📖 المسطرة المدنية — الفصل 12 من 26 — فهرس الكتاب
مدخل
الدفع هو جميع وسائل الدفاع التي يجوز للخصم الاستعانة بها لتفادي الحكم لخصمه بما يدعيه سواء كانت هذه الوسائل موجهة الى الخصم أو موجهة الى بعض إجراءات الدعوى أو موجهة إلى اصل الحق أو سلطة الخصم في استعمال دعواه، وهناك معنى خاص ويقصد به الوسائل التي يستعين بها الخصم فيطعن بمقتضاها في صحة إجراءات الخصومة دون أن يتعرض لأصل الحق الذي يزعمه الخصم، فيتفادى مؤقتا الحكم عليه بمطلوب خصمه كأن يطعن في إجراء خلال رفع الدعوى، فهو وسيلة دفاع سلبية محضة، وهي وسيلة نظمها القانون باعتبارها وسيلة تمكن المدعى عليه من الاعتراض على الدعوى والطعن في إجراءاتها، فهي وسائل قانونية في يد المدعى عليه كما أن من حق المدعي تقديم دفوع للرد على الطلبات العارضة التي يتقدم بها المدعى عليه، لكن يجب أن نميز بين ثلاثة أنواع من الدفوع، الدفوع الشكلية و الدفوع الموضوعية و الدفع بعدم القبول.
أولا : الدفوع الشكلية أو الاجرائية أو المسطرية
أو الدفوع الاجرائية، وتوجه الى بعض شكليات وإجراءات الخصومة دون المس بجوهر الحق المدعى به من المدعي، ويقصد بها تفادي الحكم في الموضوع بصفة مؤقتة، فهي دفوع لا يقصد بها الطعن في أصل الحق وإنما الطعن في صحة الخصومة القائمة أمام المحكمة أو إجراءاتها، مثال ذلك الدفع ببطلان الاجراءات بناء على نقص الأهلية، ذلك ان المشرع أحاط عملية التقاضي بإجراءات شكلية تعتبر ضمانات للمتقاضين ينبغي عليهم وعلى المحكمة احترامها تحت طائلة بطلان الاجراء المخالف للقانون وبالتالي بطلان ما بني عليه من اجراءات لاحقة فكل إخلال شكلي بإجراء من إجراءات الدعوى يعطي للخصم حق التمسك بتطبيق جزاء هذا الاخلال عن طريق استعمال الدفع الشكلي المناسب.
القواعد المنظمة للدفوع الشكلية:
• ضرورة إثارة الدفوع الشكلية قبل التعرض لجوهر الحق المدعى به بمعنى قبل الدخول إلى الموضوع والا اعتبر صاحب الحق متنازلا عنها، فالدفوع الشكلية يسقط الحق في إثارتها بعد الدفاع عن الجوهر ما لم تتعلق بالنظام العام وهو ما لا ينطبق على الدفوع الموضوعية كالدفع بالتقادم المسقط حيث يمكن إثارتها في أية مرحلة من مراحل النزاع تكون فيها الدعوى ما تزال قائمة، نفس المقتضى بالنسبة للدفوع الشكلية المتعلقة بالنظام العام كالدفع بعدم الاختصاص النوعي فلا يسقط هذا الدفع.
• ضرورة إثارة الدفوع المسطرية في وقت واحد، والحكمة من ذلك الانتهاء من هذه الدفوع والانتقال إلى مناقشة الموضوع كي لا يطول أمد النزاع في الشكليات.
• ضرورة بت المحكمة للدفوع المسطرية قبل الانتقال إلى الموضوع.
• يجب أن يراعى في الدفع الشكلي الأولوية في ابدائه اذا كان هناك أكثر من دفع شكلي، فالدفع بعدم الاختصاص النوعي والدفع بعدم الاختصاص المكاني حسب الفصل 16 يجب أن يمارسا قبل أي دفع شكلي آخر، كذلك الأمر بالنسبة للدفع بالإحالة ف49.
• الدفع الشكلي لا يتعرض إلى أصل الحق وإنما يثير نزاعا فرعيا، وبالتالي ففي حالة الاستجابة لهذا الدفع وعدم قبول الدعوى شكلا لا ينتهي النزاع ويبقى من حق المدعي أن يثير النزاع في الموضوع مرة أخرى أمام المحكمة دون أن يواجه بسبقية الفصل في القضية، لكن يجب عليه أن يحترم المساطر الشكلية التي أخل بها سابقا.
