فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

التبليغ

📖 المسطرة المدنية — الفصل 9 من 26 — فهرس الكتاب

مدخل

يعتبر التبليغ من أهم الاجراءات المسطرية بل هو عصب الإجراءات، ومعناه احترام مبدأ التواجهية، وطرق الطعن كلها مرتبطة بـالتبليغ، وباستيعاب التبليغ نستوعب باقي المراحل اللاحقة على عملية التبليغ، فالاحكام الحضورية والغيابية وبمثابة حضورية لها ارتباط وثيق بمسطرة التبليغ ولها تأثير على وصف الاحكام وبالتالي لها تأثير على طرق الطعن، فباستيعاب التبليغ يسهل عليك أن تستوعب وصف الاحكام، ثم يسهل عليك أن تستوعب طرق الطعن، ثم التنفيذ، فهي سلسلة متسلسلة، سواء في المادة المدنية أو الجنائية، فالمسطرة الجنائية تحيل على الفصول 37 و38 من قانون المسطرة المدنية المتعلقة بالتبليغ، لكن الآجال والاثار تختلف في المادة الجنائية عنها في المادة المدنية، فاستدعاء الرئاسة الذي يوقعه كاتب الضبط يختلف عن استدعاء النيابة العامة الذي يوقعه وكيل الملك.

المسطرة المدنية نظمت مؤسسة التبليغ في الفصول ما بين 36 و41 وكذا الفصول من 519 إلى 526 في موضوع تحديد موطن الطرف المبلغ إليه ثم فصول أخرى متفرقة في المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية والقانون التجاري.

والتبليغ يعتبر شرطا اساسيا في استصدار حكم قضائي، فالمدعى عليه لا يمكن أن نحكم عليه دون أن يتم تبليغه ولا يمكن أن ينفذ عليه الحكم الا بعد تبليغه به، فالحكم يتم تبليغه إلى المحكوم عليه لمعرفة نوايا الشخص وبناء عليه نعرف هل سنسلك طريق النفيذ الاختياري أو طريق التنفيذ الجبري.

أولا : الاستدعاء

الاستدعاء هو إعلان قانوني عن بداية الخصومة أو عن إجراء مسطري محدد زمنيا ويتشكل فعليا في إيصال واقعة قانونية إلى علم المبلغ إليه ليكون موجودا بالجلسة وليهيئ مواجهته مع الخصم، ثم ليناقش الدعوى، أو لتفرض عليه التزاما عليه تنفيذه بعد تبليغ الحكم أو القرار الصادر في الدعوى، فهو إعلام المحكوم عليه بصدور الحكم في حقه إما لينفذه طوعا أو لينهج فيه سبل الطعن المتاحة.

التبليغ أول إجراءات الدعوى، فبعد إيداع المقال الافتتاحي لدى كتابة الضبط وفق التقنيات والشروط المعمول بها، يعين رئيس المحكمة حسب الأحوال قاضيا مقررا أو قاضيا مكلفا بالقضية، وبمجرد ذلك يعمل القاضي على تعيين تاريخ أول جلسة ويصدر أمرا بتبليغ المقال للمدعى عليه وإخباره بالموعد المذكور بواسطة استدعاء، والاستدعاء قانونا عبارة عن ورقة تتضمن معلومات أوردها قانون المسطرة المدنية في الفصل 36 الذي جاء فيه : ” يستدعي القاضي حالا المدعي والمدعى عليه كتابة إلى جلسة يعين يومها ويتضمن هذا الاستدعاء: 1 – الاسم العائلي والشخصي ومهنة وموطن أو محل إقامة المدعي والمدعى عليه؛ 2 – موضوع الطلب؛ 3 – المحكمة التي يجب أن تبت فيه؛ 4 – يوم وساعة الحضور؛ 5 – التنبيه إلى وجوب اختيار موطن في مقر المحكمة عند الاقتضاء”.

تضيف مسودة مشروع المسطرة المدنية بندا آخر ينص على أنه : ” بيانات إضافية تتعلق بوسائل الاتصال الحديثة “، بمعنى البريد الالكتروني أو أية وسيلة إلكترونية أخرى للتواصل من خلالها مع المحكمة وإرسال الاستدعاء إليها. المشرع لم يعرف مؤسسة التبليغ لكن الفقه يعرف التبليغ على أنه ” إيصال أمر أو واقعة ثابتة إلى علم شخص معين على يد أحد أعوان كتابة الضبط، أو أحد الأعوان القضائيين، أو عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، أو بالطريقة الإدارية والهدف من ذلك هو ضمان علم المبلغ إليه بالأمر المراد تبليغه ليكون حاضرا اثناء الجلسة “.

