المدونة

  • المحور 3 : تعريف الحريات الاساسية

    📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 4 من 12 — فهرس الكتاب

    مدخل

    يعتبرها البعض هي الحقوق الدستورية ويعتبرها البعض حريات عامة.

    لكن الواقع أن الحريات الاساسية مفهوم خاص مرتبط بالجماعة وطبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والحرية وبوظائف الفرد والدولة داخل الجماعة فالحريات الاساسية لها معاني بقواعد العيش المشترك :

    • الحريات الأساسية هي الواردة في الدستور أما الحريات الاخرى فهي حريات عامة.

    • الحريات الاساسية تمثل قيدا على الجميع افرادا و مؤسسات فلا يحق لأحد مصادرتها فهي مستلقة عن السلطة والافراد فالتدخل لا يمكن أن يكون إلا من أجل توسيع وضمان ممارستها.

    • الحريات الاساسية مرتبطة بتعزيز قواعد العيش المشترك وبالتعايش بين مكونات المجتمع افرادا وسلطة ومؤسسات وليس فقط بالثنائية سلطة حرية.

    • الحريات الاساسية لا تعني فقط التنصيص على الحقوق والحريات بل الاستمتاع بها وتوفير المستلزمات اللازمة لها كالإنارة و النظافة والطرق والمناطق الخضراء…

    • الحريات الاساسية تنقلنا من منطق الصراع بين السلطة والحرية إلى منطق التعايش بأدوات ناعمة مبنية على الحقوق والواجبات بين الطرفين مع ربط الحق بالواجب للفرد وربط الواجب قبل الحق بالنسبة للسلطة.

    • الحريات الاساسية ترتبط بترسيخ مجتمع الحقوق والحريات ودولة القانون والمؤسسات والمساواة بين افراد المجتمع، قائمة على التنظيم والتوجيه لا على الامر والنهي والزجر.

    الفرق بين الحريات العامة وحقوق الإنسان

    يقول دومينيك تيربان في التمييز بينهما :” في الوقت الذي نجد مفاهيم كل من حقوق الإنسان والحريات العامة كمترادفة، إلا أن هـذا لا يعني أن أحدهما يغطي الآخر، فالأولى قديمة جدا وطموحة جدا وواسعة جدا لكنها قليلة الدقة، كونها أكثر فلسفية وسياسية وهي اليوم أسست على كثير من القداسة، بينما الحريات العامة حديثة، كما أن دراستها مستقلة، متأخرة، ولها بداية محتشمة ومتواضعة، ولكن في نفس الوقت أكثر قانونية، وبالتالي أكثر دقة، ودون تردد يمكن اعتبارها نصرا كبيـرا”.

    حقوق الإنسان هي مجموع الحقوق التي يمتلكها جميع البشر دون أي تمييز قائم على العرق، أو الدين أو الجنس أو اللون، كما هي حقوق متفق عليها عالميًا وثابتة غير قابلة للتغيير، ويكفلها القانون الدولي للجميع كونهم بشرًا، ويعد هذا المجال واسعًا ويضم عددًا كبيرًا من الحقوق التي لا حصر لها، وقد تُستحدث حقوق جديدة وفقًا لتطور الحياة العصرية، مثل الحق في حرية تكوين مجتمعات، والحق في المساواة أمام القانون، والحق في حرية التنقل، والحق في الحصول على الجنسية، والحق في حرية العمل وغيرها الكثير، بينما مفهوم الحريات العامة يشير إلى مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الفرد ويمارسها تحت سلطة الدولة التي يعيش فيها.

    وفي مضمار التمييز بين المفهومين فإن مصطلح حقوق الإنسان يُعد دراسة العلاقات التي تخدم الحقوق المكتسبة للفرد بكونه بشرًا، بينما الحريات العامة هي ما تحدده وتفرضه الدولة بموجب نص القانون، إذ إن العلاقة بين الحريات العامة والدولة شديدة الارتباط ولا يمكن التطرق للحريات العامة إلّا ضمن إطار قانوني محدد، فهو الفرق الأساسي الذي يميز حقوق الإنسان عن الحريات العامة، إذ تنتمي الأخيرة إلى القانون الوضعي بينما تنتمي الأولى الى الحقوق الطبيعية التي يمتلكها أي إنسان فقط لكونه بشرًا، وتظل موجودة حتى لو لم يُعترف بها، بينما تتطلب الحريات العامة إقرار الدولة بها.

    ولذلك فإن مفهوم حقوق الإنسان يعد أوسع وأشمل من مفهوم الحريات العامة التي تتضمن مجموعة محددة من الحريات التي اعترف بها القانون وكفلها بموجب نصوص خصصها لها، فهي مكفولة دستوري فقط، بينما حقوق الإنسان لا تقتصر على هذا المفهوم الضيق وتتعداه ليلامس كل ما تحتاجه الطبيعة البشرية كضمان الحماية الصحية والتعليم والثقافة، وبالتالي يُعد مفهومًا قابلًا للتطور بالتوافق والتزامن مع تطور الجنس البشري وتُعد حقوق الإنسان مكفولةً دوليًا، بينما تحدد الحريات العامة بإطار القانون ولا تتغير إلا بنص قانوني.

    تُعدّ الحريات العامة نسبيةً، أي أنها تختلف من دولة إلى أخرى، وتختلف أيضًا من زمان إلى آخر، فمثلًا الحريات العامة بالأردن لا تتشابه مع الحريات العامة بالسويد على سبيل المثال، والحريات العامة بالمملكة العربية السعودية لا تتشابه مع الحريات العامة في الجمهورية المصرية، ويعود سبب هذا الاختلاف لأن الحريات العامة تكون من ضمن قوانين الدولة نفسها، وتضع كل دولة الحريات العامة الخاصة بها ضمن أيديولوجيتها الخاصة، على عكس تمامًا حقوق الإنسان فهي عبارة عن حقوق مطلقة وليست حقوق نسبية، ولا تتأثر حقوق الإنسان بأي متغيرات إيديولوجية أو سياسية، فجميع البشر على حد سواء يتمتعون بحقوق الإنسان بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللغة، فهي حقوق عالمية تشمل جميع البشر دون تميز، ولا يمكن تجزئتها، وهي حقوق غير قابة للتصرف ولا يمكن إخراج أي إنسان منها.

    كما تختلف الحريات العامة عن حقوق الإنسان من حيث المصدر، فبالنسبة للحريات العامة هي من اختصاص الدولة وحدها ولا يحق لأي أحد التدخل فيها، وتفرض الدولة هذه الحريات بما يتوافق مع سياستها المتبعة، أما حقوق الأنسان فهي مستمدة من قانون الطبيعي المعد ليناسب جميع البشر ويحفظ كرامة الإنسان، ويمكن اعتبار مصطلح حقوق الإنسان أنه مؤشر على اهتمام المجتمع الدولي بالإنسان وحقه بالعيش الكريم؛ فهو مصطلح دولي متشابه في جميع دول العالم، بينما مصطلح الحريات العامة يستعمل داخل حدود الدولة ويطلق على مجموع الإمكانيات التي يتمتع بها الفرد سواء كانت حقوقًا أو حريات.

    خلاصة القول أن الحريات العامة شكل من أشكال حقوق الانسان التي ترتبط بحرية الانسان فهي فرع متفرع من مبادئ حقوق الانسان المتعارف عليها عالميا ويتجلى الفرق بين الحريات العامة وحقوق الانسان في نقطتين:

    الصورة التقليدية : فحقوق الانسان مستمدة من تصورات القانون الطبيعي الذي يعطي الانسان مجموعة من الحقوق كإنسان يحميها القانون الوضعي ويضمنها، أما الحريات العامة فهي تلك الحقوق المعترف بها من طرف السلطة العامة بمعنى أن السلطة تصرفت في القانون الطبيعي ومررته ليصبح قانونا وضعيا بتصرف منها، كما أن كلمة حقوق الانسان لها معنى طبيعي واسع بينما الحريات مقيدة دائما بالنصوص القانونية ونوع النظام السياسي القائم والظرف الاقتصادي والاجتماعي في كل دولة. وعليه فالحريات العامة ولدت من رحم حقوق الانسان، الذي يبقى أوسع مفهوما ودلالة من الحريات العامة التي تتطور دائما مع تطور المجتمع بينما تظل فلسفة حقوق الانسان هي الاصل ومادة أعمق والينبوع الذي تستقي منه الحريات العامة مفاهيمها المتجددة.

    الصورة الحديثة : تحاول هدم الفرق بين حقوق الانسان والحريات العامة انطلاقا من كون كلاهما يسعى للسمو الانساني وتحقيق الكرامة الانسانية فالغاية واحدة فقط أن حقوق الانسان تستدعي تنزيلا لها، فحقوق الانسان مرتبطة بشخص الانسان بينما الحريات العامة تصل إلى تحديد طبيعة النظام السياسي السائد وعلاقته بالمشروعية وحماية الحريات العامة للأفراد والجماعات.

    📗 خلاصة الباب

    • الحريات الأساسية هي نواة الحريات العامة التي لا يجوز المساس بجوهرها حتى عند تقييدها، وتختلف عن حقوق الإنسان من حيث النطاق والمصدر والآليات القانونية المؤطرة لها، فحقوق الإنسان أوسع نطاقا وذات بعد كوني، بينما ترتبط الحريات العامة أكثر بالتنظيم القانوني الداخلي لكل دولة.

  • المحور 2 : تعريف الحريات العامة

    📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 3 من 12 — فهرس الكتاب

    مدخل

    الحريات العامة لفظ مركب من كلمتين حرية ثم عامة، سنتطرق اولا إلى مفهوم الحرية.

    أولا : المفهوم اللغوي للحرية

    مفهوم الحرية في المعاجم العربية : المقصود من كلمة الحرية هو : الاباحة القانونية التي تعطي للإنسان فعل ما يريد أو ترك ما يريد شريطة عدم الاضرار بالغير، جاء في معجم لِسان العرب: كلمة الحُرّ من كلّ شيء هي: أعتَقُه وأحسَنُه وأصوبُه، والشّيء الحُرّ: هو كلّ شيءٍ فاخرٍ، وفي الأفعال: هو الفِعل الحسَن، والأحرارُ من النّاس: أخيارُهم وأفاضِلُهم. وبذلك ففي المعاجم العربية لا يخرج مفهوم الحرية عن معنيين اثنين :

    • انعدام كل شكل من اشكال الاكراه البدني أو المعنوي المباشر أو الغير المباشر.

    • السلطة التي يملكها شخص في مجتمع منظم للقيام أو عدم القيام بعمل ما.

    الحرية في المعجم الفرنسي : تعني حالة الشخص الذي لا يوجد في وضعية تبعية تامة لشخص آخر أي الشخص الذي ليس في حالة عبودية.

    ورد في قاموس Lettre أنّ الحُريّة هي وضعيّة الإنسان غير المَملوك.

    ثانيا : المفهوم الاصطلاحي للحرية

    يختلف المفهوم الاصطلاحي للحرية باختلاف المبادئ التي يقوم عليها كل من المبدأ الفردي والاشتراكي، فكلمة حرية تظل معقدة التعريف وغير واضحة ممارسة وغير محددة أسلوبا، وقد عرفها الرئيس الامريكي لنكولن في أحد خطاباته : إن العالم لم يصل أبدا إلى تعريف كلمة حرية، الأمر الذي يجعلنا نتناولها من الوجهة المذهبية المتعارف عليها عالميا.

    الحرية من منظور المذهب الفردي

    يُؤكّد المذهب الفردي على الحُريّة الفرديّة، حيث يَعدّ الفرد أهمّ عُنصر في النّظام الرأسمالي، والسُّلطة الحاكمة هي المسؤولة عن تحقيق الحرية، وكأنها شُرطيّ المرور الذي يُنظّم عمليّة السَّير، لكن جون ستيوارت ميل يقول بأن الحرية هو عدم الاضرار بالغير، فهو يقول : أنت حر ما لم تضر غيرك.

    الحرية من منظور المذهب الاشتراكي

    يُقدّس المذهب الاشتراكيّ الجماعة، وما الفرد عنده إلا أداة لتحقيق أهداف السُّلطة على الصّعيدَين الفرديّ والجماعيّ، ولذلك فالحرية تتحقق فقط في المرحلة الشيوعية حيث تختفي فيها ظاهرة السلطة فتتحقق الحرية.

    التعريف القانوني للحرية :

    هي قُدرة الأفراد على مُمارسة الأنشطة التي يُريدونها دون إكراه، على أن يخضعوا للقوانين التي تُنظّم المُجتمع.

    كما ورَد في إعلان حقوق الإنسان لـ 1789م على أنّ الحرية هي حقّ الفرد في أن يفعل ما لا يَضُرّ الآخرين.

    تعاريف أخرى للحرية

    تعريف لينز : ” هي قدرة الانسان على فعل ما يراه، والذي يملك الوسائل أكثر تكون له حرية أكثر فالأغنياء أكثر حرية من الفقراء”. يبدو أنه تعريف مادي غير مقبول لأن الحرية إحساس وشعور وممارسة.

    تعريف فولطير :

    ” عندما أقدر على ما أريد فتلك حريتي”، وهو تعريف غير مقبول أيضا لأنه قد يتجاوز قواعد الجماعة فيجب الأخذ بعين الاعتبار إرادة الآخرين.

    ثالثا : المفهوم الاصطلاحي للحريات العامة

    كلمة عامة تـتماشى مع القانون العام والمرفق العام والقطاع العام، فالكلمة تحيل إلى تدخل الدولة وأجهزتها لكن الفقه اختلف في ذلك :

    • اتجاه أول قال بأن وصف الحرية بالعامة يعني أنها تُرتب واجبات على الدولة يجب عليها القيام بها، هذه الواجبات قد تكون سلبية كعدم المساس بسلامة المواطن وقد تكون إيجابية كخلق فرص العمل.

    • اتجاه ثاني يشير الى تدخل السلطة، أي أنه لا توجد حرية خاصة، فالأفراد ملزمون باحترام حريات الاخرين والدولة ملزمة بتقنين ممارسة الحريات وضبط احترامها وهنا يحضر مفهوم عامة أي أن الدولة تتدخل للاعتراف بها وتنظيم ممارستها عن طريق القانون الوضعي تجنبا للفوضى.

    • الاتجاه الثالث يذهب إلى أن كلمة “عامة” تحلق بكلمة الحرية عندما تتقرر الحرية للجميع، فتكون ممارستها حقا لجميع الافراد، فهي للجميع.

    التعريف الانطولوجي للحريات العامة

    يتوضح هذا التعريف من خلال علاقة الانسان بالعام، فهو يعرف الحرية كسلطة ذاتية يتمتع بها الشخص لتقرير مصيره، فالإنسان بهذا المبدأ هو سيد نفسه، فهو حر، و نلاحظ هنا أن مفهوم الحق له مفهوم أوسع من مفهوم الحرية، فالحرية هي سلطة لتقرير المصير يمارسها الانسان على نفسه كحرية التنقل والتجول والمظهر دون انتظار تدخل الغير، بخلاف الحقوق التي لها وجهان، فمرة تشمل سلطة تقرير المصير ومرة تعني السلطة التي يمارسها على الغير.

    التعريف السياسي للحريات

    التعريف السياسي يتطرق للعلاقة القائمة بين الانسان والسلطة فهو يحاول تقديم الحرية كمجال للأنشطة التي تظل بعيدة عن الاكراهات المجتمعية فهو يشمل :

    • تعريف الحرية كمجال للمشاركة وهي امكانية المحكوم في أن يصبح حاكما، كما تضم حرية التصويت وحرية الترشح والانتخاب.

    • اعتبار الحرية بالمفهوم السياسي حرية مستقلة، وهو مفهوم لبرالي يقوم على استقلالية المحكومين كالحق في التنقل والامن والتعبير.

    نستنتج أن الحريات العامة والحريات السياسية كل له مجاله الخاص ومع ذلك فهما لا يتعارضان.

    التعريف الفقهي للحريات العامة

    • تعريف بغود : الحريات العامة عبارة عن واجبات أو التزامات قانونية اتجاه الدولة والتي توضع على شكل قواعد لها قيمة دستورية تشمل حقوق الافراد.

    • تعريف لبرتون : الحريات العامة هي سلطات تقرير المصير تتوخى تأمين استقلال الشخص والمقررة في القواعد التشريعية وتستفيد من نظام قانوني ذو حماية قوية حتى في مواجهة السلطة.

    • تعريف روش : الحريات العامة هي مجموع الحريات الاساسية السائدة في دولة عصرية ليبيرالية والتي تعتبر ضرورية للحرية الحقيقية. هذا التعريف لا يميز بين الحرية العامة والحرية الاساسية.

    الحريات العامة هي حقوق أساسية، بينما الحقوق الاساسية ليست بالضرورة حريات عامة.

    التعريف القضائي للحريات العامة

    عرفها مجلس الدولة الفرنسي كما يلي : ” الحريات العامة تشمل نوعان من الحريات، من جهة الحرية الكلاسيكية المرتبطة بالمفهوم الفردي وهي حرية التجول والامن… ثم الحقوق الكبرى وهي تتعلق بالتعامل مع الغير كحرية التجمهر والتحزب وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات وحرية الصحافة والرأي والعقيدة.

    الحريات العامة في الاسلام

    جعل الله الحرية أمرا فطريا تولد مع الإنسان، ففي القرآن الكريم لم ترد كما هي في العلوم السياسية المعاصرة لكن مضمونها ثابت، فالجزاء مثلا مقترن بحرية الانسان في الاختيار، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، أما وفي السنة النبوية فنصارى نجران آمنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أموالهم وعقيدتهم وأطفالهم ومتاعهم ولم يمسسهم بسوء، بل كفل لهم كل الحقوق المدنية وضمن لهم حرية التعبد والدين والاعتقاد.

    📗 خلاصة الباب

    • الحرية لغة نقيض العبودية والقهر، واصطلاحا تختلف باختلاف المذهب: عند الفرديين هي حق الفرد في التصرف دون قيد إلا ما يمس حرية الغير، وعند الاشتراكيين ترتبط بالتحرر من الحاجة المادية عبر تدخل الدولة، مع تعريفات قانونية وفلسفية أخرى (كتعريف فولتير).
    • أما الحريات العامة فتعرَّف من زوايا متعددة: أنطولوجية (الحرية كصفة ملازمة للإنسان)، سياسية (كأساس للنظام الديمقراطي)، فقهية، وقضائية، ولها حضور خاص في التصور الإسلامي القائم على التوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية.

  • المحور 1 : ماهية حقوق الانسان

    📖 حقوق الإنسان والحريات العامة — الفصل 2 من 12 — فهرس الكتاب

    مدخل

    تعتبر حقوق الإنسان حقوق طبيعية وغريزية تولد مع ولادة الإنسان فقد كرستها واعترفت بها كل الأديان السماوية والدول والمنظمات الدولية في العصر الحديث، فهي تمس بصفه مباشرة جوهر الإنسان في كرامته.

    والحديث عن حقوق الإنسان حديث قديم متجدد، فهي موجودة مع وجود الإنسان في حد ذاته وباقية على وجه الأرض، وهي نابعة من ضرورة الاحترام المتبادل بين الإنسان وأخيه الإنسان، وقد كان الإسلام سبَّاقاً في تثبيت الحقوق الأساسية للإنسان باعتباره كائنا كرمه الله بالعقل واصطفاه على سائر مخلوقاته، وجعله سيداً في الأرض وأمده بالوحي السماوي والرعاية الإلهية والشرع القويم وأرسل له الأنبياء والرسل وأنزل عليه الكتب ليسير على الهدى السديد والصراط المستقيم، وشرَّع له الأحكام لبيان الحقوق والواجبات.

    أولا : تعريف حقوق الانسان

    المفهوم اللغوي للحق

    في المعاجم العربية يقال في اللغة حق إذا وجب وثبت، ويأتـي بخمسة مفاهيم : 1- نقيض الباطل 2- اليقين 3- حقوق العباد 4- واجب شرعي وقانوني 5- المباح سواء أخلاقي أو قانوني.

    في المعاجم الأجنبية الحق right يدل أحيانا على القانون law ويعني في الاصل اللاتيني للكلمة السير بصورة مستقيمة وحسب قاعدة معينة، فكلمة droit بالفرنسية تعني مجموعة القواعد التي تنظم علاقات الناس في المجتمع وتعني أحيانا حقوق الانسان.

    المفهوم الاصطلاحي لحقوق الانسان

    ليس هناك اتفاق على مصطلح واحد لحقوق الإنسان، بل هناك مصطلحات عدة تستخدم للدلالة عليها، منها: حقوق الإنسان، الحقوق الإنسانية، حقوق الشخصية الإنسانية، ولكن أكثر المصطلحات شيوعاً منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا هو مصطلح “حقوق الإنسان”، كما اختلف الباحثون في تعريفاتهم لحق الإنسان، لكننا نأتي بثلاثة تعاريف أساسية : تعريف تقني وتعريف علمي وتعريف عام.

    التعريف العلمي لحقوق الانسان

    عرفه ريني كاسان الحائز على نوبل للسلام سنة 1968 بقوله : “هو فرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية موضوعه دراسة العلاقات القائمة بين الاشخاص وفق الكرامة الانسانية مع تحديد الحقوق والخيارات الضرورية لتفتح شخصية كل كائن انساني”. نستنبط من هذا التعريف ثلاثة عناصر أساسية لمفهوم حقوق الانسان :

    • ضرورة إضفاء الطابع العلمي على كل تعريف لحقوق الانسان

    • ضرورة اعتبار الكرامة الانسانية معيارا أساسيا في وجود هذا العلم

    • ضرورة تميز اي تعريف بالبحث عن الخيارات التي من شأنها ضمان هذه الكرامة الانسانية.

    التعريف التقني

    ذهب بعض الباحثين وعلى رأسهم كارل فاساك إلى إعطاء مقاربة تقنية لعبارة حقوق الانسان من خلال إدخال 50.000 كلمة في الحاسوب واستخراج تعريف جامع مانع تقني لكلمة حقوق الانسان جاء كالتالي “علم يهم كل شخص ولا سيما الإنسان العامل الذي يعيش في إطار دولة معينة، والذي إذا ما كان متهما بخرق القانون أو ضحية حالة حرب، يجب أن يستفيد من حماية القانون الوطني والدولي، وأن تكون حقوقه وخاصة الحق في المساواة مطابقة لضرورات المحافظة على النظام العام”.

    يستشف من هذا التعريف ثلاثة نقط :

    • ارتباط الحديث عن حقوق الانسان بوجود دولة وسلطة.

    • لا يتصور الحديث عن حقوق الانسان إلا إذا كان هناك خرق لحماية قانونية وطنية أو دولية

    • ضرورة الأخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن حقوق الانسان متطلبات الحفاظ على النظام العام.

    التعريف العام لحقوق الانسان

    ارتبط هذا التعريف بالفرنسي ايف ماديو الذي عرفها بأنها : ” دراسة الحقوق الشخصية المعرف بها وطنياً ودولياً والتي في ظل حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى”.

    نستنتج من هذا التعريف :

    • وجود بعدين لحقوق الانسان بعد وطني وآخر دولي من المفروض أن لا يتعارضا استنادا إلى كونية وشمولية حقوق الانسان وعدم قابليتها للتجزئة.

    • ضرورة الأخذ بعين الاعتبار حدود الحقوق والحريات الشخصية المتمثلة في المحافظة على النظام العام.

    تعاريف أخرى لحقوق الانسان

    أمام تعدد التعاريف كان لا بد من الخروج بتعريف خاص مبسط وشامل.

    تعريف ليا ليفين :

    عرفت حقوق الانسان بأنها : ” مطالب أخلاقية أصيلة وغير قابلة للتصرف مكفولة لجميع بني البشر بفضل إنسانيتهم وحدها، فُصِّلَتْ وصيغت هذه الحقوق فيما يعرف اليوم بحقوق الإنسان، وجرت ترجمتها بصيغة الحقوق القانونية وتأسست وفقاً لقواعد صناعة القوانين في المجتمعات الوطنية والدولية، وتعتمد هذه الحقوق على موافقة المحكومين بما يعني موافقة المستهدفين بهذه الحقوق”. نفهم من هذا التعريف أن :

    • الانسان لمجرد أنه إنسان له حقوق ثابتة وطبيعية وهذه هي الحقوق المعنوية النابعة من إنسانية كل كائن بشري تستهدف ضمان كرامته.

    • حقوق الانسان هي الحقوق القانونية التي أنشئت طبقا لعمليات سن القوانين في المجتمعات الوطنية والدولية.

    تعريفنا الخاص

    • حقوق الانسان تنصرف للدلالة على كل ما يساهم في سمو الانسان سواء كانت ذا مصدر طبيعي أو ديني أو وضعي بشكل يحافظ على الكرامة الانسانية ويدعم العيش المشترك الذي يستلزم في نفس الوقت مراعاة قواعد النظام العام. هذا التعريف يركز على ثلاثة عناصر أساسية :

    • سمو الانسان وتعزيز المبادئ الانسانية كمنع الرق أو عبادة البشر وحرية التصرف والحق في العيش الكريم.

    • مصدر حقوق الانسان هو القانون سواء كان طبيعيا أو وضعيا، وطنيا أو دوليا.

    • موضوع حقوق الانسان مفتوح على جميع الإيديولوجيات ما دامت تتوخى ضمان سيادة مظاهر الانسانية.

    • ثانيا : المفهوم الاسلامي لحقوق الانسان

    تميز مفهوم حقوق الانسان في الاسلام بتركيزه على مفهوم الحق بشكل مستقل عن صاحبه.

