقة السببية المباشرة بينهما.

    الفصل الثاني : مسؤولية الدولة والجماعات الترابية

    لم يقتصر المشرع على تقرير مسؤولية الأفراد، بل مدّ قاعدة المسؤولية إلى أشخاص القانون العام، فنصّ الفصل 79 على أن «الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها». فتقوم مسؤولية الدولة والجماعات الترابية — وقد حلّت الجماعات الترابية اليوم محل البلديات في التنظيم اللاحق — عن نوعين من الأخطاء : خطأ المرفق ذاته في تسييره، وخطأ موظفيها المصلحي أثناء أداء وظائفهم.

    ومن التطبيقات الخاصة لهذا الأصل ما نصّ عليه الفصل 85 مكرر بشأن مسؤولية معلمي التعليم العمومي وموظفي الشبيبة والرياضة عن الأضرار الحاصلة من الأطفال والشبان الموجودين تحت رقابتهم، حيث تحلّ مسؤولية الدولة محل مسؤولية هؤلاء الموظفين، ولا تجوز مقاضاتهم شخصياً أمام المحاكم المدنية من طرف المتضرر.

    الفصل الثالث : المسؤولية عن فعل الأشياء

    إلى جانب المسؤولية عن الفعل الشخصي، أقرّ المشرع المغربي مسؤولية عن الأضرار التي تسببها الأشياء التي في حراسة الشخص، فنصّ الفصل 88 على أن «كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبيّن أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر». وهذه مسؤولية مبنية على قرينة الخطأ لا على الخطأ المُثبَت، إذ يكفي المتضرر إثبات أن الشيء في حراسة المدعى عليه وأنه السبب المباشر للضرر، دون حاجة إلى إثبات خطأ محدد صادر عن الحارس.

    غير أن هذه المسؤولية ليست مطلقة، فقد أجاز الفصل نفسه للحارس أن ينفيها بإثبات أحد أمرين : أنه فعل ما كان ضرورياً لمنع الضرر، أو أن الضرر يرجع إلى حادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ المتضرر نفسه.

    الفصل الرابع : المنافسة غير المشروعة

    أدرج المشرع المنافسة غير المشروعة ضمن صور الفعل الضار الموجب للتعويض، فنصّ الفصل 84 على أن التعويض قد يترتب على الوقائع التي تكون منافسة غير مشروعة، ومثّل لذلك بـ«استعمال اسم أو علامة تجارية تماثل تقريباً ما هو ثابت قانوناً لمؤسسة أو مصنع معروف من قبل، أو لبلد يتمتع بشهرة عامة، وذلك بكيفية من شأنها أن تجرّ الجمهور إلى الغلط في شخصية الصانع أو في مصدر المنتوج».

    الفصل الخامس : أسباب انتفاء المسؤولية

    نصّ الفصل 95 على أنه «لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي، أو إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه»، وعرّف حالة الدفاع الشرعي بأنها «تلك التي يُجبر فيها الشخص على العمل لدفع اعتداء حال غير مشروع موجَّه لنفسه أو لماله أو لنفس الغير أو ماله».

    فالمشرع يقرّ سببين لانتفاء المسؤولية رغم وقوع الضرر : الدفاع الشرعي الذي يُشرعن الفعل المُحدث للضرر متى توافرت شروطه، والسبب الأجنبي (الحادث الفجائي أو القوة القاهرة) الذي ينفي العلاقة السببية بين فعل المدعى عليه والضرر.

    الفصل السادس : أهلية التمييز في المسؤولية التقصيرية

    تختلف أهلية المسؤولية التقصيرية عن أهلية التعاقد التي عرضنا لها في الباب الثالث، إذ العبرة فيها بالتمييز لا ببلوغ سنّ معينة. نصّ الفصل 96 على أن «القاصر عديم التمييز لا يسأل مدنياً عن الضرر الحاصل بفعله»، وطبّق الحكم نفسه على «فاقد العقل، بالنسبة إلى الأفعال الحاصلة في حالة جنونه». في المقابل، «يسأل القاصر عن الضرر الحاصل بفعله، إذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعماله».

    فالمعيار إذن هو قدرة الشخص الفعلية على إدراك نتائج فعله وقت وقوعه، لا سنّه القانونية — وهو ما يفسّر إمكان مساءلة قاصر لم يبلغ سنّ الرشد مدنياً عن فعله الضار، خلافاً لما رأيناه في نظرية الأهلية التعاقدية حيث العبرة ببلوغ سنّ الرشد المحددة قانوناً.

    📗 خلاصة الباب

    • ● أسس المشرع المغربي المسؤولية التقصيرية في الفصلين 77 و78 من ق.ل.ع، بالتمييز بين المسؤولية عن الفعل العمدي والمسؤولية عن الخطأ غير العمدي.
    • ● أركان المسؤولية التقصيرية ثلاثة: الخطأ (فعلا أو تركا، عمديا أو غير عمدي)، الضرر (ماديا أو معنويا)، والعلاقة السببية المباشرة بينهما.
    • ● تمتد المسؤولية إلى الدولة والجماعات الترابية عن أضرار تسيير إدارتها، وإلى المسؤولية عن فعل الأشياء الموجودة تحت حراسة الشخص.
    • ● من أسباب انتفاء المسؤولية رغم وقوع الضرر: الدفاع الشرعي والسبب الأجنبي (الحادث الفجائي أو القوة القاهرة)، وتقوم أهلية المسؤولية التقصيرية على التمييز الفعلي لا على بلوغ سن معينة.

  • الباب الخامس : انقضاء الالتزامات

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 7 من 9 — فهرس الكتاب

    بعد أن تناولنا نشأة الالتزام وتنفيذه، نخصّص هذا الباب للطرق التي ينقضي بها. وقد حصرها الفصل 319 من قانون الالتزامات والعقود في ثمانية طرق، فنصّ على أن «تنقضي الالتزامات بما يأتي : 1 – الوفاء؛ 2 – استحالة التنفيذ؛ 3 – الإبراء الاختياري؛ 4 – التجديد؛ 5 – المُقاصة؛ 6 – اتحاد الذمة؛ 7 – التقادم؛ 8 – الإقالة الاختيارية». وقد سبق أن عرضنا لاستحالة التنفيذ عند حديثنا عن القوة القاهرة، فنقتصر هنا على الطرق الأخرى.

    الفصل الأول : الوفاء

    الوفاء هو الطريق الطبيعي لانقضاء الالتزام، وهو تنفيذه على الوجه الذي التزم به المدين. نصّ الفصل 320 على أن «ينقضي الالتزام بأداء محله للدائن وفقا للشروط التي يحددها الاتفاق أو القانون».

    فالوفاء تنفيذ عيني للالتزام كما تعهّد به المدين، وهو ما يميّزه عن التنفيذ بمقابل الذي عرضنا له في الباب السابق. ويصحّ الوفاء من المدين نفسه أو من الغير، ويصحّ للدائن نفسه أو لمن ينوب عنه قانوناً أو اتفاقاً.

    الفصل الثاني : الإبراء الاختياري

    الإبراء هو تنازل الدائن عن حقه في مطالبة المدين بالوفاء، وهو تصرف بإرادة منفردة من الدائن لا يحتاج إلى قبول صريح من المدين — وإن كان يصحّ للمدين رفضه.

    ميّز الفصل 341 بين صورتين للإبراء : الإبراء الصريح، الذي «ينتج عن اتفاق أو توصيل أو أي سند آخر يتضمن تحلل المدين من الدين أو هبته إياه»، والإبراء الضمني الذي «ينتج من كل فعل يدل بوضوح عن رغبة الدائن في التنازل عن حقه». وقرّر الفصل نفسه قرينة قانونية مهمة، هي أن «إرجاع الدائن اختياراً إلى المدين السند الأصلي للدين يفترض به حصول الإبراء من الدين».

    غير أن هذه القرينة لا تسري على كل الضمانات، فقد استثنى الفصل 342 الرهن الحيازي صراحة، إذ نصّ على أن «إرجاع الدائن المرتهن المال المرهون رهناً حيازياً لا يكفي لافتراض حصول الإبراء من الدين» — فإرجاع الشيء المرهون قد يكون لأسباب أخرى غير الإبراء، بخلاف إرجاع سند الدين نفسه الذي لا يُفهم منه عادة إلا التنازل عن الحق.

    الفصل الثالث : التجديد

    التجديد هو اتفاق على استبدال التزام قديم بالتزام جديد ينقضي بموجبه الأول ويقوم الثاني مقامه، سواء بتغيير محل الالتزام أو سببه أو أطرافه.

    اشترط الفصل 349 لصحة التجديد أن يكون «الدائن أهلاً للتفويت والمدين الجديد أهلاً للالتزام»، ومنع «الأولياء والوكلاء ومن يتولون إدارة أموال غيرهم» من إجراء التجديد إلا في الأحوال التي يجوز لهم فيها التفويت — تأكيداً لخطورة هذا التصرف على مصلحة من يُنابون عنه.

    ونصّ الفصل 356 على الأثر الجوهري للتجديد، وهو أنه «ينقضي الالتزام القديم نهائياً» بمجرد صحة الالتزام الجديد ولو لم يقع تنفيذه بعد. فإن كان الالتزام الجديد معلَّقاً على شرط واقف، توقف أثر التجديد على تحقق هذا الشرط، فإن لم يتحقق اعتُبر التجديد كأن لم يكن، وبقي الالتزام القديم قائماً.

    الفصل الرابع : المُقاصة

    المُقاصة هي انقضاء دينين متقابلين بين شخصين، كل منهما دائن ومدين للآخر في آن واحد، في حدود الأقل منهما.

    نصّ الفصل 357 على شرطها الأساسي، وهو أن «تقع المُقاصة إذا كان كل من الطرفين دائناً للآخر ومديناً له بصفة شخصية»، مستثنياً حالة المسلمين حين يترتب عليها «مخالفة لما تقضي به الشريعة الإسلامية». واشترط فصل آخر أن «لا تقع المُقاصة إلا بين دينين من نفس النوع».

    ولم يجعل المشرع المُقاصة تقع بقوة القانون تلقائياً بمجرد توافر شروطها، بل أوجب التمسك بها، إذ نصّ الفصل 358 على أنه «ليس للقاضي أن يعتد بالمُقاصة، إلا إذا حصل التمسك بها صراحة ممن له الحق فيها».

    وأورد المشرع قيوداً على المُقاصة حمايةً للغير : فالمدين الذي قبل بلا تحفظ حوالة دينه لطرف ثالث لا يجوز له بعد ذلك التمسك في مواجهة المحال له بمُقاصة كان يملكها قِبَل الدائن الأصلي (الفصل 359)، والشريك لا يجوز له أن يتمسك في مواجهة دائنه الشخصي بمُقاصة ما يستحقه على هذا الدائن للشركة، ولا العكس (الفصل 360).

    الفصل الخامس : اتحاد الذمة

    اتحاد الذمة هو اجتماع صفتي الدائن والمدين في شخص واحد، كمن يرث دائنه أو مدينه، فينقضي الالتزام بمجرد استحالة بقائه — إذ لا يُتصوَّر أن يكون الشخص دائناً لنفسه أو مديناً لها.

    وقد أورد المشرع حكماً دقيقاً لحالة زوال سبب اتحاد الذمة، فنصّ الفصل 370 على أنه «إذا زال السبب الذي أدى لاتحاد الذمة، عاد الدين بتوابعه في مواجهة جميع الأشخاص، واعتُبر اتحاد الذمة كأن لم يكن أبداً» — كأن يُفسخ عقد أو يُقضى ببطلان السند الذي أدى إلى اجتماع الصفتين، فيعود الالتزام إلى الوجود بأثر رجعي كأن الانقضاء لم يقع.

    الفصل السادس : التقادم المسقط

    أولا : تعريفه وأثره

    التقادم المسقط هو انقضاء الحق في المطالبة القضائية بالدين لمضي مدة معينة دون مطالبة به. نصّ الفصل 371 على أن «التقادم خلال المدة التي يحددها القانون يُسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام».

    ويُلاحظ أن التقادم يُسقط الدعوى لا الالتزام نفسه في ذاته، وهو ما يفسّر بقاء الدين في ذمة المدين كالتزام طبيعي بعد انقضاء أجل التقادم، فإن أوفى به المدين طوعاً بعد ذلك لم يكن له استرداده. وقد أكّد المشرع على أن التقادم لا يُعمل به تلقائياً من القاضي، إذ نصّ الفصل 372 على أن «التقادم لا يُسقط الدعوى بقوة القانون، بل لا بد لمن له مصلحة فيه أن يحتج به. وليس للقاضي أن يستند إلى التقادم من تلقاء نفسه».

    ولا يجوز التنازل عن التقادم مقدماً، وإن كان يجوز التنازل عنه بعد اكتمال مدته (الفصل 373) — فالحكمة من منع التنازل المسبق أن تفادي أن يستغل الدائن القوي مركزه فيفرض على المدين شرطاً يحرمه سلفاً من هذا الدفع.

    ثانيا : مدة التقادم العادية ومددها الخاصة

    قرّر الفصل 387 المدة العادية للتقادم، فنصّ على أن «كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة، فيما عدا الاستثناءات الواردة فيما بعد، والاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة».

    وقد أورد المشرع مدداً أقصر لطوائف معينة من الدعاوى مراعاةً لطبيعتها، فنصّ الفصل 388 على تقادم دعوى التجار والموردين وأرباب المصانع بخمس سنوات بسبب توريداتهم لمهنيين آخرين، وتقادم دعاوى الأطباء والجراحين والصيادلة والمهندسين المعماريين وغيرهم من أصحاب المهن الحرة بسنتين من تاريخ تقديم الخدمة أو التوريد.

    ثالثا : انقطاع التقادم

    ينقطع سريان مدة التقادم بأسباب حدَّدها الفصل 381، فيبدأ حسابها من جديد بعد الانقطاع. ومن هذه الأسباب : «كل مطالبة قضائية أو غير قضائية يكون لها تاريخ ثابت ومن شأنها أن تجعل المدين في حالة مَطْـل لتنفيذ التزامه، ولو رُفعت أمام قاض غير مختص أو قُضي ببطلانها لعيب في الشكل»، وطلب قبول الدين في تفليسة المدين، وكل إجراء تحفظي أو تنفيذي يُباشر على أموال المدين.

    الفصل السابع : الإقالة الاختيارية

    الإقالة هي اتفاق المتعاقدين على فسخ عقدهما القائم صحيحاً برضاهما المشترك، فتُعيدهما إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد. وهي بذلك تختلف عن الفسخ القضائي أو الاتفاقي الذي عرضنا له سابقاً في كونها لا تفترض إخلالاً من أحد الطرفين، بل هي عقد جديد غايته إنهاء عقد سابق برضا الطرفين معاً — تطبيقاً لمبدأ سلطان الإرادة الذي بيّنا في الباب الثاني أن العقد لا يُلغى إلا برضا من أنشأه أو في الحالات التي يحددها القانون.

    📗 خلاصة الباب

    • ● حصر الفصل 319 من ق.ل.ع طرق انقضاء الالتزام في ثمانية: الوفاء، الإبراء الاختياري، التجديد، المقاصة، اتحاد الذمة، التقادم المسقط، والإقالة الاختيارية.
    • ● الوفاء هو التنفيذ العيني الطبيعي للالتزام كما تعهد به المدين، أما الإبراء فهو تنازل الدائن بإرادته المنفردة عن حقه في المطالبة بالوفاء.
    • ● التجديد استبدال التزام قديم بالتزام جديد ينقضي الأول بموجبه، والمقاصة انقضاء دينين متقابلين بين شخصين في حدود الأقل منهما.
    • ● التقادم المسقط يُسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام لا الالتزام ذاته، وأصل مدته خمس عشرة سنة مع مدد أقصر لبعض الدعاوى الخاصة كدعاوى التجار.

  • الباب الرابع : تنفيذ الالتزام وآثاره

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 6 من 9 — فهرس الكتاب

    إذا انعقد العقد صحيحاً مستوفياً أركانه وشروطه، ترتّب عليه أثره الطبيعي وهو وجوب التنفيذ. فإن نفَّذ المدين التزامه اختياراً انقضى الالتزام بالوفاء، وهو ما سنعرض له في الباب الموالي. أما إذا تقاعس المدين عن التنفيذ أو تأخر فيه، فقد رتَّب المشرع على ذلك جزاءات نتناولها في هذا الباب.

    الفصل الأول : مَطْل المدين

    أولا : تعريف المَطْل وشروط تحققه

    عرّف الفصل 254 مَطْل المدين بأنه حالة يكون عليها «إذا تأخر عن تنفيذ التزامه، كليا أو جزئيا، من غير سبب مقبول». فالمَطْل إذن هو التأخر غير المبرَّر عن التنفيذ، ولا يتحقق بمجرد فوات الأجل، بل يحتاج غالباً إلى إجراء يُنبّه المدين إلى وجوب التنفيذ.

    فصّل الفصل 255 حالتين : إذا كان الالتزام مقيَّداً بأجل محدد في سنده المنشئ، أصبح المدين في حالة مَطْل بمجرد حلول هذا الأجل دون حاجة إلى أي إجراء آخر. أما إذا لم يُعيَّن للالتزام أجل، فلا يُعتبر المدين في حالة مَطْل «إلا بعد أن يوجَّه إليه أو إلى نائبه القانوني إنذار صريح بوفاء الدين»، ويجب أن يتضمن هذا الإنذار طلباً موجهاً إلى المدين بالتنفيذ في أجل معقول، وتصريحاً بأن الدائن يكون حراً بعد انقضاء هذا الأجل في اتخاذ ما يراه مناسباً. ويجب أن يكون الإنذار كتابة، ويصحّ ولو ببرقية أو رسالة مضمونة أو حتى بمطالبة قضائية ولو رفعت إلى قاضٍ غير مختص.

    واستثنى الفصل 256 من وجوب الإنذار حالتين : إذا رفض المدين صراحة تنفيذ التزامه، وإذا أصبح التنفيذ مستحيلاً — إذ لا جدوى من إنذار من أعلن رفضه أو صار عاجزاً بيقين.

    ثانيا : آثار المَطْل

    يخوّل مَطْل المدين للدائن حقين أساسيين بيّنهما الفصل 259 : الحق في المطالبة بالتنفيذ الجبري ما دام هذا التنفيذ ممكناً، أو الحق في طلب فسخ العقد إن أصبح التنفيذ العيني مستحيلاً، مع الحق في التعويض في كلتا الحالتين. فإذا أصبح التنفيذ ممكناً في جزء من الالتزام دون باقيه، خُيِّر الدائن بين طلب التنفيذ في حدود ما هو ممكن مع التعويض، أو طلب فسخ العقد بأكمله مع التعويض.

    الفسخ القضائي والفسخ الاتفاقي. الأصل أن الفسخ لا يقع بقوة القانون، بل يجب أن تحكم به المحكمة (الفصل 259 في فقرته الأخيرة)، فللقاضي سلطة تقديرية في تقدير جسامة الإخلال ومدى استحقاق الفسخ. غير أن الفصل 260 أجاز للمتعاقدين الاتفاق على شرط فاسخ صريح، بحيث «إذا اتفق المتعاقدان على أن العقد يُفسخ عند عدم وفاء أحدهما بالتزاماته وقع الفسخ بقوة القانون، بمجرد عدم الوفاء» — دون حاجة إلى استصدار حكم قضائي بذلك، وإن كان يبقى للقضاء دور في التحقق من توافر شروط إعمال هذا الشرط عند النزاع.

    ثالثا : التنفيذ بمقابل والتعويض عن عدم الوفاء بالتزام إيجابي أو سلبي

    نصّ الفصل 261 على أن «الالتزام بعمل يتحول عند عدم الوفاء إلى تعويض»، إلا أنه إذا كان محل الالتزام عملاً لا يتطلب تنفيذه شخص المدين بعينه، جاز للدائن أن يستأذن في الحصول على تنفيذه بنفسه على نفقة المدين، على ألا تتجاوز المصاريف القدر الضروري لذلك.

    أما الالتزام السلبي — أي الامتناع عن عمل — فيصبح المدين بمجرد الإخلال به ملتزماً بالتعويض فوراً، ويجوز للدائن فضلاً عن ذلك أن يحصل على إذن بإزالة ما وقع مخالفاً للالتزام على نفقة المدين (الفصل 262).

    الفصل الثاني : التعويض

    أولا : أساس استحقاق التعويض

    نصّ الفصل 263 على أن «يستحق التعويض، إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام وإما بسبب التأخر في الوفاء به، وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين». فالتعويض لا يتوقف على إثبات سوء نية المدين أو قصده الإضرار، بل يكفي فيه ثبوت الإخلال بالالتزام وترتُّب الضرر عليه.

    ثانيا : عناصر الضرر القابل للتعويض

    بيَّن الفصل 264 عنصري الضرر القابل للتعويض : «الضرر هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام». فيُشترط في الضرر أن يكون محققاً لا احتمالياً، وأن تكون علاقته بالإخلال مباشرة، وأن يشمل كلاً من الخسارة اللاحقة والكسب الفائت. وقد ترك المشرع لفطنة المحكمة تقدير الظروف الخاصة بكل حالة، مع مراعاة درجة خطأ المدين أو تدليسه في تحديد قيمة التعويض.

    ثالثا : الشرط الجزائي

    أجاز الفصل 264 نفسه للمتعاقدين أن يتفقا مسبقاً على تقدير التعويض عن الأضرار الناجمة عن عدم الوفاء أو التأخر فيه، وهو ما يُعرف بالشرط الجزائي. غير أن المشرع لم يترك للمتعاقدين حرية مطلقة في هذا التقدير، بل خوّل للمحكمة سلطة تصحيحه في اتجاهين : «تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه أو الرفع من قيمته إذا كان زهيداً»، ولها أيضاً أن تخفضه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي.

    الفصل الثالث : القوة القاهرة والحادث الفجائي

    أولا : تعريف القوة القاهرة

    عرّف الفصل 269 القوة القاهرة تعريفاً جامعاً فقال : «القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا».

    ويستفاد من هذا التعريف أن القوة القاهرة تقوم على ركنين متلازمين : عدم إمكان التوقع، واستحالة الدفع بحيث يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً لا مجرد صعوبته أو إرهاقه. وقد استبعد المشرع صراحة من مفهوم القوة القاهرة الأمرَ الذي كان من الممكن دفعه، «ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه»، وكذلك السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين — فمن تسبَّب بخطئه في وقوع الحادث لا يجوز له التذرع بأنه قاهر.

    ثانيا : أثر القوة القاهرة على الالتزام

    الأثر الأصلي للقوة القاهرة أن تُنهي الالتزام دون مسؤولية على المدين، إذ نصّ الفصل 335 (في باب انقضاء الالتزامات الذي سنعرض له لاحقاً) على أن الالتزام ينقضي «إذا نشأ ثم أصبح محله مستحيلا، استحالة طبيعية أو قانونية بغير فعل المدين أو خطئه وقبل أن يصير في حالة مَطْل».

    كما نصّ الفصل 268 على أنه «لا محل لأي تعويض، إذا أثبت المدين أن عدم الوفاء بالالتزام أو التأخير فيه ناشئ عن سبب لا يمكن أن يعزى إليه، كالقوة القاهرة، أو الحادث الفجائي أو مَطْل الدائن».

    ثالثا : المدين المتماطل لا يُعفى بالقوة القاهرة

    استثنى المشرع من الإعفاء بالقوة القاهرة حالة واحدة جوهرية : المدين الذي دخل في حالة مَطْل قبل وقوع الحادث القاهر، إذ نصّ الفصل 266 صراحة على أن «المدين الموجود في حالة مَطْل يكون مسؤولا عن الحادث الفجائي والقوة القاهرة». فالمَطْل يقلب موازين التحمّل : من كان يجب عليه أن ينفّذ التزامه ولم يفعل بغير عذر، يتحمل تبعة كل ما يطرأ بعد ذلك من حوادث ولو كانت قاهرة في ذاتها، معاقبةً له على تقاعسه.

    📗 خلاصة الباب

    • ● مطل المدين هو تأخره عن تنفيذ التزامه كليا أو جزئيا دون سبب مقبول، ويُشترط له الإنذار غالبا إلا إذا رفض المدين التنفيذ صراحة أو أصبح مستحيلا.
    • ● يخول مطل المدين للدائن الحق في المطالبة بالتنفيذ الجبري ما دام ممكنا، أو طلب الفسخ القضائي إذا استحال التنفيذ العيني.
    • ● يستحق التعويض بسبب عدم الوفاء بالالتزام أو التأخر فيه دون حاجة لإثبات سوء نية المدين، ويجوز للمتعاقدين الاتفاق مسبقا على شرط جزائي.
    • ● القوة القاهرة تُنهي الالتزام دون مسؤولية على المدين متى استحال توقعها ودفعها، إلا أن المدين المتماطل قبل وقوعها لا يستفيد من هذا الإعفاء.

  • الباب الثالث : شروط صحة العقد

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 5 من 9 — فهرس الكتاب

    بيّنا في الباب السابق أن للعقد أركاناً ثلاثة أساسية هي الرضا والمحل والسبب، وأشرنا إشارة عابرة إلى شروط كل ركن منها. ونخصّص هذا الباب لتفصيل هذه الشروط فصلاً فصلاً، لأنها هي المعيار الذي يُميَّز به العقد الصحيح من العقد الباطل أو القابل للإبطال، وهي محلّ أغلب المنازعات التي تُعرض على القضاء في هذا الميدان.

    الفصل الأول : الأهلية

    أولا : تعريف الأهلية ومصدرها

    الأهلية هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمُّل الالتزامات (أهلية الوجوب)، وصلاحيته لمباشرة التصرفات القانونية بنفسه على وجه يعتدّ به القانون (أهلية الأداء). وقد أحال المشرع المغربي في شأن الأهلية المدنية للفرد على قانون الأحوال الشخصية للشخص، فنصّ في الفصل 3 من قانون الالتزامات والعقود على أن «الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية. وكل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك».

    ومقتضى هذه الإحالة أن الأهلية ليست موضوعاً مستقلاً بذاته في قانون الالتزامات والعقود، بل الأصل فيها أن كل شخص أهل للتعاقد، والاستثناء هو ما يقرره قانون الأحوال الشخصية — ويقصد به اليوم مدونة الأسرة بالنسبة للمغاربة المسلمين، والنصوص الخاصة بغير المسلمين والأجانب فيما يخصّهم.

    وقد حدَّدت المادة 209 من مدونة الأسرة سنّ الرشد القانوني في «ثماني عشرة سنة شمسية كاملة». فمن بلغ هذه السنّ متمتعاً بقواه العقلية كان كامل الأهلية، ومن لم يبلغها أو بلغها وهو مصاب بعارض من عوارض الأهلية كان ناقص الأهلية أو عديمها بحسب الأحوال.

    وقد بيّنت المادة 213 من مدونة الأسرة طوائف ناقصي أهلية الأداء فنصّت على أنه «يعتبر ناقص أهلية الأداء: 1 – الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد؛ 2 – السفيه؛ 3 – المعتوه».