والاستدعاء الصحيح هو الذي يتضمن جُملة من البيانات لمعرفة موضوع الاستدعاء والمدعي وكل ما يفيد في إطلاع المبلغ إليه بموضوع الاستدعاء، وهو ما نستشفه من خلال مقتضيات الفصل 36 من قانون المسطرة المدنية الذي أكد فيه المشرع المغربي على ضرورة استدعاء القاضي للأطراف بواسطة استدعاء يتضمن الاسم العائلي والشخصي ومهنة وموطن أو محل إقامة المدعي والمدعى عليه و موضوع الطلب و المحكمة التي يجب أن تبث فيه ثم يوم وساعة الحضور.

وتكمن أهمية التبليغ في عدم جواز احتجاج المبلغ بجهله لما تم تبليغه به، حتى أن بعض الفقه اعتبر حجية التبليغ كحجية نشر التشريع بالجريدة الرسمية إذ لا يجوز الاعتذار بجهل ما تم التبليغ به قياسا على قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون. والاستدعاء كورقة شكلية يتم تبليغها بواسطة أشخاص معينين بمقتضى الفصل 37، إجراء محله إخبار المعني بالأمر بشيء معين، تهدف إلى تمكين المراد إعلانه أو نائبه من العلم بمحتويات مقال الدعوى أو عريضة الطعن أو الورقة القضائية أو غير القضائية بصفة عامة وذلك بالانتقال إلى الموطن الاصلي أو القانوني أو موطن الاعمال وتسليم ورقة الاجراء إلى الشخص المطلوب، وعملية التبليغ لا تكون صحيحة وقانونية الا اذا قام بها الاشخاص الذين أسند إليهم القانون تلك المهمة فلو قام بها الخصم أو محاميه كانت باطلة، ذلك أن عملية التبليغ تتسم بالشكلية ويجب بالتالي أن تتم وفق الوسيلة والشكل الذي رسمه القانون لا تبعا لوسيلة الخصم تحت طائلة بطلان الاجراء وصيرورته عديم الأثر، وقد نظم المشرع قواعد التبليغ في الفصول من 36 إلى 41 من ق م م.

• الاسم الكامل ومهنة وموطن أو محل إقامة المدعي والمدعى عليه :

تتجلى أهمية هذا البيان في تحديد الاختصاص المكاني، فضلا على أنه يمكن المحكمة من معرفة أجل التبليغ بحسب وجود موطن المبلغ إليه، ثم مساعدة المدعى عليه من معرفة الخصم الذي سيواجهه في الدعوى، وهذا من شأنه أن يجعله مستعدا لتهيئ دفاعه للرد على إدعاءات خصمه، كما يمكنه أيضا من اقتراح الصلح عليه أو طلب منه التنازل عن الدعوى، وعند ذكر اسم المدعى عليه في الاستدعاء، فإنه يجب أن يشار إليه بدقة دون تحريف أو نقص حتى لا يثار شكوك أو صعوبة في تحديد الشخص المبلغ إليه، كما أن خلو الاستدعاء من اسم المدعى عليه أو المدعى عليهم يترتب عليه بطلان الاستدعاء.

• تحديد موضوع الطلب :

إن الإشارة إلى موضوع الطلب يفيد في إحاطة الطرف المبلغ إليه بطبيعة النزاع موضوع الدعوى، حتى يأخذ صورة واقعية وكاملة عن المطلوب منه وتهيئ دفاعه، وهذا بطبيعة الحال سيجعله على علم و دراية بالمحكمة المختصة، ويتعين أن يكون موضوع الطلب جديا ينبني على واقعة قانونية مخالفة للقانون، تطلب من خلالها استدعاء المبلغ إليه للحضور إلى المحكمة من أجل إبداء وجهة نظره لما نسب إليه. ويختلف موضوع الطلب حسب نوع القضية، فقد يتعلق الأمر بنزاع مدني فيتعين تحديد طبيعته في الاستدعاء هل هو اسري أو نزاع اجتماعي في إطار علاقة الشغل الفردية أو في إطار علاقة الشغل الجماعية بين الأجراء و المشغل، وعليه فإن تحديد موضوع الطلب يكتسي أهمية قصوى، لما له من أثار بليغة على الاستدعاء، ويترتب عن خلوه من الاستدعاء بطلان مسطرة التبليغ.