    مفهوم الحق في القرآن الكريم

    • بمعنى الله سبحانه، ذلك بأن الله هو الحق، الانعام 63

    • بمعنى العلم، إن الظن لا يغني من الحق شيئا، النجم 28

    • بمعنى نقيض الباطل، ولا تلبسوا الحق بالباطل، البقرة 41

    • بمعنى كتب الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، المائدة 85

    • بمعنى العدل، قال رب احكم بالحق، الانبياء 111

    • بمعنى الصدق، والله لا يستحيي من الحق، الاحزاب 53

    • بمعنى النصيب أو الحصة، في أموالهم حق للسائل والمحروم، الذاريات 19

    • بمعنى الهداية والصواب، فماذا بعد الحق إلا الضلال، يونس 55

    مفهوم الحق في السنة النبوية

    • بمعنى حق المسلم على المسلم، وهي رد السلام و عيادة المريض واتباع الجنازة وإجابة الدعوة وتشميت العاطس.

    • بمعنى حق الولد على والده أن يعلمه السباحة والكتابة والرماية وأن لا يطعمه إلا حلالا.

    وبالتالي مفهوم حقوق الانسان في الاسلام يدخل في مجال الضروريات والواجبات ابتداء من محاسبة أولي الامر وحفظ النظام العام و مرورا بحرية الفكر والاعتقاد والتعبير ثم انتهاء بواجبات الملبس والمأكل والمسكن والأمن. وهكذا نظر الاسلام إليها باعتبارها واجبات وضروريات وليست حقوقا فقط.

    نخلص إلى أن مفهوم حقوق الانسان يتأرجح بين خطابين، الخطاب الطبيعي ذو المصدر الغربي الذي يركز على ذاتية الانسان والخطاب الديني الذي يستند إلى التكريم الالاهي للإنسان وهو لا يتعارض في مضمونه مع المذهب الطبيعي الغربي ما دام أن الهدف هو صيانة حقوق الانسان.

    ثالثا : خصائص حقوق الإنسان

    يمكن إدراج أهم خصائص حقوق الإنسان في ما يلي:

    حقوق الإنسان لا تشترى ولا تكتسب ولا تورث فهي ملك الناس لأنهم بشر.

    حقوق الإنسان واحدة لجميع البشر بغض النظر عن العنصر أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو الرأي الأخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، فقد ولدنا جميعا أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق فحقوق الإنسان عالمية، وعالمية حقوق الإنسان لا تتعارض مع فكرة التنوع الثقافي والخصوصية الثقافية.

    حقوق الإنسان لا يمكن انتزاعها، فليس من حق احد أن يحرم شخصا أخر من حقوق الإنسان وان لم تعترف بها قوانين بلده أو عندما تنتهكها تلك القوانين فحقوق الإنسان ثابتة وغير قابلة للتصرف.

    حقوق الإنسان غير قابلة للتجزؤ.

    رابعا : مصادر حقوق الإنسان

    تتعدد مصادر ومنابع حقوق الإنسان لتشكل هذا التيار الذي يسعى لحماية الإنسان في كل زمان ومكان و يمكن تلخيصها في ما يلي:

    • المصادر الدولية:

    المواثيق العالمية هي التي تتسع دائرة خطابها لتشمل الأسرة الإنسانية الدولية بأسرها دون أن تتقيد بإقليم محدد أو بجماعة بعينها. والأمثلة الظاهرة على هذه المواثيق ما صدر عن منظمة الأمم المتحدة من إعلانات واتفاقات وعهود لحماية وتطوير حقوق الإنسان، بدءا من ميثاق الأمم المتحدة ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،ثم العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى اتفاقية إزالة كافة أشكال التميز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل وما سبق وتلا ذلك من اتفاقات وإعلانات.

    ويأتي في مقدمة المصادر العالمية لحقوق الإنسان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948. هذا الإعلان وإن كان ذو طابع أدبي غير ملزم إلا أنه من المستقر عليه دولياً أن مبادئ هذا الإعلان تدخل في قواعد القانون الدولي العرفي التي استقرت في وجدان وضمير البشر، وتعتبر قواعد دولية آمرة لا يجوز انتهاكها بصرف النظر عن قبول الدول به من عدمه.

    • المواثيق الإقليمية:

    وهي تلك المواثيق التي تخاطب نطاقاً إقليمياً محدداً أو مجموعة جغرافية خاصة غالباً ما يجمعها جامع ثقافي متميز عن غيرها رغبة من تلك المجموعات في التأكيد على الحقوق المنصوص عليها في المواثيق العالمية وإكسابها طابعاً إلزامياً إقليمياً أكثر إلزامية مما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية، بالإضافة إلى تضمين المواثيق الإقليمية حقوقاً جديدة لم تتضمنها المواثيق العالمية استجابة لاعتبارات الخصوصية الثقافية الإقليمية. و تنص هذه المواثيق على مبادئ حقوق الإنسان محل الحماية التي تتفق في مجملها مع المبادئ والمعايير الدولية وإن عكست خصوصية كل مجموعة إقليمية بالتركيز على أنواع معينة من الحقوق. ومن أهم المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان «الميثاق الأوروبي، والميثاق الأمريكي، والميثاق الأفريقي ثم الميثاق العربي لحقوق الإنسان”.

    • المصادر الوطنية:

    وهي التشريعات الوطنية التي تنص على مبادئ حقوق الإنسان. وتأتي في مقدمة هذه المصادر الدساتير الوطنية التي لا يخلو أي منها من فصل خاص بالحقوق والحريات الأساسية. ثم تتوزع مبادئ حقوق الإنسان بين مختلف فروع التشريع العادي. فالقانون الجنائي يضع النصوص الزجرية التي تجرم انتهاكات حقوق الإنسان وتعاقب عليها، وقانون المسطرة الجنائية يتضمن النصوص الخاصة بحقوق وضمانات المتهمين في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة، وقوانين الأحزاب والمشاركة السياسية يتضمن الحق في المشاركة السياسية، وقوانين الجمعيات تنظم حق تكوين الجمعيات، وقوانين المطبوعات والصحافة تنظم الحريات الصحفية وقوانين التعليم والإسكان والرعاية الصحية والنقابات تنظم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلخ.

    📗 خلاصة الباب

    • حقوق الإنسان لغة مستمدة من “الحق” بمعنى الثابت واللازم، واصطلاحا هي مجموعة الحقوق والامتيازات اللصيقة بالإنسان لكونه إنسانا، بغض النظر عن جنسه أو دينه أو عرقه، وقد تعددت تعريفاتها العلمية والتقنية والعامة (كتعريف ليا ليفين) دون الاستقرار على تعريف جامع مانع.
    • للحق حضور أصيل في القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث كرّس الإسلام مبادئ الكرامة الإنسانية وحفظ النفس والعرض والمال منذ ظهوره، ولحقوق الإنسان مصادر متعددة (دينية، فلسفية، طبيعية، وضعية) شكلت أساسا لتطورها التاريخي.

  • الباب الخامس: أنواع الحوالة الحديثة

    📖 انتقال الالتزام — الفصل 6 من 6 — فهرس الكتاب

    الحوالة التقليدية والحوالات المبسطة

    في الحياة العملية نجد أنواعا مختلفة من حوالة الحق تتعدى ما رسمه المشرع في قانون الالتزامات والعقود، فهناك أنواع أخرى تخرج عمليا عن القواعد العامة للحوالة التي من أهم خصائصها الرضائية في ابرام عقد الحوالة، سنتحدث في هذا المحور عن ثلاثة أنواع من حوالة الحق، حوالة الحق التقليدية، حوالات الحق المبسطة ثم الحوالة المصرفية .

    حوالة الحق التقليدية

    هي الحوالة التي ينظم أحكامها قانون الالتزامات والعقود، وهي التي تطرقنا إلى مقتضياتها خلال المحاور السابقة، حيث جاءت المقتضيات المؤطرة لها في الفصول ما بين 189 و 207 فهي عقد يبرم بين الدائن المحيل والدائن الجديد المحال له ولا حاجة في انعقادها الى رضاء المدين لأنه ليس طرفا في العقد، ويخضع هذا العقد للأحكام العامة للعقود .

    حوالات الحق المبسطة

    هذا النوع من الحوالات لا يخضع لأنماط عقدية أو تنازلات نظرا لتعلق هذه الحوالات بالميدان التجاري فيمكن أن تتم بسرعة وبشكل أكثر مرونة، نتحدث هنا عن السندات القابلة للتداول و حوالة الديون المهنية.

    أولا : السندات القابلة للتداول

    نتحدث عن السندات للحامل، السندات لأمر، والسندات الاسمية، وهي كلها منظمة في إطار القانون التجاري .

    السند للحامل : تحتوي في ذاتها الحق في الدين، بحيث أن أي حامل مستند يعتبر بواقع الاحتجاز المادي للسند حائزا للدين، ويقال إن الحق الدين مندمج في السند، فالسند يثبت الدين بحد ذاته، والتنازل فيه بسيط للغاية، حيث يكتفى بنقل المستند ماديا الى أي شخص ليصبح حاملا للسند وصاحب حق في الدين ويمكنه تقديم السند للدفع .

    صور هذا السند متعددة في مدونة التجارة المغربية منها :

    الشيك للحامل : جاء في المادة 262 من مدونة التجارة ” يجوز للحامل متى تضمن التظهير عبارة “مبلغ محصل” أو عبارة “من أجل الاستخلاص” .. أن يمارس جميع الحقوق الناتجة عن الشيك ..”

    الكمبيالة للحامل : جاء في المادة 168 من مدونة التجارة ” ينقل التظهير جميع الحقوق الناشئة عن الكمبيالة، يجوز للحامل في حالة التظهير على بياض : أن يملأ البياض باسمه أو باسم أي شخص آخر، أن يظهر الكمبيالة من جديد على بياض لشخص آخر، أو يسلم الكمبيالة للغير دون ملء البياض ودون تظهيرها “

    القيم المنقولة للحامل : أو أسهم الشركات

    بطاقة اللوتو، أو الرهان المتبادل المديني الذي يدفع للحامل في حالة الربح

    كل سند مدني يمكن تنظيمه “للحامل” مثل بطاقة المشاهد أو غيرها .

    السندات لأمر : ويتعلق الامر هنا بمستند يحمل أمرا للمدين بالدفع “لأمر فلان” أي الشخص الذي يعينه، وتشكل السندات لأمر أو ما يسمى بالسندات التجارية مثل الشيكات والكمبيالات، وسائل دفع حيث يدفع الدائن لدائنيه بأن ينقل على هذا النحو الدين الذي يحوزه على مدينه، ويمكن أن يتعلق بديون مدنية أو تجارية، نشير إلى أن السند لأمر تطبق عليه أحكام الكمبيالة حسب المادتين 234 و 235 من مدونة التجارة .

    السندات الاسمية : توصف بذلك لأنها تحمل اسم صاحبها، ويوجد سجل خاص بملكية السندات الاسمية لدى الجهات المصدرة، هذه السندات الاسمية أو المسجلة يمكن أن تكون مسجلة بالكامل حيث يشمل التسجيل هنا الدين الاصلي وفائدته، كما يمكن أن تكون مسجلة تسجيلا جزئيا ويقتصر التسجيل هنا على أصل الدين فقط، أما الفائدة فتأخذ شكل كوبونات ترفق بالسند وتنزع منه بمجرد استحقاقها لتحصيلها من البنك، ويمكن أن نسميها السندات المنظمة باسم الدائن مع تسجيل اسمه في سجلات المدين و هذا التسجيل يؤدي وحده الى نقل الدين لصالح الحائز، ولا يستعمل هذا الشكل الا بالنسبة الى سندات القرض المسماة بالأسهم المتعلقة بالأشخاص العموميين أو الشركات التجارية والاسهم والحصص في شركة .

    حوالة الديون المهنية وفق مدونة التجارة

    ثانيا : حوالة الحق المهنية أو حوالة الديون المهنية

    نظمت مدونة التجارة هذا النوع من الحوالة في المواد ما بين 529 و 536، وواضح ان حوالة الديون المهنية مرتبطة بالنشاط المهني وهو ما نصت عليه المادة 529 من مدونة التجارة بالقول : ” يمكن لكل شخص طبيعي أثناء مزاولة نشاطه المهني أو لكل شخص معنوي خاضع للقانون الخاص أو للقانون العام، تحويل كل دين ممسوك على أحد الأغيار، سواء أكان شخصا طبيعيا أثناء مزاولة نشاطه المهني أم شخصا معنويا خاضعا للقانون الخاص أو القانون العام، بمجرد تسليم قائمة لمؤسسة بنكية. ينقل التفويت للمؤسسة المفوت لها ملكية الدين المحال سواء مقابل تسبيق كلي أو جزئي لمبلغه أو ضمانا لكل ائتمان سلمته المؤسسة أو ستسلمه للمحيل “

    وحيثما تعلق الامر بالديون المهنية فإنها تقبل الحوالة سواء كانت حقوقا أو ديونا ثابتة أو متنازع فيها، و سواء كانت ناتجة عن تصرف متوقع الحدوث أم لا، وسواء كان مبلغ الدين وتاريخ حلوله غير محددين أو كان ذلك محددا، وسواء تمت بموافقة المدين أم لا . كما تنقل الحوالة المهنية للمحال له الضمانات التي تضمن الدين، وحيثما كان الحق في الحوالة المهنية مضمونا فإن المحيل يضمن بالتضامن أداء الدين المحال .

    بيانات قائمة الديون المهنية : فالقائمة التي تسلم الى المؤسسة البنكية والمتعلقة بالديون المهنية المشار اليها في المادة 529 يجب أن تتضمن بيانات ورد ذكرها في المادة 531 ” توقع القائمة من طرف المحيل . تؤرخ من طرف المحال له، تتضمن البيانات التالية:

    1 – التسمية: “محرر حوالة ديون مهنية”؛

    2 – الإشارة إلى أن المحرر خاضع لمقتضيات هذا الباب؛

    – 3اسم أو تسمية المؤسسة البنكية المستفيدة؛

    – 4لائحة الديون المحالة، مع الإشارة، بالنسبة لكل واحد منها، للعناصر التي تمكن من تشخيصها، وخصوصا بذكر اسم المدين ومكان الأداء ومبلغها أو قيمتها وتاريخ استحقاقها واحتمالا رقم الفاتورة.

    غير أنه، حين يتم نقل الديون المحالة بطريق إعلاماتي يسمح بالتعريف بها، فإن اللائحة يمكن أن تقتصر، إضافة إلى البيانات موضوع البنود 1 و2 و3 واحتمالا 5 من هذه المادة، على الإشارة إلى الوسيلة التي تم النقل بواسطتها وإلى عدد الديون ومبلغها الإجمالي.

    في حالة المنازعة المتعلقة بوجود أو بنقل أحد تلك الديون، يحق للمحال له أن يثبت بجميع الوسائل أن دينه موضوع المنازعة يدخل في المبلغ الإجمالي المسجل في القائمة.

    – 5كل البيانات التي تسمح بالتحقق من الائتمان المضمون.

    إذا كان السند غير موقع من طرف المحيل، وغير مؤرخ من طرف المحال له، فلا يعتد به كحوالة ديون مهنية متى كان ينقصه أحد البيانات المشار إليها أعلاه.”

    اضافة لذلك فإن القائمة يمكن أن تنجز “لأمر” وآنذاك لا تنتقل إلا لمؤسسة بنكية أخرى

    لنعط مثالا، في البداية تكون للمقاول ديون على شركة أو شخص طبيعي في نطاق مزاولة نشاط تجاري، وهذه الديون مثبتة بوثائق كالطلبية وورقة الاستلام والفاتورة. يملأ المقاول قائمة بجرد لديونه، التي سيحيلها لفائدة البنك مع الإشارة للعناصر، التي تساعد على تشخيصها، نذكُر بالخصوص اسم المَدِين، ومكان الأداء، ومبلغ الفاتورة، رقمها وتاريخ أجلها. ويجب أن تحمل القائمة اسم «مُحَرَّر حوالة ديون مهنية»، مع الإشارة كتابيا إلى أنها تخضع لمقتضيات المادة 531 من مدونة التجارة، ثم يسلم المقاول القائمة مذيلة بتوقيعه ومُرفَقة بالوثائق التي تُثبِت واقعية ديونه المذكورة أعلاه.

    للإشارة، ابتداء من تاريخ توقيع المحرر، لا يمكن للمُحيل (أي المقاول) أن يغير مدى الحقوق المرتبطة بالديون التي أحالها. مثلا ليس له الحق في تمديد الآجال أو منح تخفيض في الثمن، لأن الفواتير، وبالتالي الديون المتعلقة بها، لم تعد في ملكيته، بل آلت إلى مؤسسة التمويل. كذلك ليس له الحق في سحب كمبيالة على التجار الذين فَوَّت ديونهم لأنه سيدخل في خانة مَن سيستخلص دينا مرتين، إشارة ثالثة ذات أهمية هي أن حوالة الديون المهنية ممكنه حتى في ما يتعلق بعملية متوقعة الحدوث، لكنها لم تقع بعد وإن كان تاريخ حلولها ومبلغها غير محددين .

    بُعَيْد مراقبة الوثائق، تقوم مؤسسة التمويل بتبليغ التجار أو الشركات المدينة للتاجر، بأن ديونهم أُحِيلت لفائدتها من طرف هذا الأخير، وأنهم يجب أن يؤدوا ما بذمتهم بين أيديها حصريا. ثم تضع رهن إشارة المقاول مُقابل الفاتورات لكي يستفيد منها. بعدئذ تتابع مؤسسة التمويل استخلاص الفواتير حسب التواريخ المبينة في اللائحة التي أودعها المقاول لديها. ما العمل في حالة عدم أداء الفواتير؟ حسب المادة 532 من مدونة التجارة، تَنْقُل الحوالة للمُحالِ لَه الضمانات التي تضمن الدين، ويضْمن المُحيل بالتضامن أداء الدين المُحَال. وهذا يعني أن المحال له (مؤسسة التمويل) يستفيد من الضمانات الشخصية، التي كان يستفيد منها التاجر، مثلا حق استرجاع البضاعة. في آخر المطاف وإن اقتضى الحال في حالة إعسار المُحيل (أو المُفَوِّت) أي المقاول الذي أحال لها الفاتورة، يمكن لمؤسسة التمويل الرجوع عليه، لأنه هو الضامن، كما يجوز لها ملاحقة المدين بالفاتورة مباشرة بفعل محرر حوالة الديون.

    لكي نفهم مسألة تفويت الديون المهنية لعملية متوقعة الحدوث، مبلغها وتاريخ حلولها غير محددين، نسوق المثال الآتي، لنفترض أن شركة توزيع الماء والكهرباء بمدينة ما، تنوي إنجاز استثمارات مهمة في ميدان تطهير المياه العادمة، أو مد مناطق بعيدة بالماء الصالح للشرب، وأنها تريد الحصول على تمويل بنكي لهذه المشاريع، ستقوم بتحويل ديون مهنية على عشرات الآلاف من المشتركين في شبكة توزيع الماء والكهرباء لفائدة مؤسسة التمويل، لكن حيث أنها لا تستطيع تحديد الاستهلاك مسبقا لكل مشترك، كما أنها لا تعرف متى سيؤدي هذا المشترك الفاتورة، كانت ستكون في مأزق وسيتعذر عليها الحصول على التمويل. من أجل حل هذا النوع من الإشكاليات، جاءت المادة 530 من مدونة التجارة التي تقول «خلافا لمقتضيات الفصلين 190 و192 من قانون الالتزامات والعقود، يكون كل دين قابلا للتحويل حتى وإن نتج عن تصرف مُتَوَقع الحدوث، وكان مبلغه وتاريخ حلوله غير محددين» فيجوز إذن قانونا تحويل ديون متوقعة مسبقا والحصول على التسبيقات عنها في انتظار إنجاز المقابل، أما في ما يخص الأمور المدنية فهذه العملية لا تجوز، لأن الأصل أن الديون المحتملة لا يمكن نقلها أو تفويتها. مثلا لا يمكن للمكتري أن يوقع التزاما قطعيا بأداء كراء السنوات الثلاث المقبلة لشخص من الأغيار (بنك مثلا) يُعَيِّنُه مالك المحل المكري، لأن المكتري لا يضمن أنه سيبقى مكتريا طوال هذه المدة.

    آثار حوالة الديون المهنية :

    المواد 534 و 535 و 536 من مدونة التجارة .

    المادة 534

    “يسري مفعول الحوالة ما بين الأطراف ويواجه به الأغيار، من التاريخ المدون على القائمة. ابتداء من هذا التاريخ، لا يمكن للمحيل بدون موافقة المحال له، أن يغير مدى الحقوق المرتبطة بالديون المعددة بالقائمة.”

    المادة 535

    “يمكن للمحال له في أي وقت أن يمنع المدين بالدين المحال، من الأداء بين يدي المحيل. لا يتحلل المدين تبعا له بصورة صحيحة إلا بالأداء للمحال له.”

    المادة 536

    ” بناء على طلب المحال له، يمكن للمدين أن يلتزم بأن يؤدي له مباشرة؛ يثبت هذا الالتزام، تحت طائلة البطلان، كتابة بعنوان “محرر قبول حوالة دين مهني”، في هذه الحالة، لا يمكن للمدين مواجهة المحال له بالدفوع المبنية على علاقاته الشخصية بالمحيل إلا إذا تعمد المحال له بقبوله الدين الإضرار بالمدين.”

    الحوالة المصرفية العادية والإلكترونية

    ثالثا : الحوالة المصرفية أو الحوالة المركبة

    هي نوع آخر من أنواع الحوالات، تتصف بنوع من الرسمية الاجرائية، وينظم أحكامها المواد من 519 الى 523 من مدونة التجارة، ويتعلق الامر بالحوالة المصرفية بنوعيها التقليدية والالكترونية، والسبب في اطلاق وصف المركبة على هذا النوع من الحوالات يرجع الى تداخل أحكامها وصعوبة تكييفها .

    النوع الاول : الحوالة البنكية أو الحوالة المصرفية العادية

    عرفتها المادة 519 من مدونة التجارة : ” التحويل عملية بنكية يتم بمقتضاها إنقاص حساب المودع، بناء على أمره الكتابي بقدر مبلغ معين يقيد في حساب آخر.

    تمكن هذه العملية من:

    1 – نقل مبلغ نقدي من شخص إلى آخر، لكل منهما حساب، لدى المؤسسة البنكية ذاتها أو لدى مؤسستين بنكيتين مختلفتين؛

    2 – نقل مبلغ نقدي بين حسابات مختلفة مفتوحة باسم نفس الشخص لدى المؤسسة البنكية ذاتها أو لدى مؤسستين بنكيتين مختلفتين.

    إذا كان المستفيد من التحويل مكلفا بنقل المبلغ إلى الجانب الدائن من حساب شخص آخر، وجب ذكر اسم هذا الأخير في أمر التحويل.”

    يتبين أن الحوالة المصرفية هي عملية بنكية مفادها نقل مبلغ نقدي من حساب الى حساب اخر في نفس المؤسسة البنكية أو في مؤسسة بنكية أخرى، فهي عملية لا تكون دائما قاصرة على تحويلات بين حسابات في مؤسسة بنكية واحدة بل يمكن نقل وتحويل الاموال بين حسابات في بنوك مختلفة ولو كانت من بنك مغربي الى بنك اجنبي أو العكس، كما نلاحظ اشتراط شكلية الكتابة لأمر التحويل المصرفي لأن الكتابة هنا شرط انعقاد . والمشرع المغربي لا يجعل أمر اثبات اسم المحول أو المستفيد من التحويل من الشكليات الاساسية في العقد، لكنه أشار الى حالة واحدة يجب أن يكون أمر التحويل فيها اسميا وهي الحالة ما اذا كان المستفيد من التحويل مكلفا بنقل المبلغ الى الجانب الدائن من حساب شخص اخر ففي هذه الحالة يجب ذكر اسم هذا الاخير في أمر التحويل .

    التكييف القانوني للحوالة المصرفية :

    جانب من الفقه اعتبرها حوالة حق، لأن رصيد الآمر يمثل دينا مستحقا له في مواجهة البنك، وبالتالي فان هذا الدين ينتقل من حساب الآمر بالتحويل الى حساب المستفيد منه، وبالتالي لا بد أن يكون التحويل المصرفي في جوهره حوالة حق، وتبعا لهذا التكييف يكون الآمر بالتحويل هو المحيل والمستفيد هو المحال له والبنك هو المدين المحال عليه، ويعني ذلك أن البنك يمكنه التمسك بكافة الدفوع التي كانت ثابتة له قِبل الآمر بالتحويل، وفي ذلك ما يقيد إجراءات تداول الحوالة المصرفية، حيث أن أي خلاف قد ينشأ بين أطرافها قد يحول دون تنفيذها كما أن ذلك لا يستقيم مع طبيعة عمل البنك بصفته وكيلا .

    لهذا كان تكييف الحوالة المصرفية بكونها إحدى صور حوالة الحق أمر لا يمكن قبوله ولا الاخذ به نظرا لكثرة التعقيدات التي تعيق الحوالة المصرفية بسبب هذا التكييف، لذلك كان لا بد من ضرورة تحرر الحوالة المصرفية من قيود القانون المدني التي تؤخر تنفيذها للمستفيد منها، كما أن هذا الوصف لا ينطبق على الحالة التي تتم فيها الحوالة المصرفية بين حسابين لنفس الشخص، لذلك وجب استيعاد قواعد القانون المدني عن هذا النوع من الحوالات وإن جاز من حيث الطبيعة اعتبارها حوالة حق، لكنها تبقى عمليات بنكية ناشئة عن نظم قانونية حديثة، فهي بذلك عمليات مادية تشبه عملية تسليم النقود من الناحية المادية والقانونية، كما أن التداول بالطرق التجارية يتميز عن التداول بالطرق المدنية ببساطة الاجراءات وسرعتها فضلا عن زيادة الضمان حتى تتمكن الورقة التجارية من أداء وظيفتها على أكمل وجه باعتبارها وسيلة ائتمان فعالة بين التجار .

