📖 المسطرة المدنية — الفصل 16 من 26 — فهرس الكتاب
مدخل
إن الأحكام القضائية ليست واحدة بل تختلف إما من حيث صدورها بحضور أو غياب الأطراف ونميز هنا بين الأحكام الحضورية والأحكام الغيابية، وتختلف من حيث قابليتها للطعن فنميز هنا بين الأحكام الابتدائية أو الأحكام الإنتهائية، أما من حيث مدى فصلها في النزاع فنميز بين الأحكام القطعية والأحكام غير قطعية.
أولا : الأحكام الحضورية و الأحكام الغيابية
يكون الحكم حضوريا أو غيابيا حسب حضور أو غياب الخصوم، فالحكم الحضوري يعني حضور الخصوم حضورا ماديا وشخصيا أو بواسطة وكلائهم أثناء جلسة صدور الحكم، أما الحكم الذي يصدر في حق المعني بالأمر غيابيا فيجوز الطعن فيه بالتعرض شرط أن يكون غير قابل للاستئناف.
المشرع المغربي اعتمد معيارا آخر غير حضور الاطراف بصفة شخصية فهو يميز بين القضايا التي تكون فيها المسطرة كتابية أو شفوية كما هو مبين في الفصل 45 من ق م م، فمتى كانت المسطرة كتابية فإن الحضور لا يتطلب وجود الشخص في الجلسة وإنما يكفي أن يقدم مستنتجات كتابية في الدعوى، وفي حالة عدم تقديمها فحضوره لا يفيد، ويصدر الحكم عليه في هذه الحالة غيابيا، أما إذا كانت المسطرة شفوية فالحكم يعتبر حضوريا عندما يحضر الخصوم للجلسات سواء بأنفسهم أو بواسطة وكلائهم.
الفصل 45 : ” تطبق أمام المحاكم الابتدائية وغرف الاستينافات بها قواعد المسطرة الكتابية المطبقة أمام محاكم الاستيناف وفقا لأحكام الفصول 329 و331 و332 و334 و335 و336 و342 و344 الآتية بعده. تمارس المحكمة الابتدائية ورئيسها أو القاضي المقرر، كل فيما يخصه، الاختصاصات المخولة حسب الفصول المذكورة لمحكمة الاستيناف ولرئيسها الأول أو للمستشار المقرر.
غير أن المسطرة تكون شفوية في القضايا التالية:
1 – القضايا التي تختص المحاكم الابتدائية فيها ابتدائيا وانتهائيا؛
2 – قضايا النفقة والطلاق والتطليق؛
3 – القضايا الاجتماعية؛
4 – قضايا استيفاء ومراجعة وجيبة الكراء؛
5 – قضايا الحالة المدنية. “
جاء في الفصل 344 من ق م م : ” تعتبر حضورية القرارات التي تصدر بناء على مقالات الأطراف أو مذكراتهم ولو كان هؤلاء الأطراف أو وكلاؤهم لم يقدموا ملاحظات شفوية في الجلسة. تعتبر حضورية كذلك القرارات التي ترفض دفعا وتبت في نفس الوقت في الجوهر ولو كان الطرف الذي أثار الدفع قد امتنع احتياطيا من الإدلاء بمستنتجاته في الموضوع.”
نميز إذن بين حالتين، الحالة الاولى تكون فيها المسطرة شفوية، وهي تعني ضرورة حضور المدعى عليه حضورا ماديا وشخصيا أو بواسطة وكيله ليكون الحكم حضوريا، أما الحالة الثانية فهي المسطرة الكتابية وهنا لا يستوجب الأمر حضور المدعى عليه حضورا شخصيا بل يكفي الادلاء بالجواب الكتابي عما جاء في مقال المدعي، فإذا لم يحضر المدعى عليه أو وكيله في المسطرة الشفوية أو لم يدلي بالجواب الكتابي في المسطرة الكتابية كان الحكم غيابيا يستوجب الطعن فيه بالتعرض إذا لم يكن قابلا للاستئناف، فالحكم الغيابي يفتح الباب للتعرض أمام نفس المحكمة في أجل 10 أيام من تبليغ الحكم بشرطين، أولهما عدم توصل المدعى عليه بالاستدعاء بنفسه شخصيا والثاني أن يكون الحكم غير قابل للاستئناف، بينما الحكم الحضوري لا يمنح صاحبه حق الطعن بالتعرض وإنما له حق الطعن بالاستيناف كطريق عادي من طرق الطعن.