• تحديد المحكمة المختصة :

يعتبر تحديد المحكمة المختصة في الاستدعاء من البيانات الإلزامية لما لها من أثار جد إيجابية بالنسبة للمدعى عليه، إذ تمكنه من معرفة نوع المحكمة التي يمثل أمامها، أما من حيث الاختصاص المحلي فالأصل أن المحكمة المختصة هي محكمة الموطن الحقيقي أو المختار للمدعى عليه حسب مقتضيات الفصل 27 من ق م م لإعداد دفاعه وحججه حسب طبيعة القضية، أما من حيث الاختصاص النوعي فإن تحديد المحكمة المختصة يجب أن يكون متلائما مع طبيعة النزاع، وإلا فإن المدعى عليه قد يستغل هذه المكنة ليثير الدفع بعدم الاختصاص النوعي، كما قد يثيره القاضي من تلقاء نفسه، ليقرر عرض النزاع من جديد على الجهة المختصة بقوة القانون بناء على حكم مستقل أو بإضافة الطلب العارض إلى الجوهر طبقا لمقتضيات الفصل 16 من ق م م

• تحديد يوم وساعة الحضور:

ويتجلى أهمية هذا المقتضى في كونه يتيح للمحكمة إطلاع المدعى عليه على تاريخ الجلسة بهدف ضمان حضوره في الوقت المحدد للإدلاء بأقواله، غير أنه يراعى عند تحديد هذا التاريخ الموطن الذي يوجد فيه المدعى عليه، فإذا كان موطن أو إقامة هذا الأخير يوجد في مكان مقر المحكمة فإن أجل الحضور يتحدد في خمسة أيام من تاريخ تبليغ الاستدعاء، ومدة خمسة عشر يوم إذا كان موجودا في أي محل أخر من تراب المملكة.

ثانيا : طرق التبليغ

نظمتها الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية.

جاء في الفصل 37 من ق م م : ” يوجه الاستدعاء بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط، أو أحد الأعوان القضائيين أو عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بالطريقة الإدارية. إذا كان المرسل إليه يقيم خارج المغرب، يوجه الاستدعاء بواسطة السلم الإداري على الطريقة الدبلوماسية أو بواسطة البريد المضمون، عدا إذا كانت مقتضيات الاتفاقيات الدولية تقضي بغير ذلك”.

أما الفصل 38 فقد جاء فيه : ” يسلم الاستدعاء والوثائق إلى الشخص نفسه أو في موطنه أو في محل عمله أو في أي مكان آخر يوجد فيه، ويجوز أن يتم التسليم في الموطن المختار.يعتبر محل الإقامة موطنا بالنسبة لمن لا موطن له بالمغرب. يجب أن يسلم الاستدعاء في غلاف مختوم لا يحمل إلا الاسم الشخصي والعائلي وعنوان سكنى الطرف وتاريخ التبليغ متبوعا بتوقيع العون وطابع المحكمة.”

أما الفصل 39 فقد نص على ما يلي : ” ترفق بالاستدعاء شهادة يبين فيها من سلم له الاستدعاء وفي أي تاريخ ويجب أن توقع هذه الشهادة من الطرف أو من الشخص الذي تسلمها في موطنه. وإذا عجز من تسلم الاستدعاء عن التوقيع أو رفضه أشار إلى ذلك العون أو السلطة المكلفة بالتبليغ ويوقع العون أو السلطة على هذه الشهادة في جميع الأحوال ويرسلها إلى كتابة ضبط المحكمة.

إذا تعذر على المكلف بالتبليغ أو السلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته ألصق في الحين إشعارا بذلك في موضع ظاهر بمكان التبليغ وأشار إلى ذلك في الشهادة التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر.

توجه حينئذ كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل.

إذا رفض الطرف أو الشخص الذي له الصفة، تسلم الاستدعاء أشير إلى ذلك في الشهادة.