    أحكام الحوالة المصرفية :

    نجدها في المواد ما بين 520 و 523 من مدونة التجارة

    المادة 520

    يصح الأمر بالتحويل سواء تعلق بمبالغ تم تقييدها بحساب الآمر أو بمبالغ يجب تقييدها به، داخل أجل سبق الاتفاق عليه مع المؤسسة البنكية.

    المادة 521

    يصبح المستفيد من التحويل مالكا للمبلغ الذي يتعين نقله من وقت خصمه من طرف المؤسسة البنكية من حساب الآمر.

    ويجوز التراجع عن الأمر بالتحويل إلى ذلك الحين.

    المادة 522

    يبقى الدين الذي صدر أمر التحويل وفاء له قائما بضماناته وتوابعه إلى أن يقيد المبلغ فعلا في الجانب الدائن من حساب المستفيد.

    المادة 523

    إن بنك الآمر يسأل عن أخطاء الأبناك التي يحلها محله في تنفيذ التحويل سواء اختارها أم لا، مع حفظ حق بنك الآمر في الرجوع على تلك الأبناك.

    النوع الثاني : الحوالة المصرفية الالكترونية

    لا تختلف في مفهومها عن عقد التحويل المصرفي العادي سوى بوجود وسائل اتصال عن بعد “الكترونية” تتدخل في العقد سواء في انشائه أو تنفيذه .

    نورد هنا التعريف الذي اقترحه قانون تحويل الاموال الإلكترونية الامريكي للحوالة المصرفية الالكترونية الذي نص على ما يلي ” أي عملية تحويل للأموال تبدأ أو تنفذ من خلال وسيلة إلكترونية كالهاتف أو الحاسوب أو شريط مغناطيسي بهدف أمر أو توجيه أو تفويض منشأة مالية بإجراء قيد دائن أو مدين في الحساب” كما يعرف هذا القانون الاتصال الالكتروني بأنه ” الرسالة المرسلة الكترونيا بين العميل والمنشأة المالية بصورة تسمح بعرض ورؤية نص الرسالة بواسطة وسيلة عرض كشاشة الحاسوب الشخصي ” ويكاد يكون هذا التعريف هو التعريف التشريعي الوحيد الموجود لعقد التحويل المصرفي الالكتروني .

    تكييف عقد الحوالة المصرفية الالكترونية

    ذهب الاستاذ هامل الى أن التحويل المصرفي عملية واحدة مركبة من عدة عناصر، لكل منها طبيعتها القانونية، فقد قسم التحويل المصرفي الى عدة عناصر :

    أولها الأمر بالتحويل الصادر عن الآمر الى البنك، ومن ثم عملية الوفاء من قبل البنك للمستفيد، وقد اعتبرها كعملية تسليم نقدي للقيمة، وآخرها ايداع المستفيد للمبلغ الموفى (قيمة الحوالة) في حسابه لدى البنك الموفي .

    لقد اعتبر الاستاذ هامل أن البنك عندما ينفذ عملية التحويل فإن عملية مركبة تتم في لحظات ويرتب كل جزء من هذه العملية آثاره القانونية . فبالنسبة للآمر بالتحويل يعد التحويل وفاء للدين الذي في ذمته للمستفيد واستيفاء لدينه لدى البنك، أما بالنسبة للبنك فتعتبر وفاء بدين في ذمته للآمر والتزاما جديدا ينشأ في ذمته لصالح المستفيد، أما بالنسبة للمستفيد فالعملية استيفاء لدينه الذي في ذمة الآمر وايداع للمبلغ لدى البنك .

    لكن جانبا آخر من الفقه لم يتفق على تجزئة العملية، واعتبر أن التزام البنك قبل المستفيد لا يجد سببه في أمر التحويل وإنما يجد سببه في هذا القيد الذي يجعل البنك مدينا للمستفيد بالمبلغ الذي تم قيده في حساب المستفيد .

    جاءت نظرية ثالثة على إثر النقد الموجه الى هامل وقالت بأن التحويل المصرفي عملية مركبة من عمليتين رئيسيتين هما الامر بالتحويل، وتنفيذ هذا الامر، فيصبح بمقتضاه البنك مدينا للمستفيد واعتبرت هذه النظرية أن العملية الثانية نتيجة للأولى وليس بينهما وحدة قانونية وبالتالي فالتحويل المصرفي وسيلة فنية لتنفيذ عدة عمليات قانونية .

    هذه النظريات كلها تعاملت مع الحوالة المصرفية سواء العادية أو الإلكترونية باعتبارها عملية مصرفية أو وسيلة فنية لنقل الاموال عن طريق المناولة أو التسليم اليدوي تستمد مشروعيتها من العرف المصرفي وترتب نتائجها بمقتضاه . يبقى أن هذه النظريات أغفلت شيئا مهما وهو أن هذا التحويل يرتب التزامات وواجبات متبادلة بين الاطراف، والوسيلة التي تستطيع أن ترتب هذه الالتزامات في الذمة هي التي نسميها عقدا، خاصة اذا علمنا أن جوهر هذه العملية المصرفية أو البنكية هو كونها تصرف قانوني ناشئ عن تراض بين طرفين بتطابق الايجاب من أحدهما وقبول الاخر، هما الآمر بالصرف والبنك على اعتبار أن التعاقد قد ينشأ بينهما دون تدخل من المستفيد كونه ليس طرفا في هذا العقد .

    📗 خلاصة الباب

    • إلى جانب الحوالة التقليدية، طوّر القانون التجاري صوراً مبسّطة وأسرع: السندات القابلة للتداول (للحامل، لأمر، الاسمية) وحوالة الديون المهنية (م529-536 مدونة التجارة) التي تتم بمجرد تسليم قائمة موقّعة لمؤسسة بنكية.
    • حوالة الديون المهنية تجيز تحويل ديون مستقبلية غير محددة المبلغ والتاريخ خلافاً للقاعدة المدنية العامة، خدمة لاحتياجات التمويل البنكي الحديث.
    • الحوالة المصرفية (التقليدية والإلكترونية) عملية بنكية مركّبة يختلف الفقه في تكييفها بين اعتبارها حوالة حق أو عملية بنكية مستقلة، وتنظمها المواد 519-523 من مدونة التجارة.

  • الباب الرابع: حوالة الحق

    📖 انتقال الالتزام — الفصل 5 من 6 — فهرس الكتاب

    مفهوم حوالة الحق ومصادرها وأغراضها

    الحوالة

    تنقسم الى حوالة الحق وحوالة الدين، فحوالة الحق تعرف بانها اتفاق بين الدائن وشخص اخر يتم بموجبه نقل حق الدائن الى هذا الشخص ويسمى الدائن المُحيل ويسمى الشخص الاخر المُحال له، أما حَوالة الدين فيقصد بها تحويل دَين المدين الى مَدين اخر حيث يتغير المدين دون الدائن .

    مصادر الحوالة :

    إما القانون وإما الاتفاق ف189

    انتقال الحق بمقتضى القانون

    كانتقال الحقوق إلى الوريث وانتقال حق المستأجر الذي يتنازل عن إيجاره إلى الغير المتنازل له ما لم يمنع ذلك العقد ف668 و حلول المالك الجديد في حقوق الايجار ف694 وانتقال حقوق المضرور للدولة في حالة ما اذا حكم عليها بالتعويض بوصفها مسؤولة عن الموظفين العموميين ف85 .

    انتقال الحق بمقتضى اتفاق المتعاقدين

    كأن يتفق الدائن مع الغير على أن يُحول له حقه في ذمة المدين، فيحل الغير محل الدائن في هذا الحق، فيسمى الدائن مُحيلا والغير مُحالا له والمدين محالا عليه ف180_ف208

    مفهوم حوالة الحق

    ” عقد ينقل بمقتضاه الدائن حقه الشخصي إلى دائن آخر يحل محله في اقتضاء الحق من المدين” أو “اتفاق ينقل بموجبه الدائن حقه في التزام معين إلى شخص آخر يقبل أن يحل في محله”، التعريف الأول رأى حوالة الحق عقدا والثاني رآها اتفاقا، والاتفاق أعم من العقد، أيضا يختلف التعريفان في نقطة قبول المحال له، وأغلب الفقه يرى أنه لا ضرورة لقبول المدين لسريان الحوالة باستثناء حالة الحق المتنازع فيه، لكنهما يجتمعان في ضرورة وجود دائن أصلي هو “المُحيل” ودائن جديد هو “المُحال له ” والمدين وهو “المُحال عليه” .

    أغراض حوالة الحق

    قد يقصد الدائن المُحيل أن يبيع حقه للدائن الجديد المُحال له، وقد يقصد أن يهبه إياه أو يرهنه عنده أو يوفي به دينا عليه فتكون هنا الحوالة وفاء بمقابل، والعبرة بالإرادة الحقيقية للمحيل والمحال له، وهي مسألة تترك لمحكمة الموضوع دون محكمة النقض .

    فحوالة الحق إذا كانت في مقابل ثمن نقدي فهي بيع، وتطبق عليها أحكام عقد البيع، ويمكن تسمية حوالة الحق هنا “بيع الدين” أو “نقل الدين” لأن الدين سينتقل لفائدة الدائن الجديد، أما إذا كان القصد من الحوالة هو وفاء المحيل بدين في ذمته للمحال له، كان من اللازم الانتباه إلى ضرورة الاخذ بعين الاعتبار أحكام الوفاء إضافة إلى القواعد الخاصة بحوالة الحق أما إذا كانت نية المحيل التبرع بالحق لفائدة المحال له سرت على حوالة الحق أحكام الهبة بما في ذلك شكلية الكتابة كركن شكلي لانعقادها وطبقت هنا أحكام الهبة الموضوعية إضافة إلى القواعد الخاصة بحوالة الحق .

    إضافة لهذه الاغراض هناك غرضان آخران لحوالة الحق، الأول أن الدائن قد يكون معسرا فيفضل التنازل عن سند الدين لمن هو أكثر يسارا، والثاني أن الدائن يستطيع أن يجني إنتاجا من إحالة الحق عوض البقاء في حالة الجمود بانتظار استحقاق الدين .

    شروط انعقاد الحوالة (الرضى والأهلية والمحل والسبب)

    شروط انعقاد الحوالة

    وجوب تطبيق مبادئ التعاقد العامة إلى جانب شروط خاصة تتعلق بمحل الحوالة وبسببها فالقاعدة الاصلية أن الحوالة تخضع لمبادئ التعاقد العامة سواء من حيث أركانها أو من حيث إثباتها، فلانعقاد حوالة الحق يجب توافر الأركان العامة في التعاقد وهي الرضى و المحل و السبب والأهلية، كما أن هناك شروطا خاصة يجب توافرها في المحل والسبب.

    وجوب تطبيق مبادئ التعاقد العامة

    من حيث أركان الحوالة

    يكفي توافر أركان العقد من تراضي بين المحيل والمحال له وتمتعهما بالأهلية وأن يكون محل الحوالة مشروعا والسبب غير مخالف للقانون .

    الرضى في حوالة الحق

    الرضاء هو قوام العقد ويقصد به اتجاه الارادة إلى إحداث أثر قانوني، وفي الحوالة هو اتجاه إرادة المحيل والمحال له إلى إحداث أثر قانوني لهذه الحوالة دون حاجة إلى رضاء المدين لأنه ليس طرفا في العقد ولا يلزم رضاؤه لانعقاد العقد، وهو ما يفهم من سياق الفصل 194 ” الحوالة التعاقدية لدين أو لحق أو لدعوى تصير تامة برضى الطرفين، ويحل المحال له محل المحيل في حقوقه ابتداء من وقت هذا التراضي “

    التعبير عن الارادة في حوالة الحق

    هو إظهار ما تتجه إليه نية صاحب الإرادة في موقف خارجي يحمل هذه الارادة إلى علم الآخرين، فهو إخراج للنية من عالم المشاعر والافكار إلى عالم الظواهر بحيث تدرك هذه الارادة بالحواس، وهذا هو مجال عمل القانون، والمشرع لم يُحتم مظهرا خاصا للتعبير عن الارادة في حوالة الحق كما هو الامر في سائر العقود تبعا لمبدأ الرضائية، فالمتعاقد حر في الافصاح عن إرادته بالطريقة التي يرتضيها، فيكون التعبير صريحا أحيانا وقد يأتي في صورة ضمنية، فقط يجب أن يكون جادا وقانونيا، وبمجرد صدوره عن صاحبه يصير له وجود فعلي لكنه لا يُرتب أثره إلا بلغ إلى علم من وُجه إليه .

    تطابق الارادتين في حوالة الحق

    نعلم أن التعبير عن إرادة واحدة لا يكفي لإنشاء عقد، بل لابد من وجود عن تعبير عن إرادة و وجود ارادة أخرى موافقة ومطابقة للإرادة الأولى، التوافق والمطابقة تعني اقتران الايجاب بقبول موافق و مطابق حتى ينعقد العقد، فالمُحيل يجب أن يعلن عن إرادته في نقل الحق إلى المحال له، وهذا الأخير يجب أن تصدر عنه إرادة موافقة ومطابقة لارادة المُحيل .

    أهلية التعاقد في حوالة الحق

    الأهلية في نظر القانون هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات ومباشرة التصرفات القانونية، ونميز هنا بين أهلية الوجوب وهي أهلية كسب الحقوق وتثبت للشخص منذ ولادته وأهلية الأداء وهي أشمل فتضم ايضا القدرة على التحمل بالالتزامات ومباشرة التصرفات القانونية التي ترتب أثرا قانونيا، والاصل هو كمال الاهلية فيكون الشخص أهلا للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بخلافه (فصل3)

    المحل في حوالة الحق

    يجب أن نميز أولا بين محل العقد ومحل الالتزام، فمحل عقد البيع مثلا هو الشيء المبيع والثمن بينما محل الالتزام من جهة المشتري هو أداء الثمن ومحل التزام البائع هو تسليم الشيء المبيع، وفي حوالة الحق فمحل الحوالة هو الحق المحال، فمحل التزام المحيل هو الحق المحال ومحل الحوالة بالنسبة للمحال له هو تمكنه من الحق موضوع الحوالة .

    محل حوالة الحق هو حق الدائن وهو حق شخصي وليس حقا عينيا، فهو الذي ينتقل من الدائن الاصلي الى الدائن الجديد، فـيمكن أن نقول ” إن حوالة الحق محلها حق الدائن ” وهو غالبا مبلغ من النقود، لكن يجوز أن يكون محل الحق أشياء مثلية غير النقود بل ويجوز أن يكون عقارا معينا بالذات شريطة أن يكون متعلقا بحق شخصي لا عيني، كالوعد ببيع منزل، يجعل للموعود له حقا شخصيا قِبل الواعد متعلقا بالدار، فيجوز للموعود له أن ينزل عن هذا الحق لشخص آخر، كذلك يجوز أن يكون محل الحق عملا أو امتناعا عن عمل، فيجوز للمستأجر مثلا وهو دائن للمؤجر بتمكينه من الانتفاع بالعين المؤجرة أن ينزل عن حقه إلى شخص آخر، ويجوز لمشتري المتجر اذا اشترط على بائعه عدم المنافسة وهو التزام بامتناع عن عمل أن ينزل عن المتجر الذي اشتراه لشخص آخر ويعتبر أنه قد نزل له في الوقت ذاته عن حقه الشخصي قبل البائع بعدم المنافسة .

    يجوز في محل الحوالة أيضا أن يكون حقا مدنيا أو تجاريا، مدونا في سند مكتوب رسمي أو عرفي أو غير مدون أصلا فتجوز الحوالة في الحقوق التي لا دليل عليها إلا الشهادة والقرائن، كما يجوز أن يكون محل الحوالة مربوطا بأجل أو معلقا على شرط وهو ما نص عليه الفصل190 بقوله ” يجوز أن يرد الانتقال على الحقوق أو الديون التي لم يحل أجل الوفاء بها “

    الحق الذي ينتقل في حوالة الحق

    الحق حقان، حق شخصي وهو حالة قانونية يكون فيها لشخص أن يطلب من غيره أداء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل ذي قيمة مالية ، وحق عيني وهو سلطة مباشرة يمنحها القانون لشخص معين على شيء معين ” وحوالة الحق لا يمكن تصورها في الحق العيني بل يقتصر وجودها في الحق الشخصي، لأن الحق العيني يتطلب لانتقاله إلى الغير أحكاما خاصة من ذلك التسجيل في السجل العيني، كما أن الحق العيني متعلق بذمة شخص معين بالذات فيتم نقله بالاتفاق بين صاحب الحق العيني والمتعاقد الآخر، أما النفاذ في حق الغير فلا يمكن أن يكون ذلك بإعلان الاتفاق كما هو الامر في الحق الشخصي بل يتطلب إجراءات أخرى كما ذكرنا، فلانعقاد الحوالة يجب أن يكون المحل حقا يقبل النزول عنه والأصل أن جميع الحقوق الشخصية تقبل النزول عنها ما عدا الحقوق العينية .

    و ليس جميع الحقوق الشخصية قابلة للانتقال، فهناك ست حالات على سبيل الاستثناء لا تجوز فيها الحوالة جاء ذكرها في الفصلين 190 و 191 .

    الحقوق الست الممنوعة من الحوالة

    الحالة الاولى : لا تجوز الحوالة في الحقوق المحتملة أو الحقوق المستقبلية

    بخلاف المشرع المصري فقد نص المشرع المغربي في الفصل 190 على أنه ” لا يجوز أن يرد الانتقال على الحقوق المحتملة ” بينما أجاز ذلك في الحقوق المعلقة على شرط، و الحق المعلق على شرط يختلف عن الحق الاحتمالي في كونه يتوفر على وجود قانوني في الحال، وإن كان هذا الوجود غير بات و لا كامل، لكن اذا ما تحقق الشرط أصبح الوجود باتا وكاملا وبأثر رجعي من وقت نشوء الحق، بينما الحق الاحتمالي ليس له وجود قانوني في الحال، بل هو غير محقق الوقوع، واذا ما تحقق فليس لوجوده أثر رجعي، كما يمكن أن نلاحظ أن الشرط وصف داخل على الحق بينما في الحق الاحتمالي فالواقعة التي تحقق وجوده عنصر جوهري في هذا الحق، ويبدو أن المشرع المغربي لم يكن على صواب في منعه لحوالة الحق الاحتمالي بصفة مطلقة، مع العلم أن تطور الحياة ربما يفرض نوعا من هذه المعاملات، خصوصا أن الشريعة الاسلامية قد أجازت الكثير منها كبيع السلم و بيع الثمر قبل ظهور صلاحه، ويمكن القول أن المشرع المغربي ذهب منحى المشرع الفرنسي وإلا فإن المشرع المصري قد أجاز حوالة الحقوق المستقبلية وكذا جزء كبير من الفقه والقضاء الفرنسي، نفس الامر بالنسبة للفقيه عبد الرزاق السنهوري الذي يجيز التعامل بالحقوق المستقبلية.

    الحالة الثانية : عدم جواز الحوالة بمقتضى سند إنشائها

    الحق الشخصي يقبل قبل إنشاءه اشتراط الشروط، فيتم إنشاؤه كيفما يرتضيه الاطراف وقابلية الحق الشخصي للحوالة ليس من النظام العام، بخلاف الحق العيني الذي يخضع التعامل به و طرق تداوله لقواعد آمرة يكون احترامها من النظام العام، وهو ما نص عليه الفصل 668 مثلا بقوله “للمكتري الحق أن يكري تحت يده ما اكتراه وأن يتنازل عن عقد الكراء لغيره .. إلا إذا حجر عليه ذلك العقد ..”

    الحالة الثالثة : منع حوالة الحق بنص القانون

    مثال ذلك ما نص عليه الفصل 481 ” لا يجوز للسماسرة ولا الخبراء أن يشتروا لا بأنفسهم ولا بوسطاء عنهم الاموال المنقولة أو العقارية التي يناط بهم بيعها أو تفويتها “

    الحالة الرابعة : منع حوالة الحق الذي يتسم بطابع شخصي

    فتكون شخصية الدائن ذات اعتبار كحق الشريك في شركات الاشخاص، أو الالتزام بالعلاج وهو ما نص عليه الفصل 191 عندما قال بأن الحوالة تبطل ” اذا كان محلها حقوق لها صفة شخصية محضة كحق الانتفاع المستحق لحبس ” كما لا تصح الحوالة اذا كانت تقتضي ذلك طبيعة محل الحوالة وهو ما نص عليه الفصل 631 بقوله ” لا يصح أن يكون الشيء المكترى مما يهلك بالاستعمال ” نفس المقتضى اذا كانت طبيعة محل الحوالة حقا عينيا.

    الحالة الخامسة : منع قابلية الحق للحوالة لعدم قابليته للحجز

    وهو ما نص عليه الفصل 191 حين قال ببطلان الحوالة ” اذا كان الدين لا يقبل الحجز أو التعرض، الا أنه اذا كان الدين لا يقبل الحجز الا في جزء منه .. صحت الحوالة في حدود هذه النسبة ” وقد نصت المادة 488 من قانون المسطرة المدنية على مجموعة من الحقوق لا تقبل الحجز نذكر منها التعويضات العائلية، النفقة، الأجور، الرواتب، المعاشات وايضا ما نص عليه الفصل 458 كالخيمة وفراش النوم والكتب والمواد الغذائية التي تكفي شهرا وبقرتين و ستة رؤوس من الغنم أو المعز وفرس أو بغل أو حمارين والبذور التي تكفي زرع ملك عائلي .

    الحالة السادسة : لا تجوز حوالة الحق الذي تتطلب حوالته موافقة المدين

    وهو ما نص عليه الفصل 192 ” تبطل حوالة الحق المتنازع فيه، ما لم تتم بموافقة المدين المحال عليه. ويعتبر الحق متنازعا فيه، في معنى هذا الفصل، إذا كان هناك نزاع في جوهر الحق أو الدين نفسه عند البيع أو الحوالة، أو كانت هناك ظروف من شأنها أن تجعل من المتوقع إثارة منازعات قضائية جدية حول جوهر الحق نفسه ” كأن يدعي المدين عدم ترتب الدين في ذمته أصلا، أما اذا كان النزاع متعلقا بملحقات الدين كالفوائد مثلا فتصح الحوالة لأن الحق لا يعتبر متنازعا فيه وبالتالي لا تخضع الحوالة هنا لموافقة المدين، نفس المقتضى في حالة كانت الدعوى التي اقامها المدين قد رفضت في الجوهر .

    السبب في حوالة الحق

    السبب ركن من أركان الالتزام، ومن ذلك حوالة الحق، الفصل 2 يقول ” سبب مشروع للالتزام “، سبب الالتزام بصفة عامة أو سبب حوالة الحق في حالتنا هذه هو الغرض الغائي (مشتق من الغاية) أو السبب المباشر الذي تحمل من أجله المتعاقد بالالتزام وهو يتميز بطابع شخصي فهنا سبب حوالة الحق قد يكون هو الوفاء بدين وفي عقد البيع مثلا هو قبض الثمن، هذا تعريف النظرية التقليدية للسبب، وهناك تعريف آخر و قد تبنته النظرية الحديثة وينظر في السبب غير المباشر، فينظر أصحاب هذه النظرية في سبب العقد لا في سبب الالتزام، والسبب غير المباشر من وراء التعاقد قد يكون هو استعمال المال للذهاب في نزهة، وهناك نظرية ثالثة تنسب الى الاجتهاد الفرنسي جمعت بين النظريتين فتعتد بالباعث المباشر الموضوعي وأيضا بالباعث غير المباشر الشخصي للنظر في بطلان العقد.

    الشروط المُتَطَلبة في سبب حوالة الحق

    أولا : أن يكون مشروعا، ولو لم يذكر في العقد فهو يعتبر مشروعا ما لم يقم الدليل على خلافه، أما اذا ذكر السبب في العقد فيعتبر هو السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على خلافه

    ثانيا : أن يكون موجودا، كأن يعتقد المحيل أن عليه دينا لفائدة المحال له بينما هذا الدين غير موجود، فهنا لا وجود لسبب حقيقي لحوالة الحق وبالتالي يقع العقد باطلا لانعدام السبب .

    ثالثا : أن يكون صحيحا، وعدم صحة السبب يكون مرده إلى الوهم أو الغلط الذي يقع فيه المتعاقد ويترتب عليه عدم صحة العقد أو بطلانه .

    مشروعية السبب إما أن يكون الحظر فيها بنص القانون أو عند مخالفة النظام العام والآداب العامة

    وحسب الفصل 193 تكون حوالة الحق باطلة اذا كان الغرض منها ابعاد المدين عن قضاته الطبيعيين و جره الى محكمة دائن جديد لأن الاختصاص يعود لمحكمة المدعى عليه في حالة النزاع، فهنا لا من سبب لحوالة الحق إلا ارهاق المدين وجره إلى محكمة غير محكمته وتكبيده مصاريف اضافية أو جره إلى قوانين جديدة في دولة أخرى .

