📖 المسطرة المدنية — الفصل 15 من 26 — فهرس الكتاب
مدخل
الغاية التي ينشدها المتخاصمون أمام القضاء هو استصدار الاحكام، فالقضاء لا يعطي حقوقا بقدر ما يعطي أحكاما تكون هي الوسيلة للحصول على الحق، وعليه فالحكم هو نهاية الدعوى والغاية التي من أجلها يلجأ المتخاصمون إلى القضاء، والحكم القضائي هو القرار الصادر من محكمة مشكلة تشكيلا صحيحا و مختصة في خصومة رفعت إليها وفق القواعد المسطرية القانونية سواء كان صادرا في موضوع الخصومة أو في شق منه أو في مسألة متفرعة عنه، فبعد اصدار الامر بالتخلي وتعيين تاريخ الجلسة العلنية تدرج المحكمة القضية في المداولة لتبدأ إجراءات إصدار الحكم وقطع النزاع.
مفهوم الأحكام القضائية
الأحكام القضائية هي التي تختتم بها الخصومة القضائية بعد تقديم الأطراف لطلباتهم وبعد الإجراءات التي يتبعها القاضي، وقد عرفها البعض بكونها كل ما يصدر عن المحكمة للفصل نهائيا في النزاع، أو الأمر في اتخاذ إجراء يرمي إلى تهيئة البت النهائي، ومن ثم يمكن تعريف الأحكام في معناها الواسع بالقرارات التي تصدر عن المحاكم، أما في معناها الخاص فهي الصادرة عن المحكمة مشكلة تشكيلا صحيحا ومختصة طبقا للقانون في خصومة رفعت إليها سواء كان صادرا في موضوع الخصومة أو في شق منه أو مسألة متفرعة عنها.
وعليه ينبغي توافر ثلاثة شروط أساسية ليتمتع القرار القضائي بصفة الحكم :
• أن يكون القرار قد صدر في خصومة قضائية رفعت عنها دعوى بين خصمين أو أكثر.
• أن يصدر هذا القرار عن محكمة مختصة ومشكلة تشكيلا صحيحا وفقا لقواعد المسطرة.
• أن يصدر القرار مكتوبا.
فإذا انتفى شرط من هذه الشروط أصبح القرار القضائي بلا معنى، فالقرار الصادر عن هيئة غير قضائية لا يعد حكما، ولو كان من بين أعضاء هذه الهيئة قضاة محترفون إلا إذا كان صادرا في إطار مؤسسة التحكيم التي أقرها المشرع المغربي طبقا للفصول من 306 إلى 327 من قانون المسطرة المدنية.
تمييز الأحكام القضائية عن القرارات الادارية
المعيار الشكلي هو صدور القرار عن جهة قضائية أو جهة إدارية، فمتى صدر القرار عن جهة إدارية فهو قرار إداري ومتى صدر القرار عن جهة قضائية فهو حكم قضائي، لكن هذا المعيار ليس دقيقا ذلك أن بعض القرارات القضائية لا تعتبر أحكاما قضائية من ذلك مثلا أعمال القاضي الولائية أو الادارية، أما المعيار الموضوعي فنتحدث عن السلطة التقديرية، حيث أن القرار الاداري يصدر عن سلطة تتمتع باختصاص تقديري بخلاف الاحكام القضائية التي تصدر عن سلطة تتمتع باختصاص مقيد، لكن هذا المعيار أيضا ليس دقيقا حيث يتمتع القاضي أحيانا بسلطة تقديرية واسعة.
هناك معيار موضوعي آخر وهو أن القرار الاداري يكون غايته إشباع الحاجيات العامة من صحة وسكينة وتعليم بينما القرار القضائي يحمي النظام القانوني للدولة عن طريق حسم النزاع، فيبرز القرار الاداري قبل النزاع وأحيانا دون وجود نزاع، ويبرز القرار القضائي بعد وقوع نزاع. يمكن الحديث أيضا عن معيار موضوعي آخر وهو مرونة القرار الاداري وتغيره حسب الظروف الموضوعية، بينما يتسم القرار القضائي بالثبات واكتسابه بحجية الامر المقضي به، وهناك معيار موضوعي آخر وهو أن القرار الاداري يأتي بإرادة منفردة للإدارة بينما يأتي القرار القضائي بناء على طلب الاطراف اللهم في قضايا الحق العام.