يعتبر الاستدعاء مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر من الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلم الاستدعاء.

يمكن للقاضي من ناحية أخرى تبعا للظروف تمديد الآجال المذكورة أعلاه والأمر بتجديد الاستدعاء.

يعين القاضي في الأحوال التي يكون فيها موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف عونا من كتابة الضبط بصفته قيما يبلغ إليه الاستدعاء.

يبحث هذا القيم عن الطرف بمساعدة النيابة العامة والسلطات الإدارية ويقدم كل المستندات والمعلومات المفيدة للدفاع عنه دون أن يكون الحكم الصادر نتيجة القيام بهذه الإجراءات حضوريا.

إذا عرف فيما بعد موطن أو محل إقامة الطرف الذي كان يجهل موطنه فإن القيم يخبر بذلك القاضي الذي عينه ويخطر الطرف برسالة مضمونة عن حالة المسطرة وتنتهي نيابته عنه بمجرد القيام بذلك.”

• التبليغ عن طريق أعوان كتابة الضبط

يعتبر التبليغ بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط الوسيلة الأولى التي ركز عليها الفصل 37، ويعد ذلك بديهيا إذا علمنا أن هؤلاء الأعوان تابعون لكتابة الضبط بالمحكمة المعروضة عليها القضية في الغالب، فضلا عن أنهم ينتمون إلى قسم التبليغات وهذا ما يؤهلهم أكثر لمباشرة هذه المهمة، على أنه يتعين الإشارة إلى أن هذه الطريقة تثير كثيرا من المشاكل أهمها البطء وعدم كفاءة الأعوان المكلفين بالتبليغ، إذ لا يقومون في الغالب بملء شواهد التسليم بالطريقة القانونية اللازمة، الأمر الذي يجعل كثيرا من التبليغات تتعرض للبطلان.

• التبليغ عن طريق المفوضين القضائيين

حددت المادة 15 من القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006 مهام واختصاص المفوض القضائي والتي من بينها القيام بعمليات التبليغ، وفي هذا الإطار يتعين على الأطراف أو نوابهم عند تقديم طلبهم للمحكمة أن يبينوا فيه اسم المفوض القضائي المختار الذي يضع طابعه وتوقيعه في أعلى الصفحة الأولى من الطلب أو يسلم للمعني بالأمر إشهادا موقعا باسمه يلتزم فيه بالقيام بالإجراء المطلوب وعندئذ تقوم كتابة الضبط بتسليم الاستدعاءات وشواهد التسليم والطيات المتعلقة بالتبليغ والوثائق المرتبطة بها إلى المفوض القضائي بواسطة سجل يعد لهذا الغرض، وبعد إنجاز التبليغ يرجع المفوض القضائي المرجعات لكتابة الضبط مقابل توقيع وفي حال تعذر إنجازه للمطلوب يعرض الأمر على رئيس المحكمة أو من ينوب عنه.

المشرع المغربي أوجب على المفوض القضائي بمقتضى المادة 18 من القانون رقم 81.03 إنجاز الإجراءات والتبليغات والمحاضر في ثلاثة أصول، يسلم الأول إلى الطرف المعني بالأمر معفى من حق التنبر، والنسخة الثانية تودع بملف المحكمة، فيما يحتفظ المفوض القضائي بالثالث بمكتبه لمدة خمس سنوات، وبعد انقضاء هذه المدة يقوم بإرجاعه إلى كتابة الضبط لتتولى حفظه في سجل خاص مقابل وصل يثبت إيداعه لهذه النسخة.

على أن مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية تجعل التبليغ عن طريق المفوضين القضائيين الطريق الاصلي والاساسي وما دونه استثناء حيث جاء في الفصل 37 من المسودة : ” يبلغ الاستدعاء بواسطة أحد المفوضين القضائيين، يمكن للمحكمة أن تأمر عند الاقتضاء تبليغ الاستدعاء بواسطة أحد موظفي كتابة الضبط أو بالطريقة الادارية أو بأي وسيلة أخرى للتبليغ”.