    شروط نفاذ الحوالة تجاه المدين والغير

    شروط نفاذ الحوالة

    تنعقد الحوالة بتراضي المحيل والمحال له وبرضى المدين في حالة حق متنازع فيه، ولكي تصبح نافذة إزاء المدين والغير لا بد من شهر الحوالة للمدين والغير، فيجب إعلان المدين رسميا أو قبوله بها وإلا بقيت بدون أثر، مع حالة استثنائية هي حوالة من له حق في تركة فهي تنتقل بقوة القانون دون أي إجراء أو شهر، هذه الحالة تصح فيها الحوالة بمجرد انعقادها، وهناك حالتان استثنائيتان لنفاذ الحوالة بإجراءات غير الاعلان أو القبول بها هما حوالة عقود كراء العقارات أو أكريتها وغيرها من الاشياء القابلة للرهن الرسمي كالسطحية أو الايرادات الدورية المترتبة عنها، فيجب أن ترد في محررات ثابتة التاريخ وإذا كان العقار محفظا وجب القيد في السجل العقاري ثم حوالة الكمبيالات حيث وردت أحكام حوالتها في القانون التجاري .

    الاصل إذن أن الحوالة تتم بمجرد التراضي بين الدائن الاصلي “المحيل” و الدائن الجديد “المحال له” دونما ضرورة لإفراغ هذا التراضي في شكل معين، بحيث تتم الحوالة بمجرد اقتران الايجاب بـالقبول، فتصح وتصبح قائمة، لكن أثرها لا يبدأ بالسريان في مواجهة المدين أو الغير إلا إذا وُجد شرط ضروري لنفاذها قِِبل المدين والغير وهو إعلان الحوالة إعلانا رسميا أو قبول المدين بها في محرر رسمي ثابت التاريخ، نتحدث هنا عن شرط إجرائي مهم ولازم لتفعيل الحوالة وإنتاج أثرها، لكن هذا الشرط لا يكون لازما في بعض الحالات الاستثنائية فيكون كافيا لنفاذ حوالة الحق اقتران الايجاب بالقبول .

    شروط نفاذ حوالة الحق قِبل الغير

    الغير هو كل شخص يضار بالحوالة لنشوء حق له من المحيل يتعلق بالحق المحال به يتعارض مع حق المحال له، بعبارة أخرى الغير هو كل من يكون إجراء إعلان الحوالة أو شهر التصرف الذي تضمنته الحوالة حجة عليه، أو لنقل هو كل شخص كسب حقا من جهة المحيل على الحق المحال به يتعارض مع حق المحال له، دون أن ننسى أن المدين يعتبر غيرا وفي نفس الوقت طرفا في الحوالة، فهو في وضع خاص في الحوالة بين الوضعين.

    نفاذ الحوالة قِبل الغير معناه أنه عند تزاحم المحال له مع أحد من الاغيار محال له ثان مثلا يُـقدم منهم مَن تاريخ حوالته أسبق من تاريخ نفاذ الحوالة، بمعنى آخر نفاذ الحوالة قِبل الغير هو إمكان الاحتجاج بها على دائني المحيل بحيث يعتبر الحق أنه خرج من ذمة المحيل خروجا منع دائنيه من التنفيذ عليه، و يحول دون إمكان المحيل التصرف في هذا الحق مرة أخرى تصرفا يُضير المحال له، والشرط الجوهري هنا هو أن يكون تاريخ نفاذ حوالته سابقا على تاريخ نفاذ الحوالة الثانية وهو ما نص عليه الفصل 197 ” إذا حول نفس الدين لشخصين فضل منهما من بلغ حوالته للمدين قبل الآخر ولو كانت حوالته متأخرة في التاريخ” معنى ذلك أن الدائن قد يعمد إلى حوالة الحق إلى دائن ثاني غير الدائن الاول فإذا قام المحال له الثاني بإعلان الحوالة قبل المحال له الاول كانت الافضلية له ولو كانت حوالته متأخرة في التاريخ، لذلك فمن مصلحة المحال له الأول أن لا يتأخر في إعلان الحوالة للمدين إعلانا رسميا أو يحصل منه على محرر ثابت التاريخ يفيد بقبول المدين للحوالة، وهو ما نصت عليه المادة 195 ” لا ينتقل الحق للمحال له به تجاه المدين والغير إلا بتبليغ الحوالة للمدين تبليغا رسميا أو بقبوله إياها في محرر ثابت التاريخ” هذين الإجراءين وحدهما ما يجعل الحوالة نافذة في مواجهة الغير وفي مواجهة المدين أيضا وهو أمر يعني المحال له الأول حتى لا تكون حقوقه مهددة بالضياع، وما دامت الحوالة لم تبلغ إلى المدين بصورة رسمية أو ما دام لم يقبل بها في محرر ثابت التاريخ بقيت الحوالة مجردة من أي أثر في حق المدين وفي مواجهة الغير، والمدين ما لم يعلم بالحوالة عن أحد هذين الطريقين كان من حقه أن يرفض دفع ما هو مترتب في ذمته إلى غير دائنه، لكن الدائن قد يبادر رغم الحوالة إلى استيفاء حقه من المدين، هنا تترتب مسؤولية المحيل إزاء المحال له وتبرأ ذمة المدين من الحق ما لم يكن الوفاء بالدين أو انقضاؤه تم نتيجة التواطؤ بين الدائن المحيل والمدين من أجل الاضرار بحقوق المحال له فيجوز لهذا الاخير عدم الاعتداد بالوفاء الحاصل بطريق الغش واعتباره باطلا وهو ما ورد في الفصل 198 ” إذا دفع المدين الدين للمحيل أو أنهاه بالاتفاق معه بأي طريق آخر قبل أن تبلغ له الحوالة من المحيل أو من المحال له برئت ذمته ما لم يقع منه تدليس أو خطأ جسيم”

    شروط نفاذ الحوالة قِبل المدين

    الشرط الأول : إعلان المدين بالحوالة

    جاء في الفصل 195 ” لا ينتقل الحق للمحال له به تجاه المدين والغير إلا بتبليغ الحوالة للمدين تبليغا رسميا أو بقبوله إياها في محرر ثابت التاريخ، وذلك مع استثناء الحالة المنصوص عليها في الفصل 209″

    الفصل 209 “من أحال حقه في تركة لا يضمن إلا كونه وارثا. ولا تصح هذه الحوالة إلا إذا كان الطرفان يعرفان قيمة التركة. وبمقتضى هذه الحوالة، تنتقل بحكم القانون الحقوق والالتزامات المتعلقة بالتركة إلى المحال له” .

    المدين هنا قد يكون شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا شركة أو جمعية أو مؤسسة عمومية، والواجب أن يتم تبليغ الحوالة الى المدين تبليغا رسميا أو أن يصدر عنه قبول صريح بالحوالة وما لم يصدر عنه قبول أو لم يبلغ رسميا بها بقيت الحوالة بدون أثر وتكون بذلك حقوق المحال له مهدرة وعرضة للضياع، فيكون من حق المدين رفض دفع ما هو مترتب عليه لغير الدائن الاصلي وهو ما نص عليه الفصل 198، وعليه فقبل الاعلان بالحوالة يجوز للدائن أن يتصرف في حقه كما يشاء ويمكنه استيفاء حقه من المدين رغم الحوالة كما يمكنه إبرام حوالة ثانية بخصوص نفس الدين ويحيله إلى دائن آخر غير المحال له .

    الغرض من التبليغ

    أولا : مراعاة مصلحة المدين، فيمتنع عن معاملة الدائن الاصلي ولا يعامل الا الدائن الجديد وهنا لا يجب سوى اعلام المدين فتغير الدائن لا يؤثر عليه ولا يعفيه من الدين .

    ثانيا : مراعاة مصلحة الدائن الجديد، فيصبح بعد الاعلان صاحب الحق تجاه المدين والغير

    ثالثا : مراعاة مصلحة الغير، فيمتنع الغير عن التعامل مع الدائن الاصلي في هذا الحق

    مسطرة تبليغ الحوالة

    طبيعة إجراء إعلان المدين بالحوالة

    الفصل 195 تحدث عن تبليغ رسمي، والمشرع لم يوضح طرق هذا التبليغ، لكن واضح أن التبليغ الذي يعتد به هو التبليغ الذي تتضمن ورقته ضوابط شكلية و موضوعية معترف بها قانونا، ومنها تعيين اسم المحيل واسم المحال له واسم المحال عليه، موضوع المعاملة، تاريخ المعاملة، توقيع المحيل، مضمن الحوالة . كما يجب أن يتم التبليغ صحيحا إلى المحال عليه أو إلى نائبه أو أي شخص له صفة في وفاء الحق عن المدين في موطنه أو محل إقامته، وإذا كانت صحيفة الالتزام الاصلي قد عينت محلا خاصا للتبليغ فيجب احترام هذا المقتضى تحت طائلة بطلان التبليغ، أما اذا كان المدين عبارة عن شركة وجب التبليغ في المقر الاجتماعي للشركة أما في حالة المحجور أو القاصر وجب التبليغ لوليه الشرعي.

    ويستحسن التبليغ أن يكون غبر المفوض القضائي لكن من الجيد أيضا أن يتم عبر البريد المضمون مع الاشعار بالتوصل .

    الشخص الذي يعتد بتبليغه

    من نص الفصل 198 نفهم أن الشخص المخاطب بالتبليغ هو المحيل أو المحال له، وإن كان المحال له أي الدائن الجديد هو من يعنيه أكثر من غيره تبليغ الحوالة الى علم المدين، لأنه يُخشى عليه ان هو أبطأ في ذلك أن يقوم الدائن الاصلي بالتصرف في هذا الحق مرة ثانية ويحيل الحق الى محال له ثان أو أن يستوفي دينه من المدين .

    وقت تبليغ الحوالة إلى المدين

    لم يحدد القانون ميعادا لذلك، فيمكن اعلان المدين في أي وقت بعد صدورها، لكن قبل صدور حوالة ثانية حينها لا يعود مفيدا اعلان المدين بالحوالة الاولى، نفس الامر عندما يوقع دائن المحيل حجزا على المحال الذي يوجد له في ذمة المدين تحت يد هذا المدين، فمنذ تاريخ توقيع هذا الحجز لم يعد إعلان الحوالة للمدين بمثابة حجز جديد .

    مدى قيام العلم الشخصي للمدين، مقام الاعلان أو القبول بالحوالة

    المدين في حوالة الحق قد يعلم بوقوع الحوالة من دائنه الاصلي الى دائن جديد دون أن يعلن بها من المحيل أو المحال له طبقا للإجراءات السابقة، وذلك كأن يكون الحق المحال به مضمونا برهن رسمي و أشر المحال له على هامش القيد بالحوالة، فعلم المدين بها من هذا الطريق، وقد يكون المدين حضر مجلس العقد وقت صدور الحوالة فيتحقق علمه بالحوالة كما يمكن أن يعلم ذلك من الغير وأيسر من هذا كله أن يكون المحيل أو المحال له هو الذي تولى بنفسه اعلان المدين بصدور الحوالة من غير اعلان رسمي، ربما شفويا أو كتابيا، أو بالتلفون أو بالفاكس أو البريد الالكتروني، فهل يتحقق علم المدين بهذه الطرق ؟ أم أن الامر يستوجب الاعلان الرسمي كما حدده القانون ؟

    القانون رسم طريقا معينا لا يمكن استبداله، لكن اذا ثبت ان المدين علم بالحوالة وتجاهلها عمدا للإضرار بالمحال له كان ذلك غشا يمكن ان يترتب عليه بطلان ما قد يكون قام به من وفاء للمحيل اضرارا بالمحال له، لا بناء على العلم بالحوالة بل بناء على أن الغش يبطل التصرفات وكذلك اذا اشترى الحق المحال به محال له ثاني وكان يعلم بالحوالة وقصد بذلك الاضرار بالمحال له الاول، نستنتج أن علم المدين بالحوالة من غير طريق القبول او الاعلان لا يكفي لجعل الحوالة نافذة في حق المدين ولا في حق الغير .

    الشرط الثاني : قبول المدين بالحوالة

    لا يعني القبول هنا قبوله بحوالة الحق بل يعني فقط إقراره بعلمه بالحوالة، فقبول المدين معناه التزامه بتسديد الدين للدائن الجديد، يعني ذلك ايضا انتهاء الرابطة القديمة بينه وبين الدائن الاصلي، وأنه يلتزم بالوفاء بالدين لفائدة الدائن الجديد و نشوء رابطة بينهما .

    لكننا نستشف من الفصل 195 أن قبول الحوالة يتوقف على وجوب كون هذا القبول لاحقا على انعقادها حتى يتسنى العلم بها لكن لا يجب أن يتأخر للوقت الذي يسبقه اعلان حوالة أخرى أو حجز تحفظي تحت يد المدين أو قَبل المدين حوالة أخرى أو تم افلاس المدين أو شهر إعساره، ويمكن أن يصدر القول من المدين ويكون صحيحا وقت انعقاد الحوالة بل وفي نفس الورقة التي دونت فيها الحوالة كما يجوز أن يصدر القول من المدين بعد انعقاد الحوالة بوقت معين .

    وقبول المدين للحوالة لا يعني أنه طرف فيها بل هو لا يتعدى كونه إقرارا بعلمه بالحوالة، وبالتالي فهو لا يتضمن نزولا من جانبه عن دفوعه المقررة له قِبل الدائن الاصلي طالما أن الحق ذاته هو الذي ينتقل من الذمة المالية للمحيل إلى الذمة المالية للمحال له، يستثنى من ذلك الدفع بالمقاصة الذي كان مقررا له قبل الدائن الاصلي، فلا يجوز التمسك به قبل المحال له اذا كان قبوله للحوالة قم تم بدون تحفظ .

    القبول الذي يعتد به هو الذي يصدر من المدين أو من نائبه أو من أي شخص آخر يمكن أن يوجه إليه الاعلان فيما اذا كانت الحوالة قد أعلنت الى المدين، وعلى خلاف رسمية التبليغ في نفاذ حوالة الحق المقررة في الفصل 195 فإن القبول ليس له شكل خاص فيصح أن يكون في ورقة رسمية كما يصح أن يكون في ورقة عرفية لها تاريخ ثابت، كما يجوز أن يكون القبول شفويا، وقد يكون صريحا أو ضمنيا، ومثال القبول الضمني أن يقوم المدين بدفع بعض أقساط الدين الى المحال له .

    في حالة ما اذا كان المدين شخصا معنويا فإنه وطبقا للفصل 195 ” حوالة الحقوق في الشركة يلزم لسريانها على الغير أن تبلغ للشركة أو تقبل بها في محرر رسمي أو عرفي مسجل داخل المملكة، على خلاف المدين الشخص الطبيعي الذي يكفي في حالته أن يكون القبول مصاغا في ورقة مكتوبة وثابتة التاريخ دون أي اشتراط للمحرر الرسمي أو العرفي المسجل، وذلك راجع إلى طبيعة العلاقات المتشعبة التي تطبع عمل الشركات .

    الاجراءات والشروط الاستثنائية لإنفاذ حوالة بعض الحقوق

    مستجد تشريعي (📌): بمقتضى الفصل 195 مكرر، المُحدَث بالقانون رقم 28.18 المتعلق بالضمانات المنقولة (الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.76 بتاريخ 11 شعبان 1440 الموافق 17 أبريل 2019)، إذا قُدِّمت حوالة الحق أو الدين على سبيل الضمان، فلا يُحتَجّ بها في مواجهة الغير إلا بعد تقييدها في السجل الوطني الإلكتروني للضمانات المنقولة. ويسري نفس الحكم على حوالة عقود الكراء وحوالة الإيرادات الدورية إذا قُدِّمت كضمان. هذا مستجد يضيف شرط شهر إلكتروني حديث إلى جانب إجراءات التبليغ والقبول التقليدية المنصوص عليها في الفصل 195، خاصة في المعاملات البنكية والتمويلية التي تعتمد حوالة الحق كضمان ائتمان.

    الإجراءات الاستثنائية لبعض الحوالات الخاصة

    الاصل في الحوالة اعلان المدين أو قبوله اياها، لكن هناك حالات استثنائية لا يكون فيها من الضروري سلوك إجراءات أو شروط خاصة لكي يحتج بها أمام الغير، يتعلق الامر بحوالة الحق في التركة و حوالة عقود العقارات وأكريتها و حوالة الكمبيالات والسندات لأمر والسندات لحاملها .

    أولا : حوالة الحقوق في التركة

    أشار لهذه الحالة الفصل 195 عندما استثنى من شرطي الاعلان والقبول الحالة المنصوص عليها في الفصل 209 وهي حالة حوالة الحقوق في التركة “من حول حقه في تركة لا يضمن إلا كونه وارثا، ولا تصح هذه الحوالة إلا اذا كان الطرفان يعرفان قيمة التركة، وبمقتضى هذه الحوالة تنتقل بحكم القانون الحقوق والالتزامات المتعلقة بالتركة الى المحال له”

    اذن في التركة تنتقل الحقوق بقوة القانون الى المحال له بمجرد قيام الحوالة، وتسري في مواجهة الكافة دونما حاجة الى اجراءات الاعلان أو القبول ويكون الغير مطالبا بالتعامل مع المحال له باعتباره دائنا جديدا دونما حاجة الى مطالبته بإجراءات معينة من قبيل الاعلان أو القبول، وكل مطالبة بهذا الشأن تكون مخالفة للقانون الا اذا كانت تتعلق بإثبات هوية وصفة المحال له أو علاقته بالحق موضوع الحوالة .

    ثانيا : حوالة عقود كراء العقارات أو أكريتها أو الايرادات الدورية المترتبة عنها

    تم استثناء هذه الحالة بمقتضى الفصل 196 ” حوالة عقود الكراء أو الأكرية المتعلقة بالعقارات وغيرها من الأشياء القابلة للرهن الرسمي أو حوالة الإيرادات الدورية المرتبة عليها عندما تقرر لفترة تزيد على سنة، لا يكون لها أثر بالنسبة للغير إلا إذا وردت في محرر ثابت التاريخ.” الشرط اللازم اذن هو ورود الحوالة في محرر ثابت التاريخ لا غير، وهو إجراء أخف من شرطي الاعلان والقبول .

    ثالثا : حوالة أجور العقارات المحفظة

    اذا كان العقار محفظا فحوالة اجور أكريته التي تزيد عن سنة لا تسري بحق الغير إلا اذا جرى قيدها في السجل العقاري حسب المادة 65 من ظهير التحفيظ العقاري، والمقصود هو الاشهار بكل اتفاق مالي أو حوالة و معرفة جميع ما يتحمل به العقار من تكاليف حتى تكون محل اعتبار عند التعامل بهذا العقار .

    رابعا : حوالة الكمبيالات والسندات لأمر أو السندات لحاملها

    نص الفصل 208 على أحكام حوالة الكمبيالات والسندات لأمر والسندات لحاملها بالقول “تخضع حوالة الكمبيالات والسندات لأمر و السندات لحاملها لأحكام خاصة” الفصل لم يبين هذه الأحكام لكنه يشير بطريقة غير مباشرة إلى مدونة التجارة باعتبارها القانون المنظم للأوراق التجارية، وقد سبق لنا أن بينا أن السندات تندرج تحت ما سميناه “حوالة الحقوق البسيطة” نظرا لخفة الاجراءات التي تنتقل بها هذه الحقوق، ومراعاة لعامل السرعة في الميدان التجاري والقاعدة هنا ” اذا اكتفى القانون في نفاذ نوع معين من الحوالات بإجراء أخف من قبول المدين الحوالة أو اعلانه بها نفذت الحوالة بتمام ذلك الاجراء الاخف”، هكذا فبالنسبة للشيك أو السند الاذني أو الكمبيالة فالحوالة تنفذ في مواجهة المدين والغير عند تظهير السند، أي بتوقيع صاحب السند على ظهره، أما اذا كانت الورقة التجارية لحاملها فيكتفى بتسلمها لتصبح نافذة .

    نص المشرع المغربي في مدونة التجارة على أحكام انتقال الاوراق والسندات التجارية

    أولا : الكمبيالة، “تنتقل الكمبيالة بطريق التظهير ولو لم تكن محسوبة للأمر صراحة، تنتقل الكمبيالة عن طريق الحوالة العادية وتخضع لآثارها متى أدرج الساحب فيها عبارة “ليست لأمر” أو عبارة أخرى موازية لها ..” م137 من مدونة التجارة

    ثانيا : السند لأمر، ينتقل بمجرد التظهير على الكمبيالة “تطبق على السند لأمر كلما كانت لا تتنافى وطبيعة هذا السند الأحكام المتعلقة بالكمبيالة بصدد المسائل التالية “التظهير(المواد من 167 الى 173) ..” المادة 234 من مدونة التجارة .

    ثالثا : الشيك، يتم تداوله ايضا بواسطة التظهير كما يتم وفق شكل وآثار الحوالة العادية “الشيك المشروط وفاؤه لمصلحة شخص مسمى يكون قابلا للتداول بطريق التظهير سواء كان متضمنا صراحة شرط “الامر” أو بدونه . الشيك المشروط وفاؤه لمصلحة شخص مسمى والمتضمن عبارة “ليس لأمر” أو أية عبارة أخرى تفيد هذا المعنى لا يتداول إلا بمقتضى شكل وآثار الحوالة العادية” م252 من مدونة التجارة .

    رابعا : السندات لحاملها، التي في ضمنها الاسهم والسندات والشيك لحامله فتعتبر الحوالة فيها نافذة في مواجهة المدين وفي مواجهة الغير بمجرد التسليم المادي أو بمجرد أن ينتقل السند للحامل من حيازة المحيل الى حيازة المحال له، مما يعني أن هذه السندات بحكم طبيعتها تنعقد فيها الحوالة بمجرد التراضي طبقا للقواعد العامة، وتكون نافذة بمجرد التسليم في حق المدين والغير .

    إثبات الحوالة

    تراعى القواعد العامة في البينات، الكتابة، الشهادة، القرائن، ويجب على المحيل أن يسلم للمحال له سندا يثبت وقوع الحوالة ويمكنه من وسائل الاثبات لمباشرة الحقوق المحولة .

    آثار الحوالة وانتهاؤها

    آثار الحوالة

    أولا : انتقال الحق من المحيل إلى المحال له

    انتقال الحق الى المحال له بكل قيمته وصفاته المدنية أو التجارية، فلا تنقص القيمة خلال الحوالة ويحافظ الحق على صفته المدنية أو التجارية، وإذا كان موقوفا على شرط أو مربوطا بأجل انتقل الى المحال له بهذا الوصف، وإذا كان قابلا للتنفيذ بوجب حكم انتقل ايضا بهذه الصفة، وإذا كان ينتج فوائد انتقل بقابليته لانتاجها .

    انتقال الحق الى المحال له مع توابعه وتكاليفه والتزاماته، فإذا كان للدين امتياز ما يجعله مقدما على سائل الديون حافظ على هذا الامتياز، وإذا كان الحق المحال به باطلا أو قابلا للإبطال فإن الحوالة تشمل دعاوى البطلان أو الابطال التي كانت للمحيل، أما اذا كان للحق المحال به ضمانات كرهن حيازي أو رسمي أو كفالة فإن الحوالة تشمل هذه الضمانات شرط أن يكون قد تم الاتفاق على ذلك بين المحيل والمحال له .

    انتقال الحق الى المحال له بما عليه من دفوع، فيجوز للمدين أن يتمسك في مواجهة المحال له بكل الدفوع التي كان يمكنه التمسك بها في مواجهة المحيل بشرط أن يكون أساسها قائما عند حصول الحوالة أو عند تبليغها فإذا كانت هناك دفوع تتعلق بانقضاء الحق أو بطلانه أو انفساخه فإن المدين يستطيع أن يدلي بهذه الدفوع في مواجهة المحال له .

    ثانيا : ضمان المحيل

    يضمن المحيل للمحال له أفعاله الشخصية سواء كانت الحوالة بعوض أم كانت بغير عوض وإذا كانت الحوالة بعوض فإن المحيل يضمن بحكم القانون كونه دائنا أو صاحب حق، كما يضمن وجود الدين أو الحق وقت الحوالة وحقه في التصرف فيه، وكذلك يضمن يسار المدين اذا التزم صراحة بذلك أو اذا كان قد أحال دينا على شخص كان معسرا وقت ابرام الحوالة، يشمل ذلك ثمن الحوالة والمصروفات المتكبدة في ملاحقة المدين المعسر ويسقط الضمان إذا أعسر المدين بفعل المحال له أو إهماله .

    أثر الموت و الإفلاس على الحوالة

    لا تبطل الحوالة بموت المحيل ولا بتصفية المؤسسة، فيختص المحال بالدين الذي بذمة المحال عليه، ولا يدخل دين الحوالة في قسمة غرماء المحيل.

    لا تبطل الحوالة بموت الشخص المحال عليه ولا بتصفية المؤسسة المحال عليها، ويرجع المحال على تركة المحال عليه إن ترك وفاء لدينه أو على كفيل المحال عليه إن وجد أو على موجودات تصفية المؤسسة. أما إذا مات الشخص المحال عليه مفلسا أو صفيت المؤسسة المحال عليها مفلسة فللمحال حينئذ أن يرجع على المحيل. انظر البند 7/2.

    لا تبطل الحوالة بموت المحال، ويحل ورثته محله، كما لا تبطل بتصفية المؤسسة المحالة، ويحل المصفي محل المؤسسة.

    انتهاء الحوالة

    تنتهي الحوالة بأداء الدين إلى المحال، أو بفسخها باتفاق المحيل والمحال، أو بإبراء المحال للمحال عليه.