تمييز الأحكام القضائية عن الأوامر الولائية
الأصل أن القاضي يصدر أحكاما لا تقع تحت حصر بما له من سلطة قضائية تتيح له منح الحماية القضائية الموضوعية أو الوقتية للمراكز الموضوعية في الشكل المقرر للأحكام، أما استعمال سلطته الولائية فهو وارد على سبيل الحصر بهدف إزالة عقبات قانونية وضعها المشرع أمام الإرادة الفردية التي لا يستطيع اجتيازها إلا إذا حصلت على إذن قضائي في صورة ترخيص صادر بناء على أمر من القاضي في شكل مكتوب على عريضة يقدمها صاحب المصلحة لطلب الإذن من القاضي باتخاذ عمل أو القيام بإجراء لصالحه، فمتى كان التصرف قد اتخذ في مواجهة الخصوم كان العمل قضائيا ومتى كان الأمر بناء على مجرد طلب أحد الخصوم للحفاظ على حق معين دون استدعاء الطرف الآخر كان الأمر ولائيا.
الأعمال التي تدخل في إطار الوظيفة الولائية للقاضي مثلا :
• الاجراءات التحفظية البعيدة عن كل منازعة قضائية
• الغرامات التهديدية على المدين المماطل في التنفيذ العيني
• الاعمال التي تقوم بها المحكمة من أجل صيانة أموال القاصرين
وتبرز أهمية التفرقة بين الحكم القضائي والعمل الولائي في المظاهر التالية :
• الأصل أن أعمال القضاء تدخل كلها في وظيفة القاضي، أما الأعمال الولائية فهي على العكس من ذلك إذ لا يختص بها إلا على وجه الاستثناء وبنص خاص.
• الأوامر الولائية تثبت لها فقط القوة التنفيذية ولا تكتسب حجية الأمر المقضي به، لأن هذه الحجية لا تتمتع بها إلا الأحكام القضائية بمعناها القانوني.
• إمكانية القاضي الرجوع في الأمر الولائي الذي أصدره، وله أن يعدله حسب مقتضيات الأحوال، عكس الحكم الذي يصدر في الخصومة بحيث يصبح مجردا من إمكانية تعديله أو إلغائه، إذ أن هذه السلطة تنتقل إلى المحكمة التي يُطعن أمامها في الحكم.
• الأوامر الولائية لا تقبل الطعن سواء العادية أو الغير العادية، وإذا كان فليس بنفس الشكل والمدة و الإجراءات التي نص عليها المشرع المغربي بالنسبة للأحكام القضائية.
• إضافة إلى أن القاضي وهو يمارس عمله الولائي، لا يتقيد باختصاصه المكاني ولا بإتباع إجراءات التقاضي العادية، من استدعاء الأطراف وتبليغ المذكرات ومقارنة حجج الخصوم، وإنما يكتفي بإصدار أوامر وقتية بناء على ما قدمه له الطالب من حجج بعد التأكد من جدوى الإجراء المطلوب، وعدم تأثيره على مركز الخصوم، وهذه الأوامر الولائية كثيرة ومتعددة ومتجددة كالأمر بإجراء معاينة أو الاستماع إلى شاهد.
عناصر الأحكام القضائية
لا يمكن للمقررات القضائية أن تكون صحيحة إلا بتوفرها على عدة عناصر ولا يمكن أن تنتج آثارها إلا إذا صدرت طبقا للقانون، وتقتضي هذه المطابقة الاستجابة لكافة الشكليات والشروط المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، ويشكل تخلف أحد الشروط أو خرق الشكليات المنصوص عليها في القانون سببا من أسباب الطعن التي يمكن إثارتها من خلال مختلف طرق الطعن التي تتم ممارستها في مواجهة المقرر المعيب.
جاء في الفصل 50 من ق م م : ” تصدر الأحكام في جلسة علنية وتحمل في رأسها العنوان التالي:
المملكة المغربية
باسم جلالة الملك وطبقا للقانون.
تشتمل على اسم القاضي الذي أصدر الحكم، واسم ممثل النيابة العامة عند حضوره واسم كاتب الضبط وكذا أسماء المستشارين عند الاقتضاء في القضايا الاجتماعية.
تتضمن أسماء الأطراف الشخصية والعائلية وصفتهم أو مهنتهم وموطنهم أو محل إقامتهم وكذا عند الاقتضاء أسماء وصفات وموطن الوكلاء.
توضح حضور الأطراف أو تخلفهم مع الإشارة إلى شهادات التسليم.
تتضمن أيضا الاستماع إلى الأطراف الحاضرين أو إلى وكلائهم وكذا مستنتجات النيابة العامة عند الاقتضاء.
يشار فيها إلى مستنتجات الأطراف مع تحليل موجز لوسائل دفاعهم والتنصيص على المستندات المدلى بها والمقتضيات القانونية المطبقة.
تنص الأحكام على أن المناقشات قد وقعت في جلسة علنية أو سرية وأن الحكم قد صدر في جلسة علنية.
يجب أن تكون الأحكام دائما معللة.
يبلغ كاتب الضبط حالا عند صدور الحكم حضوريا ومعاينة حضور الأطراف أو وكلائهم بالجلسة الحكم الذي صدر ويسلم لهم نسخة من منطوق الحكم ويشار في آخره إلى أن التبليغ والتسليم قد وقعا، ويشعر الرئيس علاوة على ذلك إذا كان الحكم قابلا لاستيناف الأطراف أو وكلائهم بأن لهم أجلا قدره ثلاثون يوما من يوم صدور الحكم للطعن فيه بالاستيناف، ويضمن هذا الإشعار من طرف الكاتب في الحكم بعد التبليغ. تؤرخ الأحكام وتوقع حسب الحالات من طرف رئيس الجلسة، والقاضي المقرر، وكاتب الضبط، أو من القاضي المكلف بالقضية، وكاتب الضبط…”
الوقائع
تعتبر الوقائع سردا وصفيا للنزاع المعروض على المحكمة مع ذكر الأدلة الواقعية والحجج القانونية وما حصل فيها من إجراءات في جلسة المناقشات والمرافعات وتكون هذه الوقائع متماشية مع أسباب الحكم و منطوقه وتؤثر على نتائج الدعوى، وتكمن أهمية الوقائع في أنها تبين المراحل التي مرت منها المنازعة، وتعطي فكرة عن مدى التزام القاضي في حكمه بحدود طلبات الأطراف وبالحياد في توجيه الإجراءات وباحترام قواعد الإثبات، ومهمة استخلاص الوقائع موكولة للقاضي، والقاعدة العامة تقضي بأن هذه المهمة لا يخضع فيها القاضي لرقابة محكمة النقض، لكن هناك استثناءات فيما يتعلق بإعمال قواعد الإثبات أي كل من :
• قواعد الاثبات الشكلية والاجرائية.
• قواعد الاثبات الموضوعية.
• سير اجراءات الدعوى ومراقبة الأوراق الثابتة فيها تلك الاجراءات.
• التقدير السليم لأدلة الدعوى.
التعليل
يعتبر التعليل مرحلة تالية للإشارة إلى وقائع الدعوى وحجج الأطراف، وبمقتضاه يمكن التحقق من سلامة العملية الذهنية التي يقوم بها القاضي وهو يطبق القانون على النازلة، فالقاضي ملزم بإيراد الاسباب التي يبني عليها حكمه بغض النظر عما إذا كانت مطابقة للقانون أو معارضة له، وهو ما يمكن محكمة النقض من بسط رقابتها على الاحكام والتأكد من تطبيق قضاة الموضوع للقانون تطبيقا سليما، كما أن هذه العملية تزيد من اطمئنان المتقاضين إلى جهاز العدالة.
منطوق الحكم
وهو خلاصة ما انتهى إليه تأمل القاضي الفرد أو ما انتهت إليه مداولات الهيئة الجماعية للفصل في النزاع المعروض عليها.
الآثار المترتبة عن الأحكام
تترتب عن صدور الأحكام آثار هامة تتمثل في خروج النزاع عن ولاية المحكمة التي أصدرت الحكم، وفي تقرير الحق وتقويته، على أن أهم أثر للأحكام هو صيرورتها حُجة بما نطقت به، أو ما يعبر عنه بقاعدة حجية الأمر المقضي به.