• الأصل أن المحكمة تبت في الدفع الشكلي قبل البحث في الجوهر، لكن ذلك لا يمنع من النظر في الدفع في الموضوع بصفة متزامنة مع الدفع الشكلي والفصل فيهما بحكم واحد تبين فيه ما قضت به في كل منهما.
• عدم إمكانية إثارة الدفوع الشكلية لأول مرة أمام محكمة الاستيناف الا بالنسبة للأحكام الغيابية.
حالات الدفوع الشكلية
المشرع المغربي لم يعتبر الدفوع الشكلية مذكورة في القانون على سبيل الحصر بل اعتبرها متى توفرت فيها صفات الدفع بصرف النظر عن نص القانون، جاء في الفصل 49 : ” يجب أن يثار في آن واحد وقبل كل دفاع في الجوهر الدفع بإحالة الدعوى على محكمة أخرى لتقديمها أمام محكمتين مختلفتين أو لارتباط الدعويين والدفع بعدم القبول وإلا كان الدفعان غير مقبولين. يسري نفس الحكم بالنسبة لحالات البطلان والاخلالات الشكلية والمسطرية التي لا يقبلها القاضي إلا إذا كانت مصالح الطرف قد تضررت فعلا.”
• الدفع بعدم الاختصاص
جاء في الفصل 16 : ” يجب على الأطراف الدفع بعدم الاختصاص النوعي أو المكاني قبل كل دفع أو دفاع. لا يمكن إثارة هذا الدفع في طور الاستيناف إلا بالنسبة للأحكام الغيابية. يجب على من يثير الدفع أن يبين المحكمة التي ترفع إليها القضية وإلا كان الطلب غير مقبول. إذا قبل الدفع رفع الملف إلى المحكمة المختصة التي تكون الإحالة عليها بقوة القانون وبدون صائر. يمكن الحكم بعدم الاختصاص النوعي تلقائيا من لدن قاضي الدرجة الأولى.”
من خلال الفصل 16 يتبين أن الدفع بعدم الاختصاص يرمي الى اثبات عدم اختصاص المحكمة المعروض عليها النزاع سواء كان الاختصاص محليا أو نوعيا، والفرق بينهما في المجال الاجرائي أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي يمكن للمحكمة أن تثيره وتحكم به تلقائيا ولو لم يشر اليه الاطراف لأنه يتعلق بالنظام العام، ثم ان تقديم الدعوى الى جهة غير مختصة فيه مساس بالوظيفة القضائية للمحكمة والتي يتعين احترامها تحت طائلة عدم القبول، أما الدفع بعدم الاختصاص المكاني فالمتقاضون هم المؤهلون لإثارة هذا الدفع والمدعى عليه يتوفر على الصفة والمصلحة التي تؤهله لإثارة هذا الدفع باعتباره المستفيد الأول والأخير من الحكم بعدم الاختصاص، كما يجب عليه حسب منطوق الفصل 16 أن يحدد المحكمة المختصة تحت طائلة عدم قبول الدفع.
قبل احداث المحاكم المتخصصة كانت مسألة الدفع بعدم الاختصاص النوعي نادرا ما تُطرح حيث أن المحاكم العادية كانت لها الولاية العامة، لكن بعد احداث المحاكم المتخصصة أصبحت تثار مسألة الاختصاص النوعي.
• – الدفع بالبطلان
يقصد بالبطلان هنا بطلان المقال الافتتاحي للدعوى لعدم احترام مقتضيات الفصلين 31 و 32 من ق م م التي تقضي بضرورة صياغة المقال متضمنا الاسماء الشخصية والعائلية وصفة مهنة وموطن ومحل اقامة الاطراف ثم موضوع الدعوى والوقائع الوسائل المثارة ثم توقيع المقال من طرف المدعي أو وكيله وغير ذلك من الشروط المنصوص عليها في الفصلين، كما يمكن الحديث عن بطلان استدعاءات الحضور من قبيل استدعاء المدعى عليه في مدة تقل عن المحددة قانونا.