    📗 خلاصة الباب

    • حوالة الحق عقد/اتفاق ينقل بمقتضاه الدائن (المحيل) حقه الشخصي إلى دائن جديد (المحال له)، دون حاجة لرضى المدين (المحال عليه) لانعقادها.
    • توجد ست حالات حصرية يُمنع فيها انتقال الحق: الحقوق المحتملة، منع سند الإنشاء، منع القانون، الحقوق الشخصية المحضة، عدم قابلية الحجز، والحق المتنازع فيه دون موافقة المدين.
    • نفاذ الحوالة تجاه المدين والغير يستلزم التبليغ الرسمي أو القبول في محرر ثابت التاريخ (ف195) — ومنذ 2019 أضاف القانون 28.18 شرط التقييد في السجل الوطني الإلكتروني للضمانات المنقولة حين تكون الحوالة على سبيل الضمان.
    • لا تبطل الحوالة بموت أي طرف من أطرافها ولا بإفلاسه، وتنتهي فقط بالأداء أو الفسخ أو الإبراء.

  • الباب الثالث: الحلول والإنابة

    📖 انتقال الالتزام — الفصل 4 من 6 — فهرس الكتاب

    الحلول بنوعيه القانوني والاتفاقي

    الحلول والإنابة

    أولا : الحُلول

    يَحل الغير الذي يُوفي بالدين محل الدائن ويرجع على المدين بما وَفى عنه وهو نوعان :

    الحلول القانوني

    بمقتضى ف214 فقد وردت بصدده أربع حالات على سبيل الحصر :

    حلول لفائدة الدائن الذي يفي بدين آخر مقدم عليه بسبب رهن أو امتياز

    حلول لشراء عقار عليه رهن لتفادي التنفيذ عليه من الدائن

    حلول لفائدة من وفى دينا كان ملتزما به مع المدين (متضامن)

    حلول لفائدة من له مصلحة في انقضاء الدين من غير أن يكون ملتزما به شخصيا

    الحلول الاتفاقي

    الحلول نتيجة اتفاق الموفي مع الدائن، ويحصل إذا أحل الدائن الغير محله عند قبضه الدين منه في الحقوق والامتيازات والرهون التي له على المدين.

    آثار الحلول هي نفس آثار الحوالة فيحل الموفي في المركز القانوني الذي كان للدائن تجاه المدين

    الإنابة

    ثانيا : الانابة

    تصرف قانوني يطلب بمقتضاه المنيب من المناب أداء لمصلحة المناب لديه، وقد تتم بين أشخاص لا علاقة قانونية بينهم فتكون هي مصدر هذه العلاقة، لكن قد يقع أن تجمع بينهم علاقة قانونية كأن يكون المنيب دائنا للمناب ومدينا للمناب لديه.

    📗 خلاصة الباب

    • الحلول والإنابة طريقان إضافيان لانتقال الالتزام غير الحوالة التقليدية.
    • الحلول القانوني محصور في أربع حالات نص عليها الفصل 214، بينما الحلول الاتفاقي يقوم على اتفاق الموفي مع الدائن.
    • آثار الحلول مطابقة لآثار الحوالة: يحل الموفي في المركز القانوني للدائن الأصلي تجاه المدين.

  • الباب الثاني: أسباب انتقال الالتزام

    📖 انتقال الالتزام — الفصل 3 من 6 — فهرس الكتاب

    انتقال الالتزام بسبب اتفاق الطرفين

    أسباب انتقال الالتزام

    ساد الاعتقاد طويلا أن الالتزام ينتقل فقط بالوفاة وبحوالة الدين، لكن تبين لاحقا أن هناك سببا آخر وهو القانون بل إن انتقال الالتزام بسبب الوفاة هو في حقيقته بسبب القانون.

    أولا : انتقال الالتزام بسبب اتفاق الطرفين

    أو يسمى انتقال الالتزام بين الاحياء، نظمه المشرع في الفصول ما بين 189 و 207، وهو يكون إيجابيا في حوالة الحق وسلبيا في حوالة الدين.

    انتقال الالتزام بسبب نص القانون

    ثانيا : انتقال الالتزام بسبب نص القانون

    الإرث :

    في هذه الحالة فالنص القانوني هو الذي يوجب انتقال الحقوق والالتزامات من ذمة إلى أخرى، نتحدث هنا عن قانون الالتزامات والعقود أو قانون الشغل أو القانون التجاري أو قانون الاسرة أو غير ذلك من القوانين، أول هذه الحالات هي حالة انتقال الحقوق إلى الوارث بموت الموروث، وقد أقرها القانون والشريعة الاسلامية، فتصفى ديون الموروث وما بقي ينتقل إلى الوارث، أما إذا بقي شيء من ديون الهالك فـلا تنتقل إلى الوارث، فبعض الالتزامات لا تنتقل بموت الملتزم كونها تكون متصلة بشخصه اتصالا وثيقا، من ذلك التزامات الموكل والتزامات الوكيل والتزامات الشركاء في شركات الاشخاص، فهي التزامات تقوم على الاعتبار الشخصي وتنقضي بموت أحد المتعاقدين فلا ينتقل الالتزام حقا كان أم دينا، وهو ما نص عليه ف191، يبقى أن نشير إلى أن انتقال الحقوق والالتزامات أمر أقره القانون وأقرته الشريعة الاسلامية، فينتقل الحق من الدائن عند موته إلى ورثته فيصبحون دائنين مكانه، فشخصية الوارث هي استمرار لشخصية الموروث .

    انتقال حق المكتري :

    الذي يتنازل عن عقد الكراء لغيره، ما لم ينص العقد على خلافه أو ما لم يكن التنازل لا تقتضيه طبيعة محل الكراء، وهو ما جاء في الفصل 668 ” للمكتري الحق في أن يكري تحت يده ما اكتراه وأن يتنازل عن عقد الكراء لغيره بالنسبة إلى الشيء كله أو بعضه، إلا إذا حجر عليه ذلك في العقد أو اقتضته طبيعة ما اكتراه”.

    حلول المالك الجديد محل سلفه :

    في الحقوق الناجمة عن الكراء مثلا بشرط أن يكون هذا الكراء قد أجري بدون غش وأن يكون له تاريخ سابق على تاريخ التفويت حسب ف699.

    حلول الدولة محل المضرور :

    عندما يحكم عليها بوصفها مسؤولة عن أخطاء رجال التعليم وموظفي الشبيبة والرياضة لاسترداد المبالغ المحكوم بها عليها من رجال التعليم أو موظفي الشبيبة والرياضة وإما من الغير ف85 .

    انتقال الالتزام في المادة التجارية :

    حسب المادة 530 من مدونة التجارة التي جاء فيها “خلافا لمقتضيات الفصلين 190 و 192 من الظهير الشريف المتعلق بالالتزامات والعقود يكون كل دين قابلا للتحويل حتى وإن نتج عن تصرف متوقع الحدوث وكان مبلغ وتاريخ حلوله غير محددين” وتحويل الديون الاحتمالية أو المجهولة القدر وتاريخ الحلول في المادة التجارية هو خلاف للقاعدة العامة المذكورة في ق ل ع، حيث جاء في ف190 “يجوز أن يرد الانتقال على الحقوق أو الديون التي لم يحل أجل الوفاء بها ولا يجوز أن يرد على الحقوق المحتملة” ثم عدم جواز انتقال الحقوق المتنازع فيها حسب ف192 “تبطل حوالة الحق المتنازع فيه ما لم تتم بموافقة المدين المحال عليه ..” نستنتج أنه حينما يتعلق الامر بالحقوق والديون التجارية فإن انتقالها جائز قانونا حتى وإن كانت محتملة أو متنازع بشأنها ودون موافقة المدين، فلا ندري قدر ما ستحكم به المحكمة و لا تاريخ الحكم .

    📗 خلاصة الباب

    • لانتقال الالتزام سببان لا ثالث لهما: اتفاق الطرفين (بين الأحياء، ف189-207)، أو نص القانون.
    • أبرز حالات الانتقال بقوة القانون: الإرث (مع استثناء الالتزامات الشخصية المحضة كالوكالة والشركة)، وحق المكتري في التنازل (ف668)، وحلول المالك الجديد والدولة في حالات خاصة.
    • المادة التجارية (م530 مدونة التجارة) توسّع من إمكانية الانتقال بما يخالف القاعدة العامة في ق.ل.ع، فتجيز تحويل الديون الاحتمالية والمتنازع فيها لصالح السرعة التجارية.

  • الباب الأول: مفهوم انتقال الالتزام وتمييزه

    📖 انتقال الالتزام — الفصل 2 من 6 — فهرس الكتاب

    تعريف انتقال الالتزام وتطوره التاريخي

    تقديم :

    يقصد بانتقال الالتزام تحويل الرابطة القانونية التي تربط بين الدائن والمدين لأشخاص آخرين مع بقاء الالتزام نفسه، فلا يتغير إلا أحد طرفيه، وفي الميدان التجاري يُستعمل مصطلح التداول عوض الانتقال، عرف الفقيه عبد الرزاق السنهوري انتقال الالتزام بقوله : ” يراد بانتقال الالتزام أن يتحول الالتزام ذاته من شخص إلى آخر، من دائن إلى دائن آخر باعتباره حقا شخصيا أو من مدين إلى آخر باعتباره التزاما “، وقد أكد الفقه بوجه عام أن الالتزام بمجرد نشوئه كعلاقة قانونية مالية بين الدائن والمدين يمكن أن ينتقل إيجابا أو سلبا في إطار علاقة تتم مع شخص ثالث.

    كانت الفكرة السائدة قديما أن الالتزام له صبغة شخصية بين الدائن والمدين، هذه الفكرة ظلت سائدة إلى نهاية القرن19، بعد ذلك فرضت الضرورات الاقتصادية والمالية ضرورة السماح بانتقال الالتزام حتى أصبح اليوم بمثابة حقيقة ثابتة.

    الالتزام ينتقل بجميع صفاته وضماناته ودفوعه، الصفات كأن يكون تضامنيا أو غير قابل للانقسام أو ينتج فوائد، الضمانات كأن يكون مضمونا برهن أو امتياز أو كفالة، أما الدفوع فيقصد بها الدفع بأحد أسباب البطلان كانعدام الرضى أو عدم مشروعية المحل أو السبب أو الدفع بأحد أسباب الانقضاء كالوفاء أو المقاصة أو الابراء أو التقادم.

    وطبيعي أن يكون لتغيير الدائن أهمية كبرى في نظر المدين وأن يكون لتغيير المدين أهمية أكبر في نظر الدائن، فالمدين قد لا يروق له أن يستبدل دائنا رحيما بدائن قاس، والدائن قد لا يرضيه أن يستبدل مدينه الموسر بمدين مُعسر، هكذا نجد في القانون الروماني غلبة الطابع الشخصي على الالتزام لكن القانون الالماني جنح نحو النظرة المادية للالتزام وتبعته في ذلك عديد من التشريعات، فقال بالنظرة المادية واستغنى عن عنصر الرابطة الشخصية فإذا بالالتزام يصبح قابلا للانتقال بطريق إيجابي من جهة الدائن من دائن إلى آخر وفي الاتجاه السلبي من مدين إلى مدين آخر .

    ويجب عدم الخلط بين حوالة العقد وبين حوالة الحق وحوالة الدين، فحوالة العقد تفيد أن يُحَول المُتعاقد مركزه العقدي في جانبيه الإيجابي والسلبي إلى أحد من الأغيار الذي يحل محله في العقد، في حين أن الذي ينتقل في حوالة الحق وحوالة الدين هو الالتزام وليس المركز العقدي كما هو الشأن في حوالة العقد.

    📗 خلاصة الباب

    • انتقال الالتزام هو تحويل الرابطة القانونية بين الدائن والمدين لأشخاص آخرين مع بقاء الالتزام ذاته دون تغيير في مضمونه.
    • تطوّر الفقه من النظرة الشخصية الرومانية (لا انتقال بلا رضى الطرفين) إلى النظرة المادية الألمانية التي فصلت الالتزام عن شخص أطرافه فأجازت انتقاله.
    • يجب التمييز الدقيق بين حوالة العقد (نقل المركز العقدي كاملاً) وحوالة الحق وحوالة الدين (نقل الالتزام وحده دون المركز العقدي).

  • السياسة الجبائية

    📖 النظرية العامة للضريبة — الفصل 7 من 7 — فهرس الكتاب

    مدخل

    نستطيع التعرف على السياسة الجبائية المغربية من خلال تحليل الاجراءات الجبائية الاستثنائية ، فهي تعد ترجمة لاعتماد مبدأ استعمال الجباية لتحقيق أهداف غير مالية اقتصادية أو اجتماعية .

    أولا : إجراءات جبائية ذات طابع اقتصادي

    تتميز بالتنوع والتعدد حيث مورست عن طريق النصوص الجبائية العامة أو القوانين الاستثنائية كقوانين الاستثمار مثلا ، وتحقيق الاهداف الاقتصادية هو أساس السياسة الجبائية الناجحة ، والمغرب كباقي الدول السائرة في طريق النمو اعتمد على الجباية كوسيلة لتسريع التنمية الاقتصادية التي تتطلب ادخارا قويا ومستقرا ومتطورا كي يؤدي إلى استثمار فإشكالية الادخار والاستثمار أي تراكم الراسمال هي الاشكالية المركزية للتنمية الاقتصادية ، وفي هذا الاطار اتخذ المشرع المغربي عدة إجراءات جبائية استثنائية كالاعفاء من الضريبة أو التخفيض منها سواء من خلال النصوص الجبائية العامة أو تلك التي تأتي في إطار تحفيزي مستقل .

    • السياسة الجبائية من خلال سياسة تشجيع الاستثمار : تجد سياسة تشجيع الاستثمار عن طريق الجباية تطبيقا بشكل واسع في مدونات الاستثمار وظهرت هذه التقنية في الخمسينات لرهان من الدول النامية لجلب الاستثمارات الاجنبية كوسيلة لتحفيزها ولتحقيق التنمية الاقتصادية وتعويض ضعف الادخار الداخلي ، وتهافتت هذه الدول على سن قوانين في هذا المضمار جعلت ميزانيتها تتخلى عن ايرادات ضريبة كثيرة وقد سار المغرب في نفس الاتجاه حيث تخلى عن منطق قوانين الاستثمار القطاعية وعوضها بقانون إطار موحد بمثابة ميثاق استثمار 1995 حيث عمل هذا القانون الموحد على تشجيع الاستثمار باعتباره أولوية في السياسة الاقتصادية المغربية في وقت أصبح جلب الاستثمار الاجنبي يكتسي أهمية بالغة في دينامية التنمية . واعتبرت هذه الطريقة كمكمل للمخططات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب ، الذي نهج سياسة قوانين الاستثمار منذ الاستقلال حيث صدر أول قانون سنة 1958 وابتداء من 1960 كان يتم اصدار قانون استثمار كل عشر سنوات وما من قانون إلا ويكون أكثر سخاء من سابقيه وأكثر لبرالية وتفتحا وقد نص قانون 1973 على تمتع كل قطاع بقوانين استثمار خاصة وقد أعفى قطاعات كثيرة من الضرائب المباشرة وغير المباشرة لكن مع النتائج السلبية التي حققها والانتقادات الكثيرة الموجهة إليه سواء من الخبراء الداخليين أو الدوليين في المؤسسات المالية الدولية فقد طالته العديد من الاصلاحات جاءت بموازاة مع برنامج التقويم الهيكلي لسنة 1984 حيث جاءت قوانين سنة 1983 مشبعة باللبرالية الاقتصادية خصوصا في مجالات السياحة ، لكن أما مراجع الايرادات الضريبية بشكل مهول من خلال هذه السياسة أدخلت الحكومة المغربية تعديلات على هذه القوانين بموجب تعديلات 1988 ركزت على تقليص الامتيازات الضريبية لتحقيق التوازن المناسب بين الضرورات الاقتصادية والضرورات المالية من جهة أخرى ، لكن عرفت هذه التدابير معارضة قوية من البرلمان فقامت الحكومة بسحب تلك التدابير لكن أدمجتها في قانون 1988 في دورة استثنائية وبذلك عرفت تقليصا على مستوى المدة الزمنية وحجم الاعفاء وبقيت مع ذلك تتسم بطابعها السخي .

    • ميثاق الاستثمار كقانون موحد عوض قوانين الاستثمار القطاعية : نتائج القوانين السالفة الذكر كانت دون المستوى فهي لم تساهم لا في دعم الادخار ولا في دعم الاقتصاد وبالتالي كان من الضروري مراجعتها وتوج هذا النقاش في إطار قانون بمثابة ميثاق الاستثمار سنة 1995 نظرا للضغوط الداخلية والدولية ، هذا الميثاق حاول البحث عن كيفية تشجيع عملية الاستثمار والاستجابة لمتطلبات المستثمرين وتجاوز المعيقات وسلبيات القوانين السابقة وخلق تصور جديد للتدخل الجبائي لتشجيع الاستثمار .

    • محاولة خلق تصور جديد لسياسة تشجيع الاستثمار : الانطلاقة الاقتصادية خصوصا في عهد المتغيرات الدولية الراهنة تفرض على دول العالم النامي عصرنة ترسانتها القانونية وإدخال إصلاحات كلما دعت الضرورة من أجل جلب الاستثمارات ، وقد جاء ميثاق الاستثمار لسنة 95 معتمدا عل مبادئ جديدة في هذا المضمار .

    • الارهاصات الأولية الاصلاح قوانين الاستثمار : مع بداية التسعينات تاسست خلية وزارية للنظر في هذه القوانين وكلفت بذلك لجنة مختصة صاغت مجموعة من العراقيل التي تواجه الاستثمار وخرجت بتوصيات أهمها : ضرورة إلغاء الامتيازات المالية اتي لا يمكن الوفاء بها – تهييء قانون يجمع كل قوانين الاستثمار – ضرورة خلق جهاز مركزي مكلف بتشجيع الاستثمار – تحليل المناخ العام للاستثمار على صعيد 3 جوانب عقاري مالي إداري ، انتهت بالخروج بميثاق موحد للاستثمار اعلن عنه في 16 ماي 1995 .

    • اعتماد ميثاق الاستثمار على مبادئ تهف إلى تبسيط الاستفادة من الامتيازات الممنوحة له : عمل الميثاق على نهج أسلوب جديد وإجراءات جديدة لخلق جو مساعد على الاستثمار يتماشى والتطورات الدولية خصوصا عولمة الاقتصاد وتوقيع اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي واعتمد الميثاق على 3 مبادئ أساسية تعد تقدما بالنسبة لسياسة تشجيع الاستثمار ، 1 مبدأ التعميم : القوانين السباقة كانت تمنح امتيازات قطاعية وحسب مناطق التواجد فكان التوافت بين المستثمرين أما النص الحالي فهو يمنح الامتيازات لكل العمليات الاستثمارية بغض النظر عن القطاع المدرجة تحته أو الموقع الجغرافي الذي تنجز فيه أو جنسية المستثمر سواء مغربي أو أجنبي ، هكذا استفادت حتى المؤسسات العمومية من الامتيازات الجبائية بعدما كانت مستبعدة في ظل القوانين السباقة ، 2 مبدأ الانسجام : في ظل القوانين السابقة لم يكن هناك انسجام بين القوانين حيث نجد الامتيازات في قطاع غير تلك في القطاع الاخر لذلك عمل ميثاق الاستثمار على تمتيع كل الاستثمارات بنفس المعاملة 3- مبدأ التلقائية : في القوانين السابقة كان مسطرة الملفات تتطلب ترخصيات عديدة حيث كانت تقصى العديد من المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الاستفادة من الامتيازات الضريبية لذلك عمل قانون 95 على إلغاء التأشيرة فاصبحت كل الاستثمارات تستفيد من الامتيازات المنصوص عليها بطريقة تلقائية ، وطبقت هذه المبادئ بمرونة حيث منحت تفضيلات إضافية لبعض الاستثمارات ذات الحجم الكبير والتي توفر مناصب مهمة للشغل والقطاعات السياحية وبعض المقاولات في المناطق الضعيفة والهشة للحفاظ على التوازن الجهوي هكذا حافظ ميثاق الاستثمار على مبدأ التشجيعات مع محاولة عقلنتها .

    • الامتيازات الجبائية الممنوحة بموجب ميثاق الاستثمار : يتضمن الميثاق 24 مادة 14 منها ذات طبيعة جبائية محفزة على الاستثمار وهذه المحفزات انقسمت إلى قسمين الأولى تهم مرحلة الانجاز والثانية تهم مرحلة الاستغلال .

    ثانيا : إجراءات جبائية ذات طابع اجتماعي

    تستعمل السياسة الجبائية لأغراض اجتماعية واقتصادية ، لكن الكثير يرى أن استعمال الجباية لأغراض اجتماعية يبقى أمرا بعيد المنال ففكرة تقليص اللامساواة عن طريق الجباية يختلف معها الكثير خصوصا الاستاذ أدلر الذي يرى أنه من المستحيل تطور الطبقات الضعيفة باستعمال إجراءات جبائية ، وغالبا ما تكون لها استعمالات أخرى سياسية خصوصا في الدول المتقدمة حيث تستعمل للتأثير على الناخبين خصوصا في مواسم الانتخابات ، أما في الدول المتخلفة فآخر ما يتم التفكير فيه هو العدالة الاجتماعية فهي ترجأ دائما لما بعد التنمية الاقتصادية وهو أمر في الحقيقة خطأ فادح لأن التنمية الاقتصادية تتطلب نظاما جبائيا عادلا ، والجباية العادلة أكثر مردودية لأنها تدفع الجميع لللقيام بواجبهم الجبائي فدول العالم الثالث تتميز باللامساواة في نظمها الجبائية ، والنظام الجبائي المغربي يتضمن مجموعة من الاجراءات الاستثنائية التي تبغي تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية في نفس الوقت . فهل يمكن لهذه الاجراءات أن تكون وسيلة للقضاء على اللامساواة والتقليل من الفوارق الاجتماعية من أجل تحقيق عدالة اجتماعية ؟ هذه الاجراءات التي وجدت تطبيقا لها من خلال الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة والاجراءات الضريبية لتشجيع السكن الاجتماعي اللائق من أجل دعم أصحاب الدخل المحدود .

    أهمية تقييم انعكاسات السياسة الجبائية

    تكمن أهمية تحليل السياسة الجبائية في ضرورة تقييم انعكاساتها على صعيد مختلف المجالات ، ففي النهاية تبقى السياسة الجبائية تقنية يتم استعمالها من أجل أهداف اقتصادية واجتماعية وتقييم انعكاساتها يقتضي اعتماد مفهومي أو معياري الفعالية والعدالة .

    أولا : فعالية محدودة للتشجيعات الجبائية

    أغلب المحللين يعتبرونها غير ذي فعالية بالنسبة للدول النامية ، السؤال فلماذا تتم المزايدات بين هذه الدول في نهجها ؟ فهل المشكل في التقنية نفسها أم في طريقة استعمالها ؟ ففي الدول المتقدمة أثبتت تقنية التشيجعات الجبائية فعاليتها وذلك راجع إلى المحيط السوسيو اقتصادي الملائم وإلى متابعة السلطات هناك لهذه التقنية وأغلب هذه الدول تعتبرها نفقات عمومية توازي من حيث الأهمية النفقات العامة العادية بينما يغيب في الدول النامية هذا المحيط السوسيواقتصادي المناسب مما يجعلنا نتيقن أن الأشكال هو طريقة تنفيذ هذه السياسة الضريبية كما أنها تعتبر عنصرا مكملا لعناصر أخرى تشجع الاستثمار .

    صعوبة تقييم أثر التشجيعات وأهمية تكلفتها :

    معرفة آثار الاجراءات الاستثنائية وتحديد كلفتها المالية يفيد السياسة الاقتصادية والاجتماعية ويساهم في تحديد الدور الذي تلعبه السياسة الجبائية بشكل عام ، لكن هناك صعوبات تحول دون دراسة تحليلية في بلد نام كالمغرب .

    صعوبة تقييم أثر الاجراءات الجبائية :

    • غياب الاهتمام بنتائج الاجراءات الجبائية : التحليل التقييمي لنتائج التشجيعات الجبائية يصطدم بنقص الدراسات المختصة وغياب إحصائيات رسمية حول نتائجها

    • نقص على صعيد دراسات فعالية الاجراءات الجبائية : التشجيعات الجبائية عنصر مهم من السياسة الجبائية في المغرب والدول النامية عموما لكن تبقى نتائجها غير مضبوطة نظرا للنقص الكبير في الدراسات المختصة حول فعالية هذه الاجراءات والدراسات المتوفرة ضعيفة وقليلة وتنبني على مقاربات افتراضية ، ويمكن القول أن عدم الاهتمام بهذه الدراسات يمثل قلة مسؤولية لا يمكن أن تساهم في الاصلاح الضريبي لذلك تكون أغلب السياسات الضريبية فاشلة وسلبية ولا تروم الاهداف المبتغاة ولا تؤثر أيجابيا على السياسة الاقتصادية والاجتماعية .

    • غياب معطيات إحصائية رسمية حول نتائج الاجراءات الجبائية : المعطيات الاحصائية مهمة من أجل تحليل واقعي ودقيق ، وللاسف تغيب هذه الاحصائيات فلا تكاد تخلو أي دراسة جبائية من عبارة ” أمام نقص المعطيات الاحصائية تم …” إذن تبقى الاحصائيات الرسمية مهمة من أجل الو قوف على نقائص السياسة الجبائية وكذا من أجل توفير المعطيات للباحثين والدارسين كما أنها تعد من مبادئ الشفافية والديمقراطية لأن من حق دافع الضريبة الاطلاع على الصورة المقربة لفعالية الاجراءات الضريبية التي يؤدي تكلفتها .