• التبليغ عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل

المحاكم لا تلجئ إلى سلوك مسطرة التبليغ عن طريق البريد إلا في حالة استحالة أو فشل عملية التبليغ بواسطة العون القضائي أو عون كتابة الضبط، وتعد الوسيلة الأنجع في التبليغ إذا ما رجعنا إلى الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 39 فقد جاء فيهما ما يلي: ” إذا تعذر على عون كتابة الضبط أو السلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته أشار إلى ذلك في الشهادة التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر. توجه حينئذ كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل”.

والدليل على نجاعة التبليغ بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل أن المشرع اعتبر الاستدعاء الذي رفض الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلمه، مسلما تسليما صحيحا ابتداءا من اليوم العاشر الموالي للرفض ومع ذلك لا مناص من تسجيل ملاحظة مفادها أن إشكالات هذا النوع من التبليغ لا تقل عما سبق ذكره، إذ في كثير من الأحيان يتم إرجاع الطي بملاحظة غير مطلوب أو بملاحظة تعني الرفض، هذا إلى جانب أنه يمكن للعديد من الأشخاص المعنيين بالتبليغ من التملص والتحلل من آثاره بدعوى أن الظرف الذي تم التوصل به كان فارغا.

• التبليغ بواسطة القيم

يتم تعيين القيم لتبليغ الاستدعاء في الأحوال التي يكون فيها موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف، ويعين القيم من بين أعوان كتابة الضبط، وتكمن مهمة القيم في البحث عن الطرف المعني، وتقديم المعلومات والمستندات المفيدة عنه، ويساعد القيم في مهمته النيابة العامة والسلطات الإدارية، وفي حالة ما إذا عرف موطن أو محل إقامة الطرف الذي لم يكن موطنه معروفا، يخبر القيم القاضي بذلك، ويخطر إضافة إلى ذلك المعني بحالة المسطرة والمراحل التي بلغتها.

• التبليغ بالطريقة الإدارية

لا شك أن للسلطات الإدارية دورا مهما في القيام بالتبليغ، ذلك أن التبليغ بالقرى والبوادي والمناطق النائية يرتكز بالأساس على أعوان السلطة (الشرطة، الدرك، المقدم، الشيخ)، بل إن لهؤلاء أهمية كبرى حتى في التبليغ في المجال الحضري، غير أن هذا الدور سرعان ما يرتب العديد من الإشكالات خاصة بالنسبة لشهادات التسليم التي لا تملأ بالطريقة والدقة اللتين يتطلبهما القانون، إذ غالبا ما تكون التبليغات التي يقوم بها أعوان السلطة محل طعن.

• التبليغ بالطريقة الدبلوماسية:

يعد التبليغ بالطريقة الدبلوماسية من الطرق الهامة التي تساعد على إيصال الاستدعاءات إلى المعنيين بالأمر المقيمين خارج تراب المملكة، ويساهم هذا النوع من التبليغ في تمكين المغاربة المقيمين بالخارج بوجه خاص من الإحاطة بالإجراءات والدعاوى والأحكام التي تهمهم والتي تباشر في وطنهم، وتعد وزارة الشؤون الخارجية و التعاون من خلال السفارات والقنصليات المغربية بالخارج الجهات الرئيسية في القيام بهذا النوع من التبليغات، ومع أهمية هذه الطريقة فإن لها العديد من السلبيات منها البطء وطول الإجراءات وتعقيد المساطر.

ثالثا : طرق التبليغ الخاصة

إضافة الى الوسائل العامة للتبليغ في ق م م نشير إلى وسائل أخرى للتبليغ أشار إليها المشرع في ق م م ونصوص قانونية أخرى كمدونة تحصيل الديون العمومية والقانون المنظم لمهنة المحاماة :

• التبليغ عن طريق مأمور التبليغ والتنفيذ التابع للخزينة العامة للمملكة.

• التبليغ بواسطة النشر في الجريدة الرسمية أو الصحف الوطنية المتعلق بإلغاء مقررات السلطة الادارية للشطط في استعمال السلطة.

• التبليغ بواسطة كتابة هيئة المحامين المتعلق بقرارات النقيب واستدعاءات مجلس الهيأة.

