بقلم الاستاذ عمر الهواوي، محامي بهيئة طنجة.
عندما تُفتح أمام شخص ما فرصة ثانية بدلاً من قضبان السجن، ينبغي لنا أن نتوقف قليلاً ونتأمل معنى هذا الاختيار. القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة الذي دخل حيز التنفيذ مؤخراً يمثّل تحولاً جوهرياً في فلسفة النظام العقابي المغربي، لكن كما يقول الأستاذ عمر الهواوي، المحامي بهيئة المحامين بطنجة، بين النص الجميل والواقع المعقد هناك مسافة تستحق الفهم العميق.
ربما صادفت أحدهم يقول إن العقوبات البديلة تعني ببساطة أن الغنيّ يدفع ويخرج حراً، والفقير يبقى خلف القضبان. لكن هذا فهم سطحي تماماً، والحقيقة أكثر تعقيداً وأكثر عدلاً ممّا يتخيله البعض.
فلسفة جديدة: التوازن بين العقاب والحماية
المشرّع المغربي، في كل إصلاح جنائي يقدم عليه، يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين أمرين متضادين ظاهرياً: الحفاظ على حماية المجتمع من الجريمة، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية. هذا الهاجس نفسه هو ما يفسّر تعاقب التعديلات التشريعية والمراجعات المتكررة على مدار السنوات، محاولة للانسجام مع الدستور وبروتوكولات حقوق الإنسان التي التزم بها المغرب دولياً.
جاء القانون الجديد ليجسد هذا التوازن بصيغة عملية: بدلاً من إيداع كل محكوم عليه بجنحة في السجن بتكاليف مالية ضخمة وأضرار اجتماعية كبيرة، يمكن للقاضي اختيار بدائل تحقق الردع دون القطيعة التامة مع المجتمع. إنها سياسة عقابية جديدة تؤمن بإمكانية الإصلاح والتأهيل.
ما الذي لا تعنيه العقوبات البديلة
قبل أن نفهم ماهيتها، علينا أن نصحح فهماً خاطئاً شائعاً. العقوبات البديلة ليست باباً مفتوحاً لمن يملك المال. المشرّع وضع حواجز قانونية صارمة جداً:
أولاً، يجب أن تكون الجريمة جنحة فقط لا جناية، مما يستبعد الجرائم الخطيرة من البداية. ثانياً، العقوبة لا يجب أن تتجاوز خمس سنوات حبساً نافذاً. ثالثاً، يشترط أن تكون المرة الأولى للمحكوم عليه، فمن سبق له الدخول في دائرة الجريمة لا يستفيد من هذا الإجراء. وبين هذه الشروط وتلك، حصر المشرّع جرائم معينة بشكل مطلق من الاستفادة: جرائم الإرهاب، والرشوة، وغسل الأموال، والاتجار بالمخدرات، والجرائم الجنسية ضد الأطفال وذوي الإعاقة.
أربع عقوبات بديلة: من يستطيع تطبيقها حقاً؟
العمل لأجل المصلحة العامة: إعادة دمج بدون سجن
تخيّل أن تقضي ساعات محددة من وقتك في عمل ينفع المجتمع بدلاً من قضاء أشهر خلف قضبان. هذا مبدأ الخيار الأول. يُلزم المحكوم عليه بأداء ساعات عمل لفائدة الدولة في مؤسسات عمومية أو ذات نفع عام. النظرية جميلة: توفير نفقات السجن، إعادة دمج سلسة دون احتكاك بمجرمين أكثر خطورة، الحفاظ على الروابط الاجتماعية.
لكن الواقع يطرح أسئلة محرجة، كما أشار الأستاذ الهواوي: أي مؤسسة ستستقبل محكوم عليه؟ هل مسجد؟ مستشفى؟ مدرسة؟ كيف نضمن عدم الإساءة أو الهروب؟ كيف ننسق بين القضاء وإدارة السجون والمؤسسات المستقبلة؟ هذه أسئلة لم تُرَ إجاباتها الكاملة بعد على أرض الواقع.
المراقبة الإلكترونية: الحرية المراقَبة
سوار إلكتروني يُوضع على المحكوم عليه يتتبع تحركاته ويُلزمه ببقاء مكاني معين أو عدم غادرة منزله في أوقات محددة. الفكرة عبقرية في الظاهر: أنت حر لكن مراقب، تحافظ على حياتك الطبيعية لكن تحت إشراف.
المشكلة أن هذا النوع من العقوبات يصطدم بعقبتين كبيرتين: الأولى قانونية وحقوقية — المراقبة المستمرة تمسّ بالخصوصية الشخصية والحق في عدم المراقبة، وهما يتطلبان موازنة حقيقية مع حقوق أخرى. الثانية عملية وتقنية — تطلب هذه الآلية بنية تحتية متقدمة وطاقماً بشرياً مدرباً، بينما بعض المناطق المغربية لا تتمتع بتغطية شبكية كافية حتى الآن. سوار إلكتروني لا يعمل لأن الشبكة ضعيفة؟ هذا سؤال حقيقي يواجه التطبيق.
الغرامة اليومية: ليست الحل الكامل
قد يبدو الأمر بسيطاً: بدلاً من الحبس، تدفع غرامة يومية. لكن الأستاذ الهواوي صحّح ملاحظة مهمة: الغرامة البديلة لا تعفي من التعويض المدني. إذا كنت قد سرقت مثلاً وحُكم عليك بستة أشهر حبساً مع دفع تعويض 5000 درهم لصاحب المال المسروق، فعليك أن تدفع التعويض أولاً ثم تأدي الغرامة البديلة عن الحبس. لا يمكنك أن تقول “سأدفع الغرامة فقط”، هناك التزام مدني تام وكامل بصرف النظر عن العقوبة.
الاختبار القضائي: فرصة حقيقية للإصلاح
هذا الخيار يركز على الإصلاح والتأهيل وليس على العقاب فحسب. يُخضع المحكوم عليه لشروط صارمة: قد يُمنع من ارتياد أماكن معينة، قد يُلزم بحضور جلسات علاجية إذا كان مدمناً، قد يشترط عليه تحسين سلوكه أو تطوير مهارات معينة. إن نجح في الاختبار طوال فترة الاختبار، يُعفى من العقوبة الحبسية كلياً. وإن فشل أو أخل بأي شرط، تُطبَّق العقوبة الأصلية عليه.
هذا النوع يمثّل الأمل الحقيقي في إعادة تأهيل بشرية، خاصة إذا طُبّق بجدية وتنسيق حقيقي مع مؤسسات الصحة والعمل الاجتماعي.
المسطرة: من يطلب؟ ومتى؟ وأين؟
الجانب الإجرائي مهم جداً، وقد وضحه الأستاذ الهواوي بتفاصيل دقيقة. من يحكم؟ المحكمة (ابتدائية أو استئنافية)، إما تلقائياً من القاضي أو بناءً على طلب. من يطلب؟ النيابة العامة، رئيس المؤسسة السجنية، الدفاع، المحكوم عليه نفسه، بل حتى أفراد العائلة ممن لهم مصلحة. متى؟ عندما يصبح الحكم نهائياً — أي بعد انقضاء فترة الاستئناف بدون طعن.
وإذا كان المحكوم عليه موجوداً داخل السجن بالفعل؟ يمكنه تقديم الطلب من داخل الزنزانة، مع دفع رسم 50 درهماً، والجهة المسؤولة هي قاضي تطبيق العقوبات الذي يملك سلطة تقدير واسعة في قبول الطلب أو رفضه.
هل نجحت التجربة أم فشلت؟
الأستاذ الهواوي، وهو يختم مداخلته، يتخذ موقفاً حكيماً: من السابق لأوانه إصدار حكم قاطع. القانون دخل التنفيذ للتو، والأحكام الصادرة حتى الآن ما زالت في مرحلة ابتدائية. ما يمكن تسجيله الآن هو وجود نية صادقة من جميع الجهات — القضاء والنيابة والسجون والمؤسسات الحكومية — لإنجاح التجربة.
لكن النجاح لن يكون سهلاً. يتطلب تنسيقاً حقيقياً بين سلطات ثلاث، توفير بنية تحتية، تدريب الكوادر، توعية المجتمع. إنه اختبار لمدى التزام الدولة بثقافة حقوق الإنسان وليس مجرد قانون ورقي آخر.
كلمة أخيرة: الحكمة في التعديل
كل إصلاح قانوني هو عملية تعلّم مستمر. قد تُظهر التجربة الفعلية ثغرات في القانون لم نكن نتوقعها، وقد نكتشف طرقاً أفضل للتنفيذ. المهم أن نبقى منفتحين على التطوير، متصلبين على المبادئ.
شارك رأيك معنا: هل تؤمن بأن العقوبات البديلة قد تكون حلاً فعلياً، أم أن السجن ضرورة لا محيد عنها في بعض الحالات؟ ما تجربتك مع النظام العقابي أو معرفتك به؟
رابط الفيديو كاملا : (85) قانون العقوبات البديلة وضمانات حقوق الإنسان، الاستاذ عمر الهواوي (محامي بهيئة طنجة) – YouTube