    ثانيا : استعمال غير معقلن لسياسة التشجعات الجبائية

    سياسة التشجيعات الضريبية هو أمر مغري لكن استعمالها يتطلب تأهيلا كبيرا لأن هذا التأهيل وطريقة الاستعمال هو أساس النجاح . ففي الدول المتقدمة وجدت هذه التقنية محيطا سوسيواقتصادي ملائم واستعمالا بشكل معقلن مما أدى إلى نجاحها أما في الدول النامية فقد عرفت أسلوبا من المزايدات في منح الامتيازات الجبائية فاتسم بطابع غير عقلاني والتجربة المغربية لا تخرج عن هذا الاطار الغير المعقلن .

    • طبيعة المزايدات في منح الامتيازات الضريبية في الدول النامية : غداة الاستقلال وقعت مزايدات حول استقطاب الرأسمال للدول الاستعمارية سابقا استجابة للمنظمات الاقتصادية الدولية الدافعة في هذا الاتجاه وتم اعتبار الجباية المخفضة وسيلة لجلب الاستثمارات الأجنبية فعملت أكثر من 85 دولة على الدخول في منافسات لجلب رؤوس الاموال ، لكن السياسة التشجيعية للدول النامية اتسمت بطابعها العام حيث لا تعتمد على معايير تصنيفية قادرة على توجيه الاهداف حسب مصلحة اقتصادها وعدم قيامها على دراسات موضوعية ، كل ذلك أدى إلى تفويت إيرادات جباية مهمة على هذه الدول ومنح الرساميل الاجنبية شروطا أفضل للاستثمار .

    • الطابع التساهلي لسياسة التشجيعات الجبائية في المغرب : تميزت في المغرب بطابعها التساهلي وهكذا نجد أن الضرائب التي تشكل النظام الجبائي المغربي تتضمن دائما اجراءات استثنائية لهذا القطاع أو ذاك وبالتالي فإن مجموعة من الضرائب بقيت بلا معنى بالنسبة لبعض القطاعات لمدة طويلة وصلت إلى 10 سنوات وقد شبه الدكتور السرغيني سياسة منح الامتيازاتالجبائية بعد الاستقلال في المغرب بتلك الحركة التلقائية للمزارع أثناء زرع الحبوب ، حيث أن العطاء يكون بشكل كبير خصوصا للفئات المقربة من السلطة . كما أبزر الطابع الانحرافي لهذه الامتيازات معتبرا منحها لم يكن لتشجيع القطاعات الاقتصادية بل لضمان تحويل مجموعة من الامتيازات لفائدة فئات اجتماعية معينة بدون مقابل .

    ثالثا : التكلفة المالية للإجراءات الجبائية

    تعد خسارة مالية تعمل على تفويت موارد مهمة على خزينة الدولة ، ففي الدول المتقدمة يتم قبول الخسارة المالية ولكن شريطة أن يكون هنالك مقابل اقتصادي أو اجتماعي وفي حالة عدم فعالية وسيلة يتم استعمال وسيلة أخرى أما في الدول النامية فأمام العشوائية التي تميز السياسة الجبائية تكون الخسارة مالية مهمة ونتائج اقتصادية واجتماعية هزيلة .

    رابعا : محدودية الاجراءات الجبائية في التأثير على قرار الاستثمار

    لأن العامل الجبائي ليس هو العامل الوحيد المتدخل في نجاح الاستثمار ، وجل الدراسات خلصت إلى وزنه الضعيف في جلبها إن لم يكن دوره منعدما ، وقد أكد الدارسون أن العامل الجبائي هو السابع من حيث الأهمية في جلب الاستثمارات فهو يأتي بعد السوق الداخلية والتسهيلات للحصول على موارد أجنبية ووجود موارد محلية و تسهيلات الصرف والاعفاء من الجمرك والاستقرار النقدي و وفرة المواد الأولية والاستقرار الاقتصادي والسياسي واليد العاملة المؤهلة والبنيات التحتية والموقع الجغرافي ، عموما السياسة الجبائية غير كافية لجلب الاستثمارات لأنها هذه ا لاخيرة ترتبط بعوامل أخرى موازية .

    أهم العوائق التي تواجه الاستثمار في المغرب

    لقد تم الاهتمام بالاجراءات الضريبية وهي إجراءات بعدية دون الاهتمام بالعوائق المؤثرة قبليا في كلفة الانتاج وبالتالي في قرار الاستثمار ، وهكذا أجمعت كل الدراسات التي انصبت على العراقيل التي تواجه الاستثمار في المغرب على عناصر من قبيل الادارة والبنيات التحتية وعوامل الانتاج وذلك ما أكدت عليه دراسة لرجال الاعمال الفرنسيين الذين يشكلون أهم المستثمرين الاجانب في المغرب فبناء على استطلاع لرأيهم خلصت غرفة الصناعة والتجارة الفرنسية إلى تقرير تقييمي للعراقيل التي تواجه الاستثمار الاجنبي في المغرب يمكن إجمالها في ما يلي :

    • اعتبار الادارة أهم معرقل للاستثمار حيث يجدون صعوبة في التعامل معها

    • صورة المغرب دون المستوى وهذا الانطباع مؤثر على قرار الاستثمار

    • محدودية هياكل الاستقبال والمهنية والمعلومات والاحصائيات ما جعل بعض المستثمرين عرضة لمساومات بعض الخبراء المحاسبين ذوي الخبرة في توجيه الاستثمار .

    • عراقيل على مستوى التأسيس وإقامة المشاريع وغلاء الاراضي المجهزة بالمناطق الصناعية

    • تدني مستوى بعض وسائل الانتاج كشبكة الماء والكهرباء والاتصالات والطرق

    والتقرير يشير إلى أن التحفيزات الضريبية التي تضمنها ميثاق الاستثمار لم تكن كافية لجلب المستثمرين .

    من أجل استراتيجية جبائية جديدة

    السياسة الجبائية اليوم لم تعد ذات أهداف مالية فقط وإنما لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وتستعملها الدول الحديثة للتدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وليس فقط كوسيلة لتسديد النفقات العمومية بمعنى الجباية ذات الوظائف المتعددة فلم يعد اليوم مطلوبا البحث عن أحسن وعاء جبائي بل إلى أي حد يمكن جعل الجباية وسيلة متميزة لتنفيذ السياسة الاقتصادية والاجتماعية .

    وإذا كانت السياسة الجبائية في الدول الم تقدمة قد أدت دورها فإنها في الدول النامية قد أدت إلى اللاتنمية وفي أحسن الاحوال إلى تنمية اللاتنمية والمغرب لم يخرج عن هذا الاطار فحصيلة السياسة الجبائية تبقى محدودة وقد أكدت على ذلك العديد من تقارير البنك الدولي وتقارير الدراسات الاكاديمية . وبالتالي أصبح من الضروري اليوم نهج سياسة جبائية جديدة ذات مقاربات مغايرة للسابق وسنحاول تحديد بعض التوجهات التي يمكن اعتبارها أساسية وذات أولوية لي استراتيجية جبائية من خلال محورين الأول عقلنة النظام الجبائي والثاني إعادة تنظيم سياسة التدخل الجبائي .

    أولا : محاولة عقلنة النظام الجبائي

    بداية نشر إلى أنه لا يوجد نظام جبائي معقلن أو ضريبة معجزة حسب تعبير ريفولي فتكون سهلة التحصيل غير مؤلمة أكثر عدالة وفعالة اقتصاديا .. لذلك فإصلاح النظام الجبائي المغربي مهمة صعبة وتتطلب أوراشا إصلاحية كبرى مع الأخذ بعين الاعتبار فشل الاصلاحات السابقة بسبب اقتصارها على الجانب النظري فقط ، ونعتقد أن هذه الاصلاحات يجب أن تؤخذ من زاويتين الاولى تفعيل دور الدولة والثاني توسيع الوعاء الجبائي

    تفعيل دور الدولة على الصعيد الجبائي :

    هل علاقة الدولة بالجباية تتميز بالاستقلالية أم بالتبعية ؟ من جهة هناك فئات اجتماعية مؤثرة نظرا لقربها من السلطة تؤدي أقل ما يمكن من الضريبة حتى توسع من أرباحها ثم تستفيد من الدولة “المانحة” وتهييء البنى التحتية والمساعدات أي كل ما له علاقة بتوسيع هاهمش الربح ، ومن جهة أخرى هناك المؤسسات الدولية الخارجية التي يبحث المغرب عن كسب ودها وشرعيتها الخارجية لكسب ثقتها ضمانا لاستخلاص المديونية أي استقطاع فائض جبائي يمكن من تسديد الدين الخارجي .

    والدولة المغربية لا تزال تحافظ على استقلاليتها عن القوى الاجتماعية وهذا الاستقلال سيساعد على تنفيذ سياسة جبائية فعالة من خلال 3 محاور .

    • ضرورة توفر إرادة سياسية : فعدم تطور جباية دولة يرجع بالاساس إلى ضعف الارادة السياسية الواضحة لأن التقنيات الجبائية تبقى غير ذي فعالية في غياب الارادة السياسية تتم بلورتها في شكل ثقافة جديدة في التعامل مع الجباية .

    • ضرورة توفر دولة ذات سلطة قوية : لتجاوز الصعوبات الادارية والسوسيوسياسية وضمان استمرارية الاصلاحات ، والدولة القوية هي التي تملك جهازا إداريا قادرا على ضمان إجبارية القرارات الاصلاحية وتطبيق القرارات على أرض الواقع ، سلطة قوية لتجاوز الصعوبات أولا ، خصوصا في الكفاءات والادارة الصارمة الشريفة تستطيع تنفيذ الاصلاحات الجبائية الهادفة كما حدث في اليابان ، سلطة قوية لتجاوز الصعوبات السوسيوسياسية ثانيا ، وهنا يقتضي الحال الدخول في تحديات كبيرة مع الفئات الاجتماعية المستفيدة من السياسة الجبائية الحالية فالدولة القوية وحدها قادرة على تجاوز هذا التحدي بنجاح وإقناع أو إرغام هذه الفئات بأهمية الاصلاحات ، ثم ثالثا سلطة قوية لضمان استمرارية هذه ا لاصلاحات ، عن طريق نظام زجري صارم ضد التهرب الضريبي والتملص منه .

    توسيع الوعاء الجبائي

    اصلاح النظام الجبائي لا بد أن يمر من طريق توسيع الوعاء الجبائي ، لأن على صعيد المساحة فهو لا يشمل بعض القطاعات المهمة وهذه الوضعية تؤثر سلبا على الصعيد الاجتماعي حيث تجعل العبء الضريبي يقع على المصادر الاخرة التي تقع في الوعاء ، فإعادة التوازن لبنية النظام الجبائي وجباية الرأسمال والفلاحة وعقلنة جباية العقار أصبحت أمورا ضرورية من أجل مردودية أفضل وعدالة أكبر وفعالية أهم .

    جباية القطاع الفلاحي : تتسم هذه الجباية منذ الستينات بالجمود جعلها عائقا أمام تطور النظام الجبائي ونسبتها في المداخيل الجبائية تمثل 1% من المداخيل الجبائية العامة وهي نسبة ضعيفة مقارنة بأهمية القطاع على الصعيد الاقتصادي ، حتى أصبح القطاع الفلاحي يمثل جنة جبائية ويستقطب رساميل مهمة من قطاعات أخرى وهناك سبب سياسي مهم أفشل كل المحاولات الاصلاحية للنظام الجبائي الرامي إلى جعل الضريبة الفلاحية توازي حجم القطاع الفلاحي اقتصاديا ، وقانون مالية 2014 يعتبر تضحية بكل مبادئ الاصلاح الجبائي الحقيقي حيث نجدها تخدم اللوبي الفلاحي أكثر مما تخضعه للمساهمة الضريبية فالقانون يعتمد رقم معاملات 35 مليون درهم معيارا للتضريب بينما أغلب الاستغلاليات الفلاحية لا يتجاوز رقم معاملاتها 1 مليون درهم والاستغلاليات التي تتجاوز هذا الرقم قليلة وبالتالي إفراغ قانون الضريبة على الفلاحة من محتواه . إذن الوضعية الحالية تفرض استغلال الفائض في القطاع الفلاحي ونهج ضريبة فلاحية معقلنة تنعكس ايجابا على التنمية

    • أهمية الفائض المتوفر بالقطاع الفلاحي : ضمان تمويل تنمية اقتصادية واجتماعية يقتضي ضرورة الاعتماد على القطاع الفلاحي في تمويل الخزينة ، اليابان نموذجا ، ورغم محاولات البعض التقليل من الفائض الموجود في القطاع الفلاحي إلا أن أغلب المؤشرات تشير إلى أهمية فائض هذا القطاع وإمكانية استغلاله في مشاريع تنموية بناءة عبر اقتطاع ضريبي فعال .

    • ضرورة خلق جباية فعالة : إن أي مشروع إصلاحي يهدف لعقلنة النظام الجبائي المغربي لا بد أن يمر بإصلاح حقيقي للضريبة الفلاحية ، وإذا كان المنطق يقول بإعفاء الفلاحين الصغار فإن الفلاحين الكبار أو المستثمرين في الفلاحة العصرية يجب أن يساهموا في العبء الجبائي بشكل ملائم مع دورهم الاقتصادي .

    وعاء الضريبة الفلاحية المقترحة : يفرض ضريبة على المستغل الفعلي للاستغلالية الفلاحية بناء على حد أدنى معقول يتم تحديده بناء على معطيات احصاء فلاحي مع إعفاء شامل من الضريبة حالة الجفاف أو الفيضان أو الفلاحين الذين لا يتوفرون على قطع أرضية فلاحية مهمة .

    معدلات تصاعدية للضريبة الفلاحية : الضريبة الفلاحية يجب أن تعتمد معدلات أكثر تصاعدية بشكل يؤدي إلى توزيع العبء الضريبي بشكل عادل .

    إذن إصلاح شامل للجباية الفلاحية سينعكس ايجابا على السياسة الجبائية خصوصا في في إطار مشروع اصلاحي شامل متكامل وقد استنتج الاستاذ السرغيني أن هذا الاصلاح سيحقق ثلاث نتائج مهمة : توزيع عادل للعبء الجبائي ، أثر ايجابي على الصعيد الاقتصادي حيث سيساهم في زيادة الانتاج الفلاحي وتطوره ثم مردودية جبائية مهمة .

    فرض ضريبة على المساكن الفارغة

    رغم تعدد الضرائب التي تستهدف هذا القطاع إلا أن مردوديته الجبائية ضعيفة وبالتالي فإن إصلاح النظام الجبائي الحالي سيجعل القطاع العقاري يساهم بشكل أفضل في تحمل العبء الجبائي وذلك بفرض ضريبة على المساكن الفارغة وهذه الضريبة ستقلل من إشكالية عدم ملائمة العرض مع الطلب وانتشار ظاهرة المساكن الفارغة التي تؤثر على القطاع نفسه .

    وعاء الضريبة على المساكن الفارغة : لا يجب أن يكون شموليا ولكن على أهمية المناطق التي تتأثر بهذه الظاهرة فمدن كالبيضاء والرباط وطنجة تتأثر بشكل كبير بهذه الظاهرة ، ولا يجب أن يدخل في هذا الامر المساكن الفارغة لسبب خارج عن إرادة المالك كما أن المساكن المعدة للاقامة في مدة معينة تعتبر خارج إطار الضريبة .

    ضرورة فرض الجباية على الرأسمال

    الضريبة العامة على الرأسمال تهم جميع الممتلكات أي الثروة فأصحاب الثروة يؤدون ضريبة على ثروتهم في الدول المتقدمة لكن في الدول المتخلفة يعفون من أي ضريبة على الثروة ويتذرعون بعدة تبريرات اقتصادية و مالية وإدارية و سوسيوسياسية ، فمعارضو هذه الضريبة في العالم الثالث في نظرهم ستعرقل مبادرة أصحاب رأسمال في الادخار والاستثمار وتؤثر سلبا على النمو الاقتصادي ثم إن قلة الرأسمال في هذه الدول تجعل إيراداتها قليلة كما يؤدي عدم وجود كفاءات للتعامل مع هذه الضريبة وجبايتها ستؤدي إلى سوء تطبيقها وبما أن هذه الضريبة تمس الملكية فإنها سوف تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي ، فمن الاحسن عدم فرض ضرائب على الاغنياء وأصحاب الثروة ، والمغرب باعتباره من الدول النامية لم يخرج عن هذه القاعدة فموضوع تطبيق الضريبة على الثروة يشكل مطلبا أساسيا من أجل إصلاح النظام الضريبي لكن الاختيارات الاقتصادية والعراقيل السوسيوسياسية حالت دون هذا التطبيق وأي إصلاح ضريبي حقيقي ضروري أن يمس الثروة بالجباية للمساهمة في تحقيق التنمية خصوصا أن هذه الثروات تشكل كتلة مالية مهمة

    أهمية الضريبة على الرأسمال

    أهمية الضريبة على الرأسمال تظهر على صعيد الفعالية والمردودية و العدالة

    • توجيه رؤوس الاموال نحو الانشطة المنتجة : إذا كان معارضو الضريبة على الرأسمال ينتقدون تأثيرها السلبي على النشاط الاقتصادي من خلال عرقلتها لمبادرة الاستثمار والادخار ، لكن الباحثين استطاعوا تفنيد هذه الفكرة وإبراز أهمية هذه الضريبة من الناحية الاقتصادية ، لأن هذه الضريبة توجه الرأسمال للانشطة الأكثر إنتاجية ومردودية لأن صاحب الرأسمال يضطر إلى تحريك رأسماله بصورة أفضل أو التنازل عليه للمصارف والبنوك الادخارية وبذلك تقل الانشطة غير المنتجة وهذا الأمر مهم للمغرب نظرا لوجود رؤوس أموال ضخمة نائمة أو جامدة .

    • اللامساواة في توزيع الرساميل بين الأسر تشكل مجالا خصبا للضريبة : تركز الأموال بين يدي فئة قليلة من المغاربة يشكل مجالا خصبا للضريبة على الرأسمال فمن الناحية التقنية يسهل ترصد الرساميل وجباية الضريبة ومن ناحية المردودية ستشكل طبعا إضافة نوعية للخزينة التي هي في أشد الحاجة إليها .

    • مساهمة الضريبة على الرأسمال في تقليص التفاوت المهول بين ثروات الاسر : السياسة المتبعة حاليا تكرس مفهوم تركيز الثروة بين يدي فئة قليلة من المواطنين ويقتضى مبدأ العدالة معاملة المكلفين حسب مقدرتهم التكليفية فكيف يؤدي المواطن البسيط الضرائب في صيغتها غير المباشرة ويؤدي الموظفون والعمال والمهنيون ضريبة على دخله بينما لا يؤدي المواطن صاحب الثروة أي ضريبة على ثروته ؟ وفرض ضريبة على الثروة سيخلق العدالة وسيخفف العبء الضريبي على فئة الموظفين والعمال ودخولهم المحدودة

    كيفية تطبيق الضريبة على الرأسمال في المغرب

    يعتمد على نوعين من الضرائب ، الأولى هي الضريبة على الثروات الكبرى وتهم ملكية الرأسمال ، والثانية هي الضريبة على التركات والتي تفرض عند انتقال هذه الملكية في حالة الوفاة ، ويمكن اعتبار الضريبتين متكاملتين وتشكلان مظهرا من مظاهر التوجه الاجتماعي للنظام الجبائي .

    الضريبة على الثروة

    عادلة اجتماعيا ، منطقية اقتصاديا ، بسيطة تقنيا ، وكأي ضريبة تحتاج إلى 3 اسئلة ، ما هو الوعاء الجبائي الذي ستعتمده ، المستوى الذي ستبدأ منه ، ثم أسعارها .

    وعاء الضريبة على الثروة

    يرى العديد من الباحثين أنها يجب أن تتميز بالشمولية بحيث لا يخرج من وعئها أي نوع من الثروة سواء القيم المنقولة أو العقارية أو الاسهم أو الارصدة البنكية أو الذهب والفضة والالماس والتحف الفنية والسيارات الفارهة ، يستثنى من ذلك بعض المواد ولاعتبارات ترتبط بالعادات والتقاليد من الوعاء الضريبي ، وتحتسب الضريبة بعد خصم الديون المستحقة على الثروة فالثروة الصافية هي التي تخضع للضريبة .

    مستوى الثراء الذي تبدأ منه الضريبة على الثروة

    يجب أن يأخذ في عين الاعتبار عدم جباية الممتلكات الصغرى والمتوسطة فلكي تكون الضريبة على الثروة مقبولة يجب أن تطال الثروات الكبرى ، مليوني درهم مثلا على الاقل

    الضريبة على التركات

    يتعرض هذا المبدأ لانتقادات كونه يتعارض مع الشريعة الاسلامية التي لا تتدخل بالجباية على التركات .

    إعادة توازن بنيات النظام الجبائي

    وضعية بنيات النظام الجبائي الحالية لم تعد مقبولة ولا تساعد على تنفيذ استراتيجيات تنموية مهمة ، لذلك فالاصلاح الضريبي يجب أن ينطلق من إعادة التوازن بين مختلف مكوناته فالمكانة التي تحتلها الضريبة غير المباشرة كافية لوحدها لإبراز اللاعدالة في هذا النظام الجبائي الحالي ، فالنظام الجبائي المغربي حافظ منذ الاستقلال على نفس البنيات المرتكزة على الضرائب غير المباشرة خصوصا الموجهة نحو الاستهلاك وذلك لأسباب اقتصادية و سوسيوسياسية ، لذلك فالاستراتيجية الجديدة تتطلب تجاوز المبادئ التقليدية للمالية العامة .

    ثانيا : إعادة تنظيم سياسة التدخل الجبائي

    سياسة التدخل الجبائي أصبحت تفرض نفسها أكثر من أي وقت مضى كوسيلة لتحقيق أهداف متعددة ، لكنها تتطلب شروطا من قبيل الدراسة والمراقبة والتقييم ضمانا لنجاحها .

    ضرورة اعتماد معايير ومبادئ جديدة

    • التحديد الدقيق للأهداف : السياسة الجبائية في الدول المتقدمة تعتمد استراتيجيات بعيدة المدى أما في المغرب فقد لوحظ أنه اعتمد استراتيجيات ظرفية بفعل تأثير جهات معينة أو لتجاوز أزمة قطاع معين حتى أصبحنا أمام صورة كاريكاتورية تتمثل في أن أي مشكلة تطرح يتم البحث لها عن حل في السياسة الجبائية . والتنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بفعل الصدفة بل نتيجة دراسات وتوجهات ملاءمة ومحددة ، و دقة الاهداف و و سائل التطبيق المناسبة تعتمد على اعتبارات كالتالي : -الواقعية في التصورات فتكون الاهداف واقعية وتتماشى مع الواقع المادي والبشري –التدقيق في التوقعات فلا بد من تجاوز المظاهر الخداعة والاعتماد على دراسات مستقبلية على أسس علمية ، ثم تحديد الوسائل التطبيقية المساعدة على التنفيذ وأخيرا وليس آخرا الوضوح في التوجهات وتحديد الاهداف بكل دقة ووضوح .

    • اعتماد مبدأ التصنيف : الاستراتيجية الجديدة تقتضي تصنيفا للاجراءات التشجيعية المستعملة حسب أهميتها ومدى ملاءمتها للأهداف المنشودة ، * تصنيف الامتيازات الجبائية : فالامتياز يجب أن يعطى فقط عند الضرورة وموجها ليس لفئة محددة بل نحو القطاعات المنتجة لضمان المردودية وتقليص الخسارة الجبائية ، * تصنيف الاستثمارات المستفيدة : الاستثمار شرط أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، لكن لا يمكن اعتبار جميع الاستثمارات صالحة لتحقيق التنمية فالسياسة المنتهجة هي خليط من المشاريع لا تدخل في إطار مخطط مدروس وهنا يلعب التصنيف في السياسة الجبائية أهمية رئيسية لأن المفهوم الكيفي هنا أكثر من المفهوم الكمي ، فالاستثمار يجب أن يستهدف القطاعات التي تؤهل اليد العاملة أو تساعد على الانتقال التكنولوجي وتنمية القطاعات الاساسية .

    • أهمية استعمال مفهوم النفقات الجبائية لعقلنة السياسة الجبائية : مفهوم النفقات الجبائية هو الاطار النظري لدراسة وعقلنة استعمال الجباية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية ولا يخفى أهمية التحليل بمفهوم النفقات الجبائية قصد عقلنة السياسة الجبائية بشكل عام .

    مناهج احتساب النفقات الجبائية

    لتقييم النفقات الجبائية هناك 3 مناهج مهمة

    • منهج خسارة الايرادات الجبائية : ويقوم على احتساب قيمة الخسارة بالنسبة لهذه الايرادات من جراء تطبيق تحفيز ما .

    • منهج ربح الايرادات : فيقوم على احتساب تزايد الايرادات الجبائية إذا ما تم التخلي عن تقنية الاجراءات التحفيزية

    • منهج معادلة النفقات : يقوم على احتساب تكلفة امتياز جبائي عن طريق معادلته مع نفقات مباشرة .

    وأغلب الدول تستعمل طريقة خسارة الايرادات نظرا لصعوبة احتساب التقديرات للمنهجين الاخرين .

    معرفة أفضل للنظام الجبائي

    التحليل بمفهوم النفقات الجبائية يساعد المسؤولين على معرفة بعض نقائص السياسة الجبائية الاستثنائية وكذا إبراز الصعوبات التي تعترضها .