رابعا : أجال التبليغ

جاء في الفصل 40 من ق م م : ” يجب أن ينصرم ما بين تبليغ الاستدعاء واليوم المحدد للحضور أجل خمسة أيام إذا كان للطرف موطن أو محل إقامة في مكان مقر المحكمة الابتدائية أو بمركز مجاور لها ومدة خمسة عشر يوما إذا كان موجودا في أي محل آخر من تراب المملكة تحت طائلة بطلان الحكم الذي قد يصدر غيابيا.” أما الفصل 41 فقد نص على ما يلي : ” إذا لم يكن للطرف الذي وقع استدعاؤه لا موطن ولا محل إقامة في دوائر نفوذ محاكم المملكة فإن أجل الحضور يحدد فيما يلي: – إذا كان يسكن بالجزائر أو تونس أو إحدى الدول الأوروبية: شهران؛ – إذا كان يسكن بدولة افريقية أخرى أو آسيا أو أمريكا: ثلاثة أشهر؛ – إذا كان يسكن بالاقيانوس : أربعة أشهر. تطبق الآجال العادية عدا إذا مددها القاضي بالنسبة إلى الاستدعاءات التي سلمت إلى الشخص بالمغرب الذي لا يتوفر بعد على موطن ومحل إقامة.”

خامسا : الأشخاص المراد التبليغ إليهم

الفصل 38 : ” يسلم الاستدعاء والوثائق إلى الشخص نفسه أو في موطنه أو في محل عمله أو في أي مكان آخر يوجد فيه، ويجوز أن يتم التسليم في الموطن المختار. يعتبر محل الإقامة موطنا بالنسبة لمن لا موطن له بالمغرب. يجب أن يسلم الاستدعاء في غلاف مختوم لا يحمل إلا الاسم الشخصي والعائلي وعنوان سكنى الطرف وتاريخ التبليغ متبوعا بتوقيع العون وطابع المحكمة.”

التبليغ إلى الشخص نفسه :

• التبليغ للشخص الطبيعي

اذا كان حاضرا بالجلسة تخبره المحكمة بتاريخ الجلسة اللاحقة وتشهد عليه كتابة الضبط سواء كان حاضرا بنفسه أو عن طريق موكله في حالة المحامي، غير أن الحالة العامة هي استدعاء الشخص في محل سكناه العادي الذي يسمى الموطن الاصلي متى تعلق الامر بأحواله الشخصية ويتم التبليغ في موطن أعماله فيما يتعلق بنشاطه المهني، ومع ذلك فإن أي تبليغ في أحد الموطنين يعتبر صحيحا وفق الفصل 519 الذي جاء فيه : ” يكون موطن كل شخص ذاتي هو محل سكناه العادي ومركز أعماله ومصالحه. إذا كان للشخص موطن بمحل ومركز أعماله بمحل آخر اعتبر مستوطنا بالنسبة لحقوقه العائلية وأمواله الشخصية بمحل سكناه العادي وبالنسبة لحقوقه الراجعة لنشاطه المهني بالمحل الذي يوجد به مركز أعماله ومصالحه دون أن يتعرض للبطلان أي إجراء سلم لهذا العنوان أو ذلك”. ويعتبر التبليغ صحيحا سواء تم إلى الشخص نفسه أو لأحد أقاربه أو لأي شخص آخر يسكن معه مادام أنه تم في موطنه الاصلي أي محل سكناه العادي.

لكن ورد في قرار لمحكمة النقض : ” أن الزوجة التي هي في نزاع مع زوجها المبلغ له لا تبقى لها الصفة لتسلم الاستدعاء وإن رفضت تسلمه من طرفها لا تترتب عنها النتائج التي يقررها الفصل 39 من ق.م.م والفصل 48 الذي يعتبر الاستدعاء مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر عن الطرف الذي له الصفة في ذلك”.

• التبليغ للشخص المعنوي

يتم عن طريق تبليغ ممثله القانوني، طبقا للفصل 516 من ق م م الذي جاء فيه : ” توجه الاستدعاءات والتبليغات وأوراق الإطلاع والإنذارات والإخطارات والتنبيهات المتعلقة بفاقدي الأهلية والشركات والجمعيات وكل الأشخاص الاعتباريين الآخرين إلى ممثليهم القانونيين بصفتهم هذه.”