• 3- الدفع بالإحالة أو الضم
الدفع بالإحالة هو دفع يقام عندما ترفع دعوى واحدة أمام محكمتين كلاهما مختصة بالنظر في النزاع، ويشترط أن يكون لهما نفس الموضوع والسبب والاطراف، جاء في الفصل 109 : ” إذا سبق أن قدمت دعوى لمحكمة أخرى في نفس الموضوع أو إذا كان النزاع مرتبطا بدعوى جارية أمام محكمة أخرى أمكن تأخير القضية بطلب من الخصوم أو من أحدهم.”. وأما الدفع بالضم فيمارس عندما تسجل عدة دعاوى يقوم بينها ارتباط قانوني أمام محكمة واحدة أو محكمتين فيكون من حسن سير العدالة ضم هذه الدعاوى المرتبطة أمام محكمة واحدة، جاء في الفصل 110 : ” تضم دعاوى جارية أمام محكمة واحدة بسبب ارتباطها بطلب من الأطراف أو من أحدهم وفقا لمقتضيات الفصل 49″.
4- الدفع بالتوقف عن البت
وهي توجيه طلب الى المحكمة لوقف إجراءات الدعوى ريثما يتخذ إجراء ضروري لمواصلتها، أو يتخذ قرار في دعوى متعلقة بنفس الموضوع لدى محكمة أخرى، مثال ذلك طلب ادخال ضامن أو شخص ثالث في الدعوى أو كالحالة التي يطلب فيها وقف البت في دعوى القسمة الى حين الفصل في دعوى الشفعة.
ثانيا : الدفع بعدم القبول
هو الدفع الذي ينازع به المدعى عليه في أن للمدعي حقا في رفع دعواه أو في توافر الشروط التي يتطلبها القانون لقبول الدعوى، فهو دفع بإنكار أصل الحق وإنكار حق المطالبة به، فهو لا ينصب على الطعن في الاجراءات بل ينكر حق الادعاء أصلا، فالمدعى عليه يطعن في حق المدعي في استعمال الدعوى، وهذا الدفع يكون لانعدام الشروط اللازمة لقبول الدعوى كانعدام المصلحة في الدعوى أو لنقص شرط من شروطها أو لانعدام الصفة، ويكون أيضا لفوات الميعاد المحدد لرفعها أو المناسبة المحددة لذلك، فالدفع بعدم القبول وسيلة دفاع ترمي إلى إنكار وجود الدعوى، فهو يوجه إلى الوسيلة التي يحمي بها صاحب الحق حقه وهي الدعوى، وما إذا كان من الجائز استعمالها أو أن شرط استعمالها غير جائز لعدم توافر شرط من شروط صحتها.
حالات الدفع بعدم القبول :
• انعدام الصفة أو الاهلية أو المصلحة.
• عدم قبول الطلبات الجديدة أمام محكمة الاستيناف.
• عدم قبول الطعن المرفوع بعد الميعاد.
تمييز الدفع بعدم القبول عن الدفوع الشكلية
اعتبر الفصل 49 الدفع بعدم القبول من الدفوع الشكلية وأوجب اثارته قبل الكلام في الموضوع، لكن هذا الدفع يتميز عن الدفوع الشكلية كونه لا يتعلق بإجراءات الدعوى كما في الدفوع الشكلية وإنما يتعلق بشروط الحق في مباشرتها، مثال ذلك الدفع بعدم القبول لرفعها على غير ذي صفة، لكنهما يلتقيان في أن الحكم بقبولهما لا ينهي النزاع ولا يمنع من إقامة دعوى جديدة متى تم تصحيح الخلل المسطري الذي أدى إلى عدم القبول، جاء في الفصل 1 من ق م م : ” يثير القاضي تلقائيا انعدام الصفة أو الاهلية أو المصلحة أو الاذن بالتقاضي إذا كان ضروريا وينذر الطرف بتصحيح المسطرة داخل أجل يحدده، أذا تم تصحيح المسطرة اعتبرت الدعوى كأنها أقيمت بصفة صحيحة وإلا صرح القاضي بعدم قبول الدعوى”.
الدفع بعدم القبول والنظام العام
تقضي المحكمة بعدم قبول الدعوى من تلقاء نفسها في حالة كان يتعلق بالنظام العام كعدم قبول الطلبات الجديدة أمام محكمة الاستيناف وعدم قبول الطعن المرفوع بعد الميعاد، و حين لا يتعلق الدفع بالنظام العام لا تقضي المحكمة بعدم قبول الدعوى من تلقاء نفسها كالدفع بعدم قبول الدعوى لسابقة الفصل فيها.
الدفع بعدم القبول والرفض
عدم القبول يختلف عن الرفض، فالرفض يتناول الموضوع ويمنع من إعادة رفع الدعوى للنظر في نفس الحق، أما عدم القبول فلا يتناول إلا الحق في رفع الدعوى ولا يمس الحق الذي يطالب به رافع الدعوى، لذلك يجوز تجديد رفع الدعوى التي حكم بعدم قبولها ما لم يتعلق الأمر بتقادمها.