    • الوقوف على نقائص السياسة الجبائية : حيث ساهمت الدراسات المتعلقة بالنفقات الجبائية في الدول المتقدمة بشكل كبير في معرفة الوضعية الحقيقية لنظام الامتيازات والتشجيعات الجبائية فالكثير منها تفقد أي مبرر لوجودها وتصبح مسألة التخلي عنها أمرا ضروريا ، ففي المغرب مثلا تقارير النفقات الجبائية تشير إلى أن العديد من الامتيازات الجبائية لا تستند إلى مرجعية حقيقية وأن الاحتفاظ بها كان لمجرد غياب دراسات دورية تستطيع كشف عدم جدواها وهكذا تم خلال 2006-2009 حذف 64 تدبيرا وقد تم تقييم أثر هذا التوسيع في الوعاء الجبائي بالمغرب بمبلغ 6570 مليون درهم .

    • إبراز صعوبات السياسة الجبائية : دراسة النفقات الجبائية استطاعت إبراز الصعوبات والعراقيل التي تعترض النظام الجبائي ، فهذه الدراسات لعبت دورا مهما في إنجاز الاصلاحات الجبائية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفنلندا ، بالاضافة إلى الدور المهم في الاصلاحات الجبائية فإنها تلعب دورا مهما في مواضيع أخرى لها ارتباط بالسياسة الجبائية كالدخل و التضخم .. إذن خلاصة هذه التقارير سيساهم في تحديد إيجابيات وسلبيات الاجراءات الجبائية ومقارنة الاهداف المنشودة مع تكلفتها المالية والنتائج المحققة وبالتالي إنجاز إصلاحات جادة وهادفة .

    • إنشاء ميزانية للنفقات الجبائية : هي الوثيقة التي تشمل مجموع الاجراءات الجبائية مع تصنيفها وتحديد القطاعات المستفيدة منها وكذا التوقعات حول النتائج المرتقبة وترجع تسمية هذه الوثيقة بالميزانية إلى التشابه بينها وبين الميزانية العادية ، وهكذا فميزانية النفقات الجبائية تشكل مرجعية أساسية لكل مهتم بالسياسة الجبائية لأنها تعطي صورة شاملة لمختلف الاجراءات الجبائية والتخمينات حول نتائجها وبذلك تعد مرحلة جد متقدمة في تحليل استعمال الجباية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وخلاصات تقارير النفقات الجبائية تعد اليوم مرجعا أساسيا لتحليل السياسة الجبائية قصد تطويرها والمساهمة في عقلنة الاصلاحات التي تنتهجها الادارة الجبائية .

    📗 خلاصة الباب

    • تستعمل السياسة الجبائية المغربية إجراءات استثنائية ذات طابع اقتصادي (كميثاق الاستثمار لسنة 1995 القائم على مبادئ التعميم والانسجام والتلقائية) وأخرى ذات طابع اجتماعي، لكن فعاليتها تبقى محدودة بسبب غياب الدراسات التقييمية والإحصائيات الرسمية حول نتائجها الحقيقية.
    • تتطلب الاستراتيجية الجبائية الجديدة المقترحة عقلنة النظام الجبائي (عبر تفعيل دور الدولة وتوسيع الوعاء الجبائي ليشمل الفلاحة والثروة والعقار غير المستغل) وإعادة تنظيم سياسة التدخل الجبائي (بتحديد دقيق للأهداف وتصنيف الامتيازات واعتماد مفهوم النفقات الجبائية لقياس تكلفة كل إجراء تحفيزي.

  • النظام الضريبي المغربي

    📖 النظرية العامة للضريبة — الفصل 6 من 7 — فهرس الكتاب

    مدخل

    سندرس الوظائف المتعددة للضريبة من خلال النظام الضريبي المغربي .

    يتصف النظام الضريبي المغربي بعدة خصائص نذكر منها :

    • طبيعة النظام المتغيرة إذ يتم اصلاحه بصفة مستمرة أهمه الاصلاح الشمولي لسنة 1984 الذي جاء ضمن سياسة التقويم الهيكلي بدافع من المؤسسات المالية الدولية .

    • عدم وجود ضريبة على الثروة ورأسالمال مع أنها شكلت مطلبا اساسيا من طرف الباحثين الذين ناقشوا النظام الجبائي لكن العراقيل السوسيوسياسية حالت دون ذلك .

    • عدم مسايرة الضريبة لأهمية القطاعات الاقتصادية فالقطاع الفلاحي مثلا الذي يشغل عددا مهما من السكان ويمنح كمية مهمة من الانتاج الوطني معفى من الضريبة .

    • القطاع العقاري مداخيله رمزية مقارنة مع المداخيل الاخرى

    • تحليل بنيات النظام الجبائي المغربي يبين التفاوت الكبير بين مساهمة مختلف الضرائب في حصيلة المداخيل الجبائية حيث نجد المساهمة الوحشية الكبيرة لمداخيل الضرائب الغير المباشرة في حين لا تتجاوز مداخيل الضرائب المباشرة ربع المداخيل الجبائية ، فحوالي 7 ضرائب تشكل 90% من المداخيل الجبائية

    • النظام الجبائي المغربي لا يمكن ضمان استمراريته دون الاعتماد على ضرائب الاستهلاك فهي الأكثر أهمية في بنية المداخيل الجبائية والادارة الجبائية استخدمت كل طاقاتها من أجل ملاءمة الوعاء الضريبي مع عادات الاسر المغربية الاستهلاكية لأن الضرائب غير المباشرة تمس جميع المواد الاستهلاكية .

    • تعدد الاجراءات الاستثنائية ، فجل الضرائب تتضمن اجراءات استثنائية لهذا القطاع أو ذاك قد يصل الاعفاء فيها إلى 10 سنوات .

    مكونات النظام الضريبي المغربي

    سنقتصر على دراسة 3 ضرائب كبرى جاء بها الاصلاح الجبائي لسنة 1984 .

    أولا : الضريبة على الدخل

    من أهداف هذه الضريبة المساواة في توزيع العبء الجبائي لتحقيق مطلبين هما العدالة والمردودية والعمل على توسيع الوعاء الضريبي لرفع مداخيل الدولة لمواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية . حيث تبنت الدولة طريقة تبسيط وملاءمة النظام الجبائي فتم الانتقال من نظام نوعي ومعقد إلى نظام ومبسط فعال وملاءم فتم التنقيص من كثرة الضرائب .

    • الدخول المهنية : يقصد بها الارباح التي يحصلها الاشخاص الذاتيون من مزاولة مهنة تجارية أو صناعية أو استثمار عقاري أو مجزئي الاراضي أو المهن الحرة ويحدد الدخل المهني وفق نظام النتيجة الصافية الحقيقية أو نظام الربح الجزافي أو وفق نظام النتيجة الصافية المبسطة .

    • الدخول الزراعية : تفرض الضريبة على الدخل على الارباح الناتجة عن المستغلات الزراعية أو عن أي نشاط آخر له طابع زراعي خاضع للضريبة المهنية la patente ، وتجدر الاشارة إلى أن اسباب ذات طابع سياسي أفشلت كل المحاولات الاصلاحية للنظام الجبائي الهادفة الى جعل الضريبة على الدخول الفلاحية توازي حجم قطاع الفلاحة الاقتصادي بل أكثر من ذلك توج هذا الضغط بالاعلان سنة 1984 عن اعفاء القطاع الفلاحي من أية ضريبة حتة سنة 2000 تم تمديده بشكل رسمي حتى 2010 وتتجه الوعود إلى تمديده إلى 2020 . لكن بموجب القانون المالي لسنة 2014 أصبح القطاع الفلاحي جزءا من الوعاء الضريبي لكن فقط على الورق وهكذا نجد القانون المالي لسنة 2014 يخدم اللوبي الفلاحي أكثر مما يخدم إصلاح الوعاء الضريبي .

    • مداخيل الأجور وما شابهها : المداخيل الأجرية بالمغرب تشمل المرتبات والاجور والتعويضات والمكافآت والمعاشات والايرادات العمرية . ويتم تحصيل الضريبة بأسلوب الحجز من المنبع حيث يقوم رب العمل بححجز الضريبة المستحقة لحساب الخزينة من كل مبلغ مدفوع أما المعاشات فيقوم المحاسب بحجزها .

    • الدخول العقارية : يدخل فيها الدخول الكرائية يستثنى منها الموضوعة رهن إشارة الفروع أو الاصول .

    • دخول رؤوس الاموال المنقولة : الاسهم أو حصص المشاركة وكل ما يأتي بفائدة لصاحب راس المال .

    ثانيا : الضريبة على الشركات

    تشكل الشق الثاني من الاصلاح الجبائي لسنة 1984 أحدثت بموجب قانون 86-24 ، ويتكون وعاء الضريبة على الشركات من أرباحها ومداخيلها أين ما كان مقرها في المغرب وكيفما كان شكل الشركة أو هدفها سواء حققت أرباحا بصورة عرضية أو دورية سواء كانت تبعية الشركة للقطاع العام أو الخاص .

    سياسة تخفيض سعر الضريبة على الشركات : هي وسيلة لتشجيع المقاولات على الاستثمار

    ثالثا : الضريبة على القيمة المضافة كأهم ضريبة غير مباشرة

    الضرائب غير المباشرة هي أهم عنصر في السياسة الضريبية للدول المتخلفة وفي المغرب تساهم بنسبة الثلثين من الحصيلة العامة للضرائب ويتم ترجيح هذا النوع من الضرائب بناء على معطيات سياسية واقتصادية وإدارية واجتماعية منها :

    • ضرائب ذات مردودية مرتفعة

    • سهلة التطبيق والتحصيل

    • لا تثير مشاكل سياسية واجتماعية لأن المستهلك لا يحس بها

    • ملاءمة للبنية الاقتصادية والادارية التي لا تستطيع استيعاب الضرائب المباشرة

    • تساهم في توجيه الاقتصاد بفضل رفع الاسعار أو خفضها أو الغاءها حسب الهدف

    • هيمنة المصالح الكبرى على اقتصاد البلد بما يدفع اصحاب المصالح إلى الدفع بالعبء الجبائي نحو الاستهلاك ورفضهم الضرائب على راس المال أو الدخل .

    • إمكانية أصحاب المصالح التأثير على النظام الضريبي نظرا لقربهم من مركز القرار السياسي أو الهيمنة التشريعية

    • عجز الحكم السياسي على ارغام اصحاب رؤوس الاموال على تحمل الضرائب المباشرة مما يضفي على النظام الجبائي صفة الطبقية

    • جمود الادارات التي لا يمكن فيها للجهاز الاداري من مسايرة تطور المداخيل والاقتصاد بصفة عامة فالضرائب غير المباشرة اسهل حل لتمويل الخزينة

    • غياب إرادة سياسية لاعادة هيكلة النظام الضريبي وإعادة توزيع الثروات بشكل عادل

    • تأثر النظام الضريبي بالسياسة الاستعمارية التي طبعت مرحلة الحماية والتي هدفت إلى تهرب رؤوس الاموال الأجنبية من الضرائب المباشرة فتم الاتجاه صوب الضرائب غير المباشرة .

    وقد تم سن الضريبة على القيمة المضافة بموجب قانون سنة 1986 وحل محل الضريبة على المنتوجات والضريبة على الخدمات وشكل تقدما بالنسبة بهذه الضرائب ومرحلة مهمة في تطور النظام الضريبي المغربي بصفة عامة .

    وتنصب الضريبة على القيمة المضافة فقط على القيمة الجديدة للسلعة في كل مرحلة من المراحل التي تمر بها وبفضل تقنية الخصومات يبقى مبلغ الضريبة على مجموع القيم مساويا دائما لسعر الضريبة على السلعة عند الاستهلاك .

    ومما يميز هذه الضريبة هو أنها محايدة لعدم حصرها العبء الضريبي على مرحلة معينة من مراحل الانتاج كما أن خصم مبلغها يساعد على تشجيع الصادرات .

    ويبقى من مساوئها كونها معقدة فنيا مما يجعل تطبيقها صعبا في الدول النامية كما أن العمل بها يتطلب محاسبة دقيقة لدى المنتجين والموزعين وهو ما لا يتوفر دائما في الدول النامية مما يفتح باب التملص منها والتهرب من أدائها .

    📗 خلاصة الباب

    • يتميز النظام الضريبي المغربي بتغيره المستمر (أبرزه الإصلاح الشمولي لسنة 1984)، وغياب ضريبة حقيقية على الثروة، وهيمنة الضرائب غير المباشرة التي تشكل نحو ثلثي الحصيلة الجبائية، مقابل إعفاءات تاريخية واسعة (كالقطاع الفلاحي).
    • تشكل الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة (منذ قانون 1986) الدعامات الثلاث الكبرى للنظام الجبائي المغربي الحديث، أحدثت جميعها أو أعيد تنظيمها في إطار إصلاح 1984.

  • التوجهات الكبرى للجباية

    📖 النظرية العامة للضريبة — الفصل 5 من 7 — فهرس الكتاب

    مدخل

    الاطار الاجتماعي الذي يعمل فيه النظام الضريبي يفرض على المشرع مجموعة من الاكراهات تحد من اختياراته ، فيصبح أمام 3 خيارات .

    أولا : التوجه الاجتماعي ، وهنا يطرح إشكال الاختيار ما بين الضريبة الشخصية والفعلية فالضريبة الشخصية تفرض الضريبة على الشخص دون اعتبار المال فتكون على الرؤوس لكنها بالمعنى الحديث تراعي ظروف الممول وقدرته على الدفع و وضعه المالي والاسري وهل يحلص على دخله من العمل أم من استثمار الثورة ، أما الضرائب الفعلية فهي التي لا تراعي الظروف الشخصية للممول وأحواله الاقتصادية والاجتماعية وهي تفرض عدة على أي نشاط اقتصادي معين كالرسوم الجمركية أو الضرائب على رقم المعاملات أو المبيعات و نلاحظ أن كلا الضريبتين تقع على الأموال ، لذلك يرى خبراء المالية أن مفهوم الضريبة الشخصية يجب أن يكون واسعا بحيث يتزايد بتزايد الثروة أو القدرة التكليفية للممول .

    ثانيا : التوجه القانوني ، وهنا يطرح على المشرع الاختيار بين عدة تقنيات للجباية ، الضرائب المباشرة والغير المباشرة .

    معيار التمييز بين الضرائب المباشرة والغير المباشرة

    المعيار الاداري : المباشرة تحصل بمقتضى جداول إسمية تحتوي على إسم الممول وقيمة المال المفروض عليه أما الغير المباشرة فلا تحصل بمقتضى جدول إسمي بل بناء على عمل عارض مؤقت بين الممول والخزينة العامة كتسجيل عقد بيع أو إنتاج سلعة أو استيراد بضاعة .

    المعيار الاقتصادي : يعتبر أساس التفرقة بين الشكلين ، فإذا لم يستطع الممول نقل الضريبة إلى غيره وتحمل عبءها بنفسه تسمى ضريبة مباشرة أما إذا نقلها إلى المستهلك في شكل ارتفاع في ثمن السلعة كنا هنا أمام ضريبة غير مباشرة ، ويتضح هنا أنه لا يوجد أي وسيط بين الخزينة والممول في حالة الضريبة المباشرة بينما تتعدد الوساط أحيانا في الضريبة الغير المباشرة وتنعدم معها العلاقة المباشرة بين الممول والخزينة .

    المعيار الجبائي : المباشرة حسب هذا المعيار تكون موجهة علناصر تتسم بالثبات والاستقرار كالثروة والعمل ، العقارات ، المرتبات ، الاجور ، الارباح ، أما الضرائب الغير المباشرة فتفرض عند مناسبات عرضية غير مستقرة كتداول السلع أو الرسوم الجمركية أو الضرائب على الانفاق .

    مزايا وعيوب الضرائب المباشرة وغير المباشرة

    مزايا الضريبة المباشرة

    • ثبات الحصيلة : حيت تكون مستقرة وثابتة فثروة الشخص لا يمكن أن تتغير بين عشية وضحاها بينما ايرادات الضرائب غير المباشرة تتوقف على حجم الاستهلاك والواردات فهي أمور غير مستقرة وتتأثر بحجم النشاط الاقتصادي

    • إمكانية زيادة الحصيلة : برفع الضريبة بينما غير المباشرة لا تخضع لسيطرة الحكومة

    • العدالة : تراعي ظروف الممولين

    • الاقتصاد في نفقات التحصيل : نظرا لأن موضوع الضريبة معروف بالتحديد لدى الادارة

    عيوب الضرائب المباشرة

    • إثارة تذمر الممول : فهو دائما يشعر باستياء ويحاول التهرب منها خصوصا من طرف الفئات التي تشعر أنها ضحية انعدام العدالة الضريبية مقارنة مع الفئات الاخرى المعفاة وتعتبر فئة الموظفين و المأجورين من ضحايا الضريبة المباشرة .

    • عدم المرونة : فهي لا تتعامل مع تزايد أو انخفاض النشاط الاقتصادي

    • عدم الملاءمة : تتعارض مع مبدأ الملاءمة الذي يتطلب تحصيل الضريبة في الزمان والمكان الملائم للممول فكثيرا ما تحصل في وقت غير مناسب للدفع .

    مزايا الضرائب غير المباشرة

    • المرونة : لتجاوبها مع ارتفاع وانخفاض النشاط الاقتصادي فعند ازدياد الاستهلاك والانفاق تحصل الضريبة وتقل في أوقات الكساد .

    • عدم شعور الممول بعبئها : فلا يحس بها لأنها تندمج في ثمن السلعة الاستهلاكية كما أنه يستطيع التخفيف منها بالتقليل من الاستهلاك لكن الواقع أنها تكون في السلع الأكثر استهلاكية التي لا يستطيع المستهلك الاستغناء عنها بسهولة .

    • وفرة الحصيلة : حيث تكون إيراداتها مرتفعة لأنها تنصب على سلع كثيرة الاستهلاك كالشاي والسكر والدخان والقهوة والكهرباء مما يدر على الخزينة ايرادات مهمة خصوصا في بداية السنة لأن ايرادات الضرائب المباشرة لا تحصل عادة إلا في نهاية السنة .

    • تحديد النمط الاستهلاكي وحماية الصناعة المحلية : فعند فرض ضرائب غير مباشرة مرتفعة على سلعة ما ، يقل استهلاكها ، كما تستعمل في الرفع من الرسوم الجمركية لحماية المنتوج الوطني من المنافسة الخارجية .

    عيوب الضرائب غير المباشرة

    • تعارضها مع مبدأ العدالة : لأنها تفرض على السلع دون مراعاة الحالة الاجتماعية للمستهلكين و دون مراعاة دخلهم أو وضعيتهم المالية .

    • إعاقة الانتاج : لأن الادارة في محاولة منها لمنع التهرب تتدخل في شؤون المنتجين فتقوم بمراقبة وتداول السلع الخاضعة للضريبة وتلزم المستثمرين بطرق وقواعد معينة في الحسابات ليسهل عليها تحديد الوعاء الضريبي .

    عموما يبقى من الصعب تفضيل اسلوب على آخر وغالبا ما يتم الجمع بينهما ، ففي الدول المتخلفة نجد هيمنة الضرائب غير المباشرة التي يقع عبؤها على الفئات الفقيرة بينما في الدول الديمقراطية تتجه السياسة الضريبية للضرائب المباشرة .

    التوجه الاقتصادي

    ويأخذ عدة أشكال اقتصادية فيكون المشرع أمام عدة خيارات

    • الضريبة على الدخل : ذات أهمية في النظم الجبائية الحديثة نظرا لتعدد مصادرها ، العمل ، استثمارات ، عقار ، أسهم ، التجارة ، الصناعة ، وظيفة ، مهنة حرة ، وكل مصدر من هذه المصادر يدر عليه دخلا يسمى بالدخل النوعي ، فمجموع الدخول التي يحصل عليها الفرد من المصادر المختلفة تعرف بالدخل العام أو الكلي وتفرض عليه ضريبة تسمى الضريبة العامة على الدخل ، وقد تفرض الضريبة على كل مصدر من مصادر الدخل على حدة فيطلق عليها الضريبة النوعية .

    • الضريبة على الرأسمال : يقصد بالرأسمال من الوجهة الضريبية كل شيء مادي أو معنوي يمتلكه الفرد في لحظة معينة ويمكن تقديره بالنقود و يدر دخلا أو قابل ليدر دخلا ، نتحدث هنا عن الأموال المنقولة والعقارات أما المعنوي فيشمل الاسهم والسندات ، والرأسمال يختلف عن الدخل في كونه يتحدد في لحظة معينة أما الدخل فيحتاج إلى فترة معينة شهر أو سنة مثلا لتقديره .

    • الضريبة على الانفاق : وتفرض على مختلف أوجه استعمال الدخل في الحصول على السلع والخدمات الاستهلاكية وتصيب هذه الضرائب السلع حين إنتاجها أو حين تداولها بين التجار والمشترين . ويطلق عليها أحيانا الضريبة على الاستهلاك ويدفعها المستهلك النهائي بحكم اندماجها في أثمنة السلع لكنها تتأثر بالأحوال الاقتصادية فتنقص ايراداتها ساعة الكساد وتأخذ 3 صور ضريبة على مرحلة واحدة أو ضريبة تراكمية على كافة المراحل أو ضريبة على القيمة المضافة ، – فأما الضريبة على مرحلة واحدة : فيختار المشرع ضبط المادة الضريبية في مرحلة واحدة فقط ، إما مرحلة الانتاج أو التوزيع أو الاستهلاك . – الضريبة التراكمية على كافة المراحل : فتفرض ضريبة عند تسلمها كمادة خام لدى المصنع ثم ضريبة أخرى عند بيعها بالجملة ثم ضريبة أخرى عند انتقالها إلى تاجر التقسيط ثم ضريبة أخرى عند بيعها للمستهلك ، وهكذا يتكرر فرض الضريبة على القيمة الاجمالية للسلعة أو الخدمة الواحدة بعد المراحل التي تجتازها . – الضريبة على القيمة المضافة : تم سنها في أغلب الدول النامية في الثمانيات بموجب سياسات التقويم الهيكلي بعد أن نجحت في الدول الراقية ، وهي تشبه الضريبة التراكمية من حيث أن كلا منهما تنصب على السلع والخدمات في كل مرحلة من مراحل الانتاج والتوزيع والاستهلاك كما تفرض الضريبتان بسعر واحد على جميع المراحل وجميع السلع والخدمات إلا أن الضريبة في حالة التراكم تفرض على القيمة الاجمالية للسلعة في كل مرحلة في حين أنها تفرض فقط على القيمة التي اضيفت إلى السلعة في حالة الضريبة على القيمة المضافة ، ويعني هذا أن الاولى تؤثر على حركة الانتاج بينما الثانية تعتبر أكثر تشجيعا نظرا لطبيعتها الحيادية اتجاه النشاط الاقتصادي ومع ذلك لها مردودية مرتفعة لأنها تحد من التملص والتهرب بفضل إجبارها للمتدخلين في النشاط الاقتصادي على إمساك دفاتر حسابية تمكمن الادارة من رقابة كل الاعمال .

    • الضرائب الجمركية : تشمل الصادرات والواردات و قد تفرض بأسعار مرتفعة لمنع دخول سلعة معينة فتسمى هنا الضرائب المانعة وقد يكون الغرض منها أهدافا سياسية وقد تحضر أهداف صحية وأخلاقية كما تفرض على المواد المنافسة للمنتوجات المحلية فهي تلعب دورين مهمين احدهما مالي والاخر اقتصادي .

    📗 خلاصة الباب

    • يواجه المشرع عند سن الضريبة ثلاثة خيارات كبرى: التوجه الاجتماعي (ضريبة شخصية تراعي ظروف الممول مقابل ضريبة فعلية لا تراعيها)، والتوجه القانوني (ضرائب مباشرة ذات حصيلة ثابتة وعادلة مقابل ضرائب غير مباشرة أكثر مرونة لكن أقل عدالة)، والتوجه الاقتصادي (ضريبة على الدخل، على الرأسمال، على الإنفاق، أو جمركية).
    • تتميز الضرائب المباشرة بثبات الحصيلة والعدالة لكنها تثير تذمر الممول وتفتقر للمرونة، بينما تتميز الضرائب غير المباشرة بالمرونة ووفرة الحصيلة لكنها تتعارض مع مبدأ العدالة لعدم مراعاتها القدرة التكليفية للمستهلك.

  • وعاء الضريبة

    📖 النظرية العامة للضريبة — الفصل 4 من 7 — فهرس الكتاب

    مدخل

    أو قاعدة الضريبة ، ويقصد بها المادة التي تكون القاعدة الاساسية لفرض الضريبة ، ومادة الضريبة هي المحل الذي تفرض عليه الضريبة سواء كان رأس مالا أو دخلا أو عملية إنفاق ويمكن أن تكون وحيدة فتفرض عليها ضريبة واحدة متنوعة فتفرض عليها ضرائب متعددة ، والاشكالية التي يطرحها الوعاء الضريبي هي معرفة على أي أساس تفرض الضريبة ؟ وهو سؤال يؤدي إلى طرح سؤالين آخرين ، من يمكن اعتباره مكلفا ؟ وما هي القاعدة أو المادة الضريبية ؟ والإجابة على هاذين السؤالين ترجع إلى الأسس الدستورية التي تؤطر الواجب الضريبي ثم إلى اختصاص السلطة التشريعية لأنا لا تسن إلا بموجب قانون ” لا ضريبة بلا قانون “

    أولا : الأسس الدستورية للواجب الضريبي

    تسعى أغلب الانظمة المالية المعاصرة إلى جعل تمويل الميزانية يتم عن طريق العائدات الجبائية لأنها تقتطع بلا مقابل فهي مقارنة مع باقي مصادر التمويل أهم وأفضل بالنسبة للميزانية المعاصرة ، ومن هنا فإن الواجب الضريبي يجد أساسه في أغلب دساتير العالم .