• خروج النزاع من ولاية المحكمة
يترتب عن صدور الحكم إجرائيا أو موضوعيا استنفاذ المحكمة سلطتها بالنسبة للقضية فلا يجوز لها العدول عن الحكم ولا تعديله ولو تبين لها عدم صحة ما فصلت به، ولذلك لا يجوز للمحكمة التي قضت بعدم اختصاصها أن تحكم بعد ذلك باختصاصها، كما لا يجوز للمحكمة أن تقضي بشمول حكمها بالنفاذ المعجل بعد أن سبق أن أصدرته غير مشمولٍ به ولهذه القاعدة استثناءات.
• تقوية وتقرير الحقوق
باعتبار أن الحكم يقرر الحق محل النزاع ويقويه وينشئ سندا رسميا غير قابل للطعن بالزور، فالحكم يحسم النزاع في الحق المتنازع فيه ويمنع المحكوم عليه من تجديده في المستقبل، كما تخول نسخة الحكم القضائي حق تنفيذه تنفيذا جبريا فور صدوره إذا كان مشمولا بالنفاذ المعجل أو بعد استنفاذ طرق الطعن العادية أو فوات أجلها.
• حجية الشيء المقضي به
يترتب عن صدور الحكم اكتسابه حجية الشيء المقضي به والتي تعد قرينة قانونية مطابقة للحقيقة أي أنها حقيقة قضائية، فبعد صدور الحكم القضائي يرفع الجدل ويصبح النزاع غير قابل للنقاش من جديد أمام القضاء، لكن هذه الحجية تختلف لاختلاف الحكم، فإذا كان قابلا للطعن فإن إمكانية مراجعته تبقى قائمة، لكن هذه الحجية لها شروط تطرق إليها الفصل 451 من ق ل ع الذي نص على ما يلي : ” قوة الشيء المقضي لا تثبت إلا لمنطوق الحكم، ولا تقوم إلا بالنسبة إلى ما جاء فيه أو ما يعتبر نتيجة حتمية ومباشرة له. ويلزم:
• أن يكون الشيء المطلوب هو نفس ما سبق طلبه؛
• أن تؤسس الدعوى على نفس السبب؛
• أن تكون الدعوى قائمة بين نفس الخصوم ومرفوعة منهم وعليهم بنفس الصفة.
ويعتبر في حكم الخصوم الذين كانوا أطرافا في الدعوى ورثتهم وخلفاؤهم حين يباشرون حقوق من انتقلت إليهم منهم باستثناء حالة التدليس والتواطؤ.”
نشير إلى أنه هناك فرق بين حجية الامر المقضي به وقوة الشيء المقضي به، فالحجية تكتسب بعد الحكم الابتدائي حيث يكون معرضا للطعن، بينما تكتسب قوة الشيء المقضي به بعد الاستيناف، فلا يعود الحكم قابلا للطعن بالطرق العادية، فالاحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به لا تقبل طرق الطعن العادية اي التعرض والاستئناف ولكنها يمكن الطعن فيها بواسطة طرق الطعن غير العادية مثل الطعن بالنقض وتعرض الغير الخارج عن الخصومة واعادة النظر ، فقوة الشيء المقضي به أكبر قوة من حجية الأمر المقضي به، أما بعد انقضاء آجال الاستيناف أو صدور قرار محكمة النقض فنتحدث عن حكم نهائي أو بات.
الحجية متعلقة بالأطراف وليس بالغير، وهي تثبت سواء كان الحكم حضوريا أو غيابيا.
📗 خلاصة الباب
- الحكم القضائي هو القرار الذي تصدره المحكمة فاصلة في النزاع المعروض عليها، ويجب أن يتضمن بيانات إلزامية معينة (الأطراف، الوقائع، التعليل، المنطوق) يترتب على إغفالها آثار قد تصل إلى البطلان.
- يكتسب الحكم حجية الشيء المقضي به بمجرد صدوره وإن كان قابلا للطعن، وتصبح هذه الحجية نهائية باستنفاد طرق الطعن أو فوات آجالها.
اترك تعليقاً