رفض الدعوى يعنى أن المحكمة بحثت فى موضوع الدعوى وتبين عدم أحقية المدعى فى ادعائه، أى أنه لم يثبت لها حقه فى الدعوى، ولم يستطع المدعى أثبات دعواه، فتكون الوقائع الموضوعية للدعوى غير مستندة على أي أساس قانونى، بمعنى وجود قصور أو انعدام للمواد القانونية التى تدعم الوقائع التى اعتمدت عليها الدعوى، فلا يكون للمتقاضى الحق فيما طلب ولو كان هناك أساس قانونى يدعم وقائعه فى القضية لاعتبرت الدعوى مؤسسة على أسس صحيحة.
وعليه فرفض الدعوى لعدم التأسيس القانونى تعنى أن المتقاضى لا يملك الحق وليس له إعادة الدعوى أمام نفس الجهة القضائية لأنها سوف تؤول إلى الرفض لسبق الفصل فيها، ولا يبقى له سوى طرق الطعن المقررة قانونًا.
ثالثا : الدفوع الموضوعية
الدفوع الموضوعية هي التي توجه إلى الحق موضوع الدعوى بغرض الحكم برفض الدعوى كليا أو جزئيا ولا علاقة لها بالاخلالات الاجرائية، فالدفع الموضوعي ينازع في نشوء الحق أو بقائه أو مقداره ويرمي إلى رفض طلبات المدعي كليا أو جزئيا، لذلك فالدفوع الموضوعية لا علاقة بها بالإجراءات والمساطر بل هي تتعلق بذات الحق المدعى به.
نماذج من الدفوع الموضوعية :
• الدفع ببطلان العقد أو بطلان الالتزام
• تزوير العقد المطالب بتنفيذه أو أداء المبلغ المطالب به
• نفي المسؤولية المطالب بالتعويض على أساسها
• الدفع بالصورية
• الدفع بانقضاء الدين بالتقادم أو بالوفاء أو بالمقاصة أو ببطلان سند الدين
لذلك فإن هذه الدفوع يجوز التمسك بها في أي مرحلة من مراحل الدعوى ما لم يقفل باب المرافعة ويمكن الادلاء بها أمام محكمة الاستيناف لأول مرة، على خلاف الدفوع الشكلية التي يجب التمسك بها قبل مناقشة الموضوع ولا يمكن التمسك بها لأول مرة أمام محكمة الاستيناف. ويجب أن نميز بين الدفع الموضوعي والدفاع الموضوعي، فالدفع الموضوعي يقتضي تمسك المدعى عليه بواقعة مُنهية للحق بغرض رفض الدعوى أما الدفاع الموضوعي فهو إنكار الوقائع المدعاة أو إنكار اثرها القانوني.
أحكام الدفوع الموضوعية
• يجوز إبداؤها ابتدائيا واستئنافيا، وإبداء دفع موضوعي لا يسقط الحق في النزول عن دفع موضوعي آخر فيسقط الحق فيه، كما أن الدفوع الموضوعية تبقى إلى حين قفل المرافعة بل وحتى بعد قفلها بقرار معلل.
• الحكم الصادر في الدفع الموضوعي يعتبر حكما فاصلا في الموضوع ولذلك فهو يحوز حجية الأمر المقضي به، وبالتالي لا تقبل الدعوى التي صدر فيها حكم بين نفس الخصوم ونفس الموضوع ونفس السبب برفض الطلب.
• لا يجب إبداء الدفوع الموضوعية بأولوية معينة كما في الدفوع الشكلية فيجوز للخصم التمسك في جلسة بدفع موضوعي ثم في جلسة أخرى بدفع موضوعي آخر.
📗 خلاصة الباب
- الدفوع هي الوسائل القانونية التي يستعملها الخصم لصد الدعوى المرفوعة ضده، وتنقسم إلى دفوع شكلية (تتعلق بالإجراءات كعدم الاختصاص أو البطلان) ودفوع موضوعية (تتعلق بجوهر الحق المدعى به) ودفوع بعدم القبول.
- يجب إثارة الدفوع الشكلية قبل أي دفاع في الموضوع وإلا سقط الحق في التمسك بها، بخلاف الدفوع الموضوعية التي يجوز إثارتها في أي مرحلة من مراحل الدعوى.
اترك تعليقاً