    ثانيا : النيابة الشرعية عن ناقص الأهلية

    بيّنت المادة 229 من مدونة الأسرة أن «النيابة الشرعية عن القاصر إما ولاية أو وصاية أو تقديم»، وفصّلت المادة 230 من نفس المدونة صور النائب الشرعي فقالت : «يقصد بالنائب الشرعي : 1 – الولي وهو الأب والأم والقاضي؛ 2 – الوصي وهو وصي الأب أو وصي الأم؛ 3 – المقدَّم وهو الذي يعينه القضاء».

    وقد رتّب قانون الالتزامات والعقود على تعاقد القاصر أو ناقص الأهلية بغير إذن نائبه الشرعي جزاءً خاصاً، إذ نصّ الفصل 4 على أنه «إذا تعاقد القاصر وناقص الأهلية بغير إذن الأب أو الوصي أو المقدَّم فإنهما لا يلزمان بالتعهدات التي يبرمانها، ولهما أن يطلبا إبطالها وفقا للشروط المقررة بمقتضى هذا الظهير. غير أنه يجوز تصحيح الالتزامات الناشئة عن تعهدات القاصر أو ناقص الأهلية، إذا وافق الأب أو الوصي أو المقدَّم على تصرف القاصر أو ناقص الأهلية، ويجب أن تصدر الموافقة على الشكل الذي يقتضيه القانون».

    فجزاء تعاقد ناقص الأهلية بغير إذن هو البطلان النسبي لا البطلان المطلق : العقد قائم منتج لآثاره ما لم يطلب إبطاله من تقرر البطلان لمصلحته، وهو النائب الشرعي أو القاصر نفسه بعد بلوغه الرشد، ويقبل التصحيح بالإجازة.

    ثالثا : الاستثناءات الواردة على قاعدة عدم إلزام ناقص الأهلية

    لم يجعل المشرع من نقص الأهلية سبباً مطلقاً للتحلل من كل التزام، بل أورد عليه استثناءات ثلاثة تحقيقاً للتوازن بين حماية القاصر واستقرار المعاملات :

    1) التصرفات النافعة نفعاً محضاً. نصّ الفصل 5 على أنه «يجوز للقاصر ولناقص الأهلية أن يجلبا لنفسهما نفعا ولو بغير مساعدة الأب أو الوصي أو المقدَّم، بمعنى أنه يجوز لهما أن يقبلا الهبة أو أي تبرع آخر من شأنه أن يثريهما أو يبرئهما من التزام دون أن يحملهما أي تكليف». فالتصرف الذي لا يحتمل إلا النفع المحض لناقص الأهلية يصحّ منه دون حاجة إلى إذن.

    2) الإثراء في حدود ما عاد عليه من نفع. نصّ الفصل 9 على أن «القاصر وناقص الأهلية يلتزمان دائما، بسبب تنفيذ الطرف الآخر التزامه، وذلك في حدود النفع الذي يستخلصانه من هذا التنفيذ. ويكون هناك نفع إذا أنفق ناقص الأهلية الشيء الذي تسلمه في المصروفات الضرورية أو النافعة، أو إذا كان هذا الشيء لا يزال موجودا في ماله».

    3) القاصر المأذون له بالتجارة. إذا أذنت السلطة المختصة للقاصر بتعاطي التجارة والصناعة، فإنه لا يسوغ له طلب إبطال التعهدات التي أبرمها في حدود هذا الإذن (الفصل 7)، ويجوز إلغاء هذا الإذن بإذن المحكمة عند توفر أسباب خطيرة تبرره، دون أن يمسّ الإلغاء الصفقات التي شرع فيها القاصر قبله (الفصل 8).

    وقد قرّر الفصل 10 قاعدة تكميلية مهمة لحماية استقرار المعاملات، هي أنه «لا يجوز للمتعاقد الذي كان أهلا للالتزام أن يحتج بنقص أهلية الطرف الذي تعاقد معه» — فالدفع بنقص الأهلية حقّ يقتصر على ناقص الأهلية ونائبه، لا يجوز للمتعاقد الكامل الأهلية أن يتذرّع به ليتحلل من التزامه.

    رابعا : الإذن القضائي في التصرف بأموال ناقص الأهلية

    بيَّن الفصل 11 أن من يتولى إدارة أموال القاصر أو ناقص الأهلية — الأب أو الوصي أو المقدَّم أو كل من يعينه القانون — لا يجوز له إجراء أي عمل من أعمال التصرف على هذه الأموال إلا بعد الحصول على إذن خاص من القاضي المختص، ولا يُمنح هذا الإذن إلا في حالة الضرورة أو النفع البيّن لناقص الأهلية. ويدخل في معنى أعمال التصرف بمقتضى هذا الفصل : «البيع والمعاوضة والكراء لمدة تزيد على ثلاث سنوات والشركة والقسمة وإبرام الرهن الحيازي والرهن بدون حيازة والرهن الرسمي وغير ذلك من الأعمال التي يحددها القانون صراحة».

    فالتمييز الجوهري هنا هو بين أعمال الإدارة التي يباشرها النائب الشرعي بمفرده لأنها لا تخرج مال القاصر عن ملكه ولا تعرّضه لخطر جسيم، وأعمال التصرف التي تستوجب إذناً قضائياً مسبقاً لخطورتها على ذمة القاصر المالية.

    الفصل الثاني : التراضي — تكوين العقد بالإيجاب والقبول

    أولا : الإيجاب

    الإيجاب هو التعبير البات عن إرادة شخص في إبرام عقد معيّن بشروط محددة، بحيث لا يبقى لتمام العقد إلا صدور قبول مطابق له من الطرف الآخر.

    حالة الإيجاب الموجَّه لشخص حاضر. ميّز المشرع بين الإيجاب الموجَّه لحاضر والإيجاب الموجَّه لغائب من حيث زمن سريانه. فنصّ الفصل 23 على أن «الإيجاب الموجَّه لشخص حاضر، من غير تحديد ميعاد، يعتبر كأن لم يكن إذا لم يُقبل على الفور من الطرف الآخر. ويسري هذا الحكم على الإيجاب المقدَّم من شخص إلى آخر بطريق التليفون». فالإيجاب بين حاضرين — أو بما يعادل الحضور كالمخاطبة الهاتفية — يسقط بمجرد عدم القبول الفوري، ما لم يُحدَّد له أجل صراحة.

    حالة الإيجاب المقترن بأجل. نصّ الفصل 29 على أن «من تقدَّم بإيجاب مع تحديد أجل للقبول بقي ملتزما تجاه الطرف الآخر إلى انصرام هذا الأجل، ويتحلل من إيجابه إذا لم يصله رد بالقبول خلال الأجل المحدد».

    حالة الإيجاب الموجَّه لغائب بلا أجل. نصّ الفصل 30 على أن «من تقدَّم بإيجاب عن طريق المراسلة من غير أن يحدد أجلا، بقي ملتزما به إلى الوقت المناسب لوصول رد المرسَل إليه داخل أجل معقول، ما لم يظهر بوضوح من الإيجاب عكس ذلك».

    الرجوع في الإيجاب. الأصل أن الموجب يبقى حراً في الرجوع عن إيجابه ما دام العقد لم يتمّ، إذ نصّ الفصل 26 على أنه «يجوز الرجوع في الإيجاب ما دام العقد لم يتم بالقبول أو بالشروع في تنفيذه من الطرف الآخر». فمجرد الشروع في التنفيذ من الطرف الآخر — كتسليم جزء من الثمن أو البدء في تنفيذ الخدمة المطلوبة — يمنع الموجب من الرجوع في إيجابه، ولو لم يصدر قبول صريح بعد.

    ثانيا : القبول

    القبول هو التعبير البات عن إرادة الطرف الآخر في الأخذ بالإيجاب كما صدر، دون زيادة أو نقصان أو تعديل.

    شرط المطابقة. نصّ الفصل 28 على أنه «يعتبر الرد مطابقا للإيجاب إذا اكتفى المجيب بقوله قبلت أو نفذ العقد بدون تحفظ». فالمطابقة التامة بين الإيجاب والقبول شرط جوهري لانعقاد العقد.

    الرد المتضمن تعديلاً يُعدّ إيجاباً جديداً. نصّ الفصل 27 على أن «الرد المعلَّق على شرط أو المتضمن لقيد يعتبر بمثابة رفض للإيجاب يتضمن إيجابا جديدا». فإذا ردّ من وُجّه إليه الإيجاب بقبوله مع إدخال تعديل — ولو يسيراً — على شروطه، انقلب الأمر : فما كان قبولاً صار إيجاباً جديداً يحتاج بدوره إلى قبول من الموجب الأول ليتم العقد.

    ثالثا : المزايدة والاشتراط لمصلحة الغير

    المزايدة. نصّ الفصل 32 على أن «إقامة المزايدة تعتبر دعوة للتعاقد، وتعتبر المزايدة مقبولة ممن يعرض الثمن الأخير، ويلتزم هذا العارض بعرضه إذا قبل البائع الثمن المعروض». فالإعلان عن المزايدة ليس إيجاباً ملزماً في ذاته، بل دعوة لتلقي عروض يختار من بينها البائع.

    الاشتراط لمصلحة الغير. الأصل أن لا يحق للشخص أن يلزم غيره ولا أن يشترط لصالح غيره، إلا بمقتضى نيابة قانونية أو اتفاقية (الفصل 33). إلا أن المشرع أورد على هذا الأصل استثناءً مهماً في الفصل 34، فأجاز «الاشتراط لمصلحة الغير ولو لم يعيَّن إذا كان ذلك سببا لاتفاق أبرمه معاوضة المشترط نفسه أو سببا لتبرع لمنفعة الواعد». وفي هذه الحالة ينتج الاشتراط أثره مباشرة لمصلحة الغير، فيكون له الحق في أن يطلب باسمه من الواعد تنفيذه، ما لم يمنعه العقد من ذلك أو يعلِّق مباشرة الدعوى على شروط معينة. ويُعتبر الاشتراط كأن لم يكن إذا رفض الغير المستفيد قبوله وأبلغ الواعد بهذا الرفض.

    ومن التطبيقات العملية الشائعة للاشتراط لمصلحة الغير في القانون المغربي عقود التأمين على الحياة لمصلحة مستفيد معيّن غير المؤمَّن له نفسه.

    الفصل الثالث : عيوب الرضا

    لا يكفي لصحة العقد أن يقترن الإيجاب بالقبول، بل يجب فوق ذلك أن يكون هذا التراضي صادراً عن إرادة سليمة خالية من كل ما يُفسدها. وقد حصر الفصل 39 من قانون الالتزامات والعقود عيوب الرضا في ثلاثة، فنصّ على أن «يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط، أو الناتج عن تدليس، أو المنتزع بإكراه»، ثم أضاف الفقه والقضاء إليها الغَبْن في الحدود التي رسمها المشرع.

    أولا : الغلط

    الغلط هو وهم يقوم في ذهن أحد المتعاقدين فيتصوّر الأمر على خلاف الحقيقة، فيبني رضاه على هذا التصوّر الخاطئ.

    غلط القانون. نصّ الفصل 40 على أن «الغلط في القانون يخول إبطال الالتزام : 1 – إذا كان هو السبب الوحيد أو الأساسي؛ 2 – إذا أمكن العذر عنه». فخلافاً للقاعدة العامة القاضية بأن لا يُعذر أحد بجهله القانون، أجاز المشرع الاعتداد بالغلط في القانون كعيب من عيوب الرضا متى توافر فيه هذان الشرطان معاً.

    الغلط الجوهري في الشيء. نصّ الفصل 41 على أن «يخول الغلط الإبطال، إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى». فالغلط الذي يخول الإبطال هو الغلط الجوهري الذي لولاه لما تعاقد الطرف الواقع في الغلط.

    الغلط في شخص المتعاقد. الأصل أن شخصية المتعاقد لا اعتبار لها في عقود المعاوضة، إلا أن الفصل 42 استثنى الحالة التي تكون فيها هذه الشخصية أو صفتها «أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضى من المتعاقد الآخر» — وهو ما يتحقق غالباً في عقود التبرع كما بيّنا سابقاً.

    سلطة القاضي التقديرية. أوكل الفصل 44 إلى القضاة تقدير الغلط أو الجهل، سواء تعلّق بالقانون أم بالواقع، مراعين في ذلك «ظروف الحال، وسنّ الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا».

    ثانيا : التدليس

    التدليس هو استعمال طرق احتيالية تدفع المتعاقد إلى التعاقد على غير ما كان سيرتضيه لو علم الحقيقة.

    نصّ الفصل 52 على أن «التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر». ويُلاحظ أن المشرع سوّى بين التدليس الصادر من أحد المتعاقدين نفسه والتدليس الذي يباشره الغير، بشرط علم من استفاد منه به.

    وميّز الفصل 53 بين نوعين من التدليس بحسب أثره : التدليس الدافع إلى التعاقد الذي يخول الإبطال، والتدليس الواقع على مجرد توابع الالتزام «من غير أن يدفع إلى التحمل به»، فهذا الأخير لا يمنح إلا الحق في التعويض دون إبطال العقد.

    ثالثا : الإكراه

    عرّف المشرع الإكراه بأنه «إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه». وحدّد الفصل 47 شروط اعتداد الإكراه سبباً للإبطال، فلا يخوّل الإبطال إلا «إذا كان هو السبب الدافع إليه، وإذا قام على وقائع من طبيعتها أن تحدث لمن وقعت عليه إما ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير»، مع مراعاة السنّ والجنس وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم.

    وميّز المشرع بين الإكراه الحقيقي وما يُعرف بالخوف الأدبي الناشئ عن الاحترام، إذ نصّ الفصل 51 على أن «الخوف الناشئ عن الاحترام لا يخول الإبطال، إلا إذا انضمت إليه تهديدات جسيمة أو أفعال مادية». فمجرد الهيبة أو الاحترام الذي يكنّه شخص لآخر — كاحترام الابن لأبيه أو الموظف لرئيسه — لا يكفي وحده لتخويل الإبطال، بل لا بد من تهديد جسيم فعلي يقترن به.

    رابعا : الغَبْن

    الغَبْن هو اختلال جسيم بين ما يأخذه المتعاقد وما يعطيه، ولم يجعله المشرع المغربي — خلافاً لبعض التشريعات — عيباً عاماً في كل العقود، بل قيّده بشروط صارمة.

    نصّ الفصل 55 على أن «الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله»، وهو ما يعني أن الغَبْن في الأصل ليس عيباً مستقلاً بذاته بالنسبة لكامل الأهلية، وإنما يُردّ إلى التدليس. غير أن الفصل 56 أورد استثناءً مهماً لحماية القاصر وناقص الأهلية، فنصّ على أن «الغَبْن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقا للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر». وحدّد الفصل نفسه معيار الغَبْن الموجب للإبطال بأنه «كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء».

    فتلخيصاً لموقف المشرع من الغَبْن : لا اعتداد به بالنسبة لكامل الأهلية إلا إذا اقترن بتدليس، أما بالنسبة لناقص الأهلية فيكفي وحده لتخويل الإبطال متى تجاوز ثلث القيمة الحقيقية للشيء.

    الفصل الرابع : المحل والسبب

    أولا : محل الالتزام

    بيّنا سابقاً أن محل الالتزام هو ما التزم المدين بأدائه، إعطاءً أو عملاً أو امتناعاً عن عمل. ويشترط القانون في هذا المحل شروطاً ثلاثة :

    أن يكون ممكناً. نصّ الفصل 59 على أنه «يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئا أو عملا مستحيلا، إما بحسب طبيعته أو بحكم القانون». فالاستحالة المطلقة — التي لا يقدر عليها أحد لا المدين ولا غيره — تجعل الالتزام باطلاً منذ نشوئه، بخلاف الاستحالة النسبية التي تخصّ المدين وحده فلا تمنع انعقاد الالتزام.

    أن يكون معيَّناً أو قابلاً للتعيين. نصّ الفصل 58 على أن «الشيء الذي هو محل الالتزام يجب أن يكون معينا على الأقل بالنسبة إلى نوعه، ويسوغ أن يكون مقدار الشيء غير محدد إذا كان قابلا للتحديد فيما بعد».

    أن يكون داخلاً في دائرة التعامل. نصّ الفصل 57 على أن «الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلا للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة التعامل بشأنها». فالأشياء التي حظر المشرع التعامل فيها — كأعضاء جسم الإنسان أو المخدرات المحظورة أو المال العام — لا يصح أن تكون محلاً لالتزام.

    ثانيا : سبب الالتزام

    يُقصد بالسبب هنا الغرض المباشر الذي من أجله التزم المتعاقد، لا الباعث النفسي البعيد الذي قد يختلف من شخص لآخر في العقد الواحد. وقد اشترط المشرع في السبب شرطين :

    أن يكون موجوداً. نصّ الفصل 62 على أن «الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن». وقد قرّر الفصل 63 قرينة قانونية تيسّر الإثبات، إذ نصّ على أنه «يُفترض في كل التزام أن له سببا حقيقيا ومشروعا ولو لم يُذكر» — فعبء إثبات انعدام السبب يقع على من يدّعي ذلك.

    أن يكون مشروعاً. أوضح الفصل 62 نفسه معيار عدم المشروعية، فنصّ على أن «يكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون». فالسبب غير المشروع يبطل الالتزام كلياً، ولو كان محله في ذاته مشروعاً — كمن يقترض مالاً بسبب دافعه تمويل نشاط محظور قانوناً، فالقرض في ذاته عقد مشروع، لكن سببه الحقيقي غير مشروع فيبطل الالتزام بأكمله.

    الفصل الخامس : جزاء تخلف شروط الصحة — نظرية البطلان

    بعد أن فصّلنا في هذا الباب شروط صحة العقد الأربعة — الأهلية، والتراضي، والمحل، والسبب — يبقى أن نبيّن الجزاء المترتب على تخلف أحدها، وهو البطلان. وقد ميّز قانون الالتزامات والعقود، وإن لم يستعمل دائماً مصطلحي «البطلان المطلق» و«البطلان النسبي» صراحة، بين درجتين من البطلان بحسب جسامة العيب الذي أصاب العقد.

    أولا : البطلان الواقع بقوة القانون

    نصّ الفصل 306 على أن «الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دُفع بغير حق تنفيذاً له»، وحدَّد حالتيه : «1 – إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه؛ 2 – إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه». فهذا هو ما يقابل البطلان المطلق في الاصطلاح الفقهي : عقد لم تكتمل أركانه الأساسية (كانعدام المحل أو انعدام السبب أو عدم مشروعيته)، فلا ينتج أي أثر منذ نشوئه، ولكل ذي مصلحة أن يتمسك به، ولا يقبل التصحيح بالإجازة.

    أثر البطلان على أجزاء العقد. بيّن الفصل 308 حكم البطلان الجزئي، فنصّ على أن «بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائماً بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائماً باعتباره عقداً متميزاً عن العقد الأصلي». كما ميّز الفصل 307 بين بطلان الالتزام الأصلي وبطلان الالتزام التابع : فبطلان الأصلي يُسقط التابع ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع، أما بطلان التابع فلا يُسقط الأصلي.

    ثانيا : البطلان الموقوف على طلب صاحب المصلحة (الإبطال)

    وهو ما يقابل البطلان النسبي، ويكون في الحالات التي أراد فيها المشرع حماية طرف معيّن في العقد لا النظام العام برمّته. وقد حصر الفصل 311 حالاته الأساسية في هذا الظهير بقوله : «يكون لدعوى الإبطال محل في الحالات المنصوص عليها في الفصول 4 و39 و55 و56 من هذا الظهير، وفي الحالات الأخرى التي يحددها القانون». وهذه الفصول هي بعينها ما درسناه في هذا الباب :

    • الفصل 4 : تعاقد القاصر أو ناقص الأهلية بغير إذن (حماية ناقص الأهلية).

    • الفصل 39 : عيوب الرضا الثلاثة — الغلط والتدليس والإكراه (حماية سلامة الإرادة).

    • الفصلان 55 و56 : الغَبْن في حق القاصر (حماية ناقص الأهلية من الاستغلال).

    فيتّضح من هذا الحصر أن معيار التمييز بين النوعين هو الغاية من القاعدة المخالَفة : إن كانت الغاية حماية النظام العام والآداب العامة (كمشروعية السبب أو المحل)، كان الجزاء البطلان بقوة القانون. وإن كانت الغاية حماية طرف بعينه من العقد (كناقص الأهلية أو من شابت إرادته عيب)، كان الجزاء الإبطال الموقوف على طلبه هو أو من يمثله.

    ثالثا : أجل دعوى الإبطال

    خصّ المشرع دعوى الإبطال — خلافاً للبطلان بقوة القانون الذي لا يسقط بالتقادم من حيث المبدأ — بأجل قصير نسبياً، إذ أتمّ الفصل 311 نصّه بقوله : «وتتقادم هذه الدعوى بسنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلاً مخالفاً. ولا يكون لهذا التقادم محل إلا بين من كانوا أطرافاً في العقد».

    رابعا : أثر الإبطال والإجازة

    أثر الإبطال. نصّ الفصل 316 على أن «يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يردّ للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله». فالأثر رجعي كما هو الحال في البطلان بقوة القانون، مع مراعاة الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسن النية.

    الإجازة. خلافاً للبطلان بقوة القانون الذي لا يقبل التصحيح، فإن العقد القابل للإبطال يصحّ تصحيحه بالإجازة ممن تقرر الإبطال لمصلحته. نصّ الفصل 318 على أن «إذا لم تحصل الإجازة أو التصديق صراحة، يكفي أن يُنفَّذ طوعاً كلياً أو جزئياً الالتزام القابل للإبطال ممن كان على بيّنة من عيوبه» ليترتب على ذلك التنازل عن حق التمسك بالإبطال. وهذا هو بعينه ما رأيناه في الفصل 4 بشأن تصحيح تعهدات القاصر بموافقة نائبه الشرعي.

    خامسا : جدول تلخيصي

    وجه المقارنةالبطلان بقوة القانونالإبطال (البطلان النسبي)
    سببهتخلف ركن أساسي أو مخالفة نصّ آمرعيب في الرضا أو نقص الأهلية
    من له التمسك بهكل ذي مصلحةصاحب المصلحة المحمية وحده
    التصحيحلا يقبل الإجازةيقبل الإجازة والتنازل الضمني
    التقادملا يسقط الحق في التمسك به من حيث المبدأيتقادم بسنة واحدة (الفصل 311)
    مثالعقد سببه مخالف للنظام العامعقد أبرمه قاصر بغير إذن

    📗 خلاصة الباب

    • ● الأهلية شرط لصحة العقد وتُستمد أحكامها من مدونة الأسرة (سن الرشد 18 سنة)، وتعاقد ناقص الأهلية بغير إذن نائبه الشرعي يوجب البطلان النسبي لا المطلق.
    • ● التراضي يتم بتطابق الإيجاب والقبول، وقد يشوبه أحد عيوب الرضا الأربعة: الغلط، التدليس، الإكراه، أو الغبن (المقترن بتدليس أو في حق ناقص الأهلية).
    • ● يشترط في محل الالتزام أن يكون ممكنا ومعينا وداخلا في دائرة التعامل، وفي سببه أن يكون موجودا ومشروعا غير مخالف للنظام العام والآداب.
    • ● جزاء تخلف أحد شروط الصحة هو البطلان: بطلان بقوة القانون عند تخلف ركن أساسي أو مخالفة النظام العام، أو الإبطال النسبي لحماية طرف معين، وتتقادم دعوى الإبطال بسنة واحدة.

  • الباب الثاني : نظرية العقد بوجه عام

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 4 من 9 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : مفهوم العقد وأساسه ومجاله

    أولا : التعريف اللغوي

    يقصد بالعقد في اللغة معاني الربط والشد والتوثيق والجمع بين أطراف الشيء والعهد ، يقال عهدت إلى فلان في كذا أي ألزمته ذلك ، فإذا قلت عاقدته أو عقدت عليه فمعناه ألزمته ذلك باستيثاق. قال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ” قيل هي العهد وقيل هي الفرائض التي ألزموها ، والعقد في اللغة على ضربين :

    • حسي كعقد الحبل ، يقال عقد الحبل إذا جمع أحد طرفيه على الاخر وربط بينهما

    • حكمي كعقد البيع ، ونحوه من كل ما فيه ربط بين كلامين ، فهو يستعمل في المعاني والاجسام

    ثانيا : التعريف الاصطلاحي

    أحجمت جل التشريعات عن إعطاء تعريف للعقد من بينهم المشرع المغربي ، لكن المشرع الفرنسي عرف العقد بأنه “اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين بإعطاء شيء أو بفعله أو بالامتناع عن فعله” ونلاحظ أن القانون المدني الفرنسي قد خلط بين العقد والاتفاق ، فالاتفاق أشمل من العقد ، الاتفاق يضم إنشاء عقد ، نقل عقد ، تعديل عقد ، إنهاء عقد ، بينما العقد أخص من الاتفاق فهو يعني إنشاء أو نقل عقد. فكل اتفاق عقد وليس كل عقد اتفاق ، فالاتفاق الذي لا يعدل الالتزام ولا ينهيه فليس باتفاق بل هو عقد .

    المشرع المغربي لم يعرف العقد ، و نعتقد أنه سلك مسلكا سليما لأن التعريف من مهام الفقه ، إلا أننا نلاحظ أنه تارة يستعمل مصطلح اتفاق وتارة أخرى يستعمل مصطلح عقد ، ففي الفصل 19 استعمل مصطلح اتفاق حيث قال ” لا يتم الاتفاق إلا بتراضي الطرفين على العناصر الأساسية للالتزام وعلى باقي الشروط المشروعة الأخرى التي يعتبرها الطرفان أساسية.” بينما في الفصل 20 استعمل مصطلح عقد حيث قال ” لا يكون العقد تاما إذا احتفظ المتعاقدان صراحة بشروط معينة لكي تكون موضوعا لاتفاق لاحق، وما وقع عليه الاتفاق من شرط أو شروط والحالة هذه لا يترتب عليه التزام ولو حررت مقدمات الاتفاق كتابة” .

    يمكن اعتبار احسن تعريف للعقد هو تعريف الاستاذين ويل و تيري حيث جاء فيه ” العقد هو اتفاق إرادتين أو أكثر ، إما بإنشاء علاقة قانونية كإنشاء التزام أو إنشاء حق عيني ، وإما بقصد تعديل أو إلغاء علاقة قانونية موجودة من قبل” ، والمهم في العقد أو الاتفاق هو إحداث أثر قانوني ، فإن لم يكن المراد هو إحداث أثر قانوني فلا يمكن أن نسميه عقدا ، فمن دعا شخصا إلى وليمة يقيمها وقبل المدعو ، فنحن هنا لسنا بصدد عقد لأنه لا أثر قانونيا يترتب على هذه الوليمة ، وسواء لبى المدعو الدعوة أو غاب عنها ، فإن ذلك لا يرتب على عاتق أي احد منهما أي مسؤولية .