غير أن محكمة النقض ذهبت في كثير من قراراتها إلى أنه يجوز التبليغ إلى الشخص الاعتباري بواسطة أي شخص يعمل معه ولو كان حارس الشركة أو أي عامل تابع لها، وهو ما أكده قرار صادر عنها رقم 95 بتاريخ 28-02-1979 والذي ورد فيه : ” تسليم الطي لأحد مستخدمي الشركة موجه فيه التبليغ إلى مدير الشركة بصفته الممثل القانوني لها هو تبليغ تم بصفة قانونية طبقا لمقتضيات الفصل 516 و 38 من ق.م.م لوجود علاقة تبعية للمستخدم بالنسبة لمدير الشركة كممثل قانوني”.

• التبليغ للمعني عن طريق من له الصفة

فيتم التبليغ هنا لأي شخص يسكن معه سواء أقاربه أو الخدم الذين معه أو كل شخص يسكن معه، ومتى تم التبليغ لأي واحد منهم فإنه لا يمكن للمعني بالأمر أن يحتج بعدم توصله بالاستدعاء.

التبليغ في الموطن الأصلي:

يعد الموطن الأصلي للشخص ذلك الموطن الذي يستقر فيه وتربط به علاقة ومصالح، ويباشر فيه نشاطه القانوني وعلاقاته مع غيره من الأشخاص ويسمى أيضا بالموطن الحقيقي، والأصل أن يتم التبليغ كل الإجراءات التي لها علاقة بالحقوق العائلية و الأموال الشخصية بمحل السكنى العادي للشخص المعني بالأمر، وفي هذا السياق جاء قرار لمحكمة النقض:” إن الموطن الحقيقي طبقا للفصل 519 من ق.م.م هو محل سكنى الشخص العادي وقت وقوع التبليغ ” وتبدو أهمية الموطن في كون أنه هو المكان الذي تبلغ فيه الإستدعاءات والإنذارات وكذا التبليغات، والذي من خلاله يتم التعرف على الاختصاص المكاني وأجال التبليغ.

وكما يتم الاستدعاء بالموطن الحقيقي للطرف المعني، فإنه يتم تبليغ الحكم إليه أيضا بهذا الموطن سواء كان الحكم ابتدائيا أو قرارا استئنافيا، وعليه فإنه متى تم تبليغ الاستدعاء في موطن المعني بالتبليغ ولو في غيابه فإنه يعد تبليغا صحيحا لكن شريطة تبيان اسم الشخص الذي تسلم الطي وتوقيعه أو رفضه أو بيان سباب عدم التوقيع، كما أشار إلى ذلك قرار محكمة النقض رقم 188 بتاريخ 15-03-1987 الذي قضى على أن : ” مجرد تسليم التبليغ لشخص بعنوان المبلغ إليه لا يعتبر صحيحا إلا إذا كان الاستدعاء متوفرا على الشروط المطلوبة في الفصلين 39 و 516 من ق.م.م ويؤدي النقص في بيانات الاستدعاء بعدم ذكر الاسم الشخصي والعائلي للمتسلم إلى البطلان “.

التبليغ في الموطن المختار:

إذا كانت القاعدة العامة تقضي بأن تعيين الموطن المختار هو أمر اختياري كما أكد على ذلك المشرع المغربي ضمن الفقرة الأولى من الفصل 38 بقوله أنه ” يجوز أن يتم التسليم في الموطن المختار”، فإن القانون نص في حالات معينة على ضرورة تعيين موطن مختار، وهو ما نستشفه من خلال مقتضيات الفصل 330 من ق م م الذي نص على أنه ” يجب على كل طرف يقيم خارج دائرة نفوذ المحكمة المرفوع إليها الاستئناف أن يعين موطنا مختارا في مكان مقرها، ويجب أن يتضمن كل تبليغ إلى شخص لم يدخل في الدعوى عند الاقتضاء تنبيها بتعيين موطن مختار “.

ولعل الغاية من إلزامية تعيين الموطن المختار هو تسهيل سير الدعاوى وسائر الإجراءات بما فيها التبليغات خاصة إذا كان الشخص المبلغ إليه يقيم خارج دائرة نفوذ المحكمة، كما أن عدم اختيار موطن قد يفوت على الطرف المبلغ إليه فرصة التوصل بالإستدعاءات والإشعارات، علما أن المشرع المغربي اعتبر كل إجراء في هذه المرحلة صحيحا لدى كتابة الضبط، مادام أن المتقاضي الذي يسكن خارج دائرة نفوذ المحكمة لم يحدد موطنا مختارا له، ولم ينتدب وكيلا له موطن حقيقي أو مختار في دائرة نفوذ المحكمة.

