📖 المسطرة المدنية — الفصل 4 من 26 — فهرس الكتاب
أولا : طبيعة الدعوى
حق التقاضي مكفول بالدستور لكن الدعوى حق منظم بمقتضى القانون الاجرائي الذي هو قانون القضاء، فالدعوى مرتبطة بالقضاء وتنتمي إليه.
القانون الاجرائي يعالج الدعوى على مرحلتين :
المرحلة الأولى هي مرحلة قبول الدعوى، ويتطلب القانون لقبولها توافر شروط خاصة شكلية وموضوعية كالمصلحة والصفة والأهلية وغيرها، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الحكم في موضوع الدعوى بغض النظر عما إذا كانت الدعوى على أساس أم لا، فقبل الحكم لا يمكن القول أن الدعوى ليست على أساس وبعد صدور الحكم تكون الدعوى قد انقضت بصدور الحكم، فالدعوى لها مركز خاص مستقل عن الحق الموضوعي الذي تحميه، وهو مركز قانوني مجرد محله ادعاء قانوني معين، من هنا يمكن تكييف المركز القانوني للدعوى على أنه حق إجرائي يعطى لمن توفرت فيه شروط معينة سلطة تحريك القضاء للحصول على حكم في موضوع ادعائه.
طبيعة الدعوى هو الأمر الذي يبرر قبول الدعوى أو عدم قبولها قبل الفصل في موضوعها، فحكم المحكمة في مسألة القبول هو حكم وجود أو عدم وجود مركز قانوني، وهو الذي يبرر أيضا النتائج التي تترتب على تكييف الدعوى كحق إجرائي، هذه النتائج عالجها قانون المسطرة المدنية في قواعد مهمة :
• على المحكمة أن تفصل بحكم في كل دعوى رفعت إليها ولا يجوز للقاضي الامتناع عن اصدار الحكم فيها، جاء في الفصل 2 من ق م م : ” لا يحق للقاضي الامتناع عن الحكم أو إصدار قرار. ويجب البت بحكم في كل قضية رفعت إلى المحكمة.” ومن الحكم، الحكم بقبول الدعوى أو بعدم قبولها، أي النظر في الاختصاص القضائي بالنسبة للمحكمة التي رفعت إليها القضية.
• لا يجوز للقاضي الفصل في نزاع إلا بناء على طلب ممن يهمه الأمر، وبذلك يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأفراد دون أن يغير موضوعها أو سببها أو ينصح أحد أطرافها، ولا يجوز له تغيير موضوع الدعوى وإلا كان قراره معرضا للنقض، جاء في الفصل 3 من ق م م : ” يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات، ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة.”
• على المدعي ممارسة حقه في رفع الدعوى بحسن نية، ومن سوء النية الادلاء بعنوان غير حقيقي للمدعى عليه لحرمانه من حق الدفاع، جاء في الفصل 5 من ق م م : ” يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية.”
• يجوز التنازل عن الدعوى بعد إقامتها، لكن هذا التنازل لا يترتب عنه التخلي عن الحق موضوع الدعوى بل هو تنازل فقط عن المطالبة القضائية، جاء في الفصل 119 من ق م م : ” يمكن التنازل بعقد مكتوب أو بتصريح يضمن بالمحضر ويشار فيه إلى أن الطرف تنازل عن الدعوى التي أقامها بصفة أصلية أو عارضة أو عن المطلب الذي رفعه إلى القاضي في موضوع الحق. لا يترتب عن التنازل عن الدعوى تخلي الخصم عن موضوع الحق.”
ثانيا : خصائص الدعوى
أولا : الدعوى وسيلة للحصول على الحماية القضائية
بمعنى أنها تمنح الفرد سلطة قانونية للحصول على حكم قضائي من القاضي قصد حماية حق خاص أو مركز قانوني معين، والدعوى ليست الوسيلة الوحيدة لحماية الحق، فيمكن حماية الحق بوسائل أخرى كالدفاع الشرعي وحق الحبس والدفع بعدم التنفيذ، والشخص رافع الدعوى يتوقع من القضاء تقرير الحق الذي يدعيه أو توقيع الجزاء على من أضر بحقه، بمعنى أن الدعوى المدنية تهدف إلى تقرير حق خاص ولا تهدف الى تطبيق القانون الا في حالات استثنائية كـالدعوى التي ترفعها النيابة العامة بقصد تطبيق القانون.
ثانيا : الدعوى حق وليست واجبا
نتحدث هنا عن خاصية الاختيار، أي أنها تتميز بطابع الاختيارية، فصاحب الحق له كامل الحرية في الالتجاء إلى القضاء للمطالبة بحقه من عدمه، كما أنه له كامل الحرية في اختيار الوقت المناسب والظروف الملائمة لمباشرة دعواه، فالدعوى كالسلاح يستعمل في الوقت المناسب والمكان المناسب وفق رغبة صاحب الحق، وللمدعى عليه أن يدافع عن نفسه بالطرق القانونية لرد الهجوم.
ثالثا : الدعوى حق يمكن حوالته والتنازل عنه
بشرط انتقال الحق في الدعوى مع الحق الذي تحميه وإلا كانت غير قابلة للحوالة، كما لو كان الحق الموضوعي مرتبطا بشخص صاحبه ولا يقبل الانتقال كالحق في التعويض الادبي، وفي حالة التنازل عن الحق في الدعوى رغم عدم التنازل عن الحق الموضوعي للدعوى تنقضي الدعوى لوحدها بينما يبقى الحق الموضوعي، أما التنازل عن الحق الموضوعي فيترتب عليه سقوط حق في الدعوى واللجوء إلى القضاء نظرا لـزوال شرط اساسي في الدعوى وهو استنادها إلى حق موضوعي.
رابعا : عدم المؤاخذة عليها
فيستطيع مدعي الحق اقامة الدعوى المدنية أو التخلي عنها متى شاء ولا يتحمل بذلك أية تبعات قانونية، كما لا يمكن اعتبار اقامتها خطأ، ومع ذلك يقع على عاتق المتقاضي أن يؤدي رسوم إقامة الدعوى ومصاريفها، وإذا خسر القضية لا يُلام عن خسرانها، ولا يعتبر ذلك خطأ تقصيريا يستوجب المسؤولية عن الفعل الضار في حالة عدم قبولها شكلا أو خسرانها مضمونا، فالدعوى حق مشروع، كل ما هنالك أنه يجب أن يكون التقاضي بحسن النية وفق الفصل 5 من ق م م وغير متعسف في استعمالها وإلا تعرض لجزاءات مدنية، مثال ذلك ما جاء في الفصل 165 من ق م م : ” إذا رأت المحكمة أن التعرض أو الاستئناف لم يقصد منهما إلا المماطلة والتسويف وجب عليها أن تحكم على المدين بغرامة مدنية لا تقل عن خمسة في المائة ولا تفوق نسبة خمسة عشر في المائة من مبلغ الدين لفائدة الخزينة.”
أما مشروع المسطرة المدنية فقد تشدد تجاه المتقاضي سيء النية، ونص على غرامات مدنية لفائدة الخزينة إضافة الى تعويضات يحكم بها لفائدة المتضرر من الدعوى الكيدية حيث جاء في الفصل 5 من مشروع قانون المسطرة المدنية الجديد : ” يحكم على كل من يتقاضى بسوء نية بغرامة مدنية لفائدة الخزينة العامة تتراوح ما بين 500 درهم و 5000 درهم، وذلك بصرف النظر عن التعويض الذي يمكن أن يطالب به المتضرر “.
📗 خلاصة الباب
- تتميز الدعوى بطابعها الشخصي (ترتبط بصاحب الحق المدعى به) والعيني أحيانا (تتبع الشيء محل الحق)، وقد تكون دعوى منقولة تنتقل بالإرث أو الحوالة.
- تصنَّف الدعاوى من حيث طبيعتها إلى شخصية وعينية ومختلطة، ولكل نوع نظامه الخاص من حيث الاختصاص والتقادم.
اترك تعليقاً