    ثالثا : تعريف العقد في الفقه الاسلامي

    العقد في اصطلاح جمهور الفقهاء هو “ارتباط القبول بالإيجاب شرعا على وجه يظهر أثره في المعقود عليه” أو كما عرفه الشيخ مصطفى الزرقا “هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله” ويبدو لنا من خلال هذين التعريفين أن العقد يتكون من ثلاث عناصر هي :

    • وجود طرفين أو عدة أطراف ، الموجب والقابل ، فإذا وجدت إرادة صادرة من طرف واحد لم تكن عقدا بل اعتبرت التزاما أو إرادة منفردة .

    • ارتباط الايجاب بالقبول

    • ظهور أثر هذا الارتباط في المحل أي في المعقود عليه

    مجال العقد

    أو لنقل النطاق الذي يعتبر فيه العقد خاضعا للقواعد العامة للعقود الواردة في ق ل ع المغربي، فالمعاهدة اتفاق وتولي وظيفة هو اتفاق إلا أن هذا النوع من الاتفاقات لا تُعتبر عقودا لأنها تقع في نطاق القانون العام ، والزواج اتفاق ، لكنه ليس عقدا لأنه يخرج من دائرة المعاملات المالية رغم أنه يدخل في نطاق القانون الخاص ، نشير فقط إلى أنه لا يشترط في العقد أن تكون المصلحة منه مالية بل يكفي أن يكون مضمون الأداء مما يمكن تقديره بالمال ، والملاحظ أن القواعد العامة للالتزامات والعقود تنطبق على العقود سواء كانت تجارية أو إدارية أو اتفاقات دولية ما لم توجد قواعد خاصة تنظم هذه العقود .

    أساس العقد

    قال أنصار مبدأ سلطان الارادة بأن هذه الاخيرة هي أساس التصرف القانوني ، فهي التي تنشئه وهي من يحدد آثاره ، بل وفي جميع الروابط القانونية ولو كانت غير تعاقدية ، فأساس القوة الملزمة للعقد هو ما للإرادة من سلطان ذاتي ، فالعقد لا يستمد قوته الملزمة من القانون ، بل يستمدها من إرادة طرفي العقد ، فلا يجوز تعديل العقد أو إلغاؤه إلا بموافقة الطرفين .

    يُقصد بمبدأ سلطان الإرادة أمران :

    • الأمر الأول يتعلق بالشكل ، فمبدأ الرضائية يجعل الارادة المجردة من أي شكلية كافية لانشاء التصرف القانوني .

    • الامر الثاني : يتعلق بالموضوع ، فالإرادة هي حامية السيادة والسلطان في تحديد آثار العقد وفقا لرغبة صاحبها ، وبالتالي يصبح متحملا لواجبه القانوني الذي التزم به بمحض إرادته ، فلا يجوز له الرجوع عما التزم به .

    نشأة مبدأ سلطان الارادة

    مر هذا المبدأ بمراحل مختلفة ، فكان يتأثر في كل مرحلة تاريخية بما ساد فيها من تيارات اقتصادية ، سياسية و اجتماعية ، فالقانون الروماني لم يعرف سلطان الارادة كاملا ، بل كانت تسوده الشكلية من خلال حركات وإشارات وألفاظ معينة ، فإذا توافرت هذه الشكليات نشأ الالتزام صحيحا حتى ولو لم يكن هناك سبب مشروع أو كانت الارادة معيبة ، وقد وصل في تطوره إلى الاعتراف بأربعة عقود بكفاية الارادة دون أي شكلية وهي البيع والاجارة والشركة والوكالة .

    بلغ مبدأ سلطان الارادة ذروته خلال القرن 18 ، حيث قال أنصار هذا المبدأ بأنه إذا كان للإرادة القدرة لإنشاء المجتمع فكيف تكون عاجزة عن إنشاء روابط عقدية بين دائن ومدين ، إن المجتمعات الأوروبية خلال القرن 18 سادت فيها روح الحرية ، فالأساس الاقتصادي لمبدأ سلطان الارادة يقوم على فكرتين ، أولهما مبدأ سلطان الارادة والحرية الاقتصادية وثانيهما الحرية التعاقدية والمنفعة الاجتماعية ، فالحرية الاقتصادية في القرن 18 كانت تعتمد على مبدأ أساسي وهو ” دعه يعمل دعه يسير” هذه الفكرة سمحت للأشخاص في التعاقد بالطريقة التي يرونها مناسبة ، أما بالنسبة للمنفعة الاجتماعية فأنصار هذه النظرية يعتقدون أن حرية المبادرة الفردية والمنافسة الحرة كفيلان بازدهار المجتمع وإيجاد التوازن الاقتصادي .

    مظاهر مبدأ سلطان الارادة

    <u>أولا : حرية التعاقد</u>

    تتجسد هذه الحرية في إعطاء الفرد الحرية التامة في إبرام ما شاء من العقود والتصرفات وتضمينها الشروط التي تناسبه مع ترتيب ما أراد من الاثار دون تدخل من القانون إلا فيما يفرض عليه من احترام للنظام العام والآداب العامة ، ويمكن إجمال هذه الحرية في ثلاث نقط:

    • حرية إبرام العقد أو الاعراض عنه

    • اختيار الشخص من أجل التعاقد

    • تحديد مضمون العقد وشروطه بكل حرية وباتفاق مع الطرف الاخر

    <u>ثانيا : القوة الملزمة للعقد</u>

    يقتضى ذلك أن العاقدين تلزمهم الاثار المترتبة على العقد الذي ارتضوه بكل حرية وإرادة دون تدخل من أحد ، كما أنه لا يمكن لأحد العاقدين أن يقوم بإنهاء العقد أو تعديله إلا باتفاق مشترك وهو ما جاء في الفصل 230 من ق ل ع ” الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون.”

    هذه القوة الملزمة لا تقوم في وجه الاطراف المتعاقدة بل تقوم أيضا في وجه القاضي فهو ملزم باحترام العقد كما لو كان بصدد تطبيق القانون ، ولا يجوز له تفسيره بغير ما ارتضاه المتعاقدان ، بل إن المشرع نفسه لا يمكنه أن يعدل أو يغير بنص جديد أي اتفاق سابق للنص الجديد .

    <u>ثالثا : نسبية آثار العقد</u>

    وهي نتيجة منطقية ، إذ لا يمكن للرابطة القانونية أن ترتب آثارا بالنسبة للأغيار لأنه لا يمكن أن نلزم أحدا بشيء لم يكن طرفا فيه ولم يلتزم به بمحض ارادته ، وهو ما نستشفه من الفصل 228 من ق ل ع ” الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون.”

    الفصل الثاني : أركان العقد وتقسيماته

    أركان العقد

    يرتكز العقد على أركان ثلاثة هي : الرضا و المحل و السبب كركائز أساسية لأي عقد غير أنه يضاف إليها ركنان آخران هما الشكلية والتسليم في بعض العقود الخاصة .

    أولا : التراضي

    يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتهما المتطابقتين دون الإخلال بالنصوص القانونية ، و كقاعدة عامة فإن التعبير عن الإرادة لا يخضع لشكل معين ، بل يكون إما باللفظ أو بالإشارة المتداولة عرفا أو باتخاذ موقف لا يدع أي شك في دلالته على مقصود صاحبه ، حتى و إن كان ضمنيا كالبقاء في محل تجاري بعد انتهاء مدة الكراء ، وصحة التراضي تشترط أن يكون الطرفان أهلا لإبرامه (الأهلية) ثم أن لا يشوب الرضا عيب من العيوب كالغلط و التدليس و الإكراه و الغبن .

    ثانيا : المحــــل

    المحل هو النتيجة التي أراد الطرفان إعطاءها للعقد و هو: إما التزام بعمل أو بالامتناع عن العمل أو بإعطاء شيء . وشروط المحل ثلاثة ، أن يكون المحل ممكنا ، أن يكون معينا أو قابلا للتعيين ثم أن يكون مشروعا .

    ثالثا : السبب

    هو القصد الذي في سبيله تعاقد الشخصان . في العقد الملزم للجانبين مثلا عقد البيع : سبب التزام البائع هو قبض ثمن المبيع بينما السبب في التزام المشتري هو انتقال هذا المبيع إليه ، أما في العقود الملزمة لجانب واحد فيختلف السبب الدافع إلى التزام حسب نوع العقد . و يجب أن نفرق بين سبب العقد و محل العقد : فالسبب هو الجواب على السؤال الآتي، لماذا التزم المتعاقد؟ أما المحل فهو الجواب على السؤال الآتي: بماذا التزم المتعاقد ؟ و السبب الذي يهمنا هنا هو الغرض المباشر مثلا : قبض الثمن. أما الغرض غير المباشر فهو الباعث ، مثلا : استغلال هذا الثمن للذهاب في نزهة . ويشترط في السبب شرطان أولهما أن يكون موجودا وثانيهما أن يكون مشروعا غير مخالف للنظام العام و الآداب العامة .

    تقسيمات العقود : لا يمكن حصر الالتزامات وبالتالي لا يمكن حصر عدد العقود التي تعتبر مصدرا أساسيا للإلتزام فهي كثيرة و متنوعة ، وكل يوم يطلع علينا نوع جديد من العقود ، لهذا اكتفى الفقه بمحاولة تأصيل أحكام هذه العقود من خلال إيجاد قواسم مشتركة ، كما أن الفقه هو من تولى هذه المهمة حيث أعرضت أغلب التشريعات عن إعطاء تقسيمات للعقود .

    فمن حيث التكوين فالعقد إما رضائي أو شكلي أو عيني ، أما من حيث الموضوع فهو إما عقد مسمى أو عقد غير مسمى أو هو عقد بسيط وعقد مختلط ، أما من حيث الاثر فهو إما عقد ملزم لجانبين أو عقد ملزم لجانب واحد أو هو عقد معاوضة ويقابله عقد تبرع ، أما من حيث الطبيعة فهو إما عقد محدد أو عقد احتمالي أو هو عقد فوري وعقد زمني ، أما بالنظر إلى الاشخاص المتعاقدين فالعقد إما أن يكون عقد مساومة أو عقد إذعان ، وإما أن يكون عقدا فرديا يقابله عقد جماعي.

    التقسيم الاول : العقود الرضائية والعقود الشكلية والعقود العينية

    أولا : العقد الرضائي

    هو الذي ينعقد بمجرد توافق إرادتي الطرفين أي باقتران الإيجاب بالقبول دونما حاجة لأية شكليات. أو بمعنى آخر دونما حاجة لوضع التعبير في قالب خاص ، وهناك من يرى أن الرضائية في العقود إذا كانت تظهر مقبولة من الناحية المنطقية، فهي ليست بمنأى عن كل عيب، وأن لها مساوئ بالنسبة لطرفي العقد وبالنسبة للغير.

    فبالنسبة للمتعاقدين، فضرورة الالتزام في التعبير عن الإرادة بشكل معين أو تسليم الشيء المتعاقد عليه يثير انتباه المتعاقد ويدعوه للتفكير. الشيء الذي قد لا يتحقق في حالة الاكتفاء بمجرد توافق للإرادتين. ويتضح ذلك خاصة في حالة الكتابة التي تساعد على معرفة التزامات الطرفين بكثير من الدقة والوضوح.

    ثانيا : العقد الشكلي

    هو العقد الذي لا يكفي لانعقاده توافق إرادتي الطرفين، بل لا بد بالإضافة إلى ذلك من أن يُحترم في إبرامه شكل معين يحدده القانون. وهناك من يسمى هذا النوع من العقود بالعقود الاحتفالية اعتبارا للمراسيم الاحتفالية التي كانت تنعقد بها العقود في القوانين القديمة.

    و الشكل المطلوب لانعقاد العقد قد يتمثل في الكتابة وقد يتمثل في الكتابة والإمضاء، وقد يكون هو التسجيل في السجل التجاري.

    غير أنه يجب في حالة الكتابة التمييز بين ما إذا كانت الكتابة مطلوبة لانعقاد العقد أم أنها مجرد وسيلة من وسائل الإثبات. وإذا نص القانون على شكلية معينة دون أن يوضح ما إذا كانت للانعقاد أو الإثبات، فإنها تعتبر مطلوبة للإثبات لا غير ، ذلك أن الأصل في التشريعات الحديثة هو رضائية العقود، وأن الشكلية هي الاستثناء، وذلك خلافا لما كان عليه الأمر عند الرومان.

    ثالثا : العقد العيني

    هو العقد الذي لا يكفي لانعقاده توافق إرادتي عاقديه، بل يجب زيادة على ذلك أن يتم فيه تسليم الشيء المتعاقد عليه. ويعود أصل هذه العقود إلى القانون الروماني الذي ظهرت فيه في مرحلة اعتبرت انتقالية من الشكلية للرضائية حيث استثنى فيها بعض العقود من الخضوع للشكلية مشترطا لانعقادها وجوب تسليم الشيء المتعاقد عليه. هذه العقود انتقلت بصفتها هاته إلى القانون المدني الفرنسي ومنه إلى القانون المدني المغربي الذي اعتبرها عقودا عينية كعقود كالرهن الحيازي والوديعة وعقد العارية وعقد القرض في قانون الالتزامات والعقود إضافة إلى عقد الهبة الذي لم ينص عليه هذا القانون لكنه معروف في المغرب كعقد عيني تطبيقا لأحكام

    الشريعة الإسلامية. إلا أنه يجب التمييز بين التسليم الذي يعتبر الركن الخامس للعقد بعد التراضي والاهلية والمحل والسبب وبين واقعة التسليم والتسلم التي تعتبر النهاية الطبيعية لمعظم العقود كعقد البيع الذي يفرض على البائع تسليم المبيع للمشتري وهو سالم من العيوب.

    التقسيم الثاني : العقود المسماة والعقود غير المسماة

    أولا : العقد المسمى

    هو العقد الذي خصه المشرع باسم يميزه ونظمه بأحكام وقواعد خاصة، كعقد البيع الفصل 478 وما يليه ، والإيجار الفصل 626 وما يليه ، والشركة والوكالة . وتكمن علة تخصيص المشرع بعض العقود بأحكام وقواعد خاصة في أنها تشكل العقود الأكثر انتشارا وذيوعا بين الناس ، لأنه أمام كثرة العقود واستحالة حصرها، لا يمكن للمشرع أن ينظمها جميعها تنظيما لذلك فهو يفرد العقود الأكثر شيوعا وأهمية بمثل هذا التنظيم تيسيرا على المتعاقدين والمهتمين وتخفيفا للخلافات والمشاكل .

    ثانيا : العقد غير المسمى

    هو العقد الذي لم يعطه المشرع اسما محددا ولم ينظمه بقواعد خاصة. ويرجع ذلك إما إلى عدم أهمية مثل هذه العقود وعدم إقبال الناس عليها في معاملاتهم، وإما إلى جدتها وحداثتها وهذا النوع من العقود لا يقع تحت حصر فهو يشمل كل ما عدا العقود المسماة.

    ومعيار التفرقة بين العقد المسمى والعقد غير المسمى هو كثرة التداول بين الناس ، فيكون العقد مسمى حتى ولو لم ينهض المشرع لتنظيم أحكامه ، كعقد الهبة ، فبالرغم من أن المشرع لم ينظمه بأحكام تخصه فهو من أهم العقود المسماة ، لكن هناك فريقا آخر ذهب إلى القول بأن العقد المسمى هو الذي تولاه المشرع بالتنظيم ، ونحن نميل إلى هذا القول الأخير حفاظا على استقرار المعاملات وتجنب الفوضى واطمئنان المتعاقدين إلى الاثار المترتبة عن الالتزامات العقدية .

    أهمية هذا التقسيم

    إذا سكت المتعاقدان حين إبرامهما لعقد ما عن بعض الأمور المتعلقة به، فإن القاضي من أجل تأويل العقد يلجأ إلى القواعد المكملة الخاصة بهذا العقد لأن المفترض في المتعاقدين أنهما أحالا إليها بسكوتهما. إلا أن القاضي يكون ملزما قبل ذلك بتكييف العقد. والتكييف هو تحديد الوصف القانوني للعقد ، وهو مسألة قانون يخضع فيها القاضي لرقابة محكمة النقض.

    التقسيم الثالث : العقد البسيط والعقد المختلط

    أولا : العقد البسيط

    هو العقد الذي يقتصر على عقد واحد ولم يكن مزيجا من عقود متعددة ، كعقد البيع موضوعه واحد وهو انتقال الملكية مقابل ثمن نقدي

    ثانيا : العقد المختلط

    و هو العقد الذي يتناول عدة عمليات قانونية تكون في مجموعها عقدا متميزا عن باقي العقود. حيث يكون خليط أو مزيجا من عدة عقود ، ومن أمثلة ذلك عقد الإيجار المفضي إلى تملك العقار أو العقد الفندقي حيث يشمل عقد إيجار للغرفة و عقد بيع للطعام وعقد وديعة بالنسبة للأمتعة . وهنا تطبق أحكام هذه العقود المكونة للعقد كل منها لما وضع له ، فتطبق أحكام الكراء والبيع والعمل والوديعة ، غير أنه إذا كان العقد المختلط يجمع بين عدة عقود تتباين أحكامها بحيث لا يمكن الجمع بينها وجب تغليب أحدها مع تحري ما قصد إليه المتعاقدان .

    التقسيم الرابع : العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد

    أولا : العقد الملزم لجانب واحد

    أو العقد غير التبادلي وهو العقد الذي لا يلتزم فيه إلا طرف واحد أما الطرف الثاني فلا يتحمل بموجب هذا العقد بأية التزامات ، إذ يكفي حصول القبول منه. وبذلك فالعقد الملزم لجانب واحد هو الذي يكون فيه كل من الطرفين إما دائنا أو مدين . ومثال ذلك عقد الوديعة بدون أجر. ففي هذا العقد لا يلتزم المودع بأي شيء في حين يلتزم المودع لديه بعد أن يتسلم الوديعة بأن يحافظ عليها وأن يردها بعينها. ونفس الشيء يقال عن القرض بدون فائدة وعن عارية الاستعمال والوعد بالبيع الملزم للبائع فقط.

    ويجب عدم الخلط بين العقد الملزم لجانب واحد وبين التصرف بإرادة منفردة . ففي العقد الملزم لجانب واحد لا بد من توافق إرادتين أو أكثر. فإذا كان متعدد الأطراف أثناء نشوئه فهو أحادي الطرف حين تنفيذه خلافا للإرادة المنفردة .

    ثانيا : العقد الملزم لجانبين

    أو العقد التبادلي، وهو العقد الذي يرتب التزامات على عاتق طرفيه بحيث يكون كل منهما دائنا ومدينا في نفس الوقت، وذلك كما هو الشأن في عقد البيع والإيجار والقرض بفائدة. ففي مثل هذا النوع من العقود سبب التزامات كل طرف هو التزامات الطرف الآخر، فكل منهما يلتزم تجاه الآخر لأنه هو أيضا يلتزم تجاهه.

    أهمية تقسيم العقود إلى ملزمة لجانبين وملزمة لجانب واحد

    • إمكانية الدفع بعدم التنفيذ : في العقود الملزمة للجانبين يجوز لكل من الطرفين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إلى أن ينفذ الطرف الآخر التزامه المقابل. وتحديد البادئ بالتنفيذ يتعلق بطبيعة المعاملة أو العرف الجاري به العمل أو الاتفاق ، أما في العقود الملزمة لجانب واحد، فلا مجال لإعمال هذه القاعدة طالما أن الطرف الدائن لا يتحمل بأي التزام حتى يمتنع عن تنفيذه .

    • إمكانية المطالبة بالفسخ : من القواعد العامة أنه في حالة عدم تنفيذ المدين لالتزامه، يحق للدائن المطالبة بالتنفيذ الجبري. لكن الدائن يجوز له كذلك للتحلل من التزامه المقابل أن يطالب بفسخ العقد أي بمحوه وإلغاء أثاره بحيث لا يكون أي من المتعاقدين ملزما إزاء

    الآخر. ومن الواضح أن هذه الإمكانية غير واردة في حالة العقد الملزم لجانب واحد، لأن الدائن الذي لا تقع عليه التزامات في هذا النوع من العقود لا يستفيد شيئا من فسخ العقد إذا ماطل المدين في تنفيذه.

    • تحمل تبعة الهلاك والمخاطر : تقضى القاعدة أن تبعة استحالة التنفيذ في العقود الملزمة للجانبين تقع على عاتق المدين بالالتزام الذي استحال تنفيذه. فإذا افترضنا مثلا أن حادثا غير متوقع ولا يمكن دفعه (قوة قاهرة) منع أحد المتعاقدين من تنفيذ التزامه، فالطرف الآخر يكون في حِل من الالتزام الملقى على عاتقه. أما إذا كان العقد ملزما لجانب واحد، فالدائن هو الذي يتحمل الخسارة الناتجة عن هذه الاستحالة، فالمدين ينقضي التزامه هنا دون أن يترتب على ذلك انقضاء أي التزام على عاتق الدائن.

    التقسيم الخامس : عقود المعاوضة وعقود التبرع

    أولا : عقود المعاوضة

    عقد المعاوضة هو العقد الذي يأخذ فيه كل من المتعاقدين مقابلا لما يعطيه. فكل منهما يبحث عن مصلحة معينة يسعى للحصول عليها بإبرامه للعقد. والملاحظ أن مثل هذا التصنيف لا ينظر إلا إلى المصلحة الاقتصادية متغافلا عن العنصر النفسي للطرف الذي لا يسعى إلى تحقيق هذه المصلحة في التبرعات.

    ثانيا : عقود التبرع

    عقد التبرع هو العقد الذي لا يأخذ فيه المتعاقد مقابلا لما يعطيه، ولا يعطى فيه المتعاقد الأخر مقابلا لما يأخذه ، فهو عقد يتم في غياب تقابل عوضين ، وعقود التبرع كثيرة كالعارية والهبة والقرض بدون فائدة. وينبغي لفت الانتباه إلى أنه ليس كل عقود المعاوضة ملزمة للجانبين ولا كل عقود التبرع ملزمة لجانب واحد . فالقرض بفائدة عقد معاوضة رغم أنه لا يلقى التزامات إلا على عاتق المقترض. فهو بالتالي عقد معاوضة ملزم لجانب واحد. وبالمقابل فالهبة بعوض وهي الهبة التي يلزم فيها الموهوب له بأداء ما أو بالالتزام ببعض الالتزامات، تظل عقد تبرع رغم أن مثل هذا العقد يعتبر ملزما للجانبين معا. وكذلك الشأن بالنسبة للعارية بأجر .

    أهمية تقسيم العقود إلى عقود المعاوضة وعقود التبرع

    إن أهمية تقسيم العقود إلى معاوضة وعقود تبرع تظهر على عدة مستويات، وفي عدة مجالات.

    في مجال القانون المدني

    تظهر الأهمية هنا على مستوى مراعاة شخصية المتعاقد وعلى مستوى المسؤولية وكذلك الأهلية.

    أولا: من حيث مراعاة شخصية المتعاقد

    إن شخصية المتعاقد غالبا ما تكون محل اعتبار في عقود التبرع، لذلك فالغلط في شخصية المتعاقد تخول المطالبة بإبطال العقد فالواهب لا يهب ماله للموهوب له إلا اعتبارا لشخصه كوجود قرابة أو صداقة متينة بينهما أو غير ذلك من الاعتبارات الشخصية

    التي تجعله بتبرع له بجزء من ماله. أما في عقد البيع مثلا فشخصية المشتري ليست في الأصل محل اعتبار لذلك فالغلط فيها لا يعرض البيع للإبطال.

    ثانيا: من حيث المسؤولية

    حين يتعلق الأمر بعقد تبرع فمسؤولية المتعاقد تكون أخف منها في حالة عقد المعاوضة. فالواهب مثلا لا يضمن إلا فعله الشخصي، بينما يضمن البائع فعل الغير أيضا. كما أن الأمر يختلف في حالة الوديعة بين ما إذا كانت بأجر أو بدونه.

    ثالثا: من حيث الأهلية

    تصرفات القاصر تكون باطلة وعديمة الأثر إذا تعلق الأمر بعقود تبرع بينما تكون قابلة للإبطال بالنسبة لعقود المعاوضة .

    في مجال القانون التجاري

    تقوم التجارة على أساس الربح والكسب، وهو ما لا يتحقق في عقود التبرع، لذلك لا تخضع هذه الأخيرة للأحكام المطبقة على المعاملات التجارية، لأنها تعتبر أعمالا مدنية دائما. أما عقود المعاوضة فقد تكون تجارية وقد تكون مدنية بحسب الأحوال.

    التقسيم السادس : العقود المحددة القيمة والعقود الاحتمالية

    أولا : العقد المحدد

    هو الذي تُحدد فيه وقت التعاقد التزامات كل من طرفيه والفائدة التي سيحصل عليها من تعاقده ومثال ذلك البيع والإيجار.

    ثانيا : العقد الاحتمالي

    ويسمى كذلك بعقد الغرر هو الذي لا يمكن فيه وقت إبرامه تقدير الفائدة أو النفع الذي سيجنيه من ورائه كل من طرفيه لتوقف ذلك على حدث غير محقق. ومن أمثلة العقود الاحتمالية عقود التأمين والرهان. ولا يعتبر العقد احتماليا إلا إذا توفر فيه عنصر الاحتمال أو الغرر .

    أهمية هذا التقسيم

    تتجلى أهمية التمييز بين العقود الاحتمالية والعقود المحددة خاصة في ما يتعلق بالغبن. إذ إن المطالبة بالإبطال للغبن ممكن تصوره في العقود المحددة وهو يُقدر حين إبرامها وليس حين تنفيذها ، لكن الغبن غير مُتصور في العقود الاحتمالية لأنها تقوم على احتمال الربح والخسارة منذ إبرامها والتي يُعتبر الغَبنُ طبيعيا فيها .

    التقسيم السابع : العقود الفورية والعقود الزمنية

    أولا : العقد الفوري

    هو العقد الذي ينفذ دفعة واحدة، ودون أن يرتبط تنفيذه بعنصر الزمن، كالبيع مثلا فهو ينتج أثاره القانونية دون تأثر بعامل الزمن. وحتى إذا تأخر التنفيذ إلى وقت لاحق فذلك لا يغير في الأمر شيئا ما دام أنه لا يؤثر في التزامات الطرفين.

    ثانيا : العقد الزمني

    ويسمى كذلك بالعقد المستمر، فهو العقد الذي يلعب فيه عنصر الزمن دورا جوهريا وحاسما وعلى أساسه يقاس محله وتتحدد التزامات طرفيه. ومثاله عقد الإيجار وعقد العمل، والشركة والتوريد. فهذا النوع من العقود يُنشئ روابط قانونية تستمر في الزمان.

    أهمية هذا التقسيم

    • في حالة بطلان العقد أو فسخه : يؤدي بطلان العقد وفسخه إلى زوال العقد ومحو أثاره بأثر رجعي، أي إلى إرجاع المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد. غير أن ذلك إذا كان ممكنا في العقود الفورية، فهو ليس كذلك في العقود المستمرة أو الزمنية حيث لا يمكن محو الآثار التي ترتبت في الماضي.