أما إذا توصل المحكوم عليه بالاستدعاء بنفسه توصلا شخصيا فإن الحكم لا يكون غيابيا وإنما يكون بمثابة حضوري، والحكم بمثابة حضوري يصدر عن المحكمة عند تخلف المدعي رغم استدعائه أو توصل المدعى عليه بالاستدعاء بنفسه توصلا شخصيا وكان الحكم قابلا للاستيناف، وبمفهوم المخالفة فإن توصل المدعى عليه بالاستدعاء شخصيا وكان الحكم غير قابل للاستئناف فلا يمكن وصف الحكم هنا بـمثابة حضوري.
أما إذا تخلف المدعي فحينها نتحدث عن تشطيب الدعوى، جاء في الفصل 47 من ق م م : ” إذا استدعي المدعي أو نائبه بصفة قانونية ولم يحضر في الوقت المحدد أمكن للمحكمة إذا لم تتوفر على أي عنصر يسمح لها بالبت في الطلب أن تقرر التشطيب على القضية من جدول الجلسة. وتحكم المحكمة بإلغاء الدعوى على الحالة إذا لم يطلب المدعي متابعة النظر في قضيته خلال شهرين من قرار التشطيب من الجدول. و إذا كانت المحكمة تتوفر على العناصر الضرورية للفصل في مطالب المدعي بتت استنادا إلى هذه العناصر بحكم بمثابة حضوري بالنسبة للمدعي الذي تغيب أو نائبه. يحكم غيابيا إذا لم يحضر المدعى عليه أو وكيله رغم استدعائه طبقا للقانون ما لم يكن قد توصل بالاستدعاء بنفسه وكان الحكم قابلا للاستيناف ففي هذه الحالة يعتبر الحكم بمثابة حضوري تجاه الأطراف المتخلفة. يجوز للقاضي مع ذلك تأجيل القضية إلى جلسة مقبلة، إذا أشعر برسالة من أحد الأطراف أو في الجلسة من أحد أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه بأن الاستدعاء الموجه إليه في موطنه لم يصله أو أنه تعذر عليه الحضور لغيبته أو بسبب مرض خطير أو لقيامه بخدمة عمومية.”
خلاصة القول في الحالة التي تكون فيها المسطرة شفوية يجب حضور الخصوم حضورا شخصيا أو حضور من ينوب عنهم أثناء الجلسة فإذا حضروا اعتبر الحكم حضوريا، أما في الحالة التي تكون فيها المسطر كتابية هنا حضور الأطراف في الجلسة ليس واجبا يكفي فقط تقديم الخصوم مذكرات كتابية، أو أن يبعث لكتابة الضبط في الجلسة المحددة للنظر في الدعوى، ويتميز الحكم بمثابة حضوري عن الحكم الحضوري في كون بمثابة حضوري يصدر عند تخلف المدعي رغم استدعائه بصفة قانونية أو عند تخلف المدعى عليه رغم توصله شخصيا بنفسه بالاستدعاء وقابلية الحكم للاستيناف.
الأحكام الغيابية تقبل التعرض داخل أجل 10 ايام من تاريخ التوصل بالتبليغ أما الاحكام الحضورية فلا تقبل سوى الاستئناف داخل أجل 30 يوما من تاريخ النطق بالحكم، بينما الاحكام بمثابة حضورية فلا تقبل سوى الاستيناف من تاريخ التوصل بالتبليغ وليس من تاريخ النطق بالحكم.
نشير إلى أن الاحكام الاستينافية لا تكون أبدا بمثابة حضورية، فهي إما حضورية أو غيابية، إلا في حالة تعدد المستأنف عليهم.
القرار الحضوري إذن لا يقبل التعرض.
القرار الغيابي هو القرار الذي يتخذ في حالة توصل المدعى عليه شخصيا أو بواسطة الغير ولم يحضر.