    ففي الدستور المغربي مثلا اي سار في نفس اتجاه الدساتير العالمية المعاصرة ينص الفصل 39 من دستور 2011 ” الجميع يتحمل كل على قدر استطاعته التكاليف العمومية وفق الاجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور “

    إذن نستنج من قراءة في الدساتير المختلفة المبادئ التالية المتعلقة بالضريبة

    • يتحملها المواطنون كل حسب استطاعته أي حسب القدرة التكليفية للمواطن

    • تحدث هذه التكاليف فقط بموجب قانون ، فمسؤولية تحديد الوعاء الجبائي تتم من خلال ممثلي الشعب أي البرلمان ، ولعل الثورات التي قامت في أوروبا كانت من أجل إرساء هذه المؤسسة السياسية التي عبر عنها مونتسكيو في كتابه روح القوانين بقوله ” إن حرية الشعب تكمن كلها في الضريبة ” وبالتالي فإن مسألة الضريبة هي التي كانت وراء نشوء وغرساء دعائم النظام البرلماني .

    ثانيا : سلطات البرلمان في تحديد الواجب الضريبي

    سلطات المؤسسة التشريعية واسعة في مجال الضريبة لكن من الخطأ الاعتقاد أن الجهاز التشريعي له كامل الحرية في سن الضريبة ، فهو ملزم بالاخذ بعين الاعتبار مجموعة من العوامل والمعطيات المرتبطة بالاطار السوسيولوجي الذي ستشتغل داخله الضريبة .

    الإطار السوسيولوجي للجباية : رغم تعدد المواد الضريبية يبقى اختيار المشرع مقيدا ببعض المبادئ ، حدد منها أدم سميث مجموعة مبادئ لسن الضريبة .

    • تفرض الضريبة على المكلف حسب قدرته واستطاعته

    • يجب أن تفرض بطريقة مدققة

    • يجب أن تفرض على المكلف بأقل مما ستدره على الخزينة

    • يجب أن تؤدى بطريقة ملائمة

    • الضريبة يجب أن تأتي داخل نظام جبائي

    • يجب أن يعمل نظام الضريبة داخل بنية اجتماعية يتأثر بها وتؤثر فيه

    الضريبة والنظام الجبائي

    الضريبة لا تكون معزولة بل إلى جانب ضرائب أخرى تشكل معها النظام الضريبي .

    النظام الجبائي والبنيات الاجتماعية

    النظام الجبائي هو انعكاس لصورة المجتمع ، لذلك فلا بد للنظام الجبائي أن يتأثر بهذه العلاقة عند تحديد المادة الضريبية ، وهناك مجموعة من العناصر تؤثر في النظام الجبائي حددها كودميت في 4 عناصر .

    • التقاليد التاريخية : تؤثر التقاليد بشكل كبير على النظام الجبائي بطرق مختلفة من بينها المناعة أو الحصانة التي يتوفر عليها هذا النظام الجبائي ، وهذه المناعة يصبح معها أي تغيير في النظام الجبائي مسألة صعبة ومن هنا نجد سبب عملية بطء الاصلاحات الجبائية ، لذلك قال بعضهم بأن مسألة الاصلاح الجبائي تعتبر اسطورة فجميع الفاعلين أحزاب ومؤسسات ومنظمات وضاغطين وباحثين ومنذ قرون وهم في بحث دائم عن نظام جبائي مثالي ، ولم يجدوه لحد الان . ونجد الادارة الجبائية نفسها تعارض الاصلاحات الجبائية وتبطئ من الاصلاحات المملاة عليها من طرف السلطة التشريعية .

    • البنيات السياسية : تؤثر البنيات السياسية ليس فقط على قيمة الضريبة بل حتى على طبيعتها ، فطبيعة النظام الجبائي هو انعكاس لطبيعة النظام السياسي حتى البعض يستطيع الحكم على طبيعة النظام السياسي هل هو ديمقراطي أو دكتاتوري من خلال نظرة فقط على النظام الجبائي ، فضعف موارد الضريبة المباشرة في الدول النامية وهيمنة الضرائب الغير المباشرة هو نتيجة ضغط الطبقة المسيطرة سياسيا والتي تواجه أي ضريبة يمكن أن تمس مصالحها وبالتالي توجه العبء الجبائي نحو الأغلبية الفقيرة عن طريق ضرائب الاستهلاك .

    • البنيات الاقتصادية : اعتماد النظام الضريبي يأتي دائما متوافقا مع البنية الاقتصادية للدولة ، فالدول المتخلفة لها أنظمة جبائية تتميز بـ – ارتفاع الضرائب الغير المباشرة الموجهة على مواد الاستهلاك – ارتفاع الرسوم الجمركية – ضعف موارد الضريبة على الدخل – ضعف الضغط الجبائي . أما الدول المتقدمة وبسبب بنياتها الاقتصادية القوية فتتميز أنظمتها الجبائية بـ : ضغط جبائي مرتفع – أهمية موارد الضريبة على الدخل – أهمية ضريبة المعاملات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي .

    • المحيط الدولي : لقد اصبح هذا العامل جد مؤثر على الأنظمة الجبائية خصوصا في زمن يتسم بالعولمة الاقتصادية مع كل ما يتبع ذلك من التخلي عن سياسة الحقوق الجمركية وتزايد الاتفاقات الدولية حول المبادلات التجارية ، كما أن الدول المتخلفة اصبحت رهينة اقتصاد المديونية فنجد أن نظمها الجبائية تسير في اتجاه البحث عن موارد لخدمة الدين أكثر مما تبحث عن سياسة جبائية تأخذ بعين الاعتبار العدالة أو الفعالية .

    📗 خلاصة الباب

    • وعاء الضريبة هو المادة الأساسية التي تُفرض عليها (رأس مال، دخل، أو إنفاق)، ولا يمكن تحديده إلا بموجب قانون تطبيقا لمبدأ “لا ضريبة بلا قانون” المكرَّس دستوريا (الفصل 39 من دستور 2011: كل يتحمل التكاليف العمومية على قدر استطاعته).
    • للبرلمان سلطة واسعة لكنها ليست مطلقة في تحديد الواجب الضريبي، إذ يتقيد بإطار سوسيولوجي يراعي التقاليد التاريخية والبنيات السياسية والاقتصادية والمحيط الدولي التي تشكل معا النظام الجبائي لكل دولة.

  • تطور مفهوم الضريبة

    📖 النظرية العامة للضريبة — الفصل 3 من 7 — فهرس الكتاب

    مدخل

    رافقت الضريبة نشوء الدول وساهمت في خلقها و إعطائها شكلا ومضمونا معينا ، وهي أحد المظاهر الاساسية لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية .

    أولا : الضريبة في النظرية التقليدية

    يقتصر دورها هنا على تحقيق الهدف المالي على حسب مقولة جيزي : هناك نفقات عمومية يجب تغطيتها ” ، مقولة ستون : ” الجباية هي الاستجابة لتمويل الخدمات العامة “

    وقد لخص آدم سميث في كتابه ثروة الأمم القواعد التي ينبغي أن يقوم عليها نظام الضرائب الأمثل وهي تعبير عن النظرة التقليدية للفكر المالي التقليدي .

    • قاعدة المردودية : يعني أن تكون ذات مردودية لتغني عن اللجوء للاقتراض أو إصدار النقد ، هكذا لجأت الدول على التركيز على الضرائب ذات المردودية الأكيدة والمرتفعة كالضريبة على الاستهلاك التي لا تطرح مشكل التهرب .

    • قاعدة الاقتصاد : وتعني انخفاض تكاليف الجباية إلى الحد الادنى بحيث لا تنتزع من الممول إلا بأقل ما يمكن وبالنسبة لتكاليفها ومحصولها يجب أن تكون معقولة .

    • قاعدة المساواة : مبدأ نتج عن مبدأ المساواة أمام القانون ، لذلك أحدثت الأسعار النسبية لتقتطع الأموال بصرف النظر عن الحالة الخاصة والشخصية لكل ممول ، وقد طبقت بأساليب اختلفت حسب الزمان والمكان وهي تستند على أساس المساواة في التضحية .

    • قاعدة الحياد : أي أن الدولة تهتم فقط بالمجال الأمني ولا تتدخل في المجال الاقتصادي فلا يمكن أن تستغل للتوجيه الاقتصادي أو التوازن الاجتماعي فالحياد يجب أن يكون مطلقا لاحترام تقسيم الوظائف بين الدولة والقطاع الخاص .

    • قاعدة الملاءمة : أي أن تكون ملائمة من حيث الوقت وطريقة الدفع بعد فترة من تحقيق الارباح مع إجراءات تحصيل مبسطة .

    ثانيا : الضريبة في النظرية الحديثة

    حيث أصبحت الضريبة وسيلة فعالة لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومساعدة اصحاب الدخل المحدود والدعم الاجتماعي .

    • الجباية وسيلة لتدخل الدولة : وعليه تم التخلي عن مبدأ الحياد الجبائي وتوسع مفهوم الضريبة ، وهكذا ظهرت مفاهيم جديدة في تحليل السياسة الجبائية كالحوافز الجبائية والتسهيلات الجبائية والعدالة بواسطة الضريبة عوض العدالة أمام الضريبة و فعالية الاجراءات الجبائية . ويبقى خلاف حول فعالية الجباية في التدخل الاقتصادي ، لكن عموما اصبح التدخل عبر الجباية مكونا أساسيا من مكونات السياسة الجبائية المعاصرة ووسيلة لتفادي الهزات الاقتصادية والتخفيف من اللامساواة الاجتماعية .

    • التدخل الجبائي والتنمية : أغلب توصيات المنظمات الاقتصادية تشير إلى ضرورة اعتماد النظام الضريبي كوسيلة لتحقيق التنمية وليس فقط لتحقيق الموارد المالية لكن أغلب التحاليل تشير إلى محدودية نتائج هذه السياسة بحيث أن الدول النامية لم تستطع إدماج تقنية الجباية كعامل مساعد على التنمية . ويبدو أن التدخل الجبائي اصبح تعبيرا واضحا عن السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدول .

    • من المساواة أمام الضريبة إلى المساواة بواسطة الضريبة : المساواة عند التقليديين تعني أن المواطنين كانوا ملزمين بتحمل نفس الضريبة بسعر واحد يتم تحديده نسبيا وقد استمدت هذه المساواة قوتها من مبدأ المساواة أمام القانون ، لكنها لم تأخذ بعين الاعتبار الوضعية الخاصة لكل ممول مما أحدث خللا على مستوى الواقع ، وقد اضطر الفقهاء إلى إدخال تعديلات على هذه المساواة أمام الضريبة سعيا وراء تحقيق مساواة عن طريق الضريبة ، فظهر أسلوب التصاعد الذي يؤدي إلى ارتفاع الضريبة بارتفاع الدخل ، وكذا أسلوب التمييز في الاسعار المطبقة في الضرائب على الاستهلاك وبين المواد الكمالية . هكذا تم إحلال العدالة العمودية القائمة على التمييز بناء على القدرة التكليفية محل العدالة الأفقية التي لا تعتبر حالة كل ممول .

    • مفهوم النفقات الجبائية كإطار نظري لتحليل سياسة التدخل الجبائي : عرفتها بعض التشريعات بأنها مجموع خسارة الايرادات للحكومة نتيجة الإجراءات التحفيزية لبعض الاشخاص الذاتيين أو المعنويين في إطار أنشطتهم الخاصة ، و مفهوم النفقات الجبائية هو الاطار النظري لدراسة وعقلنة ظاهرة استعمال الجباية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية لكن استعماله ما زال مقتصرا على الدول المتقدمة . فالتدخل الجبائي يحدث خسارة مالية ويفوت على الخزينة موارد مهمة وبالتالي بمعرفة تكلفة سياسة التدخل ، وقد استعمل لأول مرة سنة 1967 في الولايات المتحدة حيث تمت إعفاءات وتخفيضات واسقاطات من الضريبة اعتبرت مساعدة مالية لصالح بعض المكلفين و نفقات عمومية لها نفس أهداف النفقات المباشرة .

    📗 خلاصة الباب

    • في النظرية التقليدية اقتصر دور الضريبة على الهدف المالي البحت، ولخّص آدم سميث قواعدها المثلى في: المردودية، الاقتصاد في التحصيل، المساواة، الحياد (عدم تدخل الدولة اقتصاديا)، والملاءمة.
    • في النظرية الحديثة أصبحت الضريبة أداة تدخل فعالة للدولة في الاقتصاد، فتخلى المشرع عن مبدأ الحياد الجبائي، وتطور مفهوم المساواة من المساواة أمام الضريبة (سعر موحد) إلى المساواة بواسطة الضريبة (التصاعد حسب الدخل والقدرة التكليفية).

  • تعريف الضريبة وتمييزها عن الرسم

    📖 النظرية العامة للضريبة — الفصل 2 من 7 — فهرس الكتاب

    تعريف الضريبة وأساسها

    هي قسط من النقود يلتزم الممولون بأدائه للسلطات العمومية بكيفية إجبارية وبدون مقابل معين طبقا لقواعد مقررة حتى تتمكن هذه السلطات من تحقيق أداف المجتمع .

    أركان الاساس النظري للضريبة

    • الضريبة مبلغ من النقود : يتم أداؤه ولا شيء غير النقود

    • الضريبة اقتطاع إجباري : فليس للفرد الخيار بل هو مجبر لدفعها للدولة وإذا ما حاول التهرب يعاقب أو يحجز على أمواله أو تنفذ إحدى طرق التنفيذ الاجباري ، وقد نصت أغلب الدساتير على أن لا تفرض الضريبة أو تعدل أو تلغى إلا بموجب قانون يوافق عليه ممثلو الأمة .

    • الضريبة واجب بدون مقابل : فلا يقابله أي خدمة أو منفعة

    مببرات فرض الضريبة

    • نظرية التعاقد : عند روسو تأخذ الضريبة صفة التعاقدية بين الفرد والدولة حيث تدفع مقابل الأمن والعدل وسائر الخدمات التي تؤمنها الدولة بما يجعل المواطن مطمئنا على حياته وأمواله . فهذه النظرية توجب التعادل بين الخدمات المقدمة من جهة وبين ما يتحمله الفرد من ضرائب ، وقد اعتبرت هذه النظرية غير صحيحة لأنه من الصعب أن يكون هناك تكافؤ بين ما يدفعه الفرد من ضريبة وما يتلقاه من خدمات من الدولة ، وعلى هذا الاساس فالفقراء يجب أن يدفعوا ليستفيدوا .

    • نظرية السيادة : تعتب رالدولة سيدة على اقليمها و رعاياها ، وفرض الضريبة يعني ممارسة سلطة التشريع وهي سلطة وضع قوانين والضريبة بما أنها قانون فمن البديهي أن التسليم بمفهوم السيادة يستلزم حق الدولة في فرض جميع الاعباء العمومية كخدمة العلم وحق الاستملاك وفرض الضرائب .

    • نظرية التضامن الاجتماعي : المفهوم الحديث للضريبة هو الذي يشرح بصورة منطقية وواقعية الأساس الصحيح الذي تقوم عليه الضريبة ، وهو اليوم يجد أساسه في نظرية التضامن الاجتماعي فمن البديهي أن يساهم المواطنون كل على حسب قدرته في تحمل أعباء المرافق العامة التي تهمهم فالأمة عائلة كبيرة وليس شركة مساهمة فكل عضو في هذه العائلة يجب أن يساهم في النفقات العمومية ليس بقدر ما يحصل عليه من منافع بل وفقا لمقدرته على الدفع .

    التمييز بين الضريبة والرسم

    الرسم هو عبارة عن مبلغ من النقود يدفعه الفرد إجباريا إلى الدولة مقابل نفع خاص يحصل عليه من قبل إحدة الهيئات العامة .

    خصائص الرسم

    • الصفة النقدية

    • الالزام أو الجبر

    • المنفعة الخاصة التي تعود على دافعه

    • تحقيق منفعة عامة إلى جانب المنفعة الخاصة

    أوجه اختلاف الضريبة والرسم

    • من ناحية مصدر القوة الملزمة : الضريبة تفرض بقانون أما الرسم فيصدر عن السلطة التنفيذية لكن مستندا إلى قانون

    • من ناحية مدى تحقق النفع للمكلف : الضريبة تؤدى دون مقابل بينما الرسم مقابل خدمة

    • من حيث الهدف : الضريبة لها أهداف مالية واقتصادية واجتماعية بينما الرسم هو تحقيق إيراد للخزانة العامة للدولة أو تنظيم استخدام الخدمات

    • من ناحية أهمية كل منهما في المالية الحديثة : تؤدي الضريبة دور اقتصادي واجتماعي مهم عكس الرسم الذي تبقى محدود الدور .

    📗 خلاصة الباب

    • الضريبة مبلغ نقدي يلتزم الممولون بأدائه إجباريا وبدون مقابل مباشر لتمكين الدولة من تحقيق أهدافها، خلافا للرسم الذي يُدفع مقابل نفع خاص محدد يحصل عليه دافعه.
    • تعاقبت ثلاث نظريات لتبرير فرض الضريبة: نظرية التعاقد (روسو: مقابل خدمات الدولة)، ونظرية السيادة (ممارسة الدولة سلطتها التشريعية)، ونظرية التضامن الاجتماعي (المفهوم الحديث السائد: كل يساهم بحسب قدرته لا بحسب ما يستفيده).
    • يختلف الرسم عن الضريبة من حيث مصدر الإلزام (قانون مقابل قرار تنفيذي) ووجود مقابل مباشر وأهدافه (إيراد محدود مقابل أهداف مالية واقتصادية واجتماعية واسعة للضريبة).

    ◀ الفصل السابق: تقديم

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: تطور مفهوم الضريبة

  • العقود الإدارية

    📖 النشاط الإداري — الفصل 5 من 5 — فهرس الكتاب

    أولا: تعريف العقد الإداري وشروطه وأنواعه

    العقد الإداري هو الذي تقوم الادارة بالدخول في علاقة تعاقدية مع الأفراد أو مع أشخاص القانون العام أو مع أشخاص القانون الخاص، هذه العلاقة ينشأ عنها التزامات وحقوق الطرفين، وهذه العقود تجلي بوضوح امتيازات السلطة العامة غير المألوفة بشروط استثنائية لفائدة خدمات المرافق العامة أو ابرام صفقات عمومية ملأ عام تخدم الصالح العام أو الدولة، هذا الاداري لا يعتبر طرفا في العقد الا اذا توافرت فيه أن يكون هناك شخص معنوي عام طرفا في العقد، وأن يتعلق ابرام العقد الاداري بتسيير مرفق عام، وان تسلك الادارة لتطبيق مقتضياته امتيازات السلطة العامة ووسائل القانون العام.

    أنواع العقود الإدارية

    أولا: أن يكون شخص معنوي طرفا في العقد. ثانيا: أن يتعلق ابرام العقد الاداري بتسيير مرفق عام: علاقة العقد بالمرفق العام إذا كانت جوهرية لتحديد طبيعة العقد الاداري والجهة والمصلحة المرفقية أو المؤسساتية والمصلحة العامة، ومن هنا يقرر عقودا بابرام العقد لتسيير مرفق عام إذا لا كافية لإعطائه هذا الوصف وهذا ما اكد عليه لطبيعة القانون الاداري وعقوده أن يبرم العقد الاداري بتسيير مرفق عام.

    ثالثا: امتيازات السلطة العامة: يتميز هذا الشرط أساسيا للعقد الاداري وهو أهم ما يميز موضوعه وهو ما يحتوي على ما يبرم من قبل تجمعات المتعاقد، فالإدارة من خلال العقد تقرر أهدافا خارج القانون العام على الشروط الاستثنائية وغير مألوفة في العقود التي تبرمها الادارة مع المتعاقد بحاجة بعده يظهر الاشتراطات الاستثنائية كذلك من خلال الوسائل الاعادة الحكومي معها بالمتعاقد فبإذا كانت المعتاد المدون تنفيذها لعقد الاداري نزع الملكية بحق شرط ازنع رسوم الملكية.

    الفقرة الثانية: أنواع العقود الإدارية. أولا: عقود ادارية بطبيعتها: وهي العقود التي لا يوجد نص قانوني يستفاد منه انها عقود ادارية، ولهذا هناك جانب اخر يرى ان هناك عقودا بالعقد الاداري غير المسماة يمكن اعتبارها عقودا مؤسسة أصلا في مناقشة الشروط الثلاثة التي ذكرناها في العقد الاداري. ثانيا: العقود الادارية بنص القانون: وهي التي نص القانون على أنها عقود ادارية ووضع لها نظاما خاصا نظاما قانونيا خاصا منها بلا حاجة الفقه أو الشروط التي ذكرناها في النحو التالي: عقد التزام المرفق العام، عقد الأشغال العامة (اتفاق بين الادارة وأحد الأفراد أو الشركات بقصد بناء أو ترميم وصيانة عقارات لحساب شخص معنوي عام)، عقد التوريد، عقد النقل، عقد تقديم المعاونة، عقد القرض العام، وعقد إيجار الخدمات.

    ثانيا: امتيازات الإدارة في العقد الإداري

    امتيازات وسلطات الادارة كأطراف في العقد الادارية على اعتبار طبيعة العقد الاداري لتنفرد بامتيازات واسعة في هذا المجال غير مألوفة في العلاقات التعاقدية المتضمنة في العقد والقواعد المائة العامة التي يحتوي عليها المتعاقد التي تحتوي عليها اختلاف العقود الادارية.

    1- حق الإدارة في التوجيه والاشراف والرقابة على تنفيذ العقد

    نظرا لكون الادارة طرفا في العقد الاداري وهي تتمتع بامتيازات السلطة العامة، فان هذا الحق يعطيها الحق في اشراف على كيفية تنفيذ الالتزامات التعاقدية بالادارة وتوجيهه في هذا المجال ضمانا لسلامة المتعاقد للمساءلة القانونية.

    2- حق الإدارة في توقيع الجزاءات على المتعاقد

    كل اخلال من طرف الملتزم بالتزاماته التعاقدية يودي الى توقيع جزاءات عليه تتخذ صفة الجزاء المالي والضغط والاكراه بل انهاء العقد والفسخ، ويمكن اجبار المتعاقد على تنفيذ التزاماته من غيره وتحمل المتعاقد مسؤولية من ذلك وتوقيع جزاءات عليه.

    3- سلطة الإدارة في تعديل شروط العقد

    للإدارة الحق في تعديل شروط العقد المتعاقد معها دون موافقة انفرادية بكيفية منفردة، لكن الادارة لا يمكن أن تمس شروط العقد المالية والمتصلة بالمزايا المالية المعترف بها للمتعاقد.

    4- سلطة الإدارة في انهاء العقد أو فسخه

    سلطة انهاء العقد الاداري من اهم السلطات التي تتمتع بها الادارة في مواجهة المتعاقد معها الاداري حتى ولم يرتكب خطأ.

    ثانيا: حقوق المتعاقد مع الإدارة

    هذه الحقوق تطعى عليها مبادئ أساسية تجد سندها في واقع مفاده أن المتعاقد مع الادارة يستهدف تحقيق الربح والمصلحة الخاصة، وغالبا يمكن حصر حقوقه في ضوء ممارسة على ثلاثة أمور: الحصول على المقابل المادي (النقدي أو العيني)، وحق اقتضاء التعويض، والتوازن المالي للعقد.

    نظريات التوازن المالي للعقد

    نظرية فعل الأمير: وضع اطارها مجلس الدولة الفرنسي، ويراد بها جميع الأعمال المشروعة التي تصدر عن السلطة المتعاقدة وتؤدي إلى الاخلال بالتوازن المالي المتعاقد. نظرية الظروف الطارئة: من خلق مجلس الدولة الفرنسي، الذي أقرها في حكمه بتاريخ 30-3-1916 بشأن قضية إنارة مدينة «بوردو»، ولتطبيق هذه النظرية يجب وقوع حوادث استثنائية عامة غير متوقعة بعد ابرام العقد، وأن يؤدي الظرف الطارئ إلى إلحاق خسائر غير مألوفة للمتعاقد. نظرية الصعوبات المالية غير المتوقعة: يترتب على تطبيق هذه النظرية ضرورة تعويض المتعاقد إذا ظهرت صعوبات مالية أثناء تنفيذه لالتزاماته، وغالبا ما تظهر هذه الصعوبات في صورة ظواهر طبيعية استثنائية وغير متوقعة عند ابرام العقد.

    📗 خلاصة الباب

    • العقد الإداري يشترط اجتماع ثلاثة شروط: شخص معنوي عام طرفا فيه، ارتباطه بتسيير مرفق عام، وتضمنه شروطا استثنائية من امتيازات السلطة العامة.
    • من أنواعه العقود الإدارية بطبيعتها والعقود الإدارية بنص القانون: التزام المرفق العام، الأشغال العامة، التوريد، النقل، المعاونة، القرض العام، وإيجار الخدمات.
    • تتمتع الإدارة بامتيازات واسعة: التوجيه والرقابة، توقيع الجزاءات، تعديل شروط العقد، وإنهاؤه أو فسخه.
    • في المقابل للمتعاقد حق الحصول على المقابل المادي والتعويض والتوازن المالي للعقد، المكفول بثلاث نظريات: فعل الأمير، الظروف الطارئة، والصعوبات المادية غير المتوقعة.

📚 المكتبة القانونية