    • في حالة الظروف الطارئة : وهي الحالة التي تظهر فيها ظروف طارئة لم تكن موجودة ولا متوقعة حين إبرام العقد بحيث يصبح تنفيذ المدين لالتزامه مرهقا مما يمنحه إمكانية المطالبة بمراجعة شروط العقد وردها إلى الحد الذي يضمن له تنفيذ التزامه دون إرهاق. وكما هو واضح فتطبيق نظرية الظروف الطارئة، لا يتصور في العقود الفورية التي لا يلعب فيها عنصر الزمن دورا جوهريا، خلافا للعقود المستمرة

    • من حيث الدفع بعدم التنفيذ : فإنه لا ينطبق على العقود الزمنية بخلاف العقد الفوري ، فالقاعدة أن الملتزم بالتزام ممتد هو الذي يجب عليه أن يقوم بتنفيذه أولا .

    • من حيث وقف التنفيذ : إن توقيف تنفيذ العقد الزمني يؤثر في عمر وزوال جزء منه لأنه لا يمكن تعويض الذي وقف فيها العقد الزمني بخلاف العقود الفورية فإن وقف التنفيذ لا يؤثر في التزامات المتعاقدين .

    • الالتزامات في العقد الزمني : تتقابل تقابلا تاما من حيث الوجود ومن حيث التنفيذ ، ففي عقد الايجار تقابل الاجرة الانتفاع ، أما في العقد الفوري فالتقابل يتحقق في الوجود وقد لا يتحقق في التنفيذ .

    • من حيث وجوب الاعذار : فالإعذار شرط أساسي لاستحقاق التعويض في العقد الفوري بخلاف الاعذار في العقود الزمنية فهو ليس ملزما عند تأخر تنفيذ الالتزام ، فالإعذار من طبيعة العقد الفوري .

    التقسيم الثامن : العقود الفردية والعقود الجماعية

    العقد الفردي : هو الذي لا تنصرف آثاره إلا إلى الأطراف الذين شاركوا في إبرامه. ويستوي في هذه المشاركة أن تكون شخصية ومباشرة أو بواسطة الغير عن طريق النيابة القانونية كما يستوي أن يكون أطراف العقد اشخاصا طبيعيين أو اعتباريين، وأن يكون كل من طرفيه واحدا أو متعددا ، فالمهم هو ألا تنصرف آثاره إلا إلى عاقديه تطبيقا لمبدأ نسبية آثار العقد الذي يقضي بأن العقد كأصل عام لا يلزم إلا من كان طرفا في إبرامه.

    العقد الجماعي : هو العقد الذي تنصرف آثاره إلى أشخاص لم يشاركوا في إبرامه، ويعتبر ظهور العقود الجماعية مظهرا من مظاهر التطور الاجتماعي الذي تبرمها نقابة للعمال مع رب العمل أو مجموعة من أرباب العمل أو مع نقابة لأرباب العمل، فهي تلزم كل أجير تابع لمؤسسة رب العمل سواء كان يعمل بها قبل إبرام الاتفاقية أو التحق بها بعد ذلك وذلك حتى لو لم يكن عضوا في النقابة التي أبرمت الاتفاقية، بل وحتى لو عارضها جملة أو في بعض أجزائها.

    أهمية التقسيم

    تظهر أهمية هذا التقسيم على مستوى الآثار التي تترتب عن كل من العقد الفردي أو الجماعي فإذا كانت قاعدة نسبية أثار العقد تجد لها مكانا للتطبيق في العقود الفردية باعتبارها الأصل والمبدأ، فإن الخروج عنها في العقود الجماعية يشكل القاعدة والأساس بحيث تسري بنودها وآثارها على من لم يكن طرفا حين إبرامها. فالاتفاقية الجماعية للشغل مثلا تسري على العمال الجدد الذين لم يكونوا تابعين لرب العمل حين توقيعه عليها بل إنها تشكل الإطار العام الذي يحكم عقودهم الفردية.

    التقسيم التاسع : عقود المساومة وعقود الاذعان

    تعتبر الإرادة العنصر الجوهري والأساسي لتكوين العقد ، وحين تغيب الإرادة أو تكون معيبة، فالقانون يجيز المطالبة ببطلان العقد وهو ما يعني ان القانون يحمي إرادة الأطراف ، غير أنه ما بين الإرادة الحرة المتبصرة وبين الرضا المعيب ، تقابلنا مجموعة من الأوضاع التي يُملي فيها أحد الطرفين نظرا لقوته الاقتصادية مثلا أو لدرايته بأعمال معينة شروطه على الطرف الآخر الذي يبدو أقل منه قوة وخبرة . ويمكننا في هذا الصدد أن نميز بين عقود إذعان وعقود المساومة.

    أولا : عقد المساومة

    هو العقد الذي يملك كل من طرفيه حرية مناقشة شروطه قبل إبرامه على قدم المساواة مع الطرف الآخر. ففي مثل هذا النوع من العقود يكون الطرفان في نفس المركز.

    ثانيا : عقد الإذعان

    هو العقد الذي يستأثر فيه أحد المتعاقدين بوضع شروط العقد في حين لا يبقى للطرف الآخر إلا قبولها جملة أو رفضها جملة ، دون أن يكون له الحق في مناقشتها أو طلب تعديلها وذلك لأن المتعاقد الآخر يكون في مركز أعلى منه يجعله يفرض شروطه. ويتحقق هذا النوع من العقود حين يكون احد الطرفين مستأثرا بخدمة أو محتكرا لسلعة ما ، مما يجعل الطرف الثاني يذعن لشروطه إن هو أراد الاستفادة منها ، ورغم الانتشار الكبير الذي عرفه هذا النوع من العقود نتيجة التطور الاقتصادي والاجتماعي ، خاصة العقود المتعلقة بتوصيل الكهرباء والماء والخطوط الهاتفية والربط بشبكة الإنترنيت، فقد أثارت العديد من النقاشات الفقهية ودعا بعض الفقهاء إلى إخراجها من دائرة العقود المدنية وإلحاقها بالقانون العام بحجة أن إرادة أحد الطرفين غائبة فيها. ومع ذلك فالرأي الغالب يتجه إلى اعتبارها عقودا مدنية ما دام الطرف المذعن يملك حرية إبرامها أو عدم إبرامها، إضافة إلى أن تحقيق المساواة الاقتصادية أو النفسية أمر يستحيل حتى في العقود التي تعتبر عقود مساومة.

    📗 خلاصة الباب

    • ● العقد اتفاق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو تعديله أو إنهائه، ويقوم على مبدأ سلطان الإرادة بمظاهره الثلاثة: حرية التعاقد، القوة الملزمة للعقد، ونسبية آثاره.
    • ● أركان العقد ثلاثة: التراضي والمحل والسبب، وقد تُضاف إليها الشكلية أو التسليم في بعض العقود الخاصة كالعقود الشكلية والعينية.
    • ● تتعدد تقسيمات العقود: رضائية أو شكلية أو عينية، مسماة أو غير مسماة، ملزمة لجانبين أو لجانب واحد، معاوضة أو تبرع، فورية أو زمنية، مساومة أو إذعان.
    • ● لكل تقسيم آثار عملية مهمة، منها إمكانية الدفع بعدم التنفيذ وطلب الفسخ وتحمل تبعة الهلاك في العقود الملزمة للجانبين.

  • الباب الأول : مفهوم الالتزام وبيان خصائصه وتمييزه عن غيره وأنواعه

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 3 من 9 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : تعريف الإلتزام وتمييزه عن غيره وبيان خصائصه

    الحقوق المالية : هي سلطات أو اختصاصات يقررها القانون المدني وتخول أصحابها القيام بأعمال معينة لتحقيق مصلحة يمكن تقويمها بمبلغ مالي .

    والطابع المالي لهذه الحقوق راجع لكون موضوع الحق يقوم بالمال، والهدف هو الحصول عليه كما يمكن تعريف الحقوق المالية بأنها الحقوق التي تصلح للتداول في سوق التعامل بالأشياء والسلع ، ويمكن تعريف الحق المالي بأنه اختصاص الشخص بمال أو بشيء يمكن التعامل فيه اختصاصا يقره القانون ، ويترتب على هذا الطابع المالي النتائج التالية :

    • أن الحقوق يجوز التعامل عليها بالتصرف فيها أو التنازل عنها

    • أن الحقوق تخضع للتقادم المسقط والمكسب

    • هذه الحقوق تنتقل بالميراث

    • أن الحقوق تظهر في الجانب الايجابي للذمة المالية

    والحقوق المالية التي يكون الشيء محلا لها كثيرة ، منها الحقوق العينية الأصلية ، كحق الملكية وحق الإنتفاع وحق الإرتفاع ومنها الحقوق العينية التبعية كحق الرهن وحق الإمتياز ومنها الحقوق الشخصية كحق المشتري في تسليم المبيع وفي انتقال ملكيته إليه ، وحق المستأجر في تسليم العين المؤجرة وفي تمكينه من الإنتفاع بها ، وحق المؤجر في استردادها وحق المقرض في استرداد مبلغ القرض .

    التعريف بالالتزام ، أي الحق الشخصي أو حق الدائنية

    تحظى نظرية الإلتزام بأهمية بالغة في القانون المدني بل وفي كافة فروع القانون الأخرى فهي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات المالية وتتدخل في حياة الاشخاص تدخلا كبيرا فالعلاقات المالية التي تربط شخصا بآخر قد تكون علاقة بيع أو شراء أو إيجار أو قرض أو وكالة أو مقاولة ، وكل هذه العلاقات هي في الواقع التزامات تقع على عاتق شخص لمصلحة آخر .

    مفهوم الإلتزام من الوجهة التشريعية والفقهية

    مفهوم الالتزام من الناحية التشريعية

    استعمل البعض مصطلح الحق واستعمل آخرون مصطلح الالتزام ، والمعنى واحد ، فإذا نظرنا إلى الرابطة القانونية من جهة الدائن قلنا بالحق الشخصي ، غير أن الالتزام يبقى العنصر البارز في الرابطة القانونية الذي يمثل فيها العنصر السلبي حيث يوجد الالتزام في ذمة المدين دون أن يوجد دائن مثل الوعد بجائزة .

    مفهوم الالتزام من الوجهة الفقهية

    يرى بعض الفقهاء أنه ضرورة قانونية توجب على شخص عمل شيء أو الامتناع عن شيء لشخص آخر .

    يرى السنهوري أن الإلتزام هو حالة قانونية يرتبط بمقتضاها شخص معين بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل لفائدة شخص آخر ، أو هو مكلف قانونا اتجاه غيره بعمل أو الامتناع عن عمل .

    أما مازو فيرى أنه رابطة قانونية ذات قيمة مالية بين شخصين أو أكثر يلتزم بمقتضاها المدين بعمل لصالح الدائن .

    فنلاحظ اختلافات في إعطاء تعريف للالتزام وذلك راجع إلى مدى التشبع بالمذهبين الشخصي أو المادي .

    مفهوم الالتزام وفق المذهبين الشخصي والمادي

    مفهوم الالتزام وفق المذهب الشخصي

    ينظر اصحاب هذا المذهب للالتزام على أنه رابطة شخصية بين الدائن والمدين بمقتضاها يلتزم المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الإمتناع عن عمل لمصلحة الدائن . لذلك فالنظام القانوني للالتزام يتحدد فقط على أساس الرابطة القائمة بين طرفيه وليس على أساس محل الالتزام ، وبالتالي لا يمكن الاعتراف بنشوء الالتزام والحق الشخصي ما لم يتحدد كل من طرفيه الدائن والمدين ويتفقان على نشوءه . ويترتب على هذا التعريف استحالة انتقال التزام من ناحية الدائن عن طريق حوالة الحق أو من ناحية المدين عن طريق حوالة الدين .

    • إذا لم يتحدد كل من الدائن والمدين ويتفقان على نشوءه فإنه لا ينبغي الإعتراف بالالتزام

    • إذا قام الالتزام بين الطرفين فلا يجب الإعتراف بإمكانية تغيير أي من طرفيه ، ويتعذر نقل الإلتزام أو تحويله أو التنازل عنه لمصلحة شخص آخر أو في مواجهته .

    من أشهر رواد هذا الرأي الفقيه الألماني سافيني .

    مفهوم الالتزام وفق المذهب المادي

    يتزعم هذا الرأي الفقيه الفرنسي سالي ، حيث يجرد الالتزام من عنصره الشخصي ليصبح التزاما ماليا أكثر منه علاقة شخصية ، فينفصل بذلك الالتزام عن شخص الدائن والمدين ويختلط بمحله فيصبح شيئا ماديا العبرة فيه بقيمته المالية . وعليه فمفهوم الإلتزام في نظر المذهب المادي هو حالة قانونية المقصود منها قيام شخص معين بعمل معين أو الإمتناع عن عمل ذي قيمة مالية .

    وفق المذهب المادي يمكن نقل الالتزام والحق الشخصي من دائن إلى آخر ومن مدين إلى آخر ، ثم أنه من الممكن أن يوجد الالتزام دون أن يوجد دائن وقت نشوءه كما هو الحال في الوعد بالجائزة وفي الاشتراط لمصلحة الغير كالتأمين على الحياة لمصلحة من سيولد لاحقا .

    من هنا يمكن القول بأن الالتزام هو رابطة قانونية بين شخصين يلتزم بمقتضاها أحدهما وهو المدين في مواجهة الآخر وهو الدائن بأن يقوم بإعطاء أو عمل أو الامتناع عن عمل معين .

    وعليه فنظرية الإلتزام تتميز بأهمية كبيرة من الناحية العملية وكذلك من الناحية النظرية .

    فمن الناحية العملية تعتبر نظرية الإلتزام عماد وأساس قانون الأعمال ، وأساس حياتنا ومعاملاتنا اليومية ، وعليه فكل العلاقات المالية والمعاملاتية التي توجد بين الناس هي روابط التزام تخضع للنظرية العامة للإلتزامات ، منها عقود البيع والشراء والايجار ..

    كما تعتبر من الناحية النظرية أساس قواعد القانون المدني وهي المرجع الأساسي في تفسير وتحليل عُقَد المعضلات والمشاكل في القانون العام والخاص .

    تمييز الحق الشخصي أو حق الدائنية عن غيره من الحقوق

    التمييز بين الحق الشخصي والعيني

    المال في نظر القانون عبارة عن حقوق ، والحق في المعاملات مصلحة ذات قيمة مالية يقرها القانون للفرد وهو إما حق عيني أو حق شخصي .

    والحق الشخصي هو الإلتزام : ويسمى حقا إذا نظر إليه من جهة الدائن ودينا إذا نظر إليه من جهة المدين ، والحق الشخصي رابطة ما بين شخصين ، دائن ومدين ، يخول للدائن بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الإمتناع عن عمل .

    ويسمى الحق الشخصي حقا إذا نظر إليه من ناحية الدائن والتزاما أو دينا إذا نظر إليه من جهة المدين ، وعلى ذلك لا يمكن للدائن في حقه الشخصي أن يحصل على حقه إلا بتدخل شخص المدين ، فرب العمل دائن للعامل بعمل معين ، ولا يستطيع رب العمل أن يقتضي حقه إلا بتدخل المدين وهو العامل .

    وعلى هذا النحو يختلف الحق العيني عن الحق الشخصي ، فالحق العيني سلطة مباشرة لشخص على شيء معين ، فيحتج به على الكافة بينما الحق الشخصي حق نسبي لا يحتج إلا عند المدين

    والحق الشخصي أو حق الدائنية ليس محله كالحق العيني وإنما محله دائما عمل معين فحق المشتري للعقار نقل الملكية إليه من بائعه وهو حق شخصي ليس محله العقار المبيع وإنما محل عمل ايجابي هو قيام البائع بتحقيق نقل الملكية إلى المشتري عن طريق المساهمة في إجراءات التسجيل . ومثال العمل الايجابي التزام المقترض برد مبلغ القرض إلى المقرض . ومثال العمل السلبي أي الإمتناع عن عمل معين : مثال امتناع بائع المحل التجاري من قبل مشتريه بعدم منافسته عن طريق فتح محل مشابه .

    وإذا كان الأداء أو العمل على اختلاف صوره الإيجابية والسلبية محلا للحق الشخصي فيجب أن تتوفر في هذا الأداء أو العمل صفة المالية ، بمعنى أن يكون قابلا لتقديره بالنقود حتى لو كانت مصلحة معنوية ، ومالية الأداء هي هي التي تعطي للحق الشخصي حقا من حقوق الملكية ، وإلى تمييز الإلتزام بصفته المالية عن الواجبات القانونية التي تفتقد الصفة المالية وهي التي تؤدي إلى دخول الحق الشخصي ضمن العناصر الايجابية للذمة المالية للدائن ودخول الالتزام ضمن العناصر السلبية للذمة المالية للمدين .

    والحق الشخصي ليس في واقع الأمر سوى أحد وجهين لرابطة الإقتضاء .

    الأثار المترتبة عن التفرقة بين الحق العيني والشخصي :

    • الحق العيني حق مطلق والحق الشخصي حق نسبي ، ومعنى ذلك أن الحق العيني يحتج به وينتج أثره في مواجهة الكافة بينما لا ينتج الحق الشخصي أثره ولا يحتج به إلا في مواجهة شخص معين .

    • يخول الحق العيني دون الحق الشخصي ميزة أو حق التتبع ، فالحق العيني يعطي لصاحبه سلطة قانونية مباشرة على شيء دون وساطة شخص آخر ، فهو بذلك يخلق رابطة بينه وبين الشيء وخضوع هذا الشيء لسلطته ، أما الحق الشخصي أو حق الدائنية فلا يخول لصاحبه حق التتبع لأنه ليس بالحق ا لوارد على شيء ولكنه وارد على عمل شخص معين هو المدين ولا يتصور التتبع في شأن عمل من الأعمال .

    • يخول الحق العيني دون الحق الشخصي ميزة أو حق الأفضلية ، وهو استبعاد كل مزاحم له في ممارسة سلطانه على الشيء . أما الحق الشخصي فلا ينصب على شيء معين بل يرد على مجرد عمل ايجابي أو سلبي يلتزم المدين بأدائه ويكون الوفاء به مضمونا بالجانب الإيجابي من ذمة المدين . فالحقوق الشخصية تعرض أصحابها لخطر التزاحم فيما بينهم والخروج لوفاء منقوص ولهذا فالحقوق العينية لا تتزاحم مع الحقوق الشخصية.

    • قصور إرادة الأفراد عن ابتداع حقوق عينية غير تلك التي يعينها القانون وقدرتها على ذلك في الحقوق الشخصية .

    • ينبغي أن يكون الشيء في الحق العيني دون الحق الشخصي حالا ومعينا بالذات ما دام الحق العيني يتضمن رابطة بين شخص وشيء فلا يتصور وجود حق عيني إلا بوجود محله حالا لا مستقبلا ولا يكفي لقيام الحق العيني وجود الشيء وجودا محققا بل ينبغي فضلا عن ذلك أن يكون الشيء معينا بذاته . أما الحق الشخصي لكون محله عملا من الأعمال لا شيئا من الأشياء فهو يتضمن رابطة اقتضاء لا رابطة تسلط .

    أركان الحق الشخصي أو حق الدائنية

    للحق الشخصي أو الإلتزام أو حق الدائنية ثلاثة أركان :

    الركن الأول : طرفا الحق ، اي الدائن الذي يظهر الالتزام في ذمته كعنصر ايجابي ، والمدين الذي يظهر الالتزام في ذمته كعنصر سلبي ، ويشترط القانون في طرفي الحق أن يكونا أهلا وأن تكون إرادتهما سليمة لا يشوبها أي عيب من عيوب الإرادة .

    الركن الثاني : موضوع الحق ( اي المحل ) ويتمثل في الموضوع ، وموضوع الحق الشخصي يكون إما بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الإمتناع عن عمل معين .

    الركن الثالث : الحماية القانونية الواجبة للحق ، هذه الحماية للحق يمكن أن تمارس عن طريق الدعوى ، والإلتزام أو الحق الشخصي يتحلل إلى عنصرين عنصر المديونية وعنصر المسؤولية . أما عنصر المديونية فيتمثل في واجب خلقي يقع على عاتق المدين حيث يلتزم أخلاقيا بالوفاء بما التزم به ، أما عنصر المسؤولية فيتحرك ويخول للدائن اللجوء إلى القضاء ليكره المدين على تنفيذ ما التزم به .

    ولكن ليس كل الالتزامات من هذا النوع ، فهناك من لا يتوفر إلا على عنصر الواجب الخلقي حيث يتخلف فيه عنصر المسؤولية مثلا في الإلتزامات الطبيعية حيث لا يمكن تنفيذ الالتزام الطبيعي قهرا على المدين كما هو الحال في الالتزامات المدنية التي يتوفر فيها عنصر المسؤولية .

    وهناك من اضاف ركنين آخرين : الركن الرابع : المتعلق بسبب الالتزام ، أي السبب الذي من أجله التزم الشخص ، هذا السبب قد يكون مباشرا كحصول البائع على الثمن هو السبب وراء التزامه بتسليم الشيء المبيع ، وقد يكون غير مباشر كالباعث النفسي وراء بيع أو شراء كالانفاق على مشروع ويجب أن يكون مشروعا قانونيا وغير مخالف للأداب العامة .

    الركن الخامس : مصدر الإلتزام ، أي الأمر الذي ترتب عليه نشوء الإلتزام في ذمة المدين ، ويتمثل هذا الأمر في التصرف القانوني أو الواقعة القانونية ، فالعقد تصرف قانوني يعد مصدرا لالتزام أحد المتعاقدين قبل الآخر كالتزام المشتري بدفع الثمن ، والفعل الضار واقعة قانونية يترتب عليها التزام الشخص المرتكب للخطأ بتعويض المضرور من جراء هذا الخطأ وقد يكون مصدر الالتزام هو القانون مباشرة كالتزام الزوج بالنفقة على زوجته وأولاده .

    الحقوق العينية

    حسب المادة 8 من مدونة الحقوق العينية ، الحق العيني العقاري هو سلطة مباشرة يخولها القانون لشخص معين على عقار معين ويكون الحق العيني أصليا أو تبعيا . والتعريف السائد منذ القدم للحق العيني هو أنه يخول صاحبه سلطات قانونية مباشرة على شيء مادي . أو هو استئثار شخص بشيء معين استئثارا مباشرا يقره القانون .

    وعليه فالحق العيني هو ذلك الحق الذي يكون على شيء مادي ويخول لصاحبه سلطة مباشرة عليه تسمح له بالاستئثار بقيمة مالية ، كما يحتج بذلك الحق ضد الكافة ، وهذا يعني أن الحق العيني يتوفر على عنصرين : صاحب الحق و موضوع الحق . فصاحب الحق لا يحتاج لممارسة حقه التمتع بسلطته على الشيء إلى تدخل شخص آخر ، فهو يتمتع بالحق في استعماله واستغلاله واستهلاكه والتصرف فيه تصرفا ماديا كأن يهدمه أو يغير معالمه أو يتصرف فيه تصرفا قانونيا كأن يبيعه أو يهبه أو يكريه أو يفوته دون وساطة اي شخص آخر فالأصل في الشيء محل الحق العيني أن تجتمع في يد صاحبه سلطة فعلية وقانونية على الشيء . والأصل في الشيء محل الحق الشخصي أن يوجد في حيازة المدين الذي يغلب أن يكون هو مالكه وتحت سلطته الفعلية .

    إذن فقوام الحق العيني وجود صلة مباشرة بين صاحب الحق وبين محله ، وهذه الصلة طبيعية ما دام الشيء شيئا لا إرادة له بحيث يخضع لصاحبه ، كما أن الحق العيني يفترض وجود رابطة تسلط لا رابطة اقتضاء لأن صاحب الحق لا يتصور أن يطالب الشيء بعمل أو يقتضى منه أداء وإنما يخضعه مباشرة لسلطانه وتصرفه .

    والحقوق العينية لها جامع مشترك من حيث ما تخول لأصحابها من سلطات مباشرة على الشيء لكنها تنقسم الى قسمين :

    <u>الحقوق العينية الأصلية</u> : هي حقوق عينية تقوم بذاتها مستقلة فلا تستند في وجودها إلى أي حق آخر تتبعه وإنما توجد مقصودة لذاتها بما تمنحه لصاحبها من سلطة الحصول على المزايا والمنافع المالية للشيء المادي .

    <u>الحقوق التبعية</u> : وهي عكس الحقوق العينية لأنها لا تقوم مستقلة بذاتها وإنما تستند في وجودها إلى حق شخصي آخر تقوم لضمانه وتأمين الوفاء به كما يطلق عليها التأمينات العينية ، ولا يعني هذا أن التبعية تتبع الأصلية بل لأنها تتبع حقا شخصيا أي حق الدائنية وتستند في وجودها عليه بقصد ضمان الوفاء به وتأمين اقتضاء صاحبه له .

    الفرع الأول : الحقوق العينية الأصلية

    حيث تتجمع سلطات الشيء في يد صاحبه فيسمى الحق بحق الملكية وعندما تتجزأ يسمى الحق العيني المتفرع عن حق الملكية .

    الفقرة 1 : حق الملكية

    أولا : تعريف حق الملكية

    هو ما ملكه الإنسان وهي العلاقة التي أقرتها الشريعة الاسلامية بين الانسان والمال بحيث تجعله مختصا به ومتمكنا من الانتفاع به بكل الطرق الشرعية ، وتنقسم الأموال من حيث مدى قابليتها للتملك إلى ثلاثة أنواع : 1 – ما لا يقبل التملك مطلقا : وهو ما خصص للنفع العام كالطرق والحدائق . 2 – ما لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي كالأموال الموقوفة وأملاك بيت المال . 3 – ما يقبل التملك وهو ما عدا النوعين السابقين .

    والملك في الشريعة الاسلامية نوعان ، 1 – ملك تام : وهو ما يرد على الشيء ومنفعته معا . 2 – ملك ناقص وهو ما يرد على الشيء أو منفعته أي إما أن يكون ملك رقبة أو ملك منفعة .

    ويحتوي حق الملكية على ثلاثة عناصر : الإستعمال ، الإستغلال ، التصرف .

    عرفت المادة 14 من مدونة الحقوق العينية الملكية العقارية بقولها : «يخول حق الملكية مالك العقار دون غيره سلطة استعماله واستغلاله والتصرف فيه، ولا يقيده في ذلك إلا القانون أو الاتفاق» .

    المادة 15 : «ملكية الأرض تشمل ما فوقها وما تحتها إلى الحد المفيد في التمتع بها إلا إذا نص القانون أو الاتفاق على ما يخالف ذلك» .

    المادة 16 : «مالك العقار يملك كل ملحقاته وما يدره من ثمار أو منتجات وما يضم إليه أو يدمج فيه بالالتصاق» .

    وعلى هذا فحق الملكية هو أوسع الحقوق العينية ويقسم إلى عقار ومنقول حسب موضوعه وحق الملكية هو أوسع مجال يحدث التعسف في استعماله لأنه يخول صاحبه أوسع السلطات والصلاحيات في الانتفاع والتصرف فيه بطريقة مطلقة .

    ثانيا : خصائص حق الملكية

    • حق جامع : يمتاز حق الملكية عن غيره من الحقوق العينية في كونه حقا يخول صاحبه جميع السلطات المحتملة على الشيء والتي تمكنه من الإستفادة منه والحصول على جميع مزاياه وهذه السلطات هي الاستعمال ، الاستغلال ، التصرف . بينما تقتصر الحقوق العينية الأخرى على تخويل أصحابها بعض هذه السلطات . فمثلا حق الاستعمال يقتصر فقط على الاستعمال والانتفاع كذلك بينما يشمل حق الملكية كل هذه السلطات . ولا يكون حرمان صاحبها من بعض السلطات إلا عن طريق قانون أو اتفاق . ويترتب على ذلك أن المدعى الغير المالك لبعض سلطات على شيء عليه إثبات ذلك بينما المالك للشيء لا يكلف بالاثبات لأنه يتمسك بالاصل .

    • حق استئثاري مانع : وهو أن الحق يكون مقصورا على صاحبه دون غيره ، وعليه لا يتصور أن يكون لشخصين ملكية تامة على نفس الشيء ، وإن كان يتحدد نصيب كل واحد بحصة حسابية ، وهذ الخاصية تمنع الغير من مشاركة المالك شيئه ، وهذه الخاصية لا تكون فقط في الملكية بل حتى في الإنتفاع .

    • حق دائم : يعني دوام حق الملكية ، وهي تدوم بدوام الشيء حتى يهلك ، لكنها تنتقل من شخص لآخر . فالملكية حق غير مؤقت وهي تتنافى مع طبيعة الملكية وعناصرها . وهذا الحق لا يسقط بدعوى عدم استعمالها مهما طالت مدة عدم مباشرة السلطات المخولة للمالك على الشيء فحق الملكية مستقل عن استعماله .

    ثالثا : عناصر حق الملكية ( سلطات المالك )

    هي المالك والشيء ، فعناصر الشيء تعني اركانه ، وتعني السلطات التي يتمتع بها المالك ، ويفضل استعمال عبارة سلطات المالك ، واستعمال عبارة عناصر حق الملكية فقط تماشيا مع ما سار عليه الفقه ، فتكون عناصره هي الاستعمال و الاستغلال والتصرف .

    أولا : الاستعمال ، ويعني به استخدام الشيء للحصول على منافعه ، مع عدم المساس بجوهر الشيء ، كأن يسكن المالك داره ويركب سيارته ولا تسقط ملكيته بعدم استعماله الشيء ، كما تحترم القيود التشريعية لمنع الاستعمال فيما يضر ، وعند المساس بجوهر الشيء يختلط الاستعمال مع التصرف فيحصل استهلاك الشيء ويكون مثلا في الطعام والنقود .

    ثانيا : الاستغلال ، ويقصد به حق المالك في الحصول على ثمار الشيء ومنتجاته ، وتكون الثمار دورية ولا تمس بالجوهر ، أما المنتجات فهي انتقاص من أصل الشيء كالمعادن .

    ثالثا : التصرف ، يراد به نوعان من التصرف ، التصرف المادي وهو العمل المادي الذي يرد على مادة الشيء كاستهلاكه أو إعدامه أو تغييره ، والتصرف القانوني ويرد على حق المالك كبيعه أو رهنه أو هبته .

    الفقرة الثانية : الحقوق المتفرعة عن حق الملكية

    هي تلك الحقوق التي تقتطع من بعض سلطات الملكية لصالح شخص آخر غير المالك . كما يقصد بها تجزؤ عناصر الملكية بين عدد من الأشخاص ، بحيث يكون لشخص حق الملكية دون حق الانتفاع ، وتسمى هذه الحقوق بالملكية الناقصة نظرا أن عناصر الملكية لا تكون في يد شخص واحد وإنما متفرقة بين عدد من الأشخاص فيكون حق الانتفاع لشخص وحق الاستعمال لآخر والتصرف لآخر . مثال أرض مملوكة لشخص والأشجار والثمار لشخص آخر .

    الفرع الثاني : الحقوق العينية التبعية

    بخلاف الحقوق العينية الأصلية القائمة بذاتها بمجرد وجود صاحب الحق والشيء بذاته ، فالحقوق العينية التبعية أو التأمينات العينية على خلاف ذلك ، فهي تعتبر حقوقا بمعنى توثيقي فهي تثبت وتقرر لشخص دائن على مال معين لشخص آخر مدين توثيقا للدين وضمانا للوفاء به . فإذا لم يقم المدين بالوفاء بالدين تمكن الدائن من أن يستوفى دينه منه .

    وهي حقوق عينية لأنها ترد على شيء معين ، وتبعية لأنها ترتكز على حق شخصي وتتبع هذا الحق ، لذلك فهي تنقضي بمجرد الوفاء بالحق فلا يبقى الحق التبعي . ووظيفة الحقوق التبعية هي ضمان الوفاء بالحق الشخصي ، أي تأمين الدائن في استيفاء حقه لذلك تسمى التأمينات العينية . فهي تؤدي وظيفة اقتصادية مهمة لأنها تشجع الدائن على الاقراض والمدين على الحصول على المال .

    الحقوق المختلطة الحقوق الذهنية

    تقسيم الحقوق إلى مالية وغير مالية هو تقسيم غير قاطع ، حيث أن هناك من الحقوق ما يوجد على الحدود بينهما فقد أدى التطور في مجال العلوم والآداب إلى ظهور نتاج ذهني وفكري للإنسان مما أدى إلى صياغة الحقوق الذهنية ، عرفت باسم الحقوق الذهنية ، وهي حق المؤلف أو الملكية الأدبية وحق المخترع ويسمى الملكية الصناعية وهي عموما حقوق ذهنية نتاج عمل فكر وابتكار .

    يمكن تعريفها بأنها اختصاص شخص بالاستئثار بما نسب إليه من إنتاج ذهني وابتكار عقلي تمكنه من احتكار المنفعة المالية لهذا الاختراع أو المزية لنفسه يمكن أن تنتج عن نشر هذه الفكرة أو استغلال الاختراع مثال ذلك حق المؤلف والمغني والمخترع وحقوق العلامة التجارية .

    يتبين مما سبق أن الحق الذهني له جانبان ، جانب أدبي يخول للمؤلف أن تنسب إليه افكاره وجانب مادي يمكنه من جني منفعة مالية من نشر مؤلفه . وهناك القيمة المعنوية التي تتصل بالمحل التجاري ، والقيم المعنوية المتعلقة بالابتكارات القابلة للاستغلال الصناعي ، وتتمثل في براءة الإختراع والنماذج الصناعية والعلامات التجارية المشهورة ، وقد نظمت الدول الحديثة هذه الحقوق وتم عقد اتفاقيات دولية قصد توحيد القواعد بشأنها .

    الخصائص الجوهرية للإلتزام

    • الإلتزام رابطة قانونية : أي يترتب عليها أثر قانوني بمعنى أن الالتزام يشكل قيدا يرد على إرادة المدين أو حريته ، وهو علاقة قانونية بين الدائن والمدين يلتزم بمقتضاها المدين أن يقوم بعمل أو يمتنع عن عمل ذي قيمة مالية ، هذه الخاصية هي الثقة التي يحميها القانون وهي تميز الإلتزام عن المظاهر الأخرى التي تقوم فيها الثقة ، فالالتزام يتكون من عنصرين : عنصر المديونية وهو الواجب القانوني بالقيام بأداء معين لفائدة الدائن وعنصر المسؤولية فهو عنصر الإجبار المقرر للدائن حيث يحق له إجبار المدين على تنفيذ التزاماته إذا لم يقم بذلك اختياريا . ويظهر جليا أن عنصر المديونية هو العنصر الأساس في الالتزام بينما المسؤولية ليست سوى وسيلة لإعمال المديونية حيث أن الغالب أن يتم الوفاء الإختياري فلا تكون حاجة للإجبار ، لكن لا يكون الالتزام كاملا حتى يجتمع فيه العنصران ويسمى في هذه الحالة التزام مدني ، وحينما توجد المديونية دون المسؤولية يسمى التزاما ناقصا .

    • الالتزام رابطة شخصية : ويقصد بها وجود طرفين دائن ومدين ويجوز كون الأشخاص عاديين أو اعتباريين كما يجوز أن يتعدد الأشخاص في الطرف الواحد أو معا ، فيترتب عليه أن المدين لا ينفذ التزامه إلا للدائن ، كما أن الدائن لا يطالب الا المدين .

    • الالتزام رابطة محلها عمل له قيمة مالية : يعني أن محل الالتزام عمل له قيمة مالية بمعنى أن يكون الاداء الذي يلتزم به ا لمدين يمكن تقديره بالنقود ، وبالتالي تخرج الحقوق الشخصية من مفهوم الالتزام لأن طابعها غير مالي ، ومن ذلك واجب طاعة الزوجة لزوجها وواجب الابن في طاعة أبيه ، ولا يشترط في المصلحة التي تعود على الدائن أن تكون مادية فقد تكون معنوية كمصلحة شعورية أو علمية ما دام أنها مشروعة ، كمثال إحياء حفلة من طرف فنان فمصلحة الدائن غير مالية ومصلحة الفنان مالية .

    تقسيمات الالتزام

    يقسم حسب محله و قوته ومدى العناية التي يبذلها المدين ثم من حيث مصدره .

    أولا : تقسيم الالتزام من زاوية محله

    المحل هو موضوع الالتزام ، ويكون التزاما بعمل ايجابي أو سلبي أو التزام بإعطاء .

    الالتزام بإعطاء شيء

    يقصد به نقل الملكية ، أو اي حق من الحقوق العينية الأخرى الأصلية كحق الكراء الطويل الأمد أو التبعية كالرهن الحيازي ، أما الشيء فهو كل مادة يمكن تلمسها بأحد الحواس الخمس أو تصورها ذهنيا كالإنتاج الأدبي أو الفني ، والشيء المادي اما عقار أو منقول . ومن صور الالتزام بإعطاء ، التزام المشتري بدفع الثمن والمستأجر بدفع الأجرة ، وتنبغي الإشارة إلى أن الحق لا ينتقل إلا بعد تسجيل العقد .

    الالتزام بالقيام بعمل

    هو الالتزام بالقيام بعمل ايجابي غير الإعطاء لصالح الدائن ، مثال قيام المقاول ببناء منزل لفائدة الدائن ، أو التزام المغني بالغناء في حفل أو محامي على الدفاع عن موكله ، وهو يختلف عن الالتزام بإعطاء من حيث هذا الأخير يستلزم التسليم .

    الإلتزام بالامتناع عن العمل

    هذا هو الالتزام السلبي حيث يجب على المدين الامتناع عن القيام بعمل كان يملك القيام به قانونا ، مثال ذلك التزام العامل بعدم إفشاء سر المهنة ، والتزام الممثل بعدم التمثيل الا مع الشركة التي تعاقد معها ، أو الالتزام بعدم فتح مقهى في شقة وسط حي هادئ .

    تقسيم الالتزامات من حيث قوتها

    تنقسم الالتزامات من حيث قوتها إلى التزامات مدنية وأخرى طبيعية

    الالتزامات المدنية

    هذا النوع هو الأصل في الالتزامات وهو القاعدة العامة وهو الالتزام الذي يتوفر فيه عنصرا المديونية والمسؤولية وعليه فالإلتزام المدني هو الذي يستطيع في الدائن إجبار المدين على الوفاء بالتزامه بقوة القانون .

    الالتزامات الطبيعية

    هي التي لا يمكن إكراه المدين على تنفيذها لافتقارها إلى عنصر المسؤولية ، والمديونية أيضا وهي طائفة استثنائية من الإلتزامات حيث لا يستطيع الدائن جبر المدين على الوفاء ولا تنفذ إلا باختيار المدين وفي حالة وفائه يعتبر متبرعا .

    تقسيم الالتزام من حيث مدى العناية التي يبذلها المدين

    الالتزام بتحقيق غاية أو نتيجة

    وهو الالتزام الذي لا تبرأ فيه ذمة المدين حتى تتحقق الغاية أو النتيجة المطلوبة ، بحيث تكون النتيجة هي محل التزام المدين ، كإيصال الراكب إلى مكان وصوله سالما . ويسميه البعض الالتزام المحدد ويترتب عنه أن عدم تحقق نتيجة هذا الالتزام يعني أن المدين خاطئ ولا يلزم الدائن إلا بإثبات عدم تحقق النتيجة .

    الالتزام بذل عناية أو وسيلة

    هو الالتزام الذي تبرأ فيه ذمة المدين إذا بلغ مقدارا محددا من العناية في تنفيذ الالتزام ، أو هو الالتزام الذي لا يتطابق فيه محل التزام المدين مع الهدف الذي يبتغيه الدائن . حيث لا تقوم مسؤولية المدين إذا أثبت أنه بذل كل ما باستطاعته من حرص لتحقيق النتيجة المرجوة من الالتزام ولو لم تتحقق ، مثال التزام الطبيب بعلاج مريض ، ويترتب على هذا الالتزام أن عبء الإثبات يقع على الدائن ليثبت تقصير المدين في تحقيق النتيجة المطلوبة .

    تقسيم الالتزام من زاوية مصدره

    مصدر الالتزام هو سبب نشوءه ، ذلك أن الالتزام أمر عرضي يتطلب سببا لنشوءه .

    الفصل الأول من قانون الإلتزامات والعقود المغربي : «تنشأ الالتزامات عن الاتفاقات والتصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة وعن أشباه العقود وعن الجرائم وعن أشباه الجرائم»

    وعليه فإن مصادر الالتزام التي ذكرها المشرع المغربي هي : الاتفاقات ( العقود ) ، التعبيرات الأخرى المعبرة عن الإرادة ( الإرادة المنفردة ) ، أشباه العقود ، الجرائم وأشباه الجرائم ( المسؤولية التقصيرية ) ثم القانون ، و الفقه قسم الالتزامات بالنظر إلى مصدرها إلى قسمين :

    المصادر الارادية

    سبقت الإشارة إلى أن الحقوق الشخصية تتنوع وتتعدد صورها عكس الحقوق العينية . ولهذا نجد القانون قد حدد الحقوق العينية على سبيل الحصر ونظم أحكام كل منها بينما لم يفعل ذلك بالنسبة للحقوق الشخصية واكتفى ببيان مصادرها .

    والمقصود بمصدر الالتزام هو السبب القانوني الذي أنشأ الإلتزام ، فمثلا التزام المشتري بدفع الثمن مصدره عقد البيع .

    وتذكر القوانين اللاتينية أن مصادر الالتزام خمسة : العقد وشبه العقد والجريمة وشبه الجريمة والقانون . والالتزامات الارادية التي تنشأ عن الارادة و هي العقد و الإرادة المنفردة .

    أولا : العقد

    هو توافق إرادتين على إنشاء التزام ، كعقد البيع يتفق بمقتضاه البائع والمشتري على إنشاء التزام فيلتزم البائع بنقل الملكية ويلتزم المشتري بدفع الثمن . وحسب المشرع المغربي تسمى الالتزامات الإتفاقية ويعتبر العقد أهم تصرف تنتقل به الإلتزامات أو تغير وتعدل أو تنتهي وتنقضي به .

    ثانيا : الإرادة المنفردة

    عبر عنها المشرع المغربي بأنها التعبيرات الأخرى المعبرة عن الإرادة، وتتم بإرادة واحدة

    المصادر غير الارادية

    الالتزامات غير الإرادية هي التي قد يكون مصدرها الفعل الضار أو العمل غير المشروع وقد يكون الفعل النافع مثل الإثراء بلا سبب وهو ما يعبر عنه المشرع المغربي بأشباه العقود والجرائم وأشباه الجرائم .

    أولا : الإلتزامات شبه العقدية

    شبه العقد : هو عمل اختياري مشروع ينشأ عنه التزام نحو الغير وقد ينتج عنه أيضا التزام مقابل في جانب ذلك الغير ويطلق هذا الوصف في قانون الالتزامات والعقود المغربي على جملة من الأفعال قد ينتج عنها التزام ومنها

    الإثراء بلا سبب : وهو الاغتناء الذي لا يرتكز على أي مصدر ، ومثاله أن يحتل شخص منزلا بغير إذن صاحبها فيحصل للمعتدى اغتناء ما كان سيؤديه من الكراء لذلك يلزم بترك ما أثرى به بغير سبب وهو ما تناوله الفصلان 66 و67 من ق.ل.ع .

    دفع غير المستحق : ويقصد به الأداء الذي يقوم به الشخص عن غلط معتد به ويترتب على ذلك رد الموفى له ما أخذه بدون حق ، الفصول 68 إلى 76 من ق.ل.ع .

    الفضالة : الفضولي يقوم بعمل يريد به مصلحة الغير دون أن يتعاقد معه فيلتزم بأن يستمر في العمل وبأن يقدم حسبانا عنه ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل الاختياري المشروع الذي قام به

    ويقصد بها أن يباشر شخص أعمال غيره من غير أن يسمح له صراحة بممارستها من قبل صاحب العمل وهي تعتبر تدخلا غير مرخص به ، مثال ذلك أن يكسر شخص باب جاره لإخماد حريق .

    ثانيا : الالتزامات الجرمية أو شبه الجرمية

    الجريمة : هي عمل ضار يأتيه فاعله متعمدا الإضرار بالغير أو يتلف مال غيره متعمدا فينشأ عليه تعويض المال الذي أتلفه . مسؤولية عمدية

    شبه الجريمة : هي عمل يصيب الغير بالضرر كالجريمة ، لكنه يختلف عنها بكونه غير مصحوب بنية الإضرار بالغير بل يأتيه فاعله عن عدم احتياط يلزم بتعويض الضرر الناجم ، كالسياقة بسرعة فائقة . مسؤولية تقصيرية .

    ثالثا : القانون

    قد يكون القانون مصدرا للالتزام فينشئه في حالات معينة كالنفقة ورضاع وحضانة ووصاية وقوامة .

    تجدر الإشارة إلى أن الحق الشخصي أو الإلتزام تعبيران استعرناهما من الفقه الغربي ، أما الفقه الاسلامي فلا يرد فيه هذا التعبير بل يستعمل الشرع الاسلامي لفظ الحق فهي مثلا الحقوق المالية.

    📗 خلاصة الباب

    • ● الالتزام (الحق الشخصي) رابطة قانونية بين دائن ومدين، يلتزم بمقتضاها المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل لفائدة الدائن.
    • ● يتميز الحق الشخصي عن الحق العيني بكونه نسبيا لا يُحتج به إلا على المدين، بخلاف الحق العيني المطلق الذي يُحتج به على الكافة ويخول حق التتبع والأفضلية.
    • ● للحق الشخصي ثلاثة أركان: طرفا الحق (الدائن والمدين)، محل الحق (إعطاء أو عمل أو امتناع عن عمل)، والحماية القانونية الواجبة له.
    • ● تتعدد تقسيمات الالتزام: من حيث المحل (بإعطاء/بعمل/بامتناع)، من حيث القوة (مدني/طبيعي)، من حيث العناية (بتحقيق نتيجة/ببذل عناية)، ومن حيث المصدر وفق الفصل الأول من ق.ل.ع (اتفاقات، إرادة منفردة، أشباه عقود، جرائم وأشباه جرائم، القانون).

  • تمهيد : القانون المدني ومكانة نظرية الالتزام فيه

    📖 نظرية الالتزام — الفصل 2 من 9 — فهرس الكتاب

    تعريف القانون المدني

    هو أبرز فروع القانون الخاص وترجع تسميته إلى القانون الروماني الذي يحكم مواطني مدينة روما وقد كان يشمل قوانين العلاقات الخاصة بين الأفراد .

    مع مرور الزمن انسلخت منه العديد من فروع القانون مثل القانون التجاري والعقاري والبحري والجوي والشغل …

    يعرف القانون المدني بأنه القانون الذي يحكم العلاقات الخاصة سواء بين الأفراد أو بينهم وبين الدولة ، وبذلك يمثل الشريعة العامة لباقي القوانين إذ غالبا ما تستمد منه فروع القانون الأخرى مفاهيم أو قواعد عامة تحكم العلاقات الخاصة فيما بين الأفراد ما لم يحكمها نص قانوني في فرع آخر تأسيسا على قاعدة “الخاص يقيد العام” كما هو الحال للقانون التجاري أو قانون الشغل .

    قواعد القانون المدني تعالج الحقوق الخاصة بين الأفراد كحالة وأهلية الأشخاص، الذمة المالية ، العقود …

    فالقانون بصفة عامة يضع واجبات وحقوقا فيقرر للبعض حقوقا مقابل وضع واجبات على البعض الاخر ، وهو بذلك يختلف عن الأخلاق التي تقتصر على بيان الواجبات دون تقرير الحقوق . فالقانون عبارة عن قواعد ملزمة لسلوك الأشخاص تكون مقرونة بالجزاء من أجل فرض احترامها، تنظم الحقوق والواجبات في المجتمع . ومن هنا تبرز الصلة بين الحق والقانون .

    ولما كان القانون المدني ينطبق على الحياة الفردية للشخص كما ينظمه باعتباره عضوا في الأسرة فقد جرت العادة على تقسيم القانون المدني إلى قسمين :

    1 – قانون الإلتزامات والعقود : وهو ينظم العلاقات المالية للفرد وهي تدخل ضمن نطاق نظرية الإلتزام ، مع العلم أن القانون المدني يضم في مضمونه تنظيم الروابط القانونية وكذلك الحقوق العامة كالحق في الحياة والكرامة والإعتبار .

    بالنسبة للمغرب فإن القانون المدني لا ينظم سوى العلاقات المالية ، حيث أن قانون الأسرة مستقل في مدونة الأسرة وكلاهما يستقى أحكامه من الشريعة الإسلامية وأيضا هناك اقتباس من القانون المدني الفرنسي .

    ومعلوم أن القانون المدني هو قانون الأموال والأشخاص ، فقانون الإلتزامات والعقود ينظم الحقوق المالية فهو يحدد معنى المال وبيان الحقوق المالية المختلفة وأسباب اكتسابها والسلطات التي تكفلها لصاحبها وطرق تداولها وأسباب زوالها إلى غير ذلك ، فقانون

    الإلتزامات والعقود هو الأصل العام للقانون المدني وهو نص أساسي في المنظومة التشريعية الوطنية وقد تأثر بالتطورات السياسية والإقتصادية والاجتماعية التي شهدها المغرب .

    وقد خضع لمجموعة من التعديلات حيث تم تتميمه وتغييره وقد همت بعض المجالات كالتعويض الإتفاقي والديون وبيع العقار في طور الإنجاز ونصاب الشهادة والإثبات بالكتابة واستعمال التكنولوجيا الحديثة في ميدان التعاقد ومن ذلك القانون رقم 44.00 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز والقانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ، ثم صدر بعده القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية الذي نسخ المقتضيات المنظِّمة للتوقيع الإلكتروني في القانون 53.05 واستبدلها ، فجاء بالتمييز بين التوقيع الإلكتروني البسيط والمتقدم والمؤهل ، وبمفهومَي الخاتم الإلكتروني والختم الزمني . وقد صدرت مؤخرا مجموعة من القوانين الجديدة كقانون حماية الملكية الصناعية وقوانين الشركات وقد تضمنت مقتضيات مخالفة لما يتضمنه قانون الإلتزامات والعقود لا سيما فيما يرتبط بمواضيع الأهلية أو عقد العمل .

    2 – قانون الأسرة :

    ويقصد به القواعد القانونية التي تنظم علاقات أفراد الأسرة بوصفهم أعضاء فيها ، تربطهم علاقة النسب والمصاهرة فهو بصفة عامة قانون الأسرة الذي ينظم أحوال أفرادها في مسائل :

    • الزواج : بيان عناصره وشروطه ، ومن يحق له إبرامه ، وحكم تخلف بعض العناصر أو الشروط ، آثار العقد وما يترتب عليه من حقوق وواجبات متبادلة بين الزوجين .

    • الطلاق : من يوقعه والصور التي يتم بها انحلال ميثاق الزوجية وأحكامها ثم العدة وأحكامها

    • الولادة : شروط ثبوت النسب القانوني للأولاد وتنظيم رضاعتهم وحضانتهم والإنفاق

    • الولاية : على الأولاد ورعاية شؤونهم الشخصية والمالية إلى أن يكسبوا القدرة على حماية مصالحهم بأنفسهم ، ثم الولاية على القاصر ثم يحدد الأولياء سواء الذين اكتسبوها عن طريق القرابة أو الوصاية أو التقديم .

    • أموال الشخص بعد وفاته وكيف توزع بتصرفه الإرادي عن طريق الوصية أو بحكم القانون عن طريق الإرث .

    وتعتبر نظرية الإلتزام موضوع هذه الدراسة من الناحية العملية أساس قانون الأعمال والمعاملات اليومية ، كما أن جل العلاقات المالية التي توجد بين الناس هي روابط التزام تخضع للنظرية العامة للإلتزامات ، وهي الإلتزامات التي تتم بمقتضى الإرادة نذكر منها عقود البيع والشراء والإيجار والعمل وغيرها من العقود ، غير أن الفرد قد يرتبط بالتزامات أخرى كالتي تتولد عن المسؤولية غير العقدية كالفعل الضار الذي يلزم صاحبه بالتعويض .

    📗 خلاصة الباب

    • ● القانون المدني فرع من القانون الخاص ينظم العلاقات المالية بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، ويمثل الشريعة العامة لبقية فروع القانون الخاص.
    • ● ينقسم القانون المدني إلى قسمين: قانون الالتزامات والعقود الذي ينظم العلاقات المالية، وقانون الأسرة المستقل في مدونة الأسرة والمستمد من الشريعة الإسلامية.
    • ● خضع قانون الالتزامات والعقود لتعديلات عدة أبرزها بيع العقار في طور الإنجاز والتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية وخدمات الثقة الإلكترونية.
    • ● تُعد نظرية الالتزام أساس قانون الأعمال والمعاملات اليومية، إذ تخضع لها معظم الروابط المالية التي تنشأ بين الأفراد.

  • المحور 20 : الاقالة (393-398)

    📖 نظرية العقد — الفصل 21 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 393 : ” تنقضي الالتزامات التعاقدية، إذا ارتضى المتعاقدان عقب إبرام العقد، التحلل منها وذلك في الحالات التي يجوز فيها الفسخ بمقتضى القانون.”

    الفصل 394 : ” يجوز أن تقع الإقالة ضمنيا، كما هي الحال إذا قام كل من المتعاقدين بعد إبرام البيع بإرجاع ما أخذه من مبيع أو ثمن للآخر.”

    الفصل 395 : ” تخضع الإقالة من حيث صحتها للقواعد العامة المقررة للالتزامات التعاقدية. الأوصياء والمديرون وغيرهم من الأشخاص الذين يعملون باسم غيرهم لا يسوغ لهم أن يتقايلوا إلا في الحالات ووفقا للإجراءات الواجبة للقيام بالتفويتات التي تخولها لهم ولايتهم، وبشرط أن تكون هناك منفعة للأشخاص الذين يعملون باسمهم. “

    الفصل 396 : ” لا أثر للإقالة:

    1 – إذا كان محل العقد شيئا معينا بالذات، وهلك أو تعيب أو حصل له بصنع الإنسان تغير في طبيعته؛

    2 – إذا استحال على المتعاقدين، لأي سبب آخر، أن يرجع أحدهما للثاني ما أخذه منه بالضبط، إلا إذا اتفق المتعاقدان في الحالتين السابقتين على تعويض الفرق”.

    الفصل 397 : ” يترتب على الإقالة عودة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها وقت إبرام العقد. ويجب على المتعاقدين أن يرجع كل منهما للآخر ما أخذه منه بمقتضى الالتزام الذي وقعت فيه الإقالة. كل تعديل يجرى على العقد الأصلي يفسد الإقالة ويحولها إلى عقد جديد.”

    الفصل 398 : ” الإقالة الاختيارية لا تضر بالغير الذي اكتسب بوجه صحيح حقوقا على الأشياء التي هي محل الإقالة.”

    مفهوم الاقالة

    الإقالة وليدة التقاء الإرادتين وتطابقهما على رفع العقد السابق بين المتعاقدين، وهي ترد على العقد الصحيح الخالي من الخيار، ودون الإخلال بالالتزامات الناشئة عن العقد أو وجود عيب، إذ أنها تستمد مشروعيتها من سماحة الدين ويسر تعاليمه، وسببها ندم المتعاقدين أو أحدهما على الصفقة المبرمة بينهما ويغلفها الرضا الكامل بين المتعاقدين، إذ يترتب عليها رجوع كل من العوضين لصاحبه، فالعقد باعتباره أكثر المصادر الإرادية أهمية وترتيبا في إنشاء الالتزامات ، قد يرد عليه انحلال الرابطة العقدية بين المتعاقدين، سواءً بطريق البطلان أو الإبطال أو الفسخ أو الاقالة، والإقالة عقد جديد يُرفع به عقد سابق.

    جاء في الفصل 395 ق.ل.ع: ” تخضع الإقالة من حيث صحتها للقواعد العامة المقررة للالتزامات التعاقدية. الأوصياء والمديرون وغيرهم من الأشخاص الذين يعملون باسم غيرهم لا يسوغ لهم أن يتقايلوا إلا في الحالات ووفقا للإجراءات الواجبة للقيام بالتفويتات التي تخولها لهم ولايتهم، وبشرط أن تكون هناك منفعة للأشخاص الذين يعملون باسمهم.”

    المشرع تحدث عن الاقالة الاختيارية او التقايل في الفصل 393 وما يليه ، واعتبره اتفاق المتعاقدين على التحلل من الالتزامات التعاقدية الناشئة عن العقد بعد إبرامه ، فهي بذلك أي الاقالة عبارة عن عقد جديد يزيل كل اثار العقد المقال عنه. وهذا ما تقرر فى صريح الفصل 393 من قانون الالتزامات والعقود حيث جاء فيها ” تنقضي الالتزامات التعاقدية، إذا ارتضى المتعاقدان عقب إبرام العقد، التحلل منها وذلك في الحالات التي يجوز فيها الفسخ بمقتضى القانون”.

    فالعقد حسب هذه المادة ينشأ بالتراضي ، و يعمل الأطراف على فسخه بالتراضي ، فلا ضير ، لأن العقد شريعتهم سواء عند النشأة أو عند الفسخ . ولا قيد عليهم إلا في النصوص القانونية التي تمنع الفسخ بالتراضي في بعض الحالات، كما في بيوع المزاد والأصول التجارية، وفي الشياع بعد الشفعة.

    فالأصل هو قوة الإرادة في إنشاء العقود والاشتراط فيها وتعديلها وفسخها، جاء في الفصل 19 ق.ل.ع : ” لا يتم الاتفاق إلا بتراضي الطرفين على العناصر الأساسية للالتزام وعلى باقي الشروط المشروعة الأخرى التي يعتبرها الطرفان أساسية. والتعديلات التي يجريها الطرفان بإرادتهما على الاتفاق فور إبرامه ، لا تعتبر جزءا من الاتفاق الأصلي وذلك مالم يصرح بخلافه”.

    والوكالة أيضا تنقضي بدورها بالإقالة الاختيارية، حين يتراضى الموكل والوكيل على فسخها بعد انعقادها لسبب طارئ أو ندم. والوكالة تشمل التزامات متبادلة بين الطرفين ولو كانت بالمجان، بالنظر إلى الالتزامات الأخرى التي على الموكل مقابل التزامات الوكيل كما تقدم في خصائص الوكالة. وبالإقالة تنفسخ الوكالة ويرد كل طرف للآخر ما سبق أن تسلمه منه، ولا يقتصر الفسخ على رد رسم الوكالة، وإنما على إبرام عقد بالفسخ عن الأصول والإشهاد بالمطابقة وقوتها الثبوتية، جاء في الفصل 440 ق.ل.ع : ” النسخ المأخوذة عن أصول الوثائق الرسمية والوثائق العرفية لها نفس قوة الإثبات التي لأصولها، إذا شهد بمطابقتها لها الموظفون الرسميون المختصون بذلك في البلاد التي أخذت فيها النسخ. ويسري نفس الحكم على النسخ المأخوذة عن الأصول بالتصوير الفوتوغرافي.”.

    لكن رد الرسم الاصلي للوكالة إقالة ضمنية بمقتضى الفصل 394 ق.ل.ع ومثلما أجاز القانون انعقاد الوكالة ضمنيا تبعا للفصل 883 ق.ل.ع ، فإن فسخها بالمقابل يصحح ضمنيا، والأصل في المعاملات أن تنشأ وتنفذ بحسن نية، كذلك عند إقدام الموكل بنفسه على بيع العقار موضوع الوكالة، فالبيع إلغاء ضمني للوكالة، شرط تبليغ الوكيل وألا يسبق إلى البيع.

    تمييز الاقالة عن الانظمة القانونية المشابهة كالفسخ والانفساخ والتفاسخ

    الفسخ نظام قانوني مؤداه أن أحد العاقدين، في العقود الملزمة للجانبين، يُخلّ بالتزامه، فيمنح القانون للمتعاقد الآخر الخيار بين أن يتمسك بالعقد ويلزم غريمه على الوفاء بالتزاماته وبين أن يلجأ إلى فسخ العقد حتى يتخلص من التزاماته. والأصل أن الفسخ يتم بحكم قضائي بناء على طلب الدائن، شريطة توافر شروطه . كما أن للقاضي أن يُنظِر المدين إلى ميسرة، بأن يمنحه أجلاً للوفاء بالتزامه، وله أن يرفض الفسخ كله على الرغم من توافر شروطه في الحال التي يرى فيها أن مالم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى التزاماته في جملتها. وأما انفساخ العقد فهو نظام قانوني مؤداه أن يصبح بعد قيام العقد، تنفيذ التزام أحد طرفيه مستحيلاً استحالة موضوعية مطلقة لسبب لا يُعزى إليه، على أنه قوة قاهرة أو من فعل الغير لا دخل للأطراف فيه ، فينقضي هذا الالتزام لاستحالة محله، وينقضي الالتزام المقابل له لزوال سببه، فيفرغ العقد من مضمونه، فيزول، أي إنه ينفسخ تلقائيا .

    أما التفاسخ أو التقابل أو الإقالة، وهو موضوعنا ، فهو نظام قانوني مؤداه إزالة العقد بعد قيامه صحيحا باتفاق من العاقدين عليه. فإذا كان ممنوعا على أي من طرفي العقد أن ينقضه أو يغير من أحكامه بإرادته المنفردة بناء على مبدأ القوة الملزمة للعقد ، فإن ذلك يصبح ممكنا بناء على الإرادة المشتركة للعاقدين كليهما، فهذه الإرادة المشتركة هي التي تنشئ العقد، وما تنشئه تستطيع أن تزيله.

    وإذا كانت التشريعات لا تفرق بين الاقالة والتفاسخ ، لأن كليهما يتم بناء على تراضي طرفي العقد ، فإن بعض الفقه يرى بأن التفاسخ أعمُّ من الإقالة ، ذلك أن الاقالة تتم بناء على طلب أحد المتعاقدين غير المسرورين بآثار العقد ، بينما التفاسخ قد يتم إما بإقالة أحد طرفي العقد للطرف الاخر وإما بصفة منفردة كما هو الحال في عقود المضاربة ، حيث يجوز لكلا الطرفين المالك لراس المال أو المتاجر في هذا المال فسخ العقد .

    شروط الاقالة

    الاقالة عقد و لذلك فهي تخضع للشروط العامة المتطلبة فى العقود ، جاء فى الفصل 396 ” تخضع الإقالة من حيث صحتها للقواعد العامة المقررة للالتزامات التعاقدية. الأوصياء والمديرون وغيرهم من الأشخاص الذين يعملون باسم غيرهم لا يسوغ لهم أن يتقابلوا إلا في الحالات ووفقا للإجراءات الواجبة للقيام بالتفويتات التي تخولها لهم ولايتهم، وبشرط أن تكون هناك منفعة للأشخاص الذين يعملون باسمهم”، غير ان نفس الفصل يعرض في فقرته الثانية لحالة خاصة وهي حالة الاقالة التي تقع من النائب الشرعي فيشترط لصحتها :

    •ان تجرى الاقالة في الحدود التي تخولها له النيابة وفق الاجراءات الواجبة للقيام بالتفويتات.

    •ان تتحقق المنفعة بين المتعاقدين عنها بالنسبة للغير.

    صور الاقالة

    الاقالة إما أن تأتي صريحة أو ضمنية ، فالإقالة الصريحة تكون عندما يبرم بين المتعاقدين اتفاق لاحق للعقد يصرحان فيه باقالتهما للعقد وتقايلهما كما فى الحالة التى يتفق فيها البائع والمشترى على اقالة عقد البيع الذى أبرماه سابقا ، مما يفرغه من المضمون ويزيل عنه الأثر ، كما تأتي الاقالة ضمنية عندما لا يعبر عن التقايل صراحة و انما يستفاد من ظروف الحال وموقف الطرفين وممارساتهما بعد نشأة العقد ، والتى توصل الى استنتاج ارادة المتعاقدين ، وحسب الفصل 394 من ق ل ع ” يجوز أن تقع الإقالة ضمنيا، كما هي الحال إذا أقام كل من المتعاقدين بعد إبرام البيع بإرجاع ما أخذه من مبيع أو ثمن للآخر”

    آثار الاقالة

    جاء في الفصل 397 ق.ل.ع : “يترتب على الإقالة عودة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها وقت إبرام العقد. ويجب على المتعاقدين أن يرجع كل منهما للأخر ما أخده منه بمقتضى الالتزام الذي وقعت فيه الإقالة”. ، أما الفصل 398 ق.ل.ع فقد ورد فيه : ” الإقالة الاختيارية لا تضر بالغير الذي اكتسب بوجه صحيح حقوقا على الأشياء التي هي محل الإقالة”.

    بالنسبة للمتعاقدين

    يترتب عن الاقالة ان يعود كل متعاقد الى الحالة التي كان عليها قبل ابرام العقد ، فيرجع كل منهما للآخر ما أخذه منه بمقتضى الالتزام الذي وقعت فيه الإقالة، فيعاد العاقدان الى الحالة التي كانا عليها عند التعاقد بأثر رجعي و تطبق جميع آثار الفسخ، وكل تعديل يجرى على العقد الأصلي يفسد الإقالة ويحولها إلى عقد جديد.

    بالنسبة لغير المتعاقدين

    لا يترتب عن الاقالة أي اثر لغير المتعاقد ، لأنه غريب عن العقد فاذا ترتب له الحق على الاشياء التي هي محل الاقالة فانه لا يضار بالإقالة ، فلو ترتب للغير مثلا حق عيني على العقار المبيع في الفترة الفاصلة بين ابرام عقد البيع و اقالته كرهن او امتياز فان حقوق هذا الغير لا تتأثر بالإقالة ، فيعود العقار الى البائع مثقلا بالرهن او الامتياز و هذا ما اكد عليه الفصل 398 بقوله ” الإقالة الاختيارية لا تضر بالغير الذي اكتسب بوجه صحيح حقوقا على الأشياء التي هي محل الإقالة ” .

    هكذا يزول العقد بالنسبة لغير المتعاقدين بالنسبة للمستقبل فقط دون الماضي، اذ ليس للإقالة بالنسبة اليهم أثر رجعي، وذلك حماية للغير حتى لا تكون الاقالة ذريعة للعبث بمصالحهم.

    ويترتب على ذلك نتيجتين :

    • تثبت في الاقالة الشفعة إذا كان المبيع عقاراً توفرت فيه شروط الشفعة.
    • تبقى الحقوق التي رتبها المشتري على المبيع قبل الإقالة ولا تزول.

    نشير إلى أن الفصل 396 ق.ل.ع نص غلى أنه لا أثر للإقالة:

    • إذا كان محل العقد شيئا معينا بالذات، وهلك أو تعيب أو حصل له بصنع الإنسان تغير في طبيعته؛
    • إذا استحال على المتعاقدين، لأي سبب آخر، أن يرجع أحدهما للثاني ما أخذه منه بالضبط، إلا إذا اتفق المتعاقدان في الحالتين السابقتين على تعويض الفرق “.

    أما الإقالة من الوكالة ومن غيرها من العقود، فهي تقضي بالطبع إرجاع الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، وكأنه لا توكيل أو أن التوكيل لم يكن من قبل، فالإقالة تفسخ الوكالة وتفرق بين الموكل والتوكيل وتسترجع الإرادة الأصلية سلطانها بالكامل، وهو ما يقتضي بأن يرد كل طرف ما سبق أن تسلمه منه، فالوكيل يرد رسم التوكيل الأصلي والوثائق والسندات والوصولات والتصاميم وغيرها مما يكون قد تسلمه من الموكل، والموكل بدوره يرد إلى الوكيل جميع الوثائق والأشياء التي يكون قد تسلمها منه على وجه الضمان.

    بالتوفيق

    📗 خلاصة الباب

    • الإقالة عقد جديد يتراضى بموجبه المتعاقدان على رفع عقد سابق صحيح خالٍ من أي عيب، وتُعيد الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد (الفصل 397).
    • تخضع لذات القواعد العامة للالتزامات التعاقدية، ولا يجوز للأوصياء والمديرين إجراؤها إلا في حدود ولايتهم وبشرط تحقق منفعة للأصيل (الفصل 395).
    • لا أثر لها إذا هلك محل العقد أو تغيرت طبيعته، أو استحال رد كل طرف لما أخذه بالضبط، إلا أن يتفق الطرفان على تعويض الفرق (الفصل 396).
    • الإقالة الاختيارية لا تضر بحقوق الغير حسن النية المكتسبة على الأشياء محل الإقالة (الفصل 398)، وتمتنع في حالات خاصة كالبيع بالمزاد والشياع بعد الشفعة.

  • المحور 19 : الفسخ ( 254-269)

    📖 نظرية العقد — الفصل 20 من 21 — فهرس الكتاب

    عدم تنفيذ العقد يرجع الى المدين، وفي هذه الحالة يكون للدائن خياران، المطالبة بتنفيذ العقد أو الفسخ، فعدم تنفيذ المدين لالتزاماته التعاقدية يعطي للطرف الدائن في العقد إمكانية التحلل من الرابطة العقدية، و يكون ذلك باللجوء إلى استعمال حق طلب الفسخ ليتخلص من الالتزامات التي يفرضها عليه العقد، غير أنه للدائن قبل استعماله للفسخ، الحق في أن يطالب بالتنفيذ العيني للإلتزام إذا كانت مصلحته تقتضي ذلك، بما أن القانون قد منحه حق الخيار بين التنفيذ و الفسخ، ذلك أن التنفيذ هو الأصل في إبرام العقود، بينما الفسخ هو إجراء احتياطي يتم اللجوء إليه في حالة عدم تنفيذ العقد.

    ومناط الفسخ هو حل العقد كنتيجة لعدم تنفيذه، ومن ثم فانه يختلف عن الجزاءات المدنية الأخرى التي ترتبط بمرحلة تكوين العقد كالإبطال و البطلان ، وكذا عن المسؤولية العقدية التي تعد بمثابة أثر من الآثار التي تتمخض عن الإخلال بالالتزامات العقدية بصورة عامة، وإذا كان الدفع بعدم التنفيذ يشكل وسيلة دفاعية قوامها حمل المدين على الوفاء بالتزاماته، فان الفسخ بمختلف أنواعه يعد طريقا هجوميا الغرض منه هو حل العلاقة التعاقدية لامتناع أحد المتعاقدين عن التنفيذ، و إعادة أطرافها إلى الحالة التي كانت عليها قبل التعاقد.

    التمييز بين الفسخ و المسؤولية العقدية

    هناك تشابه بين الفسخ والمسؤولية العقدية، فكلاهما جزاء لعدم قيام المدين بتنفيذ التزامه العقدي، فإذا كان العقد ملزما للجانبين جاز للدائن أن يطلب استبقاء العقد و المطالبة بتنفيذه عن طريق التعويض، و هذه هي المسؤولية العقدية .

    على أنه إذا صح لأحد المتعاقدين أن يحاسب الآخر على عدم القيام بالتزاماته إما من طريق الفسخ و إما من طريق المسؤولية العقدية، فقد يتفق أن يكون عدم قيام المدين بالتزامه راجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه، فتنتفي هنا مسؤوليته العقدية، و لكن حق يبقى الفسخ قائما، بل إن العقد في هذه الحالة ينفسخ بحكم القانون .

    التمييز بين الفسخ و البطلان

    إذا ما رأينا الأثر المترتب عن كل من البطلان و الفسخ، يتضح أنهما يتفقان في الآثار المترتبة عن كل منهما، و المتمثل في انعدام الرابطة التعاقدية، بل إن زوال العقد الباطل و العقد القابل للفسخ يتم بأثر رجعي، إلا أننا نميز بين هذين النظامين:

    من حيث الجزاء : فالبطلان جزاء قانوني، نتيجة عدم توفر أحد أركان العقد في حين أن الفسخ هو جزاء عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته المحددة في العقد.

    من حيث النطاق: إذا كان البطلان يشمل العقود الملزمة لجانب واحد أو الملزمة لجانبين فإن جزاء الفسخ لا يمكن المطالبة به إلا في نطاق العقود الملزمة للجانبين .

    من حيث تقريرهما : البطلان يتقرر بقوة القانون كما هو الشأن في الحالتين المنصوص عليهما في الفصل 306 من ق ل ع، أما الفسخ فهو لا يتقرر إلا بحكم المحكمة أي أن الحكم القضائي هو المنشئ للفسخ.

    أنواع الفسخ :

    الفسخ قد يكون قضائيا أو قانونيا أو اتفاقيا .

    أولا : الفسخ القضائي

    هو القاعدة الأساس في مجال انحلال العقود، ذلك أن معظم حالات الفسخ تتم عن طريق القضاء، وقد نص عليه ق ل ع في الفصل 259 بقوله : ” إذا كان المدين في حالة مَطْـل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام، مادام تنفيذه ممكنا. فإن لم يكن ممكنا جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد، وله الحق في التعويض في الحالتين. إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن إلا في جزء منه، جاز للدائن أن يطلب إما تنفيذ العقد بالنسبة إلى الجزء الذي مازال ممكنا، وإما فسخه وذلك مع التعويض في الحالتين. وعلاوة على ذلك تطبق القواعد المقررة في الأبواب المتعلقة بالعقود الخاصة. لا يقع فسخ العقد بقوة القانون، وإنما يجب أن تحكم به المحكمة.”

    ثانيا : الفسخ القانوني

    أو ما يسمى بـ “الانفساخ”، فلا يتقرر إلا عند استحالة تنفيذ الالتزام بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه كالقوة القاهرة أو خطإ الدائن أو الغير، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الفصل 659 من ق ل ع : ” إذا هلكت العين المكتراة أو تعيبت أو تغيرت كليا أو جزئيا بحيث أصبحت غير صالحة للاستعمال في الغرض الذي اكتريت من أجله، وذلك دون خطأ أي واحد من المتعاقدين، فإن عقد الكراء ينفسخ، من غير أن يكون لأحدهما على الآخر أي حق في التعويض، ولا يلزم المكتري من الكراء إلا بقدر انتفاعه. وكل شرط يخالف ذلك يكون عديم الأثر.”

    مما يعني أن المدين يقع عليه اثبات هذا السبب الاجنبي وإلا بقي ملزما بالعقد مع ما يمكن أن يترتب عليه من التعويض.

    ثالثا : الفسخ الاتفاقي

    كما تدل عليه تسميته يتقرر باتفاق الأطراف على ادراج شرط فاسخ صريح في العقد، ذلك الاتفاق الذي ألمح إليه المشرع في الفصل 259 : ” إذا كان المدين في حالة مَطْـل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام، مادام تنفيذه ممكنا. فإن لم يكن ممكنا جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد، وله الحق في التعويض في الحالتين. إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن إلا في جزء منه، جاز للدائن أن يطلب إما تنفيذ العقد بالنسبة إلى الجزء الذي مازال ممكنا، وإما فسخه وذلك مع التعويض في الحالتين. وعلاوة على ذلك تطبق القواعد المقررة في الأبواب المتعلقة بالعقود الخاصة. لا يقع فسخ العقد بقوة القانون، وإنما يجب أن تحكم به المحكمة.”

    كما جاء في الفصل 260 من ق ل ع بقوله ” إذا اتفق المتعاقدان على أن العقد يفسخ عند عدم وفاء أحدهما بالتزاماته وقع الفسخ بقوة القانون، بمجرد عدم الوفاء”.

    شروط الفسخ

    هناك شروط ثلاثة يجب توافرها حتى يثبت للدائن حق المطالبة بفسخ العقد :

    الشرط الأول : أن يكون العقد ملزما للجانبين

    فمجال الفسخ ينحصر في العقود التبادلية بما فيها العقود الملزمة لجانب واحد إذا كانت بمقابل كعقد القرض والعارية والهبة بمقابل، والفقه يجيز فسخ هذه العقود نظرا لكونها عقود تبادلية في حقيقتها، بمعنى أن الارادة المنفردة والعقود الملزمة لجانب واحد لا يمكنها أن تكون قابلة للفسخ ما دام أن الدائن في هذه العقود لا يتحمل بأي التزام مقابل مما يؤدي الى انتفاء مصلحته بالفسخ.

    الشرط الثاني : وهو شرط موضوعي يتمثل في عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته

    لا فرق بين أن يكون عدم التنفيذ كليا أو جزئيا أو لمجرد التأخير في التنفيذ، بمعنى أن عدم تنفيذ العقد يجب أن يرجع إلى المدين لا إلى سبب أجنبي كالقوة القاهرة فنكون هنا أمام حالة انفساخ لا فسخ للعقد، فلا يكون من الضروري الرجوع الى القضاء مادام أن عدم التنفيذ راجع الى سبب أجنبي.

    الشرط الثالث : كون المتعاقد الآخر الذي يطلب الفسخ مستعد للقيام بتنفيذ التزامه من جهة

    أي أنه قادر على إعادة الحال إلى أصلها إذا حكم بالفسخ، فالمقصر في تنفيذ العقد لا يمكنه المطالبة بفسخه.

    الشرط الرابع : التقيد بالإنذار لتحقق المطل

    وهو شرط شكلي يشترط قبل رفع دعوى المطالبة بالفسخ أن تكون هذه الدعوى مسبوقة بإعذار المدين بهدف إثبات تقصيره في الوفاء بالتزاماته التعاقدية، طبقا للفصل 255 الذي نص على أنه : ” يصبح المدين في حالة مَطْـل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للالتزام. فإن لم يعين للالتزام أجل، لم يعتبر المدين في حالة مَطْـل، إلا بعد أن يوجه إليه أو إلى نائبه القانوني إنذار صريح بوفاء الدين، ويجب أن يتضمن هذا الإنذار: 1 – طلبا موجها إلى المدين بتنفيذ التزامه في أجل معقول؛ 2 – تصريحا بأنه إذا انقضى هذا الأجل فإن الدائن يكون حرا في أن يتخذ ما يراه مناسبا إزاء المدين. ويجب أن يحصل هذا الإنذار كتابة، ويسوغ أن يحصل ولو ببرقية أو برسالة مضمونة أو بالمطالبة القضائية ولو رفعت إلى قاض غير مختص.”

    لكن هناك استثناءات نص عليها الفصل 256 : ” لا يكون الإنذار من الدائن واجبا : 1 – إذا رفض المدين صراحة تنفيذ التزامه؛ 2 – إذا أصبح التنفيذ مستحيلا.”

    آثــــــار الفســــــخ

    إذا كان الفسخ الاتفاقي يحصل بتراضي الأطراف عليه، فإنه مع ذلك لا يغني عن رفع دعوى الفسخ و لا عن توجيه إنذار للمدين، الشيء الذي يميزه عن الانفساخ الذي يثبت بكيفية تلقائية و دون رفع دعوى أمام القضاء، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فإذا تقرر الفسخ القضائي أو الفسخ القانوني، فإن العلاقة التعاقدية تنحل تبعا لذلك، مما ترتب عليه إعادة الأطراف إلى وضعية ما قبل التعاقد إن كان ذلك ممكنا، و إلا فإن للمحكمة استنادا إلى ما تتمتع به من سلطة تقديرية أن تحكم بالتعويض أو باستبدال الشيء محل التعاقد بآخر إن كان له ما يقابله في السوق، بيد أن إعمال مثل هذا الأثر يصعب تصوره بالنسبة لعقود المدة أو العقود الزمنية أو العقود المستمرة التي تستمر في إنتاج آثارها على وجه الاستمرارية.

    وفي الإجمال فإن آثار الفسخ مثلما تنسحب إلى المتعاقدين فإنها تشمل أيضا الغير مع مراعاة مبدآ عدم المساس بالحقوق التي اكتسبها الغير حسن النية خصوصا في العقارات المحفظة ف66 من ظ ت ع، والمنقول ف456 من ق ل ع .

    📗 خلاصة الباب

    • الفسخ جزاء عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه في العقود الملزمة للجانبين، ويمنح الدائن خياراً بين المطالبة بالتنفيذ العيني أو طلب الفسخ مع التعويض (الفصل 259).
    • يختلف عن البطلان في أنه لا يمس تكوين العقد بل تنفيذه، ولا يتقرر إلا بحكم قضائي منشئ (باستثناء الشرط الفاسخ الصريح، الفصل 260).
    • شروطه أربعة: عقد ملزم للجانبين، عدم تنفيذ راجع للمدين لا لسبب أجنبي، استعداد طالب الفسخ لتنفيذ التزامه، وتوجيه إنذار مسبق للمدين (الفصل 255) إلا في حالات الاستثناء (الفصل 256).
    • الفسخ ثلاثة أنواع: قضائي (الأصل)، قانوني أو انفساخ (عند استحالة التنفيذ بسبب أجنبي)، واتفاقي (بشرط فاسخ صريح يوقع الفسخ بقوة القانون فور عدم الوفاء).

  • المحور 18 : الإبطال 311-318

    📖 نظرية العقد — الفصل 19 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 311 : ” يكون لدعوى الإبطال محل في الحالات المنصوص عليها في الفصول 4 و39 و55 و56 من هذا الظهير، وفي الحالات الأخرى التي يحددها القانون، وتتقادم هذه الدعوى بسنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلا مخالفا. ولا يكون لهذا التقادم محل إلا بين من كانوا أطرافا في العقد.”

    الفصل 312 : ” لا يبدأ سريان مدة التقادم المذكورة في حالة الإكراه إلا من يوم زواله ولا في حالة الغلط والتدليس إلا من يوم اكتشافهما. أما بالنسبة إلى التصرفات المبرمة من القاصرين فمن يوم بلوغهم سن الرشد، وبالنسبة إلى التصرفات المبرمة من المحجر عليهم وناقصي الأهلية فمن يوم رفع الحَجْر عنهم، أو من يوم وفاتهم فيما يتعلق بورثتهم إذا مات ناقصو الأهلية وهم على هذه الحالة. وفي حالة الغَبْن المتعلق بالراشدين فمن يوم وضع اليد على الشيء محل العقد.”

    الفصل 313 : ” تنتقل دعوى الإبطال إلى الورثة فيما بقي لموروثهم من مدتها. مع مراعاة الأحكام المتعلقة بانقطاع التقادم أو بوقفه.”

    الفصل 314 : ” تنقضي دعوى الإبطال بالتقادم في جميع الحالات بمرور خمس عشرة سنة من تاريخ العقد.”

    الفصل 315 : ” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال. ولا يخضع هذا الدفع للتقادم المقرر في الفصول 311 إلى 314 السابقة.”

    الفصل 316 : ” يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يرد للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله. وتطبق بشأن الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسني النية الأحكام الخاصة المقررة لمختلف العقود المسماة.”

    الفصل 317 : ” الالتزام الذي يخول القانون دعوى إبطاله لا تصح إجازته ولا التصديق عليه إلا إذا تضمن بيان جوهر الالتزام والإشارة إلى سبب قابليته للإبطال والتصريح بالرغبة في إصلاح العيب الذي كان من شأنه أن يؤدي إلى الإبطال.”

    الفصل 318 : ” إذا لم تحصل الإجازة أو التصديق صراحة، يكفي أن ينفذ طوعا كليا أو جزئيا الالتزام القابل للإبطال ممن كان على بينة من عيوبه، بعد الوقت الذي كان يمكن له فيه إجازته أو التصديق عليه بوجه صحيح. الإجازة أو الاعتراف أو التنفيذ الاختياري إذا وقعت في الشكل والوقت اللذين يحددهما القانون يترتب عليها التنازل عن الوسائل والدفوع التي كان من الممكن التمسك بها ضد الالتزام القابل للإبطال. أما بالنسبة إلى الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسني النية قبل التصديق أو التنفيذ فتطبق القاعدة المقررة في آخر الفصل 316.”

    العقد الباطل كما سبق أن رأينا معدوم اعتبارا وغير منتج لأي أثر قانوني إلا في حالات استثنائية، فخصائص البطلان كلها متفرعة عن فكرة المعدومية كعدم قابلية العقد الباطل للإجازة أو الاقرار وعدم حاجته للإبطال وعدم انقلابه صحيحا بالتقادم، أما العقد القابل للإبطال فهو عقد منعقد ومنتج لكافة آثاره القانونية لكنه عرضة للإبطال لـعلة جعلته كذلك قانونا، فمن الطبيعي والحالة هذه أن يكون لقابلية الابطال خصائص يستلزمها قيام العقد بعكس خصائص البطلان التي تستلزمها المعدومية، فالإبطال يشترك مع البطلان في بعض الخصائص ويتميز عنه بخصائص أخرى.

    الفصل 311 عرض لحالات الابطال وقال بأنها المنصوص عليها في الفصول 4 و 39 و 55 و 56 ، وسنعرض لهذه الفصول.

    الفصل 4 : ” إذا تعاقد القاصر وناقص الأهلية بغير إذن الأب أو الوصي أو المقدم فإنهما لا يلزمان بالتعهدات التي يبرمانها ولهما أن يطلبا إبطالها وفقا للشروط المقررة بمقتضى هذا الظهير .غير أنه يجوز تصحيح الالتزامات الناشئة عن تعهدات القاصر أو ناقص الأهلية، إذا وافق الأب أو الوصي أو المقدم على تصرف القاصر أو ناقص الأهلية ويجب أن تصدر الموافقة على الشكل الذي يقتضيه القانون”.

    الفصل 39 : ” يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط، أو الناتج عن تدليس، أو المنتزع بإكراه.”

    الفصل 55 : ” الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعد.”

    الفصل 56 : ” الغَبْن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقا للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر. ويعتبر غَبْنا كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء.”

    حالات الابطال

    العقد القابل للإبطال يشوبه نقص في الاهلية إما لعامل السن وإما لعامل السفه كتبذير المال وقد يشوبه عيب من عيوب الارادة وقد ينص القانون على إبطاله .

    نقصان أهلية أحد المتعاقدين :

    حسب الفصل 4 ” إذا تعاقد القاصر وناقص الأهلية بغير إذن الأب أو الوصي أو المقدم فإنهما لا يلزمان بالتعهدات التي يبرمانها، ولهما أن يطلبا إبطالها وفقا للشروط المقررة بمقتضى هذا الظهير .غير أنه يجوز تصحيح الالتزامات الناشئة عن تعهدات القاصر أو ناقص الأهلية، إذا وافق الأب أو الوصي أو المقدم على تصرف القاصر أو ناقص الأهلية. ويجب أن تصدر الموافقة على الشكل الذي يقتضيه القانون.” فإذا أقدم الغير المميز أو المحجور عليه لسفه أو جنون على بيع عقار دون الحصول على الاذن الذي يتطلبه القانون فإن هذا البيع يقع معيبا لنقص أهلية البائع ويكون بذلك قابلا للإبطال.

    الابطال لعيب من عيوب الرضى :

    جاء في الفصل 39 : ” يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط، أو الناتج عن تدليس، أو المنتزع بإكراه.” كما جاء في الفصل 55 : ” الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعد.”

    الابطال بمقتضى نص قانوني :

    مثال ذلك ما قرره القانون لصالح المالك في حقه في إبطال عقد لم يجزه في حالة بيع ملك الغير، وأيضا في حالة الابطال المبنية على مرض أو الحالات الاخرى المشابهة التي ترك القانون تقديرها للقاضي، وكذلك ما جاء في الفصل 878 الذي نص على أنه يجوز إبطال الشروط التعسفية في عقد القرض وإرجاع الفوائد إلى الحد المعقول.

    يمكن الحديث أيضا عن حالة بيع ملك الغير الواردة في الفصل 485 الذي جاء فيه : ” بيع ملك الغير يقع صحيحا: 1 – إذا أقره المالك؛ 2 – إذا كسب البائع فيما بعد ملكية الشيء. وإذا رفض المالك الإقرار، كان للمشتري أن يطلب فسخ البيع. وزيادة على ذلك، يلتزم البائع بالتعويض، إذا كان المشتري يجهل، عند البيع أن الشيء مملوك للغير. ولا يجوز إطلاقا للبائع أن يتمسك ببطلان البيع بحجة أن الشيء مملوك للغير.”

    نفس المقتضى في الفصل 1085 الذي نص على أنه : ” لدائني الشركة، ولدائني كل من المتقاسمين إن كان معسرا، أن يتعرضوا لإجراء القسمة عينا أو بطريق التصفية بدون حضورهم، ولهم أن يتدخلوا فيها على نفقتهم، كما أن لهم أن يطلبوا إبطال القسمة التي أجريت برغم تعرضهم.”

    من له الحق في إثارة الابطال

    المصلحة التي يحميها الابطال مصلحة خاصة بخلاف البطلان الذي له علاقة بالنظام العام، وعليه فالإبطال يكون من نصيب من تقرر الابطال لمصلحته، وعليه فلو تقرر الابطال لقاصر كان للقاصر أو وليه إثارته، ولو تعلق الامر بعيب من عيوب الارادة فإن الابطال يتقرر لمصلحة من عيبت إرادته، أما الطرف الاخر فليس من حقه تحريك دعوى الابطال، كما أن حق الابطال يتقرر للورثة في حال وفاة من تقرر الابطال لمصلحته وفق ما جاء في الفصل 313 ، شريطة أن يتم تحريك دعوى الابطال داخل أجل التقادم الذي يحدده القانون.

    خصائص الابطال التي يشترك فيها مع البطلان

    أولا : إبطال جزء من العقد يبطل العقد في مجموعه ما لم يكن العقد قابلا للبقاء دون الجزء الذي تقرر إبطاله

    فلو أراد شخص شراء شيء وأقنعه البائع بطريق التدليس أن يشتري معه شيئا آخر فاشتراهما صفقة واحدة وبثمن واحد للشيئين معا فإن الصفقة تبطل في مجموعها إذا ما طعن المشتري في البيع بالتدليس، أما إذا كان الشراء بثمن خاص لكل من الشيئين فإن الابطال يبقى محصورا في الشيء الذي وقع التدليس فيه.

    ثانيا : إبطال الالتزام الاصلي يقتضي إبطال الالتزام التابع وليس العكس

    ورد ذكر التفاصيل في البطلان، وعليه فإذا تقرر إبطال الالتزام الاصلي لنقص في الاهلية أو لعيب من عيوب الرضى فإن ما يتبعه من التزامات تابعة ناشئة كالكفالة أو الرهن يشملها الابطال أيضا، أما إذا تقرر إبطال الرهن أو الكفالة فذلك لا يعني بالضرورة إبطال الالتزام الاصلي.

    الخصائص التي ينفرد بها الابطال عن البطلان

    أولا : العقد القابل للإبطال يحتاج إبطاله إلى حكم قضائي

    فهو ليس باطلا بقوة القانون، بل هو منعقد ومنتج لكافة آثاره، وإبطاله يتوقف على ثبوت سبب مقنع أمام القضاء، فالحكم بإبطاله يكون مُنشأ وضعا قانونيا جديدا لا معلنا عن وضع قانوني سابق كما في البطلان .

    ثانيا : ليس لغير المتعاقد الذي قُرر الابطال لمصلحته أن يتمسك بالإبطال ولا يجوز للمحكمة أن تقضي بالإبطال من تلقاء نفسها

    فناقص الاهلية وحده من يجوز له التمسك بالإبطال، نفس الامر لمن عِيبت إرادته، وينتقل هذا الحق للورثة مع احترام مدة التقادم سنة في مجموعها ما لم يكن سبب قاطع أو واقف فيراعى ذلك، أما الدائنون والمتعاقدون الاخرون فليس لهم ممارسة دعوى الابطال بخلاف الوضع في البطلان حيث يجوز لكل ذي مصلحة التمسك به، كما أن المحكمة لا يجوز لها أن تقضي به من تلقاء نفسها كما هو الحال في البطلان لأن الابطال لا يتعلق بالنظام العام .

    ثالثا : العقد القابل للإبطال يقبل الاجازة والاقرار

    الاجازة بمثابة انقاذ للعقد من الابطال، فالعقد المهدد بالإبطال يمكن تصحيحه وتطهيره من العيب الذي يشوبه عن طريق الاجازة، والاجازة هي الرضى ببقاء العقد واستقراره نهائيا ممن له الحق في إبطاله، أو بعبارة أخرى هي التنازل عن حق الابطال من صاحب هذا الحق، أما إقرار العقد فهو رضى شخص ثالث بأن تسري عليه أحكام هذا العقد رغم أنه ليس طرفا فيه ولا ساريا عليه كما هو الحال في بيع ملك الغير إذا أعقب ذلك رضى المالك بالبيع. والاجازة والاقرار حسب الفصل 317 قد يردان صراحة وقد يحصلان ضمنا، ويشترط في حالة الاجازة الصريحة : – أن يتم تدوين الاجازة في محرر كتابي، والكتابة هنا وسيلة اثبات وليس شرطا فيها. – أن يتضمنا الاشارة إلى أسباب قابلية الالتزام للإبطال هل هو نقص الاهلية أو عيب في الرضاء من أجل تصحيح العقد من الناحية المطلوبة. – أن تتجه النية الى اصلاح العيب الذي من شأنه أن يؤدي إلى الابطال فالمطلوب هو تطهير العقد من العيب، فإذا تقررت الاجازة لنقصان الاهلية كانت الاجازة من حق الولي الشرعي.

    هذا بخصوص الاجازة الصريحة أما الاجازة الضمنية فتستخلص من ظروف الحال كما لو قام صاحب حق الابطال بالشروع في التنفيذ.

    رابعا : قابلية الابطال يصححها التقادم فتسقط به دعوى الابطال

    الابطال يصححه التقادم عكس ما هو عليه الامر في البطلان حيث التقادم لا يقلب الباطل صحيحا وإن كانت دعوى البطلان تتقادم بمرور 15 سنة لضرورات المصلحة العامة واستقرار المعاملات ، فإن التقادم في دعوى الابطال سنة واحدة وليس 15 سنة كما جاء في الفصل 311، أما اذا لم يتمكن من تقرر الابطال لمصلحته من الاطلاع على الواقعة الموجبة للإبطال، فالتقادم في جميع الاحوال 15 سنة، أما التمسك بالإبطال عن طريق الدفع فهو لا يتقادم وهو ما نص عليه الفصل 315، بمعنى ان من له حق الابطال يجوز له الدفع بالإبطال في وجه المتعاقد الذي يريد أن يرغمه على تنفيذ العقد، ولا يوجد في الدفع بالإبطال أي تقادم.

    آثار الابطال

    هي مبدئيا نفس آثار البطلان، جاء في الفصل 316 ” يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يرد للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله. وتطبق بشأن الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسني النية الأحكام الخاصة المقررة لمختلف العقود المسماة ” .

    فالعقد القابل للإبطال متى قضي قضائيا بإبطاله التحق بالعقد الباطل من جميع الوجوه، والحكم بالإبطال ينسحب بأثر رجعي على العقد منذ تكوينه، فيزول ويكون كأن لم يكن سواء بالنسبة للمتعاقدين أو إزاء الغير الذي قد يتعرض الحق الذي اكتسبه بموجب العقد المقرر إبطاله للزوال، وهذا لا يمنع ثبوت تحول التصرف أو اكتساب الغير حسن النية حقا عينيا على منقول أو عقار محفظ ورد عليه العقد القابل للإبطال في هذه الحالات الاستثنائية حيث تطبق الاحكام العامة المقررة في البطلان .

    آثار العقد الباطل والقابل للإبطال بالنسبة للمتعاقدين

    من خلال الفصلين306 و 316 يتبين أنهما لا ينتجان أي اثر قانوني سوى استرداد ما دفع بغير حق، مع استثناءات.

    أولا : إلغاء العقد الباطل والقابل للإبطال بأثر رجعي

    فمباشرة بعد اقرار البطلان او الابطال بحكم قضائي يصبح العقد عديم الفعالية ويرجع بالأطراف الى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، وهو ما يصطلح عليه بمبدأ سريان البطلان بأثر رجعي .

    ثانيا : استرداد ما تم تنفيذه

    فيسترد كل طرف ما اخذه من الطرف الاخر، وهو ما جاء في الفصل 316، اما اذا تعرض الشيء للتغير او للاستهلاك فيتم رد قيمة الشيء، على شكل تعويض جزافي تقرره المحكمة استنادا الى خبرة تقويم الشيء يوم ابرام العقد وليس يوم الحكم.

    استثناءات:

    • حالة القاصر الذي لم يتحقق له نفع ظاهر فيرد للطرف الاخر الشيء في حدود النفع الذي استخلصه، هذا النفع يقتصر على المصروفات الضرورية والنافعة .
    • استحالة الرد نتيجة تغير في طبيعة الشيء كحالة العقود المستمرة كعقود الكراء والتموين والتوريد .

    آثار البطلان والابطال بالنسبة الى الغير

    يسري البطلان والابطال بأثر رجعي على الغير أيضا حماية للطرف الذي تقرر البطلان او الابطال لمصلحته إلا أنه قد يضر بالغير الذي اكتسب الحقوق بحسن نية، وهنا استثناءات:

    أولا : عدم تأثير البطلان على الحقوق المكتسبة للغير حسن النية المتعلقة بالعقار : فالحقوق العينية المكتسبة بحسن نية لا تتأثر في التشريع المغربي بمبدأ رجعية آثار البطلان والابطال عندما يتم تسجيلها باسم هذا الغير في السجل العقاري تطبيقا لما نص عليه الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري .

    ثانيا : ضرورة احترام مبدأ الحيازة في المنقول سند الملكية : فالحائز لمنقول بحسن نية له الحق في أن يتمسك بملكيته حتى لو تلقاه ممن ليس له الحق في التصرف فيه، جاء في الفصل 456 : ” يفترض في الحائز بحسن نية شيئا منقولا أو مجموعة من المنقولات أنه قد كسب هذا الشيء بطريق قانوني وعلى وجه صحيح، وعلى من يدعي العكس أن يقيم الدليل عليه. ولا يفترض حسن النية فيمن كان يعلم أو كان يجب عليه أن يعلم عند تلقيه الشيء أن من تلقاه منه لم يكن له حق التصرف فيه.”

    ثالثا : عدم سريان آثار البطلان على بعض مخلفات الزواج : سواء الزواج الفاسد أو الباطل، فالأثار لا تنصرف الى الاولاد فهم في نظر القانون أبناء شرعيون ينسبون الى ابويهم ويستحقون الارث بشرط أن يكون الزواج قد تم بحسن نية، كأن يتزوج الرجل إحدى قريباته ظنا منه أنها ليست كذلك.

    دعوى البطلان

    تعتبر دعوى البطلان دعوى شخصية تهدف الى منع أو محو الاثار القانونية لتصرف باطل، وهذا التحديد لطبيعة دعوى البطلان هو تحديد منطقي و يتفق مع الواقع العملي، فالعقد الباطل وان كان يعتبر عدما والعدم لا يحتاج من الناحية النظرية الى حكم قضائي يقرر انعدامه، إلا أن الناحية العملية تفرض في غالب الأحيان على احد المتعاقدين اللجوء الى القضاء لاستصدار حكم قضائي بتقرير البطلان وترتيب اثاره.

    فمن المعلوم ان العقد كتصرف قانوني ظهر إلى العالم الخارجي ثم ظهر بطلانه يلزم الاعلان عن بطلانه قضائيا كيفما كانت خطورة الخلل الذي يعتريه، ذلك أنه لا يستطيع أي شخص أن يقر العدالة بنفسه، ومن ثمة يظل العقد الباطل الذي تمسك احد اطرافه بتنفيذه ملزما ما لم تصرح المحكمة ببطلانه.

    وللإشارة يتعين التمييز بخصوص مسطرة المطالبة بالبطلان بين فرضيتين، الأولى اذا تم تنفيذ العقد الباطل كليا أو جزئيا فانه يتعين على الطرف الذي يدعي بطلانه أن يطعن فيه أمام المحكمة بدعوى البطلان، وهنا لا يترتب البطلان بصورة تلقائية، بل يتعين ان تصرح به المحكمة بطلب من ذي صفة الادعاء اومن تلقاء نفسها اذا تعلق الأمر بمساس النظام العام، وأما الفرضية الثانية فتتمثل في أنه اذا لم يحصل تنفيذ العقد الباطل فهنا يكتفي العاقد بانتظار مطالبة غريمه بتنفيذ مقتضياته للدفع بالبطلان.

    ويلاحظ في هذا الصدد ان الفقه التقليدي كان يرفض فكرة اقامة دعوى تقرير البطلان في حالتي الانعدام والبطلان المطلق، ذلك أن البطلان يتقرر في هاتين الحالتين بقوة القانون وليس بحكم قضائي، لكن الفقه الحديث يرى أنه في كل الاحوال سواء كان العقد باطلا بقوة القانون أو قابلا للإبطال يجب تدخل القاضي لتقرير البطلان، لأنه لا يسوغ للشخص أن يأخذ حقه بيده، كما ان هناك مظهرا يستمد وجوده من السند او التعبير عن الارادة وأن المظهر لا يزول إلا بتدخل القاضي .وفي هذا السياق يذهب الاستاذ احمد شكري السباعي الى القول بأن : ” تدخل القاضي ضروري لتقرير البطلان، وأن حكم القاضي ببطلان العقد لا ينشئ هذا البطلان، لان العقد كان من قبل باطلا بقوة القانون ولكن هذا الحكم قرره وكشف عنه”.

    مسطرة المطالبة بالبطلان

    يختلف الاشخاص الذين يستطيعون اثارة البطلان حسب ما اذا كان هذا الاخير بطلانا مطلقا أو نسبيا، فمادام ان البطلان المطلق يتقرر لرعاية مصلحة عامة لا لصيانة مصلحة خاصة، فإنه يستطيع ان يتمسك به كل ذي مصلحة، كما أن للمحكمة ان تقضي به من تلقاء نفسها، اما بالنسبة للبطلان النسبي أي الابطال فان هذا الاخير لا يتعلق بالنظام العام، ولذلك لا تجوز اثارته إلا من قبل المتعاقد الذي تقرر الابطال لمصلحته، فمثلا اذا تعلق سبب القابلية للإبطال بنقص الاهلية فانه يجوز للقاصر او ولي أمره التمسك بالإبطال، واذا تعلق السبب بعيب في الرضى فانه يحق للعاقد الذي عيبت ارادته ان يثير هذا الابطال.

    وللإشارة فان التمسك بالإبطال ينتقل الى الخلف العام، حيث ينص الفصل 313 من ق ل ع على أنه: ” تنتقل دعوى الإبطال إلى الورثة فيما بقي لموروثهم من مدتها. مع مراعاة الأحكام المتعلقة بانقطاع التقادم أو بوقفه.”، كذلك ينتقل حق العاقد في اثارة الابطال الى نائبه القانوني، بينما لا يجوز للعاقد الاخر الذي لا يتصل به سبب الابطال ان يتمسك بالإبطال، وأيضا لا يجوز للمحكمة ان تقضي به من تلقاء نفسها.

    📗 خلاصة الباب

    • الإبطال جزاء عيب في الرضا أو نقص في الأهلية أو نص خاص؛ خلافاً للبطلان، فالعقد القابل للإبطال منعقد ومنتج لآثاره إلى أن يُبطَل بحكم قضائي منشئ.
    • حالاته الثلاث حصرها الفصل 311: نقص الأهلية (الفصل 4)، عيوب الرضا (الفصل 39)، والغبن في حالاته الخاصة (الفصلان 55 و56).
    • لا يتمسك بالإبطال إلا من تقرر لمصلحته أو ورثته (الفصل 313)، ولا تقضي به المحكمة تلقائياً لأنه لا يتعلق بالنظام العام.
    • يقبل الإبطال التصحيح بالإجازة الصريحة أو الضمنية (الفصل 317)، وتتقادم دعواه بسنة واحدة من زوال العيب أو اكتشافه، لا بخمس عشرة سنة كدعوى البطلان (الفصلان 311 و314).

  • المحور 17: البطلان 306-310

    📖 نظرية العقد — الفصل 18 من 21 — فهرس الكتاب

    الفصل 306 : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له. ويكون الالتزام باطلا بقوة القانون:

    • إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه؛
    • إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه. “

    الفصل 307 : ” بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع. بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي.”

    الفصل 308 : ” بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما باعتباره عقدا متميزا عن العقد الأصلي.”

    الفصل 309 : ” إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير.”

    الفصل 310 : ” إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر.”

    البطلان هو الجزاء الذي يقرره المشرع نتيجة تخلف أحد أركان العقد، كما لو كان أحد المتعاقدين صغيرا غير مميز أو كان محل الالتزام التعاقدي عملا مستحيلا أو كان الالتزام يفتقر إلى سبب يُحمل عليه، وقد يتقرر البطلان حتى بتوفر الأركان العامة للعقد وذلك بغياب الأركان الخاصة كالتسليم في العقود العينية والشكلية في العقود الشكلية أو تنصيص القانون على ذلك لاعتبارات تتعلق بالنظام العام.

    فعندما يختل أحد أركان العقد المتمثلة في التراضي والمحل والسبب والشكلية في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية فان اجتماع إرادات أطراف العقد لا يمكن أن تنشئ التزامات، لأن القانون لا يسمح بذلك إلا إذا توفرت سائر الشروط التي يستلزمها الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

    أما الابطال فهو الجزاء الذي يرتبه المشرع على الاخلال بشرط من شروط صحة العقد، كما لو كانت إرادة أحد المتعاقدين معيبة بأحد عيوب الرضى، أو كان أحد المتعاقدين ناقص الاهلية وإما بموجب نص قانوني يمنح حق الابطال لأحد المتعاقدين.

    والبطلان والابطال كلاهما يرجع الخلل فيهما إلى مرحلة تكوين العقد على أن هناك جزاء مدنيا آخرا يترتب على الاخلال بالالتزامات الاطراف في مرحلة ما بعد تكوين العقد أي مرحلة التنفيذ وهو الفسخ، مع اقتصار هذا الأخير على العقود التبادلية، بينما يطال الابطال والبطلان العقود جميعها.

    والبطلان صورة من صور الجزاء المدني، لكنه جزاء لا يفرض على شخص من الأشخاص كما هو الحال في العقوبة أو التعويض، بل يقع على كائن قانوني هو التصرف القانوني، فينصب الجزاء في البطلان على التصرف نفسه فيجعل العقد باطلا، لذلك فهو لا يبحث عن المسؤول عن المخالفة لتوقيع الجزاء عليه أو لإلزامه بالتعويض، بل يقصد التصرف القانوني مباشرة فيبطله.

    فالبطلان كنظام قانوني مؤداه اعتبار العقد أو التصرف القانوني بوجه عام غير قائم بسبب اختلال شابه في تكوينه لعدم توافر ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحة الأركان، وعليه فالبطلان يؤدي إلى انعدام أثر العقد بالنسبة للمتعاقدين وكذا بالنسبة للغير، كما يؤدي إلى إعدام التصرف القانوني بأثر رجعي مما يجعله كأن لم يقم أصلا.

    نستقرئ مفهوم البطلان من خلال الفصل 306 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له …”.

    هكذا يتضح بأن مصير العقد هو انتفاء الأثر القانوني، فالقاعدة أن مصير البطلان هو هدم العقد بدرجة واحدة لا تقبل التدرج أو التفاوت، فالعقد الباطل بطلانا مطلقا ليس له وجود ، فهو والعدم سواء.

    تمييز البطلان عن الفسخ

    بالرغم من أن البطلان والفسخ كلاهما يؤديان إلى عدم نفاذ التصرف القانوني، إلا أن الاختلاف الجوهري بينهما واضح ومميز، فالفسخ نتيجة تقاعس وإخلال أحد طرفي العقد ببنود هذا العقد، أما البطلان فهو أثر قانوني ينصرف إلى التصرف القانوني الذي هو اتجاه الإرادة إلى أحداث أثر قانوني، فالبطلان ينصرف على الإرادة نفسها ولا ينصب على الارتباط بين الإرادات كما هو الشأن بالنسبة للفسخ، مما يكون معه الفرق بين الفسخ والبطلان متمثلا في كون أن العقد الباطل لم يقم أصلا بسبب اختلال في أحد أركانه، أما العقد المفسوخ فهو عقد قام صحيحا وأنتج كافة آثاره القانونية لكنه انحل بسبب عدم تنفيذ أحد عاقديه لالتزاماته التعاقدية .

    كما أن الفرق بين الفسخ والبطلان ينصرف كذلك إلى التقادم، فدعوى الفسخ تتقادم بخمس سنوات في حين أن البطلان له أثر رجعي يستند لتاريخ إبرام العقد، فالدفع بالبطلان لا يخضع للتقادم المقرر لدعوى الإبطال بمقتضى الفصول 311 إلى 314 من ق ل ع أي للتقادم سنة واحدة وإنما يخضع للتقادم العادي 15 سنة .

    النظرية التقليدية في البطلان والابطال

    تعطي البطلان مفهوما واسعا يشمل حتى الابطال، وتقسمه نوعين بطلان مطلق يتحقق اذا تخلف في العقد ركن من أركان انعقاده، وبطلان نسبي يتحقق اذا كان العقد مستوفيا لجميع أركانه أو تخلف فيه شرط من شروط صحته، ثم قامت نظرية ثانية جعلت التقسيم ثلاثيا فقالت بالعقد المنعدم إذا فقد ركنا من اركانه كالرضى والمحل والسبب ثم العقد الباطل بطلانا مطلقا اذا كان المحل أو السبب أو الشكل غير مستوف شروطه، ثم العقد الباطل بطلانا نسبيا وهو في حالة كان أحد المتعاقدين ناقص الاهلية أو كانت ارادته مشوبة بعيب من عيوب الارادة، ثم قالوا بأن العقد المنعدم لا يحتاج إلى حكم ببطلانه فهو منعدم من تلقاء نفسه بينما العقد الباطل بطلانا مطلقا إذا توافرت بعض عناصر وجوده فلا بد من حكم قضائي يقضي ببطلانه، ثم أن العقد المنعدم لا يترتب عليه أي اثر قانوني بينما العقد الباطل بطلانا مطلقا قد تترتب عليه آثار قانونية.

    النظرية الحديثة القائمة على التمييز بين البطلان والابطال

    أصبح البطلان المطلق هو البطلان والبطلان النسبي هو الابطال، وهي النظرية التي سار عليها المشرع المغربي .

    البطلان في قانون الالتزامات والعقود المغربي

    يكون العقد باطلا إذا انعدمت أحد أركان العقد وهي الأهلية أو التراضي أو المحل أو السبب ويلحق بها الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية ، وهو المقتضى الذي نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 306 من ق ل ع حيث جاء فيها ما يلي : ” يكون الالتزام باطلا بقوة القانون :

    • إذا كان ينقصه لأحد الأركان اللازمة لقيامه
    • إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه ” .

    من خلال ما سبق يتضح أن العقد يكون باطلا إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه، أو في الحالات التي يقرر فيها القانون بطلان العقد بمقتضى نص خاص .

    الحالة الاولى : بطلان العقد لنقصان أحد أركانه

    • تخلف الركن التراضي

    يتحقق ذلك بالخصوص في حالة انعدام الأهلية التي تتحقق بمناسبة الصغير غير المميز الذي يقل سنه عن 12 سنة، وأيضا في حالة الجنون، وهذه الحالات تدخل ضمن حالات انعدام الأهلية، كما أن الرضا يعتبر متخلفا عندما تكون الإرادة غير جدية، كأن يبدي الشخص رغبته في التعاقد دون أن تكون له نية التحمل بالالتزام وفي هذا الصدد ذهب الفقيه الفرنسي بلانيول إلى أنه يتوجب لإنشاء الالتزامات أن تكون الإرادة جادة ويعتبر كأن لم يكن الاتفاق الذي يبرم مع شخص هازل.

    ويعتبر الغلط المانع من حالات تخلف الرضا الذي يجعل العقد باطلا، لأن من شأن هذا النوع من الغلط أن يمنع الرضا و يمنع بالتالي انعقاد العقد و يجعله باطلا و لذلك يسمى بالغلط المانع، كما يعتبر السكر إذا كان تاما من أسباب تخلف الرضا في القوانين الحديثة، لأن السكر التام يفقد التمييز و يعدم الرضا، أي يجعل العقد باطلا و هذا ما سار عليه الفقه و القضاء في فرنسا.

    نشير هنا إلى أن أسباب تخلف الرضا كثيرة لا يمكن حصرها، ذلك أن من الفقه و بعض التشريعات من يأخذ بالحقد الدفين و التنكر والغضب الشديد و الأمراض النفسية كحالات لتخلف الرضا و بالتالي تؤدي إلى بطلان العقود و الالتزامات على هذا الأساس.

    • تخلف ركن المحل أو عدم مشروعيته

    يكون العقد باطلا في حالة تخلف ركن المحل سواء لعدم وجوده أو كونه مستحيلا أو غير معين، نفس الحكم يطبق في حالة عدم مشروعية المحل، وكمثال على ذلك حالة التصرف في تركة إنسان لا يزال على قيد الحياة، أو عدم تحديد المشتري والبائع للثمن وباقي العناصر الاساسية للعقد حيث يعتبر العقد باطلا.

    • تخلف السبب أو عدم مشروعيته

    يعتبر العقد باطلا في حالة تخلف السبب تطبيقا للفصل 62 الذي نص على أنه : ” الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن.” كأن يلتزم وارث بتنفيذ وصية الهالك ثم يتبين أن الهالك قد تراجع عن وصيته أو كأن يتعهد شخص بدفع مبلغ من المال لشخص آخر مقابل ارتكاب جريمة، هنا انعدام السبب أو عدم مشروعيته يجعل العقد باطلا بطلانا مطلقا.

    • تخلف الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية

    إذا كان القانون يتطلب شكلا معينا لصحة العقد سواء تمثل في الكتابة بالنسبة للعقود الشكلية أو التسليم بالنسبة للعقود العينية، فان غياب ركن الشكلية أو التسليم يجعل العقد باطلا، فالعقود الشكلية عقود يتطلب تكوينها إفراغ التراضي عند إبرامها ضمن شكل معين يوضحه القانون، و ذلك تحت طائلة البطلان، وبتعبير آخر نكون أمام عقد شكلي عندما يكون الشكل مفروضا كشرط لصحة هذا العقد، ونجد أمثلة كثيرة للشكلية في القانون المغربي و خير هذه الأمثلة ما جاء في المادة 4 من مدونة الحقوق العينية التي جعلت الشكلية شرط صحة لازم لانعقاد التصرف القانوني المتعلق بنقل الملكية أو إنشاء الحقوق العينية أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها، وبتخلف الشكلية (عقد رسمي أو محرر ثابت التاريخ) يكون العقد باطلا و لو توافرت فيه الأركان اللازمة لانعقاده. أما بالنسبة لشرط التسليم في العقود العينية، فإنه في حالة اشتراط المشرع للتسليم في بعض العقود فإنه إذا لم يتم استيفاء شرط التسليم يكون العقد باطلا بطلانا مطلقا و هذا الأمر ينطبق على عدة عقود أهمها الرهن الحيازي و الوديعة الاختيارية و القرض.

    الحالة الثانية : البطلان بمقتضى نص قانوني خاص

    إذا كان العقد يقع باطلا عندما يفتقد أحد الأركان الأساسية المتمثلة في الرضا والمحل والسبب والشكلية بالنسبة للعقود الشكلية والتسليم فيما يخص العقود العينية، فانه في بعض الحالات يكون العقد متوفرا على جميع تلك الأركان والعناصر ومع ذلك يقع باطلا بمقتضى نص قانوني لاعتبارات تتعلق بالنظام العام، جاء في الفصل 306 من ق ل ع “..إذا قرر القانون حالة خاصة ببطلانه”.

    حالات بطلان العقد بمقتضى نص قانوني واردة في ظهير الالتزامات والعقود وكذا في نصوص قانونية خاصة ومن أهم هذه الحالات :

    • بطلان التعامل في تركة مستقبلة، الفصل 61 من ق ل ع وبطلان الفائدة بين المسلمين الفصل 870.
    • بطلان الاتفاقات التي يكون موضوعها تعليم السحر والشعوذة ، جاء في الفصل 729: ” يبطل كل اتفاق يكون موضوعه: تعليم أو أداء أعمال السحر والشعوذة أو القيام بأعمال مخالفة للقانون أو للأخلاق الحميدة أو للنظام العام؛ القيام بأعمال مستحيلة ماديا.”
    • بطلان الاشتراط الذي من شأنه إعفاء الدائن من كل مسؤولية عن الشيء المرهون حسب الفصل 1215 من ق ل ع.
    • بطلان العقد الذي يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته لشخص أخر طوال حياته الفصلين 727 و728 من ق ل ع، جاء في الفصل 728 : ” يبطل كل اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته طوال حياته، أو لمدة تبلغ من الطول حدا بحيث يظل ملتزما حتى موته.”
    • بطلان عقد الشركة إذا تضمن شرطا يمنح أحد الشركاء نصيبا من الارباح يفوق حصته أو أعفاه من الخسائر ، الفصل 1034.
    • بطلان العقود التي محلها مقامرة أو رهان الفصل 1092.

    خصائص البطلان

    أولا : بطلان جزء من العقد يبطل العقد في مجموعه

    ما لم يكن العقد قابلا للبقاء دون الجزء الذي لحقه البطلان، فإذا كان العقد جزءا لا يتجزأ أبطل في مجموعه، أما إذا تبين ان لا ارتباط بين الشق الباطل وبقية العقد فإن البطلان ينحصر فقط في الشق الباطل وهو ما يصطلح عليه بـ انتقاص العقد، هذه الحالة نص الفصل 1114 ق.ل.ع بقوله : ” الصلح لا يقبل التجزئة فبطلان جزء منه أو إبطاله يقتضي بطلانه أو إبطاله كله. ولا يسري هذا الحكم: أولا – إذا تبين من العبارات المستعملة أو من طبيعة الاشتراطات أن المتعاقدين قد اعتبروا شروط الصلح أجزاء متميزة ومستقلة بعضها عن البعض الآخر؛ ثانيا – إذا نتج البطلان عن عدم توفر الأهلية لدى أحد المتعاقدين. وفي هذه الحالة لا يستفيد من البطلان إلا ناقص الأهلية الذي تقرر لصالحه ما لم يكن قد اشترط صراحة أنه يترتب على فسخ الصلح التحلل من حكمه بالنسبة إلى المتعاقدين جميعا”.

    نلاحظ نظرية انتقاص العقد أيضا في الفصل 1035 : ” إذا تضمن العقد منح أحد الشركاء كل الربح، كانت الشركة باطلة، واعتبر العقد متضمنا تبرعا ممن تنازل عن نصيبه في الربح، ويبطل الشرط الذي من شأنه إعفاء أحد الشركاء من كل مساهمة في تحمل الخسائر، ولكن لا يترتب عليه بطلان العقد.”، نفس المقتضى جاء في مدونة الاسرة حيث يبطل شرط اسقاط النفقة من على كاهل الرجل ويبقى العقد صحيحا.

    لكن قد يحصل أن يقرر المشرع بطلان العقد بمجموعه وهو ما جاء في الفصل 870 : ” اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا، أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له.”

    نفس المقتضى جاء في الفصل 112 : ” يبطل الالتزام إذا كان وجوده معلقا على محض إرادة الملتزم (الشرط الإرادي). ومع ذلك، يجوز لكل من الطرفين أو لأحدهما أن يحتفظ لنفسه بالحق في أن يصرح خلال أجل محدد، بما إذا كان يريد الإبقاء على العقد أو يريد فسخه.”

    ثانيا : بطلان الالتزام الاصلي يقتضي بطلان الالتزامات التابعة وليس العكس

    وهو ما نص عليه الفصل 307 بقوله : ” بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع. بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي.” والالتزام الاصلي هو الذي يقوم بذاته دون غيره كالزام البائع في عقد البيع والتزام المقترض عقد القرض، أما الالتزام التابع فهو القائم بغيره كالتزام الكفيل والتزام الراهن الذان لا يقومان دون التزام اصلي ضمانا للوفاء به عن طريق الكفالة أو الرهن ، وبطلان الالتزام الاصلي هنا يقضي ببطلان عقد الكفالة أو عقد الرهن التابع له، لكن عدم صحة الالتزام التبعي لا يؤثر على الالتزام الاصلي وفق منطوق الفصل307.

    ثالثا : العقد الباطل لا يقبل الاجازة ولا التصديق عليه

    جاء في الفصل 310 : ” إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر.” والاجازة هي أن يوافق المتعاقد على تثبيت عقد سابق قد عقده وهي تعني الرضى ببقاء العقد واستقراره نهائيا ممن له الحق في إبطاله، وأما التصديق فهو يصدر عن أجنبي عن العقد يضيف أثر هذا العقد إلى نفسه كإقرار الموكل لتصرف من الوكيل جاوز فيه حدود الوكالة . ولما كان العقد الباطل معدوما فإنه بالتالي لا يقبل الاجازة ولا التصديق، يضاف إلى ذلك أن البطلان هو من النظام العام ولا يمكن للإجازة والتصديق أن تجيزا ما يخالف النظام العام.

    رابعا : البطلان لا يصححه التقادم لكن دعوى البطلان تتقادم

    فالمعدوم لا يصبح موجودا بمضي الزمن ولو تم تنفيذ العقد الباطل ، لكن يشترط أن يتم رفع دعوى البطلان داخل أجل 15 سنة ، أما إذا انقضت مدة التقادم فإن دعوى البطلان تتقادم حفاظا على استقرار المعاملات، فلو تم تنفيذ عقد بيع باطل ومضت على العقد مدة التقادم العادي ثم رفع البائع دعوى لاسترداد المبيع استنادا إلى بطلان البيع لم تسمع منه دعواه إذا مرت مدة التقادم المنصوص عليها في الفصل 387 وهي 15 سنة من تاريخ البيع.

    أما الدفع بالبطلان فإنه يجوز لدفع دعوى المدعي ولو بعد التقادم لأن التقادم لا يبدأ إلا من وقت تمكن صاحب الحق من مباشرة حقه، فلو أن المشتري في دعوى اقيمت عليه وجد أن من مصلحته التمسك ببطلان البيع ليدفع دعوى المدعي كان له ذلك ولو أنه يكون قد مر على البيع أكثر من 15 سنة وفق منطوق الفصل 315 : ” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال..”

    خامسا : العقد الباطل لا يحتاج إلى إبطال

    فهو يعتبر منذ صدوره باطلا، عدم في نظر القانون ولا يتوقف بطلانه على حكم قضائي لأن القانون هو الذي قرر بطلانه وحكم بطلانه هو حكم كاشف لوضع سابق وليس منشئا لوضع جديد، وعليه فإن البائع يستطيع أن يتصرف في المبيع لأنه لا يزال في ملكه ولو لم يحصل على حكم قضائي ببطلان البيع الأول، ولو أن المشتري الأول رفع دعوى للمطالبة بتسلم المبيع أمكن للبائع أن يدفع الدعوى ببطلان العقد الذي يطالب المشتري بمقتضاه الزام البائع بتسليم المبيع، فالمتمسك ببطلان العقد الباطل قبل تنفيذه يستطيع دائما ان يقف موقف الدفع إذا هوجم بدعوى تستند إلى العقد الباطل، والقاضي هنا يقرر البطلان الذي قرره القانون من الاصل ويكون حكمه كاشفا فقط لوضع سابق لا منشئا لوضع قانوني جديد.

    أما بعد تنفيذ العقد الباطل فإن من له مصلحة من المتعاقدين التمسك بالبطلان ويبادر إلى رفع دعوى البطلان لاسترداد ما أداه، وتتقادم دعوى البطلان خلال 15 سنة.

    سادسا : لكل ذي مصلحة في البطلان أن يتمسك به وللمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها

    ولو لم يطلبه أحد لأنه من النظام العام و يعتبر باطلا ولو تمسك به الطرفان وطالبا بتنفيذه ، فالبطلان مقرر للمصلحة العامة وليس للمصلحة الخاصة، ولذلك فإن لكل ذي مصلحة أن يثيره، سواء المتعاقدون والخلف العام والخلف الخاص والدائنون والقاضي الذي عليه أن يثيره من تلقاء نفسه حفاظا على النظام العام، جاء في الفصل 315 : ” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال.”

    أثـــار بطــلان العقد

    الاصل أن العقد الباطل ليس له وجود قانوني وبالتالي لا يترتب عليه أي أثر سواء بالنسبة إلى المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير، وهو ما نص عليه الفصل 306 بقوله : ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له..”. نفس المقتضى بالنسبة للعقد القابل للإبطال حيث نص الفصل 316 على أنه : ” يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يرد للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله. وتطبق بشأن الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسني النية الأحكام الخاصة المقررة لمختلف العقود المسماة.”

    من خلال عملية الربط بين الفصلين 306 و 316 من قانون الالتزامات والعقود يتبين لنا أن كلا من العقد الباطل والعقد القابل للإبطال لا ينتجان أي أثر قانوني إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا لهذين العقدين، فالبيع الباطل لا ينقل الملكية والاجارة الباطلة لا تؤول إلى تمليك المنافع للمستأجر والرهن الباطل لا يمنح حق الافضلية على المال المرهون ، غير أن هذا المبدأ قد ترد عليه بعض الاستثناءات التي يستحيل معها إرجاع الأطراف إلى وضعية ما قبل التعاقد.

    أثار البطلان بالنسبة للمتعاقدين

    العقد الباطل لا ينتج أثارا بين المتعاقدين وليس بإمكان أحد المتعاقدين إلزام المتعاقد الأخر على تنفيذ عقد باطل، والبطلان يعود بالمتعاقدين إلى الحالة التي كان عليها قبل التعاقد ويسترد كل متعاقد ما دفعه تنفيذا لعقد باطل، وهذا ما قضى به الفصل 306 الذي أوجب ” استرداد ما دفع بغير حق، تنفيذا للعقد الباطل”، أما إذا كان العقد لم يشرع في تنفيذه فلا سبيل لأحد المتعاقدين أن يلزم الطرف الاخر بتنفيذيه، أما إذا كانت إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد أمرا مستحيلا فيجوز للمحكمة أن تقضي للمتضرر من هذه الاستحالة بتعويض يعادل الضرر الذي لحق به وفق المبادئ العامة، فإذا أُبطل عقد الايجار مثلا تعين على القاضي أن يلزم المستأجر بدفع تعويض للمؤجر مقابل المنفعة التي استوفاها من الشيء المستأجر.

    يستثنى من مبدأ إعادة المتعاقدين إلى الحالة السابقة للتعاقد الباطل العقد الذي يبرمه شخص فاقد الأهلية، فقد نص الفصل 6 على أنه : ” يبقى القاصر مع ذلك ملتزما في حدود النفع الذي استخلصه من الالتزام وذلك بمقتضى الشروط المقررة في هذا الظهير “، فهذا القاصر لا يلزم برد سوى ما كان عليه من نفع بسبب تنفيذ العقد كمصروفات ضرورية أو نافعة مثل شراء كتب أو وفاء بدين أو تعلم حرفة، أما المصروفات الضارة كالمقامرة أو المراهنة فلا تعتبر مصروفات نافعة ولا يردها الطرف الأخر في العقد، وإذا كان الشيء الذي حصل عليه من العقد لازال موجودا في حوزته فانه يعتبر من قبل النفع وذلك بموجب الفصل 9 الذي نص على : ” القاصر وناقص الأهلية يلتزمان دائما، بسبب تنفيذ الطرف الآخر التزامه، وذلك في حدود النفع الذي يستخلصانه من هذا التنفيذ. ويكون هناك نفع إذا أنفق ناقص الأهلية الشيء الذي تسلمه في المصروفات الضرورية أو النافعة، أو إذا كان هذا الشيء لازال موجودا في ماله.

    أثار البطلان بالنسبة للغير

    المقصود بالغير كل الأشخاص الذين لم يكونوا طرفا في العقد الباطل واكتسبوا حقوقا على الشيء محل العقد الباطل، فأثر البطلان بالنسبة لهذا الغير هو نفسه بالنسبة للمتعاقدين، فلو أن شخصا اشترى عينا بعقد باطل ثم باعها وتقرر بعد ذلك بطلان البيع الأول فان البائع في العقد الباطل يسترد العين من المشتري، وإذا كان هذا المشتري الثاني قد رتب على العين حقوقا فان البائع يسترد العين خالية من هذه الحقوق.

    الاستثناءات على ترتيب أثار على العقد الباطل

    إن أهم الاستثناءات الواردة على العقد الباطل والتي تمنح لهذا العقد بعض الآثار، هي حالة عقد الزواج وحالة تحول التصرف وحالة اكتساب الغير حسن النية حقا عينيا على منقول أو عقار محفظ محل العقد الباطل.

    حالة عقد الزواج الباطل

    اعتبر المشرع دخول الزوج بالمرأة في النكاح الفاسد لعقده دخولا شرعيا تستحق معه الزوجة الصداق ويستحق معه الولد ثبوت النسب، جاء في المادة 58 من مدونة الاسرة : ” تصرح المحكمة ببطلان الزواج تطبيقا لأحكام المادة 57 أعلاه ..، أو بطلب ممن يعنيه الأمر. يترتب على هذا الزواج بعد البناء الصداق والاستبراء، كما يترتب عليه عند حسن النية لحوق النسب وحرمة المصاهرة.”

    حالة تحول التصرف

    فإذا بطل التصرف الذي أراده العاقدان لسبب من أسباب البطلان وكان هذا التصرف الباطل يتضمن عناصر كافية لأن يتكون منها تصرف أخر غير الذي جرى عقده وكان الظاهر من ظروف العقد أن العاقدين لو علما بأن تصرفهما الواقع لا ينعقد لقبلا أن يعقدا بدلا منه ذلك التصرف الأخر الممكن، فان القانون يوجب في هذه الحالة اعتبار تصرفهما رغم بطلانه في صورة الواقعة منشئا حكم ذلك العقد الأخر الذي توافرت عناصره وشرائطه في هذا التصرف الباطل، إعمالا للنية المفترضة لدى العاقدين، وهذا ما يسمى بتحول التصرف، جاء في الفصل 309 : ” إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير.”

    مذال ذلك البيع الذي ليس فيه مقابل فهو بيع باطل لعدم توافر محل لالتزام المشتري ولكنه يصح هبة وتجري عليه أحكام الهبة إذا كانت نية المتعاقدين تنصرف إلى ذلك، نفس المقتضى بالنسبة إلى حالة السند التجاري، فإذا أُبطل هذا السند لعدم استيفاءه الشكليات الضرورية في المادة التجارية، اعتبر كسند عادي للدين وخضع للقانون المدني كسند للدين يوجب الأداء رغم كونه سندا تجاريا باطلا.

    نفس المقتضى في الشركة الفعلية، فالأصل العام أن الشركة تكتسب الشخصية المعنوية بمجرد تكوينها، وتبدأ في ممارسة الأعمال التي قامت من أجلها، وتترتب على هذا نتائج مهمة كأن تصبح هذه الشركة دائنة او مدينة، واذا حدث في العمل ان تقرر بطلان هذه الشركة او حكم بإبطالها، فإنه يستحيل اعادة الشركاء الى الحالة التي كانوا عليها قبل إبرام العقد، وعلى هذا الاساس اعتبر القضاء الشركة قائمة فعلا في الفترة ما بين تكوينها والحكم ببطلانها، أي أنها تعتبر في الواقع كما لو كانت شركة صحيحة وبعبارة اخرى يكون البطلان بمثابة حكم يحل الشركة قبل الميعاد المحدد لها.

    حالة اكتساب الغير حسن النية حقا عينيا على منقول أو عقار محفظ

    من القواعد الكلية التي أخد بها المشرع المغربي أن حيازة المنقول تعتبر سندا للملكية، فإذا حاز زيد منقولا بعقد باطل ورتب حقوقا على هذا العقد المنقول لمصلحة عمر، وكان عمر حسن النية، فبطلان العقد الذي دخل المنقول بموجبه إلى حيازة زيد لا يؤثر على حقوق عمر، بحيث يكون الوضع بالنسبة لهذا الأخير كما لو أن العقد المذكور وقع صحيحا، جاء في الفصل 1187 : ” الدائن الذي يتسلم بحسن نية، على سبيل الرهن الحيازي شيئا منقولا ممن لا يملكه يكسب حق الرهن، ما لم يكن الأمر متعلقا بشيء ضائع أو مسروق”.

    كذلك من القواعد الكلية في التشريع العقاري المغربي المبني على نظام السجل العقاري فإن من يكتسب عن حسن نية حقا عينيا على عقار محفظ بالاستناد إلى القيد في السجل العقاري فان بطلان هذه القيود لا يكون لها أثر اتجاهه.

    فالأصل أن الالتزامات التي ترتبها العقود لا تلزم سوى من كان طرفا فيها ، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم، وكذلك البطلان ، فالفصل 228 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أن : ” الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون”، لكن هذا المبدأ ترد عليه بعض الاستثناءات منصوص عليها في القانون ومن هذه الاستثناءات ما نص عليه الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري الذي جاء فيه أن : ” كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتسجيله وابتداء من يوم التسجيل في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية ولا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التسجيل في مواجهة الغير ذي النية الحسنة” .

    وبالتوقف عند سياق الفصل 66 السالف الذكر وألفاظه فإنه يمكن القول بأنه لا يمكن المطالبة بإبطال صدقة تم تسجيلها بالرسم العقاري والمستفيد منها شخص حسن النية على أساس أنها باطلة كما لو كان المتصدق لا يملك العقار المتصدق به، والسبب في ذلك يرجع إلى أن التسجيل يقوم على مجموعة من الشروط الشكلية ورد التنصيص عليها في الفصل 69 من ظهير التحفيظ العقاري التي تؤثر على موضوع الحق عند الخطإ فيها أو إغفالها، وهو ما دفع المشرع إلى القول بحماية الغير حسن النية، وهو ما يصطلح عليه بـ مبدأ حجية التقييد في الرسم العقاري في مواجهة المقيد حسن النية .

    فمن بين القواعد القانونية التي أقرها المشرع العقاري و التي تكتسي أهمية قصوى هي حجية التقييد حيث أن كل مالم يقيد بالرسم العقاري من حقوق عينية لا يمكن الإحتجاج به في مواجهة الغير ولا يعتد به إلا عند تقييده، كما أنه لا يمكن المطالبة بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير حسن النية طبقا للفصل 66 من قانون 14-07، إذ لا يشطب على المقيد في الرسم العقاري إلا إذا كان تقييده قد تم بسوء نية .

    📗 خلاصة الباب

    • البطلان جزاء تخلف ركن من أركان العقد (الأهلية، الرضا، المحل، السبب) أو شرط شكلي أو تسليم في العقود العينية (الفصل 306).
    • العقد الباطل معدوم من الأصل: لا يقبل الإجازة ولا التصديق (الفصل 310)، ولا يحتاج لحكم قضائي منشئ بل كاشف فقط، ولكل ذي مصلحة التمسك به وللمحكمة إثارته تلقائياً.
    • بطلان الالتزام الأصلي يستتبع بطلان الالتزامات التابعة كالكفالة والرهن دون العكس (الفصل 307)، وبطلان جزء من الالتزام يبطله كله إلا إذا أمكن بقاؤه دون هذا الجزء (الفصل 308).
    • ترد استثناءات على انعدام أثر العقد الباطل: تحوّل التصرف (الفصل 309)، الزواج الفاسد بعد البناء، واكتساب الغير حسن النية حقاً عينياً استناداً إلى التسجيل العقاري أو الحيازة.

📚 المكتبة القانونية