ثانيا : الأحكام الابتدائية و الأحكام الإنتهائية
إن الأحكام الابتدائية هي التي تصدر عن المحاكم الابتدائية سواء العادية أو الإدارية أو التجارية، وهي الأحكام القابلة للطعن بالاستئناف أي الأحكام الصادرة في قضية يكون المطلب فيها غير محدد كالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو يكون طلب أداء مبلغ يفوق 20.000 درهم حسب التعديل الذي عرفه الفصل 19 من قانون المسطرة المدنية بموجب القانون رقم 35.10 لسنة 2011 الذي جاء فيه : ” تختص المحاكم الابتدائية بالنظر :
• ابتدائيا، مع حفظ حق الاستيناف أمام غرف الاستينافات بالمحاكم الابتدائية، إلى غاية عشرين ألف درهم (20.000 درهم)؛
• وابتدائيا، مع حفظ حق الاستيناف أمام المحاكم الاستينافية، في جميع الطلبات التي تتجاوز عشرين ألف درهم (20.000 درهم)؛
• يبت ابتدائيا طبقا لأحكام الفصل 12 أعلاه، مع حفظ حق الاستيناف أمام المحاكم الاستينافية.”
وهكذا فالحكم يكون ابتدائيا اذا كانت القيمة غير محددة او عندما يعتبرها المشرع كذلك، أو اذا قدمت عدة طلبات في دعوى واحدة من طرف مدع واحد ضد نفس المدعى عليه، وكانت قيمتها كلها تتجاوز 20.000 درهم، أو اذا تعددت الطلبات وكان أحدها قابلا للطعن بالاستئناف.
أما الأحكام الانتهائية فهي التي لا تقبل الطعن بالاستئناف، لكن إذا كانت هذه الأحكام صدرت غيابيا تبقى قابلة للطعن بالتعرض، والهدف من ذلك التخفيف على محاكم الدرجة الثانية، وحفاظا على حق المقاضين سمح المشرع المغربي بالطعن في الأحكام الإنتهائية إذا تجاوزت قيمة النزاع فيها 20 ألف درهم عن طريق النقض وإن كانت في الواقع العملي قلما يطعن فيها بالنقض.
خلاصة القول أن الاحكام الانتهائية لا تقبل الطعن بالاستيناف، وهي تصدر عن المحاكم الابتدائية إذا اعتبرها المشرع كذلك أو تصدر عن محاكم الاستيناف ولو كانت قابلة للتعرض.
نلاحظ أن الفصل 19 جعل كل الاحكام الابتدائية قابلة للاستيناف سواء داخل غرفة الاستينافات بالمحكمة الابتدائية أو بمحكمة الاستيناف.
ثالثا : الأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به و الأحكام النهائية
الأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به
الأحكام الحائزة على قوة الشيء المقضي به هي التي لا تقبل طرق الطعن العادية من تعرض واستئناف وإن كانت تقبل الطعن بالطرق غير العادية كإعادة النظر وتعرض الخارج عن الخصومة والنقض، واذا كانت قوة الشيء المقضي به هي عدم قابلية الحكم للتعرض والاستئناف فان حجية الأمر المقضي به تعني ان الحكم قد صدر وفقا للشكليات المحددة قانونا سواء من حيث الموضوع او الشكل ابتدائيا وأنه يمكن الطعن فيه بجميع طرق الطعن سواء العادية أو غير العادية.
نلاحظ أيضا أن قوة الشيء المقضي به تعني قابلية التنفيذ، بينما الحجية لا تعني قابلية التنفيذ، لكن هناك حالات استثنائية تكون فيها الاحكام الابتدائية انتهائية وقابلة للتنفيذ، أو تكون ابتدائية فقط لكنها مشمولة بالنفاذ المعجل القانوني أو القضائي كحالات النفقة أو بعض الدعاوى الاجتماعية.
الاحكام الاستينافية الغيابية ليست لها قوة الشيء المقضي به بل فقط حجية الشيء المقضي به لأنها تقبل التعرض، ولذلك فليس كل حكم صادر عن محكمة الاستيناف يعتبر سندا تنفيذيا له قوة الشيء المقضي به.
الأحكام النهائية أو الباتة
هي الأحكام التي لا تقبل اي طريق من طرق الطعن سواء العادية أو الغير العادية، ويكون الحكم نهائيا وباتا في الحالات التالية :
• إذا صدر عن المحكمة الابتدائية وأهمل المحكوم عليه الطعن في الحكم بالاستئناف إذا كان قابلا له أو بالتعرض إذا كان غيابيا، أو بطرق الطعن غير العادية، ففي هذه الحالة يصبح الحكم المذكور نهائيا وفاصلا في الموضوع لأن سكوت المحكوم عليه عن الطعن يعني قبوله به.
• إذا صدر حكم عن محكمة الاستئناف، ولم يطعن فيه المحكوم عليه، سواء بالتعرض إذا كان غيابيا، أو بطرق الطعن غير العادية خاصة النقض، ففي هذه الحالة وبعد انصرام الآجال القانونية المحددة لمباشرة الطعون المسموح بها دون تحريك ذي المصلحة لأي ساكن ينتقل الحكم أو القرار المذكور إلى حكم نهائي وبات لا يقبل أي طريق من طرق الطعن.
• إذا بلغ الحكم مرحلة التقاضي أمام محكمة النقض، ففي هذه الحالة يصبح الحكم نهائيا إذا صدر فيه قرار نهائي عن محكمة النقض ما لم يكن قابلا لإعادة النظر، ويستوي أن يكون قرار المحكمة مؤيدا أو ناقصا للحكم المطعون فيه.
رابعا : الأحكام القطعية والأحكام غير القطعية
الحكم القطعي هو الحكم الذي يحسم النزاع في الخصومة ولو كان غيابيا قابلا لتعرض أو إبتدائيا قابلا للاستئناف، وليس من الضروري حتى يعتبر الحكم قطعيا أن يفصل في النزاع بمجمله، بل يكفي أن يضع حدا للنزاع في بعض أجزاء الدعوى أو الطلبات المقدمة فيها أو الدفوع أو المسائل الفرعية ولو كانت النقط الأخرى لم يفصل فيها، كالحكم الذي يصدر بعدم قبول الدعوى لانتفاء الصفة أو الأهلية أو المصلحة، أو الذي يصدر بعدم قبولها لتحقق هذه الشروط وكذا الحكم الذي يصدر في الدفع بعدم الاختصاص سواء بقبوله أو برفضه.
أما الأحكام غير القطعية فهي التي لا تحسم النزاع وإنما تتعلق بسير الخصومة كقرار تأجيل الدعوى أو بالإثبات كالحكم بندب خبير، أو بطلب وقتي كتعيين حارس، أو بإجراء من إجراءات التحقيق كاليمين أو معاينة، وتسمى أحيانا بالأحكام التمهيدية، هذه الأحكام هي غير قطعية لأنها أحكام وقتية وتحفظية ولا تحسن النزاع ويمكن للمحكمة العدول عنها وعدم تنفيذها بينما لا يجوز ذلك في الاحكام القطعية.
ولتمييز الأحكام القطعية عن غير القطعية أهمية قصوى فالصنف الأول يتميز بحجية كاملة إذ لا يجوز للمحكمة أن تعدل عنها كما لا يسوغ عرض النزاع الذي حكمت فيه من جديد على المحكمة أخرى إلا إذا كانت هذه المحكمة هي المختصة بالنظر في الطعن الذي قدم ضد الحكم القطعي الصادر عن المحكمة الأولى، أما الصنف الثاني أي الأحكام غير القطعية فليست إلا أحكام وقتية وتحفظية لا تحسم في النزاع، هذا يعني أنه بإمكان المحكمة العدول عنها وعدم تنفيذها، فضلا عن إمكانية عرضها من جديد على المحكمة أخرى للنظر فيها.
الأحكام المنشئة
هذه الأحكام تحقق الحماية القانونية حيث أنها إما تنشئ حقوق أو مراكز قانونية لم تكن موجودة قبل الحكم أو تقر بتعديل أو إنهاء حق أو مركز قانوني موجود.
الأحكام التقريرية
هذا النوع من الأحكام يتم من خلاله إبراز حق أو عدمه أو إحداث تغيير في ذلك الحق المتنازع عليه دون أن تلزم المدعى عليه بأداء معين.
الأحكام الملزمة
هذا النوع من الأحكام يتم من خلاله إلزام المحكوم عليه بأداء حق معين لفائدة المحكوم له، لكن هذا النوع من الأحكام لا بد فيه من اتخاذ إجراءات التنفيذ حتى يحقق الحماية القانونية.
📗 خلاصة الباب
- تصنَّف الأحكام القضائية من حيث طبيعتها إلى أحكام قطعية فاصلة في كل النزاع أو جزء منه، وأحكام تمهيدية أو تحضيرية لا تفصل في الموضوع، ومن حيث حضور الأطراف إلى أحكام حضورية وغيابية وبمثابة حضورية.
اترك تعليقاً