التبليغ في محل الإقامة:

لقد اعتبر المشرع المغربي ضمن الفقرة الثانية من الفصل 38 من ق.م.م على أن محل الإقامة موطنا بالنسبة لمن لا موطن له بالمغرب، وبهذا فإنه يكون قد أوجب على الأشخاص الذين يقيمون خارج الوطن سواء كانون مغاربة أو أجانب بضرورة اختيار محل الإقامة إذا كانوا لا يتوفرون على موطن بالمغرب، ويعتبر هذا المحل بمثابة موطن يسلم فيه الشخص الاستدعاء وجميع الوثائق الصادرة من قبل المحكمة. وقد عرف المشرع المغربي محل الإقامة بموجب الفصل520 من ق.م.م حيث قال : ” يكون محل الإقامة هو المحل الذي يوجد به الشخص فعلا في وقت معين “.

سادسا : مكان التبليغ

يسمى الموطن، فهو مكان التبليغ أو هو المقر القانوني للشخص فيما يتعلق بنشاطه القانوني وعلاقاته مع غيره من الاشخاص بحيث يعتبر موجودا فيه على الدوام، ولو تغيب عنه بصفة مؤقتة.

الموطن العام ويسمى أحيانا بالموطن الاصلي ويقصد به الموطن الذي يستقر فيه الشخص ويزاول فيه نشاطه العام والعائلي ويختاره بإرادته مقرا له ولأسرته، وإذا كان له موطن خاص فإن مكان التبليغ هو الموطن العام خصوصا فيما يتعلق بأحواله الشخصية ونزاعاته المالية، وهو المقتضى الذي نص عليه الفصل 519 بقوله ” يكون موطن كل شخص ذاتي هو محل سكناه العادي ومركز أعماله ومصالحه. إذا كان للشخص موطن بمحل ومركز أعماله بمحل آخر اعتبر مستوطنا بالنسبة لحقوقه العائلية وأمواله الشخصية بمحل سكناه العادي وبالنسبة لحقوقه الراجعة لنشاطه المهني بالمحل الذي يوجد به مركز أعماله ومصالحه دون أن يتعرض للبطلان أي إجراء سلم لهذا العنوان أو ذلك.”

الموطن الخاص

• المقر الاجتماعي : أي موطن الشركة وهو المحل الذي يوجد به مركزها الاجتماعي.

• المقر القانوني : فبالنسبة لموطن فاقد أو ناقص الاهلية هو موطن حاجره، وبالنسبة للموظف العمومي هو المحل الذي يمارس فيه وظيفته حسب الفصل 521 من ق م م.

محل الاقامة

يعتبر بمثابة الموطن الاصلي حسب مقتضيات الفصل 38 الذي جاء فيه : ” يعتبر محل الاقامة موطنا بالنسبة لمن لا موطن له بالمغرب”، وبالرجوع الى الفصل 520 نجده يعرف محل الاقامة بالمحل الذي يوجد فيه الشخص في وقت معين.

الموطن المختار

نص عليه الفصل 330 بقوله : ” يجب على كل طرف يقيم خارج دائرة نفوذ المحكمة المرفوع إليها الاستيناف أن يعين موطنا مختارا في مكان مقرها، ويجب أن يتضمن كل تبليغ إلى شخص لم يدخل بعد في الدعوى عند الاقتضاء تنبيها بتعيين موطن مختار.” والمشرع المغربي يرجح في كثير من الاحيان الموطن المختار على الموطن الاصلي لتنفيذ كثير من الاجراءات.

📗 خلاصة الباب

  • التبليغ هو الإجراء الذي يُعلَم بموجبه الخصم رسميا بمقال الدعوى أو بالأحكام والإجراءات القضائية، ضمانا لمبدأ المواجهة وحق الدفاع.
  • يتم التبليغ بطرق محددة قانونا (كتابة الضبط، الطرق الإدارية، البريد المضمون) وتترتب على عدم صحته آثار جوهرية قد تصل إلى بطلان الإجراء المبلَّغ به.

◀ الفصل السابق: تقييد الدعوى

🔖 فهرس الكتاب

الفصل التالي: الطلبات الأصلية

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية