المدونة

  • الباب الثالث: تنفيذ عقد التأمين والتزامات أطرافه أثناء سريانه

    📖 قانون التأمين — الفصل 4 من 6 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول: التزامات المؤمن له

    المبحث الأول: التصريح بالخطر

    يلتزم المؤمن له بالتصريح الدقيق والصادق بجميع الظروف المعروفة لديه والتي من شأنها أن تجعل المؤمن يقدر الخطر تقديرا صحيحا، سواء عند اكتتاب العقد (الإقرار الأولي) أو أثناء سريانه إذا طرأت ظروف جديدة من شأنها تشديد الخطر أو خلق أخطار جديدة. يُعد هذا الالتزام من أهم التزامات المؤمن له لأن قسط التأمين وقبول المؤمن أصلا يُبنيان عليه.

    يُميّز المشرع المغربي بين حالتين: سوء النية (الكتمان أو التصريح الكاذب عمدا) الذي يُرتب البطلان المطلق للعقد مع احتفاظ المؤمن بالأقساط المستحقة كتعويض، وحسن النية (النسيان أو الخطأ غير المقصود) الذي يرتب إما زيادة القسط تناسبيا إذا اكتُشف قبل وقوع الخطر، أو تخفيض التعويض بنسبة القسط المدفوع فعليا إلى القسط الذي كان يجب دفعه لو صُرِّح بالخطر الحقيقي إذا اكتُشف بعد وقوعه.

    المبحث الثاني: دفع القسط وجزاء عدم الأداء

    يلتزم المؤمن له بأداء القسط في الآجال المتفق عليها في بوليصة التأمين، وهو التزام جوهري يقابل التزام المؤمن بضمان الخطر. في حالة عدم أداء القسط داخل عشرة أيام من تاريخ الاستحقاق، يوجه المؤمن إنذارا للمؤمن له، وإذا انصرم أجل عشرين يوما من تاريخ الإنذار دون أداء، يُعلَّق الضمان (فلا يستفيد المؤمن له من التغطية إن وقع الخطر خلال فترة التعليق)، ثم يحق للمؤمن فسخ العقد بعد ذلك.

    الفصل الثاني: التزامات المؤمن

    المبحث الأول: ضمان الخطر المؤمَّن منه

    يلتزم المؤمن بضمان الخطر المحدد في العقد طيلة مدة سريانه، أي بتحمل تبعات وقوعه بحسب الشروط والاستثناءات المنصوص عليها في بوليصة التأمين. يمتد هذا الالتزام إلى ضرورة إعلام المؤمن له بأي تعديل يطرأ على الضمان (كتخفيضه أو استثناء أخطار جديدة) قبل تجديد العقد.

    المبحث الثاني: أداء التعويض عند تحقق الخطر

    متى تحقق الخطر المؤمَّن منه وأخطر المؤمن له المؤمن به داخل الأجل المتفق عليه (خمسة أيام عموما، تقل إلى يومين في حالات السرقة وأربع وعشرين ساعة في حالة نفوق الماشية)، يلتزم المؤمن بتقدير التعويض ودفعه للمؤمن له أو المستفيد داخل الآجال التي تحددها مدونة التأمينات أو العقد، مع إمكانية اللجوء إلى الخبرة لتقدير حجم الضرر في التأمينات على الأضرار.

    📗 خلاصة الباب

    • أثناء سريان عقد التأمين، يلتزم المؤمن له بالتصريح الصادق بالخطر عند الاكتتاب وبكل تفاقم لاحق له، وبأداء القسط في آجاله تحت طائلة تعليق الضمان ثم الفسخ، بينما يلتزم المؤمن بضمان الخطر ودفع التعويض عند تحققه داخل الآجال القانونية والتعاقدية.
    • يُميَّز في التصريح بالخطر بين سوء النية (بطلان مطلق) وحسن النية (تعديل تناسبي للقسط أو التعويض)، وهو تمييز جوهري يحكم أغلب المنازعات العملية في هذا المجال.

  • الباب الثاني: إبرام عقد التأمين

    📖 قانون التأمين — الفصل 3 من 6 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : أطراف عقد التأمين وكيفية إبرامه

    المبحث الأول : أطراف عقد التأمين

    أطراف عقد التأمين يطلق عليه أشخاص عقد التأمين ، ولا يقتصرون فقط على المؤمن والمؤمن له بل يتجاوزون ذلك ليشمل كل من كان له دور في إبرام عقد التأمين سواء من ناحية المؤمن أو المتعاقد معه وبذلك يتميز عقد التأمين بتعدد أشخاصه ، لكنه يبرم عادة بين طرفين .

    المطلب الأول : المؤمن

    هو الذي يباشر عمليات التأمين وغالبا ما يتخذ شكل شركة مساهمة لها شخصية قانونية تقوم بجمع الأقساط من المتعاقدين معها وتتحمل عنهم عبء الأخطار التي تحدق بهم والأصل في ذلك الحصول على الربح و ليس التضامن فيكون هنا التأمين تجاريا ، وشركات التأمين التي حددها المشرع المغربي تتخذ شكل مقاولة التأمين أو إعادة التأمين وهي مستقلة تماما الاستقلال عن المؤمن لهم ، وحتى يتم مباشرة عملها لا بد من خطوات مهمة يجب اتباعها حددها المشرع في المواد 154-160-162-163-166-167-169-170-171-173 ، أما الشركات التعاضدية للتأمين فتقوم بالمغرب كما نصت المادة 173 على أساس تحقيق التعاون بين جميع الأشخاص المنخرطين فيها وتعويض الاضرار التي تلحق أحدهم عند تحقق خطر معين فهي شركات الهدف منها ليس الربح بل التضامن ونلاحظ في الشركات التعاضدية اختلاط شخص المؤمن والمؤمن له بينما ينفرد المؤمن بشخصيته المستقلة في شركات المساهمة حيث يتم التعاقد عن طريق وكيل التأمين فيكون إما وكيلا مفوضا فتكون له سلطة ابرام العقد وتوقيعه وفسخه وقبض الاقساط أو يكون وكيلا مندوبا فتكون له أيضا سلطة التعاقد لكن لا يتدخل في تعديل العقد أو الخروج عن رغبة المؤمن الأصل أو سمسارا غير مفوض فيقدم طلباتهم إلى المؤمن فقط مقابل مكافأة .

    وكيل التأمين : هو الشخص المخول له من طرف مقاولة التأمين ليعرض على العموم العمليات المنصوص عليها في المادتين 159 و 160 ، المادة 159 ” يراد بعمليات التأمين كل العمليات المتعلقة بتغطية أخطار تخص شخصا أو مالا أو مسؤولية ، وترتب هذه العمليات حسب أصناف تحدد قائمتها بنص تنظيمي ويراد بعمليات إعادة التأمين كل عمليات قبول أخطار محاولة من مقاولة التأمين وإعادة التأمين “

    ويمكن لوكيل التأمين تمثيل مقاولتين للتأمين وإعادة التأمين على الاكثر شريطة أن يحصل على موافقة المقاولة التي أبرم معها أول اتفاق تعيين ، وفي حالة كون وكيل التأمين شركة مساهمة أو ذات مسؤولية محدودة يتعين تمثيلها بشخص طبيعي يستوفي الشروط المنصوص عليها في المادة 304 .

    شركة سمسرة التأمين : تعتبر شركة ممثلة لزبناءها لدى مقاولة التأمين وإعادة التأمين وكذلك ممثلة لمقاولة التأمين وإعادة التأمين عندما تقوم شركة السمسرة بتحصيل أقساط التأمين لفائدتها بعد الترخيص بذلك مما برئ ذمة الزبون . وقد أوجب المشرع المغربي أن تكون شركة السمسرة شركة مساهمة أو شركة ذات مسؤولية محدودة وفي كلتا الحالتين تعين مسؤولا طبيعيا عنها .

    الفرع الثاني : سعادة التأمين

    من الاشخاص الطبيعيين الذين رخص لهم من طرف وسطاء التأمين أو مقاولات التأمين من أجل مزاولة مهنتهم التي تقتصر فقط على زيارة الأشخاص بصفة اعتيادية أو في محل سكناهم أو الاماكن العمومية من أجل الدعوة إلى اكتتاب عقد التأمين أو عرض شروط الضمان المتعلقة بعقد التأمين إما شفويا أو كتابة على مكتتب محتمل وهو ما أكدته المادة 290 من مدونة التأمين الجديدة.

    المطلب الثاني : المؤمن له

    هو الطرف الثاني في العقد وله تسميات متعددة حسب كل تشريع وطني ، فقد يطلق عليه المستأمن أو المكتتب أو طالب التأمين أو الضامن ، وتجتمع فيه 3 صفات فهو المتعاقد الذي يبرم التأمين مع المؤمن وهو المهدد بالخطر وهو المستفيد الذي تدفع إليه قيمة التأمين .

    ويمكن التأمين على كل مصلحة مباشرة أو غير مباشرة ، فالتأمين على الاشياء تظهر المصلحة في الخسارة المالية التي تصيبه بسبب هلاك الشيء المؤمن عليه ، الحريق مثلا ، أما التأمين من المسؤولية عن حوادث السير فتتجلى المصلحة في مبلغ التعويض الذي يلزم له بالأداء بسبب تحقق مسؤوليته اتجاه المضرور . واشترط المشرع المغربي في المادة 40 أن يكون للمؤمن له مصلحة في بقاء الشيء المؤمن عليه التي هي عدم تحقق الخطر .

    هناك ثلاثة صفات : المؤمن له ، المؤمن عليه ، المستفيد ، فقد تجتمع هذه الصفات وقد تفترق

    والمؤمن له يظهر في ثلاثة حالات :

    الحالة 1 : يكون المؤمن له شخصا والمستفيد شخصا آخر ، التأمين على الحياة ليستفيد اولاده

    الحالة 2 : تجتمع صفة طالب التأمين والمستفيد في شخص واحد بينما يأخذ صفة المؤمن عليه شخص آخر ، مثال ذلك أن يؤمن الدائن لصالحه على حياة مدينه .

    الحالة 3 : حيث يعقد فيها الشخص تأمينا لحساب من يثبت له الحق أو لحساب ذي مصلحة .

    المطلب الثالث : الأشخاص المتصلون بالعقد

    يتميز عقد التأمين بكثرة المتدخلين فمن جهة المؤمن نجد الوكيل المفوض أو مندوب التأمين بالتوكيل العام أو السمسار غير المفوض ، سماهم المشرع المغربي وسطاء التأمين وقسمهم إلى نوعين وكيل التأمين وشركة السمسرة أو سعادة التأمين .

    الحالة 1 : المتعاقد لا يكون مستفيدا ، فيجب أن نفرق بين شخص المتعاقد وشخص المستفيد

    الحالة 2 : تجتمع صفات المتعاقد و المؤمن له والمستفيد

    المبحث الثاني : كيفية إبرام العقد

    المطلب الأول : إبرام عقد التأمين من الناحية القانونية

    عقد التأمين كسائر العقود الرضائية له مجموعة الاركان القانونية التي يجب توفرها من أجل انعقاد العقد وهي عنصر التراضي والأهلية وخلو الارادة من العيوب والمحل والسبب .

    الفرع الأول : عنصر التراضي

    هو ركن جوهري في عقد التأمين لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال من الأحوال ، ما لم تشترك شركة التأمين شرطا آخر كدفع القسط الأول من أجل سريان العقد ، والقاعدة أن أمثال هذا الشرط لا يؤدي إلى تأجيل انعقاد العقد ما لم تنصرف إرادة الطرفين إلى غير ذلك ، إنما يؤدي ذلك إلى تأجيل تنفيذ العقد . أما إذا قصدت إرادة المتعاقدين تحقيق الشرط فيكون توقيع العقد ودفع القسط ركنا ملزما لانعقاد عقد التأمين وينقلب عقد التأمين من عقد رضائي إلى عقد شكلي ، والمشرع المغربي أباح كتابته في عقد رسمي من أجل اثباته واعتبر الكتابة شرا للإثبات وليس شرطا للتنفيذ .

    الفرع الثاني : صحة التراضي

    رغم وجود الرضا بين الطرفين إلا أن هذا لا يكفي ، فهناك شروط معينة يجب توفرها للصحة .

    هذه الشروط هي الأهلية والخلو من عيوب الارادة و وجود محل التعاقد و سبب العقد .

    البند الأول : توفر الأهلية ، وهو ينصب على المؤمن والمؤمن له ، فالمؤمن غالبا ما يكون شركة مساهمة أما المؤمن له فيشترك فيه أن يكون شخصا بالغا راشدا أما ناقص الأهلية فيجوز له ابرام عقد التأمين في حدود الاذن الذي منح له .

    البند الثاني : الخلو من عيوب الارادة ، ولك كباقي العقود التي تسري عليها النظرية العامة للالتزامات والعقود . فالمؤمن له يجب أن لا يتوفر فيه التدليس أو الغبن أو الاكراه أو تصريح كاذب أو كتمان أمر مهم يهم الخطر أو ينقص من أهميته أما المؤمن فكثيرا ما يقع في الغلط ويسمى غلطا جوهريا فيكون عقد التأمين قابلا للابطال ، وفي حالة التدليس من المؤمن له فالمشرع أباح لمؤمن الحصول على الاقساط والاستفادة منها .

    البند الثالث : المحل ، هو ثلاثة عناصر الخطر والقسط والمبلغ ، القسط يلتزم به المؤمن له أما المبلغ يلتزم به المؤمن أما الخطر فهو محل التزام كل منهما .

    البند الرابع : السبب ، هو الباعث من وراء التعاقد ، وهو هنا التزام المؤن له بدفع الاقساط مقابل التزام المؤمن بدفع مبلغ التأمين عند تحقق الخطر فهو التزام من الطرفين .

    المطلب الثاني : إبرام عقد التأمين من الناحية العملية

    الفرع الأول : مرحلة اقتراح التأمين

    وهنا يقترح المؤمن له طلب التأمين على المؤمن ، وقد يعرض وسطاء التأمين أو سماسرة التأمين على المؤمن له ذلك ، فيسلم المؤمن للمؤمن له قبل الاكتتاب بيانا للمعلومات يبين فيه الضمانات والاستثناءات المتعلقة بها و سعر هذه الضمانات والتزامات المؤمن له وقد عرفته المادة 1 بمقترح التأمين . وقوته القانونية حسب المادة 10 غير ملزمة للمؤمن أو المؤمن له . وحتى طلب التعاقد المقدم من طرف المؤمن له أو سماسرة التأمين أو الوكلاء لا يعد عقدا .

    الفرع الثاني : مرحلة مذكرة التغطية المؤقتة

    عندما يرسل طالب التأمين طلب التأمين إلى المؤمن ، يحتاج هذا الأخير إلى وقت لدراسته فهو مجرد دعوى للتعاقد ، والمؤمن غير ملزم بالقبول أو الرفض خلال مدة معينة ، وفي انتظار رد المؤمن و خوفا من حدوث الخطر قد يلجأ إلى مساعدة المؤمن له للحصول على ضمان مباشر بمجرد تقديم طلب التأمين عن طريق مذكرة التغطية المؤقتة يتعهد من خلالها المؤمن بأن يتحمل مباشرة بصفة مؤقتة حتى يتم ابرام العقد .

    الفرع الثالث : وثيقة التأمين أو بوليصة التأمين

    البند الأول : ماهية بوليصة التأمين وشروطها

    أولا : ماهية بوليصة التأمين ، يتحرر عقد التأمين في وثيقة تسمى بوليصة التأمين ، التي يوقعها الطرفان ، عرفها المشرع المغربي ” هي وثيقة تجسد عقد التأمين وتبين الشروط العامة والخاصة “

    واشترط المشرع أن تكون مكتوبة بحروف بارزة ولا فرق أن تكون مكتوبة باليد أو آلة الكتابة وإن كانت أغلب عقود التأمين مكتوبة بالألة الكاتبة ولا يشترك كتابتها بالعربية فيمكن ذلك بالفرنسية .

    ثانيا : شروط بوليصة التأمين ، هناك شروك عامة وخاصة ، فالعامة هي شروط عامة يجب أن تتضمنها كل بوليصة تأمين و تضعها الشركة على حسب نموذج معد لذلك أما الشروط الخاصة فتختلف من بوليصة لأخرى حسب نوع التأمين .

    البند الثاني : البيانات التي تتضمنها بوليصة التأمين

    حددتها المادة 12 من المدونة الجديدة ، التأريخ في اليوم الذي تم التعاقد فيه ، ذكر الشروط العامة والخاصة ، اسم و موطن الاطراف المتعاقدة ، الأشياء المؤمن عليها ، الأشخاص المؤمن لهم ، طبيعة الأخطار المضمونة ، التاريخ الذي يبتدئ فيه ضمان الخطر ومدة صلاحية الضمان ، مبلغ الضمان ، القسط أو اشتراك التأمين ، شرط الامتداد الضمني إذا تم التنصيص عليه ، حالات وشروط تمديد العقد أو فسخه أو انتها أثره ، التزامات المؤمن له عند الاكتتاب فيما يخص التصريح بالخطر وبالتأمينات الأخرى التي تغطي نفس الخطر ، شروط وكيفية التصريح الواجب القيام به في حالة وقوع حادث ، الأجال التي يتم داخلها أداء التعويض أو رأس المال أو الايراد المسطرة والقواعد المتعلقة بتقييم الاضرار من أجل تحديد مبلغ التعويض بالنسبة للتأمينات غير تأمينات المسؤولية . هذا هو الحد الأدنى للبيانات الواجب اشتمال بوليصة التأمين عليها وهي ليست على سبيل الحصر بل هي بيانات جوهرية يجب أن تشتمل أي بوليصة تأمين عليها يضاف إليها البيانات الاخرى المتفق عليها بين المتعاقدين .

    البند الثالث : سريان تنفيذ بوليصة التأمين

    أحيانا يعلق تنفيذ العقد حتى يدفع القسط الأول من التأمين فهو في هذه الحالة عقد عيني لا يتحمل المؤمن تبعة تحقق الخطر قبل دفع القسط الأول ، لذلك يعمد في بوليصة التأمين إلى اشتراط سريان تنفيذ العقد في ظهر اليوم الموالي لدفع القسط الأول ، وقد يعلق سريان التنفيذ حتى يوقع عليها كل من المؤمن والمؤمن له ، وتأجيل تنفيذ العقد لا يكون إلا شرطا كباقي الشروط المنضوية في العقد .

    البند الرابع : تفسير بوليصة التأمين

    يخضع تفسير عقد التأمين للقواعد العامة في تفسير العقود شأنه شأن كافة العقود طبقا للمادة 461 من ق ل ع والقاضي يتدخل ليفسر العقد و استخلاص نية المتعاقدين والقاضي يرجع غالبا للمؤمن له لأن المؤمن يتحمل مسؤولية الصياغة الغامضة فالمؤمن له غالبا ما يكون طرفا مذعنا في عقد التأمين كما أن بطلان الكثير من الشروط يكون نظرا للشروط التعسفية في عقد التأمين .

    البند الخامس : إثبات بوليصة التأمين

    إثبات بوليصة التأمين عن طريق الوثيقة والكتابة هي الأداة الأساسية في اثبات العقد .

    حالة عدم وجد وثيقة التأمين : يتم الاثبات عن طريق الخطابات المتبادلة أو ايصال ؤقت يثبت دفع القسط كما يمكن أن تكون المذكرة المؤقتة دليلا على وجود عقد التأمين

    حالة ضياع أو اتلاف وثيقة التأمين : يجوز للمؤمن له طلب نسخة من العقد من المؤمن مع تحمل صوائر استخراجها .

    الفرع الرابع : ملحق بوليصة التأمين

    يجد المتعاقدان بعد انعقاد العقد وتحرير الوثيقة ما يقتضي إدخال تعديلات على شروط الوثيقة كإضافة مخاطر جديدة أو تعديل أوصاف الخطر أو تغيير المستفيد أو توضيح شرط أو اضافة شرط أو تصحيح ، فقد جرى العرف أن تفرغ شركات التأمين كل ذلك في ملحق وهو محرر خاص يسمى ملحق التأمين وهو اتفاق اضافي يتم بين المؤمن والمؤمن له وموقع من كليهما ويلحق ب بوليصة التأمين الأصلية . تطرق إليه المشرع المغربي في الفقرة 42 من المادة 1 .

    الفصل الثاني : عناصر عقد التأمين

    لقد التأمين ثلاثة عناصر تشكل منظومة التأمين وهي الخطر و القسط و مبلغ التأمين .

    المبحث الأول : الخطر المؤمن منه

    هو المحل الذي يرد عليه التأمين و بسببه يلتزم المؤمن له والمؤمن بالتزاماتهما المتبادلة .

    المطلب الأول : تعريف الخطر

    لا يوجد تعريف موحد للخطر و مفهومه في قانون التأمين يختلف عن ذلك في القانون المدني أو في اللغة التجارية ويمكن تعريفه حسب موضوع التأمين ” حادث محتمل ولا يتوقف على محض إرادة أحد الطرفين و خصوصا إرادة المؤمن له ” والخطر في عقد التأمين هو سبب الاضرار التي تتجه وثيقة التأمين إلى تعويض المؤمن له منها

    والخطر المؤمن منه قد يكون حادثا سعيدا كالتأمين على حالة الولادة أو الزواج فالمفهوم التأميني يتسع ليشمل الأمور المرغوب فيها أيضا طالما كانت تتطلب آثارا مالية يخشاها الانسان .

    المطلب الثاني : شروط وأركان الخطر

    شروط الخطر ثلاثة : أن يكون حادثا محتملا ، أن يكون حادثا لا إراديا ، أن يكون مشروعا .

    الفرع الأول : أن يكون الحادث محتمل الوقوع

    عنصر الاحتمال اساسي في عقد التأمين وهو بين الاستحالة والتأكيد فلا يجب أن يخرج عنهما .

    والخطر يكون غير محقق الوقوع في المستقبل في حالتين

    أن يكون وقوعه غير محتم فقد يقع أو لا يقع ، كالتأمين من الحريق مثلا

    أن يكون وقوعه محتما ، لكن ليس معروف وقت الوقوع ، التأمين على الحياة مثلا

    وبناء عليه إذا كان الخطر مستحيل الوقوع بطل العقد .

    والاستحالة قد تكون مطلقة كسقوط النجوم فيكون العقد باطلا ويسترد المؤمن له اقساطه وقد تكون استحالة نسبية أي أن الخطر يتحقق في حالات ولا يتحقق في أخرى .

    البند الأول : حالات تحقق وعدم تحقق الخطر

    الحالة 1 : إذا ثبت أن الحادثة لن تتحقق لوجود عائق مادي ، مثال ذلك احتراق البضاعة قبل إبرام العقد فينتهي عقد التأمين ويحتفظ المؤمن بالاقساط وتبرئ ذمة المؤمن له من الاقساط المتبقية .

    الحالة 2 : إذا تحقق الخطر قبل ابرام عقد التأمين ، يبطل عقد التأمين و يسترجع المؤمن له جزءا من قسط التأمين .

    الحالة 3 : هي الحالة التي يتضح فيها أن الخطر لا يكون غير محقق الوقوع اذا كان أثناء ابرام العقد قد تحقق فعلا أو زال فلا يعد في كلتا الحالتين محتملا ففي الاولى يكون تحقق وقوعه فيبطل العقد ولا يدفع المؤمن عوض التأمين لكنه يرد الاقساط وفي الثانية يكون وقوعه مستحيلا ويبطل العقد و يعيد المؤمن للمؤمن له الاقساط .

    البند الثاني : تأمين الخطر الظني

    الخطر الظني هو الذي تحقق وقت العقد على غير علم من المتعاقدين ، هناك من اجازه مثال ذلك التأمين البحري وهناك من لم يجزه مثال ذلك التأمين البري .

    الفرع الثاني : أن يكون الحادث لا إراديا

    إذا كان الحادث إراديا من أحد الطرفين كان العقد باطلا ، لأن صفة الاحتمال تنتفي ، وهي ركن اساسي في عقد التأمين . فيجب أن يتدخل في تحقق الخطر عامل آخر غير إرادة المؤمن له كعامل المصادفة أو الطبيعة أو إرادة الغير ، يعني عدم جواز التأمين على الخطأ العمدي من المؤمن له بل ينصب التأمين على الخطأ غير العمدي والخطأ العمدي الصادر من الغير .

    البند 1 : التأمين عن الخطأ غير العمدي للمؤمن له ، هو لا يمثل إرادته بل تتدخل عوامل موضوعية أخرى في الخطأ ، والتأمين عليه جائز و يتحمل المؤمن الخسائر والاضرار الناتجة حسب المادة17

    البند 2 : عدم جواز التأمين عن الخطأ العمدي للمؤمن له ، لأن المؤمن له سيستولي على مبلغ التأمين عن طريق الغش والتدليس ، وهذا المبدأ عام في كافة أصناف التأمين فالذي يؤمن نفسه من المسؤولية عن الحوادث ثم يعمد إلى ارتكابها فالمؤمن لا يكون مسؤولا . ولا يتطلب ذلك وقوع الضرر بل فقط تعمد تحقيق الخطر . كذلك في الاشخاص كأن يؤمن شخص على حياة شخص ثم يقتله فلا يستحق في هذه الحالة المستفيد اي تعويض .

    البند 3 : الاستثناءات الواردة عن الخطأ العمدي ، في حالة تعمد المؤمن له ذلك لتجنب مخاطر أقوى

    البند 4 : جواز التأمين ضد الخطأ العمدي الصادر من الغير ، حين يكون صادرا من أجنبي عن المؤمن له ، وقد يكون تابعا له كمستخدم مثلا ، مثلما نصت على ذلك المادة 18 .

    الفرع الثالث : أن يكون الخطر مشروعا

    وهو أن يكون الخطر المؤمن منه مشروعا غير مخالف للقوانين أو بصفة عامة غير مخالف للنظام العام والآداب العامة فحرية التأمين على الخطر ليست مطلقة فالقانون يتدخل من أجل تنظيم و منع تصرفات وأخطار معينة وهو يستند في ذلك على أساسين الأول إذا كانت المخاطر متعارضة مع النظام العام والثاني إذا كانت هذه الاخطار بطبيعتها لا تصلح لأن تكون محلا للتأمين .

    البند 1 : استبعاد المخاطر المتعارضة مع النظام العام والآداب العامة ، مثلا التأمين عن الاخطار الناشئة عن المتاجرة في الحشيش والمخدرات فهو تأمين باطل وكذلك لا يجوز التأمين على المواد المهربة سواء كان التهريب ضد قوانين البلد أو ضد القانون الدولي ، كما يمنع تأمين بيوت الدعارة أو تأمين حياة العشيقة .

    البند 2 : استبعاد المخاطر لأسباب أخرى ، مثلا أن يكون الخطر غير محقق الوقوع أو يكون قد وقع فعلا قبل توقيع عقد التأمين .

    المطلب الثالث : أنواع الخطر وقياسه

    الفرع الأول : أوصاف الخطر

    البند الأول : الخطر الثابت والخطر المتغير

    ثابتا إذا كان احتمال تحققه متكافئا أو ثابتا خلال مدة زمنية معينة ، السنة مثلا التي يجري فيها التأمين ، الحريق حوادث السير ،

    متغيرا اذا تزايد احتمال وقوعه أو تناقص في نفس المدة الزمنية ، التأمين على الحياة مثلا .

    وأهمية التمييز بينهما تتجلى في تحديد مقابل التأمين أو القسط الذي يدفعه المؤمن له ، ففي الثابت يكون القسط ثابتا متناسبا مع الخطر أما في المتغير فيكون هو أيضا متغيرا سواء بالزيادة أو النقصان وقد يكون القسط ثابتا حتى في المتغير فيكون القسط أكثر من الخطر في السنوات الاولى ثم يصير أقل من الخطر في آخر السنوات .

    البند الثاني : الخطر المعين والخطر غير المعين

    المعين : الذي يكون أثره محددا كالموت مثلا ، أو السرقة أو الحريق

    غير المعين : فيكون الخطر غير معين إلا عند تحققه ، المسؤولية عن حوادث السير مثلا

    أهمية التفريق بينهما تتجلى تقدير قيمة التأمين الذي يجب أن يؤديه المؤمن

    البند الثالث : الخطر الموضوعي والخطر الشخصي

    الشخصي : هو ذلك الخطر الذي يكون وثيق الصلة بشخص المؤمن له أو خطأه أو خطأ تابعيه الذي يسأل عنهم بسبب تقصير أو إهمال أو عدم احتياط وتبصر

    الموضوعي : هو الخطر الذي لا تتدخل فيه إرادة المؤمن له بل يعود لظروف خارجية طبيعية مثلا

    أهمية التمييز بينهما تتجلى في أن المؤمن في الخطر الشخصي يملك حق تخفيض مبلغ التأمين أو رفعه بل قد يفسخ العقد بينما في الم وضوعي لا يمكن تصور ذلك .

    البند الرابع : الخطر المادي و الخطر المعنوي

    المادي : يرجع إلى عوامل مادية الحريق مثلا ينظر إلى نوع البناء وموقعه ومدى توفر الاطفاء

    المعنوي : الذي يعود لعوامل معنوية كشخصية المؤمن له وعدد مستخدميه والعناية التي يبذلها

    الفرع الثاني : قياس الخطر

    الخطر شرط أساسي في عقد التأمين ، وبما أن الخطر يبقى احتمالا ، فلا بد من قياس ويجب ضبط هذا الاحتمال بأكبر قدر ممكن وهذا يستدعي وجود شروط فنية غير الشروط القانونية التي يجب توفرها في الخطر ليكون محلا قابلا للتعاقد في عقود التأمين ، هذه الشروط الفنية ” متواترا ، موزعا ، متجانسا ، في الامكان توقع نتائجه ” وذلك استنادا إلى الرياضيات التي تخضع الصدفة للاحتمال العلمي .

    البند الأول : أن يكون الخطر متواترا ، وهو أن يكون الخطأ قابلا للتحقق بدرجة كافية لقوانين الاحصاء أن تتمكن من قياس درة احتماله أما الخطأ النادر الذي لا يخضع لقوانين الرياضيات فلا يمكن اعتباره متواترا ، ذلك أن المؤمن يتمكن من معرفة احتمال وقوع الخطر .

    البند الثاني : أن يكون الخطر موزعا أو منتشرا ، ومعنى ذلك أن الخطأ يجب أن لا يصيب الكافة لأن إصابة الجميع به مرة واحدة مع فكرة التعاون يستحيل معه إجراء مقاصة .

    البند الثالث : يجب أن يكون الخطر متجانسا ، فحتى الاخطار التي هي من نوع واحد يختلف الاحد منها عن الاخر خلال مجموعة من الظروف تجعل كل خطر مغايرا عن الاخر في امكانية التحقق وجسامة النتائج ، فحتى يكون قياس الخطر صحيحا يجب تصنيفها في فصائل بحسب الظروف المؤثرة في مدى احتمالية وقوعها و حجم النتائج المترتبة .

    البند الرابع : أن يكون الخطر يمكن تحديد نتائج توقعه ، وهو ما يعرف بشرط إمكانية تحديد الخسارة ، فقابلية التحديد هذه تتم من حيث المقدار ومن حيث وقت الخطر ومن حيث مكان تحقق الخطر . فالنسبة لشرط امكانية تحديد الخسارة يهدف هذا الشرط إلى قصر عمليات التأمين على تغطية الخسائر المالية فقط دون المعنوية فلا يمكن التأمين على شيء له قيمة عاطفية لأنه يصعب إعطاء قيمة لها ، أما لشرط تحديد المكان فاحتمال تحقق الخطر تختلف بطبيعة المكان والظروف المحيطة به فاحتمال سرقة مكان وسط المدينة اقل من ذلك الذي في نواحي المدينة ، أما شرط تحديد المدة والوقت فجميع الاحتمالات تحسب عن مدة معينة ،

    نلاحظ الاهمية القصوى لضرورة قابلية الخسارة للتحديد حتى يتمكن التوصل إلى مبلغ القسط المطلوب ، فزيادة المدة التي يغطيها العقد تزيد من مقدار القسط ، كما أن اختلاف المكان يؤثر على درجة الخطورة وبالتالي مقدار القسط ، خلاصة القول يجب تحديد مقدار و زمان و مكان وقوع الخطر بصورة قطعية وعلى اسس موضوعية سليمة .

    المبحث الثاني : قسط التأمين

    القسط هو ما يدفعه المؤمن له للمؤمن مقابل تحمل الاخير الخطر المؤمن عليه . فهو ثمن التأمين ، هذا القسط يسمى القسط في التأمين التجاري ويسمى الاشتراك في التأمين التبادلي والاجتماعي .

    عرفه المشرع المغربي ” هو مبلغ مستحق على مكتتب عقد التأمين مقابل ضمانات يمنحها المؤمن “

    المطلب الأول : تحديد قسط التأمين وشروطه

    يخضع تحديد قسط التأمين لنظرية الاحتمالات وقانون الاعداد الكبيرة ولا يخضع لقانون العرض والطلب لذلك يعتمد على الرياضيات بشكل كبير خصوصا الخبراء الرياضيين الذين يطلق عليهم الخبراء الاكتواريين ، وقد جاء في المدونة الجديدة ” مبلغ القسط يمثل تكلفة الخطر المراد تغطيته كما تم احتسابه وفق القواعد الاكتوارية اعتمادا على الاحصائيات المتعلقة بهذا الخطر “

    لذلك كان لزاما على هيئات التأمين أن تقوم بتقدير دقيق للمطالبات المنتظر دفعها خلال مدة العقد والمصروفات اللازمة ثم تقسيمها على المشتركين انطلاقا من درجة عالية من الدقة والغرض من ذلك هو تحديد دقيق للاحتمالات وافتراض الخسارة المتوقعة لذلك كان لكل شركات التأمين مكاتب خاصة تجمع البيانات والمعلومات المتعلقة بوحدات الخطر المؤمن عليها من أجل تحديد دقيق لاحتمالات الخسارة وتحديد قسط التأمين الواجب أداؤه

    الفرع الثاني : شروط قسط التأمين

    يجب أن يكون القسط كافيا عادلا وأن يراعى فيه عامل المنافسة

    البند الأول : أن يكون كافيا ، يعني أن يكون كافيا لتغطية – الخسائر المتوقع تغطيتها بسبب خطر المؤمن له – مصروفات المؤمن خلال عملية التأمين وأداء الضرائب والعمولات – ربح معقول

    البند الثاني : أن يكون القسط عادلا ، أي يتناسب مع الخطر المؤمن منه فكلما كان الخطر كبيرا زاد القسط وبالعكس اذا كان احتمال الخطر ضعيفا يكون القسط متناسبا .

    البند الثالث : أن يراعي عامل المنافسة ، أي لا يمكن أن تطالب شركة تأمين بقسط أعلى مما تطالب به غيرها ، بل تحترم الحد الذي يمكنها من دفع التعويضات والمصروفات ويحقق الربح للمساهمين. عادة ما تلجأ شركات التأمين إلى توحيد الاسعار أو تكوين اتحادات فلا يمكن لأي شركة عضو أن تنزل أن تعلو على الثمن الذي يتفق عليه الجميع .

    المطلب الثاني : عناصر قسط التأمين

    يشمل قسط التأمين القسط الصافي والقسط الفعلي والتجاري

    الفرع الأول : القسط الصافي

    هو الذي يكتفي بدفع التعويضات التي تستحق بسبب وقوع الخطر المؤمن منه ، أي أنه لا يشمل المصاريف والضرائب وغيرها التي يتحملها المؤمن بسبب ممارسة المهنة وكذلك لا ينصرف الى الارباح التي ينتظرها المؤمن من هذه العملية ، ولتحديد مبلغ القسط الصافي يعتمد المؤمن على عدة عوامل يمكن إجمالها في أربعة عوامل ، عامل الخطر ، مبلغ التأمين ، المدة ، سعر الفائدة .

    البند الاول : عامل الخطر ، تحديد القسط يتوقف على مدى تحقق الخطر المؤمن منه ، فالخبراء يدرسون الخطر ومدى احتمالية تحققه وتسجيل درجة خطورته وبالتالي يتم تحديد القسط الصافي .

    وهنا نجد أنفسنا أمام مبدأ تناسب القسط مع الخطر ، فعامل الخطر هو مقياس القسط الواجب اداؤه .

    البند الثاني : عامل القيمة أو مبلغ التأمين ، هو يمثل تقدير المؤمن له لقيمة الخطر المؤمن منه ، وهو الاثار المالية التي تترتب على وقوع الخطر ، فالقسط يتناسب طرديا مع هذه الآثار المالية فيزيد بزيادتها وينخفض بانخفاضها .

    البند الثالث : عامل المدة ، احتمال الخطر تتحدد على أساس وحدة زمنية معينة وعادة ما تكون سنة.

    والصعوبة هنا لا تكمن في الخطر الثابت بل في الخطر المتغير فيجب أخذ عامل الوقت بعين الاعتبار، كما يوجد أنواع من التأمين لا ترتبط بعامل ا لمدة كنقل البضائع أو إصابة لاعب رياضي

    البند الرابع : عامل عائد الاستثمار ( سعر الفائدة ) ، المؤمنون لا يجمدون الاموال بل يستثمرونها لحساب الشركة وفق القوانين التي يضعها المشرع فضروري أن يعمد المؤمن إلى تخفيض القسط بقدر الزيادة المنتظرة من ايرادات استثمارات الاقساط فيتم تحديد القسط الصافي بخصم المتوسط العام بسعر الفائدة . يظهر ذلك بوضوح من تراكم أقساط التأمين على الحياة لدى المؤمنين .

    الفرع الثاني : القسط الفعلي ( علاوات القسط )

    المؤمن له يدفع القسط التجاري أو الفعلي المتكون من القسط الصافي الذي يمثل القيمة الحقيقية للخطر مضافا إليه الاعباء الكافية لسداد جميع النفقات التي يتحتم على هيأة التأمين تحملها من أجل إصدار بوليصة التأمين وهي تكاليف زائدة تسمى علاوات القسط كنفقات إبرام العقد ونفقات تحصيل الاقساط ونفقات الادارة للضرائب واحتياطي التقلبات العكسية .

    البند 1 : نفقات ابرام العقد ، عمولة سماسرة التأمين + مصاريف ابرام العقد

    البند 2 : نفقات تحصيل الاقساط ، ارسال مندوبي الشركة لتحصيل الاقساط

    البند 3 : النفقات الادارية ، ايجار مكان النشاط ، نفقات العمال ، نفقات الخبراء ، الدعوى .

    البند 4 : الضرائب ، ما يدفعه المؤمن للدولة طبقا لقانون الضرائب

    البند 5 : الارباح ، باعتبار شركة التأمين شركة ربحية

    البند 6 : احتياطي التقلبات العكسية ، ويسمى باحتياطي الامان للحالات التي تكون فيها الخسائر أكبر من المتوسط فيتكون هذا الاحتياطي عن طريق نسبة تضاف إلى القسط الصافي .

    المبحث الثالث : مبلغ التأمين ( عوض التأمين )

    المطلب الأول : تعريف مبلغ التأمين

    ما يحصل عليه المؤمن له أو المستفيد عندما يتحقق الخطر المؤمن منه ، فهو مبلغ على عاتق المؤمن اتجاه المؤمن له أو المستفيد عندما يحدث الخطر المؤمن منه أي الحادثة أو الكارثة التي هي محل التأمين . اشارت إلى ذلك المادة 1 من مدونة التأمين ” مبلغ التأمين يدفعه المؤمن وفقا لمقتضيات العقد كتعويض عن الضرر اللاحق بالمؤمن له أو بالضحية “

    المطلب الثاني : أشكال مبلغ التأمين

    تتخذ ثلاثة أشكال : تعويض نقدي ، تعويض عيني ، تقديم خدمات .

    البند 1 : على شكل تعويض مالي ، فيكون على شكل مبلغ من النقود لتغطية الاثار المالية المترتبة على وقوع الخطر المؤمن منه ، فإذا كان التأمين على الاشياء فالأصل هو تحديد الضرر الذي لحق المؤمن له ثم يقاس التعويض على قدر الضرر ويحصل المؤمن له على مبلغ التأمين الذي تكون له حرية التصرف فيه سواء اصلاح ما فسد أو لم يصلحه ، أما في التأمين على الاشخاص فيكون مبلغ التأمين محددا مسبقا في العقد أما بخصوص الضرر فيتم تقدير مبلغ التأمين على أساس الضرر .

    البند 2 : على شكل تعويض عيني ، أي اصلاح الضرر كالآلات مثلا ، ويكون من أجل تعويض حقيقي غير مبالغ فيه وهو في حذ ذاته تعويض نقدي بطريقة غير مباشرة .

    البند 3 : على شكل خدمات ، فيكون محله عمل من الاعمال فيكون للمؤمن له الحق في بعض الخدمات غير المالية بل ويتدخل المؤمن للدفاع عن المؤمن له لضمان استنفاذ كل الوسائل لدفع المسؤولية عن المؤمن له .

    المطلب الثالث : تحديد مبلغ التأمين

    يختلف تحديد مبلغ التأمين بحسب ما إذا كنا بصدد تأمين من الاضرار أو الاشخاص ويرجع هذا الاختلاف إلى أن تأمين الاضرار يحكمه مبدأ التعويض أما التأمين على الاشخاص فيظل خاضعا لقانون العقد .

    الفرع الأول : التأمين على الاضرار

    المبدأ الاساسي هنا هو التعويض ، لكن قد تتدخل عناصر أخرى تعمل على تحديد الالتزامات التي يلتزم المؤمن بها اتجاه المؤمن له عند تحقق الخطر ، وتكتمل هذه العناصر في ثلاثة : الضرر ، المبلغ المؤمن منه ، قيمة الشيء المؤمن عليه .

    البند الأول : عنصر الضرر ، عند وقوع الخطر تترتب عنه آثار مالية تمثل ضررا ماليا يصيب ذمة المؤمن له ، فيستحق التعويض من المؤمن ، ويقدر بقدر الضرر ، استنادا إلى قاعدة تناسب الضرر مع مبلغ التأمين ، حسب المادة 39 ” لا يمكن للتعويض المستحق أن يتجاوز قيمة الشيء المؤمن عليه وقت الحادث ” وهذا مبدأ عام مرتبط بالنظام العام ، وإذا تحقق الخطر ولم يتحقق الضرر لا يمكن المطالبة بالتعويض ، وإلا كان ثراء على حساب المؤمن ، فالضرر هو الذي يحدد مبلغ التعويض ، أما إذا أبرم المؤمن له عدة عقود لنفس الشيء وفاق المبلغ الكلي قيمة الشيء المؤمن عليه فالعقود تبقى صحيحة .

    البند الثاني : المبلغ المؤمن به ، قد يحصل بين المتعاقدين على مبلغ تعويض محدد ويجب أن لا يتجاوز قيمة الشيء المؤمن عليه . والمؤمن لا يلتزم إلا في حدود الضرر ويترتب عن ذلك إذا كانت قيمة الضرر أقل من المبلغ المؤمن به فالمؤمن له لا يأخذ سوى قيمة الضرر أما إذا كان مبلغ التأمين ثابتا فيتم أداؤه .

    البند الثالث : قيمة الشيء المؤمن عليه ، لا محل له إلا في حالة التأمين على الاشياء . يمكن أن نحدث هنا عن قاعدة النسبية أو قاعدة التخفيض النسبي أي أن المؤمن له يتلقى تعويضا فقط عن القيمة التي صرح بها وليس القيمة الحقيقية للشيء المؤمن عليه .

    الفرع الثاني : في التأمين على الاشخاص

    مؤسس على الاتفاق بين الطرفين سواء كان مساويا للضرر ام لا وليس على قاعدة الضرر . فتأمين الاشخاص ليس له صفة تعويضية ، وهو يهدف إلى التخفيف من وطأة الضرر فقط ، مثال ذلك التأمين لحالة الوفاة . ومبلغ التأمين لا يحصل عليه الورثة بل المستفيد المذكور في العقد . مادة79.

    والمبرر الأول وراء التأمين على هذه الشاكلة هو مواجهة الحاجة التي يخلقها وقوع الخطر والمبرر الثاني هو أن لا ضرر على المؤمن ما دام المؤمن له يدفع الاقساط المتفق عليها .

    ينتج عن ذلك نتيجتين الاولى لا يمكن التنازع حول المبلغ المذكور في العقد ، الثانية جواز الجمع بين عدة عقود بغية الحصول على مبالغ التأمين جميعا حتى لو كانت ضد خطر واحد ولفائدة مستفيد واحد .

    📗 خلاصة الباب

    • يقوم عقد التأمين على طرفين رئيسيين (المؤمن، غالبا شركة مساهمة تخضع لترخيص، والمؤمن له) وقد يتدخل بينهما وسطاء (وكيل التأمين، سمسار التأمين) وأشخاص متصلون بالعقد كالمستفيد الذي قد يتحد مع المؤمن له أو يكون شخصا آخر.
    • ينعقد العقد قانونيا بتوفر أركان الرضا والأهلية والمحل والسبب، وعمليا عبر مراحل متتالية: اقتراح التأمين، مذكرة التغطية المؤقتة، ثم تحرير بوليصة التأمين التي يشترط المشرع كتابتها وبيانات معينة (المادة 12 من مدونة التأمينات).
    • يقوم عقد التأمين على ثلاثة عناصر جوهرية: الخطر (الذي يجب أن يكون محتملا وغير إرادي ومشروعا)، والقسط (الصافي والفعلي بعناصره: نفقات، ضرائب، أرباح)، ومبلغ التأمين (الذي يختلف تحديده بين تأمين الأضرار القائم على مبدأ التعويض وتأمين الأشخاص القائم على الاتفاق).

  • الباب الأول: ماهية عقد التأمين

    📖 قانون التأمين — الفصل 2 من 6 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : التطور التاريخي لعقد التأمين

    منذ القدم تعرض الانسان للمخاطر التي تصيب ذاته أو ماله أو ممتلكاته أو مسؤوليته المدنية ، وكان لا بد من إيجاد وسيلة لدرء هذه المخاطر والتخفيف من عبئها فكانت البداية مع ممارسة التأمين التبادلي أو التعاوني الذي يعتبر النواة الأولى للتأمينات الحالية التي يطغى عليها حاليا الطابع الربحي أكثر من الطابع التعاوني الذي هو أساس عقد التأمين .

    المبحث الأول : فكرة التأمين لدى المجتمعات القديمة

    عرفت المجتمعات القديمة نماذج متعددة وبسيطة في ميدان التكافل فكانت التأمينات على غير ما هي عليه حاليا فكانت جمعيات دفن الموتى لدى قدماء المصريين نموذجا في تحمل نفقات التحنيط والدفن مقابل اشتراكات يدفعها الفرد طيلة حياته ليتمتع بعد وفاته بتحنيط جيد و دفن راقي لأن اعتقادهم كان بحياة سعيدة بعد الممات لو بقي الجسد محنطا و في حالة جيدة ، فكانت هذه الجمعيات تقوم بجمع الاشتراكات السنوية أثناء الحياة مقابل ضمان المصروفات اللازمة للتحنيط .

    نفهم أن التعاقد الحاصل بين الشخص وجمعية التحنيط يؤدي إلى دفع أقساط سنوية نقدية أو زراعية مقابل تسديد نفقات التحنيط .

    كما عرفت المجتمعات البابلية والفينيقية والرومان والاغريق عقد القرض البحري لكنه لم يرق إلى مستوى عقد التأمين إلا لاحقا ، وهو عبارة عن رهن يقع على السفينة ذاتها ضمانا لمال يؤدى على سبيل القرض خلال رحلتها فإذا هلكت السفينة فقد المقرض المبلغ الذي دفعه وإذا وصلت السفينة سالمة لا تكون مسؤولة عن أداء مبلغ القرض فقط ولكن تسأل ايضا عن فائدة محددة متفق عليها .

    عقد القرض على السفينة يتشابه مع عقد التأمين في ما يلي :

    إن المقرض يلعب دور المؤمن له

    المبلغ الذي يدفعه هو عوض التأمين

    الفائدة التي يدفعها المقترض تمثل قسط التأمين

    أما الاختلاف بينه وبين عقد التأمين فيكمن في دفع قسط التأمين في عقد التأمين سواء تحقق الخطر أم لم يتحقق ولكن لا تدفع الفائدة في عقد القرض عند عدم تحقق الخطر .

    عوض التأمين في عقد التأمين لا يدفع إلا عند تحقق الخطر أما في عقد القرض البحري فإن المبلغ يدفع قبل ذلك وان كان المقترض يرده إلى المقرض عند تخلف الخطر بالإضافة الى الفائدة المتفق عليها .

    لكن الفقه الاسلامي يرى في هذا الأمر مقامرة ورهانا بشكل واضح . كما حرمه البابا جيجوار سنة 1230 م تأسيسا على الفائدة الربوية .

    المبحث الثاني : فكرة التأمين لدى المجتمعات الاسلامية

    شهدت المجتمعات الاسلامية أنماطا معينة من التأمينات التي طغى عليها عنصر التكافل والتعاون والتضامن ذلك أن الشريعة الاسلامية كانت حاضرة من أجل تخفيف أعباء المخاطر عن الاشخاص.

    فالأمن من نعم الله على عباده ، قال تعالى ” وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ” قريش .

    “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ” حديث شريف

    والحديث عن التأمين في ظل المجتمعات الاسلامية اختلف فيه بين مجيز و محرم .

    المطلب الأول : الرأي الذي أجاز التعامل مع التأمين

    أورد الكثير من الفقهاء جواز التأمين من بينهم الاستاذ مصطفى الزرقاء والاستاذ عبد الرحمان عيسى وقد استعملوا القياس على جوازه خصوصا بالنسبة لـ :

    عقد الموالاة : فيقول شخص مجهول النسب للعربي ” أنت وليي تعقل عني إذا جننت و ترثني إذا أنا مت ” فعقد الموالاة هذا صورة حية عن عقد التأمين الذي يتحمل مسؤولية مجهول النسب في كل ما يصدر عنه من أضرار فوجه الشبهة بين عقد الموالاة وعقد التأمين هو تحمل المسؤولية لا غير .

    ضمان خطر الطريق عند الحنفية : فيقول شخص لآخر ” أسلك هذه الطريق وإن أصابك شيء فأنا الضامن ” فإذا حدث له ضرر وجب تعويضه ، هذه الفكرة الفقهية تصلح أن تكون نصا قويا لجواز عقد التأمين

    قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية : ومفاد الفكرة أن الشخص إذا وعد غيره بقرض أو تحمل خسارة أو غير ذلك مما ليس بواجب عليه في الاصل فيصبح ملزما بالوفاء بوعده ، وهنا متسع لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المؤمن للمستأمنين .

    نظام العواقل في الاسلام : وتتلخص الفكرة في أن شخصا إذا قتل شخصا آخر بغير عمد وكان عليه آداء الدية لا القصاص فإن الدية توزع على أفراد عائلته أو أن تصيب شخص مصيبة في ماله أو غنمه أو زرعه فيتكافل معه أفراد عائلته بما يخفف عنه الخسارة ، وهنا نجد عقد التأمين حاضرا للتعويض عن الخسائر .

    نظام التعاقد والمعاش لموظفي الدولة : فيقتطع من مرتبات الموظفين مبلغ محدد حتى إذا بلغوا سن الشيخوخة وجدوا من مبلغ المعاش ما يساعدهم على قضاء حوائجهم ويستمر المعاش طيلة حياته ثم لأرملته بعد وفاته ، وهذا النظام التقاعدي لا يرى فيه العلماء أي ضرر أو تحريم وهو يشبه إلى حد كبير التأمين على الحياة .

    المطلب الثاني : الرأي الذي حرم التعامل مع التأمين

    أبرز من حرمه من الفقهاء المتأخرين العلامة محمد بن عابدين في كتابه باب المستأمن ، وقال إن على الامام نصرة المستأمنين من أهل الحرب ما داموا في دار الاسلام وأنه لا يحل لمسلم أن يتعاقد في دار الاسلام مع المستأمن إلا ما يحل من العقود مع المسلمين كما لا يجوز أن يؤخذ من المستأمن شيء لا يلزمه شرعا وإن جرت به العادة كالذي يؤخذ من زوار بيت المقدس .

    ويقيسه على بيع الغرر وهو بيع السمك في الماء الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم

    و يحرمه أيضا الدكتور عيسى عبده في كتابه ” التأمين الأصيل والبديل ” حيث يقول : هل شركات التأمين مؤسسات تجارية ؟ أم شركات تعاونية ؟ أم هي وسيلة نهب وسرقة غايتها ابتزاز أموال الناس وتفريغ الجيوب والإثراء بدون سبب ؟

    فلو كانت شركات التأمين مؤسسات تجارية لوجب أن يخضع كل مساهم في شركات التأمين للربح والخسارة وفق تعاليم الاسلام ، لكن الذي يقع أن المؤمن يدفع المال لشركة التأمين فإذا لم يقع ضرر لا يسترد منه شيء بينما إذا وقع ضرر لا يستفيد سوى من مبلغ لا يعوض الخسارة وفق العقد مع قدرة الشركة على خلق الأعذار والمنافذ للتملص من التعويض .

    أما إذا كانت شركات تكافل فيجب أن تتحقق شروط من بينها :

    أن يدفع الشخص نصيبه على وجه الأخوة والتكافل

    لا يجوز استغلال هذا المال إلا بالوسائل المشروعة شرعا

    لا يجوز له ان يطالب بمبلغ معين عند وقوع حادث بل يقنع بما تسمح به الجماعة

    التبرع هبة والرجوع إليه مكروه والراجع في هبته كالراجع في قيئه حسب بعض النصوص

    وهذه الشروط لا تنطبق على شركات التأمين .

    المطلب الثالث : الموازنة والترجيح

    يبدو أن الذين ذهبوا إلى تحريم عقود التأمين أقوى حجة وأتم دلالة وأرسخ ارتباطا بنصوص الشريعة و قواعدها العامة .

    المجوزون للتأمين اعتمدوا على استنادات قياسية بينما الذين قالوا بحرمة عقد التأمين استندوا إلى نصوص شرعية صحيحة قوية ، و الفرق واضح بين أدلة القياس وأدلة النصوص .

    المجوزون للتأمين اعتمدوا على تعليلات في الجواز ما يقال فيها معنى المقامرة و الغرر والرهان المحرم والربا ، بينما الذين قالوا بالتحريم استندوا على نصوص شرعية قوية تنص على أن عقود التأمين فيها شيء من القمار والرهان والغرر والربا .

    المجوزون للتأمين اعتمدوا على مبادئ التكافل في الاسلام كالموالاة ونظام العواقل وهي كلها مفاهيم تكافل وليس شركات تأمين ربحية بينما استند المحرمون إلى المكاسب الكبيرة التي تحصلها شركات التأمين عن طريق ابتزاز الاموال والمرابحة الفاحشة والاثراء بلا سبب

    من قواعد الشريعة ” إذا تعارض المحرم والمباح رجح المحرم وإذا تعارض المانع والمقتضي قدم المانع ” فبناء على هذه القاعدة كان تحريم عقد التأمين كونه يتعارض مع الجانب المبيح عملا بالأحوط

    المجوزون نسوا أن تحقيق الأمن والسلامة لكل مواطن هو من الخدمات التي يجب أن توفرها الدولة وليس شركات التأمين فكيف يجوز لشركة أن تستغل هذه الخدمة لابتزاز الاموال من المواطنين وتحقيق الربح بلا سبب ؟ حتى أن الأمر وصل إلى التأمين على سيقان الممثلات و جمال العاهرات وأصوات المغنين .

    المطلب الرابع : البديل الذي يجب أن يكون

    الأصل في الأمر هو إحقاق العدل وتأمين الحياة الكريمة لكل مواطن وهذا الأمر من مهام الدولة وليس من مهام الافراد أو الشركات لاستغلال ذلك من أجل الربح ، ومن أهم المبادئ التي وضعها الاسلام للدولة :

    تأمين الدولة أسباب العمل للقادرين

    تأمين الدولة الكفالة للعاجزين والمحتاجين كالأيتام واللقطاء والمنحرفين والارامل والمطلقات والشيوخ والعجزة والمنكوبين والفقراء وأصحاب العاهات .

    تأمين الدولة للحد الأدنى للمعيشة فإذا جاع الناس أخذت الدولة من الاغنياء وأعطت للفقراء

    تأمين الدولة للطرقات

    تأمين الدولة كفالة اصحاب الجوانح كحوادث السير أو الغرق أو ضياع المال بل حتى الذي أصابته جانحة أو فاقة له من في بيت مال المسلمين حق

    تأمين الدولة للتوازن الاقتصادي بين الافراد فتتدخل الدولة لتقسيم الاعطيات والغنائم تحقيقا للتوازن بين طبقات المجتمع حيث ثبت أن رسول الله أعطى للمهاجرين ولم يعط للأنصار لأنهم كانوا في حاجة

    تأمين كفالة الافراد لبعضهم البعض عند الحاجة ، كحال الشدائد والازمات الاقتصادية

    إشراف الدولة على مبادئ التكافل والتعاون ، وتعاونوا على البر والتقوى .

    هذه بعض مهام الدولة حسب شريعة الاسلام ، وشركات التأمين لا ينطبق عليها نظام التكافل إلا إذا بالشروط التالية :

    أن يدفع الفرد المساهم نصيب المال على وجه التبرع والتكافل

    يستغل هذا ال مال بالوسائل المشروعة فقط

    لا يجوز لفرد أن يتبرع بشيء على أساس أن يعوض خسارته

    التبرع هبة ولا يجوز الرجوع فيه

    هذه أهم المبادئ التي جاء بها الاسلام ولا يجوز لنا أن نستنبط من الانظمة من الغربية أو الشرقية ما يخالف شريعتنا السمحة التي جاءت متوازنة بين الاخرة والدنيا بل هي أكثر رحمة بالناس من مثيلاتها من النظم المستوردة .

    المبحث الثالث : فكرة التأمين في المجتمعات الحديثة

    التأمين بمفهومه الحديث هو مشروع تجاري قائم على اساس الربح بالدرجة الاولى من خلال الاضطلاع بتنظيم التكافل بين طالبي التأمين ، وقد أدت ثلاثة عوامل إلى تكون صورة التأمين في هيأته الحديثة :

    العامل الأول : يتجسد في محاربة الكنيسة للقروض الربوية على نحو تم التفكير في نمط جديد لتوفير الضمان

    العامل الثاني : ظهور مشروعات ضخمة متخصصة في توفير الأمان

    العامل الثالث : ظهور علم الاحصاء وتقدير الاحتمالات بما أتاحه هذا العلم من قياس احتمالات الاخطار واتخاذ هذا القياس اساسا لحساب الاقساط

    وقد تطور التأمين من التأمين البحري إلى البري إلى الجوي

    المطلب الأول : تطور فكرة التأمين البحري

    ظهر هذا النوع من التأمين في صورته الحديثة منذ العصر الوسيط وتولدت فيه أنظمة قانونية تعنى بالمخاطر البحرية نظرا لرواج التجارة في البحر المتوسط ، وقد ظهر أساسا في المدن الايطالية والبلجيكية منذ القرن 14 و التامين البحري وطد أركانه انطلاقا من القرن 16 حيث ساهم ادوارد لويدز بقسط كبير في هذا التوطيد وبالذات عن طريق مقهى لويدز الشهيرة والتي أصبحت فيما بعد من أكبر مؤسسات التأمين في العالم ، حيث ظهرت سنة 1871 وصدر قانون جعلها شخصية قانونية مهمتها تحقيق ثلاثة أغراض 1- حماية المصالح التجارية والبحرية لأعضائها 2- تيسير عملية التأمين 3- تجميع المعلومات البحرية .

    كل هذا ساهم في ظهور التأمين التبادلي : والذي يقصد به كل جماعة يهدد أعضائها نفس الخطر فيتعاهدون على تقسيم تكاليف الأضرار فيما بينهم ، وظهرت بشدة في القطاع البحري الانجليزي وتأسست نوادي للحماية والتعويض البحري والهدف منها تغطية الأخطار التي لا تحميها شركات التأمين كالمسؤوليات المتعلقة بالبضائع والأشخاص فهي تضمن مسؤولية ملاك السفينة اتجاه الطاقم بسبب الوفاة أو المرض وتعويضات غرق أو هلاك السفينة وتسوية المنازعات .

    المطلب الثاني : تطور فكرة التأمين البري

    بعد أن حقق التأمين البحري نجاحات صار انتقاله إلى البر رهينا بالظروف المواتية وقد تحقق ذلك مع ظهور الرأسمالية الصناعية وازدياد مخاطر استعمال الالة .

    الفرع الأول : تطور فكرة التأمين ضد الحريق

    ظهرت الفكرة في انجلترا بعد حريق حصد أكثر من 3000 منزل و 100 كنيسة فتأسست اول جمعية تعاونية للتأمين من الحريق سنة 1669 ، ثن انتقلت الفكرة إلى تأسيس شركات مساهمة متخصصة للقيام بهذا التأمين ثم انتشرت الفكرة في باقي أرجاء العالم وتوسعت حتى شملت التأمين على المباني والمنقولات .

    الفرع الثاني : فكرة التأمين على الحياة

    نظر إليه لمدة طويلة على انه منافي للأخلاق فقد حرمه لويس14 و وجد معارضة كبيرة من فقهاء القانون ولم يكتسب الشرعية إلا في منتصف القرن 19 بعدما تمكن الرياضيون من وضع جداول للوفيات تقوم على أسس رياضية وثيقة ، لكنه كان يمارس قبل هذا التاريخ على حياة الملاحين ورجال البحر من حوادث القرصنة و البحر .

    الفرع الثالث : نظام التأمين من المسؤولية

    حدث بعد انتشار المواصلات واستعمال الآلات والتطور المصانع والتجمعات السكانية و كثرة المخاطر ، فكان التأمين من المسؤولية التي تنشأ من نشاط الآلات بل إن المشرع فرض على أرباب العمل القيام بهذا التأمين لصالح العمال ، ومع تطور الانظمة الاقتصادية ظهرت أنظمة للتأمين ضد السرقة والحوادث الطبيعية والحروب ومزاولة مهنة والدين والضمان .

    المطلب الثالث : تطور فكرة التأمين الجوي

    بدأ اساسا بعد الحرب العالمية الثانية وتوسع التجارة الخارجية وانتشار استعمال الطائرات فكان ضروريا التأمين على الطائرات وعلى البضائع التي تنقل جوا مثل الادوية .

    ولا زال الانتشار والتوسع لأنواع جديدة للتأمين تشق طريقها لتشكل نظاما سيضفي عليه القانون طابع الشرعية

    المطلب الرابع : تطور فكرة التأمين بالمغرب

    ظهر التأمين البحري بالمغرب سنة 1879 من خلال شركة تدعى ” الاسبانية في مدينة طنجة ” تلاها بعد ذلك تأسيس شركتين ألمانيتين هما مانهايم و لويد . أما التأمين البري أي التأمين ضد الحريق فقد ظهر سنة 1883 من خلال شركتين فرنسيتين ، وفي سنة 1916 كانت أول شركة تأمين مغربية بمدينة طنجة إلا أنها توقفت مع الحرب العالمية الاولى ثم ظهرت سنة 1950 شركات التأمين أولها الشركة المغربية للتأمين وتكاثرت بعد الاستقلال حتى وصلت إلى 230 شركة للتأمين فتدخل المشرع لتحديد الضمانات لرأس المال فتقلصت إلى 54 شركة . وقد تطور هذا القطاع وشهد عدة قوانين منظمة أولها ظهير شريف منظم للتأمين في 1937 متعلق بحوادث السيارات وآخرها مرسوم 2003 .

    الفصل الثاني : مفهوم عقد التأمين وخصائصه

    المبحث الأول : مفهوم عقد التأمين

    يصعب إعطاء مفهوم محدد لعقد التأمين لأن جميع التعاريف كانت محل نقد .

    المطلب الأول : المفهوم لدى القانونيين والاقتصاديين

    يركز القانونيون على الجانب القانوني بينما يركز الاقتصاديون على الجانب الفني

    الفرع الأول : المفهوم لدى القانونيين

    يعرفه الفقيه الفرنسي بلانيول بأنه “عقد يتعهد بمقتضاه شخص يسمى المؤمن أن يعوض شخصا آخر يسمى المؤمن له عن خسارة احتمالية يتعرض لها هذا الأخير مقابل مبلغ مالي يقوم المؤمن له بدفعه للمؤمن .

    ركز هذا التعريف على الجانب القانوني وأغفل الجانب الفني كما أنه اقتصر على تأمين الاضرار دون تأمين الاشخاص حيث أن الحياة لا يمكن تقديرها .

    ويعرفه الفقيه الانجليزي سلوتر ” التأمين هو شراء الأمن ، ذلك أن المؤمن له مدفوعا بالرغبة في حماية نفسه ضد خطر ما يشتري من المؤمن حق التعويض إن وقع ضرر بسبب ذلك الخطر ويقال لثمن الشراء قسط وغالبا ما يكون سنويا ويندرج وعد المؤمن بالتعويض عن حالة وقوع الحادثة المؤمن ضدها فيما يقال له البوليصة “

    الفرع الثاني : المفهوم لدى الاقتصاديين

    عرفه الاقتصادي فريدمان ” إن الفرد الذي يقوم بشراء تأمينات من الحريق على منزله يفضل تحمل خسارة مالية صغيرة مؤكدة بدلا من أن يبقى متحملا احتمال خسارة مالية كبيرة “

    نلاحظ أنه ركز على الجانب الفني وليس القانوني

    التعريف الراجح

    يميل أغلب الباحثين القانونيين إلى اعتبار تعريف الاستاذ هيمار أفضل تعريف للتأمين لاشتماله على جانبي عقد التأمين وهما الجانب القانوني والجانب الفني .

    يقول هيمار في كتابه “التأمينات البرية : ” عقد التأمين هو عملية يحصل بمقتضاها أحد الفريقين وهو المؤمن له مقابل بلغ معين وهو القسط على تعهد لصالحه أو لصالح الغير في حالة تحقق خطر معين من الفريق الآخر وهو المؤمن الذي يأخذ على عاتقه مجموعة المخاطر يجري المقاصة فيما بينه طبقا لقوانين الاحصاء “

    ويبقى التعريف الأكمل هو ” عقد التأمين عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له مبلغا من النقود محددا أو ايرادا مرتبا أو أي تعويض مالي آخر عند وقوع خطر معين خلال مدة معينة مقابل قسط للتأمين يؤديه المؤمن له للمؤمن “

    وقد تطرق هذا التعريف إلى مختلف جوانب عقد التأمين من مؤمن و مؤمن له وشكل العقد تجاري أو غير تجاري و تطرق للمبلغ المتفق عليه بجميع أنواعه تقسيطا أو مرتبا أو أي شكل آخر وتطرق إلى الخطر المعين ثم المدة المعينة المؤمن خلالها وكل ذلك مقابل قسط التأمين المؤدى والمتفق عليه

    المطلب الثاني : المفهوم لدى الفقه الاسلامي

    ما يزال الجدل قائما حول مفهوم عقد التأمين في الفكر الاسلامي ، لكنه في الغالب حرم التأمين التجاري و حاول إقرار التأمين التبادلي من أجل تحقيق حاجة المسلمين إلى التأمين ومن أشهر الفقهاء المسلمين الذين اباحوا التأمين مصطفى الزرقاء

    المبحث الثاني : خصائص عقد التأمين

    المطلب الأول : الخصائص العامة

    تعتبر عامة لأنها يشترك فيها عقد التأمين مع باقي العقود

    الفرع الأول : عقد التأمين تبادلي

    يعني أن لكل من المؤمن والمؤمن له التزامات متبادلة يجب تنفيذها عند التعاقد وأثناء العقد وبعد تحقق الخطر . أي أن المؤمن له يلتزم بدفع الاقساط ويلتزم المؤمن بدفع عوض التأمين عند تحقق الخطر .

    يوجد مثل هذا النموذج في سائر صور التأمين على الحياة إذ تعد التزامات كل طرف حقوقا للطرف الأخر حتى وإن اختلفت كيفية أو توقيت أو طريقة أداء كل طرف لالتزاماته ، فهو من العقود الملزمة للطرفين . حتى وإن لم يتحقق الخطر فهو احتمالي الوقوع بطبيعته فالغاية هي طمأنينة نفس المؤمن له .

    الفرع الثاني : عقد التأمين من العقود المستمرة

    أو ما يسمى بالعقود الزمنية لأن الزمن عنصر جوهري في هذا العقد ، فالتزامات الطرفين مرتبطة بالزمن ، فالمؤمن له يدفع أقساطه بصفة متكررة في فترات زمنية منتظمة فيبقى العقد مستمرا بالنسبة للمؤمن له ، ويترتب على ثبات صفة استمرارية عقد التأمين انحصار أثر فسخ العقد على المرحلة المستقبلية ولا يسري الفسخ بأثر رجعي ، بحيث تبقى الاقساط المدفوعة في الماضي دون أثر وهذا تطبيق للقواعد العامة السارية على العقود المستمرة وهو خلاف للعقود الملزمة للطرفين لأن المؤمن له لا يمكنه استرداد ما دفعه من أقساط لأنها كانت مقابل ما تحمل المؤمن من خطر .

    الفرع الثالث : عقد التأمين من العقود الرضائية

    فينعقد العقد بمجرد التراضي بين الطرفين وتوافق الإرادتين بالإيجاب والقبول ويستلزم الكتابة لإثبات العقد فيثبت بوثيقة تأمين يوقع عليها المؤمن ، وهو أمر لا ينافي اعتبار عقد التأمين عقدا رضائيا لأن الكتابة تكون من أجل إثبات العقد لا لانعقاد العقد أي أن الكتابة ليست شرطا لانعقاد العقد وقد يجوز الاتفاق على جعل الكتابة شرطا لانعقاد العقد فعندئذ يصبح عقد التأمين شكليا وتكون وثيقة التأمين “البوليصة” ضرورية للانعقاد لا للثبات .

    الفرع الرابع : عقد التأمين من عقود المعاوضة

    لأن كل طرف يحصل على منفعة مقابل ما يؤديه من التزام ، بحيث يحصل المؤمن له على الأمان من الخطر ويحصل المؤمن على أقساط التأمين ، فالحماية ضد الاخطار من طرف المؤمن تعتبر منفعة تبرر دفع الاقساط من طرف المؤمن له ، بينما يدفع المؤمن العوض في حالة تحقق الخطر ، ويظل عقد التأمين من عقود المعاوضة حتى لو يكن المؤمن له هو المستفيد من التأمين وإنما شخص آخر فالاشتراط لمصلحة الغير لا يؤثر على طبيعة العقد ، مثلا التأمين حياة شخص ما .

    الفرع الخامس : عقد التأمين مدنيا وتجاريا

    يعتبر مدينا أو تجاريا حسب صفة كل من طرفي العقد ، وقد يكون مدنيا لطرف وتجاريا لطرف آخر

    فبالنسبة للمؤمن يعد التأمين عملا تجاريا في معظم الحالات إلا فيما يتعلق بالتأمين بالاكتتاب إذ إن الهيئات التي تباشره لا تعتبر من قبيل الشركات ونتحدث هنا عن حالتين :

    الحالة 1 : نجد فيها من التأمين العادي بالأقسام المحددة التي تقوم به شركات التأمين المساهمة ، فالعقد يعد بالنسبة اليها دائما تجاريا لأنها تباشر أعمالها لغرض تحقيق الربح .

    الحالة 2 : في التأمين التعاوني أو التبادلي يكون للهيئات القائمة عليه لا تزاوله بغرض الربح وبالتالي تكون أعمالها ليست تجارية لانتفاء فكرة المضاربة وتحقيق الربح كما يعد في هذه الحالة التأمين التعاوني حتى بالنسبة للمؤمن له مدنيا .

    أما بالنسبة للمؤمن له فيعتبر عملا تجاريا إذا التأمين متعلقا بأعماله التجارية كالتأمين على البضائع والمحلات التجارية والسيارات التي يستعملها في معمله ، أما تأمينه على حياته مثلا فيعتبر مدنيا .

    المطلب الثاني : الخصائص الخاصة

    هذه الخصائص ينفرد بها عقد التأمين ويمكن إجمالها في ما يلي :

    الفرع الأول : عقد التأمين من عقود الاذعان

    نظرا لوجود اختلال بالتوازن بين مركز المتعاقدين وانعدام التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين بحيث يكون الطرف الأقوى في العقد هو المؤمن وعلى المؤمن له قبول أو رفض بنود العقد ولا يجوز له مناقشتها ولو بصورة عامة ، فيكون المؤمن في مركز قانوني أقوى بحيث يضع شروط العقد ويضعها للعموم وما على الطرف الراغب في التعاقد سوى القبول فيكون المؤمن في مركز اقتصادي أقوى فيجمع الاقساط من المؤمن لهم . لذلك تتدخل الدولة أحيانا من أجل تخفيف الاذعان كما أن القضاء والمشرع يتدخلان أيضا من أجل مناصرة المذعن والتقليل من الاذعان . لذلك تدخل المشرع المغربي ليفرض رقابة صارمة على شركات التأمين فأصبح المؤمن له يستطيع الاختيار بين عدة شركات للتأمين تعرض نفس الخدمات .

    الفرع الثاني : عقد التأمين من عقود الاحتمالية

    لأن المتعاقد لا يعرف مقدار ما يعطي أو مقدار ما يأخذ ، ولا يعرف أطرافه على وجه التحديد ، وعقد التأمين من أكثر العقود احتمالية ويظهر ذلك بجلاء في نوع التأمين من المسؤولية المدنية ، على غرار عقود تأمين الأشخاص التي تلعب فيها الإحصائيات دورا مهما هناك من صنفه ضمن عقود الغرر والمقامرة حيث لا يدري المؤمن له مقدار ما سيتحصل عليه عند تحقق الخسارة وكذلك المؤمن لا يعرف مقدما هل سيأخذ عوض التأمين المشترط أم لا ، وتعد صفة الاحتمالية من أبرز خصائص عقود التأمين فالاحتمال هو جوهر التأمين فإذا انتفى الاحتمال وقت العقد وقع التأمين باطلا وأيضا إذا زال الاحتمال أثناء سريان العقد انقضى التأمين بقوة القانون أي الفسخ .

    لكن بعض الفقهاء ذهب إلى نفي صفة الاحتمالية عن المؤمن ذلك أنه يستعين بالإحصائيات ليحدد مركزه الاقتصادي مقدما فلا يتعرض للخسارة في أغلب الحالات لكن مع ذلك لا يمكن لشركة التأمين أن تحدد ربحها بدقة وتبقى صفة الاحتمالية قائمة فهو لا يضمن المخاطر .

    الفرع الثالث : عقد التأمين من عقود حسن النية

    وتلعب حسن النية دورا مهما لحظة إبرام العقد بما يفرضه على المتعاقد خاصة من التزام بالإدلاء ببيانات متعلقة بمحل التأمين وظروفه أو في فترة تنفيذ العقد بما يوجب إخطار المؤمن بكل ما من شأنه أن يفاقم الخطر ويزيد من فرص تحققه . حيث يلتزم المتعاقد بالإبلاغ عن كل ما يعرفه من الظروف التي تزيد من احتمالية وقوع الخطر ومجرد الصمت من جانبه عن أوضاع معينة للخطر عند ابرام العقد يمكن أن يؤدي إلى إبطال العقد .

    لذلك كان حسن النية من مستلزمات عقد التأمين فهو لا يلزم طرفا دون آخر بل يلزم الطرفين معا بعدم إخفاء أي بيانات مهمة عن الآخر ، كما يجب على المؤمن عند تحرير عقد التأمين تقديم النصيحة للمؤمن له وشرح نصوص القانون لمن يجهلها بقصد تمكينه من اختيار الغطاء المناسب له و خطر تقديم بيانات غير صحيحة .

    الفصل الثالث : صور عقد التأمين

    استخدام عقد التأمين في مجالات متعددة جعلت منه عقدا متميزا عن باقي العقود وله خصوصيات ينفرد بها ، وعمليات الاستخدام المتنوعة لعقود التأمين افرزت صورا مختلفة منه تماشيا مع المخاطر الجديدة المطروحة فتظهر أنواع جديدة من عقود التأمين بشكل اضطراري نظرا لظهور مخاطر جديدة ، و نظرا لعدم القدرة على الاحاطة بجميع أنواع التأمينات وصعوبة معالجة كل صورة على حدة سنقتصر على دراستها من حيث المضمون ثم من حيث الشكل .

    المبحث الأول : عقد التأمين من حيث الشكل

    المطلب الأول : التأمين التعاوني

    ويسمى أيضا التأمين بالاكتتاب وهو التأمين الذي يتفق فيه مجموعة من الأشخاص على صرف مبالغ محددة لمن يقع له أي منهم خطر معين فيتعهدون فيما بينهم على وجه التقابل بتعويض الضرر الذي قد يطرأ على أحدهم ، الميزة الاولى أن في هذه الحالة كل عنصر من المجموعة يجمع بين صفتي المؤمن والمؤمن له ، الميزة الثانية هو التضامن والتكافل الموجود حيث يتحمل الجميع الخسارة بشكل جماعي وقد يكون مبلغ الاشتراك غير ثابت بين أعضاء المجموعة .

    المطلب الثاني : التأمين بأقساط محددة

    أو التأمين التجاري ، ويلتزم المؤمن له بدفع مبلغ محدد يسمى القسط إلى المؤمن الذي غالبا ما يكون شركة مساهمة نظير التزام الأخير بدفع عوض مالي عند تحقق الخطر محل العقد

    من خصائص هذا التأمين

    القسط يحدد مسبقا ، فلا ينتظر وقوع الخطر لتحديدها ويتم تحديد القسط بعد دراسة معدل الكوارث ونسب حدوثها .

    يحدد مسبقا مبلغ العوض المالي الذي يلتزم المؤمن بدفعه للمؤمن له عند تحقق الخطر ، وهو ما يساعد شركات التأمين على الوقوف بدقة على حجمها المالي وبالتالي الميزانية وتحديد التزاماتها المستقبلية ، وغالبا ما تفوق قيمة مجموع الاقساط قيمة مجموع التعويضات ويحدث الافلاس في حالة العكس .

    في حالة عدم تحقق الخطر محل العقد تستفيد الشركة من الاقساط المدفوعة دون تقاسمه مع المؤمنين لهم أي أن هذه الشركات تحرص على الربح أكثر من حرصها على التضامن .

    خلاصة القول أن جمعيات التبادل التعاوني خالية من هدف الربح وليس لديها رأسمال وليس فيها مساهمون يحصلون على أرباح وإنما لهم دور مزدوج فهم مؤمنون ومؤمنون لهم في نفس الوقت ، بينما التأمين بقسط هدفه الربح وتكون وراءه غالبا شركات مساهمة ذات رأس مال محدد من طرف القانون وأقساط التأمين فيها ثابتة لذلك سميت شركات ذات الأقساط الثابتة .

    المطلب الثالث : التأمين الاجتماعي

    التأمين الاجتماعي فهو نظامٌ يقومُ على تحقيق مصلحةٍ عامَّةٍ تتمثَّلُ في تغطية المخاطر الاجتماعيَّة التي يتعرَّض لها أفرادُ الطبقة العاملة والتي قد تحُولُ بينهم وبين مُباشرة عملهم، كالمرض والعجز والشيخوخة والبطالة. فهذا التأمين يستجيب لاعتباراتٍ اجتماعيَّةٍ تستندُ في جوهرها إلى فكرة التضامن أو التكافل الاجتماعي. لذلك تُساهم الدولة مع أصحاب الأعمال والعُمَّال في تحمُّل عبء هذا التأمين، أي اشتراكاته.والتأمين الاجتماعي تأمينٌ إجباريّ، وليس اختياريًّا للعامل أو صاحب العمل، متى توافرت شرُوطه. فالاشتراك في هذا التأمين التزام مصدرهُ القانون الذي يُحدد أحواله وشُروطه وآثاره ولا يملك أي طرف من أطراف العلاقة التعديل في ذلك ، وبذلك يختلف التنظيم القانوني لِهذا التأمين عن ذلك الذي يخضع لهُ التأمين الخاص. فالتأمين الخاص يخضع لِقاعدة العقد شريعةُ المُتعاقدين ومبدأ سُلطانُ الإرادة، وذلك في إطار القواعد الآمرة، أمَّا التأمينُ الاجتماعيّ فيتولّى المُشرِّع تنظيمه من كافَّة جوانبه سواء من حيثُ الشُروط والأحكام أو المُستفيدين، كما تتولّى الدولة مُراقبة تنظيمه وتتولّى إدارة شؤونه .

    المطلب الرابع : أوجه الاختلاف بين أنواع التأمين الثلاثة

    الاختلاف بين التأمين بقسط ثابت والتأمين التبادلي أو التعاوني : من الناحية الاقتصادية يكون الربح حاضرا بقوة في التأمين بقسط في حين لا يكون هو الهدف لدى هيئات التأمين التبادلي، أما من الناحية الفنية فالتأمين التجاري تغيب فيه فكرة التضحية أو التضامن بينما يكون هذا المفهوم حاضرا في التأمين التبادلي ، أما من الناحية القانونية فإن العقد يبرم بين المؤمن له و المؤمن في التأمين بقسط بينما يبرم في التأمين التبادلي بين مجموعة من المتعاقدين مهددين بنفس الخطر . أضف إلى ذلك غياب حساب الاحتمالات في التبادلي وحضوره في ت بقسط

    الاختلاف بين التأمين التجاري والتأمين الاجتماعي : الهدف في التجاري هو الربح بينما في الاجتماعي تحسين وضعية الطبقات الضعيفة ، التجاري يقع على عاتق المؤمن له بينما يتقاسمه في الاجتماعي الدولة وأرباب العمل والمؤمن له ، في التجاري هناك إرادة حرة في إبرام العقد واختيار الشركة وتغطية أي نوع من المخاطر وحق القبول والرفض وتحديد الشروط والسعر وغيره بينما في الاجتماعي فهو تأمين إجباري يحدده القانون ويحدد المستفيدين منه وشروط الاستفادة ويتولى التشريع تحديد المبالغ و حجمها وشروط استحقاقها وضوابط دفعها ، كما أن التأمين التجاري أوسع مجالا ويغطي عديد المجالات بينما تضيق مجالات التأمين الاجتماعي ، أما الجهة المزاولة في التجاري فهي الشركات بينما في الاجتماعي هي الدولة .

    الاختلاف بين التأمين التبادلي والاجتماعي : في التبادلي التأمين اختياري بينما إجباري في التأمين الاجتماعي ، يتحمل النفقات في التبادلي أطراف العقد بينما يتحمل ذلك في الاجتماعي الدولة وأرباب العمل والمستفيدين بشكل بسيط ، الاجتماعي أوسع مجالا من التبادلي الذي غالبا ما يحمي من خطر معين .

    المبحث الثاني : تقسيم التأمين من حيث الموضوع

    المطلب الأول : التأمين الفردي والتأمين الاجتماعي

    ينظر هذا التأمين في المصلحة المبتغاة فردي أو جماعي

    الفرع الأول : التأمين الفردي ( التأمين الخاص أو التجاري )

    هو التأمين الذي تطغى فيها لمصلحة الخاصة حيث يقوم المؤمن الفرد بهدف تحقيق غاية خاصة بغض النظر عن المصلحة الجماعية فهو يستهدف تأمين مستقبل الفرد من المخاطر والذي يتكفل به هو الشركات الخاصة التي ترمي إلى تحقيق الربح ، وهو تأمين اختياري في أغلب الحالات إلا في حالات المسؤولية المدنية كالتأمين على حوادث السير فيكون حينها تأمينا إجباريا يدخل في إطار تأمين اجتماعي يهدف المشرع من خلاله إلى تحقيق مصلحة اجتماعية متمثلة في مصلحة المضرورين من حوادث السير .

    الفرع الثاني : التأمين الاجباري

    هدفه هو تحقيق الأمان الاجتماعي وهو مظهر من مظاهر التعاون والتضامن تهدف الدولة من خلاله إلى تحسين ظروف عيش المواطنين والطبقات المعوزة خصوصا ، ويطال بالاهتمام العمال والعاطلين والمرضى والعجزة والمعوقين وتقوم به مؤسسة تابعة للدولة أو يشرف على ذلك صندوق الضمان الاجتماعي وربما يدخل هذا التأمين في إطار قانون الشغل ، لذلك كان التأمين الاجتماعي يخضع لقانون الشغل وليس لأحكام عقود التأمين .

    المطلب الثاني : التأمين البحري والجوي والبري

    ينكب هذا النوع على طبيعة الأخطار التي هي محل العقد

    الفرع الأول : التأمين البحري

    هو أقدم صور التأمين ، وهذا الصنف يتجسد في السفينة وما فيها ومسرحه البحر ويشمل الاخطار التي تتعرض لها السفينة ومن فيها من بحارة طيلة الرحلة البحرية كالحريق والغرق او ضياع بضاعة أو أذية مسافر و نادرا ما تبحر سفينة دون التأمين عليها حتى أضحت كل العلاقات البحرية تسوى بين المؤمنين وحتى كثير من القواعد الخاصة بالقانون البحري لا يمكن تفسيرها إلا إذا كان ذوي الشأن يقومون بالتأمين على مصالحهم في الرسالة البحرية .

    الفرع الثاني : التأمين الجوي

    هو من صور التأمين الجديدة ومحله مخاطر النقل الجوي ويغطي مخاطر الطائرة أو حمولتها أو المسافرين ويخضع للاتفاقيات الدولية المتعلقة بالطيران .

    الفرع الثالث : التأمين البري

    هو أهم أنواع التأمين لأنه يشمل صورا متنوعة تهم الأشخاص والممتلكات على سطح الارض

    المطلب الثالث : تأمين الأشخاص والتأمين من الاضرار

    التأمين البري ينقسم غلى قسمين رئيسيين : تأمين الاشخاص والتأمين ضد الاضرار

    الفرع الأول : التأمين على الأشخاص

    هو كل تأمين يتضمن خطرا يكون هو الشخص نفسه محلا للتأمين ، فقد تكون وفاة أو عجزا مؤقتا أو دائما أو إصابة خطرة او جرحا أو مرضا . ويحتوي على نوعين التأمين على الحياة والتأمين من الاصابات :

    البند الأول : التأمين على الحياة

    يتعهد في هذا العقد المؤمن أن يدفع للمؤمن له أو لشخص آخر ثالث مبلغا من المال عند موت المؤمن له أو عند بقائه حيا بعد مدة معينة مقابل أقساط محددة تكون على شكل مبلغ دفعة واحدة أو أقساط مرتبة حسب الاتفاق في بوليصة التأمين ، وهناك حوالي 100 نوع من صور التأمين على الحياة نقتصر على ذكر بعضها .

    التأمين لحالة الوفاة : فيكون المؤمن له هو الذي يواجه خطر الموت فيستفيد من مبلغ التعويض طرف ثالث مذكور في العقد ويسمى التأمين العمري وله ثلاثة أنواع : التأمين مدى الحياة فيدفع المؤمن له الاقساط بشكل دوري مدى الحياة لتستفيد الزوجة مثلا بعد وفاته من مبلغ التعويض وهنا نجد نوعين أيضا فإما التأمين لحالة الوفاة المؤقت أي أن الوفاة يجب أن تحدث خلال زمن محدد وإلا لا يستفيد المؤمن له أو ورثته من التعويض مثال ذلك لو كان الدائن يخاف على ماله من موت المدين والنوع الثاني التأمين ببقاء المستفيد حيا فيدفع المؤمن التعويض لو بقي المؤمن له حيا في تاريخ محدد فالخطر المؤمن منه هو بقاء المستفيد على قيد الحياة في نهاية فترة معينة .

    التأمين لحالة البقاء : فيستحق المؤمن له التعويض لو بقي حيا إلى تاريخ معين فيكون مثلا قد اصبح عجوزا أما إذا مات قبل ذلك التاريخ فتنتهي مسؤولية المؤمن .

    التأمين المختلط ويجمع بين التأمين على ا لوفاة خلال مدة معينة والتأمين لحالة البقاء على قيد الحياة بعد ذلك .

    البند الثاني : التأمين من الاصابات

    يسمى بالحوادث الشخصية فيلتزم المؤمن بدفع تعويض للمؤمن له أو ورثته مقابل أقساط يؤديها المؤمن له عند تحقق الخطر محل العقد ، هذا الخطر يسبب عجزا مؤقتا أو دائما ، جزئيا أو كليا ، فيفقد معه المؤمن له القدرة على العمل أو يسبب له الوفاة لسبب مفاجئ غير المرض الذي لا يشمله التأمين . ويختلف مبلغ التأمين باختلاف الاصابة البدنية هل موت أو عجز دائم أو مؤقت ، أما التأمين على المرض فإذا وقع المرض داخل الأجل المحدد فالمؤمن له يستفيد من استرداد مصروفات العلاج والأدوية كلها أو بعضها . والتأمين على المرض ينضوي تحت التأمين على الاشخاص عندما يدفع المؤمن المبلغ دفعة واحدة للمؤمن له بصرف النظر عن مقدار الاصابة والضرر الحاصل جراء المرض بينما ينضوي تحت تأمين الاضرار عند رد مصروفات العلاج والدواء فالمؤمن يعوض المؤمن له عما أصابه من خسارة ويتحمل معه نفقات العلاج والدواء وهذا هو الالتزام الرئيسي في التأمين على المرض .

    وللتأمين من الاصابات 3 صور :

    التأمين التكميلي : عند حدوث عجز للمؤمن له يتدخل المؤمن ليكمل اقساط التأمين على الحياة

    التأمين الجماعي : تعقده جماعة مع المؤمن فالمستفيدون غير محددين في الوثيقة وإنما بصفته أعضاء داخل الجماعة التي أبرمت العقد مع شركة التأمين ويحتسب القسط حسب المبلغ الإجمالي للأجور في شكل عقد جماعي ويكون عقدا إجباريا .

    التأمين الشعبي : هو تأمين على الحياة يكون لفائدة الطبقات المعوزة ويتميز بانخفاض قيمة القسط

    الفرع الثاني : التأمين ضد الأضرار

    ويسمى التأمين للممتلكات ، وهو التأمين الذي يهدف إلى تعويض المؤمن له عند تضرر ذمته المالية

    ويصعب معه تحديد مبلغ التأمين مقدما كما في التأمين على الاشخاص نظرا لارتباطه بالأضرار الواقعة بعد تحقق الخطر ، فيرتبط التعويض بحجم الضرر وهذا لا يمنع من تحديد الحد الاقصى للتعويض ، وهو يعتبر تعويض خسارة وليس وسيلة إثراء على حساب المؤمن فلا يجب أن يتجاوز قيمة الضرر الفعلية . نظم المشرع المغربي هذا التأمين في ظهير 2002 في الفصول 39-64 .

    والتأمين من الاضرار ينقسم إلى قسمين : التأمين على الاشياء والتأمين من المسؤولية

    البند الأول : التأمين على الاشياء

    ويقصد به تعويض المؤمن له عند خسارة تطال أمواله ، أو أي شيء قابل للتلف أو الهلاك ، المادة 41 من مدونة التأمينات الحالية . ويكون محل التأمين معينا بالذات وقت التأمين كـمنزل معين مثلا أو معدات أو بضائع أو المزروعات ، فيتم التأمين ضد السرقة أو الكسر أو التلف ، وفي تأمين الدين يكون المحل هو خطر عدم وفاء الدين أو إعسار المدين . نتطرق لمثالين :

    التأمين ضد الحريق : طبقا لشروط العقد مقابل أقساط محددة ، لو حدث حريق وليس بركان أو زلزال إلا لو ذكر ذلك في العقد ، مادة 56 من المدونة .

    التأمين ضد موت الماشية : ويتم تقدير الخسارة طبقا لسعر السوق ، مادة 60 من المدونة .

    تأمين الاستثمار ، تأمين الرأسمال ، تأمين ضد العواصف و الانفجارات

    البند الثاني : التأمين من المسؤولية

    ويقصد به ضمان المؤمن له بسبب المسؤولية الناتجة عن إلحاق الضرر بالغير ، فتكون حماية لذمة المؤمن له المالية وليس تعويضا للمتضرر فيحل المؤمن محل المؤمن له في تعويض المتضرر .

    والمتضرر هنا هو من يطالب شركة التأمين بالتعويض فيقدم طلبا وديا أو قضائيا إلى المؤمن أو المؤمن له .

    ويمكن اختزال صور التأمين من المسؤولية في ثلاثة صور : تأمين المسؤولية المدنية الخاصة وتأمين المسؤولية المدنية لصاحب المهنة وتأمين المسؤولية المدنية لرب العمل .

    اولا : تأمين المسؤولية المدنية الخاصة ، يحتوي على ضمان المؤمن له شخصيا بما قد يلحقه من إضرار بالغير بسبب قيامه بعمل أو امتناع عن عمل .

    ثانيا : تأمين المسؤولية المدنية لصاحب المهنة ، الصيادلة – الأطباء – الرياضيين – المحامون .

    ثالثا : تأمين المسؤولية المدنية لرب العمل ، اصابات العمل التي تصيب الاشخاص العاملين لديه أثناء قيامهم بالعمل أو أضرار الآلات التي يستعملها .

    ويمكن القول أن أنواع التأمين من المسؤولية كثيرة ومتنوعة كالتأمين عن حوادث المصاعد والنقل الصيد و حوادث السير .

    ويعتبر التأمين على المسؤولية المدنية للسيارات إجباريا ف يحق كل شخص طبيعي أو معنوي من الممكن أن يسأل مدنيا نتيجة الاضرار المادية التي يسببها للغير بواسطة عربة ذات محرك ، فالأضرار المضمونة في التأمين الإجباري هي الاضرار المادية أو البدنية التي تنتج عن مسؤولية مدنية فيجب استبعاد الغرامات والضمانات المالية المحكوم بها نتيجة المسؤولية الزجرية التي يتحملها أحيانا المسؤول المدني طبقا لمدونة السير كما تستبعد المسؤولية المدنية الناتجة عن الأخطاء العملية وتلك التي تخالف النظام العام ، فالغاية من التأمين الاجباري هو حماية الذمة المالية للمسؤولية المدنية ضد كل طلب صادر من الغير يهدف إلى الحصول على تعويض لضرر مادي أو جسمي أصيب به الضحية أو صاحب الحق بواسطة عربة ذات محرك تنطبق عليها الشروط التي حددها المشرع في العربة وبسبب مسؤولية المؤمن له .

    📗 خلاصة الباب

    • عرف التأمين أشكالا بدائية للتكافل منذ المجتمعات القديمة (جمعيات التحنيط المصرية، القرض البحري عند الفينيقيين والرومان)، وشهدت المجتمعات الإسلامية اجتهادا فقهيا منقسما بين إجازة التأمين قياسا على أنظمة التكافل الإسلامي (الموالاة، العواقل) وتحريمه لمشابهته الغرر والقمار، قبل أن يتخذ التأمين شكله التجاري الحديث في أوروبا بدءا من التأمين البحري ثم البري (ضد الحريق، على الحياة، من المسؤولية) فالجوي.
    • دخل التأمين المغرب سنة 1879 عبر شركة إسبانية بطنجة، وتطور تدريجيا إلى قطاع منظم. يصعب حصر عقد التأمين في تعريف واحد جامع، إذ يميل الفقه الراجح إلى تعريف الأستاذ هيمار الذي يجمع الجانبين القانوني والفني، ويتميز العقد بخصائص عامة (تبادلي، مستمر، رضائي، معاوضة) وأخرى خاصة (إذعان، احتمالية، حسن نية).
    • تتعدد صور عقد التأمين من حيث الشكل (تعاوني، بأقساط محددة، اجتماعي) ومن حيث الموضوع (فردي/اجتماعي، بحري/بري/جوي، على الأشخاص/من الأضرار)، وتحكم كل صورة قواعد خاصة بحسب طبيعة الخطر المؤمَّن منه.

  • وسائل الإثبات

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 14 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    بالرجوع للمواد من 286 الى 296 من ق.م.ج نجد المشرع المغربي نظمها تكريسا لما صادق عليه المغرب من معاهدات دولية ، واذا كان المشرع قد حافظ على المقتضيات القديمة من حيث المبدأ فانه أتى بمستجدات كقرينة البراءة وكذلك تفسير الشك لصالح المتهم وذلك من أجل حفظ التوازن بين مصلحة المجتمع من جهة وحقوق الأفراد وحرياتهم من جهة أخرى. المبدأ العام هو حرية الإثبات في الميدان الجنائي حسب المادة 286 من ق م ج التي تنص على أنه : ” يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي وفقاً للبند 8 من المادة 365 الآتية بعده. إذا ارتأت المحكمة أن الإثبات غير قائم صرحت بعدم إدانة المتهم وحكمت ببراءته.”

    اذا كانت الجريمة المقترفة تسري عليها أحكام القانون المدني في مجال الاثبات تعين تطبيق أحكام هذا الأخير المحصورة وسائل اثباته في الإقرار والحجة الكتابية وشهادة الشهود والقرائن بالإضافة الى اليمين، كما أن المشرع أضاف عبارة أحكام خاصة الى عبارة القانون المدني بمعنى ينصرف الى القانون المنظم للمعاملات التجارية وكذا بعض القوانين الخاصة، جاء في المادة المادة 288 : ” إذا كان ثبوت الجريمة يتوقف على دليل تسري عليه أحكام القانون المدني أو أحكام خاصة، تراعي المحكمة في ذلك الأحكام المذكورة.”

    وسائل الإثبات في الميدان الجنائي

    المبدأ العام في الميدان الجنائي هو حرية الإثبات بمعنى اعتماد أي وسيلة من وسائل الإثبات التي نوقشت أمام المحكمة علنيا وحضوريا، واطمأن اليها القاضي في تكوين قناعته حيث أن فلسفة القانون الجنائي تنطلق من خاصيتين وهما البراءة هي الأصل وأن الشك يفسر لصالح المتهم.

    المادة 289 : ” لا يعتد بالمحاضر والتقارير التي يحررها ضباط وأعوان الشرطة القضائية والموظفون والأعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية، إلا إذا كانت صحيحة في الشكل وضمن فيها محررها وهو يمارس مهام وظيفته ما عاينه أو تلقاه شخصياً في مجال اختصاصه.”

    المادة 290 : ” المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات، يوثق بمضمنها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات.”

    المادة 291 : ” لا يعتبر ما عدا ذلك من المحاضر أو التقارير إلا مجرد معلومات.”

    المحاضر لا يعتد بها الا اذا كانت صحيحة من حيث الشكل وضمنت فيها معاينة ضابط الشرطة القضائية، أو ما تمقاه شخصيا في اطار الاختصاص أثناء ممارسة وظيفته ، وقد اعتبرها المجلس الأعلى بهذا الخصوص وثيقة رسمية . هي محاضر يحررها ضابط الشرطة القضائية للتثبت من الجنح والمخالفات ويوثق بمضمونها مالم يثبت ما يخالفها بأي وسيلة من وسائل الإثبات تكريسا لما استقر عميه الاجتهاد القضائي بالمجلس الأعلى على اعتبار هذه الوسائل متساوية من حيث القيمة الثبوتية في الجنح والمخالفات. تعتبر المحاضر مجرد بيانات ولا تلزم القاضي وتبقى في شكل معلومات وأهمها المحاضر المحررة في الجنايات نظرا لما يكتنف هذه الأخيرة عادة من غموض وتعقيد لكون وضع المتهم يقتضي مرونة أكثر.

    المحاضر لا يمكن اثبات عكسها الا عن طريق الطعن فيها بالزور وهو ما نصت عليه المادة 292 من ق.م.ج بقولها: ” إذا نص قانون خاص على أنه لا يمكن الطعن في مضمون بعض المحاضر أو التقارير إلا بالزور، فلا يمكن – تحت طائلة البطلان- إثبات عكسها بغير هذه الوسيلة.”

    ثانيا : الاعتراف

    المادة 293 : ” يخضع الاعتراف كغيره من وسائل الإثبات للسلطة التقديرية للقضاة. لا يعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف أو الإكراه. وعلاوة على ذلك، يتعرض مرتكب العنف أو الإكراه للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي.”

    الاعتراف هو إقرار للمتهم على نفسه بصحة ارتكابه للجريمة المنسوبة اليه وهو سيد الأدلة وأقواها وبه تنهض المسؤولية الجنائية لصاحبه وهو نوعان :

    الاعتراف القضائي: الذي يصدر عن المتهم أمام المحكمة نتيجة استنطاق القاضي له، وهو اجراء يباشره المتهم بإقراره وفي ان واحد دليل تأخذ به المحكمة، وهو اجراء من اجراءات الإثبات.

    الاعتراف غير القضائي : يصدر عن المتهم أمام جهة غير قضائية كالتصريحات المدلى بها أمام الضابطة القضائية أثناء مرحلة البحث التمهيدي، الاعتراف القضائي لا يمكن الادعاء بكونه انتزع تحت الضغط أو العنف، بخلاف الاعتراف غير القضائي الذي تبقى سبل الطعن فيه مفتوحة.

    وحتى يكون الاعتراف منتجا لأثاره في النزاع لابد أن تتوفر فيه الشروط التالية:

    أن يكون صادرا من المتهم على نفسه بصفة شخصية.

    أن ينصب الاعتراف على الأفعال المقترفة والمسطرة بوقائع النازلة.

    أن يكون الاعتراف صادرا عن شخص يتمتع بكامل قواه العقلية يفقه ما يقوله ومقدرا لنتائجه.

    أن يصدر الاعتراف عن المتهم طوعا وبمحض ارادته وغير منتزع باكراه أو تعذيب.

    ثالثا : شهادة الشهود

    بالرجوع لممادة 296 من ق.م.ج نجد تنص على أنه : ” تقام الحجة بشهادة الشهود وفقا لمقتضيات المادة 325 وما يليها إلى غاية المادة 346 من هذا القانون.”

    المادة 325 : ” يتعين على كل شخص استدعي بصفته شاهداً أن يحضر ويؤدي اليمين، عند الاقتضاء، ثم يؤدي شهادته. يستدعى الشاهد تلقائياً من طرف المحكمة أو بناء على طلب النيابة العامة أو الطرف المدني أو المتهم أو المسؤول عن الحقوق المدنية، إما برسالة مضمونة مع إشعار بالاستلام، و إما باستدعاء يبلغه عون التبليغ أو عون قضائي، وإما بالطريقة الإدارية. ينص في الاستدعاء على أن القانون يعاقب على عدم الحضور كما يعاقب على شهادة الزور.”

    المادة 346 : ” إذا عارض شخص استمع إليه أثناء جلسة الحكم بصفته شاهدا أو على سبيل الاستئناس فيما ورد بمستنتجات أحد الخبراء أو تقدم ببيانات تقنية جديدة، فإن الرئيس يطلب من الخبير ومن النيابة العامة والأطراف عند الاقتضاء أن يقدموا ملاحظاتهم. تصرح المحكمة بقرار معلل إما بصرف النظر عن المنازعة ومواصلة المناقشات، وإما بتأجيل القضية إلى تاريخ لاحق، وفي هذه الحالة الأخيرة، يمكن للمحكمة أن تقرر كل تدبير تراه مفيدا بالنسبة لإجراء الخبرة.”

    هكذا بالإمكان استدعاء الشاهد بكافة الطرق المنصوص عليها قانونا، اذ يمكن استدعاؤه برسالة مضمونة مع الإشعار بالاستلام أو باستدعاء يبلغه عون التبليغ أو عون قضائي أو بالطريقة الإدارية وقد يستدعى شفويا بواسطة أي ضابط من ضباط الشرطة القضائية.

    رابعا : الخبرة

    نصت المادة 295 من ق.م.ج على أنه : ” يجب على المحكمة التي تأمر بإجراء الخبرة أن تراعي في ذلك مقتضيات المادتين 194 و195 والمادة 198 وما يليها إلى غاية 208 من هذا القانون.”

    المادة 194 : ” يمكن لكل هيئة من هيئات التحقيق أو الحكم كلما عرضت مسألة تقنية، أن تأمر بإجراء خبرة إما تلقائيا وإما بطلب من النيابة العامة أو من الأطراف. يقوم الخبير أو الخبراء بمهمتهم تحت مراقبة قاضي التحقيق أو المحكمة المعروضة عليها القضية أو القاضي الذي تعينه المحكمة عند الاقتضاء. إذا ارتأى قاضي التحقيق أنه لا موجب للاستجابة للطلب الخاص بإجراء الخبرة، فعليه أن يصدر في ذلك أمرا معللا قابلا للاستئناف، طبق الكيفيات وضمن الآجال المنصوص عليها في المادتين 222 و223.”

    المادة 195 : ” يعين لإنجاز الخبرة خبير مسجل بجدول الخبراء القضائيين ما عدا إذا تعذر ذلك. وفي هذه الحالة، يؤدي الخبير اليمين المنصوص عليها في المادة 345 بعده أمام قاضي التحقيق. يجب أن توضح دائما في المقرر الصادر بإجراء الخبرة مهمة الخبراء التي لا يمكن أن تنصب إلا على دراسة مسائل تقنية.”

    الخبرة هي اجراء يهدف القاضي من وراءه استشارة شخص لو دراية خاصة بمسألة من المسائل تتطلب معلومات خاصة من الناحية التقنية والفنية والعلمية، ولا يستأنس القاضي من نفسه فهمها بصورة دقيقة واجلاء غموضها لكونه لا يملك القدرة العلمية للقيام بذلك مهما بلغ مستواه الثقافي والمعرفي لأن تكوينه قانوني بالخصوص، وبذلك فالخبرة من أهم وسائل الإثبات في الميادين الزجرية والمدنية والتجارية.

    بالتوفيق

    📗 خلاصة الباب

    • تختلف وسائل الإثبات في الميدان الجنائي عن الميدان المدني بمبدأ حرية الإثبات (لا حصر لوسائله)، لكنها تبقى مقيدة بشرعية طرق الحصول على الدليل وعدم المساس بحقوق الدفاع.
    • من أبرز وسائل الإثبات الجنائي: الاعتراف (لا يُعفي وحده من ضرورة التحقق من مطابقته للواقع)، وشهادة الشهود (المرتبطة بيمين وحياد)، والخبرة الفنية التي تساعد القضاء دون أن تلزمه.

  • القواعد الخاصة بالأحداث 458-504

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 13 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    وضع المشرع من أولوياته حماية الحدث من الانحراف كوسيلة وقائية واعادة إدماجه إذا تعرض للانحراف، وذلك مراعاة لمصلحة الحدث المتمثلة في ضمان نمو الحدث السليم في المجتمع، ليكون عضوا صالحا فيه.

    سن الرشد الجنائي

    بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية نجده رفع سن الرشد الجنائي إلى ثمان عشرة سنة ميلادية كاملة. وما دام أن مناط المسؤولية الجنائية هو التمييز، فالمشرع اعتبر من هو دون 12 سنة منعدم التمييز، وقرر انعدام مسؤوليته الجنائية. أما الاحداث الذين يتجاوز سنهم 12سنة إلى غاية 18سنة ، فقد اعتبرهم ناقصي المسؤولية الجنائية لعدم اكتمال تمييزهم. واذا كان المشرع قد اعتبر الحدث دون 12سنة منعدم المسؤولية الجنائية، فإن هذا لا يعني أنه لا يمكن محاكمته واتخاذ بعض التدابير في حقه، فالمشرع سمح باتخاذ بعض التدابير في حقه، لتحقيق الهدف المذكور، ومنع إيداعه بالسجن.

    إثبات السن

    إذا وقع الخلاف في السن ولم تتوفر شهادة تثبت حالة الحدث المدنية، أعطى المشرع الصلاحية لتحديد هذا السن، وذلك باللجوء إلى الخبرة الطبية وجميع التحريات التي تفيد في تحديده.

    حقوق الحدث أثناء البحث التمهيدي

    نصت المادة 460 ق.م.ج على مجموعة من الحقوق للحدث أثناء البحث التمهيدي، وهي كالتالي:

    • الاحتفاظ بالحدث المنسوبة إليه الجرائم في مكان مخصص للأحداث لمدة لا تتجاوز المدة المحددة للحراسة النظرية.

    • اتخاذ كافة التدابير لمنع إيذاء الحدث.

    • إشعار أولياء الحدث أو المقدم عليه أو وصيه أو كافله أو حاضنه أو المؤسسة المعهود إليها برعايته بالإجراء المتخذ في حقه.

    وذلك مع إمكانية الاتصال بالحدث من طرف محاميه أو من طرف الأشخاص الواردين في الفقرة الثانية من المادة 460 عند اتخاذ تدبيري للاحتفاظ أو الحراسة المؤقتة.

    هيئات التحقيق والحكم

    تتم معالجة قضايا الأحداث خارج إطار المحاكمة الرسمية لتفادي الآثار السلبية على نفسية الحدث، وخاصة من الناحية الاجتماعية. وقد كرس قانون المسطرة الجنائية هذه القاعدة المادة 461، حيث أعطت الصلاحية للنيابة العامة عند ارتكاب الحدث لجنحة، تطبيق مسطرة الصلح، وكذا أن تلتمس من المحكمة وقف سير الدعوى العمومية أثناء سريانها في حالة سحب الشكاية أو تنازل المتضرر عن شكايته.

    المادة 461 : ” تحيل النيابة العامة الحدث الذي يرتكب جريمة إلى قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث. إذا وجد مع الحدث مساهمون أو مشاركون رشداء، وجب فصل قضيتهم عن القضية المتعلقة بالحدث، وتكون النيابة العامة ملفا خاصا للحدث تحيله إلى قاضي الأحداث أو إلى المستشار المكلف بالأحداث. يمكن للنيابة العامة في حالة ارتكاب جنحة، إذا وافق الحدث ووليه القانوني وكذلك ضحية الفعل الجرمي، تطبيق مسطرة الصلح المنصوص عليها في المادة 41 من هذا القانون. يمكنها كذلك أن تلتمس، بعد إقامة الدعوى العمومية وقبل صدور حكم نهائي في جوهر القضية، إيقاف سير الدعوى العمومية في حالة سحب الشكاية أو تنازل المتضرر. ويمكن مواصلة النظر في الدعوى العمومية بطلب من النيابة العامة، إذا ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية، ما لم تكن قد سقطت بالتقادم أو بسبب آخر”.

    الهيئات المنوط بها النظر في قضايا الأحداث

    نص قانون المسطرة الجنائية على هيئات قضائية مكلفة بالأحداث أمام كل من المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، هذه الهيئات وفق ما حددتها المادة 462 بقولها : مع مراعاة الاختصاصات المخولة لبعض المحاكم بمقتضى نصوص خاصة، فإن الهيئات القضائية المكلفة بالأحداث هي:

    1- بالنسبة للمحكمة الابتدائية:

    أ) قاضي الأحداث؛

    ب) قاضي التحقيق للأحداث؛

    ج) غرفة الاستئنافات للأحداث.

    2- بالنسبة لمحكمة الاستئناف:

    أ) المستشار المكلف بالأحداث؛

    ب) الغرفة الجنحية للأحداث؛

    ج) غرفة الجنح الاستئنافية للأحداث؛

    د) غرفة الجنايات للأحداث؛

    ه) غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث.

    يجب أن يرأس هذه الهيئات عند النظر في قضايا الأحداث قاض أو مستشار مكلف بالأحداث.

    تراعى في تشكيلة هذه الهيئات مقتضيات المادة 297 أعلاه.

    لا يمكن تحت طائلة البطلان لأي قاض أو مستشار عين أو انتدب أو كلف بصفة مؤقتة أن يشارك في الحكم في قضايا سبق له أن مارس فيها التحقيق الخاص بالأحداث.

    لا يمكن لقضاة الأحداث أن يشاركوا في الحكم في قضية سبق لهم البت في موضوعها.”

    أولا : قاضي الأحداث لدى المحكمة الابتدائية

    البت في المخالفات

    البت في الجنح بصفة منفردة: تجري مسطرة محاكمة الحدث وفق نفس الإجراءات المنصوص عليها في الفرع الثالث من الباب الأول من القسم الثالث من الباب الأول من القسم الثالث المتعلق بالقواعد العامة بشأن الجلسة، إلا أن ما يميز هذه المسطرة، هو مراعاة خصوصية

    • المؤازرة بالمحامي.

    • حضور الحدث شخصيا مع ممثله القانوني.

    • سرية المحاكمة.

    • البحث الاجتماعي

    ثم بعد ذلك تأتي مراحل إصدار الحكم، والتحقيق في الجنح المنسوبة للأحداث، اتخاذ التدابير المؤقتة والإيداع في السجن والإحالة على الغرفة الجنحية، وأخيرا تتبع وضعية الحدث وتفقده.

    غرفة الأحداث لدى المحكمة الابتدائية

    تختص غرفة الأحداث لدى المحكمة الابتدائية بالنظر في قضايا الجنح التأديبية المنسوبة للأحداث، وتتشكل هذه الغرفة من قاضي الأحداث بصفته رئيسا، ومن قاضيين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة ومساعدة كاتب الضبط، وقد أوجب المشرع أن تكون غرفة الأحداث مشكلة تشكيلا قانونيا.

    وعليه فإنه يتعين أن يترأس الهيئة قاضي الأحداث، والا كان الحكم باطلا، ويجب أن يشار إلى ذلك في الحكم، كما يجب أن تراعى المقتضيات الواردة في المادة 297 ق.م.ج التي تنظم شروط صحة انعقاد الجلسا، ويجب تحت طائلة البطلان، أن تصدر غرفة الأحداث حكمها عن نفس القضاة الذين شاركوا في جميع المناقشات. واذا تعذر حضور قاض أو أكثر أثناء النظر في القضية، تعاد المناقشات من جديد.

    المستشار المكلف بالأحداث على مستوى محكمة الاستئناف

    على غرار قاضي الأحداث بالمحكمة الابتدائية، يوجد على مستوى محكمة الاستئناف مستشار مكلف بالأحداث. فقد نصت المادة 485 ق.م.ج على أنه” يعين بقرار لوزير العدل في كل محكمة استئناف، مستشار أو أكثر للقيام بمهام مستشار مكلف بالأحداث لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ويعفى من مهامه بنفس الكيفية. في حالة تغيب المستشار المعين أو إذا حال دون قيامه بمهمته مانع، فإن الرئيس الأول يكلف من يقوم مقامه بعد استشارة الوكيل العام للملك. يكلف الوكيل العام للملك قاضيا أو عدة قضاة من النيابة العامة بقضايا الأحداث.”

    اختصاصات المستشار المكلف بالأحداث

    إجراء التحقيق في القضايا الجنائية المنسوبة للأحداث، وجميع الجنايات التي يرتكبها أحداث، تحال على مستشار مكلف بالأحداث، لمباشرة التحقيق فيها بناء على ملتمس بإجراء تحقيق من الوكيل العام للملك، وبواسطة هذا الملتمس يضع المستشار المذكور يده على القضية، ويتولى إجراء التحقيق فيها طبقا للقواعد المقررة في القسم الثالث من الكتاب الأول المتعلق بالتحقيق الإعدادي، أي يقوم المستشار المكلف بالأحداث بنفس الدور الي يقوم به قاضي التحقيق بالنسبة للرشداء. هذا الأخير عليه عند ممارسته لمهامه في إجراءات التحقيق، أن يراعي الحقوق والضمانات التي كففيا المشرع للحدث.

    وبعد إنهاء التحقيق في القضية يصدر المستشار المكلف بالأحداث قرارا بإنهاء البحث ويحيل الملف على الوكيل العام للملك ليضع ملتمسه النهائي خلال ثمانية أيام على الأكثر. وبعد رجوع الملف مع ملتمس النيابة العامة، يصدر المستشار المكلف بالأحداث أمره النهائي. بالإضافة إلى هذا الاختصاص الأساسي، أسند المشرع للمستشار المكلف بالأحداث، صلاحية رئاسة الهيئات المنوط بها النظر في قضايا الأحداث على مستوى محكمة الاستئناف. ومن الاختصاصات الأخرى المهمة التي أسندها المشرع للمستشار المكلف بالأحداث اتخاذ التدابير في حق الضحية الحدث طبقا للمادتين 510 و 511 ق.م.ج، والبت في تغيير التدابير المتخذة في حق الحدث وفق المادة 501 ق.م.ج وكذا البت في النزاعات العارضة.

    الغرفة الجنحية للأحداث لدى محكمة الاستئناف

    تتكون هذه الغرفة تحت طائلة البطلان من مستشار للأحداث بصفته رئيسا ومن مستشارين اثنين وتعقد جلساتها بحضور ممثل النيابة العامة وبمساعدة كاتب الضبط، وتنظر في :

    أولا: في طلبات الإفراج المؤقت المقدمة إليها مباشرة طبقا لمفقرتين الرابعة والخامسة من المادة 179 ق.م.ج وفي تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المتخذة.

    ثانيا: في طلبات بطلان إجراءات التحقيق المنصوص عليها في المواد 210 إلى 213 ق.م.ج.

    ثالثا: في الاستئنافات المرفوعة إليها ضد أوامر قاضي الأحداث والمستشار المكلف بالأحداث عند قيامها بمهام قاضي التحقيق المستمدة من المادة 222 ق.م.ج وما يليها.

    رابعا : البت كدرجة استئنافية في الأوامر بشأن تغيير التدابير.

    غرفة الجنايات للأحداث وغرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث

    من المعلوم أن من أهم مستجدات قانون المسطرة الجنائية هو إقرار مبدأ التقاضي على درجتين بالنسبة للقضايا الجنائية، وذلك تماشيا مع مبادئ المحاكمة العادلة. من أجل ذلك تم إنشاء غرفتين للأحداث بمحاكم الاستئناف، الأولى هي غرفة الجنايات للأحداث والثانية هي غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث.

    وتتألف غرفة الجنايات للأحداث من مستشار للأحداث بصفته رئيسا، وعضوية مستشارين اثنين، بحضور ممثل النيابة العامة ومساعدة كاتب الضبط، ويتم تعيين الهيئة من طرف الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف، كما تعين هذه الجمعية نائبا للرئيس من بين المستشارين المكلفين بالأحداث ومستشارين إضافيين، واذا كانت القضية تستوجب مناقشات طويلة يمكن أن تضم الغرفة إلى أعضائها مستشارا أو أكثر يعينهم الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف. ويجب أن تصدر الغرفة قراراتها بنفس القضاة الذين شاركوا في جميع المناقشات والا كان القرار باطلا.

    الحرية المحروسة

    يعني نظام الحرية المحروسة إخضاع الحدث للإشراف والتتبع التربوي، لإعادة تربيته وتجنيبه كل عود إلى الجريمة، وبذلك يتبين أن الطبيعة القانونية لنظام الحرية المحروسة أنها تدبير لحماية الحدث وتهذيبه، أي تدبير احترازي وتربوي محض. ويمكن استعماله للتجربة، كما يمكن استعماله للتربية، ويمكن اتخاذ هذا التدبير بصفة مستقلة، كما يمكن استعماله مع تدبير أو تدابير أخرى. ومن خلال الإطلاع على مختلف المواد المنظمة لقضاء الأحداث، يتبين أن هذا التدبير يمكن استعماله في حق كل حدث جانح، وهو الحدث الذي وضع أساسا من أجله هذا النظام، كما يمكن استعماله في حق الأطفال ضحايا الجنايات والجنح

    تغيير تدابير المراقبة والحماية واعادة النظر

    يمكن للحدث أو لوالدي الحدث أو الوصي عليه أو المقدم أو حاضنه أو كافله، أن يتقدم بطلب إلى قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث، لتسليم الحدث أو إرجاعه تحت الحضانة وذلك وفق المادة 502 من ق.م.ج التي جاء فيها : ” إذا مرت على الأقل ثلاثة أشهر على تنفيذ مقرر صادر بإيداع الحدث خارج أسرته، يمكن لأبويه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو حاضنه أو كافله أن يقدموا طلبا بتسليمه إليهم أو بإرجاعه تحت حضانتهم، وذلك بعدما يثبتون أهليتهم لتربية الطفل وتحسن سيرته تحسنا كافيا، كما يجوز للحدث تقديم نفس الطلب. يمكن الطعن بالاستئناف في قرار قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث داخل أجل عشرة أيام ابتداء من تاريخ صدوره، من طرف النيابة العامة أو الحدث أو أحد الأشخاص المشار إليهم في الفقرة الأولى من هذه المادة، ويرفع هذا الاستئناف أمام الغرفة الجنحية للأحداث بمحكمة الاستئناف. في حالة رفض الطلب يمكن تجديده في أي وقت.”

    تنفيذ الأحكام

    أحاط المشرع الإجراءات والأحكام المتعلقة بالأحداث بضمانات خاصة، بحيث منع على العموم الإطلاع عليها، كما منع الاطلاع على السجل الخاص الذي تدون وتسجل به، كما نصت المادة 507 على مجموعة من الضمانات : ” إذا تأكد تحسن سيرة الحدث، يمكن لقاضي الأحداث، بعد انصرام أجل ثلاث سنوات ابتداء من يوم انتهاء مدة تدبير الحماية أو التهذيب، أن يأمر بإلغاء البطاقة رقم 1 التي تنص على التدبير المتخذ في حقه إما تلقائياً أو بطلب من النيابة العامة أو من الحدث المذكور أو ممثله القانوني أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو الشخص أو المؤسسة المكلفة برعايته. يختص بالنظر في ذلك كل من القاضي الذي أجرى المتابعة الأولى، أو القاضي الذي يوجد في دائرته الموطن الحالي للحدث، أو القاضي الذي كانت ولادة الحدث بدائرته. يقبل مقرر القاضي بالرفض الطعن بالاستئناف أمام الغرفة الجنحية للأحداث لدى محكمة الاستئناف داخل أجل عشرة أيام. إذا صدر الأمر بالإلغاء، أتلفت البطاقة رقم 1 المتعلقة بالتدبير المذكور.”

    المادة 508 : ” يتعين في جميع الحالات التي يسلم فيها الحدث مؤقتا أو نهائيا لغير أبيه أو أمه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو حاضنه، إصدار حكم يتضمن تحديد الحصة التي تتحملها الأسرة من صوائر الرعاية والإيداع مع مراعاة مداخيلها. تعفى الأسرة من هذه المصاريف إذا أثبتت عوزها. تستخلص هذه الصوائر باعتبارها من صوائر القضاء الجنائي. تؤدى التعويضات العائلية والمساعدات الاجتماعية التي يستحقها الحدث، في سائر الأحوال مباشرة وأثناء مدة الرعاية أو الإيداع، من طرف الهيئة المدينة بها إلى الشخص أو المؤسسة المكلفة بالحدث. إذا سلم الحدث لمصلحة عمومية مكلفة برعاية الطفولة، فإن الدولة تتحمل الحصة غير الواجبة على الأسرة من صوائر الرعاية والإيداع.”

    المادة 509 : ” تعفى الأحكام الصادرة عن الهيئات القضائية للأحداث من إجراءات التنبر والتسجيل، باستثناء ما يرجع منها للبت في المطالب المدنية إن اقتضى الحال ذلك.”

    حماية الأطفال ضحايا جنايات أو جنح

    المادة 510 : ” إذا ارتكبت جناية أو جنحة وكان ضحيتها حدثاً لا يتجاوز عمره 18 سنة، فلقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث إما استنادا لملتمسات النيابة العامة وإما تلقائيا، بعد أخذ رأي النيابة العامة أن يصدر أمرا قضائيا بإيداع الحدث المجنى عليه لدى شخص جدير بالثقة، أو مؤسسة خصوصية أو جمعية ذات منفعة عامة مؤهلة لذلك أو بتسليمه لمصلحة أو مؤسسة عمومية مكلفة برعاية الطفولة إلى أن يصدر حكم نهائي في موضوع الجناية أو الجنحة. ينفذ هذا الأمر رغم كل طعن. يمكن للنيابة العامة أو لقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث الأمر بعرض الحدث على خبرة طبية أو نفسية أو عقلية لتحديد نوع وأهمية الأضرار اللاحقة به وبيان ما إذا كان يحتاج إلى علاج ملائم لحالته حالاً ومستقبلاً.”

    إن أول ملاحظة تثار في هذا الشأن هو أن المشرع أدرج هذه المقتضيات في قانون المسطرة الجنائية، رغم أن هؤلاء الأطفال لم يرتكبوا جرما، وتوفير هذه الحماية، خصه المشرع بالأطفال ضحايا الجنايات والجنح دون 18سنة، واستبعد بذلك ضحايا المخالفات.

    كما أسند هذا الاختصاص لقاضي الأحداث، إذا تعلق بجنحة من اختصاص المحكمة الابتدائية، أو للمستشار المكلف بالأحداث، إذا تعلق الأمر بجناية أو جنحة مرتبطة بها من اختصاص محكمة الاستئناف، ويضعان يدهما على القضية إما تلقائيا أو بناء على ملتمس من النيابة العامة.

    أما النوع الثاني من الحماية فلا يكون إلا بعد صدور الحكم، بحيث يمكن للنيابة العامة أن تحيل القضية على قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث، ليتخذ ما يراه مناسبا من تدابير الحماية، إذا كانت مصلحة الحدث تبرر ذلك.

    حماية الأطفال الموجودين في وضعية صعبة

    المادة 512 : ” يمكن لقاضي الأحداث لدى المحكمة الابتدائية بناء على ملتمس النيابة العامة أن يتخذ لفائدة الحدث الموجود في وضعية صعبة أي تدبير يراه كفيلاً بحمايته..”

    ملف الوضعية الصعبة يفتح بملتمس من وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية، ويحال على قاضي الأحداث الذي يتولى دراسته واتخاذ الإجراءات المناسبة وإخراج الحدث من الوضعية الصعبة التي يعاني منها، وأول ما يلاحظ هنا هو أن المشرع حدد السن في أقل من 16 سنة على خلاف ما تبناه بالنسبة لسن الرشد الجنائي والحدث الضحية.

    وغني عن البيان أن تحريك مسطرة حماية الطفل في وضعية صعبة بيد النيابة العامة أساسا، فهي التي تتقدم بالملتمس لفائدة الحدث أمام قاضي الأحداث، إلا أن المشرع أعطى بصفة استثنائية لغرفة الأحداث لدى المحكمة الابتدائية أن تتخذ في حق الحدث الذي تحكم ببراءاته، أحد التدابير المقررة للطفل في وضعية صعبة، إذا تبين لها أن مصلحته تقتضي ذلك.

    ويتعين على قاضي الأحداث أن يتتبع تطور حالة الطفل بواسطة التقارير الدورية التي تقدم له من طرف مندوب الحرية المحروسة، ولا تنتهي مهمة القاضي إلا بانتهاء الوضعية الصعبة، أو ببلوغ الطفل 16 سنة، أو سن الرشد الجنائي إذا كانت مصلحته تستوجب ذلك.

    📗 خلاصة الباب

    • تخضع قضايا الأحداث (دون سن الرشد الجنائي) لهيئات قضائية متخصصة (قاضي الأحداث، غرفة الأحداث، المستشار المكلف بالأحداث) ولتدابير حمائية تربوية تراعي المصلحة الفضلى للطفل أكثر من العقاب الزجري.
    • يتمتع الحدث بضمانات إجرائية خاصة أثناء البحث والتحقيق والمحاكمة، وتشمل الحماية أيضا الأطفال ضحايا الجرائم والأطفال الموجودين في وضعية صعبة، لا الأحداث الجانحين فقط.

    ◀ الفصل السابق: طرق الطعن

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: وسائل الإثبات

  • طرق الطعن

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 12 من 14 — فهرس الكتاب

    طرق الطعن العادية 393-415

    أولا : التعرض

    من المعلوم أن التعرض يعتبر من طرق الطعن العادية، ويتم تقديمه ضد الأحكام الغيابية.

    ويعتبر التعرض طريقا عاديا من طرق الطعن، يستطيع من خلاله المحكوم عليه بحكم غيابي عرض الدعوى من جديد أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه بالتعرض. ويتضح من خلال ذلك أن التعرض بالرغم من كونه طريقا عاديا لمطعن، إلا أنه قاصر على نوع من الأحكام وهي الأحكام الغيابية. كما أنه قاصر على الجنح والمخالفات، أما المسطرة الغيابية المطبقة أمام غرفة الجنايات فهي قرارات تهديدية إن صح التعبير، لأنها تسقط بحضور الشخص الذي طبقت في حقه تلك المسطرة.

    الأحكام القابلة للتعرض

    اشترط المشرع لقبول التعرض توافر بعض الشروط، منها ماله ارتباط بحق الطعن ومنها ما يتعلق بصفة الطاعن ومنها مالو ارتباط بالإجراءات، وعدم توفر هذه الشروط يؤدي إلى عدم قبول الطعن، هذا الحق يتعلق أساسا بالأحكام التي تقبل هذا النوع من الطعن، وهي الأحكام الغيابية التي تصدر في غيبة المتهم، بعد استدعائه واحجامه عن الحضور.

    أجل التعرض

    إن الأجل الذي تم التنصيص عليه لمباشرة هذا الطعن هو عشرة أيام، هذا الأجل لا يبتدئ إلا من اليوم الموالي لتاريخ التبليغ، ويمكن أن يمتد إلى غاية انتهاء آجال تقادم العقوبة، إذا تعلق الأمر بدعوى عمومية ولم يتم التبليغ إلى المتهم شخصيا، ولم يثبت من أية وثيقة من وثائق التنفيذ أن هذا الأخير علم بالحكم الزجري الصادر في حقه.

    شكل التصريح بالتعرض والمنازعات المثارة بشأنه

    يكون هذا الطعن على شكل تصريح يقدمه المحكوم عليه أو دفاعه لكتابة الضبط، وهذا التصريح لا يكون بالضرورة مكتوبا، بل قد يكون شفويا.

    المحكمة المختصة بالبت في التعرض

    البت في التعرض يرفع إلى المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي.

    أثر التعرض

    نصت المادة 394 ق.م.ج على أنه”: يترتب عن التعرض المقدم من طرف المتهم بطلان الحكم الصادر عليه غيابيا في مقتضياته الصادرة بالإدانة. لا يصح التعرض المقدم من الطرف المدني أو من الشخص المسؤول عن الحقوق المدنية إلا فيما يتعلق بحقوقهما المدنية. في حالة التعرض يسلم استدعاء جديد للطرف المتعرض في الحين، ويستدعى باقي الأطراف لحضور الجلسة. يلغى التعرض إن لم يحضر المتعرض في التاريخ المحدد في هذا الاستدعاء الجديد. لا يقبل التعرض على الحكم الصادر بناء على تعرض سابق.”

    النتيجة الأولى: بطلان الحكم

    ومعنى بطلان الحكم الغيابي أنه يصبح معدوم الأثر، أما المسؤول المدني أو المطالب بالحق المدني الذي لا يحق لو أن يطعن بالتعرض إلا إذا كان الحكم غيابها بالنسبة إليه، فلا يمكنه أيضا الطعن في هذا الحكم إلا إذا مست حقوقه.

    النتيجة الثانية : إلغاء التعرض

    وتتجسد في إلغاء التعرض إذا لم يحضر المتعرض بعد تسلمه الاستدعاء الجديد عقب التعرض، فإذا أبلغ المحكمة بأن تخلفه كان بسبب عذر مشروع، تعين تأخير القضية إذا تم قبول هذا العذر، وان تم رفضه، فله أن يتمسك به لدى المحكمة الأعلى درجة.

    النتيجة الثالثة: في حالة تعدد الأشخاص

    إذا تعدد الأشخاص الذين صدر في حقهم الحكم الغيابي، وعند التبليغ تعرض البعض منهم دون الآخر، فإن ذلك لا يؤثر على الصفة النهائية التي يكتسبها الحكم اتجاه الطرف الذي لم يتعرض عليه داخل الأجل أو يطعن فيه بوجه آخر من وجوه الطعن.

    النتيجة الرابعة: في حالة تعدد أوصاف الحكم

    المجلس الأعلى يصرح بعدم قبول الطعن بالنقض متى كان القرار المطعون فيه وصف غيابها في حق البعض وحضوريا في حق البعض الآخر، بدعوى أن القرار المطعون فيه واحد وأنه معرض للبطلان متى تم التعرض عليه من طرف من صدر في حقه غيابيا، وفي هذا حيف بالنسبة لمن صدر حضوريا في حقه.

    التعرض على السند التنفيذي والأمر القضائي في المخالفات

    يحق للنيابة العامة أن تقترح على المخالف، بمقتضى سند تنفيذي، أداء غرامة جزافية تبلغ نصف الحد الاقصى المقرر قانونا لتلك المخالفة، شريطة ان تتعمق بغرامة فقط، ولا يعاقب عليها القانون بعقوبة سالبة للحرية، ويكون ارتكابها مثبتا بمحضر أو تقرير ولا يظهر فيها مطالب بالحق المدني. وهذا السند الذي تصدره النيابة العامة، يتضمن شكليات معينة ومحددة. وهي في مجموعها عبارة عن اقتراح يوجه للشخص المخالف لأداء الغرامة الجزافية التي لا تكتسي صبغة الإلزام، بل توفق بين مصلحة المخالف الذي إن قبل السند التنفيذي الموجه إليه سيؤدي فقط نصف الحد الأقصى للغرامة المحددة قانونا، وبين المصلحة العامة إذ ستوفر على المحكمة، عناء تصفية الملف مع تفادي المصاريف التي يتسبب فيها عادة طول الإجراءات.

    التعرض على السند القابل للتنفيذ وكيفيته

    إن السند الصادر عن النيابة العامة والمتضمن لمجموعة من البيانات، يتم تبليغه قانونا للمخالف الذي بإمكانه التعرض عليه داخل أجل عشرة أيام من تاريخ التبليغ. وفي حالة عدم التعبير عن الرغبة في الأداء، فإن السند القابل للتنفيذ يصبح نهائيا، ويسلم كاتب الضبط ملخصا منه للجهة المكلفة بالتنفيذ، أما عند التعبير عن عدم الرغبة في الأداء داخل الأجل المحدد، فإن وكيل الملك يحيل القضية على المحكمة التي تبت في القضية، والتي إذا قررت الإدانة، فلا يمكن أن تقل الغرامة المحكوم بها عن ثلثي الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا، ويكون الأمر الصادر غير قابل للتعرض ولا للاستئناف، ولا يمكن الطعن فيه بالنقض.

    التعرض على الأمر القضائي في الجنح

    يتم الأمر القضائي في الجنح بناء على ملتمس كتابي من النيابة العامة، كمما تعمق الأمر بجنح يعاقب عليها القانون بغرامة فقط لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم ويكون ارتكابها مثبتا في محضر أو تقرير ولا يظهر فيه متضرر. وتجدر الإشارة إلى أن الأمر القضائي يتم في غيبة المخالف، ويحكم القاضي بغرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر قانونا لمجنحة، بصرف النظر عن العقوبات الإضافية والمصاريف ورد ما يلزم رده. ويبقى الأمر قابلا للتعرض داخل أجل عشرة أيام من تبليغه، وفي حالة التعرض يصبح الأمر الصادر غيابها كأن لم يكن وتبت المحكمة وفقا للقواعد العامة، ويكون حكمها بعد التعرض قابلا للاستئناف.

    ثانيا : الاستئناف

    المادة 396 : ” يمكن للمتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والنيابة العامة استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات إذا قضت بعقوبة سالبة للحرية. يخول نفس الحق للطرف المدني فيما يخص حقوقه المدنية لا غير. يترتب عن الاستئناف الأثر المنصوص عليه في المادتين 409 و410 بعده. إذا صدر حكم حضوري يقضي بغرامة غير مقرونة بعقوبة سالبة للحرية، فإن هذا الحكم لا يمكن أن يطعن فيه إلا بالنقض طبق الشروط المنصوص عليها في المادة 415 بعده.”

    آجال الاستيناف

    جاء في المادة 400 ق.م.ج : ” يحدد أجل الاستئناف في عشرة أيام تبتدئ من تاريخ النطق بالحكم، إذا صدر بعد مناقشات حضورية في الجلسة بحضور الطرف أو من يمثله أو إذا وقع إشعار أحدهما بيوم النطق به. يسري هذا الأجل من يوم التبليغ للشخص نفسه أو في موطنه:

    أ) إذا لم يكن الطرف حاضرا أو ممثلا بالجلسة التي صدر فيها الحكم بعد مناقشات حضورية ولم يسبق إشعاره شخصيا هو أو من يمثله بيوم النطق به؛

    ب) إذا كان الحكم بمثابة حضوري حسب مقتضيات الفقرات 2 و4 و7 من المادة 314 أعلاه؛

    ج) إذا صدر الحكم غيابيا حسب مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 314 أعلاه.

    غير أنه إذا استأنف أحد الأطراف داخل الأجل المحدد فلغيره من الأطراف ممن لهم حق الاستئناف، باستثناء الوكيل العام للملك، أجل إضافي مدته خمسة أيام لتقديم استئنافهم.”

    المبحث الثاني: أثر الاستئناف

    إن الطعن بالاستئناف يترتب عليه أثران، أثر واقف، ويعني وقف تنفيذ الحكم الابتدائي المطعون فيه وذلك بنص القانون إذ يوقف التنفيذ

    صور الاستئناف ومختلف أنواعه

    استئناف المخالفات

    يجب أن تتوفر فيها بعض الشروط، والتي تتجلى في كون الحكم المراد استئنافه، يجب أن يكون صادرا عن محكمة جزائية سواء تعلق بمخالفة أو جنحة أو جناية، باعتبار أن قانون المسطرة الجنائية أجاز الاستئناف في القضايا الجنائية الصادرة ابتدائيا.

    استئناف الجنح

    يمكن الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها، من المتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والطرف المدني ووكيل الملك والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو إحدى الإدارات عندما يسمح لها القانون بصفة خاصة بإقامة الدعوى العمومية.

    استئناف أوامر قاضي التحقيق

    كل أمر قضائي يصدره قاضي التحقيق باستثناء الأوامر الصادرة بإجراء خبرة، يمكن استئنافه من طرف النيابة العامة في صيغة تصريح يقدم إلى كتابة الضبط بالمحكمة التي يوجد بها قاضي التحقيق في اليوم الموالي لإشعارها بصدور الأمر، وفي حالة صدور أمر بالإفراج المؤقت، فإن المتهم يبقى معتقلا إلى حين انصرام أجل الاستئناف، ما لم توافق النيابة العامة على الإفراج عنه في الحال، وتطبق نفس المقتضيات في حالة صدور امر برفع المراقبة القضائية عن المتهم.

    استئناف قرارات الغرفة الجنائية

    القرارات الصادرة عن غرفة الجنايات قابلة للاستئناف من طرف المتهم والنيابة العامة والمطالب بالحق المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية، هكذا يقدم الاستئناف بتصريح إلى كتابة ضبط المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه، واذا كان المحكوم عليه معتقلا فإن التصريح بالاستئناف المقدم لكتابة الضبط بالمؤسسة السجنية يعد صحيحا ويتلقى حالا ويضمن بالسجل الخاص.

    استئناف قضايا الأحداث

    مما ينبغي التأكيد عليه أن الجنايات التي يرتكبها الأحداث تنظر فيها غرفة الجنايات للأحداث التي تبت في جلسة سرية، ويمكن الطعن بالاستئناف في قرارات غرفة الجنايات الصادرة في حق الأحداث أمام غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث من طرف الحدث أو نائبه القانوني أو النيابة العامة أو الطرف المدني أو المسؤول عن الحقوق المدنية.

    استئناف قرارات المجلس الأعلى

    فيما يخص الجنايات والجنح المرتكبة من طرف بعض القضاة أو الموظفين، أو كلما تعلق الأمر بقواعد الاختصاص الاسثنائية الخاصة ببعض القضاة والموظفين، فإن القرارات الصادرة عن الغرفة الجنائية للمجلس الأعلى تكون قابلة للاستئناف داخل أجل ثمانية أيام، وتبت في هذا الاستئناف غرف المجلس الأعلى مجتمعة باستثناء الغرفة الجنائية التي تبت في القضية، ولا تقبل أي مطالبة بالحق المدني أمام المجلس الأعلى.

    طرق الطعن غير العادية 518-547

    أولا : النقض

    الطعن بالنقض طريق غير عادي من طرق الطعن، بمقتضاه يطلب أحد الأطراف استنادا إلى أسباب محددة قانونا، إلغاء الحكم المطعون فيه، وقد تناوله قانون المسطرة الجنائية في القسم الأول من الكتاب الرابع، وقسمه إلى ثلاثة أبواب، والمقصود من النقض هو مراقبة المجلس الأعلى – محكمة النقض حاليا- قضاء الموضوع في تطبيقه للقانون، فهو يراقب سلامة التكييف القانوني للوقائع، والتطبيق السليم لنصوص القانون وإجراءات المحاكمة، دون إعادة البحث في الوقائع، وبهذا المنظور، فإن الطعن بالنقض يختمف عن طرق الطعن الأخرى، لأن الهدف منه هو إلغاء الحكم محل الطعن، دون البت في الموضوع، باعتبار المجلس الأعلى محكمة قانون وليست محكمة وقائع.

    طلب النقض لمصلحة الأطراف

    أجاز المشرع لخصوم الدعوى الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في مواجهتهم، وبذلك تكون النيابة العامة والمحكوم عليه والمطالب بالحق المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية ثم أطراف الدعوى الذين خول لهم القانون حق الطعن في الأحكام الصادرة في حقهم. وتجذر الإشارة إلى أن حق الطعن بالنقض يثبت لكل طرف في حدود الحق الذي فصل فيه الحكم المطعون فيه. الطعن بالنقض لمصلحة الأطراف، هو الإبطال الفعلي للمقرر القضائي، والنيابة العامة تتقدم به لمصلحة المجتمع، ضد المتهم أو لفائدته، والمتهم يتقدم به في حدود المقتضيات الجنائية والمدنية التي تخصه، وكذلك الشأن بالنسبة للطرف المدني في حدود مطالبه المدنية، والمسؤول المدني في حدود ما يمس مصالحه في الدعوى العمومية.

    الأحكام والقرارات القابلة لمطعن بالنقض

    إمكانية الطعن بالنقض في كل الأحكام والقرارات والأوامر النهائية الصادرة في الجوهر ، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، والمسطرة إذا شملت عدة أطراف وتغيب بعضهم، فإن الطرف الذي صدر في حقه مقرر نهائي، يمكنه أن يطعن فيه بالنقض داخل الأجل القانوني، ويبقى من حق الطرف الآخر عندما يصبح نهائيا في حقه.

    الأحكام والقرارات التي لا تقبل الطعن بالنقض

    المبدأ العام هو قبول الطعن بالنقض في جميع الأحكام والقرارات والأوامر النهائية الصادرة في الجوهر ، إلا ما ورد بشأنه نص خاص يقضي بمنع الطعن بالنقض في. وعليه فإن الأحكام والمقررات التي لا تقبل الطعن بالنقض تتحدد فيما يمي:

    • أحكام محاكم قضاء القرب.

    • الأحكام القاضية بعدم المتابعة.

    • المقررات الإعدادية أو التمهيدية أو الصادرة بشأن نزاع عارض أو دفع.

    • الأحكام والقرارات الصادرة بغرامة فقط إذا كان مبلغها لا يتجاوز 5000 درهم.

    أجل الطعن بالنقض

    أجل الطعن بالنقض محدد في عشرة أيام من يوم صدور المقرر المطعون فيه، ما لم تنص مقتضيات خاصة على خلاف ذلك. غير أن هذا الأجل لا يبتدئ إلا من يوم تبليغ المقرر إلى الشخص نفسه أو في موطنه. وبطبيعة الحال فإن هذا الأجل أجل كامل. ويبتدئ الأجل بالنسبة للنيابة العامة ولمن صدر الحكم حضوريا في حقه من يوم النطق به، وبالنسبة لمن كان الحكم بمثابة حضوري في حقه فإن الطعن يبتدئ من اليوم التالي لتبليغ الحكم إليه شخصيا أو في مسكنه، أما إذا كان الحكم غيابيا، فقد حددت الفقرة الأخيرة من المادة 527 ق.م.ج أجل سريانه، وهو اليوم الذي يصبح في التعرض غير مقبول.

    آثار الطعن بالنقض

    أجل الطعن بالنقض والطعن بالنقض يوقفان تنفيذ العقوبة الجنائية في جميع الحالات ما عدا إذا طبقت مقتضيات المادتين 392 و 431 ق.م.ج من طرف هيئة الحكم، وتتعلق المادة 392 بالإمكانية الممنوحة للمحكمة بناء على ملتمس النيابة العامة، إذا كانت العقوبة المحكوم بها تعادل سنة حبسا أو تفوقها، في أن تصدر مقررا خاصا معالا تأمر بمقتضاه بإيداع المتهم بالسجن أو بإلقاء القبض عليه، والذي يتم تنفيذه رغم الطعن فيه بأية طريقة من طرق الطعن العادية أو غير العادية.

    أما المادة 431 ق.م.ج فتنص على أنه يمكن لغرفة الجنايات في حالة الحكم بعقوبة جنائية سالبة للحرية، أن تأمر بإلقاء القبض حالا على المحكوم عليه الذي حضر في حالة سراح للجلسة، وينفذ هذا الأمر بالرغم من كل طعن، أما التعويضات المدنية المحكوم بها، فإنها تنفذ بالرغم من الطعن بالنقض ولا يوقف أجل الطعن تنفيذها.

    أسباب النقض

    المادة 534 : ” يجب أن يرتكز الطعن بالنقض في الأوامر أو القرارات أو الأحكام القابلة للطعن بالنقض على أحد الأسباب الآتية:

    1- خرق الإجراءات الجوهرية للمسطرة؛

    2- الشطط في استعمال السلطة؛

    3- عدم الاختصاص؛

    4- الخرق الجوهري للقانون؛

    5- انعدام الأساس القانوني أو انعدام التعليل.”

    ثانيا : إعادة النظر وتصحيح القرارات

    حالات اطعن بإعادة النظر ، المادة 563 : ” يجوز الطعن بإعادة النظر في القرارات التي تصدرها محكمة النقض في الحالات التالية:

    أولاً: ضد القرارات الصادرة استنادا إلى وثائق صرح أو اعترف بزوريتها.

    يجب في هذه الحالة على الطرف الذي يطلب إعادة النظر، ما عدا النيابة العامة أو الإدارات العمومية، أن يودع كفالة مالية مبلغها خمسة آلاف درهم، وذلك تحت طائلة عدم القبول. يحتفظ بمبلغ الكفالة لفائدة الخزينة العامة في حالة عدم قبول دعوى إعادة النظر.

    ثانياً: من أجل تصحيح القرارات التي لحقها خطأ مادي واضح يمكن تصحيحه من خلال عناصر مأخوذة من القرارات نفسها، ويقدم طلب التصحيح بمذكرة ترفع إلى الغرفة التي أصدرت القرار موضوع التصحيح؛

    ثالثا: إذا أغفل البت في أحد الطلبات المعروضة بمقتضى وسائل استدل بها، أو في حالة عدم تعليل القرار.

    رابعاً: ضد القرارات الصادرة بعدم القبول أو بالسقوط لأسباب ناشئة عن بيانات ذات صبغة رسمية تبين عدم صحتها عن طريق وثائق رسمية جديدة وقع الاستدلال بها فيما بعد.

    يقدم طلب إعادة النظر من قبل الطرف المعني طبقاً للفقرات 2 و3 و4 من المادة 528 أعلاه أو من قبل النيابة العامة بواسطة مذكرة توضع بكتابة ضبط محكمة النقض. وتبت محكمة النقض في الطلب وفقاً لمقتضيات المواد 539 إلى 557، مع مراعاة مقتضيات المادة 564 من هذا القانون. إذا تعلق الأمر بتصحيح أخطاء مادية، فإن محكمة النقض تصرح في حالة قبول الطلب بتصحيح الخطأ دون حاجة للإحالة.”

    يودع طالب إعادة النظر باستثناء النيابة العامة، كفالة مالية مبلغها 5000 درهم تحت طائلة عدم القبول، واذا قضى المجلس بعدم قبول دعوى إعادة النظر، فإنه يحتفظ بمبلغ الكفالة لفائدة الخزينة العامة.

    مسطرة الطعن بإعادة النظر بسبب الزور

    يتم الطعن بواسطة مذكرة ممضاة من طرف مدعي الزور أو من ينوب عنه بتوكيل خاص وتقدم إلى الرئيس الأول للمجلس الأعلى. وأكدت هذه المادة على وجوب إيداع الكفالة المشار إليها في المادة 563 ق.م.ج، وبعدها يصدر الرئيس الأول أمرا بالرفض أو أمرا يأذن فيه بتقييد دعوى الزور. وتباشر بعد ذلك الإجراءات. بحيث يقع تبليغ هذا الأمر إلى المدعي بو خلال 15 يوما من تاريخ النطق به، مع الترخيص له بتقييد دعوى الزور موضوع طلبه بكتابة ضبط المجلس الأعلى. ويتولى المجلس الأعلى إجراء بحث حول مدى صحة الادعاء، ويبت في القضية. واذا ثبت لو الزور المدعي به، صرح المجلس الأعلى بوجوده وأمر برد المبلغ المودع للطالب.

    ثانيا : المراجعة

    تعتبر المراجعة طريقا من طرق الطعن غير العادية، والمارجعة وان كانت مثل النقض تقدم أمام المجلس الأعلى، فإنهما يختلفان عن بعضهما في كون أسباب النقض ترجع لأخطاء في تطبيق القانون على الوقائع، بينما أسباب المراجعة ترجع إلى أخطاء واقعية خاصة ترتب عنها نسبة الجريمة إلى شخص لم يرتكبها، ومن تم كانت الأحكام القابلة للمراجعة مهمة جدا. وتجدر الإشارة أن المراجعة لا تقبل إلا عند انعدام أي طريق آخر لمطعن يمكن استعماله. ف565

    حالات طلب المراجعة

    المادة 566 : ” يمكن أن يقدم طلب المراجعة أيا كانت المحكمة التي بتت في الدعوى وأيا كانت العقوبة الصادرة فيها:

    1- إذا صدرت عقوبة في دعوى القتل، وأدلي بعد ذلك بمستندات أو حجج ثبت منها قيام قرائن أو علامات كافية تدل على وجود المجنى عليه المزعوم قتله؛

    2- إذا صدرت عقوبة على متهم، وصدر بعد ذلك مقرر ثان يعاقب متهما آخر من أجل نفس الفعل ولم يمكن التوفيق بين المقررين لما بينهما من تناقض يستخلص منه الدليل على براءة أحد المحكوم عليهما؛

    3- إذا جرت بعد صدور الحكم بالإدانة متابعة شاهد سبق الاستماع إليه وحكم عليه من أجل شهادة الزور ضد المتهم، ولا يمكن أثناء المناقشات الجديدة الاستماع إلى الشاهد المحكوم عليه بهذه الصفة؛

    4- إذا طرأ ت واقعة بعد صدور الحكم بالإدانة أو تم الكشف عنها أو إذا تم تقديم مستندات كانت مجهولة أثناء المناقشات ومن شأنها أن تثبت براءة المحكوم عليه.”

    الأطراف الذين خولهم القانون حق طلب المراجعة

    المادة 567 : ” يخول حق طلب المراجعة في الحالات الثلاث الأولى المشار إليها في المادة 566 أعلاه لمن يأتي ذكرهم:

    1- للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بمبادرة منه أو بطلب من وزير العدل؛

    2- للمحكوم عليه أو نائبه القانوني في حالة عدم الأهلية؛

    3- لزوج المحكوم عليه المتوفى أو المصرح بغيبته وأولاده ووالديه وورثته والموصى لهم ولمن تلقى توكيلا خاصا منه قبل وفاته.

    يرجع حق طلب المراجعة في الحالة الرابعة المنصوص عليها في المادة 566 إلى وزير العدل وحده، بعد استشارة لجنة مكونة من مديري الوزارة وثلاثة قضاة من محكمة النقض يعينهم الرئيس الأول لهذه المحكمة من غير أعضاء الغرفة الجنائية.”

    أثر طلب المراجعة

    المادة 569 : ” يوقف بقوة القانون تنفيذ المقرر الصادر بالعقوبة إذا كان لم ينفذ، وذلك ابتداء من تاريخ توجيه الطلب إلى محكمة النقض.يمكن إيقاف التنفيذ بأمر من وزير العدل إذا كان المحكوم عليه في حالة اعتقال إلى حين صدور قرار محكمة النقض، وفيما بعد إن اقتضى الحال، بمقتضى القرار الذي يبت في قبول طلب المراجعة.”

    مسطرة البت في طلب المراجعة

    المادة 571 : ” إذا ارتأت المحكمة، في حالة الإبطال، أنه يمكن أن تجرى من جديد مناقشات شفهية حضورية أحالت القضية للحكم فيها مرة أخرى إلى محكمة مماثلة نوعا ودرجة للمحكمة التي أصدرت المقررالذي تم إبطاله، أو إلى نفس المحكمة وهي متركبة من هيئة أخرى. تنظر هذه المحكمة في القضية من جديد حسب الإجراءات العادية. إذا كان المتهم قد توفي أو اعتراه خلل عقلي أو إذا كانت الأفعال لم تعد توصف قانونا بجريمة بعد صدور قرار محكمة النقض الذي أبطل الحكم أو القرار بالإدانة، فإن الغرفة الجنائية، بناء على ملتمسات الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تبت في القضية طبقاً لما ورد في الفقرة الأولى من المادة 572 والمادة 573 بعده.”

    الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى المعروض عليها طلب المراجعة، تبت أول الأمر في قبول الطلب أو عدم قبوله، فإذا قبلته تنتقل لدراسة الموضوع، واذا كانت عناصر الملف جاهزة فإنها تصدر حكمها، والا التجأت إلى القيام بالأبحاث والتحريات لإظهار الحقيقة، وعندها تصرح

    برفض الطعن، واما بإبطال الحكم المطعون فيه. وفي حالة صدور قرار بالإبطال، وارتأى المجلس الأعلى أنه يمكن إجراء مناقشات شفوية حضورية من جديد، أحال القضية على محكمة مماثلة للمحكمة التي أصدرت المقرر الذي تم إبطاله، من حيث النوع والدرجة، أو على نفس المحكمة وهي مكونة من هيئة أخرى، للحكم فيها مرة أخرى. وتتولى هذه المحكمة النظر في القضية من جديد حسب الإجراء العادية. وفي حالة استحالة إجراء مناقشات شفوية حضورية جديدة في حالة الإبطال، إما بسبب وفاة المحكوم عليه أو إصابته بخلل عقلي، أو عند إجراء المسطرة الغيابية في حقه أو في حالة تغيبه، أو في حالة انعدام مسؤولية الجنائية، أو إذا وجد عذر قانوني يعفيه أو في حالة تقادم الدعوى العمومية أو العقوبة، يتولى المجلس الأعلى بعد التثبت صراحة من إحدى حالات الاستحالة المشار إليها أعلاه، البت في موضوع القضية بدون سابق نقض ولا إحالة، وذلك بحضور الأطراف المدنية إن كانوا موجودين في الدعوى، والقيمين الذين يعينهم المجلس للقيام مقام الشخص المتوفى. وفي هذه الحالة يقتضي نظر المجلس الأعلى، على إبطال العقوبات التي صدرت في غير محلها فقط دون باقي ما تم الحكم به في المقرر الذي تم إبطاله. ويمكن اعتمادا على المقرر الجديد الذي ترتب عنه الحكم ببراءة المحكوم عليه، الحكم له بتعويض عن الضرر الذي لحقه من إجراء الحكم الصادر بإدانته، إلا أنه يتعين على المحكوم عليه تقديم طلب بذلك. كما يمكن لذوي حقوقه الاستفادة من التعويض، وان كان المشرع قد اشترط على أقارب ضحية الخطأ القضائي المتوفي، إثبات الضرر المادي الذي لحقهم من العقوبة المحكوم بها، وتتحمل الدولة ما يمكن أن يحكم به من تعويضات، مع إمكانية الرجوع على الطرف المدني أو الواشي أو شاهد الزور الذين تسببوا بخطإهم في صدور العقوبة.

    📗 خلاصة الباب

    • تنقسم طرق الطعن إلى عادية (التعرض في الأحكام الغيابية، والاستئناف) وغير عادية (النقض، إعادة النظر، المراجعة)، ولكل طريق شروطه وآجاله وآثاره الخاصة.
    • التعرض يُعيد طرح القضية أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي، بينما الاستئناف ينقل النزاع إلى محكمة أعلى درجة، ولا يقبل الطعن بالنقض إلا في الأحكام النهائية المستنفدة لطرق الطعن العادية وللأسباب المحددة قانونا.

  • اجراءات المحاكمة

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 11 من 14 — فهرس الكتاب

    تشكيل الهيئات القضائية

    حسب المادة 297 من ق.م.ج يشترط لصحة انعقاد الجلسات أن تشكل كل هيئة قضائية طبقا للقانون، ويجب تحت طائلة البطلان أن تصدر مقرراتها عن قضاة شاركوا في جميع النقاشات، وقد عمل المشرع على تعزيز وتقوية ضمانات المحاكمة العادلة وذلك بإقراره لثنائية التحقيق والقضاء الفردي الى جانب القضاء الجماعي واحداث غرفة الجنايات الاستثنائية.

    قاضي التحقيق على صعيد المحكمة الإبتدائية

    مؤسسة قاضي التحقيق لدى المحاكم الابتدائية لها دور فعال في تجسيد المحاكمة العادلة عن طريق البحث والتنقيب عن وسائل الإثبات لإظهار الحقيقة، ويكلف بالتحقيق قاضي التحقيق المعين من بين قضاة الحكم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.

    قاضي التحقيق على صعيد محكمة الاستئناف

    يقوم بالتحقيق على صعيد محكمة الاستئناف عندما يكون التحقيق الإعدادي الزاميا في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو حين يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة ثلاثين سنة وكذلك الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث وفي الجنح بنص خاص، ويكون اختياريا في باقي الجنايات.

    القاضي الفردي على صعيد المحكمة الابتدائية

    من المعلوم أن المشرع المغربي يؤمن بأهمية القضاء الفردي كوسيمة فعالة في التغلب على كثرة القضايا المعروضة على المحاكم الابتدائية والنظر فيها بالسرعة المطلوبة، وتبنى المشرع هذه المؤسسة للبت في القضايا التي لا تتجاوز العقوبات المقررة ليا سنتين حبسا أو بغرامة فقط، بمعنى المخالفات والجنح الضبطية.

    الهيئة الجماعية على صعيد المحكمة الابتدائية

    إن المشرع وضمانا لتحقيق شروط المحاكمة العادلة أوكل مهمة القضايا الجنحية للقضاء الجماعي كما نصت على ذلك المادة 374 من ق.م.ج حيث أن على أن المحكمة تعقد جلساتها وهي مكونة من رئيس وقاضيين بحضور ممثل النيابة العامة ومساعد كاتب الضبط.

    الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف

    تتكون من الرئيس الأول ومن ينوب عنه ومن مستشارين اثنين، وتنظر حسب المادة 231 من ق.م.ج في : ” تنظر الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف وهي مكونة من الرئيس الأول أو من ينوب عنه ومن مستشارين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط:

    أولا: في طلبات الإفراج المؤقت المقدمة إليها مباشرة طبقا لمقتضيات الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة 179، وفي تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المتخذة طبقا للمادة 160؛

    ثانيا: في طلبات بطلان إجراءات التحقيق المنصوص عليها في المواد 210 إلى 213؛

    ثالثاً: في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق طبقا للمادة 222 وما يليها؛

    رابعاً: في كل إخلال منسوب لضابط من ضباط الشرطة القضائية خلال مزاولته لمهامه طبقاً لما هو منصوص عليه في المواد من 29 إلى 35 من هذا القانون. “

    غرفة الجنح الاستئنافية

    تتكون تحت طائلة البطلان من رئيس ومستشارين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة وبمساعدة كاتب الضبط، ويقدم الاستئناف بتصريح الى كتابة الضبط بالمحكمة مصدرة الحكم أو الى كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف.

    تتكون من رئيس من بين رؤساء الغرف ومستشارين اثنين تعينهم الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف كل سنة قضائية، كما تعين الجمعية من بين أعضائها رئيسا نائبا ومستشارين اضافيين، وتختص هذه الغرفة بالنظر في الجنايات والجرائم المرتبطة بها والتي لا يمكن فصلها عنها.

    نظرا لخطورة الجرائم التي تختص بالنظر فيها غرفة الجنايات ومسايرة لمستجدات حقوق الإنسان ولتوفير مزيد من ضمانات المحاكمة العادلة، فان المشرع متع المتهم أمام هذه الغرفة بدرجة ثانية من درجات التقاضي، وتتكون هذه الغرفة من رئيس غرفة وأربعة مستشارين وتنظر في قضايا الجنايات المستأنفة أمامها بحضور ممثل النيابة العامة وبمساعدة كاتب الضبط ويمكن أن يضاف الى تشكيلة الهيئة مستشار أو أكثر، كما يمكن للرئيس الأول لمحكمة الإستئناف أن يترأس شخصيا هذه الغرفة.

    اصدار المقررات عن قضاة شاركوا في جميع المناقشات

    الإستثناء

    اذا كان الأصل في الشهادة أن تؤدى وتناقش أمام هيئة المحكمة حتى يمكن الأخذ بها، فان المشرع لم يأخذ بهذا الاتجاه بخصوص شهادة أعضاء الحكومة وكتاب الدولة في الحالة التي لم يطلب فيها الحضور أو لم يؤذن فيها طبقا للإجراءات القانونية فان شهادتهم تتلقاها كتابة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أو قاض ينتدبه لهذا الغرض ان كان يقطن خارج دائرة نفوذ المحكمة.

    ثانيا: استدعاء ممثل دولة أجنبية

    بالرجوع للمادة 327 من ق.م.ج فان شهادة ممثل دولة أجنبية بتطلب من المعني بالأمر بواسطة الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية واذا قبل الطلب يتلقى الشهادة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أو القاضي الذي يعينه لهذه الغاية.

    ثالثا : استنطاق المتهم في وضعية صحية صعبة

    طبقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 312 من ق.م.ج اذا كان المتهم في وضعية صحية صعبة يتعذر فيها عليه الحضور للجلسة ووجدت أسباب خطيرة لا يمكن معها تأجيل الحكم في القضية فان المحكمة تكلف بمقتضى مقرر خاص ومعلل أحد أعضائها بمساعدة كاتب الضبط لاستنطاق المتهم في المكان الذي يوجد فيه.

    بالرجوع للمادة 297 من ق.م.ج فإنه لا يمكن تحت طائلة البطلان لقاض من النيابة العامة عين أو انتدب لمهام قضاء الحكم أن يشارك في البت في قضايا سبق لو أن مارس فيها الدعوى العمومية أو أي اجراء من اجراءات المتابعة .

    حالات التنافي للنظر في قضية واحدة

    أولا: قاضي التحقيق الذي أجرى تحقيقا في نفس القضية:

    بالرجوع للمادة 52 من ق.م.ج فإنه لا يمكن لقضاة التحقيق تحت طائلة البطلان أن يشاركوا في اصدار حكم في القضايا الزجرية التي سبق أن أحيلت عليهم بصفتهم قضاة مكلفين بالتحقيق، كما يمنع مشاركة قاضي التحقيق في هيئة غرفة الجنايات التي تنظر في قضية سبق له اجراء تحقيق فيها.

    ثانيا : قاض شارك في الحكم في جوهر القضية

    لا يمكن لقضاة الحكم تحت طائلة البطلان أن يشاركوا في الحكم في قضية سبق لهم البت في موضوعيا حتى لا يتناقض الرأي الأخير مع الرأي الأول.

    حالات التجريح

    حالات تحول دون مواصلة القاضي المجرح النظر في القضية المعروضة عليه وردت على سبيل الحصر وتتعلق أساسا بقضاة الحكم، بحيث لا يمكن تجريح قضاة النيابة العامة وحالات التجريح ىي كالتالي:

    • اذا كان للقاضي أو لزوجه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الحكم في الدعوى.

    • القرابة أو المصاهرة مع أحد أطراف الدعوى بما في ذلك أبناء الأعمام والأخوال.

    • اذا كان القاضي دائنا أو مدينا لأحد الأطراف أو سبق لو أن قدم استشارة أو رافع أو مثل أمام القضاء.

    الأطراف الذين خول لهم القانون حق طلب التجريح

    • القاضي المعروض عليه النزاع.

    • المتهم وفق تصريح يبين فيه الوسيلة المثارة للتجريح ويرفقه بالحجج

    • المطالب بالحق المدني.

    القواعد العامة بشأن سير الجلسة

    ثانيا : تسيير البحث والمناقشات

    يتولى رئيس الجلسة دراسة القضية ومناقشتها ويرتب سير هذه المناقشة اذا اقتضى الحال ولو أن يرفض كل ما يرمي الى اطالة المرافعات بدون جدوى، وأن يوقف الجلسة أثناء دراسة ومناقشة القضية أو قبل انهاء القضايا المدرجة في جدول الجلسة لأي سبب يراه مبررا لهذا الإيقاف، وحسب المادة 305 من ق.م.ج يشمل بحث القضية استنطاق المتهم ان كان حاضرا والإستماع الى الشهود والخبراء وتقديم أدوات الاقتناع عند الاقتضاء.

    ثالثا : ضمان عرض كل أدلة الإثبات على الأطراف بالجلسة

    يتولى رئيس الجلسة ضمان عرض كل أدلة الإثبات على أطراف الخصومة بالجلسة وذلك حتى يكون كل طرف على بينة منها وبالتالي اعداد أوجه دفاعه وكذا الرد عليها، ويعرض رئيس الجلسة كل أدلة الإثبات من حجج أو أشرطة مصورة حتى ولو كانت مخلة بالحياء، مع منع القاصرين من دخول قاعة الجلسات.

    رابعا : الإذن باستعمال وسائل الاتصال بقاعات الجلسات

    بالرجوع لممادة 303 من ق.م.ج يمكن للرئيس بعد أخذ رأي النيابة العامة أن يأذن باستعمال ألات التصوير أو التسجيل أو الإرسال أو الإلتقاط أو الإتصال المختلفة بقاعات الجلسات أو في أي مكان أخر يجري به تحقيق قضائي ويعاقب عن مخالفة هذه المقتضيات بغرامة تتراوح بين خمسة ألاف وخمسين ألف درهم وتصادر المحكمة الآلات والأشرطة عند الإقتضاء، والغاية من هذه الوسائل هي ضمان اطلاع الرأي العام على أطوار المحاكمة تكريسا لمبدأ علنية الجلسات وحماية شخصية المتهم انطلاقا من القاعدة المتمثلة في قرينة البراءة.

    اختصاص الهيئة الحاكمة أثناء سير الجلسة

    أولا : البت في الطلبات الرامية الى تأجيل القضية

    بالرجوع للمادة 299 من ق.م.ج: تبت الهيئة القضائية في الطلبات الرامية إلى تأجيل القضية إلى تاريخ لاحق. إذا كان جميع الأطراف حاضرين أو ممثلين في الجلسة، فيمكن للمحكمة أن تؤجل القضية إلى تاريخ تحدده على الفور وتشعر به الأطراف دون حاجة لتسليم استدعاءات جديدة. يمكن للمحكمة – إذا دعت الضرورة – أن تؤجل القضية لأجل غير معين، غير أنه يجب في هذه الحالة تجديد استدعاء الأطراف للحضور من جديد.”

    واذا تبين أن ملتمس التأخير يرتكز على أساس معقول فإنها تستجيب لو أما اذا تبين أنو يهدف الى المماطلة فإنها ترفض الطلب.

    ثانيا : جعل الجلسة سرية

    من المعلوم أن المبدأ العام هو أن تتم اجراءات المحاكمة في جلسة عمومية وعلنية بحيث نصت المادة 300 على أنه يجب تحت طائلة البطلان أن تتم اجراءات البحث والمناقشات في جلسة علنية، استثناء تكون الجلسة سرية اذا ارتأت المحكمة أن في علنيتها خطر على الأمن أو على الأخلاق ويضاف الى ذلك القضايا المتعلقة بالأحداث حيث أوجب القانون بشأنها جلسة سرية.

    دور أطراف الخصومة

    أولا : دور ممثل النيابة العامة

    حسب المادة 36 من ق.م.ج تتولى النيابة العامة اقامة الدعوى وممارسة الدعوى العمومية ومراقبتها وتطالب بتطبيق القانون، فالنيابة العامة لها وظيفتان، الأولى تحريك الدعوى العمومية وهذه مهمة قد يشارك فيها غيرها، والوظيفة الثانية مراقبة سير الدعوى العمومية بعد تحريكها وهي مهمة خاصة بها فقط، وهنا تتسع مسؤوليتها بقدر اتساع صلاحيتها وتشمل الملتمسات واستعمال طرق الطعن في الأحكام وتنفيذ الإجراءات.

    ثانيا : دور الأطراف الأخرى

    المتهم

    هو الطرف المدعى عليه في الدعوى الجنائية وقد حرص المشرع على تمتيعه بالضمانات الكافية للدفاع عن نفسه ودحض جميع التهم الموجهة اليه والرد عليها وذلك من خلال تأخير مرافعته وكذا التنصيص على وجوب أن تكون الكلمة الأخيرة اليه في اطار الردود والدفوعات التي قد تطرأ أثناء الجلسة، وتلعب مرافعة المتهم دورا مهما في تقرير مصير التهمة المنسوبة اليه.

    الطرف المدني

    لا يعد طرفا أساسيا في الدعاوى الجنائية لذلك لا يكون حاضرا في جميع مراحمها، الا أنه يمتلك كامل الصلاحية لتقديم مطالبه أمام المحكمة وبسط أوجه دفاعه وطلب التعويض عن الضرر الذي لحقه من الجريمة المترتب عنها الضرر مع تحديده وتعيين موطن مختار في مكان تواجد مقر المحكمة.

    الإستدعاء وحضور المتهمين

    حددت المادة 384 من ق.م.ج طرق رفع الدعوى الى المحكمة الابتدائية ومن بينها الإستدعاء المباشر الذي يسلمه وكيل الملك أو الطرف المدني للمتهم أو عند الإقتضاء للمسؤولين عن الحقوق المدنية، فالاستدعاء هو الاعلام بالحضور لجلسة الحكم التي يكون فيها طرف متهما بارتكاب فعلا من الأفعال المعاقب عليها جنائيا.

    استدعاء المتهم

    أولا : استدعاء المتهم من طرف النيابة العامة

    يستدعي وكيل الملك المتهم للحضور بالجلسة حسب ما نصت عليه المادة 308 وما يليها من ق.م.ج والتي نصت على أنه يجب تبليغ الإستدعاء الى المتهم بحيث يستدعى في نفس الوقت المسؤول عن الحق المدني ان وجد أو المتضرر ويمكن أيضا استدعاء بعض الإدارات التي خول لها المشرع حق اقامة الدعوى العمومية.

    ثانيا : استدعاء المتهم من طرف المحكمة

    تجدر الإشارة إلى أنه يجب على المحكمة بعد تحديدها للجلسة أن توجه الإستدعاء للمتهم وللمطالب بالحق المدني والمسؤول المدني ان وجد والى المحامي الذي نصب لمؤازرة موكله، واذا كان للمتهم أكثر من محام وجب استدعاؤهم جميعا دون أي استثناء.

    ثالثا : البيانات الواجب توفرها في الإستدعاء

    بالرجوع للمادة 308 من ق.م.ج تحدد البيانات الجوهرية التي يجب توفرها في الاستدعاء، اليوم والساعة ومحل انعقاد الجلسة ونوع الجريمة وتاريخ ومحل ارتكابها والمواد القانونية المطبقة بشأنها، وقد رتب المشرع البطلان عند تخلف هذه البيانات، بالإضافة الى بيان التهمة بحيث لا يكفي الوصف القانوني والهدف منه اتاحة فرصة للمتهم لاعداد دفاعه بشأنها.

    حضور المتهم

    من المعلوم أن مبدأ الحضورية من المبادئ الأساسية التي ينبني عليها نظام المحاكمة الجنائية ، وحضور المتهم أمام المحكمة يعتبر من حقوق الدفاع بحيث يخول للأطراف مواجهة بعضهم البعض وتقديم دفاعهم أمام المحكمة، وهذا المبدأ هو الذي يحدد الوصف القانوني للحكم باعتباره حضوريا أو غيابها أو بمثابة حضوري، وبالتالي يحدد أجال وطرق الطعن في الحكم.

    نص المشرع في المادة 311 من ق.م.ج مبدأ الحضور الشخصي عندما نص على ما يلي : ” يحضر المتهمون شخصياً، ما لم تعفهم المحكمة من الحضور طبقاً للفقرة الثانية من المادة 314 بعده.”

    واذا لم يحضر المتهم رغم توجيه استدعاء اليه يتضمن اليوم والساعة المحددة للنظر في القضية تتولى المحكمة محاكمته غيابيا، اذا طلب محاميه أن تجرى المناقشات في غيبته وارتأت المحكمة عدم ضرورة حضوره شخصيا.

    الآثار المترتبة على حضور المتهم

    من أهم الأثار المترتبة عن حضور المتهم في مرحلة المحاكمة نجد:

    • تحديد الوصف القانوني الذي قد يكون فيه الحكم اما حضوريا أو غيابيا أو بمثابة حضوري، وبالتالي تحدد طرق الطعن.

    • المتهم الذي يكون حاضرا عند المناداة على القضية تم ينسحب بعد البت في مناقشة القضية لا يعتبر غائبا.

    • اذا أعلم المتهم بتاريخ النطق بالحكم فعدم حضوره في التاريخ المعين لا يؤثر في وصف الحكم بأنه حضوري.

    حق المتهم في المؤازرة بمحام

    من أجل تحقيق المحاكمة العادلة لابد من تمكين المتهم من مؤازرة بمحامي في سائر مراحل المسطرة، فالمحامي بحكم تكوينه القانوني يساعد المتهم في اعداد دفاعه المرتبط بالإخلالات الشكلية التي قد تكون شابت الإجراءات المسطرية المنجزة قبل احالة القضية على هيئة المحكمة.

    الإستماع الى الشهود والخبراء

    لم يعد نظام الإثبات في الخصومة الجنائية يستند الى الاعتراف فقط باعتباره سيد الأدلة بل تطور الى غاية الوصول للإستعانة بالمشاهدة المباشرة لوقائع النازلة أو عن طريق الإستفادة من التطور العلمي في ميادين مختلفة.

    أولا : الإستماع الى الشهود

    تعتبر الشهادة بمثابة تقرير حقيقة أمر توصل اليه الشاهد بنفسه أو سمعه من الغير مباشرة وتنصب على وقوع الفعل الجرمي ونسبته للمتهم، ومن ثمة يتعذر الإثبات أحيانا بمجرد الاعتراف أو الكتابة مما يستدعي الشهود أمام المحكمة.

    الزامية حضور الشاهد

    من واجبات الشاهد الحضور أمام هيئة الحكم للإدلاء بشيادته لكونه الوسيلة الوحيدة للإثبات، بحيث نصت المادة 325 على الزامية حضور الشاهد أمام المحكمة، ونظرا لأهمية المبدأ أحاطه المشرع بمجموعة من الإجراءات:

    استعمال القوة العمومية لإحضار الشاهد: بحيث يمكن للمحكمة تسخير القوة العمومية لإحضار الشاهد المتخلف تلقائيا أو بناء على ملتمس النيابة العمة اذا تخلف عن الحضور رغم استدعائه بصفة قانونية خصوصا اذا كان تصريحه يكتسي أهمية ولا يمكن الإستغناء عنه. وبذلك يتحمل الشاهد جميع مصاريف التبليغ مالم يبرر تخلفه بعذر مقبول.

    الحكم على الشاهد الذي يتخلف عن الحضور: رتب المشرع على الشاهد عند اخلاله بالتزام الحضور عقوبة تتمثل في أداء غرامة تتراوح بين 1200 درىم و 12000 درهم اذا تخلف رغم استدعائه بصفة قانونية أو اذا حضر ورفض أداء اليمين أو الإدلاء بشهادته ولو لم يترتب عن عدم حضوره تأجيل القضية.

    أداء الشهادة شفويا

    من المعلوم أن الشهادة تؤدى شفويا أمام هيئة الحكم وهذا هوه الأصل، وذلك بهدف تكوين القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي، الا أن هذا المبدأ ترد عليه استثناءات :

    شهادة أعضاء الحكومة: بالرجوع للمادة 326 من ق.م.ج لا يمكن استدعاء أعضاء الحكومة وكتاب الدولة ونوابهم الا بعد الحصول على اذن المجلس الوزاري بناء على تقرير يقدمه وزير العدل، إذا لم يطلب الحضور، أو لم يؤذن فيه، فإن الشهادة يتلقاها كتابة بمنزل الشاهد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، أو قاض ينتدبه إذا كان الشاهد مقيما خارج دائرة نفوذ المحكمة.

    شهادة ممثل دولة أجنبية: استنادا لممادة 327من ق.م.ج فان الشهادة التي يؤديها ممثل دولة أجنبية تطلب بواسطة الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية ويؤديها المعني بالأمر كتابة.

    شهادة الأصم أو الأبكم : توجو اليه الأسئلة وترد الأجوبة عنها كتابة واذا كان لا يعرف الكتابة يساعده شخص اعتاد التحدث معه أو أي شخص قادر على التخاطب معه.

    استعانة الشاهد بمذكرات كتابية: نصت المادة 337من ق.م.ج على أن الشاهد يمكنه بصفة استثنائية أن يستعين بمذكرات بإذن من رئيس الهيئة، وعليه يمكن لرئيس الهيئة السماح للشاهد الإستعانة بمذكرات كتابية حتى لا تكون هناك زيادة أو نقصان خاصة في النزاعات المعقدة التي تتطلب حسابات.

    استدعاء أطراف الخصومة لمشيود الذين يزكون مواقفيم

    نصت المادة 325 على أنه : يستدعى الشاهد تلقائيا من طرف المحكمة أو بناء على طلب النيابة العامة أو الطرف المدني أو المتهم أو المسؤول عن الحقوق المدنية حتى وان كانت المحكمة هي التي تسير على استدعاء الشهود فان الأطراف هم من يبادر بطلب الإستماع اليهم تعزيزا لمواقفهم في الاتهام أو الدفاع، فهم شهود نفي واثبات.

    حياد الشاهد

    نظرا لأهمية الشهادة كوسيلة من وسائل الإثبات التي يبني عليها القاضي قناعته للقول بارتكاب المتهم الفعل من عدم ارتكابه ، أحاطها المشرع بإجراءات مسطرية لضمان حياد الشاهد وعدم خضوعه لأي ثأثير :

    أداء اليمين القانونية: قبل أداء أي شهادة وربطها بالبعد الديني قصد تحقيق الأثر الإيجابي على نفسية الشاهد ليدلي بشهادة حقيقية دون نقصان أو زيادة.

    اشعار الشاهد بجريمة شهادة الزور: حيث تتلى عليه المقتضيات القانونية التي تعاقب على شهادة الزور حتى يكون على بينة من أهمية الشهادة وعدم تحريفها حسب المادة 331 من ق.ل.ع.

    التأكد من علاقة الشاهد بالأطراف: بعد أداء اليمين يتأكد القاضي فيما اذا كانت تربط الشاهد بالمتهم أو الطرف المدني قرابة أو مصاهرة ودرجتهما أو علاقة عمل وأي علاقة عداوة أو خصومة، واذا توفرت احداها تستغني المحكمة عن الشاهد لعدم توفر التجرد والحياد اللذين يشكلان اطمئنان المحكمة للشهادة.

    أمر الشهود بالإنسحاب من القاعة: ينادي رئيس الجلسة على المتهم ويتأكد من هويته وينادي الشهود ويطلب منهم الانسحاب الى القاعة المعدة لهم ولا يغادرونها الا لأداء شهادتهم.

    انجاز محضر مستقل عن محضر أداء الشهادة : الرئيس اما تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة يأمر كاتب الضبط بوضع محضر مستقل يسجل فيه ما قد يرد من زيادة أو تبديل أو اختلاف عند المقارنة.

    التوازن بين الزامية أداء الشهادة وبين المحافظة على السر المهني

    بالرجوع لممادة 334من ق.م.ج فإنه لا يمكن سماع شهادة محامي المتهم حول ما علمه بهذه الصفة، ويمكن الإستماع الى الأشخاص المقيدين بالسر المهني وفق الشروط وفي نطاق الحدود المقررة في القانون، والملاحظ أن المشرع ابتغى التوفيق بين الزامية كثمان السر المهني وبين ضرورة أداء الشهادة أمام المحاكم لكشف وقائع جريمة أحدثت اضطرابا اجتماعيا وأخلت بالأمن واستقرار المجتمع.

    الإستماع الى الخبراء

    يعتبر انتداب الخبراء من وسائل البحث المهمة في المسائل الجنائية، بحيث يمكن للمحكمة أن تأمر بإجراء خبرة اما تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو من الأطراف.

    أولا : الخبير لا يطلب منه أداء اليمين أمام المحكمة

    الخبير أجنبي عن تلك الظروف ولا تطلب مساهمته الا بسبب تكوينه العلمي أو تجربته التقنية، ويجوز في الجلسة الإستماع الى الخبراء بصفة شهود الا أنه لا يطلب منه أداء اليمين لأنه خبير محلف سبق له أداء اليمين القانونية قبل مباشرة مهامه.

    ثانيا : الخبير غير المحلف

    تطبق عليه نفس الترتيبات والإجراءات المتعلقة بالخبير المحلف الا أن الخبراء غير المحلفين يؤدون اليمين التالية أمام المحكمة ” أقسم بالله العظيم على أن أقدم مساعدتي للعدالة وفق ما يقتضيه الشرف والضمير”.

    ثالثا : عرض الخبير لنتائج الخبرة

    بعد انتهاء عملية الخبرة يحرر الخبير تقريرا يصنف فيه تمك العمليات ونتائجها ويشهد بذات التقرير أنه قام شخصيا بها ويوقع ويودع التقرير والأشياء المحكوم عليها أو ما تبقى منها بين يدي كاتب الضبط للمحكمة التي أمرت بالإجراء ويثبت الإيداع في محضر وذلك لما تلعبه الخبرة من دور حاسم في مساعدة القضاء في اطار الإثبات الجنائي.

    رابعا : وقوع نزاع عارض حول مستنتجات الخبير

    بداية مرحلة المناقشة يمكن أن تتمخض عن قبول التقرير أو استبعاده أو الأمر بخبرة تكميلية أو خبرة مضادة واذا كان تقرير المناقشة يوحي لنوع من التناقض مع مفهوم الخبرة القضائية الدقيقة فإنه يظل مفيدا في الوصول الى تصور يوفق بين سلطة القضاء من جهة وصيانة حقوق المتقاضين من جهة أخرى.

    المطالبة بالحق المدني وأثارها

    بالرجوع للمادة 2 من ق.م.ج فكل جريمة يترتب عنها الحق في اقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات، والحق في اقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي تسببت فيه الجريمة.

    أولا : المطالبة بالحق المدني

    من المعلوم أن كل شخص ادعى أنه تضرر من جريمة يمكنه أن يتقدم بصفته طرفا مدنيا أمام هيئة الحكم وفق المادة 348 من ق.م.ج ، بحيث أن الضرر اما أن يكون جسمانيا أو ماديا أو معنويا ومن ثمة تخضع المطالبة بالحق المدني أمام القضاء الجنائي لبعض القواعد الخاصة :

    أولا: عدم خضوع هذه المطالب لأداء الرسوم القضائية سواء قدمت في مذكرة أو بصيغة شفوية.

    ثانيا: تبلغ الدعوى المدنية المقامة ضد موظف عمومي أو قاض الى الوكيل القضائي للمملكة.

    ثالثا: يمكن اقامة الدعوى المدنية في سائر مراحل المسطرة الى غاية اختتام المناقشات.

    رابعا: يجب اقامة الدعوى المدنية من طرف من يتوفر على الأهلية المدنية للتقاضي.

    خامسا : تنازل الطرف المدني عن طلبه أمام القضاء الجنائي لا يترتب عنه سقوط الحق في المطالبة بالتعويض أمام القضاء المدني المختص.

    ثانيا : آثار المطالبة بالحق المدني

    يصبح المطالب بالحق المدني طرفا في الدعوى ويتعين اعلامه بالإجراءات المتخذة.

    الأحكام والقرارات والأوامر وأثارها

    أفرد المشرع المغربي بابا خاصا بالأحكام والقرارات والأوامر التي تصدرها المحاكم وجعل لها مقتضيات قانونية تحدد كيفية صدورها ومشتملاتها ووقت النطق بها والعيوب التي قد تشوبها وتؤدي إلى بطلانها.

    البيانات الإلزامية للأحكام

    الأحكام تصدر في هيئة القضاء الجماعي بأغلبية أعضائها، وهذه المقررات التي تصدرها يجب أن تكون محررة ومعللة، ويجب أن يتلى منطوقها في جلسة علنية ، ما لم تنص مقتضيات خاصة على خلاف ذلك، كما هم الشأن بالنسبة للأحكام الصادرة في قضايا الأحداث الجانحين.

    البيانات الإلزامية في الاحكام الجنائية

    تم التنصيص عليها في المادتين 365 و366 ، جاء في المادة 365 : ” يجب أن يستهل كل حكم أو قرار أو أمر بالصيغة الآتية:

    المملكة المغربية – باسم جلالة الملك وطبقا للقانون. ويجب أن يحتوي على ما يأتي :

    1- بيان الهيئة القضائية التي أصدرته؛

    2- تاريخ صدوره؛

    3- بيان أطراف الدعوى المحكوم فيها مع تعيين الاسم العائلي والشخصي للمتهم وتاريخ ومحل ولادته وقبيلته وفخذته ومهنته ومحل إقامته وسوابقه القضائية ورقم بطاقة تعريفه عند الاقتضاء؛

    4- كيفية وتاريخ الاستدعاء الموجه للأطراف إن اقتضى الحال؛

    5- بيان الوقائع موضوع المتابعة وتاريخها ومكان اقترافها؛

    6- حضور الأطراف أو غيابهم وكذا تمثيلهم إن اقتضى الحال والصفة التي حضروا بها ومؤازرة المحامي؛

    7- حضور الشهود والخبراء والتراجمة عند الاقتضاء؛

    8- الأسباب الواقعية والقانونية التي ينبني عليها الحكم أو القرار أو الأمر ولو في حالة البراءة؛

    9- بيان مختلف أنواع الضرر التي قبل التعويض عنها في حالة مطالبة طرف مدني بالتعويض عن الضرر الحاصل بسبب الجريمة؛

    10- منطوق الحكم أو القرار أو الأمر؛

    11- تصفية المصاريف مع تحديد مدة الإكراه البدني إن اقتضى الحال؛

    12- اسم القاضي أو القضاة الذين أصدروا الحكم أو القرار أو الأمر واسم ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط؛

    13- توقيع الرئيس الذي تلا الحكم أو القرار أو الأمر وتوقيع كاتب الضبط الذي حضر الجلسة.”

    المادة 366 : ” يبين في منطوق كل حكم أو قرار أو أمر ما إذا صدر في جلسة علنية، وهل هو حكم ابتدائي أم نهائي، حضوري أم بمثابة حضوري أم غيابي. في حالة الحكم في جوهر الدعوى، يقضي منطوق الحكم بالإدانة أو الإعفاء أو البراءة، ويبت فيما يرجع لتحمل المصاريف. تبت المحكمة، عند الاقتضاء، في رد الأشياء الموضوعة تحت يد العدالة لمن له الحق فيها، أو برد ثمنها إذا كانت هيئة الحكم أو هيئة التحقيق قد قررت بيعها خشية فسادها أو تلفها أو نتيجة لتعذر الاحتفاظ بها. ويمكنها أن تأمر في كل مراحل المسطرة برد الأشياء، ما لم تكن خطيرة أو لازمة لسير الدعوى أو قابلة للمصادرة، مع التزام المالك بإعادة ما يصلح منها كأدوات اقتناع أمام المحكمة التي قد تعرض عليها القضية من جديد إذا قررت ذلك، غير أنه يمكن للمحكمة أن تأمر استثناءً برد الأشياء الخطيرة إلى من له الحق فيها بطلب منه، إذا توفرت الضمانات الكافية لإثبات الحاجة إليها والحماية من خطرها.

    إذا صدر الحكم بالإدانة، ينص فيه بالإضافة إلى ما تقدم، على الجريمة التي صرحت المحكمة بإدانة المتهم من أجلها، وعلى مواد القانون المطبقة، وعلى العقوبة، وإن اقتضى الحال، على العقوبات الإضافية والتدابير الوقائية وما قضى به من حقوق مدنية.”

    الآثار المترتبة عن إغفال بيانات الأحكام

    حددت المادة 370 من ق م ج الحالات التي تؤدي إلى بطلان الأحكام أو القرارات أو الأوامر، وهي حالات وردت على سبيل الحصر:

    1- إذا لم تكن تحمل الصيغة المنصوص عليها في مستهل المادة 365؛

    2- إذا لم تكن هيئة الحكم مشكلة طبق القانون المنظم لها، أو إذا صدر الحكم عن قضاة لم يحضروا في جميع الجلسات التي درست فيها الدعوى؛

    3- إذا لم تكن معللة أو إذا كانت تحتوي على تعليلات متناقضة؛

    4- إذا أغفل منطوق الحكم أو القرار أو الأمر أو إذا لم يكن يحتوي على البيانات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 366؛

    5- إذا لم تصدر في جلسة علنية خرقا لمقتضيات المادة 364؛

    • إذا لم تكن تحمل تاريخ النطق بالحكم أو القرار أو الأمر و التوقيعات التي تتطلبها المادة 365، مع مراعاة مقتضيات المادة 371 بعده.”

    الإجراءات المتعلقة بالطلبات والدفوعات وآثارها:

    نصت المادة 323 : ” يجب تحت طائلة السقوط، أن تقدم قبل كل دفاع في جوهر الدعوى، ودفعة واحدة، طلبات الإحالة بسبب عدم الاختصاص – ما لم تكن بسبب نوع الجريمة – وأنواع الدفع المترتبة إما عن بطلان الاستدعاء أو بطلان المسطرة المجراة سابقا، وكذا المسائل المتعين فصلها أولياً. يتعين على المحكمة البت في هذه الطلبات فوراً، ولها بصفة استثنائية تأجيل النظر فيها بقرار معلل إلى حين البت في الجوهر. تواصل المحكمة المناقشات، ويبقى حق الطعن محفوظا ليستعمل في آن واحد مع الطعن في الحكم الذي يصدر في جوهر الدعوى.”

    المادة 324 : ” إذا أثير البطلان في غير الأحوال المشار إليها في المادة 227 أعلاه، فيمكن للمحكمة المحالة إليها القضية، بعد الاستماع إلى النيابة العامة والأطراف، أن تصدر حكما بإبطال الوثائق التي تعتبرها مشوبة بالبطلان. يجب أن تقدم طلبات الإبطال المثارة من الأطراف دفعة واحدة قبل استنطاق المتهم في موضوع الدعوى، وذلك تحت طائلة سقوط الحق في تقديمها.

    يمكن للأطراف أن يتنازلوا عن التمسك بالدفع بالبطلان إذا لم يكن مقررا إلا لمصلحتهم فقط، ويجب أن يكون هذا التنازل صريحا، ولا يقبل تنازل المتهم إلا بحضور محاميه أو بعد استدعائه بصفة قانونية. إذا اقتصرت المحكمة على إبطال بعض الإجراءات فقط، فيجب أن تصرح بسحبها من المناقشات، وتأمر بحفظها في كتابة الضبط. وتطبق عندئذ مقتضيات المادة 213 أعلاه.

    إذا أدى بطلان الإجراء إلى بطلان الإجراءات اللاحقة كلا أو بعضا، فإن المحكمة تأمر بإجراء تحقيق تكميلي إذا ارتأت أنه بالإمكان تدارك البطلان. وفي حالة العكس، تحيل المحكمة القضية إلى النيابة العامة، وتبت علاوة على ذلك، وعند الاقتضاء، في شأن الاعتقال الاحتياطي أو المراقبة القضائية.”

    قانون المسطرة الجنائية تضمن مجموعة من الإجراءات والقواعد في مختلف أوقات سريان مراحل الدعوى العمومية، أي منذ وقوع الجريمة إلى حين صدور الحكم البات فيها. وقد تضمنت تلك القواعد في ذات الوقت كيفية استعمال الأطراف لوسائل الدفاع التي يخولها القانون لكل واحد منهم ولم يجعمها مطلقة لسببين :أولهما وضع شروط وضوابط تكفل عدم التعسف في استعمالها، وثانيهما ضمان حسن سير العدالة تحقيقا للمحاكمة العادلة.

    تعريف السقوط

    يقصد بالسقوط الجزاء المسطري الذي يقرره المشرع عند مخالفة أحكام مقتضيات القانون المتعلقة بميعاد مباشرة الإجراء. وهذا الأخير إما أن يكون واقعة قانونية أو واقعة معينة وهو بذلك يرد على الحق في مباشرة الإجراء ويمنع عدم ممارسته. فالمشرع ربط السقوط بالأجل المحدد لمباشرة الإجراء، كطلب الإحالة لعدم الاختصاص ( باستثناء الاختصاص المتعلق بنوع الجريمة) والدفوع المترتبة عن بطلان الاستدعاء أو بطلان الإجراءات المسطرية المجراة سابقا وكذا المسائل التي يتعين فصليا أوليا. وعليه يجب تقديم الطلبات المذكورة قبل أي دفع أو دفاع في الجوهر، أي قبل بدء المحكمة في مناقشة القضية.

    ويتعين التمييز في هذا الإطار بين السقوط والحرمان كجزاءين مسطريين، فالسقوط مرتبط بأجل مباشرة الإجراء المسطري، أما الحرمان فيتمثل في وضع عقبة أو مانع يحول دون حلول مركز قانوني محل آخر. ويقصد به كذلك القيام بسلوك مسطري يتعارض مع الحق في مباشرته قانونا. كما يتعين التمييز بين السقوط والتنازل الذي يكون عن طواعية واختيار من قبل الأطراف ويقتصر على مصالحهم ليس إلا.

    خصائص السقوط

    أجمع الفقه على أن خصائص السقوط تتمثل فيما يلي:

    • يرد على الحق في مباشرة إجراء مسطري.

    • يقتصر على حق الأطراف في القيام بإجراءات مسطرية غايتها حسن سير العدالة.

    • السقوط لا يعتبر تنازلا ضمنيا عن الحق في مباشرة الإجراء المسطري بل يعتبر جزاء رتبه المشرع عند عدم احترام الآجال.

    • السقوط يتم بقوة القانون، ويتميز السقوط عن البطلان الذي لا يحول دون إعادة اتخاذ الإجراء بشكل صحيح في بعض الأحوال.

    • كما يتميز عن عدم قبول الإجراء الذي لا يحول دون قبوله بعد استيفاء المقتضيات التي كانت تنقصه وأدت إلى عدم قبوله، كما يتميز السقوط عن التقادم الذي يمنع إقامة الدعوى بتاتا في كافة إجراءاتها.

    • كما يرتب السقوط فيما يخص طلبات بطلان المسطرة المجراة سابقا والمسائل المتعين فصلها أوليا ومن بين هذه المسائل نذكر ما يلي:

    • – المنازعة في هوية المتهم

    • – التجريح المقدم ضد المترجم

    • – الدفع بزورية الوثائق

    • – التجريح المقدم ضد قضاة الحكم

    • – إثارة الحقوق العينية العقارية والحقوق الزوجية في جريمة إهمال الأسرة أو الخيانة الزوجية مثلا.

    • أما الطلبات المتعلقة ببطلان المسطرة المجراة سابقا فهي التي تتعلق غالبا بعمل الضابطة القضائية وبالمرحلة السابقة للمحاكمة وإجراءات التحقيق. ومن هنا يتعين علينا التعريف بالبطلان وأنواعه وآثاره.

    التعريف بالبطلان

    إن البطلان هو جزاء مسطري يترتب عن عدم احترام الإجراءات القانونية سواء كانت جوهرية أو شكلية، وقد أشار المشرع إلى البطلان كجزاء في المادة 227 من ق م ج.

    أنواع البطلان

    البطلان العام : وهو الذي يرد كجزاء على مخالفة مجموعة من القواعد أضفى عليها المشرع صفة معينة دون أن ينص على البطلان بقاعدة معينة.

    البطلان الخاص : وهو الذي ينص عليه المشرع بصدد إجراء معين.

    البطلان المطلق : وهو الذي يترتب عند مخالفة القواعد الخاصة بالإجراءات المسطرية الجوهرية المتعلقة بالنظام العام.

    البطلان النسبي : وهو الذي يترتب عند عدم احترام القواعد المسطرية غير المتعلقة بالنظام العام.

    وتجتمع أنواع البطلان في نوعين رئيسيين هما البطلان القانوني والبطلان القضائي، وقد نص المشرع على إثارة البطلان لضمان حق المتهم في الدفاع عن مصلحته بصفة أساسية والمتمثلة في بعض وسائل الإثبات المقامة ضده، وبالتالي نفي التهمة المنسوبة إليه، والذي ينبغي إثارته قبل كل دفاع في الجوهر وقبل استنطاق المتهم، ومن بينها بطلان إجراءات التحقيق وبطلان محاضر المصرحين لصدورها تحت إحدى التأثيرات كالإكراه أو الإغراء أو لتناقضها وعدم انسجامها أو بطلان الاعتراف إذا كان وليد الإكراه أو التعذيب أو بطلان حالة التلبس.

    أما بخصوص الحالة الثانية اعتبارا لما ورد في المادة 227من ق م ج ، فلابد من التمييز بين قرار قاضي التحقيق القاضي بعدم المتابعة وقراره بالإحالة. فإذا ألغت الغرفة الجنحية قرار قاضي التحقيق بعدم المتابعة فإنها طبقا لمقتضيات المادة 243 من ق م ج تصدر قرارا بالإحالة. وهذا القرار قد يرتكز على الإجراءات السابقة لقاضي التحقيق أو إجراءات تحقيق أخرى قامت بها الغرفة من تلقاء نفسها أو بطهب من الوكيل العام للملك أو أحد الأطراف طبقا لمقتضيات المادة 238 من ق م ج، ففي هذه الحالة وبصريح المادتين 227 و 324 من ق م ج فإن قرار الغرفة المذكورة يطهر إجراءات التحقيق ولا يمكن إثارة الدفع ببطلانها أمام المحكمة.

    وفي إطار التخفيف من حدة النتائج التي قد تترتب عن بطلان إجراءات التحقيق، فإن المشرع و بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة324 أجاز للأطراف التنازل عن التمسك بالدفع بالبطلان شريطة:

    • أن يكون هذا البطلان مقررا لمصلحتهم فقط.

    • أن يكون التنازل صريحا.

    • ألا يقبل تنازل المتهم إلا بحضور محاميو أو بعد استدعائه بصفة قانونية.

    ثالثا- آثار البطلان: تختلف آثار الأحكام الصادرة ببطلان إجراءات التحقيق حسب ما إذا كان البطلان يقتصر على إجراء معين أو بعض الإجراءات، أم يجب أن يشمل الإجراءات اللاحقة كذلك.

    ففي الحالة الأولى: إذا كان إجراء البطلان يقتصر على إجراء معين أو بعض الإجراءات، تأمر المحكمة بسحب وثائق الإجراءات التي أبطلت وبحفظها في كتابة الضبط، ويمنع الرجوع إلى ما في هذه الوثائق لاستخلاص أدلة ضد الأطراف في الدعوى أو إعادة استعمالها، تحت طائلة متابعات تأديبية في حق القضاة والمحامين طبقا لمقتضيات المادة 213من ق م ج.

    وفي الحالة الثانية فالقاعدة أن الإجراء الباطل لا يمتد بطلانه إلى الإجراءات السابقة عليه، ذلك أن الإجراءات السابقة تواجدت صحيحة قانونا دون أن تتأثر في وجودها بالإجراء الذي تقرر بطلانه، ومفاد ذلك أن أثر الإجراء الباطل ينسحب إلى ما تلاه من الإجراءات، وعليه إذا لحق البطلان إجراء، فإنه يتناول جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة.

    إجراءات المحاكمة أمام محاكم الاستئناف

    إن إجراءات المحاكمة أمام محاكم الاستئناف ، نعني بها المسطرة المتبعة لعرض القضية أمام محاكم الدرجة الثانية، بعدما يتولى أحد الأطراف سلوك طريق الطعن في الحكم أو المقرر الصادر ابتدائيا والذي بدى له أنه لم يستجب لطلباته، فيعمد إلى عرض النزاع على محكمته أو جهة أعلى درجة، بغية تصحيح ذلك، ملتمسا صدور قرار وفق مطالبه، وإجراءات المحاكمة هذه تبدأ منذ سلوك الطرف المتضرر طريق الطعن في الحكم أو المقرر مرورا بعرض القضية على المحكمة أو الجهة الأعلى درجة وانتهاء بالمسطرة المتبعة أثناء عرض القضية عليها وصدور القرار في الموضوع.

    يعتبر مبدأ التقاضي على درجتين مبدأ أساسيا في النظام القضائي المغربي، ويتجلى المبدأ المذكور في الاستئناف كطريق من طرق الطعن

    العادية، وقد حرص المشرع المغربي على اعتماد هذا المبدأ في جميع القضايا، كما كرس القانون هذا النهج عند معالجته لغرفة الجنح الاستئنافية، كغرفة تنظر في الاستئنافات المرفوعة عليها ضد الأحكام الزجرية الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية، وقد نظم قانون المسطرة الجنائية شروط الطعن بالاستئناف من خلال تعيينه للأشخاص المخول لهم هذا الحق ونطاقه، وتبيانه للأحكام القائمة للإستئناف، وآجال الطعن بالاستئناف وشكلياته.

    سنتناول في المحاور المقبلة الإجراءات المتبعة أثناء عرض النزاع على كل من غرفة الجنح الاستئنافية والغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف ثم غرفة الجنايات بنوعيها الابتدائية والاستئنافية.

    غرفة الجنح الاستئنافية

    أولا : الأطراف المخول ليم حق الطعن بالاستئناف

    الأصل أن لكل طرف في الدعوى أمام المحكمة الابتدائية حق الطعن بالاستئناف في حدود مصلحته، وقد حدد قانون المسطرة الجنائية الأطراف التي تملك حق ممارسة هذا الطعن.

    • المتهم

    نصت الفقرة الأولى من المادة 396 ق م ج على أنه يمكن للمتهم استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات إذا قضت بعقوبة سالبة للحرية.

    • المسؤول المدني

    أجازت المادتان 396 و 397 من ق م ج للمسؤول عن الحقوق المدنية الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في المخالفات والجنح فيما يخص حقوقه المدنية نتيجة ما تعرض لو من ضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة المرتكبة.

    • وكيل الملك

    بالرجوع للمادة 396 من ق م ج نجدها تنص على أنه المادة 396 : ” يمكن للمتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والنيابة العامة استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات إذا قضت بعقوبة سالبة للحرية. يخول نفس الحق للطرف المدني فيما يخص حقوقه المدنية لا غير. يترتب عن الاستئناف الأثر المنصوص عليه في المادتين 409 و410 بعده. إذا صدر حكم حضوري يقضي بغرامة غير مقرونة بعقوبة سالبة للحرية، فإن هذا الحكم لا يمكن أن يطعن فيه إلا بالنقض طبق الشروط المنصوص عليها في المادة 415 بعده.”

    كما نصت المادة 397 من ق م ج على أنه : ” يمكن الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها من المتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والطرف المدني ووكيل الملك والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، أو إحدى الإدارات عندما يسمح لها القانون بصفة خاصة بإقامة الدعوى العمومية.”.

    • الوكيل العام للملك

    أجازت المادة 397 من ق م ج للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها. كما نصت المادة من 398 ق م ج في فقرتها الثانية على أن أجل الاستئناف المخول للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف لا يحول دون تنفيذ العقوبة.

    • الإدارات العمومية

    خول المشرع للإدارات العمومية التي سمح لها القانون بصفة خاصة بإقامة الدعوى العمومية، كإدارة الجمارك الحق في الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها، طبقا لمقتضيات المادة 397ق م ج .

    • شركات التأمين وصندوق مال الضمان

    أجاز لها المشرع استئناف الأحكام الزجرية الصادرة عن المحاكم الابتدائية والتي تمس مصالحها المالية، والقاضية بإحلالها محل المؤمن لو أو الدائن بالتعويض باعتبارهما مسؤولين مدنيين .

    ثانيا : الأحكام القابلة للطعن بالاستئناف

    نص المشرع في ق.م.ج على أن جميع الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية في المادة الجنحية كيفما كان منطوقها، تقبل الطعن بالاستئناف.

    الأحكام الجنحية الصادرة عن المحاكم الابتدائية

    نصت المادة 397 ق م ج على أن الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها يمكن الطعن فيها بالاستئناف. ونصت المادة 396 ق م ج على أن الأحكام الصادرة في المخالفات إذا قضت بعقوبة سالبة للحرية تكون قابلة للطعن بالاستئناف. أما إذا صدر حكم حضوري يقضي بغرامة غير مقرونة بعقوبة سالبة للحرية فلا يمكن الطعن فيها بالاستئناف، حيث يكون قابلة للطعن فيها بالنقض فقط طبقا للمادة 396 من ق م ج.

    الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوعات

    جاء في المادة 401 ق م ج أن الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوع لا يمكن استئنافيا إلا بعد صدور الحكم في جوهر الدعوى. المادة 401 : ” لا يقبل استئناف الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوع إلا بعد صدور الحكم في جوهر الدعوى وفي نفس الوقت الذي يطلب فيه استئناف هذا الحكم، وكذلك الشأن في الأحكام الصادرة في مسألة الاختصاص ما لم يكن الأمر متعلقا بعدم الاختصاص النوعي وكان الدفع به قد أثير قبل كل دفاع في الجوهر. في حالة النزاع بشأن نوع الحكم، فإن للطرف الذي يرفض كاتب الضبط طلبه، أن يلتمس في ظرف أربع وعشرين ساعة من رئيس المحكمة بواسطة مذكرة، أن يأمر كاتب الضبط بتسجيل التصريح باستئنافه، ويتعين على كاتب الضبط أن يمتثل لهذا الأمر. يعتبر تاريخ تقديم هذا الطلب في حالة الموافقة عليه تاريخاً للتصريح بالاستئناف. لا يمكن أن يكون أمر الرئيس موضوعا لأي طعن. لا يمكن الاحتجاج بالتنفيذ الطوعي للأحكام المنصوص عليها في الفقرة الأولى أعلاه كوسيلة لعدم قبول الاستئناف.”

    ثالثا : آجال الاستئناف

    1- الأجل الأصلي للاستئناف

    لقد نصت عليه المادة 400 من ق م ج وهو الفترة الزمنية التي يتعين خلالها تقديم الطعن بالاستئناف، وهي عشرة أيام تبتدئ بالنسبة للنيابة العامة من تاريخ صدور الحكم، على اعتبار أنها طرف أصلي في الدعوى العمومية وتصدر الأحكام دائما بحضورها، أما بالنسبة لباقي الأطراف فيسري هذا الأجل من تاريخ الحكم إذا كان قد صدر بحضورهم أو بحضور من يمثلهم، واذا وقع إشعارهم بيوم النطق. أما إذا صدر الحكم غيابيا أو بمثابة حضوري، فإن هذا الأجل يسري من تاريخ تبليغ الحكم للشخص نفسه أو في موطنه.

    2- الأجل الإضافي للاستئناف

    هو الأجل الذي يمنحه القانون لباقي الأطراف التي لم تستأنف الحكم الابتدائي داخل الأجل الأصلي، ومدته خمسة أيام ابتداء من تاريخ التصريح بالاستئناف الأصلي. والأجل الإضافي يضاف إلى الأجل القانوني الممنوح للأطراف التي لم تستأنف استئنافا أصليا، ولا يمكن

    رابعا : كيفية التصريح بالاستئناف

    • التصريح أمام المحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف

    القاعدة أن التصريح باستئناف الأحكام الزجرية التي تصدره المحاكم الابتدائية يكون لدى كتابة ضبط المحكمة المصدرة لها أو لدى كتابة ضبط محكمة الاستئناف التي ستنظر في القضية وفق المادة 399ق م ج.

    • الاستئناف في حالة المتهم المعتقل

    إذا كان المتهم معتقلا فإن التصريح بالاستئناف المقدم لدى كتابة الضبط بالمؤسسة السجنية المعتقل بها يكون صحيحا، بحيث يتلقاه الموظف المكلف في الحال ويضمنه في سجل خاص حسب ما نصت عليه المادة 223 من ق م ج.

    خامسا : آثار الطعن بالاستئناف

    • الأثر الواقف للاستئناف

    القاعدة العامة أن الأحكام الزجرية لا يمكن تنفيذها إلا بعد صيرورتها باتة في المقتضيات العمومية ونهائية في المقتضيات المدنية وفق المادتان 597 و 598 ق م ج ، وهو الأمر الذي كرسته المادة 398 من نفس القانون والتي أشارت إلى أن آجال الاستئناف وسريان إجراءات الدعوى أمام محكمة الاستئناف يوقف الحكم المطعون فيه مع بعض الاستثناءات المتمثلة في :

    * حالة صدور حكم قضى ببراءة المتهم أو إعفائه أو حبسه مع إيقاف التنفيذ أو بغرامة فقط، أو بسقوط الدعوى العمومية.

    * حالة قضاء المتهم العقوبة الحبسية المحكوم بها عليه إذا كان في حالة اعتقال.

    * حالة المتهم الذي أفرج عنه مؤقتا ما لم يكن متابعا بالمس بالمقدسات أو بجريمة تتعمق بالمخدرات وفق المادة 181ق م ج.

    وتجدر الإشارة إلى أن الأثر الواقف للاستئناف لا يترتب عنه بطلان الحكم المستأنف، كما هو الحال بالنسبة للطعن ضد الحكم الابتدائي بل يظل قائما ولكن لا يمكن تنفيذ مقتضياته أثناء فترة الطعن بالاستئناف.

    • الأثر الناقل للاستئناف

    يعني هذا الأثر بأن الاستئناف ينقل النزاع من جديد أمام محكمة درجة ثانية والتي تقوم بدراسة ومناقشة القضية من جديد بجميع عناصرها الواقعية والقانونية، متقيدة في ذلك بالمقتضيات موضوع الاستئناف، ويتميز بخاصيتين أولهما نشر الدعوى في حدود الوقائع التي سبق عرضيا على المحكمة الابتدائية، وثانيهما نشر الدعوى بجميع عناصرها الواقعية والقانونية.

    الإجراءات المسطرية أمام غرفة الجنح الاستئنافية

    تخضع القواعد الإجرائية أمام غرفة الجنح الاستئنافية للمبادئ العامة للمحاكمة، والتي تتمثل في العلنية والشفوية والحضورية وحق الدفاع وتدوين الاجراءات والتقيد بالحدود المحالة بها الدعوى، وتشترك مع باقي المحاكم في القواعد العامة للإجراءات، كما أنها تنفرد بخصوصيات أخرى في هذا المجال.

    أولا : علنية الجلسات وشفوية المرافعات

    تعتبر علنية المحاكمة ضمانة أساسية لعدالتها، وهو ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما أن المادة 300 من ق م ج نصت على أن إجراءات البحث والمناقشات تتم في جلسة علنية تحت طائلة البطلان، ماعدا إذا اعتبرت المحكمة أن في علنية الجلسة خطرا على الأمن أو الأخلاق، فتصدر مقررا بجعل الجلسة سرية حسب المادة 302 ق م ج. وهكذا فإن إجراءات المحاكمة أمام غرفة الجنح الاستئنافية تكون علنية ما لم تقرر الغرفة إجراء المحاكمة في جلسة سرية، بالإضافة إلى علنية الجلسات ينبغي أن تكون المسطرة شفوية بحيث تتم إجراءات مناقشة القضية بشكل شفوي ولو أن القانون لم ينص على ذلك صراحة.

    ثانيا : تدوين الإجراءات

    نصت المادة 399 من ق.م.ج على أن غرفة الجنح الاستئنافية تعقد جلساتها بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط الذي تنحصر مهمته في تسجيل ما راج بالجلسة من مناقشات وما تم اتخاذه من إجراءات وذلك لإثبات حصولها من جهة والتحقق من مدى مطابقتها من جهة أخرى، وتظهر أهمية هذا التدوين في كونه هو الذي يعتمد أثناء المداولة واصدار الحكم. ولكي يعتد برسمية محاضر الجلسات ينبغي توقيعيا من طرف كاتب الجلسة ورئيسها.

    ثالثا : مثول المتهمين

    تناول المشرع موضوع حضور الأطراف لجلسات المحاكمة وحرصا منه على حماية حقوق الدفاع وتكريسا لضمانات المحاكمة العادلة، خول للمتهم الحق في تنصيب محام أثناء إجراءات المحاكمة. ويمثل المتهمون أمام غرفة الجنح الاستئنافية إما تبعا لاستدعاء بمناسبة الطعن بالاستئناف، أو بناء على أوامر بالإحضار إن كانوا في حالة اعتقال، ويجب أن يشمل الاستدعاء تحت طائلة البطلان بيان اليوم والساعة ومحل انعقاد الجلسة ونوع الجريمة وتاريخ ومحل ارتكابها، والفصول القانونية المطبقة بشأنها حسب المادة 308 ق م ج، وتتولى النيابة العامة تحرير وتوجيه الاستدعاء لحضور أول جلسة.

    الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف

    المشرع المغربي ظل متمسكا بمبدأ ثلاثية التشكيلة في الغرفة الجنحية، فنص على أن الغرفة المذكورة تشكل من رئيس ومستشارين اثنين، واذا كان قانون المسطرة الجنائية قد حدد صفة رئيس الغرفة الجنحية بإسناد رئاستها للرئيس الأول، فإنه ترك تعيين باقي أعضائها للجمعية العامة، هذا مع العلم بأن المشرع تقديرا منه لانشغالات الرئيس الأول، فقد أعطى لهذا الأخير الحق في أن ينيب عنه في رئاسة الغرفة الجنحية من يراه أهلا لذلك.

    والجدير بالذكر أن المشرع قد أجاز لكل من الرئيس الأول والوكيل العام للملك بأن ينيبا عنهما من يقوم مقامهما في نطاق عمل الغرفة الجنحية، فإنه قد سعى من خلال ذكر صفتهما إلى بلورة أهمية هذه الغرفة وترسيخها في منظومة التشريع الجنائي المغربي، بالإضافة كذلك أن تشكيل الغرفة الجنحية يعتبر من النظام العام يترتب على عدم احترامه بطلان القرارات التي تصدرها.

    اختصاصات الغرفة الجنحية

    أولا : طلبات الإفراج المؤقت، وتدابير الوضع تحت المراقبة القضائية

    طلبات الإفراج المؤقت

    يعتبر قاضي التحقيق هو المختص مبدئيا للبت في طلبات الإفراج المقدمة من طرف المتهم أو محاميه خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، وتكون قراراته قابلة للاستئناف أمام الغرفة الجنحية، وهو ملزم بالبت في الطلبات المذكورة في أجل أقصاه خمسة أيام والا رفع الأمر مباشرة إلى الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف التي تبت فيه داخل أجل أقصاه 15يوما، والا تم الإفراج عن المتهم.

    تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية

    تبنى قانون المسطرة الجنائية وسيلة بديلة للاعتقال الاحتياطي، لما يمكن أن يترتب عنه من أضرار في حق المشتبه فيه الذي لم تصدر بعد في حقه أية عقوبة، ويتمثل هذا البديل في إمكانية الاكتفاء بوضع المتهم تحت المراقبة القضائية كإجراء يخضع من خلاله المتهم لبعض الالتزامات التي يفرضها عليه قاضي التحقيق.

    ثانيا : طلبات بطلان إجراء التحقيق

    لقد رتب المشرع على خرق القواعد والضمانات المقررة لفائدة كل من المتهم والطرف المدني خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، بطلان اجراءات التحقيق. وبذلك خول القانون المذكور لكل من النيابة العامة والمتهم والمطالب بالحق المدني، الحق في إثارة البطلان إذا ظهر لأي منهم، بأن إجراءا ما مشوبا بالبطلان قد اتخذه قاضي التحقيق، وذلك بطهب إحالة ملف الدعوى على الغرفة الجنحية للنظر في الأمر، كما خول المشرع لقاضي التحقيق نفسو بأن يتقدم للغرفة الجنحية بطلب إبطال إجراءات التحقيق تلقائيا إذا ما ظهر له بأن إجراء من إجراءات التحقيق معرض للبطلان، وذلك بعد استشارة النيابة العامة. وتتنوع حالات البطلان بين حالات قانونية يرتكز فيها البطلان على خرق قواعد حددها المشرع وأوجب احترامها تحت طائلة البطلان، وأخرى تتعلق بخرق حقوق الدفاع المخولة للأطراف.

    حالات البطلان القانونية

    تتمثل حالات البطلان المرتبطة بخرق القواعد القانونية المنصوص عليها في المادة 210 من ق.م.ج فيما يمي:

    • عدم إشعار المتهم عند مثوله لأول مرة أمام قاضي التحقيق وقبل استنطاقه، بحقه في اختيار محام لمؤازرته، فإن لم يستعمل حقه في الاختيار، عين لو قاضي التحقيق محاميا بناء على طلبه ليؤازره.

    • عدم إشعار المتهم بالأفعال المنسوبة إليه (المادة 134 ق.م.ج)

    • عدم إشعار المتهم عند المثول الأول أمام قاضي التحقيق، بأنه حر في عدم الإدلاء بأي تصريح، وهي ضمانات أساسية لفائدة المتهم أو الطرف المدني، وبالتالي فإن عدم احتراميا يؤدي إلى بطلان الإجراء المعيب، ويبقى للغرفة الجنحية حق تقدير ما إذا كان البطلان يقتصر على الإجراء المعيب وحده، أم يمتد إلى الإجراءات الموالية لو كلا أو بعضا طبقا للمادة 211 ق.م.ج.

    حالات البطلان المرتبطة بخرق حقوق الدفاع

    هي المنصوص عليها في المادة 212 من ق.م.ج وهي حالات بطلان أخرى لا ترقى إلى الحالات الأولى في المساس بالضمانات الأساسية للتحقيق، وانما يؤدي خرقها إلى المساس بحقوق الدفاع المخولة للأطراف، لأن مبدأ المحاكمة العادلة مرتبط بحق المتهم في الدفاع كما توجب ذلك المواثيق الدولية. فالمادة 212 ق.م.ج نصت على أنه يترتب البطلان كذلك عن خرق المقتضيات الجوهرية للمسطرة إذا كانت نتيجتها المساس بحقوق الدفاع لأي طرف من الأطراف. والجدير بالذكر أنه ما دامت الحقوق الآنفة الذكر خاصة بالأطراف، فإن المشرع أجاز للمتهم والطرف المدني التنازل عن ادعاء البطلان بشأنها، لكن شريطة أن يكون هذا التنازل صريحا.

    ثالثا : الفصل في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق

    الاستئنافات المرفوعة من طرف النيابة العامة

    خول قانون المسطرة الجنائية للنيابة العامة الحق في أن تستأنف لدى الغرفة الجنحية كل أمر قضائي يصدره قاضي التحقيق باستثناء الأوامر الصادرة بإجراء خبرة طبقا لمقتضيات المادة 196.

    الاستئنافات المرفوعة من طرف المتهم

    حيث يمكن للمتهم أن يستأنف مجموعة من الأوامر الصادرة عن قاضي التحقيق ثم تحديد بعضها بمقتضى المادة 223 من قانون المسطرة الجنائية، وهي كالتالي :

    • الأمر الصادر بقبول طلبات الطرف المدني.

    • الأمر الصادر بإيداع المتهم في السجن.

    • الأوامر الصادرة بتمديد فترة الاعتقال الاحتياطي.

    • الأمر الصادر برفض طلب الإفراج المؤقت.

    • الأمر الصادر بشأن البيانات القابلة للنشر.

    الاستئنافات المرفوعة من الطرف المدني

    خول المشرع للطرف المدني بمقتضى المادة 224 من ق.م.ج الحق في أن يستأنف الأمر الصادر بعدم إجراء التحقيق، والأمر الصادر بعدم المتابعة وغيرهما من الأوامر التي تمس مصالحه المدنية. ومنع عليه صراحة استئناف الأوامر الصادرة بشأن اعتقال المتهم، أو بالمراقبة القضائية على أساس أن تلك الأوامر لا تؤثر على مصالحه المدنية، وخوله من جهة أخرى الحق في استئناف الأمر الصادر بشأن الاختصاص.

    رابعا : الاخلالات المنسوبة لضباط الشرطة القضائية

    دور الوكيل العام للملك

    لو تبين أن أحد ضباط الشرطة القضائية قد أخل بالمهام المعهود بها إليه، أحاله على الغرفة الجنحية بعد تقديم ملتمساته الكتابية، وعلى أساس ذلك تقوم الغرفة الجنحية بالأبحاث والتحريات اللازمة والاستماع إلى أقوال ضابط الشرطة القضائية المنسوب إليه الإخلال، حيث يتم استدعاؤه ويقدم دفاعه بصفة شخصية أو بواسطة محام وفق المادة 31 من ق.م.ج، وعلى ضوء ذلك تتخذ الغرفة القرار الملائم.

    العقوبات التي تصدرها الغرفة الجنحية

    المادة 32 : ” يمكن للغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف، بصرف النظر عن العقوبات التأديبية التي قد يتخذها في حقه رؤساؤه الإداريون، أن تصدر في حق ضابط الشرطة القضائية إحدى العقوبات التالية: توجيه ملاحظات؛ التوقيف المؤقت عن ممارسة مهام الشرطة القضائية لمدة لا تتجاوز سنة واحدة؛ التجريد النهائي من مهام الشرطة القضائية. يمكن الطعن بالنقض في قرار الغرفة الجنحية، وفقاً للشروط والكيفيات العادية.”

    وتجدر الإشارة أنه لما كانت قرارات الغرفة الجنحية المتخذة في حق ضابط الشرطة القضائية لا تحول دون مؤاخذته أمام القضاء العادي إذا كان الإخلال المنسوب يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، فإن الغرفة الجنحية عندما تصدر قرارها تحيل ملف المعني بالأمر على الوكيل العام للملك لاتخاذ ما يراه ملائما ، لأن اختصاص الغرفة الجنحية لا يخولها مساءلته جنائيا. جاء في المادة 33 : ” إذا ارتأت الغرفة الجنحية أن ضابط الشرطة القضائية ارتكب جريمة، أمرت علاوة على ما ذكر بإرسال الملف إلى الوكيل العام للملك.”

    خامسا : الاختصاصات الأخرى المخولة لمغرفة الجنحية

    • البت في الملتمسات الرامية إلى سحب قضية من قاض للتحقيق واحالتها على قاض آخر للتحقيق ضمانا لحسن سير العدالة.

    • إصدار مقرر بإيقاف التحقيق أثناء النظر في استئناف أمر قضائي.

    • البت في طلبات رد الاعتبار.

    الإجراءات المسطرية أمام الغرفة الجنحية

    أولا : اجتماع الغرفة الجنحية بدعوة من رئيسيا

    أي أن رئيس الغرفة الجنحية، الرئيس الأول أو من ينوب عنه، هو الذي لو صلاحية طلب عقد اجتماعها كمما رأى ضرورة ذلك.

    ثانيا : اجتماع الغرفة الجنحية بطلب من الوكيل العام للملك

    من المعلوم أنه يمكن للغرفة الجنحية أن تجتمع بطلب من الوكيل العام كمما اقتضت الضرورة ذلك، ويمكن تصور ذلك في الحالات التي تعمد فيها النيابة العامة إلى تعيين الملفات المعروضة عليها على الغرفة الجنحية للبت فيها.

    إحالة القضية على الغرفة الجنحية

    تحال القضايا على الغرفة الجنحية بواسطة النيابة العامة، بعد تهييئها داخل أجل خمسة أيام من تاريخ توصليا بالملف من طرف قاضي التحقيق وفور توصل كتابة الضبط بالملف ثم تحيله على الرئيس الأول لتعيين المستشار المكلف الذي يقوم بدارسة القضية واعداد تقرير في الموضوع.

    وتجدر الإشارة إلى الغرفة الجنحية تعقد جلساتها في غرفة المشورة التي تكون جلساتها سرية لطبيعة القضايا المعروضة عليها وما تقتضيه من سرية لارتباطها بالتحقيق.

    واذا كانت الغرفة تعقد دون حضور الأطراف، فيمكنها إذا ما ارتأت أن حضورهم سيكون مفيدا في القضية، أن تأمر بحضورهم شخصيا والاستماع إليهم وبإحضار أدوات الاقتناع لتتيح لهم فرصة الدفاع عن مصالحهم.

    التحقيق التكميلي

    إذا كان نشاط الغرفة الجنحية يرتكز أساسا على الفصل في الطعون المتعلقة بالقرارات التي يصدرها قضاة التحقيق، فإنها قد تقرر على ضوء ذلك إجراء تحقيق تكميلي بناء على ملتمس النيابة العامة أو بطلب من أحد الأطراف أو تلقائيا، وهو في جميع الأحوال إجراء غير إجباري، ولا يكون مجديا إلا إذا كانت إجراءات التحقيق قد انتهت وظهرت الحاجة إلى المزيد من التمحيص والتحري بشأن بعض الوقائع.

    أنواع القرارات التي تصدرها الغرفة الجنحية

    أولا : القرارات التي تصدرها أثناء سريان التحقيق

    تصدر الغرفة الجنحية قرارات أثناء سريان التحقيق بمناسبة النظر استئنافيا في أوامر قاضي التحقيق طبقا لمقتضيات الباب الرابع عشر من القسم الثالث للكتاب الأول من هذا القانون أو بشأن طلبات الإفراج المؤقت أو بشأن البت في بطلان إجراءات التحقيق أو عند سحب قضية من غرفة التحقيق واحالتها على أخرى.

    ثانيا: القرارات التي تصدرها بعد انتياء التحقيق

    تصدر الغرفة الجنحية هذه القرارات عندما يتعمق الأمر باستئناف قرارات عدم المتابعة. ولا بد من الإشارة إلى أن القرارات المتعلقة بالإحالة على غرفة الجنايات لا تقبل الطعن بالاستئناف أمام الغرفة الجنحية ولكنها تقبل الطعن بالنقض مع الحكم في الجوهر ، أما القرارات المتعلقة بعدم المتابعة فيمكن للنيابة العامة والطرف المدني الطعن فيها بالاستئناف على المحكمة المختصة.

    السلطات الخاصة برئيس الغرفة الجنحية

    أوكل قانون المسطرة الجنائية لرئيس الغرفة الجنحية سلطات خاصة تتجلى في التحقق من حسن سير مكاتب التحقيق بدائرة نفوذ محكمته، وزيارة المؤسسات السجنية بالدائرة القضائية، والتحقق من حسن سير إجراءات التحقيق وزيارة المؤسسات السجنية ويمكن أن يمارس هذه السلطات الخاصة شخصيا أو يعين من ينوب عنه.

    أولا : التحقق من حسن سير التحقيق

    يتولى رئيس الغرفة الجنحية التأكد من حسن سير المساطر بشكل طبيعي، وحت قضاة التحقيق على تفادي أي تأخير غير مبرر للمساطر المعروضة عليهم، وإلزامهم بإعداد لائحة كل ثلاثة أشهر بجميع القضايا الرائجة بمكاتبهم مع الإشارة فيها إلى تاريخ تنفيذ آخر إجراء من إجراءات التحقيق المتخذة في كل منها، واعداد لائحة بالقضايا المتعلقة بالمتهمين المعتقلين احتياطيا.

    ثانيا : زيارة المؤسسات السجنية

    لرئيس الغرفة الجنحية زيارة المؤسسات السجنية التابعة لدائرة نفوذه، كلما رأى ذلك ضروريا، مرة على الأقل كل ثلاثة أشهر، يراقب خلالها حالة المتهمين الموجودين في حالة اعتقال احتياطي، ويمكنه أن يطلب من قضاة التحقيق كل البيانات الخاصة بوضعية بعض المعتقلين، ويوجه لقضاة التحقيق التوصيات اللازمة فيما يظهر له من ملاحظات خلال زيارته لمكاتب التحقيق.

    غرفة الجنايات

    جعل المشرع التقاضي أمام غرفة الجنايات على درجتين الأولى والثانية ، غرفة الجنايات الابتدائية وغرفة الجنايات الاستئنافية.

    غرفة الجنايات الابتدائية

    أولا : اختصاص غرفة الجنايات الابتدائية

    الاختصاص المكاني: يستند في الاختصاص المكاني لغرفة الجنايات، على الأحكام العامة الواردة بالمادة 256 ق.م.ج، والتي تعرف بثلاثية الاختصاص المتمثل في محل ارتكاب الجريمة، ومحل إقامة المتهم، ومحل إلقاء القبض على المتهم.

    الاختصاص النوعي: وهو الذي يتحدد بمقتضاه نوع الجريمة بنوع العقوبة المقررة لها. وقد يتأثر الاختصاص النوعي بعوامل أخرى شخصية أو قيمية. فصفة الجاني أو صفة الضحية أو قيمة ما جناه المتهم من الفعل الجرمي تنزع الاختصاص أحيانا من محكمة لفائدة محكمة أخرى، كالمحكمة العسكرية بالنسبة للجنود والضباط والمحكمة العليا وما إلى ذلك. إلا أن ولايتها قد تمتد لتشمل جرائم أخرى لظروف طارئة تتمثل في:

    • عدم إمكانية الفصل بين الجناية والجرائم الأخرى لاتحاد عناصرها بشكل يستحيل معه الفصل في كل واحدة على حدة.

    • ارتباط الجناية بجرائم أخرى. ويحدث الارتباط كمما قامت علاقة واضحة تجمع بين ظروف وملابسات جريمة وأخرى.

    • جرائم الجلسات، وهي الجرائم التي ترتكب أثناء انعقاد جلسة الجنايات، وتجمع فيها الغرفة بين سلطة المتابعة والحكم.

    ثانيا : تأليف غرفة الجنايات الابتدائية

    تتألف غرفة الجنايات من رئيس من بين رؤساء الغرف بمحكمة الاستئناف ومستشارين اثنين تعينهم جميعا الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف، والتي تعين في نفس الوقت رئيسا نائبا لرئيس غرفة الجنايات ومستشارين إضافيين يحلان محل العضوين الأساسيين عند الاقتضاء.

    رفع القضية إلى غرفة الجنايات

    تحال القضايا إلى غرفة الجنايات بإحدى طرق الإحالة التالية:

    • بإحالة من الوكيل العام للملك.

    • بقرارات الإحالة التي يصدرها قضاة التحقيق.

    • بإحالة من الغرفة الجنحية عندما تمغى قرار قاضي التحقيق بعدم المتابعة.

    ثالثا : الجلسة وصدور القرار

    تنعقد جلسة غرفة الجنايات في اليوم المحدد لها بعد استدعاء الأطراف واحضار المتهم إذا كان معتقلا. وتنعقد الجلسة بصفة علنية، ما لم يكن في علنيتها خطر على الأمن أو الأخلاق، بحيث تنعقد سرية، وتمتد هذه السرية إلى تلاوة أي قرار يبت في نزاع عارض طرأ أثناء البحث أو المناقشة. ويتمتع رئيس الغرفة في هذا المجال بسلطات واسعة حددتها المادتان 422 و 424 من ق.م.ج، بحيث تكون له سلطة تقديرية واسعة تمكنه من اتخاذ أي قرار أو إجراء للكشف عن الحقيقة ما لم يمنعه القانون من ذلك، وله أن يستدعي ولو بالأمر بالإحضار، أي شخص للاستماع إليه أو يطلب الإدلاء بأي دليل مفيد لإظهار الحقيقة.

    تجري الغرفة المواجهات، وتنهي بحث القضية بالاستماع إلى المطالب بالحق المدني ولملتمسات النيابة العامة وابداء المتهم أو محاميه أوجه دفاعهما، وتكون الكلمة الأخيرة للمتهم أو محاميه، وبذلك تقوم قرينة استكمال الإجراءات القانونية المطلوبة.

    إصدار القرارات من غرفة الجنايات

    تتنوع قرارات غرفة الجنايات حسبما أفضت إليه مداولاتها بين:

    • قرار بعدم الاختصاص: ويتم ذلك عندما يكون الاختصاص منعقدا لمحكمة متخصصة كالمحكمة العسكرية أو في حالة تقديم الطرف المدني مطالبه المدنية، حيث تصرح غرفة الجنايات بعدم اختصاصيا للبت في المطالب المدنية.

    • قرار بعدم قبول المتابعة: ويتم ذلك عندما يختل شرط من شروط المتابعة مثل انعدام الشكاية إذا كانت شرطا في المتابعة، أو عدم إجراء التحقيق في القضية إذا كان التحقيق إلزاميا في القضية.

    • قرار بالإعفاء: ويتم ذلك عندما يثبت للغرفة استفادة المتهم من عذر معف من العقاب.

    • قرار بسقوط الدعوى العمومية: ويتم ذلك عندما يعتري المتهم أو الجريمة إحدى الحالات التي نصت عليها المادة 4

    • قرار بالبراءة: ويتم ذلك عندما يثبت للغرفة أن الفعل الجرمي لا يمكن نسبته للمتهم، أو أن الفعل المنسوب إليه لا يعد مخالفة للقانون الجنائي أو لم يعد يعاقب عليه.

    • قرار بالإدانة: ويتم ذلك عندما يثبت للغرفة أن الأفعال المنسوبة للمتهم ثابتة في حقه ولم يكن هناك سبب لإعفائه من العقاب أو سقوط الدعوى العمومية في حقه، وتبت بالإضافة إلى ذلك في المطالب المدنية إن قدمت، وفي المحجوز عند الاقتضاء، وتصفي المصاريف.

    المسطرة الغيابية

    إذا تعذر القبض على المتهم بعد الإحالة أو إذا لاذ بالفرار بعد القبض عليه أو إذا كان في حالة الإفراج المؤقت أو الوضع تحت المراقبة القضائية، ولم يستجب إلى الاستدعاء بالمثول المسلم إليه، فإن رئيس غرفة الجنايات أو المستشار المنتدب من طرفه يصدر أمرا بإجراء المسطرة الغيابية. ينص هذا الأمر على أنه يتعين على المتهم أن يحضر داخل أجل ثمانية أيام، وإلا فيصرح بأنه عاص للقانون ويوقف عن مزاولة حقوقه المدنية وتعقل أملاكه خلال مدة التحقيق الغيابي ويمنع من رفع أية دعوى قضائية طيلة نفس المدة ويصرح بأنه سيحاكم رغم تغيبه وأن على كل شخص أن يدل على المكان الذي يوجد فيه. يشير هذا الأمر، زيادة على ما تقدم، إلى هوية المتهم وأوصافه وإلى وصف الجناية المتهم بها وإلى الأمر بإلقاء القبض عليه.”

    المحاكمة الغيابية

    في حالة صدور قرار بإدانة المتهم الذي طبقت في حقه المسطرة الغيابية، تترتب عنه الآثار التالية:

    • عقل أملاك المتهم.

    • نشر ملخص القرار.

    • التجريد من الحقوق.

    • الطعن في القرار.

    • في حالة القبض على المتهم أو تسليم نفسه : نصت المادة 453 ق.م.ج على أن المحكوم عليه غيابيا، إذا سلم نفسه، أو إذا تم إلقاء القبض عليه قبل سقوط العقوبة المحكوم بها بالتقادم، يقع اعتقاله بموجب الأمر الصادر بإجراء المسطرة الغيابية من رئيس غرفة الجنايات أو المستشار المنتدب من طرفه. ويترتب على هذه الحالة سقوط القرار والإجراءات المتخذة بموجب الأمر بإجراء المسطرة الغيابية بقوة القانون، واذا ظهر من اللازم إجراء تحقيق تكميلي، عينت غرفة الجنايات المستشار الذي عليه القيام بالتحقيق وفق الإجراءات المنصوص عليها في التحقيق الإعدادي.

    غرفة الجنايات الاستئنافية

    تتألف غرفة الجنايات الاستئنافية من رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف وأربعة مستشارين تعينهم الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف، والتي تعين في نفس الوقت رئيسا نائبا لرئيس غرفة الجنايات وعدة مستشارين إضافيين ليحلوا عند الاقتضاء محل الأعضاء الأساسيين. ترفع القضية إلى غرفة الجنايات الاستئنافية بسبب الطعن بالاستئناف ضمن حدود معينة تحكمها صفة وصلاحيات الطرف المستأنف.

    يقدم الاستئناف بتصريح أمام كتابة الضبط لدى المحكمة المصدرة للقرار. واذا كان المتهم معتقلا فإن التصريح تتلقاه كتابة الضبط بالمؤسسة السجنية، وتبعث نسخة منه لكتابة الضبط بالمحكمة المذكورة داخل أجل أربع وعشرين ساعة تحت طائلة عقوبة تأديبية.

    ويقدم التصريح شفويا من أحد أطراف الدعوى أو محاميه لكتابة الضبط بالمحكمة المصدرة للحكم أو لكتابة الضبط بالسجن، ويدون في سجل خاص يوقع عليه كاتب الضبط الذي تلقى التصريح بالاستئناف والمصرح بالاستئناف.

    الأطراف الذين يحق لهم الطعن بالاستئناف

    • المتهم.

    • النيابة العامة.

    • المطالب بالحق المدني.

    • المسؤول المدني.

    أجل الاستئناف

    الأجل الأصلي : إن الأجل الأصلي لاستئناف قرارات غرفة الجنايات الابتدائية هو عشرة أيام، وهو أجل كامل لا يشمل اليوم الأول ولا اليوم الأخير.

    الأجل الإضافي: وهو رخصة منحها المشرع لمن لم يبادر الى استئناف الحكم ، باستثناء الوكيل العام في وقت قام غيره من الأطراف بالطعن فيه داخل الأجل المحدد له قانونا، وذلك بهدف عدم تفويت الفرصة عليه للدفاع عن حقوقه، وقد حدده المشرع في خمسة أيام، وهو أجل كاف لتهييئ دفاعه.

    آثار الاستئناف

    الأثر الواقف: يستمد هذا الأثر أساسه القانوني من المادة 398 ق.م.ج والتي جاء فيها أن الحكم يوقف تنفيذه أثناء سريان آجال الاستئناف وأثناء جريان المسطرة في مرحلة الاستئناف.

    الأثر الناقل: استئناف قرارات غرفة الجنايات الابتدائية ترفع إلى غرفة الجنايات الاستئنافية بالحالة التي كانت عليها أمام غرفة الجنايات الابتدائية، فتنشر أمامها جميع العناصر الواقعية والقانونية، وبذلك فإن النقل لا يشمل إلا الوقائع التي سبق عرضها ولا يمتد نظر الغرفة إلى وقائع جديدة، ما عدا تلك التي لها تأثير على وصف الجريمة.

    إجراءات المحاكمة

    تجري أمام غرفة الجنايات الاستئنافية وفق القواعد والإجراءات المتبعة أمام غرفة الجنايات الابتدائية وخاصة القواعد المتعلقة بعلنية الجلسات وشفوية المرافعات والحضورية أو الدعوة الصريحة إلى ذلك، ثم تدوين الإجراءات والمطالب والمرافعات والقرارات واحترام حقوق الدفاع وتنظيم المناقشات واحترام الآجال القانونية وما إلى ذلك.

    اتخاذ القرار

    القرارات التي تصدرها غرفة الجنايات الاستئنافية متباينة ومتعددة :

    • أولا: القرارات الفاصلة في شكل الاستئناف.

    • ثانيا: القرارات الفاصلة في الموضوع.

    • ثالثا : القرارات الأخرى. كطلبات الإفراج المؤقت المقدمة من طرف المتهم إذا ما طعن في القرار بالنقض ولم يبت المجلس الأعلى بعد في الطعن، طلبات رد المحجوزات، النزاعات العارضة المتعلقة بتنفيذ قرارات الغرفة\.

    المسطرة الغيابية أمام غرفة الجنايات الاستئنافية

    نفس أحكام المادة 443 ق.م.ج.

    📗 خلاصة الباب

    • تتشكل هيئات الحكم الجنائي بحسب درجة الجريمة (قاضٍ فردي في المخالفات وبعض الجنح، هيئة جماعية في الجنايات)، وتخضع لقواعد التجريح والحياد ضمانا لعدالة المحاكمة.
    • يحكم سير الجلسة مبدآ العلنية وشفوية المرافعات، مع ضمان حق المتهم في الحضور والمؤازرة بمحام والاستماع للشهود والخبراء، وحق الطرف المدني في المطالبة بالتعويض.
    • يجب أن تتضمن الأحكام الجنائية بيانات إلزامية معينة، ويترتب على إغفالها آثار قد تصل إلى البطلان، وتخضع الطلبات والدفوعات المثارة أثناء المحاكمة لقواعد خاصة بالسقوط والبطلان.

    ◀ الفصل السابق: الاختصاص

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: طرق الطعن

  • الباب السابع: دراسة عوامل الظاهرة الإجرامية

    📖 علم الإجرام — الفصل 8 من 8 — فهرس الكتاب

    النوع والعرق

    من ناحية النوع : اجرام الرجل واجرام المرأة

    هناك فرق بينهما واضح سواء من حيث الكم أو النوع فمن ناحية الكم إجرام الرجل يفوق إجرام المرأة يقدرها البعض ب 10 اضعاف ، يتأثر بعامل السن فيقل مثلا في سن الاربعين ويزيد خلال الحروب ، أما من ناحية الكيف فتؤكد الاحصائيات أن هناك جرائم تكاد تكون حكرا على المرأة كالدعارة و قتل الوليد و تعريض الاطفال للخطر والاجهاض والخيانة الزوجية والقتل عن طريق التسميم ، كما يلاحظ اقدام المرأة على الجرائم المعتمدة على الحيلة أكثر من الجرائم التي تتطلب مجهودا عضليا كالسرقة من المحلات التجارية والزنا والقوادة والنصب وخيانة الامانة والقتل بالسم بينما تقل لديهن جرام القتل بالعنف والضرب والجرح والسرقة المشددة والجرائم الضارة بالمصلحة العامة التي تعتبر جرائم ذكورية .

    أولا : اختلاف إجرام الرجل عن اجرام المرأة ، فوارق ظاهرية خاضعة ، هناك تبريرات كثيرة ، منها ما هو بيولوجي ، نفسي ، أو اجتماعي ، لكن هناك من قال أن هذا الفارق هو ظاهري يرجع إلى أن الاجرام الرسمي للمرأة كما تكشف عنه الاحصائيات لا يتطابق مع العدد الفعلي لجرائمها و الاحصائيات الرسمية كما يشير لامبروزو في مؤلفه “المرأة المجرمة والدعارة” أن الميول الاجرامية عند النساء تتجه نحو الدعارة والبغاء مما يدر عليها أموالا لا يستطيع الرجل الحصول عليها إلا بالوسائل غير المشروعة والكثير من الدول لا تعتبر الدعارة جريمة لذلك لو أضيف عدد ممارسات الدعارة إلى قائمة الاجرام عند النساء لربما زاد إجرام المرأة على الرجل ، كما أن هناك العديد من جرائم النساء لا يظهر ويتم في الخفاء كالإجهاض والزنا عكس إجرام الرجل الذي يظهر للعيان في الاحصائيات ، هذه الاخيرة حسب لامبروزو لا تعبر عن الحجم الحقيقي للإجرام عند المرأة وأضاف أن المرأة تقف وراء العديد من الجرائم التي يقوم بها الرجل لتصدق مقولة نابليون الشهيرة إبحث عن المرأة ، فالإحصائيات كشفت أن المرأة وراء 40 في المائة من الخلقية و 20 في المائة من جرائم القتل و 10 في المائة من جرائم السرقة ، وهناك اعتبارات عملية تحول دون النطق بالعقوبة في حق المرأة :

    • تودد الرجل للمرأة من تقديم شكاية ضدها إذا كان مجنيا عليه أو يتحمل وحده المسؤولية اذا شاركها الجريمة .

    • تساهل أجهزة العدالة مع المرأة بدافع التستر والحفاظ على السمعة

    ثانيا : تفسير صلة النوع بكم ونوع الاجرام

    • التفسير البيولوجي والنفسي : انخفاض إجرام المرأة عن الرجل يرجع إلى التكوين العضوي والنفسي الذي يختلف عن الرجل :

    قوة بدنية أقل من قوة الرجل فهي لا تقدم على جرائم العنف وتتوارى وراء الجرائم البسيطة

    • التغيرات الفيزيولوجية التي تتعرض لها بحكم الدورة الشهرية والحمل والولادة والرضاعة قد تدفعها لارتكاب الجريمة لأنه غالبا يصاحبها ميول حادة أنانية عدوانية واضطرابات عصبية وتقلبات مزاجية فالمرأة مثلا في سن اليأس تزيد لديها نوبات القلق والاكتئاب والشذوذ الجنسي والخوف فالإحصائيات تقول أن 41 في المائة من النساء المتهمات ارتكبن جرائم في فترة الحيض وفي فرنسا 63 في المائة من جرائم السرقة عند النساء كانت في فترة الحيض .

    • التفسير الاجتماعي : ويذهب الى الاختلاف في المركز الاجتماعي والدور الذي يلعبه كل من الرجل والمرأة في المجتمع ، فالنسبة تميل الى التساوي كلما كان هنالك تقارب المركز الاجتماعي وتتقارب في المدن مقارنة مع الارياف و في الدول المتقدمة مقارنة مع المتخلفة وفي المجتمعات الصناعية مقارنة مع المجتمعات الزراعية وتزيد في الحروب لأن المرأة تنزل لمعترك الحياة بينما يكون الرجل منهمكا في القتال ، كما يرجع البعض هذا الاختلاف إلى أن البنت خلال التنشئة تحصل على حماية وعناية أكبر من الولد الذي يطلب منه أن يكون قويا ويتحمل المسؤولية وإلا تم نعته بالتخنث ، بينما تبقى البنت في البيت وتتكفل الاسرة بكامل احتياجاتها فتكون هادئة الطبع حسنة الخلق . والواقع أن جرائم المرأة لا يمكن تفسيرها الا في ظل المنهج التكاملي أي الجمع بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية فكل منها يفسر جزءا من الحقيقة بحيث يصعب الفصل بينهما ، فارتفاع جرائم معينة عند النساء لا يمكن تفسيره الا في ضوء الاعتبارات النفسية والبيولوجية التي تميز المرأة عن الرجل في حين أن قلة جرائم معينة عند النساء لا يمكن تفسيره الا من خلال قلة احتكاكها بميدان المعاملات والتجارة .

    الفرع الثاني : العرق

    حاول البعض أمثال سيلين الربط بين الظاهرة الاجرامية وبين السلالة والعرق ، و قالوا أن أعراقا معينة ترتفع فيها الجريمة أكثر من باقي الاعراق ، حيث لاحظوا ارتفاع الجريمة بين السود بينما قل ذلك في عرق اليابانيين ، وقد فسر بونجر هذا التفاوت من خلال دراسة التركيب الاجتماعي فلاحظ قوة وتماسك نظام العائلة في الشرق الاسيوي بينما لاحظ ضعفه لدى السود الامريكيين .

    تقييم النظرية العرقية :

    لم يعد مقبولا هذا الربط في العصر الحاضر فلا يتصور أن يكون عرق بعينه سببا للجريمة

    • الدراسات لم تنصب سوى على عنصر الزنوج فلا يمكن تعميم النتائج

    • الدراسات أغفلت العوامل الاقتصادية والاجتماعية وتأثير نظام العدالة الجنائية في المجتمع الامريكي ، فالعوامل الاقتصادية تتمثل في ارتفاع نسبة الفقر بين السود ثم أنهم يجبرون على السكن في أحياء سكنية يغلب عليها طابع التفكك الاجتماعي أما نظام العدالة الجنائية الامريكي فيتميز بالمحاباة فبعض الجرائم لا تتم المحاكمة بشأنها اذا كان مرتكبها أسودا ، ثم أن نشاط الشرطة يزداد في مناطق السود والقضاة غالبا يكونون من فئة البيض فيحصل التعسف وتكون العقوبة على عنصر البيض مخففة بينما تصل لحد الاعدام في حق السود كما أن معاملة السود في السجون تكون أدنى من تلك التي يحظى بها العنصر الابيض ، كل هذا كان لا بد أن يعبئ السود في مواجهة البيض وتصبح الجريمة هي المتنفس الوحيد انتقاما وتعبيرا عن الغضب اتجاه أزمة العدالة الجنائية في الولايات المتحدة الامريكية .

    العوامل الداخلية العارضة

    طبيعية لا يستطيع التحكم فيها كالسن ، وغير طبيعية كالإدمان على المخدرات

    السن :

    يرتبط الاجرام كما وكيفا باختلاف السن ، ويرجع ذلك الى اختلاف العوامل الشخصية والاجتماعية طبقا لسن الشخص ، فكل مرحلة خصائص عضوية ونفسية تترك آثارا على كم و نوع الاجرام .

    أولا : مرحلة الطفولة ، تمتد حتى سن 12 ، تتميز بقلة الجرائم نظرا لضعف التواصل الاجتماعي و ضعف الاطفال العام كما أن المحاكم لا تعتبر بأي مسؤولية للأطفال في هذا السن .

    ثانيا : مرحلة الاحداث ما بين 12-18 سنة ، تحدث تغيرات عضوية ونفسية للحدث ويكون للبيئة الخارجية تأثير على سلوكه فترتفع معدلات الجريمة بين المراهقين خصوصا في السرقة داخل الوسط العائلي لكثرة الرغبات وقلة الامكانيات ثم جرائم الاعتداء كالضرب والجرح نتيجة نمو القوة البدنية وجرائم المخلة بالآداب كالاغتصاب نتيجة نمو النشاط الجنسي لديهم .

    ثالثا : مرحلة الشباب ، 18-25 سنة ، تتميز بانتهاء اعراض المراهقة وازدياد متطلبات بناء المستقبل و قوة في البنية الجسمية و نضج في الغريزة الجنسية وعدم الاكتراث والاندفاع والتهور فترة خطرة تستغرق ما بين ربع وثلث الاجرام الكلي ، وغالبا تكون جرائم بسيطة كالسرقة بالإكراه والاغتصاب و تكون جرائم الاجهاض في ذروتها عن الشابات حيث تكون المرأة في هذا السن أكثر عرضة للحمل ، كما تكثر في هذه السن جرائم غير العمدية كالقتل الخطأ نتيجة قيادة متهورة للسيارة .

    رابعا : مرحلة النضج ، 25-50 سنة ، تتسم هذه المرحلة بالاستقرار من حيث العمل والزواج والجرائم الغالبة على هذه المرحلة هي جرائم السرقة وخيانة الامانة والاختلاس خاصة بين 25-35 ثم نجد جرائم النصب في سن 35 فما فوق أما جرائم الاعتداء على الشرف كالسب والشتم فنجدها ما بين 40-50 سنة حيث يكون الشخص ضعيفا بدنيا .

    خامسا : مرحلة الشيخوخة ، 50 سنة فما فوق ، تتميز بالضعف في القدرات البيولوجية و تعرض الجسم للأمراض وتخبو الغريزة الجنسية و تضعف القوة الذهنية وتزداد معدلات اليأس وعدم الاستقرار والقلق النفسي وفقدان المهنة والتفكير في تحقيق مطالب العيش والخشية من المرض وابتعاد الابناء والعزلة الاجتماعية وأغلب جرائم هذه السن ترتبط بالحيلة والذكاء بعيدا عن استخدام القوة البدنية فتكثر جرائم النصب وخيانة الامانة وانحراف الغريزة الجنسية نحو الاطفال كما أن المرأة يسجل لديها أعلى معدلات الجريمة ما بين 45-55 سنة أي سن اليأس حيث تسوء حالتها النفسية لشعورها بانتهاء مهمتها في الانجاب وتضيق مواردها بعد تقاعد زوجها وابتعاد أبنائها عنها .

    إدمان الخمور والمخدرات

    يجمع الباحثون على صلته وتهيئته للسلوك الاجرامي وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالسلوك الاجرامي 85% القتل ، 75 % الضرب والجرح ، 65% الاغتصاب ، فالخمر له تأثير قوي على التكوين العضوي والنفسي للشخص بحيث يحدث هيجانا في الانفعالات ويثير الدوافع الغريزية وينال من القدرة الذهنية والعقلية ويضعف القدرة على ضبط الانفعالات و يعطي جرأة على الاقدام على ارتكاب الجرائم ، كما أن الخمر ينال من الحالة الاجتماعية فتكون غالبا مفككة وينشأ الاطفال في تربية غير سليمة ، وقد تكون الصلة بين الجريمة والخمر صلة مرتدة حيث ينال من ذريته فقد أثبتت الدراسات أن الأجنة تتأثر بحالة الادمان التي يكون عليها أحد الأبوين أو كليهما مما تعرض الجنين لتشوهات عضوية أو نفسية أو عصبية تدفعه بعد ذلك إلى ارتكاب الجريمة ، فالإدمان يؤدي الى ارتفاع نسبة الكحول في الدم وهي خاصية بيولوجية تنتقل بالوراثة فيميل الابناء بدورهم الى شرب الخمر وبالتالي يكونون عرضة أكثر من غيرهم لسلوك سبيل الجريمة .

    العوامل الخارجية للسلوك الاجرامي

    يقصد بها العوامل المحيطة بالشخص وقد قال العلماء قديما ان المرء نتاج بيئته ، غير أن تأثير البيئة على الانسان هو أمر نسبي من ناحية و تكاملي من ناحية أخرى .

    العوامل البيئة الجغرافية

    يقصد بها العوامل الطبيعية التي تسود منطقة معينة كطبيعة المكان من حيث الصعوبة والوعورة ودرجة الحرارة وتقلبات الفصول وطول النهار وكمية الامطار ودرجة الرطوبة وحركة الرياح وطبيعة التربة ، فللمكان تأثير قوي على الانسان ، ولا شك أن ظاهرة الاجرام تتأثر بطبيعة المكان من ناحية و كثافة السكان من ناحية أخرى وقد اختلف الباحثون حول تفسير العلاقة بين المناخ و الظاهرة الاجرامية .

    علاقة البطالة بالظاهرة الاجرامية

    هي من مظاهر الركود الاقتصادي وتعني توقف العامل عن عمله وبالتالي حرمانه من مصدر رزقه ، وتترتب آثار سيئة على البطالة خصوصا بعد التوقف عن العمل لمدة طويلة وخاصة عندما يكون العاطل رب اسرة فيصبح عاجزا عن الوفاء بالتزاماته فيساوره القلق والخوف على مستقبله ومستقبل أسرته مما يدفعه الى ارتكاب الجرائم ، أما على صعيد الاسرة غالبا ما يؤدي ذلك الى تصدع الاسرة بسبب ما يقع من خلاف بين الزوجين بسبب البطالة وتنحسر سلطة الاب على أبنائه مما قد يدفعهم للتشرد والضياع والانحراف .

    العوامل الثقافية

    هي مجموع القيم الخلقية والروحية والدينية التي يقوم عليها المجتمع ، وقد ربط الباحثون في علم الاجرام بين بعض العوامل الثقافية والظاهرة الاجرامية فهي قد تؤثر سلبا أو ايجابا

    أبرز هذه العوامل التعليم والدين ووسائل الاعلام

    تنازع الثقافات لـ سيلين : نشر تورستين سيلين كتابا سنة 1938 عنوانه تنازع الثقافة والجريمة أكد فيه على دور تنازع الثقافات في تكوين الاجرام ، فالجريمة من وجهة نظره تحدث في المجتمع الوحيد بين قواعد السلوك المختلفة ، يظهر هذا بجلاء في المجتمع الامريكي ومع ذلك يرى سيلين أن مفهوم تنازع الثقافات لا يكفي بمفرده لتفسير الظاهرة الاجرامية بل ينبغي أن ينظر للأمر من داخل مجموعة متكاملة من العوامل الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع ككل .

    وقد فسر كوهين هذه النظرية بما سماه الثقافات المتدنية الاجرامية فقال أن الانحراف وانعدام التنظيم الاجتماعي يظهران في أدنى السلم الاجتماعي لدى الفئات العمالية البسيطة التي تستجيب له أكثر من غيرها ويستدل على ذلك بمستوى الجريمة العالي في هذه الاوساط خصوصا في المدن الكبرى هكذا يرى كوهين أن اضطراد الاجرام في هذه الاوساط يفسر لنا ما يفرزه هؤلاء من ثقافات متدنية إجرامية .

    وإذا كان أنصار هذه الفكرة يتفقون على فكرة الثقافة المتدنية الاجرامية لكننا نجد الآراء تختلف عندما يتعلق الأمر بتحديد مصدر ونماذج هذه الثقافات الدنيا ، فـ كوهين نفسه يفسر تكوين هذه الثقافات بوجود مجموعة من الافراد داخل نفس الوسط العمالي الذي يعيش حياة بائسة متدنية غير ملائمة تعاني أكثر من غيرها من مشاكل التكيف الاجتماعي ، عدم التكيف هذا يؤدي بها إلى الاندفاع الى الاجرام ، ويرى بعض أنصار هذه النظرية أن الثقافة المتدنية هي ثقافة مقتصرة على الطبقة العمالية بينما يرى غيرهم أن مصدرها يكمن في الخصائص الفردية لطائفة من الشباب داخل الطبقة العمالية وأن مصدرها هو انعدام الفرص للانتقال المشروع إلى الثقافة الغالبة في الجماعة .

    التعليم والسلوك الاجرامي

    لا نقصد بالتعليم في مجال الدراسات الاجرامية مجرد تلقين مجموعة من المعلومات عن طريق الكتابة والقراءة أو ما يسمى عملية محو الامية ، بل نقصد بها مجمل عملية التعليم بما تشمله من تهذيب وتلقين وتربية على القيم الاخلاقية والدينية وخلق روح التعاون بين افراد المجتمع . وساد الاعتقاد أن التعليم يترتب عنه انخفاض مستوى الجريمة فقال فكتور هيكو ” ان فتح مدرسة يعادل إغلاق سجن ” فالتعليم عامل مضاد للجريمة لما يبثه في النفوس من قيم و معارف ودعم للقدرة على مواجهة الصعاب ومعرفة الحقوق و الواجبات و يبعد عن الناس الخرافة والاعتقادات الفاسدة كما أن التعليم ينمي المواهب والقدرات والخبرات ويدفعها نحو الاعمال الايجابية مقويا بذلك الفرص من أجل الحصول عمل شريف ويتخطى الفرد بذلك عوامل الفقر والبطالة والتشرد و آثارها السيئة ، وهو الامر الذي أكدته عدة دراسات في هذا الميدان فمعظم السجناء في المؤسسات السجنية تجدهم حاصلين على مستويات دراسية ضعيفة ، وهذا لا يغير من حقيقة أن فساد اساليب التعليم واقتصارها على تلقين المعلومة دون غرس القيم والاخلاق لا يمكن أن يؤدي إلى تراجع الجريمة فدراسة أجريت في فرنسا ما بين 1851 و 1930 دلت على عدم انخفاض معدل الجريمة رغم أن الامية انخفضت بنسبة 90 % .

    هكذا قالت المدرسة الوضعية بأن التعليم لا يمكنه أن يستأصل الاجرام فهو ثمرة تكوين إجرامي عضوي نفسي موروث بل يمكن للتعليم أن يمد المجرم بوسائل تقنية وخبرات أكثر يستعين بها على سلوكه الاجرامي ، هذا السبب ما دفع لامبروزو الى معارضة فكرة التعليم داخل المؤسسات العقابية .

    لكن تبقى الحقيقة أن مستوى التعليم يحد من الجريمة ولا يمكن أن نوقف عجلة التعليم خوفا من مجرم أكثر تعلما والعوامل البيولوجية وحدها لا تكفي وحدها لخلق الجريمة بل يجب ان تصادفها عوامل اجتماعية محفزة كما أن الأخذ بهذا الرأي سيقعد الباحثين في مجال الاجرام والعقاب عن تلمس أسباب مكافحة الجريمة طالما أن الجريمة أمر حتمي لا مفر منه رغم ارتفاع مستوى التعليم الفردي والعام .

    نجد أنفسنا اذن أمام حقيقة أن التعليم والجريمة ليست بينهما صلة حتمية فلا الجهل يوقف الاجرام وكم من الشرفاء أميون ، ولا العلم ينأى بالأفراد عن الجريمة فكم من المجرمين هم خريجو المعاهد العليا والجامعات . فالتعليم قد يقي من ارتكاب السلوك الاجرامي حيث انه يبصر الفرد بحقوقه والتزاماته ويعلمه كيف يحل مشاكله بالحكمة والعقل فيجنبه بذلك سبل الطرق غير المشروعة للحصول على حلول لمشاكله ، لكنه أحيانا قد يدفع إلى ارتكابه ، فالشخص ذو الميل الاجرامي الموروث أو الفطري فيحاول أن يستعين بمكتسباته العلمية لتوظيفها في سلوكاته الاجرامية مثال ذلك ما نجده من جرائم المعلوميات والسرقة غير التقليدية على الشبكات العنكبوتية ، كما نجد أن الشخص المتعلم يرتكب جرائم غالبا ما تكون معتمدة على الحيلة والخداع كالنصب واعطاء شيك بدون رصيد والتهرب الضريبي وتزييف العملات وغير ذلك من الجرائم التي لا يستطيع الأميون إليها سبيلا حيث تعتمد جرائمهم على القوة العضلية والعنف والسرقة التقليدية وترجع بالأساس ليس الى الأمية بل الى ارتباط الامية بعامل آخر كعاهة في العقل أو مرض نفسي أو تصدع أسري ، فيمكن القول أن الامية والاجرام نتيجتان لعامل واحد .

    الدين والسلوك الاجرامي

    الدين مجموعة معتقدات ترتبط بالألوهية وكيفية عبادة الالاه وهي مجموعة من قواعد تنظم السلوك الاجتماعي للفرد والمجتمع . وينبغي الحذر كثيرا عند دراسة الدين وعلاقته بالسلوك الاجرامي ولا يجب أن تتأثر النتائج بالمعتقدات الدينية للباحث كما لا يجب الخلط بين الدين والديانة التي تعني انتماء الى دين معين وممارسة شعائره ، فالدين بصفة عامة يحض على تهذيب النفوس وتزكيتها وحب الخير للناس والتمسك بالقيم الاخلاقية العالية والمثل السامية والترابط بين بني البشر والحيلولة دون السقوط في مهاوي الخطيئة ، فالدين هو المضاد الحيوي المانع من تحريك عوامل الاجرام ، هكذا قال كابريل طارد أخشى مع تراجع دور الدين أن ينضب المعين الذي تستقي منه الاجيال الجديدة ما يعينها على مقاومة الميول الاجرامية .

    هذا الدور الوقائي الذي يلعبه الدين ينتج أثره كلما تداخلت دائرة الدين مع دائرة القانون دون أن تتعارض الدائرتان بحيث يصبح القانون الجنائي صورة معبرة عن ضمير المجتمع ويكون الباعث من وراء الالتزام بأحكامه هو التمسك بما يدعو إليه الدين من فضائل .

    لكن قد يكون الدين عاملا من عوامل الاجرام وذلك في حالتين الأولى عندما يتعارض الدين مع القانون الجنائي والثانية عند وجود فهم خاطئ للدين ، ففي حالة تعارض الدين والقانون يجد الفرد نفسه أمام قاعدتين قانونيتين ، فيختار أيهما يخرق ، فبعض الدول مثلا تعتبر تعدد الازواج جريمة والدعارة ليست جريمة ، والباحث في علم الاجرام يجب أن لا يهتم بحالة التعارض بين الدين والقانون ، فلا يهمه سوى المفهوم القانوني للجريمة بما أنه رجل قانون دون أن يهتم بالمفهوم الأخلاقي فكثيرا ما يجيز القانون الجنائي أمورا تعتبر لا أخلاقية من قبيل رفع التجريم عن الزنى واللواط والشذوذ الجنسي والاجهاض والخمور .

    كما أن الفهم الخاطئ للدين قد يكون سببا وراء ارتكاب الجريمة ، فالواقع أن الدين لا يمكن أن يدعو الى الاجرام ، والدراسات أكدت أن الاجرام من طرف دينية على طائفة اخرى لا يمكن فهمه الا بالرجوع الى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي مر منها اعضاء الطائفة وليس بسبب انتمائهم الديني في حد ذاته ، فالدراسة أكدت ارتفاع معدل الجريمة لدى الكاثوليك مقارنة مع البروتستانت وانخفاضه لدى اليهود ، لكن هذا لا يعود الى تعاليم الدين بل لأن البروتستانت يحتلون مراكز اقتصادية واجتماعية عليا داخل البلدان الاوروبية كما أن المذهب البروتستانتي ينتشر في أوروبا الشمالية حيث تتميز هذه المناطق بالنشاط والاقبال على العمل والقدرة على ضبط النفس مما يجعلهم أقل عرضة للجريمة من المناطق الجنوبية ذات الاغلبية الكاثوليكية ، أما انخفاض معدل الجريمة بين اليهود فراجع إلى الطابع العنصري لديهم والتنظيم العائلي الصارم فضلا عن احساسهم بكونهم أقلية فيضرون الى احترام قوانين البلدان الذين يعيشون فيها ولا يخالفون القوانين حرصا على كيانهم وصورتهم أمام المجتمع الذي يعيشون فيه .

    وسائل الاعلام والسلوك الاجرامي

    هي أساليب الاتصال والاخبار التي تصل الافراد ببعضهم وتساهم في نشر الثقافة وتنمية المعارف والاحاطة بالمشاكل داخليا وعالميا ، ووسائل الاعلام بمختلف أنواعها تساهم في التقارب بين الدول حتى صار العالم قرية صغيرة ويمكن أن نتصور أن لوسائل الاعلام دورا ايجابيا وآخر سلبيا في علاقتها بالسلوك الاجرامي .

    الدور الايجابي : الكشف على الجرائم ، تعقب المجرمين ، نشر اخبار المجرمين يثير الضغط نحو المطالبة بتحقيق العدالة ، دور وقائي من خلال التحذير من جرائم معينة كالاحتيال والنصب ثم من خلال تهدئة الميول الاجرامية فسماع أخبار الجريمة يعد متنفسا للرغبات الاجرامية المكبوتة لدى الافراد ، كما أن نشر سوء العاقبة الذي ينتظر المجرم يساهم في تحقيق الردع العام وهو بديل عن علانية المحاكمات الجنائية ويتأكد للأفراد حسن سير مرفق القضاء وإدارة العدالة الجنائية .

    الدور السلبي : زيادة معدل السلوك الاجرامي خاصة لدى المراهقين والشواذ ، التقليد والتفاخر بالجريمة ومخالفة القواعد القانونية ومحاولة تأكيد الذات ، تكرار أخبار الجريمة يسهل من ارتكاب الجريمة فتصبح شيئا عاديا ، خلق اللامبالاة لدى الجمهور والرأي العام فيتعود على الجريمة ولا تثير أي سخط اجتماعي ، المس بقرينة البراءة عن طريق الاحكام المسبقة والضغط على القضاء ، مشاهد العنف تنال من القوة النفسية للمتلقي فتدفع الى ارتكاب جريمة مشابهة ، تقليد المراهقين للأبطال في طريقة الانتقام .

    📗 خلاصة الباب

    • يتفاوت الإجرام كما وكيفا بحسب النوع (إجرام الرجل يفوق إجرام المرأة كمّا لتفسيرات بيولوجية واجتماعية) والعرق (نظرية مرفوضة اليوم لعدم دقتها العلمية)، كما تؤثر فيه عوامل داخلية عارضة كالسن (بمراحله الخمس: الطفولة، الأحداث، الشباب، النضج، الشيخوخة) وإدمان الخمور والمخدرات.
    • تسهم عوامل خارجية أخرى في تفسير الظاهرة الإجرامية: البيئة الجغرافية، البطالة كمظهر من مظاهر الركود الاقتصادي، والعوامل الثقافية بأبعادها الثلاثة (التعليم الذي يحد من الجريمة دون أن يوقفها حتما، الدين بدوره الوقائي المزدوج، ووسائل الإعلام بدوريها الإيجابي في الكشف عن الجرائم والسلبي في نشر التقليد والتفاخر الإجرامي).

  • الاختصاص

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 10 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    المادة 251 : ” تختص بالنظر في الجرائم، ما لم تنص قوانين خاصة على خلاف ذلك، المحاكم الزجرية الآتي بيانها:

    1 – المحاكم الابتدائية؛

    2 – محاكم الاستئناف.”

    المادة 252 : ” تختص المحاكم الابتدائية بالنظر في الجنح والمخالفات.

    المادة 253 : ” تختص غرف الجنح الاستئنافية بالنظر في الاستئنافات المرفوعة ضد الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية. تختص الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف وفقاً لمقتضيات المواد 231 وما يليها إلى 247 من هذا القانون. استثناء من أحكام الفقرة الأولى تختص غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية بالنظر في الاستئنافات المرفوعة ضد الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية في قضايا المخالفات المشار إليها في المادة 396 بعده، وفي القضايا الجنحية التي لا تتجاوز عقوبتها سنتين حبسا وغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين فقط.”

    المادة 254 : ” تختص غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالنظر في الجرائم المنصوص عليها في المادة 416 بعده.

    تختص غرفة الجنايات الاستئنافية وفقاً لمقتضيات المادة 457 من هذا القانون.”

    المادة 416 : ” تختص غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالنظر تطبيقاً للمادة 254 أعلاه، في الجنايات والجرائم التي لا يمكن فصلها عنها أو المرتبطة بها وفقاً لمقتضيات المواد من 255 إلى 257 من هذا القانون.”

    المادة 457 : ” يمكن للمتهم وللنيابة العامة والمطالب بالحق المدني وللمسؤول عن الحقوق المدنية استئناف القرارات الباتة في الجوهر الصادرة عن غرف الجنايات أمام نفس المحكمة، مع مراعاة المادة 382 والفقرة الأولى من المادة 401 من هذا القانون….”

    المادة 255 : ” يرجع النظر في حالة تعدد الجرائم واجتماعها بسبب عدم قابليتها للتجزئة إلى المحكمة المختصة بالحكم في الجريمة الأشد. تطبق نفس القاعدة بصفة اختيارية إذا اتحدت جرائم فيما بينها بعلاقة الارتباط.”

    المادة 259 : ” يرجع الاختصاص، مع مراعاة مقتضيات القسمين الأول والثاني من الكتاب السابع من هذا القانون إلى المحكمة التي يقع في دائرة نفوذها إما محل ارتكاب الجريمة، وإما محل إقامة المتهم أو محل إقامة أحد المساهمين أو المشاركين معه في الجريمة، وإما محل إلقاء القبض عليهم أو على أحدهم، ولو كان القبض مترتبا عن سبب آخر.

    المادة 260 : ” لا تطبق أحكام هذا الفرع المتعلقة بقواعد الاختصاص العادية على الأحداث الذين يقل سنهم عن ثمانية عشر عاما إلا مع مراعاة المقتضيات المنصوص عليها في الكتاب الثالث من هذا القانون.”

    الاختصاص يعد سلطة المحكمة في الدعوى وهو ولاية يمنحها المشرع للمحكمة للبت في القضايا المعروضة عليها، حيث تنص المادة 251 من ق.م.ج على أن المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف تختص بالنظر في الجرائم ما لم تنص قوانين خاصة على خلاف ذلك، كقانون العدل العسكري تماشيا مع مقتضيات ظيير 15 يوليوز 1974 المتعمق بالتنظيم القضائي للمملكة. وبالرجوع للقانون المغربي فإن قواعد الاختصاص لا تعتبر من النظام العام ما لم تتعلق بنوعية الجريمة بحيث أن طلبات الإحالة بعدم الاختصاص ينبغي اثارتها من طرف الأطراف قبل كل دفاع في جوهر الدعوى تحث طائلة السقوط حسب المادة 323 من ق.م.ج. ومن ثمة الاختصاص في مفهوم القضاء الجنائي يتنوع استنادا لمجموعة من الاعتبارات فقد يتعلق بنوع الفعل الجرمي المرتكب أو بشخص الفاعل أو بالمكان.

    الإختصاص النوعي

    يمكن القول أن الاختصاص النوعي هو أساس توزيع القضايا بين المحاكم سواء العادية منها أو الاستثنائية، ويتضح ذلك لكون الاختصاص يتحدد بالنظر لنوع الجريمة المرتكبة وجسامتها، فقد يتعلق الأمر بجنحة أو مخالفة تختص فيها المحاكم الابتدائية أو أقسام قضاء القرب أو قد يتعلق بجناية تختص فيها غرفة الجنايات بمحاكم الاستئناف أو قد ينعقد الاختصاص للمحكمة العسكرية، مثال القانون 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب الذي منح الاختصاص لمحكمة الاستئناف بالرباط.

    الاختصاص المتعلق بالفاعل

    تجدر الإشارة إلى أنه كقاعدة عامة لا يعتد بشخص المتهم أو صفته أو وضعه أو حالته الا أن المشرع راعى الظروف الخاصة لبعض المتهمين لتهيئ الإجراءات الملائمة لتحقيق سياسة الدفاع الاجتماعي، ومن ثمة نص الفصل 10 من ق.ج على أن التشريع المغربي يسري على كل شخص موجود بإقليم المملكة ، وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية مع مراعاة الاستثناءات الواردة في القانون الداخلي والدولي. كما يمكن أن يمتد الاختصاص للنظر في الجرائم التي يرتكبها المغاربة أو الأجانب خارج المغرب حسب المواد من 704الى 713 من ق.م.ج.

    الإختصاص المكاني

    توزع بمقتضاه المحاكم بالنظر الى مكان ارتكاب الجريمة ، وطبيعة هذا النوع من الاختصاص يتنازعها رأيان، الرأي الأول يعتبره من النظام العام لأن المشرع راعى في تحديده توفير العدالة الجنائية كسهولة التحقيق، وضمان الردع، ووقع العقاب في نفوس الأفراد، وهذه القواعد يمكن أن تثار تلقائيا من طرف القاضي وفي جميع مراحل الدعوى، بينما الرأي الثاني يعتبره غير متعلق بالنظام العام ولا يترتب عن مخالفته البطلان، ويرجح هذا الرأي لأن قواعد الاختصاص المكاني روعي فيها تنظيم العمل القضائي ليس الا.

    اختصاص المحاكم الإبتدائية

    من المعلوم أن المحاكم الابتدائية تختص في القضايا المتعلقة بالجنح والمخالفات وفق نص المادة 252 من ق.م.ج، مع ملاحظة أن المشرع لم يعد يميز بين الجنح الضبطية والتأديبية، وتجدر الإشارة الى أن الفصول 17و 18و 608 الى 612 من ق.ج تعرضت للعقوبات الجنائية الأصلية والعقوبات الضبطية الأصلية والمخالفات، وبالتالي لابد من الأخذ بعين الاعتبار اختصاص أقسام قضاء القرب في بعض المخالفات.

    اختصاص محاكم الإستئناف

    أولا : غرفة الجنح الاستئنافية

    المادة 253 : ” تختص غرف الجنح الاستئنافية بالنظر في الاستئنافات المرفوعة ضد الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية…”

    المادة 399 : ” يعرض الاستئناف على نظر غرفة الجنح الاستئنافية التي تتكون تحت طائلة البطلان من رئيس ومن مستشارين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة وبمساعدة كاتب الضبط. يقدم الاستئناف بتصريح إلى كتابة الضبط بالمحكمة التي أصدرت الحكم أو إلى كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف.”

    المادة 409 : ” في حالة تقديم الاستئناف من النيابة العامة أو من إدارة يخول لها القانون إقامة الدعوى العمومية، يجوز لغرفة الجنح الاستئنافية أن تؤيد الحكم المستأنف أو تعدله أو تلغيه إما لفائدة المتهم أو ضده. إذا قدم الاستئناف من المتهم وحده، فلا يمكن لمحكمة الاستئناف إلا تأييد الحكم أو إلغاءه لفائدة المستأنف.”

    المادة 410 : ” يقصر استئناف الطرف المدني أو المسؤول عن الحقوق المدنية نظر غرفة الجنح الاستئنافية على مصالح المستأَنف المدنية ويتيح للمحكمة تقدير حقيقة الوقائع المتسببة في الضرر المدعى به. لا يخول هذا الاستئناف للمحكمة إلا تأييد الحكم أو تعديله أو إلغاءه لفائدة المستأنف. لا يكون للحكم الصادر بعد هذا الاستئناف سواء قضى بالحقوق المدنية أو برفضها أي تأثير على الدعوى العمومية، إذا كان الحكم الصادر بناء على متابعة النيابة العامة قد اكتسب قوة الشيء المقضي به.”

    ثانيا : الغرفة الجنحية

    المادة 231 : ” تنظر الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف وهي مكونة من الرئيس الأول أو من ينوب عنه ومن مستشارين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط:

    أولا: في طلبات الإفراج المؤقت المقدمة إليها مباشرة طبقا لمقتضيات الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة 179، وفي تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المتخذة طبقا للمادة 160؛

    ثانيا: في طلبات بطلان إجراءات التحقيق المنصوص عليها في المواد 210 إلى 213؛

    ثالثاً: في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق طبقا للمادة 222 وما يليها؛

    رابعاً: في كل إخلال منسوب لضابط من ضباط الشرطة القضائية خلال مزاولته لمهامه طبقاً لما هو منصوص عليه في المواد من 29 إلى 35 من هذا القانون. “

    تختص الغرفة الجنحية لمحكمة الاستيناف إذن بالنظر في القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق، وفي طلبات بطلان اجراءات التحقيق، جاء في المادة 106 : ” يمكن للأطراف الطعن في قرار قاضي التحقيق أمام الغرفة الجنحية خلال عشرة أيام من تاريخ تبليغه، ولا يترتب عن الطعن أي تأخير في سير التحقيق.” المادة 107 : ” يبقى قاضي التحقيق مختصا بالبت في رد الأشياء المحجوزة ولو بعد صدور قرار بعدم المتابعة. يمكن الطعن في قراراته أمام الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف وفقاً لما جاء في المادة السابقة.” المادة 222 : ” يحق للنيابة العامة أن تستأنف لدى الغرفة الجنحية كل أمر قضائي يصدره قاضي التحقيق، باستثناء الأوامر الصادرة بإجراء خبرة…”. كما نصت المادة 224 : ” يمكن للطرف المدني أن يستأنف لدى الغرفة الجنحية الأوامر الصادرة بعدم إجراء التحقيق، وبعدم المتابعة، وكذا الأوامر التي تمس بمصالحه المدنية…”

    كما تختص الغرفة الجنحية في الإخلالات المنسوبة لضباط الشرطة القضائية أثناء مزاولة مهامهم باعتبارها سلطة تأديبية بالنسبة لضباط الشرطة القضائية. جاء في المادة 29 : ” تراقب الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف أعمال ضباط الشرطة القضائية عندما تكون صادرة عنهم بهذه الصفة.” وجاء في المادة 30 : ” يحيل الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف إلى الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف كل إخلال ينسب لضابط من ضباط الشرطة القضائية أثناء قيامه بمهامه.”

    ثالثا : غرفة الجنايات الإبتدائية

    تختص بالنظر ابتدائيا في الجنايات والجرائم التي لا يمكن فصلها عنها أو المرتبطة بها، جاء في المادة 254 من ق.م.ج : ” تختص غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالنظر في الجرائم المنصوص عليها في المادة 416 بعده…”

    أحكام غرفة الجنايات الابتدائية يمكن الطعن فيها بالاستئناف أمام غرفة الجنايات الاستئنافية وهي مستجد جاء به قانون المسطرة الجنائية في الفقرة الأولى من المادة 416 كما أنها تنظر في الجنح المرتبطة بالجناية.

    رابعا : غرفة الجنايات الاستئنافية

    تختص بالنظر في القرارات الباتة في الجوهر الصادرة عن غرفة الجنايات أعلاه حيث حددت المادة 457 الأطراف الذين يحق لهم استئناف الأحكام الجنائية وهم المتهم، النيابة العامة، المطالب بالحق المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية، ويتم الاستئناف أمام نفس المحكمة.

    فصل تنازع الاختصاص

    إذا كان اختصاص المحكمة هو تلك السلطة الممنوحة لها قانونا للحكم في الدعوى، فقد يحدث أن تحال القضية على محكمة معينة أو قاض للتحقيق ويتبين أن نفس القضية يتم البحث بشأنها من طرف محكمة أخرى أو قاض أخر، وقد تصدر احدى المحاكم مقررا يقضي بعدم اختصاصها للبت في القضية وعندما تحال هذه الأخيرة على المحكمة المفترض فيها صاحبة الاختصاص تصدر مقررا تعلن فيه عدم الاختصاص، في مثل هذه الحالات يحصل تنازع في الاختصاص بين جهتين يتعين تطبيقا لحسن سير العدالة الفصل فيه.

    حالات تنازع الاختصاص

    تنازع الاختصاص هو خلاف يحصل بين جهتين قضائيتين أو محكمتين رفع اليهما نفس النزاع ورأت كل واحدة أنها مختصة للبت فيه أو غير مختصة. تنازع الاختصاص الإيجابي: عندما تقرر الجهتين اختصاصهما للنظر في القضية، والحال أن جهة واحدة فقط ينعقد لها الاختصاص. تنازع الاختصاص السلبي: عندما تقرر جهتان قضائيتان عدم الاختصاص للبت في القضية والحال أن الاختصاص ينعقد لأحدهما .

    قواعد الاختصاص الاستثنائية

    من المعلوم أن الأصل في قواعد الاختصاص الاستثنائية، أن يعود الاختصاص في حال ارتكاب جريمة الى المحكمة المختصة طبقا لقواعد الاختصاص العادية، الا أنه قد تقتضي بعض الحالات الخروج على هذه القاعدة فيتم احالة القضية على محكمة أخرى، وذلك اما بالنظر الى الشخص الذي ارتكب الجريمة أو الجهة التي ارتكبت أمامها أو بالنظر لطبيعة الدعوى المعروضة على المحكمة، وقواعد الإختصاص الإستثنائية هي كالتالي:

    الحكم في الجنايات أو الجنح المنسوبة لبعض القضاة أو الموظفين

    لقد وضع المشرع مسطرة خاصة تتضمن شكليات معينة يتعين اتباعها في حالة ارتكاب جناية أو جنحة من طرف فئة معينة من القضاة أو الموظفين خلال مزاولتهم لمهامهم أو خارجها.

    الفئة الأولى :

    في حالة ارتكاب جريمة، جناية كانت أو جنحة من طرف مستشار لجلالة الملك أو عضو من أعضاء الحكومة وزيرا أو منتدبا أو كاتب دولة أو نائب كاتب دولة أو قاض بالمجلس الأعلى للحسابات أو عضو في المجلس الدستوري أو والي أو عامل أو رئيس أول لمحكمة الاستئناف عادية كانت أو متخصصة أو وكيل عام للملك لديها، فان الجهة التي ينعقد لها الاختصاص للنظر في القضية هي الغرفة الجنائية

    جاء في المادة 265 : ” إذا كان الفعل منسوباً إلى مستشار لجلالة الملك أو عضو من أعضاء الحكومة أو كاتب دولة أو نائب كاتب دولة مع مراعاة مقتضيات الباب الثامن من الدستور أو قاض بمحكمة النقض أو المجلس الأعلى للحسابات أو عضو في المجلس الدستوري أو إلى والي أو عامل أو رئيس أول لمحكمة استئناف عادية أو متخصصة أو وكيل عام للملك لديها، فإن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض تأمر- عند الاقتضاء – بناء على ملتمسات الوكيل العام للملك بنفس المحكمة بأن يجري التحقيق في القضية عضو أو عدة أعضاء من هيئتها..”

    الفئة الثانية :

    بالرجوع إلى المادة 266 من ق.م.ج نجدىا تنص على أنه : ” إذا كان الفعل منسوباً إلى قاض بمحكمة استئناف أو رئيس محكمة ابتدائية عادية أو متخصصة أو وكيل الملك بها أو قاض بمجلس جهوي للحسابات، فإن للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض أن يحيل القضية بملتمس إلى الغرفة الجنائية بالمحكمة المذكورة التي تقرر ما إذا كان الأمر يقتضي إجراء تحقيق. وفي حالة الإيجاب، تعين محكمة استئناف غير المحكمة التي يباشر في دائرتها المعني بالأمر مهمته. ينتدب الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعينة لهذا الغرض قاضياً للتحقيق أو مستشاراً بمحكمته لإجراء البحث في الوقائع موضوع المتابعة…”

    الفئة الثالثة :

    نصت المادة 267 من ق.م.ج على أنه : ” إذا كان الفعل منسوباً إلى قاض بمحكمة ابتدائية عادية أو متخصصة، فإن للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أن يحيل القضية بملتمس إلى الرئيس الأول لهذه المحكمة الذي يقرر ما إذا كان الأمر يقتضي إجراء بحث، وفي حالة الإيجاب، يعهد إلى قاض للتحقيق أو إلى مستشار بمحكمته يكلفه بالتحقيق، بإجراء البحث في الوقائع موضوع المتابعة. وتطبق مقتضيات المادة السابقة بالنسبة للبحث والمتابعة والإحالة والمطالبة بالحق المدني.”.

    الفئة الرابعة :

    تعرضت لها المادة 268 من ق.م.ج بقولها : ” إذا نسب لباشا أو خليفة أول لعامل أو رئيس دائرة أو قائد أو لضابط شرطة قضائية من غير القضاة المشار إليهم في المواد السابقة ارتكابه لجناية أو جنحة أثناء مزاولة مهامه، فإن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعروضة عليه القضية من طرف الوكيل العام للملك، يقرر ما إذا كان يقتضي الأمر إجراء البحث، وفي حالة الإيجاب يعين مستشاراً مكلفاً بالتحقيق بمحكمته. إذا تعلق الأمر بجناية، فإن المستشار المكلف بالتحقيق يصدر أمرا بالإحالة إلى غرفة الجنايات، أما إذا تعلق الأمر بجنحة فإنه يحيل القضية إلى محكمة ابتدائية غير التي يزاول المتهم مهامه بدائرتها. إذا كان ضابط الشرطة القضائية مؤهلا لمباشرة وظيفته في مجموع تراب المملكة، فإن الاختصاص يرجع إلى محكمة النقض حسب الكيفيات المنصوص عليها في المادة 265. يمكن للطرف المدني التدخل لدى هيئة الحكم ضمن الشروط المحددة في المادتين 350 و351 بعده.”

    📗 خلاصة الباب

    • يتحدد الاختصاص القضائي الجنائي بمعيارين: الاختصاص النوعي (نوع الجريمة: مخالفة/جنحة/جناية) والاختصاص المكاني (محل ارتكاب الجريمة أو إقامة المتهم أو القبض عليه).
    • تختص محاكم الاستئناف بدرجاتها المختلفة (الغرفة الجنحية، غرفة الجنايات الابتدائية والاستئنافية) كل بحسب طبيعة القضية المعروضة عليها، وتحسم قواعد خاصة حالات تنازع الاختصاص بين محكمتين أو أكثر.

  • الباب السادس: الاتجاه التكاملي في تفسير السلوك الإجرامي (نظريتا فيري ودي توليو)

    📖 علم الإجرام — الفصل 7 من 8 — فهرس الكتاب

    الاتجاه التكاملي :

    سنركز في هذا الاتجاه على نظريتين ، نظرية فيري ثم نظرية دي توليو .

    نظرية العوامل المتعددة عند فيري :

    فيري عالم اجتماع وأستاذ للقانون الجنائي وأحد رواد المدرسة الوضعية ، كان طالبا لدى لامبروزو لكنه انتقد مبالغته في إظهار العوامل البيولوجية الجسدية العضوية ، نظريته تقول أن الجريمة هي ثمرة حتمية نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل :

    • عوامل أنطربولوجية : هي المتعلقة بالجوانب البيولوجية والنفسية أو تلك المتعلقة بالشخصية كالمهنة والحالة العائلية .

    • عوامل طبيعية : كالجغرافيا و نوع التربة و حرارة الجو ، فجرائم العنف تقع في المناطق الحارة بينما جرائم السرقة تقع في المناطق الباردة .

    • عوامل اجتماعية : المحيط ، البيئة الاجتماعية ، تركيبة السكان ، المعتقدات الدينية ، الانتاج الصناعي ، مستوى التعليم ، النظام الاقتصادي والسياسي .

    هذه العوامل إذا ما تفاعلت أي العوامل الطبيعية والجغرافية و الاجتماعية نتج عنها عدد معين من الجرائم لا يزيد ولا ينقص ، وفي بعض الاحيان يقع حدث عارض كالحروب أو الزلازل أو الثورة السياسية فتزيد فرص الجرائم ويرتفع معدل الجريمة عن حجمه الطبيعي وحالما تزول هذه العوارض تعود الجريمة إلى معدلاتها الطبيعية .

    أول ما يحسب لنظريته هو نظرتها الشمولية في تفسير السلوك الاجرامي ، لذلك كانت ضمن الاتجاه التكاملي ، عكس النظريات الاحادية التي رأيناها ، ولعل ما ميزها بكونها نظرة تكاملية هو أنها تتفاعل وتتكامل فيها العديد من العوامل المتنوعة والمختلفة . هذا الاتجاه جاء بتحول جذري في السياسة الجنائية المعاصرة لمواجهة الظاهرة الاجرامية ، حيث يجب الاعتماد على سياسة وقائية اجتماعية ثقافية اقتصادية لمحاربة الجريمة ، ففي طريق مظلم ترتفع نسبة الجريمة وعوض زيادة عدد الشرطة لم لا نفكر في إضاءة هذه الطريق عوض أن تبقى مظلمة فتقل نسبة الجريمة فيها ، و نعالج المشكل من جذوره ، وكأن فيري يتسائل من يصنع الجريمة ؟ هل هي وزارة العدل ؟ الداخلية ؟ أم هي مسؤولية باقي السياسات العمومية ؟ ثم يقول إن الجريمة هي مسؤولية المجتمع بأسره ، وكل السياسات العمومية في كل القطاعات كالتعليم والصحة و التشغيل هي مسؤولة عن ارتكاب الجريمة ، حسن تتقاعس عن أداء وظيفتها ، كل ذلك ينعكس على معدلات الجريمة بشكل مباشر ، يقول فيري إن الحل ليس في القانون الجنائي وفي الزجر بل في اعتماد سياسات وقائية تمس كل القطاعات العمومية في الدولة من أجل مواجهة الجريمة .

    فطن فيري إلى تركيبية السلوك الاجرامي فخالف أستاذه لومبروزو في فكرته بالانحطاط الوراثي والعامل العضوي فذهب فيري إلى الاعتماد على نظريات لم تكن موجودة في عهد لومبروزو ، ومن هذا المنطلق المعتمد على تظافر الكثير من النظريات حاول فيري أن يقيم أسس نظريته السوسيولوجية في الجريمة في كتابه ” علم الاجتماع الجنائي ” الذي شرح فيه أن الجرائم ترتكب إما بواسطة التكوين الفردي للإنسان وإما بتأثير من العوامل الخارجية سواء انت اجتماعية أو طبيعية ، وقد ذكر من بين العوامل توزيع الاراضي والمناخ واختلاف العقول وما يتبع ذلك من اختلاف في عدد السكان والهجرة والتقاليد الاجتماعية والدينية ومستوى التعليم والصحة وطبيعة كيان المجتمع العائلي والسياسي والاقتصادي ، هكذا لم يقتصر فيري على شخص المجرم كما فعل لومبوروزو .

    خلص فيري من خلال دراسته إلى ظاهرة التشبع الاجرامي بمعنى أن بيئة اجتماعية في ظروف صحية معينة لا تحتمل أكثر من درجة معينة من الاجرام وأن نسبة الاجرام ترتفع حتى تصل إلى درجة معلومة لا يمكن أن تتعداها ، وقال بضرورة الوصول إلى درجة التشبع الاجرامي باقل خسارة وأسرع ما يمكن معللا ذلك بالطريق المظلم الذي يساعد على الجريمة بينما لو كان هناك مصباح يستبعد وقوع الجريمة هناك ، وهي حيلة أكثر ذكاء من إنشاء سجن كبير ، والهدف هو الحماية أفضل من العلاج ، وتحسين مستوى المعيشة أجدى من السجن وأفضل من المشنقة ، و يرى فيري أن التشبع الاجرامي هو وليد العوامل الطبيعية التي تقوم الحياة الاجتماعية عليها ، ونسبة الجريمة تتأثر بهذه العناصر الطبيعية سلبا أو إيجابا ، واشار فيري أن درجة التشبع الاجرامي يمكن تجاوزها في حالة الحروب أو الكوارث أو الفوضى الاجتماعية وعبر عنه بقانون ما فوق التشبع الاجرامي ، هكذا حاول فيري ن يعطي شرحا علميا وافيا للجريمة وأن يربطها بجذورها الاجتماعية ويكون بذلك قد أسس للمدرسة السوسيولوجية في علم الاجرام التي عرفت صيتا ذائعا ، هكذا يكون لومبروزو قد أسس للانطروبولوجية الجنائية بينما تكلف فيري بإنشاء اسس علم الاجتماع الجنائي .

    انتقادات نظرية فيري :

    ما يعاب على نظريته هو تبنيه فكرة الحتمية الاجرامية باعتبارها فكرة ثقيلة على علم الاجرام لا تتفق مع كون علم الاجرام من العلوم الانسانية التي تتميز بالنسبية وليس من العلوم التطبيقية الطبيعية القطعية . كما أن النظرية التكاملية لـ فيري تشوه صورة البحث العلمي لأن منطق هذه النظرية يلزم الباحث في علم الاجرام على القيام بإعداد الاسباب والعوامل والمقدمات التي تدفع إلى السلوك الاجرامي دون أن تعطي لنا العامل الحاسم الفعال الرئيسي للاندفاع نحو السلوك الاجرامي ، فيري قال أن السلوك الاجرامي سببه خليط من العوامل النفسية والبيولوجية و الاجتماعية والاقتصادية والطبيعية دون تحديد السبب الحاسم ، فيجب أن نعطي السبب الحقيقي بما أنه علم وبحث علمي أما أن نقول انها مجموعة عوامل فهو أمر يشوه صورة البحث العلمي ويعتبر مجرد تجميع للعلوم الاخرى .

    نظرية الاستعداد الإجرامي عند دي توليو :

    هو طبيب ايطالي ، صاغ نظريته في مؤلفه المشهور الأنطربولوجية الجنائية ، أي علم طبائع المجرم سنة 1754 ، عرفت هذه النظرية بنظرية الاستعداد الاجرامي ، وتعتبر من أشهر النظريات التكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية ، حيث قال أن كل الناس لديهم غرائز طبيعية اساسية فطرية كحب البقاء و حب التملك وحب المال و الجنس ، سماها العوامل الدافعة للجريمة فالغرائز الجنسية تؤدي إلى جرائم الاغتصاب مثلا والزنى و غريزة التملك تؤدي إلى جرائم السرقة وغريزة البقاء تؤدي الى جرائم القتل ، فأي غريزة معينة هي سبب لارتكاب جريمة معينة هذه الغرائز تتهذب بفضل عناصر مكتسبة منذ الطفولة عن طريق التعليم والثقافة واكتساب القيم الاخلاقية والعقائد الدينية فيؤدي ذلك الى نشوء غرائز اساسية ثانوية ثانية سماها دي توليو العوامل المانعة من الجريمة أو القوى المانعة من الجريمة .

    فأنت ايها الانسان لديك غرائز أي عوامل دافعة للاجرام لكن تلك الغرائز بفضل التربية والثقافة والتعليم والقيم الاخلاقية والدينية تقوم بتهذيب تلك الغرائز الأساسية فينشأ ما يسمى بالقيم الأخلاقية أي الغرائز الثانوية الثانية سماها بالقوى المانعة من الاجرام .

    كل البشر لديه استعداد إجرامي معين فإذا انفلتت الغرائز الأساسية الطبيعية على الغرائز الثانوية أو القوى المانعة فإن الانسان يقدم على ارتكاب الجريمة ، وهذا ما يحيلنا على سؤال آخر لماذا لا يقدم البعض على ارتكاب الجريمة بينما البعض الآخر لا يقدم عليها وهم في نفس المجتمع .

    الاستعداد الإجرامي لدى دي توليو نوعان : استعداد إجرامي اصيل و استعداد إجرامي عارض

    الاستعداد الاجرامي الأصيل هو ما يدفع إلى ارتكاب الجرائم الخطيرة ، ويتميز بالثبات والاستمرار ويكشف عن ميل فطري غريزي طبيعي نحو الجريمة نظرا لاختلالات وراثية أخلاقية مرتبطة بالتكوين البيولوجي النفسي للمجرم ، فالاختلال التكويني العضوي والنفسي هنا أصيل وليس مكتسبا فهو فطري يولد مع الانسان ويدفعه نحو الجريمة .

    الاستعداد الاجرامي العارض يتكون لدى المجرم بالصدفة أو يكون مجرما عاطفيا يرتكب الجريمة تحت تأثير المتغيرات الاجتماعية أو الظروف البيئية وهي استعدادات إجرامية مكتسبة وليست فطرية وغالبا ما ترتبط بالهجرة أو الغيرة أو الحب أو الفقر أو الحقد ، هذه الاستعدادات تقلل من قدرة الشخص على ضبط مشاعره وهي سلوكات تؤثر على القيم الاخلاقية لديه وتقلل من قدرته على ضبط مشاعره وغرائزه فيندفع نحو ارتكاب الجريمة .

    فكرة الاستعداد الإجرامي عند دي توليو :

    تعبر الجريمة عند دي توليو عن وجود نوع من عدم التوافق الاجتماعي ، ناشئ عن وجود حالة استعداد خاص للجريمة كامنة في شخص المجرم ولم تخرج إلى النور إلا بسب وجود خلل عضوي ونفسي يضعف من قدرة الشخص على التحكم في نزعاته وميوله الفطرية (قوى الدفع للجريمة) ، ويجعل الشخص أكثر استجابة للمؤثرات الخارجية المحفزة أو المفجرة للسلوك الإجرامي.

    فالسلوك الإجرامي عند دي توليو شأنه شأن المرض ، فكما أن الناس يتعرضون جميعهم لأنواع عدة من الميكروبات ورغم ذلك لا يصابون جميعهم بالأمراض ، بل لا يصاب بها إلا من ضعفت مقاومته في التصدي لهذه العوارض الخارجية ، وكذلك السلوك الإجرامي ، فلدى الكل استعداد إجرامي نحو الجريمة غير أن البعض فقط هو الذي يدخل إلى طور التنفيذ نتيجة وجود خلل في تكوينهم العضوي والنفسي يجعلهم أقل قدرة على التكيف مع متطلبات الحياة الاجتماعية وأقل قدرة على كبح جماح غرائزهم الفطرية ، وفي ذات الوقت تقل أو تنعدم لديهم القوى المانعة من الجريمة أو ما يسمى بالغرائز السامية.

    فلدى الكافة غرائز أساسية فطرية ، مثل الغريزة الجنسية وغريزة التملك وغريزة الاقتتال والدفاع ، وهذه الغرائز تكون تعبيراً عن “القوة الدافعة للجريمة”. غير أن تلك الغرائز تتهذب بفعل عناصر مكتسبة منذ مرحلة الطفولة على أثر التعليم والثقافة وتلقين القيم الدينية والأخلاقية. ويؤدي هذا التهذيب إلى نشوء غرائز ثانوية سامية ، يطلق عليها تعبير “القوة المانعة من الجريمة”.

    فإذا التقى الاستعداد الإجرامي بمثير خارجي ، نشأ صراع بين نوعي الغرائز ، فإذا تغلبت الغرائز الأساسية (القوة الدافعة للجريمة) على الغرائز السامية (القوة المانعة للجريمة) أقدم الشخص على ارتكاب السلوك الإجرامي ، والعكس بالعكس. الأمر الذي يفسر لنا علة ارتكاب البعض دون البعض الأخر للسلوك الإجرامي رغم وحدة الظروف البيئية.

    أساليب الكشف عن الاستعداد الإجرامي :

    إن الكشف عن وجود هذا الاستعداد يستلزم حتماً فحص الشخصية الإجرامية من ثلاث نواحي :

    أ‌- الفحص الخارجي : وذلك بفحص أعضاء الجسم الخارجية للشخص للوقوف على ما إذا كانت ذات تكوين طبيعي واستكشاف ما بها من شذوذ.

    ب‌- الفحص الداخلي : يشمل أجهزة الجسم المختلفة . كما يدخل في هذا الجانب فحص الجهاز الغددي (خاصة الغدة الدرقية)، فلقد ثبت أن الخلل في افرازات الغدد بالنقص أو بالزيادة يؤثر على الحالة النفسية للفرد وبالتالي على مسلكه الشخصي العام .

    ج- الفحص النفسي : يهدف الفحص النفسي إلى الكشف عن الحالة النفسية للمجرم والكشف عما يصيب غرائز الفرد وميوله من خلل أو اضطراب.

    و قد قسم دي توليو المجرمين إلى طوائف ثلاثة كبرى : المجرم ذي التكوين الإجرامي ، والمجرم المجنون ، والمجرم العرضي .

    تقييم نظرية دي توليو :

    لقد كان له الفضل في توجيه دراسة سلوك السلوك الإجرامي دراسة تكاملية باعتبارها نتائج عوامل فردية واجتماعية فتجنبت نظريته النظرة الاحادية أو التفسير الأحادي للظاهرة الاجرامية وجهت له انتقادات عديدة تدور حول فكرة الاستعداد الإجرامي فهو يقول إن العوامل الإجتماعية لا يمكن أن تحدث أثرا إجراميا إلا إذا سبقها استعداد إجرامي ، وهذا خطأ كبير لأن بعض الجرائم تقع وإن لم يسبقها استعداد إجرامي مثل جرائم عدم التبليغ عن الجريمة بسبب الاهمال ، هذه النظرية لا تصدق إلا على الجرائم الطبيعية التي تتعارض مع القيم الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية الراسخة في الوجدان الانساني أما الجرائم الاصطناعية فلا يمكن تفسيرها بفكرة الاستعداد الاجرامي لأن الجرائم الاصطناعية هي مخلوق قانوني من صنع المشرع تتغير في الزمان والمكان لذلك لا يمكن القول بأن هناك استعداد قبلي في الجرائم الطبيعية كالقتل والسرقة والاغتصاب .

    العوامل التكاملية

    يؤكد علماء الاجرام المعاصرين أن الاجرام لا يمكن نسبه الى عامل واحد فقط ، بل له عوامل متعددة ، لذلك أخفقت المدارس السابقة في اعطاء تفسير متكامل للظاهرة الاجرامية لأنها ركزت على عامل وحيد لكن كان لكل اتجاه الفضل في توجيه الانظار الى أهمية عامل من العوامل ، من هنا جاءت النظريات التكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية حيث لا تغلب عاملا على آخر وأهم هذه النظريات هي المحاولة التأصيلية التي قام بها العالم الايطالي فيري عندما صاغ نظريته التكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية .

    مضمون نظرية إنريكو فيري

    الفكرة الاساسية في نظرية فيري هي حتمية السلوك الاجرامي ، لكنها حتمية لا ترجع إلى عامل واحد بل تتعدد عواملها ، فـ فيري يرى أن المجرم يتحدد نشاطه الاجرامي بمجموعة من العوامل الاجرامية ، وهي تختلف باختلاف المجرمين ، من هنا جاء تصنيفه للمجرمين ، فالجريمة على هذا النحو هي ثمرة حتمية لعوامل معينة وإن اختلف تأثير هذه العوامل في التفاعل المفضي الى الجريمة من مجرم الى آخر .

    قدم فيري قائمة بالعوامل المختلفة التي تفضي الى ارتكاب الجريمة من ناحية ثم قسم المجرمين الى طوائف بحسب درجة تأثير هذه العوامل فيهم من ناحية أخرى .

    تحديد العوامل الاجرامية

    بدأ فيري بفكرة سبقه بها آخرون وهي الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل الوسط الملائم للإجرام ، لكن فيري تساءل بعد ذلك عن سبب استجابة فرد معين لهذه الظروف المهيئة دون غيره من أفراد المجتمع ورأى فيري أن الاجابة على هذا السؤال هي المسألة الاساسية في علم الاجرام ، فجميع الافراد يخضعون لنفس الظروف الخارجية فكيف يمكن تبرير الانحراف إلى طريق الجريمة ؟ هذا السؤال في حد ذاته نقد للمدارس التي تحصر أسباب الجريمة في العوامل الخارجية إذ أن منطقها كان لا بد أن يؤدي الى تحول كل افراد المجتمع الى مجرمين ، الاجابة على هذا السؤال دفعت فيري الى القول أن الجريمة ظاهرة معقدة لها جذور متعددة وهو ما قاده الى ارجاع الجريمة الى جذورها الحقيقية أي الى العوامل الاجرامية ، وفي هذا الصدد قرر فيري أن الجريمة ترجع إلى ثلاثة أنواع من العوامل :

    • العوامل الأنثروبولوجية المتعلقة بشخص المجرم ، وتسمى العوامل الداخلية وقد وزعها فيري الى ثلاثة أنواع :

    • العوامل الداخلية المتعلقة بالتكوين العضوي للمجرم

    • العوامل الداخلية المتعلقة بالتكوين النفسي للمجرم

    • الخصائص الشخصية للمجرم مثالها الجنس السن الذكاء ..

    • العوامل الطبيعية أو الخاصة بالبيئة الطبيعية أو الجغرافية كالظروف الجوية المناخية التربة الانتاج الزراعي ..

    • العوامل الاجتماعية المتعلقة بالوسط الاجتماعي وهي عوامل خارجية تنشأ من البيئة التي يعيش فيها المجرم فيركز فيري على مدى التركيز السكاني و التكوين الاسري ونظام التعليم و الانتاج الصناعي والدين والراي العام وتعاطي المخدرات والتنظيم الاقتصادي والسياسي .

    يرى فيري أن الجريمة تنتج بالنسبة لشخص ما جراء تفاعل ما بين هذه العوامل ، وهو تفاعل تختلف نسبته باختلاف المجرمين ، والعوامل الثلاثة التي ذكرها فيري ينشأ منها في المجتمع ما سماه بقانون الكثافة الاجرامية ، وهو مشابه لقانون الكثافة في عالم الكيمياء ، ومؤداه أن اقتران ظروف اجتماعية وطبيعية بعوامل شخصية خاصة ببعض الافراد في مجتمع معين من شأنه أن يسبب تفاعلا بين هذه العوامل ثم يفرز لنا عددا ثابتا من الجرائم حتى يصل الى درجة التشبع بالإجرام كما يتشبع السائل بقدر معين من مادة كيماوية أذيبت فيه بحيث لا يذوب أكثر أو أقل من ذلك القدر ، لكن نسبة مساهمة العوامل الاجرامية المفضية الى الاجرام تختلف باختلاف المجرمين ومن ثم كان تصنيفه للمجرمين .

    نماذج المجرمين :

    تصنيف المجرمين عند فيري يعتمد على خمس طوائف

    الطائفة 1 : المجرمين بالميلاد ، وهم اولائك الذين يتميزون بخصائص النموذج الاجرامي الذي قال به لامبروزو ، ومع ذلك فالحتمية الاجرامية لدى هؤلاء لا تعني القدرية ، أي أن الاجرام بالنسبة إليهم لا يعني قدرا مقدرا لا فكاك منه ، فالمجرم بالميلاد هناك عوامل اجتماعية تودي به الى الاجرام وفي هذا التحفظ نرى عدم تسليم فيري بفكرة المجرم بالميلاد على إطلاقها كما جاء بها لامبروزو فهو يرفضها من حيث المبدأ ولكن يعدل من مضمونها لكي تتسق مع نظرته عن تعدد العوامل المفضية الى الجريمة .

    الطائفة 2 : المجرمين ذوي العاهات العقلية وهم يختلفون عن المجرم بالميلاد الذي لا تميزه اضطرابات عقلية خاصة ، ويرجع إجرام هذه الطائفة الى شذوذ عقلي بالغ الخطورة لكن فيري مع ذلك لا يرى أن جميع المصابين بعاهات عقلية مجرمين فالخلل العقلي لديهم جميعا لكنهم لا يتحولون جميعهم الى مجرمين ، واقترح فيري على الطائفتين السابقتين معاملة خاصة تقوم على تفريد الجزاء الجنائي القائم على تحييد هذا النوع من المجرمين .

    الانواع الثلاثة التالية تحركهم عوامل خارجية وهم :

    الطائفة 3 : المجرمون المعتادون ، تعودوا على الاجرام حتى صاروا ضالعين فيه بسبب الظروف الاجتماعية غير الملائمة التي أحاطت بحياتهم منذ البداية ، و فيري لا ينفي عنهم العوامل البيولوجية فهو يرى أن الظروف الاجتماعية مهما كانت قاسية لا تقود إلى الاجرام غلا إذا اقترن بها ضعف تكويني أو مكتسب لدى الفرد .

    الطائفة 4 : المجرمون بالمصادفة ، وهي الطائفة الأكثر انتشارا بين المجرمين ، وهم أفراد انزلقوا الى الاجرام بسبب الضغط الشديد للظروف الاجتماعية غير الملائمة ، هذه الظروف كان لها تأثير حاسم عليهم فبسبب تكوينهم البيولوجي الذي تنقصه القدرة على المقاومة لحظة الاختيار الوقتي فتنهار المناعة .

    الطائفة 5 : المجرمون العاطفيون ، وهم قوم يتميزون بإفراط في الحساسية ، وقد رق قلب فيري لهم ، ويفسر فيري إجرام هذه الطائفة بفعل عوامل عارضة كان لها تأثير على كائن مفرط في الحساسية مرهف الحس ، وهم أقل طوائف المجرمين عددا .

    هذه الطوائف الثلاثة الأخيرة يرى فيري أن السياسة الجنائية السليمة تفرض النظر إلى هذه العوامل لكي تكون موجها لنوع المعاملة التي يخصصها القانون لكل طائفة بغية القضاء على إجرامها ، وقد استخلص فيري من تحليله لخصائص كل طائفة وللعوامل المؤثرة في إجرامها أنه ينبغي تحييد المجرمين المعتادين لحماية المجتمع منهم ، اما المجرمون بالمصادفة في الجزاء الذي يتخذ في مواجهتهم يجب أن يتضمن إجراءات تهدف الى اعادة تأهيلهم اجتماعيا أما بخصوص المجرمين بالعاطفة فقد أوصى فيري بأن يتخذ الجزاء في حقهم قدرا كبيرا من التسامح فيقتصر الجزاء في تعويض الضرر الذي تسببه جرائمهم .

    تقدير نظرية فيري

    كان لنظرية فيري التأثير القوي على مفهوم الجزاء الجنائي ، فوجهت الانظار الى ضرورة اعتبار الجزاء وسيلة للدفاع عن المجتمع ضد الجريمة ، وليس ثمنا يدفعه المجرم لما اقترفه من اثم ، كما كانت نظريته بداية للحديث عن ضرورات التفريد الجزائي تبعا لحالة كل مجرم وظروفه الخاصة ، ومن ثم كان ظهور التدابير الوقائية والاحترازية كصورة للجزاء الجنائي ، إلى جانب العقوبات باعتبارها الصورة التقليدية لبعض المجرمين ، من جهة أخرى كان تحليل فيري للعوامل الاجرامية بمثابة تنبيه إلى ضرورة العناية بالوقاية من الاجرام عن طريق الحد من أثر هذه العوامل التي ذكرها ، وهو ما يعني ضرورة انتهاج سياسة اجتماعية واقتصادية وصحية وتربوية وثقافية تحد من فعالية العوامل المفضية الى الاجرام ، وقد أطلق فيري عليها اسم البدائل العقابية .

    ورغم ما تتميز به نظرية فيري من مزايا واضحة لا يمكن انكارها إلا أنه يمكن توجيه بعض الملاحظات :

    • تصنيفه للعوامل الاجرامية تنقصه الدقة ، فهو اعتبر الانتاج الزراعي عاملا من العوامل الطبيعية أو الجغرافية في حين رأى الانتاج الصناعي أنه أخذ العوامل التي تتعلق بالبيئة أو المحيط الاجتماعي

    • اعترض البعض على تصنيف فيري للمجرمين وشمل الاعتراض فكرة المجرم بالميلاد التي كانت أكثر أفكار لامبروزو تعرضا للانتقاد ، ومع ذلك اعتقد فيري أنه بضبطها قد يتفادى النقد

    • تساءل البعض عن ملائمة التمييز بين المجرم بالمصادفة والمجرم العاطفي ومن ثم ضرورة إفراد كل طائفة خاصة لكل منهما ، ففي تقدير الكثير أن المجرم بالمصادفة مثله في ذلك مثل المجرم العاطفي ، فكلاهما مجرم عرضي انزلق الى الاجرام بفعل عامل خارجي وقتي دفعه بقوة الى الاجرام ، فلا يوجد أي معالم واضحة للتمييز بين النموذجين لذلك اقترح بعض الباحثين تقسيم المجرمين الى 3 طوائف فقط ، المجانين و ذوي العاهات العقلية ثم المجرمين العرضيين ، واخيرا طائفة المجرمين المعتادين على الاجرام .

    • الجريمة أكثر تعقيدا من مجرد تفاعل كيميائي كما تصوره فيري .

    يبقى أن فيري كان اول من اشار الى أن السلوك الاجرامي ليس ظاهرة وحيدة السبب بل هو ظاهرة معقدة تتشابك فيها عوامل متعددة ومتشعبة وهو يعد بذلك صاحب أول نظرية تكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية ، وقد تنبه من جاء بعده إلى هذه التعددية في العوامل المسببة للجريمة فكانت تفسيراتهم أكثر قربا من الواقع والحقيقة ، كما لا يجب أن ننسى أن فيري وإن لم يبتدع تعبير السياسة الجنائية إلا أنه كان رائدا في وضع المحاور الاساسية التي تقوم عليها فنظريته الشمولية إلى العوامل المتعددة للظاهرة الاجرامية أدت إلى إدراك ضرورة تفريد رد فعل المجتمع وفقا لتنوع المجرمين ، وهكذا نرى أن تفريد الجزاء الجنائي وهو عصب السياسة الجنائية الحديثة لم يكن سوى أحد ثمار التصور التعددي للعوامل الاجرامية المؤدية إلى السلوك الاجرامي .

    📗 خلاصة الباب

    • يجمع الاتجاه التكاملي بين مختلف العوامل (البيولوجية والاجتماعية والطبيعية) لتفسير الجريمة، وأبرز روَّاده إنريكو فيري (تلميذ لومبروزو) الذي صنف العوامل الإجرامية إلى أنثروبولوجية وطبيعية واجتماعية، وقسَّم المجرمين إلى خمس طوائف: المجرم بالميلاد، ذو العاهات العقلية، المعتاد، بالمصادفة، والعاطفي، مع ملاحظة أن السياسة الجنائية السليمة تتطلب معاملة كل طائفة بحسب خصوصيتها.
    • أما دي توليو فقدَّم نظرية الاستعداد الإجرامي القائمة على وجود غرائز فطرية لدى كل إنسان قد تنفلت متغلبة على الضوابط التربوية والثقافية، ميَّز فيها بين استعداد إجرامي أصيل (ثابت ومستمر) وعارض (طارئ)، واقترح فحص الشخصية الإجرامية من ثلاث نواحٍ: خارجية وداخلية ونفسية.

  • التحقيق الاعدادي 83-230

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 9 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    ⚠ تنبيه قانوني مهم: يعرض هذا المحور أحكام التحقيق الإعدادي كما كانت في قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01 قبل دخول القانون رقم 03.23 حيز التنفيذ بتاريخ 8 دجنبر 2025. من أبرز مستجدات القانون الجديد في هذا الباب: أصبح التحقيق الإعدادي اختيارياً حتى في الجنايات (بما فيها المعاقب عليها بالإعدام)، ولم يعد ممكناً في الجنح إلا في الحالات التي ينص عليها القانون صراحة — خلافاً لما هو مفصَّل في هذا المحور من إلزامية التحقيق في حالات معينة وفق النص القديم. يُنصح الطالب بشدة بمراجعة نص القانون 03.23 الرسمي ومقارنته بما ورد هنا قبل الاعتماد عليه في أي امتحان أو استشارة عملية.

    نص قانون المسطرة الجنائية على ثنائية التحقيق بمحاكم الإستئناف و المحاكم الابتدائية سعيا منه إلى توطيد حقوق الانسان وبناء دولة الحق والقانون، هكذا تم تقوية سلطات العدالة الجنائية ضمانا لشروط المحاكمة العادلة وحقوق الانسان، فقاضي التحقيق يتبوأ مكانة مهمة ومركزية في الدعوى العمومية، بما يقوم به من إجراءات تنصب على تمحيص وسائل الاثبات والبحث عن الحقيقة في إطلاقها وجمع المعطيات والمعلومات حول الجريمة في استقلالية تامة عن جميع المتدخلين في الدعوى العمومية كالنيابة العامة والمحكمة، و قاضي التحقيق كما رأينا هو ضابط سامي للشرطة القضائية ويتم اختياره بعناية من أكفأ القضاة.

    التحقيق الاعدادي يختلف عن البحث التمهيدي، سواء من حيث الجهة التي تقوم به او من حيث الضمانات المقررة له، فهو مرحلة قضائية وليس مرحلة بوليسية، وهو يتوسط البحث التمهيدي الذي تقوم به الشرطة القضائية والتحقيق النهائي الذي تختص به المحكمة في الجلسات، وقد تم اعتماد التحقيق الاعدادي للحالات التي تستوجب مزيدا من الفحص والتنقيب حيث يستعصي القيام به خلال التحقيق النهائي في جلساته العلنية .

    الطبيعة القانونية للتحقيق الاعدادي

    المشرع المغربي لم يقم بتعريف التحقيق الاعدادي لذلك يخلط البعض بين البحث التمهيدي والتحقيق الاعدادي، والواقع أن هذا الأخير له نظام قانوني وإجرائي متميز ضمنه المشرع في المواد 83 الى 250، فهو مرحلة قضائية تتوسط البحث التمهيدي والمحاكمة وتنصب على الجنايات والجنح على حد سواء ويهدف إلى تمحيص الادلة والتثبت من وقوع الجرائم عن طريق مجموعة من الاجراءات.

    جهات التحقيق الاعدادي واستقلاليته

    التحقيق الاعدادي يقوم به قاض من قضاة الحكم المعينين بمحاكم الإستئناف والمحاكم الابتدائية، وهو يمثل السلطة الثالثة في التحري بعد النيابة العامة والشرطة القضائية .

    الجهات المكلفة بالتحقيق الاعدادي

    قاضي التحقيق هو الطرف الأصيل في القيام بمهام التحقيق لأنه المكلف أساسا بالتحقيق الاعدادي، لكن تتداخل معه بعض الجهات الأخرى إما باعتبارها تمارس نوعا من الرقابة على إجراءات و أوامر قضاة التحقيق كالغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف وإما في إطار الانابة القضائية حين يعهد إلى ضباط الشرطة القضائية القيام بمهمام التحقيق في إطار مسطرة خاصة، كذلك الأمر عندما تكلف بعض الجهات استثناء القيام ببعض اجراءات التحقيق بمقتضى نص خاص مثل الغرفة الجنائية بمحكمة النقض .

    الفقرة الاولى : الجهات الأصلية للتحقيق الاعدادي

    حددها المشرع في قاضي التحقيق والغرفة الجنحية للتحقيق بمحكمة الإستئناف.

    أولا : قاضي التحقيق

    قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01 لـ 2003 أحدث مؤسسة قضاة التحقيق بالمحاكم الابتدائية بعد أن كانت مقتصرة على محاكم الإستئناف، ويتم تعيين قضاة التحقيق سواء بالمحاكم الابتدائية أو محاكم الإستئناف بقرار من وزير العدل والحريات لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد، بناء على اقتراح من طرف الرئيس الأول لمحاكم الإستئناف ورئيس المحكمة الابتدائية بالنسبة لمحاكم الدرجة الاولى، إلا أنه في حالة لم يكن في المحكمة سوى قاض واحد مكلف بالتحقيق وحال مانع دون ممارسته لمهامه فيمكن لرئيس المحكمة في حالة الاستعجال وبناء على طلب من النيابة العامة وفي انتظار أن يزول المانع أو صدور التعيين بقرار نظامي أن يعين أحد قضاة أو مستشاري المحكمة لممارسة هذه المهمة طبقا لمقتضيات المادة 53 كما يمكن لوزير العدل أن ينتدب لهذه المهمة قاضيا للتحقيق لمدة لا تتجاوز 3 أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة .

    ثانيا : الغرفة الجنحية

    هي الدرجة الثانية من درجات التحقيق الاعدادي وهي مختصة حسب المادة 231 بالنظر في :

    • طلبات الافراج المؤقت المقدمة إليها مباشرة وكذا تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية .

    • طلبات بطلان إجراءات التحقيق

    • الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق

    • كل إخلال منسوب لضابط الشرطة القضائية خلال مزاولته لمهامه

    وإذا كان التحقيق الاعدادي يهدف إلى تعميق البحث وتمحيص الادلة بغية الوصول إلى الحقيقة فإن الغرفة الجنحية يمكنها أن تقوم بإجراء أي تحقيق تكميلي تراه مفيدا إما تلقائيا أو بطلب من الوكيل العام أو بطلب من أحد الأطراف .

    الفقرة الثانية : الجهات الاستثنائية

    اسند إليها المشرع القيام بإجراءات التحقيق استثناء وضمن شروط شكلية خاصة وهي :

    • الغرفة الجنائية بمحكمة النقض

    • ضباط الشرطة القضائية وقضاة الحكم

    أولا : الغرفة الجنائية بمحكمة النقض

    تقوم بإجراءات التحقيق في حق الاشخاص الذين ذكرتهم المادة 265 ” اذا كان الفعل منسوبا إلى مستشار لجلالة الملك أو عضو من أعضاء الحكومة أو كاتب دولة أو نائب كاتب دولة مع مراعاة مقتضيات الباب الثامن من الدستور أو قاض بمحكمة النقض أو بالمجلس الاعلى للحسابات أو عضو في المجلس الدستوري أو إلى والي أو عامل أو رئيس أول لمحكمة استئناف عادية أو متخصصة أو وكيل عام للملك لديها فإن الغرفة الجنحية بمحكمة النقض تأمر بناء على ملتمسات الوكيل العام للملك بنفس المحكمة بأن يجري التحقيق في القضية عضوا أو عدة أعضاء من هيئتها … بعد إنهاء التحقيق يصدر قاضي أو قضاة التحقيق أمرا قضائيا بعدم المتابعة أو بالاحالة إلى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض … لا تقبل أية مطالب بالحق المدني أمام محكمة النقض “

    ثانيا : ضباط الشرطة القضائية وقضاة الحكم ( الانابة القضائية )

    حيث منح المشرع لقاضي التحقيق حق انتداب أي قاضي آخر للقيام بأحد إجراءات التحقيق من قضاة الحكم أو ضابط من ضباط الشرطة القضائية للقيام بإجراء ما يراه لازما من أعمال التحقيق بواسطة الانابة القضائية، هذه الانابة القضائية تسهل عمل قاضي التحقيق خصوصا عندما يتعلق الأمر بالاستماع إلى أقوال شخص يتواجد خارج دائرة نفوذه الترابي، لكن ما يهمنا بخصوص موضوع الانابة القضائية هو إدخال جهات أخرى غير أصلية للقيام بإجراءات التحقيق الاعدادي وتتمثل في قضاة الحكم وضباط الشرطة القضائية، فهؤلاء قد يحلون محل قاضي التحقيق في بعض الاختصاصات والتي يجب أن يتقيدوا بها .

    استقلالية التحقيق الاعدادي

    هو قبل كل شيء مقتضى دستوري نصت عليه الفصول ما بين 107-116

    أولا : مبادئ استقلال القضاء

    الفصل 107 من الدستور ” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية . الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية “

    وتتجلى مظاهر استقلالية السلطة القضائية في القواعد الدستورية التالية :

    • دسترة مفهوم الاستقلالية في الفصل 107 من دستور 2011

    • منع التدخل في شؤون القضاء بحيث لا يتلقى القاضي أي تعليمات أو أوامر ولا يخضع لأي ضغط كيفما كان نوعه أو جهته .

    • حياد القاضي وتجرده عن الاطراف والخصوم

    • حماية استقلالية القاضي : فكلما أحس القاضي أن استقلاليته مهددة وجب عليه إحالة الأمر على المجلس الاعلى للسلطة القضائية لاتخاذ المعين

    • مسؤولية القاضي : وتظهر من خلال عدم الالتزام بواجب الاستقلالية مما يعتبر خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة

    ثانيا : أبعاد استقلالية السلطة القضائية

    و تتجلى في المفهوم الجديد لإصلاح القضاء ” القضاء في خدمة المواطن ” هكذا أضحت المحاكم مطالبة بتقديم خدمات بكل جودة للمواطنين واحترام المؤشرات التالية :

    • السرعة : أي أن تكون مدد وإجراءات الدعوى تحكمها آجال قانونية قصيرة و معقولة لأن إطالة النزاع يفقد الاطراف الثقة في القضاء

    • النجاعة : أي أن الاحكام التي تصدرها مختلف المحاكم يجب أن تنسجم مع روح القانون وتطبيقاته وأن يسعى القاضي إلى تطبيق القانون كما ابتغاه المشرع وعلى اساس التطبيق العادل

    • الالزامية : أي أن الاحكام ملزمة لجميع الاطراف ذاتيين أو معنويين

    • التنفيذ : وجعله غاية القضاء وعدم تنفيذ الاحكام يمس بقدسيتها وبالوظيفة القضائية ككل ولأنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له كما قال عمر بن الخطاب لقاضيه أبي موسى الاشعري .

    • الأمن القضائي : أيترسيخ الثقة بين المواطن والقضاء ومن خلالها النظام السياسي الذي يحكم حيث يطمئن المواطنون أن حقوقهم الفردية والجماعية وحرياتهم محفوظة ومحمية من طرف حصن منيع اسمه القضاء .

    الفقرة الثانية : استقلالية قاضي التحقيق

    كرس المشرع هذه الاستقلالية على مجموعة من المستويات تتمثل في ما يلي :

    • استقلال قاضي التحقيق عن النيابة العامة

    • استقلال قاض التحقيق عن المحكمة

    • استقلال قاضي التحقيق عن الاطراف

    أولا : استقلال قاضي التحقيق عن النيابة العامة

    خص المشرع النيابة العامة بحق المتابعة وإعمال سلطة الملاءمة، في حين أوكل مهمة التحقيق لجهة أخرى، وبمجرد إحالة القضية على قاضي التحقيق بواسطة ملتمس النيابة العامة أو مباشرة من طرف المطالب بالحق المدني فإن القاضي ينهض بالتحقيق .

    ثانيا : استقلال قاضي التحقيق عن هيئة الحكم

    قاضي التحقيق يبحث عن أي دليل ولا يهمه إن كان قاطعا في إدانة المتهم أم لا، فقضاء التحقيق يختلف عن قضاء الحكم، كونه لا يملك سلطة الترجيح بين الأدلة ولا يمكنه رد أي دليل بحجة عدم اقتناعه به بل قضاء الحكم هو الذي يملك سلطة الترجيح بين الادلة ولا يأخذ منها إلا ما كان قاطعا واقتنع بحجيته ويرد ما لم يقتنع به

    ثالثا : استقلال قاضي التحقيق عن الاطراف

    فتكون قراراته مستقلة عن أطراف النزاع وجميع الاجراءات التي يتخذها تكون وفق أحكام وقواعد القانون تحت إشراف النيابة العامة ومراقبة الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف، فقاضي التحقيق دائما مقيد بالنصوص القانونية وأخلاقيات المهنة وضميره ولا ينحاز إلى أي طرف .

    خصائص التحقيق الاعدادي

    الفقرة الاولى : خصائص مرتبطة بشخص التحقيق

    أي شخصية القاضي الذي ينتمي إلى الجهاز القضائي وما يفرضه ذلك من ضرورة التزام القاضي الحياد والتجرد والاستقلالية .

    أولا : الخاصية القضائية

    فالقاضي يخضع لمراقبة الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف وهي نوع من الرقابة القضائية على أوامر وإجراءات قضاة التحقيق كلما جانبت الصواب أو خرقت القانون. وهذه الغرفة يترأسها الرئيس الاول لدى محكمة الإستئناف ومستشارين اثنين وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط وتمثل درجة ثانية من درجات التحقيق وأعضاؤها ينتمون إلى الجهاز القضائي.

    ثانيا : خاصية الاستقلالية

    فقاضي التحقيق يحتل موقعا هاما ومرحلة متقدمة في البحث والتحري يكون متصفا بالتجربة والدراية وقوة الشخصية و فطنة واستقلالية اكتسبها عن طول ممارسة في ردهات المحاكم .

    الفقرة الثانية : خصائص مرتبطة بموضوع التحقيق

    يستمدها من خلال موضوعاته ومجال اختصاصه حيث تطبع إجراءاته بطابع خاص

    أولا : الخاصية التفتيشية

    الطابع التفتيشي أحد السمات الاساسية للتحقيق الاعدادي ويتضح ذلك من خلال 3 نقط

    • سرية التحقيق الاعدادي : حيث تتم الاجراءات بمكتب قاضي التحقيق في جلسات سرية ويمنع على العموم حضورها وتظل هذه السرية طيلة مراحل التحقيق الاعدادي إلى أن تحال على المحكمة للبت في جلسات علنية، لكن هذه السرية تعرف بعض المرونة فيما يخص حضور المحامي .

    • توثيق إجراءات وعمليات التحقيق الاعدادي : حيث يقوم بذلك كاتب الضبط الذي يحضر جميع الجلسات إلى جانب القاضي كما يقوم بهذه الكتابة ضباط الشرطة القضائية في إطار ما يسمى بالإنابة القضائية .

    • عدم الحضور في التحقيق : أي عدم حضور الجمهور إلا في حالة توجيه أسئلة إلى المتهم أو الشهود طبقا للمادة 140 .

    ثانيا : خاصية العينية

    حدد المشرع الجرائم التي يمكن إجراء التحقيق الاعدادي بشأنها، فالتحقيق قد يكون اختياريا أو إجباريا بالإحالة من طرف النيابة العامة أو عن طريق شكاية يتقدم بها المتضرر مباشرة إلى قاضي التحقيق، وهذا الأخير مقيد بالأفعال المعروضة عليه ولا يتعداها إلى غيرها، فخاصية العينية تنصرف إلى الافعال فقط في حين لا يتقيد قاضي التحقيق بالأشخاص المحالين عليه إذن يمكنه التحقيق مع غيرهم .

    مجال التحقيق الاعدادي

    يتحدد مجال التحقيق الاعدادي من خلال صنف الجرائم التي تخضع للتحقيق مع التمييز بين الجنايات والجنح التي تخضع للتحقيق وجوبا وبين التي يطالها التحقيق اختيارا

    الفقرة الاولى : التحقيق الاجباري

    • الجنايات المعاقب عليها بالاعدام

    • الجنايات المعاقب عليها بالسجن المؤبد

    • الجنايات التي يصل الحد الاقصى للعقوبة لها 30 سنة

    • الجنايات المرتكبة من طرف الاحداث

    • الجنح بنص خاص كما هو الشأن لحوادث السير المميتة

    أولا : التحقيق الاجباري في الجنايات

    حددت المادة 83 الافعال التي يكون فيها التحقيق إجباريا

    • الجنايات المعاقب عليها بالاعدام

    • الجنايات المعاقب عليها بالسجن المؤبد

    • الجنايات التي يصل الحد الاقصى للعقوبة لها 30 سنة

    • الجنايات المرتكبة من طرف الاحداث

    وهو ما معناه أن التحقيق يكون اختياريا في الجنايات التي عقوبتها أقل من 30 سنة

    ثانيا : التحقيق الاجباري في الجنح

    على غرار الجنايات ميز المشرع في مجال الافعال الخاضعة للتحقيق في الجنح بين نوعين من الجرائم، الجنح التي يكون فيها التحقيق إجباريا ثم التي يكون فيها اختياريا .

    المشرع المغربي أخذ بازدواجية التحقيق في الجنايات والجنح بإحداث قضاء التحقيق بالمحاكم الابتدائية وعهد إليه بالتحقيق في الجنح التي يكون فيها التحقيق إجباريا أو اختياريا حيث يكون التحقيق إجباريا في نوعين من الجنح :

    • في بعض الجنح بنص خاص في القانون

    • في الجنح المتعلقة بالقتل الخطأ في حوادث السير المميتة

    هذه الاجبارية في التحقيق تمنع على وكلاء الملك بالمحاكم الابتدائية تكييف الافعال المعروضة عليهم وإجراء المتابعة دون الاحالة على التحقيق الاعدادي تحت طائلة بطلان الاجراءات المتخذة، كما أن التحقيق يكون اختياريا فيما عدا ذلك من الجنح المرتكبة من طرف الاحداث أو في الجنح التي يكون الحد الاقصى للعقوبة المقدرة لها 5 سنوات أو أكثر .

    الفقرة الثانية : التحقيق الاختياري

    ويكون بغرض توسيع دائرة التحقيق الاعدادي بغية تكييف الافعال الاجرامية وفق مسطرة قانونية تكرس حقوق الدفاع وتضمن شروط المحاكمة العادلة .

    أولا : التحقيق الاختياري في الجنايات

    بمفهوم المخالفة، فالتحقيق الاختياري يكون في الجرائم غير الواردة في المادة 83 التي حددت الجرائم التي يعتبر التحقيق فيها إلزاميا، لكن المشرع لم يرتب أي أثُر قانوني في حالة عدم إحالة القضية على غرفة التحقيق هكذا تتخذ النيابة العامة لدى محكمة الإستئناف قرار الاحالة على غرفة التحقيق اختياريا في هذا النوع من الجنايات.

    ثانيا : التحقيق الاختياري في الجنح

    التحقيق في الجنح غالبا ما يكون اختياريا ما عدا الجنح المترتبة عن حوادث السير المميتة .

    الاجراءات التمهيدية للتحقيق الاعدادي

    حدد المشرع مجموعة من الشكليات القانونية التي تنظم طرق وكيفية اتصال قاضي التحقيق بالقضية معلنا بذلك عن انطلاق عملية التحقيق الاعدادي وانطلاقة مجموعة من الاجراءات بعضها منصب على جمع الادلة والبعض الاخر منصب على شخص المتهم باتخاذ جملة من التدابير .

    إجراءات المطالبة بالتحقيق الاعدادي

    لا يمكن لقاضي التحقيق أن يضع يده على القضية الا بملتمس كتابي من النيابة العامة أو بشكاية مباشرة من المتضرر

    المطالبة بتحقيق إعدادي من طرف النيابة العامة

    للنيابة أدوار عديدة في إطار تدبير إجراءات الدعوى العمومية من بينها ملتمس إجراء تحقيق إعدادي

    الفقرة الاولى : ملتمس النيابة العامة الاجباري لإجراء تحقيق إعدادي

    القضايا المذكورة في المادة 83 تحيلها النيابة العامة مباشرة على التحقيق الاعدادي

    أولا : التحقيق الاجباري بناء على ملتمس النيابة العامة في الجنايات

    بالنسبة للرشداء يكون التحقيق واجبا وإجباريا في حالتين :

    • إذا كانت الافعال المرتكبة تشكل جناية معاقب عليها بالاعدام أو بالسجن المؤبد أو الحد الأقصى المقرر هو 30 سنة ولو تم ضبط الفاعل في حالة تلبس .

    • إذا كانت الجناية معاقب عليها بغير هذه العقوبات ولم يتم ضبط الفاعل في حالة تلبس، أي أن الوكيل العام إذا ظهر له أن القضية جاهزة للحكم أصدر أمرا بوضع المتهم رهن الاعتقال الاحتياطي وإحالته على غرفة الجنايات وإذا ظهر له أن القضية غير جاهزة للحكم التمس إجراء تحقيق إعدادي فيها، أما الاحداث فالمشرع ألزم إجراء تحقيق إعدادي في كل جناية مرتكبة بغض النظر عن العقوبة المقررة لها.

    ثانيا : التحقيق الاجباري في الجنح

    استنادا للمادة 83 يكون التحقيق إلزاميا في الجنح بمقتضى نص خاص وكذا حوادث السير المميتة

    الفقرة الثانية : ملتمس النيابة العامة الاختياري لإجراء تحقيق إعدادي

    يكون اختياريا في الجنايات فيما عدا التي وقفنا عليها أما في الجنح فهي المرتكبة من قبل الاحداث أو تلك التي ارتكبت من طرف رشداء وكان الحد الاقصى للعقوبة يوازي 5 سنوات فما فوق .

    المطالبة بإجراء تحقيق من طرف المتضرر

    الفقرة الاولى : مسطرة المطالبة بالتحقيق من المتضرر

    يحق لكل شخص تضرر من جريمة أن يلجأ مباشرة إلى قاضي التحقيق ويقوم بتسجيل شكايته يلتمس بموجبها إجراء تحقيق في مواجهة شخص معين أو مجهول وفق شروط وإجراءات محددة .

    أولا : كيفيية المطالبة بالتحقيق من المتضرر في الجنايات

    المواد من 92-98 تنظم ذلك، فيمكن للمتضرر تقديم شكاية إلى قاضي التحقيق ثم يؤدي المبلغ الذي يحدده هذا الأخير كمصاريف الدعوى مع احترام شروط شكلية يمكن إجمالها في :

    • توفر أهلية الادعاء بالنسبة للمشتكي والمتهم

    • الاختصاص النوعي والمحلي لقاضي التحقيق المرفوعة إليه الشكاية

    • مدى قابلية الافعال موضوع الشكاية للتحقيق وعدم انقضاء الدعوى العمومية

    • إشعار الوكيل القضائي للمملكة في حالة رفع دعوى ضد قاضي أو موظف عمومي أو عون تابع للسلطة أو القوة العمومية وظهر أن الدولة يمكن أن تتحمل المسؤولية المدنية من جراء أعمال تابعيها .

    • في حالة تقديم شكاية لا تدعمها أسباب كافية يمكن للنيابة العامة أن تلتمس من قاضي التحقيق فتح تحقيق مؤقت حول أي شخص قد يكشف عنه البحث

    ثانيا : إجراء التحقيق في الجنح بناء على شكاية المتضرر

    مسطرة إجراء تحقيق في الجنح لا تختلف عن نظيرتها في الجنايات بمحاكم الإستئناف لكن مع شروط :

    • أن تكون الجنحة من الجنح التأديبية التي أجاز المشرع إجراء تحقيق بشأنها.

    • تقديم شكاية في الموضوع متوفرة على شكلية ضرورية من قبيل هوية المشتكي والمتشكى به، تحديد الجريمة والنصوص المنظمة لها، تاريخ الجريمة ومكانها، الوقائع بدقة، ملتمسات المشتكي، التاريخ والامضاء، أداء الرسم القضائي على الشكاية بصندوق المحكمة، أداء قسط جزافي بالنسبة للمطالب بالحق المدني، أداء الوديعة التي يحددها قاضي التحقيق .

    الفقرة الثانية : موانع إقامة الدعوى العمومية من طرف المتضرر

    لا يمكن لقاضي التحقيق إجراء تحقيق في حالة عدم تنصيص القانون لأن هناك شروط وحالات تغل يد المشتكي في المطالبة بإجراء تحقيق .

    أولا : موانع المطالبة بالتحقيق من طرف المتضرر

    • الجرائم التي يعود الاختصاص فيها إلى المحاكم العسكرية

    • الجرائم المنسوبة إلى اعضاء الحكومة وبعض كبار موظفي الدولة التي يعود فيها الاختصاص إلى محكمة النقض

    • الجرائم المنسوبة لبعض قضاة و موظفي الدولة التي تخضع لقواعد الاختصاص الاستثنائية حيث يعود أمر تحريك هذه الدعوى بحقهم إلى الرئيس الاول لمحكمة الإستئناف او الغرفة الجنحية بمحكمة النقض .

    • بعض الجرائم المرتكبة خارج أرض الوطن حيث أناطها المشرع للنيابة العامة

    • الجرائم التي يرتكبها الاحداث

    ثانيا : حماية الضحية المشتكي من طرف قاضي التحقيق

    أحدث المشرع قانون 10/37 القاضي يتغيير وتتميم القانون رقم 01/22 المتعلق بالمسطرة الجنائية في شأن حماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين فيما يخص جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيرها، هكذا يقوم قاضي التحقيق بتخاذ كافة التدابير من أجل تأمين سلامة الضحية وافراد اسرته وممتلكاته من كل ضرر يلحقه جراء تقديم شكايته، منها :

    • رقم هاتفي خاص بالشرطة القضائية أو بالمصالح الامنية للاتصال في اي وقت

    • حماية جسدية له ولأفراد اسرته من طرف القوة العمومية

    • تغيير أماكن الاقامة

    • عرض الضحية على طبيب مختص وتخصيصه بالرعاية الاجتماعية وفي حالة عدم كفاية هذه التدابير يمكن لقاضي التحقيق اتخاذ ما يراه مناسبا .

    الاجراءات الأولية للتحقيق الاعدادي

    حيث تبدأ مجموعة من الاجراءات الدقيقة والصارمة نظم المشرع أحكامها وآجالها وكيفية تصريفه ورتب عليها مجموعة من الاثار والجزاءات القانونية .

    إجراءات تتعلق بالأشخاص

    تنصب على المتهم باعتباره جوهر القضية .

    الفقرة الاولى : البحث الاجتماعي

    إن الإلمام بالظروف النفسية والاقتصادية والاجتماعية للمتهم، التي يكون لها تأثير من قريب أو من بعيد على ارتكابه الجريمة، يعد من المقومات الأساسية التي تساعد على فهمه كانسان مرتبط بثقافة وبمجتمع معينين، ولهذا أوكلت المادة 87 من ق.م.ج إلى قاضي التحقيق إجراء بحث مستقل عن الاستنطاق وعن المقابلات حول شخصية المتهم وحالته العائلية والاجتماعية بصفة إلزامية في الجنايات واختيارية في الجنح. كما يقوم أيضا بإجراء بحث حول التدابير الكفيلة بتسهيل إعادة إدماج المتهم في المجتمع، كما تسمح المادة 88 لقاضي التحقيق بأن يخضع المتهم لفحص طبي ونفساني.

    الفقرة الثانية : الفحص الطبي

    وفقا للمادة 88 التي سمحت لقاضي التحقيق إجراء هذا الفحص كما يمكن له بعد رأي النيابة العامة معالجته من التسمم الناتج عن تعاطي الكحوليات والمخدرات، شريطة أن يتم العلاج داخل المؤسسة السجنية أو مؤسسة متخصصة حسب الشروط المنصوص عليها قانونا .

    إجراءات تنصب على الاشياء

    الفقرة الاولى : التنقل والتفتيش والحجز

    وتجري وفق إجراءات شكلية رتب عليها المشرع مجموعة من الاثار القانونية

    أولا : إجراءات التنقل

    وهو إجراء يخضع لتقدير قاضي التحقيق ويمارسه طبقا للمادة 99 والانتقال يقتضي تنقل قاضي التحقيق رفقة كاتب الضبط إلى أي مكان لإجراء معاينته قصد الوصول إلى الحقيقة لكن عليه التقيد بالإجراءات التالية :

    • إخبار وكيل الملك في حالة جنحة وإخبار الوكيل العام في حالة جناية

    • أن يصطحب معه كاتب الضبط

    • تحرير محضر بما ينجز من أعمال والاسباب التي دفعته إلى التنقل ويحدد ساعة الانتقال باليوم والشهر والساعة وفي حالة الخروج خارج دائرة نفوذه وجب عليه إخبار النيابة العامة هناك.

    ثانيا : إجراءات التفتيش والحجز

    غالبا ما يترتب على الانتقال عمليات المعاينة والتفتيش والحجز وكلها وسائل منحها المشرع لقاضي التحقيق في طريق بحثه عن الحقيقة، لكن نظرا لتعلق هذه الاجراءات بحرمات المنازل وحرية المتهم فقد أحاطها المشرع بمجموعة من الضوابط، فالمادة 101 أباحت لقاضي التحقيق اجراء عملية التفتيش في الاماكن التي يعتقد أنها ستساهم في إظهار الحقيقة لكن المواد 59-60-62 تقيده تحت طائلة البطلان، والتفتيش قد يتعين على شيء معين بذاته لإثبات حالته أو على شخص معين، كما أن هناك قيود في حالة التفتيش في أماكن العمل أو تفتيش امرأة أو أوقات التفتيش أو عملية إرهابية أو بخصوص الاختام والوثائق و النقود والاوراق التجارية .

    يعتبر التنقل والتفتيش والحجز أهم الوسائل المتاحة لقاضي التحقيق لضبط أدلة الجريمة والكشف عن الحقيقة، وينتج عن هذه الإجراءات أفضل دليل تطمئن إليه المحاكم في تكوين قناعتها. ويتشابه التفتيش والمعاينة في كون القائم بهما ينتقل إلى عين المكان للقيام بالمشاهدات واجراء جميع التحريات، ويختلفان في كون:

    المعاينة يقوم بها ضابط الشرطة القضائية وقاضي التحقيق وهيئة المحكمة وعلى السواء تلقائيا، بخلاف التفتيش الذي لا يمكن للمحكمة القيام به إلا في حالات استثنائية ومحددة، ويبقى حكرا على ضباط الشرطة القضائية وقاضي التحقيق.

    المعاينة تهدف إلى إثبات وقائع مادية لحالة شيء من خلال المشاهدة أو الفحص، أما التفتيش فينصب على شخص أو محل معين من أجل ضبط أدلة الجريمة موضوع التحقيق لمكشف عن الفاعل.

    المعاينة تتم أثناء عملية التفتيش، أما التفتيش فيلزم القائم به أثناء الشروع فيه بشروط دقيقة يؤدي الإخلال بها إلى بطلان المحضر.

    ويتعين على قاضي التحقيق إذا قرر الانتقال لإجراء المعاينات أو التفتيش:

    أن يشعر النيابة العامة بذلك في وقت مناسب حتى يترك لممثلها الخيار في مرافقته.

    أن يستعين في مهمته بكاتب الضبط. وأن يحرر محضرا بما أنجزه من أعمال.

    وتقتضي المواد 59 و 60 و 62 من ق.م.ج أن التفتيش ينبغي أن يحاط بعدة ضمانات من بينها:

    • حفظ سرية الوثائق والمستندات التي يتم حجزها وعدم إطلاع الغير عليها.

    • إذا كان التفتيش يتم في منزل المتهم، فإن قاضي التحقيق يسلك فيه مقتضيات المادة 60 من ق.م.ج فيدعوا صاحب المنزل لحضوره أو تعيين ممثل عنه.

    • إذا تعمق الأمر بجناية أو جريمة إرهابية، يمكن إجراء التفتيش خارج الوقت القانوني، شريطة أن يقوم به قاضي التحقيق شخصيا بحضور ممثل النيابة العامة.

    • إذا كان التفتيش سيجرى في أماكن النساء، فإن قاضي التحقيق ينتدب امرأة لتفتيش النساء.

    • إذا تعمق الأمر بتفتيش مكتب محام، فيتعين أن يقوم به قاضي التحقيق بنفسه أو ينتدب لذلك قاض آخر.

    وحفاظا على حقوق الأشخاص، أوجب القانون على قاضي التحقيق أن يأمر بأن تسلم للمعنيين بالأمر بناء على طلبهم في أقرب وقت ممكن، نسخ من الوثائق المحجوزة بعد المصادقة على مطابقتها للأصول من طرف كاتب الضبط، ما لم يتعارض ذلك مع متطلبات خاصة.

    الفقرة الثانية : التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد

    نظمت ذلك المواد من 108 الى 116 وهي مستجدات جاء بها قانون المسطرة الجنائية الجديد واعتبرها طريقة للاستدلال ووسيلة للحصول على قرائن وأدلة لادانة المتهم، وقد منحت هذه الامكانية لقاضي التحقيق و الوكيل العام للملك مع هامش أوسع لقاضي التحقيق شريطة إصدار الأمر كتابة و تضمين الأمر جميع العناصر بالمكالمات المراد التقاطها ثم تحديد الجريمة التي تبرر هذا الاجراء .

    أوامر قاضي التحقيق

    يقوم قاضي التحقيق بتصريف اشغاله عن طريق اصدار مجموعة من الأوامر تتعلق بالأشخاص وبعضها بالأشياء، لكنها تبقى قابلة للطعن أمام الغرفة الجنحية لمحكمة الإستئناف .

    إجراءات وأوامر التحقيق المتعلقة بالأشخاص والاشياء

    الإجراءات والأوامر المتعلقة بالأشخاص

    نعني بالأشخاص مختلف الاطراف المتدخلة في التحقيق الاعدادي من متهم و متضرر وشهود حيث يخضع كل واحد منهم لمسطرة خاصة أمام قاضي التحقيق .

    الفقرة الاولى : إجراءات استنطاق المتهم

    بمجرد استقبال المتهم من طرف القاضي تبدأ مجموعة من الاجراءات، واستنطاق المتهم هو من أهم مراحل التحقيق الاعدادي لأنها تشهد مواجهة المتهم بالتهم المنسوبة إليه وما قد يتبع ذلك من إجراء مواجهة بينه وبين المشتكي وقد نظم المشرع إجراءات استنطاق المتهم ومقابلته ضمن الباب 7 من القسم 3 من ق م ج، حيث تتمثل مرحلة الاستنطاق في 3 مراحل : مرحلة الاستنطاق الابتدائي، مرحلة الاستنطاق التفصيلي، مرحلة مواجهة المتهم مع الغير. والاستنطاق هو إجراء يجريه قاضي التحقيق عن طريق طرح مجموعة من الاسئلة وتلقي أجوبة عنها ومحاولة استطلاع رأي المتهم باعتباره محور الحقيقة و قريبا من ملابسات الجريمة .

    • الاستنطاق الأولي:

    أ- مثول المتهم أمام قاضي التحقيق لأول مرة: بالاستنطاق الأولي أو الابتدائي حسب مفهوم المادة 134 من ق.م.ج، يتم خلال المرحلة الأولى التي يمثل فيها المتهم لأول مرة أمام قاضي التحقيق، إما بناء على ملتمس النيابة العامة بإجراء التحقيق معه أو على إثر شكاية مباشرة مصحوبة بالادعاء المدني مقدمة ضده من طرف المتضرر، ويتعين على قاضي التحقيق خلال هذا الاستنطاق، أن يتأكد من هوية المتهم عندما يحضر لأول مرة أمامه، وذلك بالتحقيق من كافة المعلومات الشخصية للمتهم، كما يمكن إخضاع المتهم لفحص طبي عند الحاجة، وعلى إثر ذلك مباشرة يجب على قاضي التحقيق أن يشعر المتهم بأن له الحق في أن يختار محاميا، أو يعينه لو بصفة تلقائية، وعند الانتهاء من استنطاق المتهم، يقرر قاضي التحقيق بشأن تركه في حالة سراح أو اعتقاله احتياطيا أو وضعه تحت المراقبة القضائية، واذا قرر القاضي ترك المتهم في حالة سراح فإنه ينبهه إلى وجوب إخباره بكل تغيير لعنوانه، ويمكن للمتهم أن يختار محلا للمخابرة معو داخل دائرة المحكمة الجاري بها التحقيق.

    ب- حضور المحامي: لا يجوز سماع المتهم ولا الطرف المدني أو مواجهتهما إلا بحضور محامي كل منهما أو بعد استدعائه، إلا إذا تنازل المتهم أو الطرف المدني عن حقه في حضور دفاعه.

    • الاستنطاق التفصيلي:

    يقصد بالاستنطاق التفصيلي الاستنطاق الذي يقوم به قاضي التحقيق للمتهم بعد انتهاء المرحلة الأولى المسماة الاستنطاق الابتدائي، ويركز القاضي في هذه المرحلة على تدقيق بحثه في كافة الأفعال المنسوبة إلى المتهم، ولو أن يوجه إليه أسئلة مختلفة وينصب على التفاصيل والجزئيات التي من شأنها جمع الأدلة الكافية للوصول إلى الحقيقة، ويمكن ان يشمل الاستنطاق التفصيلي أكثر من جلسة واحدة، وقبل الشروع فيه، يتعين على القاضي أن يستدي محامي المتهم بواسطة رسالة مضمونة الوصول توجه إليه قبل استنطاق المتهم بيومين على الأقل، ويجب ان يوضع ملف القضية رهن إشارته قبل الاستماع إلى موكله بيوم واحد على الأقل. وكما هو الشأن بالنسبة لكافة الأعمال القضائية، يتعين أن يتم كل استنطاق وكل مواجهة في حضور كاتب الضبط الذي يشهد على كل ما يتم أمامه في محضر.

    • المواجهة:

    يقصد بالمواجهة إجراء مقابلة بين شخصين أو أكثر من الشهود أو المتهمين، لبيان ما اختلف فيه الشهود قصد تقييم شهادتهم، وتمكين قاضي التحقيق من تكوين قناعته للأخذ بما يراه موافقا للأدلة التي بين يديه، وبالتالي عرض هذه الأقوال على المتهم ليقرها أو يطعن فيها.

    الفقرة الثانية : إجراءات الاستماع إلى المطالب بالحق المدني

    وهو المتضرر من الجريمة مباشرة ويتم الاستماع إليه من طرف قاضي التحقيق على انفراد ثم إشعار محاميه ووضع ملف القضية أمامه كاملا بيوم قبل التحقيق على الأقل و قبل الاستنطاق بيومين كاملين على الأقل برسالة مضمونة أو بإشعار يسلم إليه مقابل وصل .

    الفقرة الثالثة : الاستماع إلى الشهود وإجراء خبرة

    أولا : شهادة الشهود

    نظمت ذلك المواد من 117 الى 133 ويمكنه استدعاء اي شاهد للاستماع وفق الاحكام التالية :

    • الاستدعاء بواسطة أحد أعوان القوة العمومية أو المفوضين القضائيين أو برسالة مضمونة أو بالطريقة الادارية أو الحضور بمحض ارادتهم

    • في حالة عدم حضوره يوجه إليه استدعاء ثان برسالة مضمونة أو باستدعاء يبلغ بصفة قانونية بواسطة عون التبليغ أو مفوض قضائي أو بالطريقة الادارية

    • اذا امتنع مرة ثانية يجوز لقاضي التحقيق وبملتمس من النيابة العامة إجبار الشاهد على الحضور بواسطة القوة العمومية مع غرامة ما بين 1200 و 12000 درهم

    هكذا يدلي الشهود بشهادتهم فرادى أمام قاضي التحقيق في غياب المتهم وبحضور كاتب الضبط، وبعد الانتهاء تتلى عليه ويوقعها أو يبصم عليها

    ثانيا : قانون حماية الشهود

    منح المشرع بموجب قانون 10/37 الشاهد مجموعة من التدابير الحمائية

    • الاستماع شخصيا إلى الشاهد

    • إخفاء هوية الشاهد في المحاضر والوثائق

    • تضمين هوية مستعارة أو غير صحيحة ضمن المحاضر والوثائق

    • وضع رقم هاتف هاص بالشرطة رهن إشارة الشاهد

    • اخضاع الهواتف التي يستخدمها لرقابة السلطات بعد موافقة المعني كتابة

    • توفير حماية جسدية للشاهد وأفراد اسرته من طرف القوة العمومية

    ثالثا : الخبرة

    يمكن لقاضي التحقيق أن ينتدب خبيرا تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو من أحد الاطراف، الخبير يمارس مهمته تحت مراقبة قاضي التحقيق وقد أدخلهم القانون 10/37 ضمن لائحة المشمولين بالتدابير الحمائية .

    الخبرة وسيلة من وسائل الإثبات المباشرة التي يلجأ بواسطتها القضاء إلى الغير للاستعانة به في امور تقنية يستعصي عليه معرفتها من أجل الوصول إلى الكشف عن الحقيقة، وبما أن الخبرة وسيلة إثبات فقد نصت المادة 195من ق.م.ج، أن يختار الخبير المنتدب من بين الخبراء المسجلين بجدول الخبراء القضائيين، واذا تعذر ذلك، وتم تعيين خبير من خارج الجدول، فيجب عليه أن يؤدي اليمين المنصوص عليها في المادة 345 من ق.م.ج أمام قاضي التحقيق.

    ويمكن للنيابة العامة والأطراف اختيار خبراء مساعدين يعينهم قاضي التحقيق لمؤازرة الخبير المعين، ويشمل التقرير الذي ينجزه الخبير ذكر الاشياء المختومة التي تم فتحها أو أعاد فتحها، واحصاء الأشياء التي فتحت أختامها من طرفه، ويتضمن أيضا ملخصات للتصريحات التي قد يدلى بها إلى الخبير، من أجل قيامه بمهامه، ةمعلوم أنو يمكن للخبير أن يتلقى على سبيل الإخبار فقط، تصريحات أشخاص آخرين غير المتهم، ويتم إمضاء التصريحات من قبل المصرح، ويوقع الخبير على التقرير بعدما يضيف إليه تحفظات الخبير المساعد إن وجدت ويقدمها في شكل مذكرة، ويودع التقرير المنجز لدى كتابة الضبط مقابل إشهاد، وفي حالة تعدد الخبراء واختلفت آراؤهم، أو كانت لهم تحفظات في شأن النتائج المشتركة، فإن كل واحد منهم يقوم بتوضيح رأيه في التقرير المشترك ويبدي تحفظاته مع تعليمها.

    رابعا : المواجهة

    فيواجه المتهم مع المطالب بالحق المدني أو بالشهود، وتنصب على النقط التي تضاربت فيها الأقوال بينهم، هكذا يستطيع قاضي التحقيق استجلاء الغموض الذي قد يعتري الحقيقة .

    الأوامر المتعلقة بالأشخاص

    من أجل التحكم في إجراءات وآماد التحقيق الاعدادي خول المشرع لقاضي التحقيق مجموعة من الاجراءات

    الفقرة الاولى : أوامر المثول أمام قاضي التحقيق

    لكنها مقيدة كونها تمس بحرية الشخص ويحكم اللجوء إليها خطورة الفعل والمتهم

    أولا : الأمر بالحضور

    عرفته المادة 144 ” إنذار المتهم بالحضور أمام القاضي في التاريخ والساعة المبينين في نص الامر ” وفي حالة عدم امتثال المتهم للحضور يلجأ قاضي التحقيق إلى القوة. وهو بذلك شبيه بالاستدعاء الذي توجيه المحكمة، ولا يقيد حرية المتهم، ويبلغ هذا الأمر بواسطة عون قضائي للشرطة القضائية، وعلى قاضي التحقيق أن يستنطق المتهم بمجرد حضوره، ويحق للمحامي أن يحضر إلى جانب المتهم خلال الاستنطاق.

    ثانيا : الأمر بالإحضار

    عرفته المادة 146 ” هو الأمر الذي يعطيه قاضي التحقيق للقوة العمومية لتقديم المتهم أمامه في الحال ” هكذا يوكل قاضي التحقيق تنفيذه إلى أحد الضباط أو أعوان الشرطة القضائية . لكن تختلف طرق التبليغ وتنفيذ الأمر بالإحضار تبعا لوضعية المتهم .

    • حالة المتهم الحر : حيث يجبر على الحضور بواسطة القوة العمومية

    • حالة المتهم المعتقل : قد يكون المتهم معتقلا على ذمة قضية اخرى، فيصدر قاضي التحقيق أمرا بإحضاره وفي هذه الحالة أوكل القانون إلى مدير المؤسسة السجنية مهمة تبليغ الأمر بالإحضار إليه ، اذا كان السجن بالنفوذ الترابي لقاضي التحقيق فالأمر ينفذ كما هو الشأن لنقل المعتقلين الاحتياطيين إلى المحكمة أما إذا كان خارجها فيتم ترحيله إلى السجن الكائن بنفوذ قاضي التحقيق.

    ثالثا : الأمر بإلقاء القبض

    عرفته المادة 154 ” هو الأمر الصادر للقوة العمومية بالبحث عن المتهم ونقله إلى المؤسسة السجنية المبينة في الامر حيث يتم تسليمه واعتقاله فيها ” فيبقى المتهم رهن الاعتقال الاحتياطي وبقائه رهن اشارة قاضي التحقيق على هذه الحالة .

    الفقرة الثانية : أوامر احترازية للتحقيق

    أولا : الوضع تحت المراقبة القضائية

    عالجها المشرع في المواد 159 الى 174 وهو تدبير استثنائي يعمل به في الجنايات والجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية، ويمكن لقاضي التحقيق اتخاذ هذا التدبير في أي مرحلة من مراحل التحقيق شريطة أن لا تتجاوز مدته شهرين قابلة للتجديد 5 مرات .

    يعتبر الوضع تحت المراقبة القضائية من أهم إجراءات التحقيق المتعلقة بشخص المتهم، فهو بديل للاعتقال الاحتياطي، إلا انو يختلف عن الاعتقال الاحتياطي لأنه يبقى مجرد تدبير، ولأنه يتيح له أن يبقى حرا، والمشرع اعتبر المراقبة القضائية تدبيرا استثنائيا لا يعمل به إلا في الجنايات أو الجنح المعاقب عمليها بعقوبة سالبة للحرية. وتتجلى تدابير المراقبة القضائية في الالتزامات التالية:

    • عدم مغادرة الحدود الترابية المحددة من قبل قاضي التحقيق.

    • عدم التغيب عن المنزل أو المسكن الذي يحدده قاضي التحقيق، إلا وفق الشروط والأسباب التي يقررها القاضي نفسه.

    • عدم التردد على بعض الأمكنة التي يحددها القاضي.

    • إشعار القاضي بكل تنقل خارج الحدود التي يعينها.

    • تقديم الوثائق المتعلقة بالهوية ولا سيما جواز السفر مقابل وصل.

    • المنع من الاتصال ببعض الأشخاص المحددين على وجو الخصوص من طرف قاضي التحقيق.

    • عدم مزاولة بعض الانشطة ذات طبيعة مهنية أو اجتماعية ما عدا المهام الانتخابية أو النقابية.

    ويشترط لاتخاذ هذه التدابير:

    • أن تكون الجريمة قد ارتكبت أثناء ممارسة نشاط مهني أو بمناسبته.

    • وجود خشية من ارتكاب جريمة جديدة لها علاقة بماشرة النشاط المعني.

    • إشعار المشغل أو السلطة الإدارية التي يتبع لها المتهم.

    ثانيا : الاعتقال الاحتياطي

    نظمت ذلك المواد من 175 الى 188، كذلك هو تدبير يعمل به في الجنايات والجنح السالبة للحرية مع احترام المدد التي حددها المشرع في شهر واحد للجنح قابلة للتمديد مرتين ولنفس المدة و شهرين في الجنايات قابلة للتمديد 5 مرات ولنفس المدة .

    الاعتقال الاحتياطي تدبير سالب للحرية يرمي إلى وضع المتهم في السجن، ويصدر على شكل أمر بالإيداع في السجن إذا كان المتهم حاضرا، أو أمر بإلقاء القبض عميه، ويبلغ فورا للمتهم والنيابة العامة بنفس الطريقة التي يبلغ بها الأمر بالوضع تحت المراقبة القضائية، ويحق للمتهم أو دفاعه تسلم نسخة من الأمر بالاعتقال الاحتياطي، وتكون مدة الاعتقال في الجنايات شهرين اثنين، ويمكن لقاضي التحقيق أن يجدد هذا التدبير خمس مرات أخرى لنفس المدة، وأما في الجنح فإن مدة الاعتقال الاحتياطي هي شهر واحد، يمكن للقاضي ان يجددها مرتين لنفس المدة، ولا يتم التجديد إلا إذا تبين بعد نياهة الاعتقال الاحتياطي أن الضرورة تقتضي استمراره.

    ويمكن لقاضي التحقيق أن يأمر بالإفراج تلقائيا طبقا لشروط الفقرة الأولى من المادة 178من ق.م.ج أو بناء على طلب، بضمانة شخصية أو مالية او بدونهما، واذا منح الإفارج المؤقت بكفالة مالية فإنها تضمن عنصرين أساسيين:

    • ضمان حضور المتهم لإجراءات التحقيق وتنفيذ الحكم.

    • ضمان مصاريف الدعوى للطرف المدني، ثم المبالغ الواجب إرجاعها، والتعويض عن الضرر.

    ويدفع مبلغ الكفالة إلى صندوق كتابة ضبط المحكمة أو إلى القابض نقدا أو بواسطة شيك معتمد من طرف البنك، أو بواسطة شيك صادر عن محامي المتهم.

    ثالثا : الانابة القضائية

    وهي بمثابة تفويض قانوني من طرف قاضي التحقيق الاصلي إلى قاض آخر أو ضابط شرطة قضائية يخوله إحدى صلاحياته ليقوم مقامه بعمل من أعمال التحقيق، وبالإضافة إلى الطابع الاستثنائي للإنابة القضائية، فإنها لا يمكن أن تشمل كل صلاحيات قاضي التحقيق، وانما تقتصر على تكليف الجهة المنتدبة للقيام ببعض الإجراءات، كما أن قاضي التحقيق لا يمكنه أن يفوض لتلك الجهة إذا كانت هي الشرطة القضائية بعض صلاحياته مثل الاستماع إلى المتهم.

    نطاق الإنابة القضائية: تقتصر الإنابة القضائية على إجراء محدد من إجراءات التحقيق المتعلقة بالجريمة المشار إليها في المتابعة، ويتعين أن تتضمن تحديد الإجراءات المطلوب القيام بها، إذ لا يصح ان تكون عامة، ولا يصح أن تكون من أجل التحقيق في قضية لأكملها، ومن هذا المنطلق يمكن لقاضي التحقيق أن ينتدب قاض آخر، أو أي ضابط من ضباط الشرطة القضائية لإنجاز الإجراء، لكن ضباط الشرطة القضائية كما سبق وذكرنا لا يمكنهم استنطاق المتهم ومقابلته مع غيره، لذلك لا يحق لقاضي التحقيق انتدابهم لهذه الغايات.

    شروط صحة الإنابة القضائية: يجب لصحة الإنابة القضائية أن تكون صادرة عن قاض مختص ومكلف بالتحقيق في القضية التي صدرت بشأنها، وأن يكون مختصا من حيث المكان سواء هو أو ضباط الشرطة القضائية، واذا كانت الإنابة تتعمق بتنفيذ امر خارج دائرة نفوذ قاضي التحقيق، فإنه يعهد بالتنفيذ لقاض آخر من قضاة التحقيق أو الحكم بالدائرة التي سينفذ فيها الإجراء، ويتعين على القاضي المنتدب أن يشعر النيابة العامة التي تنفذ الإنابة القضائية في دائرتها، وتصدر هذه الإنابة القضائية في شكل امر مكتوب يشار فيه إلى نوع الجريمة موضوع التحقيق، وتحدد فيه الإجراءات المطلوب إنجازها.

    الأوامر المتعلقة بسير وانتهاء التحقيق

    عدم الاختصاص – عدم المتابعة – الاحالة على المحكمة

    الاوامر الخاصة بالسحب

    ينصب السحب على مجموعة من الوثائق التي تقيد حرية المتهم وبالتالي إبقائه رهن إشارة قاضي التحقيق، نعني بذلك سحب جواز السفر واغلاق الحدود وسحب وثائق أخرى .

    الفقرة الاولى : سحب الوثائق

    اولا : سحب جواز السفر وإغلاق الحدود

    تجنبا لفرار المتهم ومغادرته البلاد، أما إغلاق الحدود لأن بعض الاشخاص يتوفرون على جوازين للسفر جواز سفر بالبلد الذي ينتمي اليه وجواز سفر بالبلد المقيم به وبالتالي سحب جواز السفر الوطني لا يحول دون استخدام الجواز السفر الثاني .

    ثانيا : الأمر بسحب بعض الوثائق الاخرى

    سحب رخصة السياقة

    الفقرة الثانية : الأوامر الخاصة بالارجاع

    يتعلق الأمر بإرجاع حيازة العقارات المغتصبة أو المترامى عليها بعد الحكم والتنفيذ وكذا رد الاشياء المحجوزة إلى أصحابها متى لم تكن لازمة لسير الدعوى .

    أولا : الأمر بإرجاع الحيازة

    وفقا للمادة 142 ” وله أي قاضي التحقيق متى قامت دلائل كافية على جدية الاتهام في جرائم الاعتداءات على الحيازة أن يأمر بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه “

    ثانيا : الامر برد الاشياء

    طبقا للمادة 142 يتم رد الاشياء التي تم ضبطها خلال التحقيق لمن له الحق فيها بشرط :

    • عدم وجود منازعة جدية

    • ما لم تكن لازمة لسير الدعوى

    • ما لم تكن خطيرة

    • ألا تكون محلا للمصادرة

    ثالثا : الأمر ببيع المحجوزات

    تخضع للبيع في المزاد العلني تحت اشراف قاضي التحقيق ويتم ايداع المبالغ في صندوق الايداع والتدبير إلى حين مطالبتها من طرف ذوي الحقوق خوفا من فسادها أو تلفها كالخضر والفواكه .

    الأوامر القضائية بانتهاء التحقيق

    عندما يقرر قاضي التحقيق انتهاء التحقيق يقوم بتوجيه الملف بجميع أوراقه بعد ترقيمها من طرف كاتب الضبط إلى النيابة العامة قصد اطلاعها عليه ووضع ملتمساتها داخل أجل 8 أيام من تاريخ توصلها بالملف، ولا يمكن إصدار الاوامر بانتهاء التحقيق إلا بعد التوصل بملتمسات النيابة العامة ثم يوجه قاضي التحقيق إلى المتهم أو محاميه أو المطالب بالحق المدني رسالة إشعار بهذا الامر خلال 24 ساعة من أمر انتهاء التحقيق .

    الفقرة الاولى : الأوامر القضائية بانتهاء البحث

    أولا : الأمر بعدم الاختصاص

    بعد اطلاعه على الافعال المعروضة عليه واذا اتضح له أنها لا تدخل ضمن اختصاصه فإنه يصدر أمرا بعدم الاختصاص، وتكييف الافعال المحالة عليه واعتبارها خارجة عن اختصاصه تخضع لسلطته التقديرية وفي هذه الحالة يصدر أمرا بذلك ويحيل ملف القضية على النيابة العامة داخل أجل 8 أيام من صدور الأمر بعدم الاختصاص، ويترتب على ذلك آثار قانونية تتمثل في احتفاظ الاجراءات التي أنجزها قاضي التحقيق بمفعولها القانوني كما تحتفظ الأوامر التي سبق أن أصدرها ضد المتهم بقوتها التنفيذية، ذلك ان كل ما في الأمر عبارة عن نقل القضية من الجهة غير المختصة إلى الجهة صاحبة الاختصاص .

    ثانيا : الامر بعدم المتابعة

    المادة 216 من ق م ج حددت الاسباب التي على أساسها يصدر قاضي التحقيق أمرا بعدم المتابعة و هي :

    • اذا اتضح لقاضي التحقيق أن التهم المنسوبة للمتهم لا توصف بأي وصف جرمي عملا بقاعدة الشرعية الجنائية لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص

    • اذا اتضح أن الافعال المنسوبة للمتهم تتصف بالصفة الجرمية لكن التحقيق لم يسفر عن اي دليل لتوجيه الاتهام إلى المتهم

    • اذا زالت الصفة الجرمية بعد صدور قانون جديد

    • عندما تفشل الابحاث في تحديد هوية الفاعل فيظل مجهولا

    وتترتب على الامر بعدم المتابعة عدة آثار نجملها في ما يلي :

    • إفراج قاضي التحقيق عن المتهمين المعتقلين ما لم يكونوا معتقلين لسبب آخر

    • البت في رد الاشياء المحجوزة

    • البت في مصاريف الدعوى

    • انتهاء الامر بالوضع تحت المراقبة القضائية

    • إمكانية نشر القرار بعدم المتابعة

    • سقوط التهم الموجهة إلى المتهم ولا يمكن متابعته من أجل نفس الافعال من جديد الا إذا ظهرت أدلة جديدة طبقا للمادة 228

    ثالثا : الأمر بالإحالة على المحكمة

    هذا الأمر يرمي إلى توجيه الاتهام إلى المتهم وإحالته على الغرفة القضائية المختصة والتي تختلف بحسب نوع و درجة التهمة، مما يستدعي بالضرورة التمييز بين الاحالة على غرفة الجنح بالمحكمة الابتدائية والاحالة على غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الإستئناف، فحسب مقتضيات المادة 83 في حالة المخالفة يحال الملف على النيابة العامة والامر بالوضع تحت المراقبة القضائية وبالإفراج عن المتهم وتتولى النيابة العامة مراعاة قواعد الاختصاص في المخالفات، أما في حالة الجنحة يصدر أمرا بإحالة المتهم على غرفة الجنح الابتدائية ويبت في شأن الاعتقال الاحتياطي والامر بالوضع تحت المراقبة القضائية ويحيل ملف القضية على وكيل الملك، أما بخصوص الجناية فيحال الملف على غرفة الجنايات بمحكمة الإستئناف و يحيل الملف على الوكيل العام .

    الفقرة الثانية : استئناف أوامر قاضي التحقيق

    نظم المشرع استئناف أوامر قاضي التحقيق في المواد 222 إلى 227 ويحق لكل أطراف التحقيق ممارسة حق استئناف هذه الاوامر دون الطعن فيها بالنقض، فيكون استئناف أوامر قاضي التحقيق من طريق النيابة العامة أو المتهم أو المطالب بالحق المدني .

    ةيجب التمييز بالنسبة لأوامر قاضي التحقيق القابلة للطعن بالاستئناف بين النيابة العامة من جهة، والمتهم من جهة أخرى، والطرف المدني من جهة ثالثة:

    بالنسبة للنيابة العامة : الأصل أن كل أوامر قاضي التحقيق تقبل الطعن بالاستئناف من طرف النيابة العامة، ما عدا الأوامر الصادرة بإجراء خبرة طبقا لممادة 196من ق.م.ج.

    بالنسبة للطرف المدني: يمكنه أن يستأنف الأوامر بعدم إجراء التحقيق، وبعدم المتابعة، وبعدم الاختصاص، والأوامر التي تمس مصالحه المدنية.

    بالنسبة للمتهم: فيمكنه استئناف جميع الأوامر المنصوص عميها في المادة 223 من ق.م.ج.

    وبالرجوع للمادة 228 من ق.م.ج نجدها تسمح بإعادة التحقيق في حالة ظهور أدلة جديدة، والأدلة الجديدة المعتبرة لإعادة التحقيق هي شهادة الشهود، والمستندات والمحاضر التي لم يكن في الإمكان عرضها على قاضي التحقيق لدراستها، والتي يكون من طبيعتها أن تعزز الأدلة التي تبين أنها ضعيفة، ويتعين أن يقدم طلب إعادة التحقيق مدعما بالأدلة الجديدة إلى النيابة العامة التي لها وحدها الحق في تقرير ما إذا كان هناك موجب لالتماس إعادة التحقيق بسبب ظهور أدلة جديدة ام لا، وفي حالة الإيجاب فإنها تقدم ملتمسا بذلك إلى قاضي التحقيق.

    الفقرة الثالثة : بطلان إجراءات التحقيق

    يعتبر ضمانة أساسية أقرها القانون من أجل حماية المشروعية المتعلقة بإجراءات التحقيق إذا ما خالفت القواعد الشكلية والموضوعية التي حددها المشرع وأوجب على قاضي التحقيق اتباعها .

    أولا : حالات إثارة البطلان

    • البطلان القانوني : نصت عليه المادة 210 وحددت طبيعة الاجراءات التي يتعين على الاخلال بإحداها البطلان وهي :

    • مخالفة مقتضيات المادتين 134 و 135 المتعلقة بعدم اشعار المتهم أول مرة بحقه في تنصيب محام أو عدم إشعاره بحريته في الادلاء بتصريحات أو عدم الادلاء بها

    • مخالفة مقتضيات المادة 139 بخصوص الاستماع للمتهم أو الطرف المدني أو مواجهتهما بحضور دفاعهما إلا إذا تنازلا عن ذلك.

    • مخالفة مقتضيات المواد 59-60-62 المتعلقة بالتفتيش والحجز

    • البطلان القضائي : أشارت إليه المادة 212 ” يترتب البطلان عن خرق المقتضيات الجوهرية للمسطرة اذا كانت نتيجتها المساس بحقوق الدفاع لكل طرف من الاطراف “

    ثانيا : الجهات المقرر لها حق اثارة البطلان

    منح المشرع حق إثارة البطلان إلى خمس جهات مددتها المادة 211 من ق م ج وهي :

    • قاضي التحقيق نفسه

    • النيابة العامة

    • المتهم ودفاعه

    • المطالب بالحق المدني و دفاعه

    • الغرفة الجنحية

    وتحال حالات البطلان طبقا للمادة 211 من ق.م.ج على الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف التي تقرر ما إذا كان البطلان مقصورا على الاجراء الفاسد أو يمتد إلى الإجراءات اللاحقة كلا أو بعضا، وتسحب من ملف التحقيق وثائق الإجراءات التي أبطلت، وتحفظ بكتابة الضبط بمحكمة الاستئناف، ولا يمكن الرجوع إليها لاستخلاص أدلة ضد الأطراف في الدعوى.

    المادة 211 : ” إذا ظهر لقاضي التحقيق أن إجراءًا من إجراءات التحقيق معرض للبطلان، فعليه أن يحيله إلى الغرفة الجنحية للبت فيه بعد استشارة النيابة العامة وإخبار المتهم والطرف المدني. إذا ظهر للنيابة العامة أو للمتهم أو للطرف المدني أن إجراءًا مشوبا بالبطلان قد اتخذ، فلهم أن يطلبوا من قاضي التحقيق أن يوجه ملف الدعوى إلى النيابة العامة لإحالته إلى الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف رفقة الطلب الذي يبينون فيه أسباب البطلان خلال خمسة أيام. تقرر هذه الغرفة ما إذا كان يجب أن يقتصر البطلان على الإجراء المقصود أو يمتد كلا أو بعضا للإجراءات اللاحقة.”

    📗 خلاصة الباب

    • ⚠ محور متأثر جذريا بالقانون 03.23 (نافذ منذ 8 دجنبر 2025) — راجع التنبيه في مطلع المحور. التحقيق الإعدادي مرحلة قضائية يتولاها قاضي التحقيق أو الغرفة الجنحية، تهدف لجمع الأدلة والتثبت من نسبة الجريمة للمتهم قبل إحالته على المحكمة.
    • يتميز التحقيق الإعدادي بخصائصه القضائية والاستقلالية والتفتيشية والعينية، ويكون إلزاميا في جنايات معينة واختياريا في غيرها وفق النص القديم — وقد بدّل القانون 03.23 هذه القاعدة جوهريا كما هو مبيَّن في التنبيه.
    • يملك قاضي التحقيق سلطة إصدار أوامر متعددة تخص الأشخاص (الحضور، الإحضار، إلقاء القبض، الوضع تحت المراقبة القضائية أو الاعتقال الاحتياطي) والأشياء (التنقل، التفتيش، الحجز، الإرجاع)، وينهي التحقيق بأمر بعدم الاختصاص أو عدم المتابعة أو الإحالة على المحكمة.

    ◀ الفصل السابق: النيابة العامة 36-51

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: الاختصاص

  • الباب الخامس: الاتجاه الاجتماعي في تفسير السلوك الإجرامي

    📖 علم الإجرام — الفصل 6 من 8 — فهرس الكتاب

    الاتجاه الاجتماعي

    يعطي هذا الاتجاه للعوامل الاجتماعية الأهمية القصوى والمطلقة في خلق الجريمة وكل افكاره ونظرياته متقاربة سنتناولها من زاويتين أساسيتين ، نظرية التركيب الاجتماعي أو الهيكل الاجتماعي ويندرج تحت نظرية الهيكل الإجتماعي خمسة نظريات هي:1- نظرية الصراع ، 2- نظرية اللانظام، 3- النظرية الإقتصادية ، 4- النظريه البيئية ، 5- النظرية العرقية ، ثم نظرية الكيفية الاجتماعية تعنى ببيان الميكاتيزم الذي يصير من خلاله الشخص مجرماً ، ومن أهم النظريات التي قيل بها في هذا الشأن: نظرية التقليد و نظرية الاختلاط الفارق .

    نظرية التركيب الاجتماعي سيلين : أو الهيكل الاجتماعي ، تحاول الربط بين السلوك الاجرامي وبين هيكل وتنظيم المجتمع أو التركيب المجتمعي و سنتحدث هنا عن صراع الثقافات وهو وجود تعارض وتناقض بين قيم ومبادئ وثقافات معينة تسود مجتمعين وهذا الأمر يتخذ صورتين :

    التنازل الاصلي الخارجي : يحصل عند تصادم ثقافة وقيم ومبادئ مجتمع مع ثقافة وقيم ومبادئ مجتمع آخر ، أي مجتمعين منفصلين مختلفين . مثال ذلك مهاجر عربي في الغرب قام بجريمة للدفاع عن شرف ابنته ظنا منه أن هذه الجريمة ستلقى قبولا من المجتمع الغربي بحكم ثقافته العربية لكن الواقع أن ثقافة المجتمع الغربي تتقبل الحرية الجنسية ، وكذلك في حالة سب الرسول صلى الله عليه وسلم فهي بالنسبة إليه جريمة وهي بالنسبة إلى المجتمع الغربي حرية تعبير .يقول سيلين إن سبب الجرائم هو تعارض وتضارب الثقافات لمجتمعات مختلفة لاستحالة الجمع والاندماج والتعايش بين مجتمعين مختلفين .

    التنازع الثانوي الداخلي : حين يحصل التصادم بين ثقافتين مختلفتين داخل مجتمع واحد ، المجتمع الأمريكي نموذجا ، أو اللبناني ، حيث يسود تناقض بين ثقافات متعددة لأن المجتمع الأمريكي هو خليط بين ثقافات متعددة يؤدي إلى اضطراب اجتماعي ويؤدي إلى عدم التعايش بين الفئتين مما يؤدي إلى ارتكاب الجريمة لتمسك كل فئة بثقافتها وترفض ثقافة الآخر .

    تقييم نظرية سيلين :

    قد اصابت جزءا من الحقيقة لكن في نفس الوقت أخفقت وفشلت فشلا ذريعا في إعطاء تفسير للظاهرة الاجرامية حيث ركزت على العنصر الاجتماعي فقط وعلى نوع الجرائم التي تقع بسبب تنازع الثقافات مثل الجرائم ضد الاجانب لكنها لم تفسر لنا باقي الجرائم الأخرى كالسرقة والقتل حيث لا يوجد أن تنازع بين الثقافات .

    نظرية التركيب الاجتماعي تعتمد في شرحها وتفسيرها للظاهرة الاجرامية على تركيبة أو هيكل المجتمع ، هذا الاتجاه يرفض ربط الظاهرة الاجرامية بالذات سواء من الجانب البيولوجي أو النفسي ويعتقد أن الجريمة تك من في اسباب خارجية بعوامل اجتماعية مختلفة ، وصعب على هذا الاتجاه أن يجد السبب الحقيقي المحض الذي يدفع الانسان للجريمة لتعدد الاسباب الاجتماعية

    نظرية اللانظام : دوركهايم

    هو عالم اجتماع خلص إلى العديد من النتائج ، يقول أن الجريمة هي ظاهرة حتمية في مجتمع معين وهي ظاهرة اجتماعية ولم يقل لها اسباب بيولوجية أو نفسين أو عقلية وإنما اجتماعية حيث يقول أنه لا يوجد مجتمع يخلو من الجريمة وأن كل مجتمع كيفما كان نوعه ومستواه الدراسي والعلمي والثقافي لديه إجرام وأنه من المستحيل وجود مجتمع بلا جريمة ، فيستحيل أن يكون جميع الناس أخيارا صالحين فمن الضروري أن يتواجد أناس اشرار ، فالجريمة إذه حسب دوركهايم هي ظاهرة عادية طبيعية عادية ترتبط بوجود نظام مجتمعي ، فالجريمة تساوي المجتمع والمجتمع يساوي الجريمة ، وبما أنها ظاهرة طبيعية فلا يجب أن نبحث عن اسباب الجريمة في التكوين النفسي والعقلي أو البيولوجي ورفض ربط السلوك الاجرامي بتكوين المجرم بل قال أن الجريمة سلوك يكتسبه الانسان من المجتمع الذي يعيش فيه باعتباره كائنا اجتماعيا فيه فالمجتمع هو الذي يصنع الجريمة من خلال ما يجرمه من افعال وسلوكات ، وقال بأن الجريمة هي ظاهرة طبيعية وصحية لإحداث التغيير الاجتماعي وبدون جريمة سيصاب المجتمع بالركود فالجريمة حسب دوركهايم ظاهرة مفيدة لتطور القانون والأخلاق في المجتمع وهي أمارة من أمارات تطور وتقدم المجتمع ، ثم قال إن الجريمة هي دليل على الحرية الموجودة في هذا المجتمع ، ثم يؤكد أن القانون الجنائي هو انعكاس لنوع النظام السائد في المجتمع ونعرف ذلك من خلال نوع العقوبات كتواجد العقوبات البديلة ومراكز الاصلاح والتأهيل والادماج ، فالمجتمعات البدائية مثلا كان قانونها الجنائي صارما وحشيا دمويا لا يعرف هذه العقوبات الحضارية ولا يعرف ثقافة إصلاح وإدماج المجرم بل يفكر فقط كيف يعاقب .

    إذن حسب دوركهايم الجريمة ظاهرة مفيدة في المجتمع تساعد على تغير المجتمع وتطوره وتطور قوانينه ، فإذا قلت الجريمة في مجتمع ما فإن هذا المجتمع في خطر والخطر القادم أكبر من خطر وقوع الجريمة ، فيجب أن تسيل الدماء ليتكلم المجتمع ويقوم المشرع بتشريع القوانين والقضاء بتطبيقها وتدور الدائرة ، والفائدة الأخرى أن المجتمع يتغير حينما تظهر الجريمة ويتغير النظام أيضا ، فيمكن القول أن دوركهايم أعطى للجريمة أبعادا أخرى ونظرة جديدة حيث اعتبر الجريمة ظاهرة مفيدة صحية وضرورية لتغيير المجتمع والنظام السائد .

    كل النظريات في علم الاجرام التي سبقت دوركهايم كـ لمبروزو ، فرويد ، سيلين ، فسروا الجريمة كأنها ظاهرة غير صحية وتعبر عن مرض أو خلل ما ، لكن دوركهايم اعتبر الظاهرة طبيعية عادية صحية بل واعتبرها مفيدة للمجتمع من أجل تطوره قانونيا وأخلاقيا وقال بأنه ت فاجأ من دراسته ولم يكن يعلم أنه سيصل إلى هاته النتيجة ، وهو يجزم أن الجريمة مهما تنوع المجتمع ستبقى موجودة لأنه من المستحيل أن يتماثل الجميع للنظام فمن الطبيعي أن يخرج البعض عن النظام والتركيبة الاجتماعية .

    اللانظام أو اللاقانون عند دوركهايم : يقول دوركهايم بأن أهم تركيبات المجتمع تكمن في تماسكه ونظامه الاجتماعي بين أعضائه وهو ما يشكل الضمير الجماعي للمجتمع وخلص إلى أن هناك نوعين من التضامن آلي و عضوي .

    التضامن الآلي : كان يسود المجتمعات البدائية حيث كان يسود ضمير اجتماعي آلي متماسك متضامن اجتماعيا تحكمه القواعد القانونية السائدة ، وكان المجتمع يفرض جزاء ماديا إذا تم الاخلال بهذه القواعد ، ومن شأن هذا الجزاء تهذيب السلوك وضمان احترام التضامن الاجتماعي في المجتمع ، ويبدو أن فكرة دوركهايم عن المجتمعات البدائية كانت تقوم على التضامن حيث كانت مجتمعات زراعية ، وهو عكس لامبروزو الذي ينظر إليها على أنها مجتمعات متوحشة وأن الانسان البدائي إنسان متوحش فـ دوركهايم يعتقد أن المجتمعات البدائية كانت مجتمعات متماسكة متضامنة يسود بينها ضمير متحد متماسك ، سماه التضامن الآلي الاجتماعي ، وهذا التضامن يسوغه ذلك المجتمع على شكل قواعد قانونية ويفرض جزاء على من يخالف هذه القواعد و يكون جزاء رادعا ، إذن هي مجتمعات بدائية متضامنة تقل فيها معدلات الجريمة ويسود فيها نوع من الوحدة .

    التضامن العضوي : يسود المجتمعات الحديثة ، القائمة على تقسيم العمل، فهي مجتمعات صناعية حيث تضعف فيها عوامل التضامن الاجتماعي التي كانت تعرفه المجتمعات الزراعية البدائية ، هذه العوامل آثرت على القانون الجنائي وعلى قيم المجتمع وعوامل التجانس والتعاون ، هذه الاختلالات في تكوين المجتمع سوف تؤثر على فلسفة القانون الجنائي حيث انتقل من مركز الاهتمام من الضمير الجماعي إلى الضمير الفردي ، واصبح القانون الجنائي يهتم بتعويض المجني عليه أكثر من اهتمامه بإلحاق العقوبة بـ الجاني ، فالقانون البدائي كان كل همه إلحاق العقوبة بالجاني بينما القانون الجنائي المعاصر تغلب عليه صفة تعويض المضرور ، وهو ما أدى إلى تراجع العواطف وإحساس الفرد بالعزلة المعنوية والاجتماعية الشيء الذي خلق اللانظام أو اللاقانون ، اي تحول المجتمع من مجتمع تضامني إلى مجتمع لانظامي ، من مجتمع قانوني إلى مجتمع لاقانون ، والفرد في مجتمع اللانظام واللاقانون يحس بالتمرد على هذه القيم الجديدة لأنه يحس على أنها لا تلبي حاجياته الأساسية مما يخلق لديه حالة من اللانظام أو اللاقانون ، هذه الوضعية يسهل فيها ارتكاب الجريمة ، هكذا تزداد الجريمة كلما انتقلنا من مجتمع زراعي متضامن إلى مجتمع صناعي .

    حاول دوركهيم أن يجعل من الموضوعية والعلموية والتجربة أهم مكونات نظريته السوسيولوجية بعيدا عن كل خطاب تاريخي أو فلسفي ، فآمن أن العلم هو مقياس كل شيء ولا جدوى للفلسفة في تفسير الواقع الاجتماعي ذي الطبيعة المركبة ، لهذا فقد أراد دوركهيم أن يؤسس علما جديدا هو السوسيولوجيا التي أرادها أن تكون على شاكلة العلوم الاخرى كالطب والفيزياء وقد واجه عقبات منهجية في معالجة الجريمة و دوافعها .

    كان أول عمل تميز به دوركهايم هو تحقيق القطيعة مع النزعة الفردية التي سيطرت على الاعمال الفكرية في القرن 18 وقد تميزت بكونها قطيعة معرفية ( ايبيستيمولوجية ) تنصرف الى دراسة الظواهر الاجتماعية ومدى تأثيرها في أفكار الفرد ، فهو لم يسلم بأن الفرد هو أساس تقييم الاشياء كما لم يسلم بأن المجتمع لا يتكون إلا من مجموع الافراد ، وخلص إلى وجود شيء آخر أطلق عليه الشيء الاجتماعي الذي يختلف عن سمات و مكونات كل فرد ، واعتقد بقوته التي تفوق مجموع قوات افراده وعبر عن ذلك بالضمير الجماعي ، وهو ما جعل دوركهايم يعتقد أن المجتمع وجد قبل الفرد وله الاولوية والاسبقية ، لذلك فتأثيره قوي على الفرد ، بل ويمارس نوعا من القهر والالزام على الافراد ، و يوجب عليهم أن يضعوا سلوكهم في قالب معين ، هكذا يشعر الفرد بقوة رادعة إذا ما أراد الخروج عن العرف الاجتماعي فيضطر للخضوع للقهر الاجتماعي وقد وضع دوركهايم مجموعة قواعد رأها أساسية في هذا العلم وهي :

    • تحديد موضع علم الاجتماع تحديدا لا يجعل هذا العلم يختلط بأية دراسة علمية أخرى واعتبار الظواهر على أنها مجرد أشياء . أي ان نلاحظ الظواهر الاجتماعية بتجرد و موضوعية ونكتشفها معرفة علمية مثلما نكتشف الظواهر الطبيعية دون تحيز .

    • أن يكون موضوع علم الاجتماع من الم وضوعات التي يمكن ملاحظتها وتفسيرها بالطرق العلمية

    • الدراسة العلمية للفعل الانساني لا يجب أن تقوم على أي حكم مسبق

    • يجب على الباحث أن يعمل للوصول الى صور متطابقة للحقائق متجنبا في ذلك كل تشويه ناتج عن ميولاته وأهوائه الخاصة .

    واعتقد دوركهايم بأن الجريمة حالة طبيعية وضرورية لكل مجتمع متفاعل و يجب أن نعترف بها كمتلازمة للمجتمع الذي ينشد التطور والبناء ، وفسرها بأنها مرض اجتماعي يقابله ظواهر سليمة و يجب قبول الجريمة على أنها تعبير له وظيفته الاجتماعية وهو ظاهرة عادية طبيعية لعدة أسباب :

    • وقوع الجريمة في المجتمعات ظاهرة مرضية عادية وتلازم اي مجتمع كيفما كان

    • تصبح غير عادية حين ترفتفع فوق المعدل المقرر لها

    • انخفاض الجريمة عن المتوسط يعتبر ظاهرة غير سوية وهو يدل على حالة قمع وقهر وخنق للتطور والابداع والابتكار

    • لا يمكن اعتبار الجريمة مرضية حينما لا تؤثر سلبيا في المهام الوظيفية للمجتمع حيث أنها من صفات المجتمع وتركيبته .

    كما تحدث دوركهايم على مفهوم الانومية أو اللامعيارية واعتبرها سببا للانحراف الاجتماعي و تعني حالة اللاقانون أو اللانظام الذي يجد الفرد نفسه فيها ويجد الفرد نفسه عاجزا عن تحقيق الرغبات الطبيعية التي بدونها لا يمكن للحياة أن تستقيم أي الحد الادنى من الرغبات الضرورية أي أن المجتمع لا يستطيع توفير الحاجيات والرغبات الضرورية للفرد فيدفعه للبحث عن هذه الرغبات عن طريق الجريمة نتيجة غياب معيار أو قاعدة يستند إليها في سلوكه السوي داخل المجتمع .

    تجدر الاشارة إلى أن دوركهايم لم يدافع عن الجريمة لضرورة وقوعها في المجتمع وإنما نادى بضرورة الحفاظ على الحالة العادية والسوية في المجتمع ، وعلل ارتكاب الجريمة طبقا لما تقتضيه المؤسساتية وماتلزمنا به الحياة الاجتماعية ولا يرى أي مانع من توقيع العقاب على المجرم الذي يمس الضمير الجماعي ويمكن أن يكون مجرد لوم في حالة مس خفيف به ، هكذا أسس دوركهايم مدرسته السوسيولوجية التي ستعرف امتدادات وتأثيرات تجاوزت حدود فرنسا إلى العالم الجديد .

    انتقاد نظرية دوركهايم

    رغم أهمية هذه النظرية إلا أنها تعرضت لعدة انتقادات حيث اتهم دوركهايم بتشجيع الجريمة ، كما أن الربط بين استمرارية الجريمة وكونها ظاهرة طبيعية أمرين غير متلازمين فاستمرارية الجريمة لا تعني أنها ظاهرة طبيعية ، وتساءل البعض إذا كانت الجريمة ظاهرة طبيعية لماذا أجهد دوركهايم نفسه في البحث عن اسبابها ، ثم أن نظريته ربطت بين الجريمة وتنظيم المجتمع ولم توضح لنا الكيفية التي يصبح بها الفرد مجرما ، وإذا كانت تركيبة المجتمع تجعل بعض الافراد مجرمين فلماذا لا يرتكب البعض الآخر الجرائم .

    نظرية روبرت ميرتون

    هو عالم أمريكي ، تأثر كثيرا بنظرية دوركهايم ، لكن ما يميزه هو محاولته الاجابة عن ما لم يجب عنه دوركهايم ، لماذا يركتب البعض الجريمة ولا يرتكبها البعض الآخر ، رغم وجودهم تحت نفس الظروف الاجتماعية ونفس التركيبة الاجتماعية .

    شكلت قفزة نوعية في الفهم العلمي لمشكلة السلوك المنحرف ، حيث تجاوز ميرتون العوامل المنعزلة والاهتمام بالبنية الاجتماعية وتناقضاتها ، واعتمد على نظرة متكاملة للمجتمع الامريكي ، لذلك انطلق من تحليل بنية المجتمع الامريكي ومحاولة معرفة الاسباب الحقيقية التي تدفع إلى الجريمة ، لذلك نجد ميرتون يصب كامل مجهوداته على البنية الاجتماعية و يحلل عناصرها ويدرس التفاعل الذي يحصل بين هذه العناصر وقد يؤدي إلى سلوكات متنوعة إما متمردة أو جانحة أو استسلامية ، وتوصل إلى حصر هذه الانماط السلوكية اعتمادا على مفهوم اللامعيارية الذي يجعل المجتمع بدون معيار يعتمد الناس عليه لتحقيق رغباتهم فيضطرون إلى الاجرام .

    لكن مفهوم الأنومية أو اللامعيارية عند ميرتون تختلف عن تلك التي عند دوركهايم ، حيث أنه يرجع سبب الجريمة إلى ردود فعل الفرد وتكيفه مع التناقضات التي تفرزها ثقافة المجتمع والمفاهيم المنبثقة عن بنية التنظيم الاجتماعي ، وحين فسر دوركهايم بأن اللامعيارية هي عدم استجابة المجتمع لنزوات الافراد ورغباتهم الطبيعية فإن ميرتون ذهب إلى أن أغلب هذه الرغبات والغرائز ليست بالضرورة طبيعية وإنما مجموعة من الاغراءات التي ينتجها المجتمع وتكرسها الثقافة السائدة وعدم توفير الامكانيات واتاحة الفرص للجميع لتحقيقها وجعلها متاحة للبعض وصعبة المنال للبعض الاخر و محاولة الفئة المحرومة من تحقيق طموحاتها بالطريقة غير الشرعية بعدما حرمت ذلك بالطرق الشرعية .

    والوسائل العلمية التي يعتمد عليها ميرتون لدراسة كل بنية اجتماعية تنحصر في أمرين :

    الاهداف : فالمجتمع يحدد مجموعة من الاهداف التي يسعى جميع افراده لتحقيقها وتكون مرتبة وقف سلم من القيم متفاوتة الأهمية .

    المعايير : وهي مجموعة من القواعد التي تحكم السلوك وتضبط وسائل الوصول إلى هذه الاهداف ، والمجتمع هو الذي يسهر على ضبط هذه الوسائل والطرق لكل صنف حسب قيمته الاجتماعية فهناك طرق مثلى وطرق مستحسنة وطرق ممنوعة .

    وعلى ضوء هذين العنصرين يحدد المجتمع القواعد السلوكية ، و سلوك الانسان مرتبط بمدى تلازم هذين العنصرين و ترابط العلاقة بينهما ، فكلما كانت الصلة متوازنة كانت السلوكات متوازنة ، لكن إذا حصل تأكيد على الأهداف مع تراخي في المعايير أي الوسائل هنا تصبح كل الوسائل صالحة للوصول الى الهدف فنكون أمام بنية مجتمعية غير متكاملة ومصابة بالخلل ، أما حين يحصل التوازن فنحن أمام سلوكات طقسية أما حين تعطي بنية المجتمع وزنا أكبر للأهداف على حساب المعايير تصبح النقود معيار كل شيء فتشجع الوصول الى الاهداف بطرق غير مشروعة فيتعرض المجتمع لحالة عدم انتظام ويحصل الانحراف بدل العدالة الاجتماعية وهي حالة المجتمع الامريكي وقد نتج عن حالة اللامعيارية ظهور بعض الافكار والنظريات التي حاولت أن تغطي النقص في شرح ظاهرة الانحراف مثل نظرية الصراع الثقافي عند تورتسين التي تشرح السلوك غير السوي .

    يقول ميرتون أن كل مجتمع له خاصيتين اساسيتين :

    الخاصية 1 : التركيبة الاجتماعية لكل مجتمع تتبنى أهدافا يطمح الجميع إلى بلوغها ، ففي المجتمع الأمريكي يطمح الجميع أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة ، فهو مشروع الجميع ، ربما قاضيا ، وزيرا رجل أعمال ، كلها أهداف يضعها المجتمع الأمريكي .

    الخاصية 2 : المجتمع يضع وسيلة لبلوغ هاته الاهداف ، فالقاضي يجب أن يدرس في كلية الحقوق ، إذن التركيبة الاجتماعية ترسم أهدافا وتضع لها وسائل مشروعة .

    يقول مريتون أن هناك 5 احتمالات لتعامل الناس مع هذه القاعدة

    • التطابق : حين يقبل الفرد الغاية والوسيلة التي وضعها المجتمع لبلوغ الهدف ، هنا الشخص تلائم اجتماعيا حيث تطابق سلوكه مع القواعد التي ينظمها المجتمع ، فهو شخص لا يتمرد على الاهداف ولا على الوسائل ، هو شخص مثالي لا يخرق القانون ولا يمكن أن يجرم .

    • تحديد : وهي حالة قبول الهدف ورفض الوسائل ، وهي حالة المجتمع حين يضع الأهداف ويضع الوسائل لكنها تكون في صالح الطبقة العليا وليست في صالح الطبقة الدنيا مما يدفع افراد هذه الطبقة إلى ارتكاب الجريمة ، فنقابة المحامون مثلا تضع شرط 10 ملايين سنتيم تدفع لنقابة المحامين لكي يحصل الناجح في مباراة المحاماة على تزكية النقابة ويستطيع ممارسة المهنة .

    • التعلق بالطقوس : الشخص يرفض الهدف ويقبل بالوسائل لكنه يكون في حالة عدم شعور بالطموح والرغبة في التغيير ونيل ما هو أحسن ، هي الطبقة الوسطى في المجتمع ، يقبلون بأوضاعهم غالبا ويرضون ولا يكون لديهم أي طموح ، يعيش عاديا ويموت عاديا المهم عنده أن يأكل الخبز ويعيش بسلام ولا يدخل في صراع مع المجتمع أو النظام ، فهو لا هدف له ولا طموح ولا يتصور أن يخرق القانون .

    • التراجع : يقبل بالهدف وبالوسيلة المؤدية إليه لكنه يفشل في الوصول إلى أهدافه بالطرق المشروعة وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يلجأ إلى أهدافه بالطرق غير المشروعة ، يحدث هذا في الطبقة المنبوذة اجتماعيا ، المتشردون ، المنبوذون ، المتسولون ، مدمنو المخدرات ، هذا النوع من الفئات لا يرتكبون الجرائم .

    • التمرد : رفض الأهداف والوسائل ومحاولة إقامة نظام اجتماعي جديد مغاير ، هم الثوار ، هذه الفئة حسب ميرتون ترتكب الجرائم في سبيل الوصول إلى الاهداف .

    الانتقادات الموجهة لنظرية ميرتون :

    نظرية ذات طابع نظري محض ، ولم تعتمد على تجارب وأبحاث علمية للتأكد من صحة فرضياته وهو يضع 5 فرضيات لنظريته لكنه لم يقم أبدا بأي تجربة علمية أو بحث علمي للتأكد من صحتها ، رغم أن زمن النظريات الفكرية قد انتهي مع عهد لامبروزو وكل نظرية لا تعتمد على أبحاث علمية وتجارب للتأكد من صحتها تبقى مجرد نظرية لا مكان لها من الصحة .

    التحليل الاقتصادي

    رائدها ماركس و إنجل ، عرفت اتجاها جديدا لشرح الاجرام الذي أصبح مرتبطا بالعالم الاقتصادي ، فتبعا للنظرية الاشتراكية فإن الواقع الاقتصادي والمادي هو الذي يحدد افكار الانسان وبالتالي ميولاته الاجتماعية والثقافية ، وبعبارة ادق فالنظام الرأسمالي هو السبب في انتشار الجريمة ، ويفترض أن المجتمع الاشتراكي تنعدم فيه الجريمة .

    سوف نقوم بتحليل السلوك الاجرامي انطلاقا من تحليل أو مقارنة نظامين اقتصاديين أو سياسيين هما النظام الاشتراكي والرأسمالي ، و ربط الظاهرة الاجرامية بمختلف الأوضاع الاقتصادية و اعطاء الجريمة تفسيرا اقتصاديا ، هذا التصور تطور على يد كارل ماركس و فريدريك على اثر اعلان البيان الشيوعي الصادر سنة 1948 .

    النظرية الاشتراكية حاولت اعطاء تفسير للظاهرة الاجرامية من خلال ربط السلوك الاجرامي يميكانزمات الرأس مال واهمها الملكية الخاصة والمنافسة الحرة و العرض والطلب ، مبدأ الحتمية الاقتصادية يخلق الجريمة ، بل هو العنصر الوحيد الذي يخلق الجريمة حسب نظر الاشتراكيين ، والنظام الرأسمالي هو الشيطان الوحيد في هذا العالم وهو منبع كل الشرور بما فيه الجريمة ، ففي نظر ماركس الملكية الفكرية والمنافسة الحرة و العرض والطلب وتقسيم المجتمع الى طبقة عاملة فقيرة تزداد فقرا وطبقة غنية تزداد غنى و تتحكم في الاقتصاد .

    يقول كارل ماركس إن الجريمة تتولد من زاوتين :

    الزاوية الاولى : رغبة الطبقة الرأسمالية في تحقيق اقصى ربح يدفعها الى ارتكاب جرائم من قبيل الرشوة والتهرب الضريبي والجمركي و تهريب الاموال والغش وعدم الحرص على حماية المستهلك ، فمن أجل تحقيق الربح يتم التعسف على جميع القوانين بصفة عامة والقانون الجنائي بصفة خاصة فيصير القانون في خدمتهم ، لأن رجال الأعمال يتدخلون في صياغة القوانين وتشريعها مثلا قانون حماية المستهلك في المغرب ظل 30 سنة لا تستطيع الدولة تمريره لوجود صعوبات تتمثل في ضغط رجال الاعمال على المشرع كي لا يتم تفعيل هذا القانون ، كما أن القانون يتعامل بانتقائية كبيرة فرجل الأعمال الذي يرتكب جريمة يحكم عليه بعقوبة بسيطة بينما الفقير يحكم عليه بعقوبات مشددة ، فليست هناك معاملة بالمثل ، لذلك يقال من يملك المال يملك القانون .

    الزاوية الثانية : اقدام الطبقة الكادحة على ارتكاب الجرائم للحصول على المال وقضاء حوائجهم اليومية من أجل العيش وأحيانا انتقاما من الطبقة الغنية الاستغلالية ، فالشعور بالحرمان والاقصاء وعدم تكافؤ الفرص كلها تدفع الى ارتكاب الجريمة .

    تقييم هذه النظرية

    لا أحد ينكر أن هذه النظرية لامست زوايا حقيقية وأن الظروف الاقتصادية تؤثر بشكل واضح على الافراد وتدفعهم الى ارتكاب الجريمة من حيث الكيف والكم وأن انتقال المجتمع من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي ساهم أيضا في انتقال الجريمة من جريمة تعتمد على القوة العضلية إلى جريمة تعتمد على الذكاء و الحيل ، كجرائم الشركات والبورصة والتهرب الضريبي والتزوير والجرائم الالكترونية ، هذه الجرائم تبقى غير قابلة للبروز وهي جرائم اقتصادية جرائم اقتصادية لكنها تدخل ايضا في المجال السياسي والقوانين دائما ما تقوم بحماية أصحاب هذه الجرائم .

    يعاب على هذه النظرية أن العامل الاقتصادي لا يصلح وحده لتفسير الجريمة ولو اصاب جزءا من الحقيقة ولو كان العامل الاقتصادي وحده الذي خلق الجريمة لما أجرم الناس في المجتمعات الاشتراكية وظلت الجريمة قاصرة على المجتمعات الراسمالية ، بالمقابل هناك الكثير من الناس في مجتمعات راسمالية ولا يرتكبون الجرائم رغم ظروفهم الاقتصادية الصعبة ، لذلك يمكن القول أن نظرية ماركس هي نظرية خاطئة لأنها اقتصرت على العامل الاقتصادي وحده في تفسير الظاهرة الاجرامية ، خصوصا أن ليس كل الجرائم دافعها اقتصادي ، فجرائم الاغتصاب والقتل والاعتداء والجرائم الاخلاقية لا يلعب فيها الاقتصاد أي دور .

    النظرية البيئية :

    هذه النظرية تقوم على ربط الجريمة بالبيئة المحيطة بالانسان فقد قام بيير شو بدراسة على وسط مدينة شيكاغو ولاحظ أن الجريمة تقل كلما ابتعدنا عن وسط المدينة ، ولاحظ أن أعلى معدلات الجريمة تحدث في الاماكن المكتظة بالناس والواقعة بالقرب من مراكز الاعمال والمفككة اجتماعيا ، شيكاغو كانت مدينة اقتصادية وكان الكثير يهاجر إليها من أجل العمل فجمعت العديد من المهاجرين من شتى المناطق ، فحدث اختلال اجتماعي ، واختلاف ثقافي و عرقي مما أحدث تفككا اجتماعيا ، هذا الخليط غير المتجانس نتج عنه صراعات اجتماعية ، كما لاحظ أن معدل الجريمة يرتفع في الاماكن المهجورة التي هجرها سكانها الاصليون وحل محلهم سكان هامشيون مثل الافارقة الأمر الذي يدفع للجريمة .

    تقييم هذه النظرية :

    اعتمد شو في دراسته على منهج علمي وهو الاسلوب الاحصائي و ركز على المناطق التي يكثر فيها الناس والاعمال الجريمة قد تحدث حتى في الاماكن التي يعيش سكانها في رغد من العيش ، لذلك قال بعض المفكرون أنه يجب إخراج الطبقات الفقيرة و المهاجرة من المدن الكبرى لمناطق هامشية بعيدا عن مراكز المال والاعمال حتى لا تحدث الجريمة ، مثال ذلك الاحياء التي يسكنها الافارقة في طنجة ، لكن يبقى طلبا غريبا من علماء القانون الجنائي ولا يمكن أن تستجيب له السياسة الجنائية ، ثم أن شو قال بأن الجريمة تحدث في مراكز المال والاعمال والمراكز التجارية الكبرى وكلما ابتعدنا عنها قلت الجريمة ، لكن هل هذا صحيح ؟ فربما يكون نشاط الشرطة في هذه المدن كثيفا أكثر من المدن الهامشية فتظهر الجرائم وتضع الشرطة يدها عليها بينما يتعذر ذلك في المدن الصغرى ولا تصل إلى يد الشرطة يعاب أيضا على هذه النظرية أنها لم تعط تفسيرا متكاملا لكل أنماط الجرائم وإنما اقتصرت على نمط إجرامي معين .

    النظرية العرقية :

    سيلين هو عالم أمريكي ، وعموما جميع علماء التركيب الاجتماعي هم أمريكيون ، درسوا الجريمة انطلاقا من المجتمع الأمريكي الذي يعتبر خليطا من العديد من الثقافات ، لذلك فتفسير الجريمة في المجتمع الأمريكي يختلف عن التفسير في المجتمع الاوروبي أو المغربي .

    النظرة العرقية حاولت ربط السلوك الاجرامي بالجنس والعرق واللون ، وحاولت إقناعنا بأن بعض الاعراق أقرب الى الجريمة من الأعراق الأخرى ، فالسود مثلا ترتفع لديهم معدلات الجريمة وبالمقابل يقل مستوى الجريمة في الصين واليابان وفسروا ذلك أن هذه المجتمعات تتميز بنظام متماسك وأخلاق وتركيبة اجتماعية محصنة قوية ومتماسكة في المقابل هناك هشاشة في التركيبة الاجتماعية لدى طائفة السود .

    انتقادات لهذه النظرية :

    في العصر الحديث لا يمكن لعنصر معين أن يكون السبب في الجريمة ، ويمكن اعتبار هذه النظرية قاصرة واقتصرت على الزنوج ولا يمكن تعميم النتيجة ، فالانسان الابيض ايضا يرتكب الجرائم ويمكن القول أنها نظرية عنصرية أغفلت جانبا مهما وهو أن نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة يشجع السود على ارتكاب الجرائم حيث يعانون الفقر والبطالة والتفكك الاجتماعي والعنصرية كما أن ظروفهم الاقتصادية صعبة ويعانون من الحيف في تطبيق العقوبة الجنائية فالرجل الأبيض تبقى له امتيازات جنائية ، ثم أن نشاط الشرطة يزداد في مناطق السود أكثر من مناطق البيض والقضاة دائما يكونون من السكان البيض مما يجعل احتمالية التعسف في الحكم قائمة ، فعندما يكون الابيض مجرما يتم التعامل معه بمحاباة بينما يتم توقيع أقسى العقوبات على المجرم الاسود .

    نظريات التركيب الاجتماعي على الرغم من أهميتها تبقى دراستها منطلقة من تركيبة ونظام المجتمع بعيدا عن التفسيرات البيولوجية والنفسية ، ومع ذلك تبقى قاصرة عن اعطاء تفسير موحد للظاهرة الاجرامية ، فليس هناك تلازم بين الجريمة والمعيشة في ظل تركيبة اجتماعية معينة ، بمعنى أن نظريات التركيب الاجتماعي قد فشلت فشلا ذريعا في الاجابة عن السؤال الجوهري والاساسي ” لماذا يرتكب الانسان الجريمة في نظام اجتماعي معين دون آخر .

    نظرية الكيفية الاجتماعية :

    هذه النظرية تبحث في الطريقة التي تصير بها الانسان مجرما ، وهي تنقسم إلى العديد من النظريات سنقف فقط عند نظرتين الاولى نظرية التقليد عند كابرييل طارد والثانية نظرية الاختلاط الفارق لــ ساندرلاند .

    نظرية التقليد عند كبريال طارد :

    كبريال طارد هو قاض وعالم اجتماع فرنسي وهو أستاذ لعلم الاجتماع ، عاش ما بين 1834-1904 ، الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها نظريته هي أن الجريمة ليست سلوكا موروثا وإنما هي سلوك مكتسب وأن الانسان لا يولد مجرما وإنما يكتسب السلوك الاجرامي ، وهو ما يشكل نقيضا لنظرية لامبروزو والاتجاه البيولوجي عموما ، فهو يقول اي كبريال كارل أن الانسان يندفع إلى ارتكاب الجريمة تحت تأثير عوامل اجتماعية أهمها التقليد ، حيث يتم تقليد المجرمين في سلوكاتهم ، هذه النظرية قد تكون أجابت عن جانب من الحقيقة لأن هناك بعض الاشخاص في المجتمع ارتكبوا جرائم لأنهم تمثلوا نموذجا اجتماعيا سيئا ، لكن ما يعاب على هذه النظرية أنها أحادية الجانب ، فهي لا تستطيع أن تفسر لنا كل أنماط الجريمة ، ثم إغفالها للعوامل النفسية والبيولوجية والعقلية التي تدفع الانسان نحو السلوك الاجرامي .

    كابرييل طارد هو النقيض لدوركهايم في مدرسة المحيط الاجتماعي حين يتعلق الأمر بشرح أسباب الظاهرة الاجرامية ، فهو يختلف معه في الاصل وفي التكوين وفي الفلسفة .

    ألف كتبا أهمها الاجرام المقارن و الفلسفة العقابية و قوانين التقليد و دراسات جنائية واجتماعية ، ويبقى كتابه الفلسفة العقابية متميزا نظرا لأهميته المنهجية حيث عمد فيه طارد إلى التصدي لمزاعم المدرسة الوضعية خاصة العضوية وفند حججها بالدليل والتحليل العلمي ، هكذا صفى حساباته مع المدرسة العضوية علميا ومنهجيا ثم هيأ الارض لنشر افكاره العلمية حول الجريمة بعيدا عن فكرة المجرم بالولادة .

    يتوقف طارد عند المحيط الاجتماعي ويعتبره سببا مهما في تحديد سلوك المجرم ، ويلفت الانتباه إلى أن أغلب المجرمين عاشوا بطفولة تعسة وعانوا من الحرمان العاطفي ورقابة الاسرة مما جعلهم يلجأون للاجرام من أجل العيش ، كما أن المدنية تجعل الجريمة تعتمد أكثر على الدهاء والغدر والخبث ، ويعطي طارد وصفا دقيقا للمجرم فيقول عنه بأنه شخص عود نفسه منذ صغره على الكراهية والحقد والحسد وأغلق على نفسه باب الرحمة والعطف ، كما أنه تمرس على تقبل الصدمات وتخزينها وتحمل الشدائد والصعاب ومختلف أشكال المعاناة ، حتى تبلد الحس والشفقة لديه مما أفقده كل مشاعر الرحمة نحو الاخرين وكنتيجة لهذا التكوين النفسي الاجتماعي ينمو هذا الفرد متحفزا لارتكاب الجريمة والشرور والعنف ويكون محظوظا إلى لم يرتكب جريمة قتل في حياته ، هكذا يقول طارد بأن احتراف الجريمة يتطلب تدريبا مثلها مثل أي حرفة من الحرف مع فارق بسيط هو ان المجرم يتربى في بيئة إجرامية تساعد على انخراطه في عالم الجريمة .

    ويلاحظ أن طارد بقي متشبثا بقانونه الاخلاقي الذي ربطه بالجريمة واعتبر أن مستوى الاجرام هو المؤشر الحقيقي للأخلاق في مجتمع معين وهذا التلازم بين الاخلاق والجريمة يعكس اعتقاده الراسخ أن دائرة الاخلاق ودائرة القانون هما متماسكتان لا تقوم الواحدة دون الاخرى .

    وقد اعتمد طارد على فكرة التقليد وجعل لها قوانين تحكمها لتشرح ميكانيزمات الجريمة ، وهذه المقومات تنبع من مقومات علم النفس الاجتماعي الذي يكشف عن استعداد الافراد للمحاكاة وتقليد بعضهم بعضا في السلوك الاجرامي ، هكذا يرى طارد أن قانون التقليد مسؤول عن انتاج مجرمين ، هذا القانون يتكون من 3 قواعد ، الاولى تقتضي أن التقليد يذهب من الداخل للخارج أي أن الطفل يقلد الانسان القريب أسبق من تقليده للانسان البعيد فالطفل يقلد الاقربين ويصبح مجرما ، القاعدة الثاني فتفيد أن التقليد يأخذ طريقه من القوي إلى الضعيف أي أن الافراد ذوو المكانة المرموقة يؤثرون في أصحاب المكانة الاجتماعية العادية فيقلد المجرم رؤساءه في العصابة ، أما القاعدة الثالثة فترتكز على وجود موضات داخل فكرة التقليد نفسها بالضبط كما يوجد موضة في الملابس ، فالموضة الجديدة تطرد الموضة القديمة وتأخذ مكانها فالاجرام يتطور ويفرض نفسه على المجرم بالوسائل الجديدة كخطف الطائرات .

    نظرية الاختلاط الفارق لـ ساندرلاند : هو عالم اجتماع أمريكي واستاذ بالجامعة الأمريكية ، صاغ نظريته سنة 1939 ، وأكملها فيما بعد سنة 1950 دونالد كريستي ، حيث قالت النظرية بأن الشخص لا يولد مجرما وإنما يكتسب الاجرام ، فالسلوك الاجرامي سلوك مكتسب وليس موروثا ، وهو يتم عن طريق التدرب والتعلم فهي صنعة يتم احترافها بعد تعلمها ، فالجريمة لا تقع بصفة تلقائية اعتباطية وإنما هي مكتسبة بعد الاختلاط بمجتمع الفاسدين والاحتكاك بالمجرمين والتعلم منهم والتدرب على يدهم واقتباس سلوكاتهم الاجرامية ، والفرد يصبح مجرما بعد أن يتغلب لديه التفسير المخالف للقانون على التفسير المطابق للقانون ، و حينما يختلط مع جماعة تحرص على احترام القانون تقوى لدى هذا الشخص المناعة

    وعندما يختلط الشخص مع نماذج المجرمين والاشرار في المجتمع فسلوك الجريمة ينتقل إليه بالتعلم والتدرب شيئا فشيئا وهو ما سماه ساندرلاند بالاختلاط الفارق ، لأن هناك فرقا بين من يختلط مع جماعة الفاسدين وبين من يختلط مع جماعة الصالحين ، حيث تقوى مناعته ضد الجريمة ، ويتعلم الاخلاق والانضباط

    صاغ ساندرلاند نظريته الجديدة ثم أضاف إليها صنفا جديدا من الجرائم سماها جرائم أصحاب الياقات البيضاء ، حيث يتبوؤون مراكز اجتماعية راقية كالوزراء والمسؤولين والبرلمانيين وقد لاحظ أن علم الاجرام يركز دائما على الطبقة الضعيفة ولا يتطرق لجرائم هؤلاء النخبة وربما كانت جرائمهم أكثر تأثيرا من جرائم سرقة قطعة خبز ، فالجرائم الوزراء والبرلمانيين تعتبر ذات تأثير قوي على المجتمع و يتأثر بها آلاف الناس أو ربما ملايين ، لذلك يرى ساندرلاند أن جرائم أصحاب الياقات البيضاء أخطر من جرائم المجرمين البسطاء ، وقال أن إجرام أصحاب الياقات البيضاء هو إجرام خفي مستتر لا يظهر ولا يثير اضطرابا اجتماعيا كجريمة القتل في الشارع مثلا ، واستحالة الاحالة أو البروز ، وقال أن أصحاب الياقات البيضاء يتصرفون و كأنهم فوق القانون وغير ملزمين به ولا يطبق عليهم ، وأنهم جديرون بالاحترام بخلاف المجرم البسيط الذي يحس أنه تحت مظلة القانون ، كما أن مجرمي الياقات البيضاء يبحثون عن الثغرات وربما هم من يصنعونها عند التشريع خدمة لمصالحهم الشخصية ، حيث أن مكانتهم تسمح لهم بالتدخل في القرار السياسي أو التشريعي وسن القوانين ويملكون زمام السلطة التشريعية وقد قيل ” من يملك الاقتصاد يملك القانون ” حتى القانون الجنائي جاء ليحمي مصالحهم ، أما جرائمهم فترتكب غالبا بعيدا عن أعين الناس في مكاتب مغلقة و تحت الكواليس و يصعب إحالتها إلى أجهزة العدالة بل وربما كانت أجهزة العدالة متواطئة معهم شأنها في ذلك شأن باقي أجهزة الدولة التي يتحكمون فيها وفي أجهزتها السياسية والتشريعية .

    قال ساندرلاند إن الاتجاه البيولوجي والنفسي عجز عن تفسير هذا النوع من الإجرام فأصحاب الياقات البيضاء ليست لديهم عيوب خلقية بل تجدهم في أحسن صحة و رغد عيش ويتمتعون بلباقة و حسن مظهر ولا تظهر عليهم اي عيوب خلقية عضوية ، والغاية من جرائمهم ليست بسبب العيوب العضوية أو النفسية بل بسبب الطمع في الربح والثراء الفاحش فهم يرتكبون جرائمهم من أجل الحفاظ على السلطة التي بدورها تخول لهم الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية و تعطيهم فرصة للتهرب الضريبي واستغلال السلطة من أجل تمرير القوانين التي تخدم القطاعات الاقتصادية التي ينشطون فيها ، فكل همهم هو الحفاظ على مراكزهم و مناصبهم و تحقيق أكبر قدر من الربح .

    يعتبر سوزرلاند أول من حاول تمثيل المدرسة الامريكية لعلم الاجرام ، وهو يرى أن السلوك الاجرامي لا يعود فقط للعوامل الاجتماعية أو النفسية أو الفقر بل حتى الاغنياء يسرقون ويقتلون فالسلوك الاجرامي يتعلمه الاغنياء والفقراء على حد سواء ، بطريقة واحدة وبعمليات متشابهة ، وقد حاول أن يجد النظرية العامة اعتمادا على الدراسات المنطقية وآليات التوجه نحو الانحراف والانخراط فيه ، وتقوم نظرية الاختلاط الفارق التي توصل إليها على محاولة شرح السلوك الاجرامي المتعلق أو الملقن أو المكتسب الذي يظهر نتيجة صراع بين معايير الثقافات المختلفة التي تكون منها المجتمع الامريكي ، هذا السلوك المنحرف يظهر حينما تطغى المعايير الجانحة في جماعة على المعايير المتكيفة التي تحكم المجتمع الكلي ، و مراحل هذه العملية ضمنها سوزرلاند في كتابه مبادئ في علم الاجرام وهي :

    • السلوك الجانح مكتسب يلقن ويتعلم وليس وراثيا

    • السلوك الجانح مكتسب عن طريق التواصل والاحتكاك بالاخرين وهو لفظي وشخصي ويمكن أن يكون بالمثال والقدوة .

    • يتعلم السلوك الجانح في جماعة محصورة تتميز بالعلاقات المباشرة والشخصية أما وسائل الاعلام فلا تساهم إلا بدور ثانوي .

    • يشمل التدريب على الانحراف تعلم تقنيات ارتكاب الجنح وتوجيه الدوافع نحو الانحراف

    انتقادات لهذه النظرية :

    أول انتقاد لهذه النظرية هو عجزها عن تفسير السلوك الاجرامي للطبقة العليا الذين لا يخالطون المجرمين ، ثم عجزها عن كشف حقيقة الجرائم التي تحدث جراء الانفعال أو مرحلة الطفولة اي قبل أن يخالط الانسان من هو أكبر منه ليتعلم منه ، لأنه قال أن الاختلاط الفارق هو السبب في ارتكاب الجرائم وإذا كان الاختلاط الفارق هو السبب في تعليم السلوك الاجرامي فكيف نفسر سلوك المجرم الأول فمن علمه فن ارتكاب الجريمة ؟ ولماذا بعض الناس رغم اختلاطهم بالمجرمين لا يقدمون على ارتكاب الجريمة ، والعكس صحيح فبعض الناس يتربون في بيئة سليمة ويعاشرون الصالحين ومع ذلك قد يرتكبون الجرائم ، ولماذا لا يصبح المسؤولون عن إدارة السجون وعائلات المجرمين مجرمين أيضا فهم أكثر احتكاكا بالمجرمين ؟ والقول إن الجرائم تُتعلم منطق غير سليم فجرائم القتل والسرقة والاغتصاب لا تحتاج أي تعليم ، يمكن القول أن هذه النظرية غير قادرة على اعطاء تفسير شامل للظاهرة الاجرامية .

    اتضح لنا من خلال دراسة الاتجاه الاجتماعي بنظرياته المتعددة أنه يربط الظاهرة الاجرامية بعامل واحد بعينه فكل نظرية ركزت اهتمامها على عامل واحد وأغفلت باقي العوامل فكانت نظريات أحادية النظرة أهملت العوامل الاخرى وكانت تعطي تفسيرا جزئيا لنمط معين من الجرائم ، لكن كلهم اتفقوا على الحتمية الاجرامية ، هذه العوامل ساعدت في نشوء اتجاه جديد هو الاتجاه التكاملي في تفسير الظاهرة الاجرامية ، من أجل الخروج من مأزق أن كل اتجاه ينظر إلى السلوك الاجرامي من زاويته الأحادية فعالم الاجتماع ينظر للجريمة من منظور المجتمع ، والاقتصادي ينظر للجريمة من زاوية الاقتصاد ، والطبيب ينظر للجريمة من زاوية العيوب البيولوجية وعالم النفس ينظر إليها من جانب النفسية ، كل عامل من هؤلاء ينظر للجريمة من زاويته ويغفل العوامل الاخرى .

    📗 خلاصة الباب

    • يمنح الاتجاه الاجتماعي العوامل الاجتماعية الأهمية القصوى في تفسير الجريمة، من خلال نظريات متعددة: نظرية التركيب الاجتماعي لسيلين (تنازع الثقافات)، نظرية اللانظام (الأنومي) لدوركهايم الذي اعتبر الجريمة ظاهرة طبيعية وحتى مفيدة ضمن حدود معينة لتطور المجتمع، ونظرية روبرت ميرتون التي ربطت الانحراف بالتفاوت بين أهداف المجتمع ووسائل بلوغها المشروعة (خمسة احتمالات: التطابق، التحديد، التعلق بالطقوس، التراجع، التمرد).
    • أضافت نظريات أخرى أبعادا مكمِّلة: التحليل الاقتصادي الماركسي (الجريمة نتاج صراع طبقي)، النظرية البيئية (ربط الجريمة بالبيئة المكانية)، النظرية العرقية (المرفوضة علميا اليوم)، نظرية التقليد عند غابرييل طارد، ونظرية الاختلاط الفارق لساذرلاند التي فسَّرت السلوك الإجرامي كسلوك مكتسب بالتعلم والاحتكاك الاجتماعي، بما في ذلك تفسير جرائم “أصحاب الياقات البيضاء”.

  • النيابة العامة 36-51

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 8 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    النيابة العامة هيئة قضائية من نوع خاص وتسمى بالقضاء الواقف، وإذا كان البعض لا يتفق في وصفها بهذه الصفة كونها طرفا في الدعوى والطرف لا يكون خصما و حكما في نفس الوقت إلا أن الفصل 2 من ق م ج يقرر لها هذه الصفة بصراحة، حاء في الفصل 2 من ق م م : ” يترتب عن كل جريمة الحق في إقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات والحق في إقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي تسببت فيه الجريمة.”

    سابقا كانت النيابة العامة تقف كطرف عادي بين يدي القضاء على قدم المساواة مع المتهم، ومن ثم كانت تسميتها بالقضاء الواقف لكن بعد ذلك تغير الوضع وأصبحت تتمتع بعدة امتيازات النيابة العامة طرف أصلي في القضايا الزجرية يتعين حضورها عند المناقشة وعند صدور الحكم، كما تدخل في تأليف وتشكيل المحكمة بحيث يجب أن يوجد في الحكم ما يدل على حضور ممثلها ولا يكتفى بالقول أنه كان حاضرا بل يجب ذكر اسم ممثل النيابة العامة، أما في القضايا المدنية فهي طرف منضم ولا تكون طرفا أصليا إلا في حالات نادرة، وتكون مهمتها في القضايا المدنية مراقبة سير القضية في جميع المراحل والمطالبة بتطبيق القانون والسهر على تنفيذ القرارات التي تصدرها المحاكم .

    تعتبر النيابة العامة السلطة التي أوكل إليها المشرع في ق م ج تحريك الدعوى العمومية بشأن الجرائم التي تحال عليها، ومنحها العديد من الوسائل الاجرائية في سبيل ذلك، و رتب عليها مجموعة من الاثار القانونية خصوصا في ما يتعلق بتكييف الدعوى العمومية وطريقة إحالتها على المحكمة أو غرفة التحقيق .

    تنفرد النيابة العامة بحق إقامة الدعوى العمومية، ومتابعتها في كل مراحل الخصومة الجنائية باعتبارها الطرف الرئيسي والأساسي والأصيل الذي يملك حق المطالبة بتوقيع الجزاء على المشتبه فيه باسم المجتمع الذي تنوب عنه في توقيع الجزاء على منتهكي القانون، وبذلك بوأ المشرع النيابة العامة مركزا مهما في مكافحة الجريمة، باعتبارها طرفا أصليا في الدعوى العمومية و خولها مجموعة من الاختصاصات، بعضها كان موجودا في القوانين القديمة والبعض الاخر منح لها لأول مرة نظرا لمجموعة من الظروف من بينها بطء الاجراءات وطول آجالها و عدم فعاليتها وكذا تزايد معدلات الجريمة وظهور أنواع جديدة من الجرائم لها ارتباط بالتقدم التكنولوجي والاجتماعي والاقتصادي وتراكم القضايا الجنائية المعروضة على القضاء الجنائي .

    هذه الوظائف المنوطة بجهاز النيابة العامة تتم ممارستها عبر مجموعة من الاجراءات المسطرية التي تنظم كيفية تحريك الدعوى العمومية مع احترام اختصاصها النوعي والمحلي، هذه المساطر والاجراءات القضائية تشكل أولى لبنات المحاكمة العادلة، لذلك فمؤسسة النيابة العامة تقوم بأدوار مركزية في تطبيق وتنزيل قانون المسطرة الجنائية عن طريق ممارستها مجموعة من الاجراءات والمساطر التي يقوم بها قضاة النيابة العامة ويساعدهم في ذلك موظفون إداريون ينتمون لهيئة كتابة الضبط .

    تتوفر النيابة العامة على عدة صلاحيات ترتبط بممارسة الدعوى العمومية، كما أن المشرع خولها صلاحيات أخرى بمناسبة إجراء البحث التمهيدي ترتبط بسير البحث أو بمراقبة عمل الشرطة القضائية، بالإضافة إلى الصلاحيات المخولة لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية، ثم الصلاحيات الممنوحة للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف.

    أولا : إجراءات ومساطر تحريك الدعوى العمومية

    ممارسة الدعوى العمومية تتطلب احترام مجموعة من الاجراءات التي قد تختلف باختلاف الجريمة، هكذا تضطلع النيابة العامة بمجموعة من المهام والاختصاصات التي خولها لها المشرع وتدخل في إطار تأطير و تكييف الافعال واتخاذ القرار المناسب بشأنها .

    الجهات الأصلية في ممارسة الدعوى العمومية

    النيابة هي الممثل الوحيد للمجتمع، فهي بذلك الجهاز الأصيل الذي يبدأ بنشر الدعوى العمومية أمام القضاء، ولا نبالغ إذا قلنا بأن النيابة العامة هي التي تستحوذ على معظم المراحل الاجرائية التي تقطعها الدعوى العمومية منذ ولادتها إلى صدور الحكم النهائي فيها بل حتى في مرحلة تنفيذها، فهي التي تقوم بتحريكها و مراقبتها و ممارستها وتنفيذ مختلف الجزاءات المتعلقة بها، فهي تصاحب وتسيطر على الدعوى العمومية منذ إثارتها إلى نهايتها.

    تنظيم النيابة العامة

    نقف أولا على تركيبتها بالمحاكم الابتدائية ثم بمحاكم الاستئناف ثم بمحكمة النقض ثم بالمحاكم المتخصصة ثم نبين تسلسلها الاداري الذي يختلف عن نظيره لدى قضاة الحكم.

    طبيعة النيابة العامة بالمحاكم الابتدائية

    تتألف المحاكم الابتدائية حسب ظهير التنظيم القضائي لـ 15 يوليوز 1974 من :

    • رئيس وقضاة وقضاة نواب

    • مصلحة كتابة الضبط

    • نيابة عامة تتكون من وكيل الملك ونائبه أو عدة نواب

    • مصلحة كتابة للنيابة العامة

    وقد جاء في المادة 39 من ق م ج أن النيابة العامة أمام المحكمة الابتدائية تتكون من وكيل الملك ونواب له يخضعون لمراقبته وإشرافه في دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية المعين بها، كما تضم مصلحة يرأسها رئيس مصلحة النيابة العامة وتتكون من موظفين إداريين يقومون بتصريف مختلف إجراءات هذه المؤسسة إلى جانب وكيل الملك ونوابه.

    طبيعة النيابة العامة بمحاكم الاستئناف

    يعتبر الوكيل العام للملك رئيسا للنيابة العامة لدى محاكم الإستئناف ويساعده مجموعة من النواب يخضعون لإشرافه ومراقبته ويخلفونه في حالة غيابه . و قد حددت المادة 49 اختصاصات المناطة بالوكيل العام للملك بمحكمة الإستئناف .

    طبيعة النيابة العامة لدى محكمة النقض

    يمثلها الوكيل العام للملك بمحكمة النقض وهو رئيس النيابة العامة ويساعده محامون عامون باعتبارهم نوابه ويخضعون لإشرافه ومراقبته، تتكون محكمة النقض من 6 غرف و حضور النيابة العامة بجميع جلساتها إجباري على خلاف ما هو عليه الأمر بالنيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف .

    تجدر الاشارة إلى أن أعضاء النيابة العامة يخضعون لسلطة رؤسائهم القضائيين التسلسليين ويتقيدون بتعليماتهم، فوكيل الملك يمارس سلطته الرئاسية على نوابه بمفهوم المادة 39 ، في حين يمارس الوكيل العام للملك بمحكمة الاستيناف سلطته على جميع قضاة النيابة العامة التابعين لدائرة نفوذه، والوكيل العام لدى محكمة النقض له سلطة على أعضاء النيابة العامة بمحكمة النقض كما له سلطة توجيه التعليمات المباشرة والملاحظات إلى جميع الوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستيناف ووكلاء الملك بجميع المحاكم الابتدائية بالمملكة .

    طبيعة النيابة العامة أمام باقي المحاكم

    الاختصاص الأصيل للنيابة العامة هو تحريك الدعوى العمومية ومكافحة الجريمة، ومكانها الطبيعي هو المحاكم العادية، لكن المشرع اسند إليها اختصاصات استثنائية ونص على ضرورة تواجدها بمحاكم أخرى غير زجرية لأهداف تتعلق بالدعوى العمومية وقد لا تتعلق بها .

    طبيعة النيابة العامة أمام المحاكم التجارية

    تم اعتمادها بالمحاكم التجارية بموجب المادة 2 من قانون إحداث المحاكم التجارية، لكن يبقى دورها ثانويا بهذا النوع من المحاكم ولا يرقى إلى مستوى دورها بالمحاكم العادية .

    طبيعة النيابة العامة أمام المحاكم الادارية

    لا تعرف المحاكم الادارية في تأليفها أي وجود للنيابة العامة، ويعتبر رئيس المحكمة الادارية مفوضا ملكيا للدفاع عن القانون، ولا يقوم هذا المفوض الملكي مقام النيابة العامة لأن دوره يقتصر فقط على الدفاع عن الحق والقانون من خلال الادلاء بآرائه الشفوية و ملتمساته الكتابية.

    طبيعة النيابة العامة أمام المحاكم الاستثنائية

    تتمثل في المحكمة العسكرية والمجلس الاعلى للحسابات، حيث تضطلع النيابة العامة في هذه المحاكم بأدوار مهمة، فالوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية يمثل مندوب الحكومة طبقا للفصلين 23 و 24 من قانون العدل العسكري، أما بالنسبة للمجلس الاعلى للحسابات فتمثل النيابة العامة بالمحاكم المالية في شخص وكيل الملك الذي يمارس مهام النيابة العامة ويجوز له أن ينوب عنه أحد نوابه بتقديم مستنتجاته وملتمساته على مستوى المجالس الجهوية للحسابات.

    ثانيا : مميزات ومبادئ النيابة العامة

    نظرا للطبيعة القانونية والادارية لجهاز النيابة العامة التي تتسم بطابع استعجالي وفوري مما جعل هذه المؤسسة تتسم ببعض الخصائص منها ما يتعلق بالنيابة العامة ومنها ما ينصرف لأعضائها وتتمثل في ما يلي :

    • التسلسل الرئاسي

    • النيابة العامة طرف اصلي في الدعوى العمومية

    • وحدة قضاة النيابة العامة

    • استقلالية أعضاء النيابة العامة

    • عدم مسؤولية أعضاء النيابة العامة

    • عدم قابلية تجريح أعضاء النيابة العامة

    • التسلسل الرئاسي

    على رأس مؤسسة النيابة العامة الوكيل العام لدى محكمة النقض ثم الوكلاء العامون لدى محاكم الإستئناف وانتهاء بوكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، وقضاة النيابة العامة يخضعون لسلطة رئيسهم ولم يشترط القانون أي تعليمات كتابية بل أن الممارسة تؤدي إلى أن يمارس الرئيس تعليماته بكيفية شفوية وتشمل هذه التعليمات مختلف الاجراءات التي يضطلع بها جهاز النيابة العامة.

    • النيابة العامة طرف أصلي في الدعوى العمومية

    النيابة العامة تمثل المجتمع أمام المحاكم الزجرية، ويبقى الدور الأصيل لها هو إقامة الدعوى العمومية وممارسة إجراءاتها كما تشير إلى ذلك المادة 36 من ق م ج . فمجرد إثارة الدعوى العمومية تصبح النيابة العامة طرفا أصليا فيها، مع إلزامها بتتبع جميع خطواتها ومراحلها الاجرائية كما يمنع عليها التخلي عن متابعتها حتى ولو أن المشتكي تنازل عن مطالبه المدنية لأن الجريمة تسبب اضطرابا اجتماعيا وسلطة العقاب تنتقل إلى المجتمع الذي تمثله النيابة العامة إلا في حالة خاصة حددها القانون .

    وعليه حضور النيابة العامة واجب في جميع إجراءات المحاكمة باعتبارها جزءا من تشكيلة المحكمة الزجرية، وتدخلت المادة 46 لتبين كيفية تمثيل النيابة العامة، فإذا حدث مانع لوكيل الملك يخلفه نائبه، وإذا تعدد النواب يخلفه النائب المعين من قبله وإذا تغيب جميع ممثلي النيابة العامة فالوكيل العام ينتدب أحد نوابه أو أحد قضاة النيابة العامة بالدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف ليقوم بجميع اختصاصات ممثل النيابة العامة، وقد دأب العمل القضائي على ذكر اسم النيابة العامة في الاحكام الصادرة في الدعاوى الزجرية رغم أنها لا تشارك في المداولات ولا توقع مع هيأة الحكم في الاحكام .

    • مبدأ الوحدة

    أي أن قضاة النيابة العامة يخضعون لنظام التسلسل الاداري والرئاسي الذي يفرض على المرؤوس الخضوع لتعليمات رئيسه، يعني ذلك أن النيابة العامة هيئة واحدة لا تقبل التجزئة وأن جميع أعضائها على مستوى المحكمة التي ينتمون إليها كل واحد فيهم يمكنه مباشرة إجراءات الدعوى العمومية، وكل إجراء يتخذه أحد قضاتها يكمل الاجراءات السابقة ويكون صحيحا ومنتجا لآثاره، ولا يمكن امتناع أحد النواب عن القيام بإحدى الاجراءات بدعوى أن غيره هو الذي قام بإجراء سابق وإلا تعرض للمسائلة التأديبية لأن قضاة النيابة العامة ليست لهم شخصية مستقلة عن الهيأة التي ينتمون إليها فهم يمثلونها وأعمالهم تتم باسمها ولحسابها، ووحدة النيابة العامة مشروطة بوجوب التقيد بقواعد الاختصاص.

    • الاستقلالية

    تتجسد في حيادها التام عن كل أطراف الدعوى العمومية من خصوم ومحكمة و مختلف الادارات، فهي مستقلة عن المشتكي فهي تستعمل سلطة ملائمتها حرصا على تحقيق العدالة وتوخيا لمصلحة المجتمع دون محاباة أي طرف، أما استقلالها عن المحكمة فيتضح ذلك من خلال انفراد ممثل النيابة العامة خلال المحاكمة ببسط مطالبه والدفاع عنها وشرحها ومحاولة إقناع المحكمة بها في حياد تام ودون أي تدخل أو توجيه.

    • عدم المسؤولية

    يعني أن المتهم إن ثبتت براءته بعد الاعتقال الاحتياطي مثلا لا يمكنه التقدم بدعوى ضد النيابة العامة، ذلك أنها تقوم بذلك لفائدة المجتمع وليس لأي حساب شخصي أثناء ممارسة مهامها في إعمال سلطة الملائمة والمتابعة والاحالة الفورية للسجن أو على قاضي التحقيق وغيرها من الاجراءات المسطرية، فهي ليست في حالة نزاع مع أحد ولا تتعارض مصالحها مع أحد بل مصلحتها الوحيدة تطبيق القانون، فكما تؤدي مطالبتها إلى التمسك بإدانة المتهم عليها التمسك ايضا ببراءته إذا ما ثبت ذلك وتفويض المحكمة للحكم بما تراه، فهي خصم شريف، وغير هذا القول هو فهم خاطئ لدور النيابة العامة .

    • عدم القابلية للتجريح

    خلافا لمسطرة تجريح القضاة والتي نظم المشرع أحكامها وكيفية سلوكها، فإنه يمنع تجريح أحد أعضاء النيابة العامة من طرف الخصوم سواء كانوا مشتكين أو مشتكى بهم بتقديم طلبات التجريح كتابة من أجل نزع صلاحية قاضي النيابة العامة في القيام أو متابعة إجراء من الإجراءات أو بحضوره المحاكمة لأي سبب كان، وذلك راجع إلى أن الاختصاصات المخولة للنيابة العامة تكتسي طابعا إجرائيا ليس إلا، لا سيما أن قضاة الحكم هم من يحسم آخر الأمر مصير الدعوى الجنائية بإصدار الاحكام .

    ثانيا : كيفية وشكل ممارسة الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة

    الاجراءات المسطرية لا تنتج آثارها إلا إذا مورست بشكل سليم وكما حددها قانون المسطرة الجنائية وابتغاها المشرع .

    • كيفية ممارسة الدعوى العمومية من طرف وكيل الملك

    طرق ممارسة الدعوى العمومية تختلف حسب ما إذا كان الأمر يتعلق بالمخالفات أو الجنح كما ان وكيل الملك أوكل له المشرع مهاما أخرى تتجلى في تلقي الشكايات والوشايات والمحاضر والتقارير .

    الفقرة الاولى : بالنسبة للمخالفات

    عدل المشرع من الطريقة العادية لإقامة الدعوى العمومية في المخالفات المتمثلة في توجيه الاستدعاء في المخالفات إلى تبني مسطرة جديدة تتمثل في :

    أولا : السند التنفيذي في المخالفات

    يتم اللجوء إلى هذه المسطرة كلما تعلق الأمر بمخالفة يعاقب عليها القانون بغرامة فقط، وتكون مثبتة بمقتضى محضر أو تقرير وألا يظهر فيها متضرر أو ضحية، وتحدد القيمة القانونية للسند التنفيذي في المخالفات أنه عبارة عن اقتراح مكتوب يتم توجيهه من طرف وكيل الملك إلى المخالف يقترح عليه أداء غرامة جزافية مرفقا برسالة التبليغ وشهادة التسليم . وهناك شروط ينبغي تحققها من أجل اللجوء إلى مسطرة السند القابل للتنفيذ :

    • أن يتعلق الأمر بمخالفة معاقب عليها بغرامة فقط

    • أن تكون الغرامة مثبتة بمقتضى محضر أو تقرير

    • الا يظهر وجود متضرر أو ضحية

    هذا ويتضمن السند القابل للتنفيذ وجوبا مجموعة من البيانات تتمثل في :

    • الاسم الشخصي والعائلي لمرتكب المخالفة ومهنته ومحل سكناه ورقم بطاقته الوطنية

    • نفس المعلومات بالنسبة للمسؤول المدني إذا اقتضى الحال

    • بيان المخالفة ومحل وتاريخ ارتكابها ووسائل اثباتها

    • الفصول القانونية المطبقة في القضية

    • بيان مبلغ الغرامة الجزافية المقترحة مع الاشارة إلى أدائها بصندوق كتابة ضبط المحكمة الابتدائية

    • إمضاء وكيل الملك أو من ينوب عنه مذيلا باسمه

    • تاريخ صدور السند القابل للتنفيذ

    ويعتبر السند التنفيذي في المخالفات من المستجدات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية لكنه طرح عدة إشكالات عند التطبيق، من بينها صدوره عن جهة غير مختصة في إصدار الاحكام مما يجعل جدواه غير ذي أهمية سيما بعد إحالته على قسم التنفيذ الزجري وسلوك مسطرة الاكراه البدني، حيث يتعذر اللجوء إلى هذه المسطرة لعدم إذن قاضي تطبيق العقوبات بدعوى أن السند غير صادر عن هيئة للحكم بمعنى أنه ليس بمقرر قضائي .

    ثانيا : الاستدعاء للجلسة

    يتم تبليغ السند للتنفيذ مرفقا برسالة التبليغ إلى المخالف أو المسؤول المدني إن اقتضى الحال مرفقا برسالة التبليغ بإحدى الطرق التالية :

    • رسالة مضمونة مع الاشعار بالاستلام

    • عن طريق عون التبليغ التابع للمحكمة

    • عن طريق مفوض قضائي

    • عن طريق الجهة الادارية

    ففي حالة قبل المعني بالأمر اقتراح النيابة العامة يمكنه أداء مبلغ الغرامة بصندوق المحكمة المصدرة للسند أو في صندوق المحكمة الابتدائية أما في حالة رفض أداء الغرامة تحال القضية إلى المحكمة للبث فيها وفق المسطرة العادية ويكون قرار المحكمة غير قابل للطعن.

    الفقرة الثانية : بالنسبة للجنح

    تتخذ مسطرة ممارسة الدعوى العمومية في الجنح طابعا إجرائيا آخرا تختلف تمظهراته حسب الطبيعة القانونية للجنحة ونوعيتها .

    أولا : الأمر القضائي في جنح السير

    اذا تعلق الأمر بجنحة لا يعاقب عليها القانون سوى بغرامة لا تتجاوز 5000 درهم وكان ارتكابها مثبتا في محضر أو تقرير ولا يظهر فيه متضرر فإن وكيل الملك يسلك طريقة خاصة في إقامة الدعوى العمومية تتمثل في :

    • تقديم ملتمس كتابي يلتمس فيه الحكم على المتهم بغرامة

    • يتم إصدار الامر القضائي في غيبة الاطراف

    • لا يمكن أن يتجاوز مبلغ الغرامة المحكوم بها نص الحد الاقصى للغرامة المقدرة قانونا

    • يتم الحكم بالمصاريف القضائية إلى جانب مبلغ الغرامة

    نشير الى أن الأمر القضائي في جنح السير يختلف عن السند القابل للتنفيذ في المخالفات في قابلية الأول للتعرض داخل 10 أيام من تاريخ التبليغ وإلا أصبح الامر القضائي نهائيا.

    ثانيا : الاستدعاء للجلسة

    يمكن تصور الاستدعاء إلى الجلسة في حالتين :

    الحالة 1 : في الجنح والمخالفات العادية وهي التي يجري بشأنها بحث عادي دون توجيه تعليمات من طرف النيابة العامة بالتقديم أو بالوضع تحت الحراسة النظرية

    الحالة 2 : التي ترتكب فيها جنح تستحق التقديم أو الوضع تحت الحراسة النظرية إما لخطورتها أو لأسباب تستدعي طبيعة البحث وهي ما يطلق عليها حالات التلبس.

    ثالثا : الاحالة الفورية على الجلسة

    المقصود بها الاحالة على المحكمة بمعنى آخر متابعة المتهم أمام الجهة القضائية المختصة في حالة اعتقال احتياطي، فلا يمكن تصور هذه المسطرة إلا بالنسبة للأشخاص الماثلين أمام وكيل الملك فيتخذ القرار في يومه بخصوص المساطر المعروضة عليه :

    • إرجاع المتهم في حالة سراح مقابل كفالة مالية أو شخصية

    • اعتقال المتهم وايداعه السجن

    • حفظ المسطرة

    • الاحالة للاختصاص

    رابعا : الاحالة على قاضي التحقيق

    ينعقد التحقيق لقاضي التحقيق بناء على ملتمس مكتوب من النيابة العامة تتقدم به في الموضوع ويتضمن الوقائع المراد إجراء التحقيق بشأنها ولا يجوز لقاضي التحقيق تجاوزها م84، وقد أحدث المشرع نظام التحقيق بالمحاكم الابتدائية في بعض الجنح التأديبية ويهدف إلى تعميق الابحاث التمهيدية وتدقيق الادلة وتمحيصها . ويمكن رصد الصلاحيات التي يتوفر عليها وكيل الملك نحو قاضي التحقيق في ما يلي :

    • لا يمكن مباشرة التحقيق إلا بناء على ملتمس النيابة العامة

    • قاضي التحقيق يأمر بتبليغ الشكاية إلى وكيل الملك لأجل تقديم ملتمساته

    • إشعار وكيل الملك بإجراءات المعاينة والتفتيش

    • أخذ رأي النيابة العامة بشأن الأوامر التي يتخذها قاضي التحقيق

    • للنيابة العامة الطعن ببطلان إجراءات التحقيق أمام الغرفة الجنحية

    • للنيابة العامة الطعن بالإستئناف في أوامر قاضي التحقيق

    • للنيابة العامة الإدلاء بملتمساتها بشأن انتهاء البحث

    الفقرة الثالثة : صلاحيات أخرى موكولة لوكيل الملك

    هناك مجموعة أخرى من الصلاحيات الموكولة لوكيل الملك ترتبط بممارسة الدعوى العمومية كما نصت على ذلك المادة 40، فهو يتلقى المحاضر والشكايات والوشايات ويتخذ بشأنها ما يلزم قانونا، كما يقوم بنفسه أو من ينوب عنه بالقيام بالاجراءات الضرورية والبحث عن مرتكبي الجرائم وإعطاء تعليمات إلى الضابطة القضائية المختصة قصد القيام بالتحريات والاجراءات اللازمة من ضبط واستماع ووضع تحت الحراسة النظرية وتقديم فوكيل الملك يقوم بإحالة المحاضر والشكايات على غرفة التحقيق أو المحكمة عندما يتخذ قرار توجيه الاتهام أو المتابعة، كما يمكنه اتخاذ قرار الحفظ المؤقت ويجب أن يكون معللا بينما يمكن للمشتكي التقدم بطلب إخراج الشكاية أو المحضر من الحفظ ما لم يتم سقوط الدعوى العمومية، وفي حالة اتخاذ قرار الحفظ يجب على وكيل الملك أن يخبر المشتكي أو دفاعه داخل أجل 15 يوما تبتدئ من تاريخ اتخاذ القرار طبقا للمادة 40 .

    أولا : تلقي الشكايات والوشايات وكيفية تدبيرها

    مباشرة من أصحابها أو عن طريق البريد العادي أو المضمون ولم يحدد المشرع لها شكلا.

    ثانيا : تلقي المحاضر والتقارير

    المحضر هو الوثيقة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه وما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع إلى اختصاصه مع مراعاة مجموعة من البيانات حددها قانون المسطرة الجنائية، كما أن هناك التقارير وهي وثائق يحررها الموظفون والاعوان الذين خول لهم المشرع ممارسة مهام الشرطة القضائية ولها نفس حجية المحاضر، ويجب توجيه أصول المحاضر التي يحررها ضباط الشرطة القضائية إلى النيابة العامة مرفقة بنسختين منها مشهود بمطابقتها للأصل وكذا جميع الوثائق المتعلقة بها طبقا للمادة 23، وعلى المستوى الاجرائي فالنيابة العامة تتلقى المحاضر بطريقتين :

    • عن طريق الاحالة من الضابطة القضائية أو من المحاكم الاخرى للاختصاص أو عن طريق البريد أو الوضع بمكتب الضبط

    • عن طريق التقديم أمام وكيل الملك

    هكذا تتلقى النيابة العامة المحاضر من طرف :

    • ضباط الشرطة القضائية

    • أعوان الشرطة القضائية

    • الموظفون والاعوان الذين أناط بهم القانون بعض مهام الشرطة القضائية.

    ثالثا : إشعار الوكيل القضائي للمملكة

    في حالة قيام دعوى ضد موظف عمومي وتبين احتمال قيام مسؤولية الدولة، حيث يتم إشعار الادارة التي ينتمي إليها المتهم أو الشخص المتابع، وتجري هذه المسطرة بعد تحريك الدعوى العمومية في حق الاشخاص المذكورين في المادة 3 كما يتم إشعار بعد صدور الحكم ضد الموظف الذي يحرر في نظيرين، يحال أصله بعد توقيعه من طرف وكيل الملك على الوكيل القضائي للمملكة بوزارة المالية تحت إشراف الوكيل العام للملك كما يتم إشعار الادارة التي ينتمي إليها الموظف المتابع بمآل القضية .

    رابعا : تسيير ومراقبة الشرطة القضائية

    المادة 16 ” يسير وكيل الملك أعمال الشرطة القضائية في دائرة نفوذه ” و مرد هذه السلطة التي يملكها وكيل الملك على الشرطة القضائية في أنهم يستمدون سلطاتهم منه وينوبون عنه ويمثلونه، هذه المراقبة تشمل جميع أعمال و مهام الشرطة القضائية من خلال تتبع الاجراءات المتعلقة بالبحث وتنفيذ الاوامر القضائية مع كل ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية عن كل إخلال أو تقصير في التعاطي مع تعليمات النيابة العامة .

    خامسا : إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

    هذا الاجراء أنيط بوكيل الملك بمقتضى المادة 40 ويتم اللجوء إليه كلما تعلق الأمر بانتزاع حيازة بعد تنفيذ حكم، وهي مسطرة من المستجدات التي أتى بها القانون الجديد، حيث يتم المصادقة على الأمر من طرف المحكمة وقاضي التحقيق وتعهد مهمة تنفيذه إلى أعوان كتابة الضبط أو أحد المفوضين القضائيين فإذا تعذر إرجاع الوضع أو الحالة إلى ما كانت عليه أمكن تسخير القوة العمومية من أجل التنفيذ، لكن المشرع اشترط على وكلاء الملك في تطبيق هذا الاجراء عدة شروط :

    • أن يقع الاعتداء على انتزاع حيازة عقار

    • وجود حكم قضائي سابق قضى بالحيازة وسبق تنفيذه

    • عرض مقرر إرجاع الحيازة على المحكمة

    سادسا : مسطرة الصلح

    يشكل من أهم مستجدات قانون المسطرة الجنائية الجديد ويندرج في إطار تكريس فلسفة التصالح خصوصا في القضايا البسيطة للحد من تراكمها وحفاظا على العلاقات والاواصر وجبر الضرر في وقت قياسي .

    و حددت المادة 41 إجراءاتها وكيفية ممارستها وهي مهمة يضطلع بها وكيل الملك، حيث يمكن للمتضرر وقبل إقامة الدعوى العمومية وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بأقل من سنتين حبسا و أقل أو غرامة لا تتجاوز 5000 درهم أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما في محضر، ومسطرة الصلح تكون باقتراح من أحد الاطراف أو من طرف وكيل الملك، فيتقدم المتضرر بطلب في الموضوع إلى وكيل الملك وفي حالة الموافقة عليه يتم تحرير محضر بذلك بحضور دفاعهما، ويتضمن محضر الصلح اتفاق الاطراف و إشعار وكيل الملك ويتم توقيعه من طرف وكيل الملك والاطراف، ثم يحال محضر الصلح على رئيس المحكمة الابتدائية ليقوم بالتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والاطراف بغرفة المشورة بمقتضى أمر قضائي لا يقبل الطعن، أما الصلح بمبادرة من وكيل الملك فيكون في حالة عدم حضور المتضرر أمام وكيل الملك وتبين من وثائق الملف وجود تنازل مكتوب صادر عنه، وفي حالة عدم وجود مشتكي منح القانون لوكيل الملك إمكانية اقتراح صلح على المشتكى به مقابل أداء نصف الحد الادنى للغرامة المقررة قانونا أو اصلاح الضرر الناتج عن افعاله . الآثار القانونية المترتبة عن مسطرة الصلح هي إيقاف إقامة الدعوى العمومية لكن شريطة المصادقة على محضر الصلح وتنفيذ الالتزامات المصادق عليها داخل الآجال المحددة وعدم ظهور عناصر جديدة تمس الدعوى .

    سابعا : سحب جوازات السفر وإغلاق الحدود

    هي من الاختصاصات التي خولها المشرع لوكيل الملك في إطار ممارسته إجراءات الدعوى العمومية لكن تم تقييد هاذين الاجراءين بالشروط التالية :

    • أن تكون الجنحة المرتكبة يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا أو أكثر

    • ضرورة البحث التمهيدي

    • تحديد مدة سحب جواز السفر وإغلاق الحدود في شهر واحد

    • تمديد أجل شهر إلى حين انتهاء البحث التمهيدي رهين بما إذا كان الشخص المتخذ في حقه الاجراء هو السبب في تأخير إتمام البحث التمهيدي

    • ينتهي مفعول هذين الاجراءين بإحالة القضية على هيئة الحكم أو التحقيق أو باتخاذ قرار حفظ القضية

    كما يمكن اتخاذ هذا الاجراء بناء على طلب من الضابطة القضائية موجه إلى وكيل الملك متى كان الفعل يشكل خطورة يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا أو أكثر، كما يمكن لـوكيل الملك أن يصدر أمرا إلى الضابطة القضائية بفتح الحدود في وجه المعني بالأمر بمقتضى إرسالية تتضمن الامر المذكور .

    • إقامة الدعوى العمومية من طرف الوكيل العام للملك

    الوكيل العام خول له المشرع طبقا للمواد 36-49-419 إقامة الدعوى العمومية وممارستها أمام محكمة الإستئناف في الجنايات والجرائم المرتبطة بها أو الجنح والمخالفات غير القابلة للتجزئة عنها .

    الفقرة الاولى : الاحالة على غرفة الجنايات الابتدائية

    بمجرد توصله بالمساطر المتعلقة بالجرائم التي تدخل في اختصاصه يقرر تحريك الدعوى العمومية بالإحالة على غرفة الجنايات حسب المادة 73 بإحدى طريقتين :

    • الاحالة الفورية على الجلسة ( الايداع في السجن )

    • توجيه استدعاء للجلسة ( المتابعة في حالة سراح )

    • المادة 73: ” إذا تعلق الأمر بالتلبس بجناية طبقا لمقتضيات المادة 56، ولم تكن الجريمة من الجرائم التي يكون التحقيق فيها إلزامياً طبقاً لمقتضيات المادة 83 بعده، استفسر الوكيل العام للملك أو أحد نوابه المعين من طرفه المتهم عن هويته وأجرى استنطاقه بعد إشعاره أن من حقه تنصيب محام عنه حالاً وإلا عين له تلقائياً من طرف رئيس غرفة الجنايات.

    • يحق للمحامي المختار أو المعين أن يحضر هذا الاستنطاق كما يحق له أن يلتمس إجراء فحص طبي على موكله، وأن يدلي نيابة عنه بوثائق أو إثباتات كتابية. ويمكنه أيضاً أن يعرض تقديم كفالة مالية أو شخصية مقابل إطلاق سراحه، إذا تعلق الأمر بالمتابعة من أجل جنحة. وتطبق عندئذ المقتضيات المتعلقة بالكفالة المشار إليها في المادة 74 بعده.

    • يستعين الوكيل العام للملك بترجمان أو بكل شخص يحسن التخاطب أو التفاهم مع من يقع استنطاقه عند الاقتضاء.

    • إذا ظهر أن القضية جاهزة للحكم، أصدر الوكيل العام للملك أمراً بوضع المتهم رهن الاعتقال وأحاله على غرفة الجنايات داخل أجل خمسة عشر يوما على الأكثر.

    • إذا ظهر أن القضية غير جاهزة للحكم، التمس إجراء تحقيق فيها.

    • يتعين على الوكيل العام للملك إذا طلب منه إجراء فحص طبي أو عاين بنفسه آثاراً تبرر ذلك أن يخضع المشتبه فيه لذلك الفحص.

    • إذا تعلق الأمر بحدث يحمل آثاراً ظاهرة للعنف أو إذا اشتكى من وقوع عنف عليه يجب على ممثل النيابة العامة وقبل الشروع في الاستنطاق إحالته على فحص يجريه طبيب.

    • ويمكن أيضاً لمحامي الحدث أن يطلب إجراء الفحص المشار إليه في الفقرة السابقة.”

    أولا : الاحالة الفورية

    يقصد بها إحالة المتهم على غرفة الجنايات الابتدائية في حالة اعتقال احتياطي، والملاحظ أن المشرع قيد سلطة الوكيل العام عند لجوئه إلى الاعتقال الاحتياطي والاحالة الفورية على غرفة الجنايات باحترام شروط احتراما للضمانات الشخصية أو العينية :

    • أن يتعلق الأمر بجناية متلبس بها طبقا للمادة 56

    • ان لا تكون جريمة من الجرائم التي يكون فيها التحقيق إلزاميا طبقا للمادة 83

    • إذا ظهر للوكيل العام أن القضية جاهزة للبت فيها

    هذه هي شروط وكيفية الاحالة الفورية على الجلسة كما سطرتها المادة 73 ويتم اللجوء إليها في الجرائم الخطيرة أو تلك التي لا يتوفر فيها المشتبه فيه على ضمانات الحضور وهو أمر يخضع للسلطة التقديرية للنيابة العامة هل مسطرة الاحالة الفورية أم الاستدعاء للجلسة ومحاكمة المتهم في حالة سراح .

    ثانيا : الاستدعاء للجلسة

    لا نتحدث هنا عن اعتقال احتياطي كما هو الحال في الاحالة الفورية على غرفة الجنايات الابتدائية بل نتحدث عن استدعاء للجلسة ويعرض المتهم ويقدم للمحاكمة وهو في حالة سراح مقابل كفالة مالية أو شخصية، ويتضمن الاستدعاء تحت طائلة البطلان ملخصا للوقائع والتكييف القانوني لها والمواد القانونية التي تعاقب عليها، كما أن المتهم في حالة سراح يجب أن يكون وفق شروطا :

    • حضور المتهم للمحاكمة

    • ضمان أداء المصاريف المسبقة التي أداها الطرف المدني، المبالغ الواجب إرجاعها ومبالغ التعويض عن الضرر، المصاريف التي أنفقها مقيم الدعوى العمومية، ثم الغرامات .

    ويتم تحديد مبلغ الكفالة في مقرر النيابة العامة ويدفع مبلغها إلى صندوق المحكمة أو القابض، فإذا حضر المتهم لجميع إجراءات المسطرة وقام بتنفيذ الحكم يرد له الجزء الأول من مبلغ الكفالة وإذا تخلف بدون عذر تمت مصادرته لفائدة خزينة الدولة، أما الجزء الثاني من الكفالة فيرد إلى صاحبه إذا صدر مقرر بعدم المتابعة أو بالبراءة أو الاعفاء في حين يخصص لتسديد المصاريف والغرامة وتعويض الضرر في حالة الادانة .

    الفقرة الثانية : المطالبة بإجراء تحقيق

    كما هو معلوم فإن قاضي التحقيق لا يمكنه المبادرة إلى إجراء التحقيق من تلقاء نفسه لأن القضايا التي تعرض عليه تأتي من أحد طريقين :

    • تكليفه من طرف الوكيل العام للملك بواسطة ملتمس بإجراء تحقيق.

    • الادعاء المصحوب بالمطالب المدنية الذي يقدمه المتضرر من الجريمة مباشرة.

    سبقت الاشارة إلى الصلاحيات المخولة للنيابة العامة سواء بالمحاكم الابتدائية أو محاكم الإستئناف ومن بينها تقديم ملتمس إجراء تحقيق، الذي قد يكون إجباريا أو اختياريا

    أولا : التحقيق الاجباري

    جاء في المادة 83 : ” يكون التحقيق إلزاميا:

    1) في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة؛

    2) في الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث؛

    3) في الجنح بنص خاص في القانون.

    يكون اختيارياً فيما عدا ذلك من الجنايات وفي الجنح المرتكبة من طرف الأحداث، وفي الجنح التي يكون الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها خمس سنوات أو أكثر.”

    ثانيا : التحقيق الاختياري

    يفهم من المادة 83 أن التحقيق يكون اختياريا في غير الجنايات المشار إليها .

    هذه الاختيارية مبنية على سلطة تقديرية للوكيل العام للملك فيما إذا كانت القضية جاهزة واستجمعت كافة الادلة لإحالتها إلى غرفة الجنايات أم أنها تحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص وتعميق البحث فيتم إحالتها إلى قاضي التحقيق مع تحديد النقط التي يمكن تسليط الضوء عليها، فالإحالة على قاضي التحقيق بأن التحقيق الاختياري ليست إجراء شكليا بل هو مؤسس على قناعة راسخة مبنية على هاجس الوصول إلى الحقيقة ولا داعي لإغراق القاضي بالقضايا الواضحة والمستكملة لعناصرها .

    الفقرة الثالثة : صلاحيات أخرى موكولة للوكيل العام للملك

    هي طبعا صلاحيات متعلقة بممارسة الدعوى العمومية

    أولا : إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

    وذلك على غرار وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية، فالوكيل العام يملك حق إرجاع الحالة إلى كانت عليه و رد الاشياء المحجوزة وفق مجموعة من الاجراءات خصوصا في دعاوى الحيازة لما للعقار من أهمية وارتباط بالإنسان .

    • إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه : نصت على ذلك المادة 49 فإذا تعلق الأمر بانتزاع حيازة بعد تنفيذ حكم أن يأمر باتخاذ أي إجراء تحفظي يراه ملائما لحماية الحيازة و ارجاع الحالة إلى ما كانت عليه على أن يعرض الامر على المحكمة أو هيئة التحقيق التي رفعت إليها القضية .

    • رد الاشياء المحجوزة : في حالة عدم وجود منازعة جدية يأمر برد الاشياء المحجوزة أثناء البحث لمن له الحق فيها ما لم تكن لازمة لسير الدعوى وخطيرة أو قابلة للمصادرة لكن مع احترام شروط :

    • عدم وجود منازعة جدية بشأنها

    • ألا تكون محجوزات خطيرة

    • ألا تكون قابلة للمصادرة

    ثانيا : سحب جوازات السفر و إغلاق الحدود

    على غرار وكيل الملك طبقا للمادة 49 حيث يتم تنفيذ هذا الاجراء عن طريق توجيه تعليمات إلى القوة العمومية .

    ثالثا : التقاط المكالمات الهاتفية بوسائل الاتصال عن بعد

    خول له المشرع التقاط المكالمات الهاتفية والاتصالات الموجهة برسائل الاتصال عن بعد إما بناء على إذن مسبق من رئيس محكمة الإستئناف وفي حالة الاستعجال يبادر إلى ذلك مع إحاطة الرئيس الاول علما بشأنها، ويتم اللجوء إلى هذه الصلاحية إذا اقتضتها الضرورة في انواع خاصة من الجرائم التي تعتبر خطيرة بطبيعتها وتتمثل في ما يلي :

    • الجرائم الماسة بأمن الدولة المنصوص عليها في الفصل 163-218 من ق ج

    • جرائم المخدرات

    • جرائم العصابات المنصول عليها في الفصول 293-299 من ق ج

    • جرائم الاختطاف وأخذ الرهائن المنصوص عليها في الفصول 293-299 من ق ج

    • جرائم حيازة الاسلحة والذخيرة والمتفجرات

    • جرائم التزييف والتزوير للنقود المنصوص عليها في الفصول 334-314 من ق ج

    • جرائم القتل والتسميم المنصوص عليها من 392-398 من ق ج

    • جرائم الارهاب كما حددها القانون 03-03 المتعلق بالجرائم الارهابية

    هكذا حددت المواد 108-116 من ق م ج شكليات هذا الاجراء الذي يتخذه الوكيل العام في حالة الضرورة القصوى مع إمكانية تسجيل المكالمات وأخذ نسخ منها .

    استثناءات إقامة الدعوى العمومية والقيود التي ترد عليها

    المشرع خول بصفة استثنائية بعض الاشخاص إثارة الدعوى العمومية ضمن شروط و شكليات قانونية معينة ومساطر خاصة، وإذا كان الاصل هو إثارة الدعوى العمومية وقمع مرتكبي الجريمة تحقيقا للردع العام والخاص فإن ثمة قيود ترد على هذا الاصل وتحد منه وبعضها يحول دون إقامة الدعوى العمومية بشكل دائم ومؤبد .

    المبحث الأول : جهات استثنائية خول لها المشرع حق إقامة الدعوى العمومية

    حدد المشرع جهات خولها حق إقامة الدعوى العمومية وتتنوع بين جهات قضائية وأخرى إدارية، المادة 3 ” يقيم الدعوى العمومية ويمارسها قضاة النيابة العامة كما يمكن أن يقيمها الموظفون المكلفون بذلك قانونا، يمكن أن يقيمها الطرف المتضرر طبقا للشروط المحددة في هذا القانون”

    المطلب الأول : جهات غير قضائية

    نظرا لطبيعة بعض الجرائم التي تتميز بالخصوصية فقد اسند المشرع اختصاص تحريك الدعوى العمومية بشأنها إلى جهات إدارية نطمت إجراءاتها قوانين خاصة تتلخص في الفقرات الموالية .

    الفقرة الاولى : المتضرر

    من خلال المواد 3 و 92 و 348 منح المشرع للمتضرر من الجريمة الحق في إثارة الدعوى العمومية بشكاية مباشرة مصحوبة بالادعاء المدني أمام المحكمة الزجرية أو قاضي التحقيق، وهذا الحق هو عام وشامل لكافة الجرائم، لكن هناك شروط يجب توافرها :

    • أن يكون المتضرر قد تعرض شخصيا لضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسبب فيه الجريمة بشكل مباشر

    • توفر مجموعة من البيانات في الشكاية المباشرة تحت طائلة عدم القبول من قبيل الهوية الكاملة للمشتكي والمشتكى به – عرض الافعال المكونة للجريمة وتاريخ ومكان ارتكابها – تحديد الاسباب الداعمة للادعاء والمبرر للطلب – تحديد مبلغ التعويض وايراده بمذكرة المطالب المدنية – اختيار موطن بدائرة نفوذ المحكمة إذا كان المشتكي يقيم خارجها .

    وتختلف مسطرة الادعاء المباشر والشكاية المباشرة عن الشكاية المقدمة لدى النيابة العامة من حيث إجراءاتها المسطرية :

    • توجيه الشكاية في اسم رئيس المحكمة أو قاضي التحقيق

    • أداء رقم قضائي قدره 150 درهم

    • أداء قسط جزافي قدره 100 درهم للتنصب كمطالب للحق المدني

    • إيداع مبلغ الوديعة بصندوق المحكمة الذي يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة أو قاضي التحقيق

    • لا يمكن إقامة الدعوى المدنية عن طريق الادعاء المدني في مواجهة حدث

    • في حالة اقيمت الدعوى العمومية ضد موظف عمومي أو عون تابع للسلطة أو قاضي وتبين احتمال قيام مسؤولية الدولة وجب إشعار الوكيل القضائي للمملكة .

    ثم يتم إحالة ملف القضية على النيابة العامة قصد الاطلاع وتسجيل مراجعه لديها وإحداث ملف نظير الملف الاصلي، هذا وتصبح الدعوى العمومية المقامة بطريقة مباشرة ملكا للنيابة العامة وبالنتيجة فإن تنازل المتضرر فذلك لا يضع حدا للمتابعة إلا إذا كانت الشكاية شرطا أساسيا ومطلوبة فيها، فيقع حد للدعوى العمومية وتتوقف إجراءاتها .

    الفقرة الثانية : الموظفون ذوو الصفة الضبطية

    وهو ما جاء في المادة 384 حيث نصت على أن الدعوى العمومية ترفع إلى المحكمة الابتدائية باستدعاء يسلمه أحد أعوان الادارة المأذون له بذلك قانونا، إذا كان هناك نص خاص يسمح لهذه الادارة بذلك، تتعدد هذه الجهات الادارية التي خول لها المشرع هذا الحق، من بينها إدارة المياه والغابات ومصالح التعمير التابعة للمقاطعات و الجماعات الحضرية والقروية وأقسام الشؤون الاقتصادية التابعة للعمالات التي تضطلع بمراقبة الاسعار والمنافسة ومديرية المجازر التابعة للعمالات .

    المطلب الثاني : الجهات القضائية

    تتوزع هذه الجهات عموما بين قضاة التحقيق والغرفة الجنحية والغرفة الجنائية بمحكمة النقض والرؤساء الأولون بمحاكم الإستئناف ثم محاكم الحكم .

    الفقرة الاولى : قاضي التحقيق

    تتكلل تحقيقات قاضي التحقيق بمجموعة من الاوامر التي تنهي التحقيق وهي :

    • الأمر بالاحالة على المحكمة

    • أو الأمر بعدم المتابعة

    • أو الامر بعدم الاختصاص

    إذن الاحالة على المحكمة تعني تحريك الدعوى العمومية، ومتابعة المتهم أمام الجهة القضائية المختصة بعد ترجيح قاضي التحقيق أسباب الادانة وتمحيص الادلة، لكن نميز بين الإحالة من طرف قاضي التحقيق لدى المحكمة الابتدائية وقاضي التحقيق لدى محكمة الإستئناف، فالأول يختلف الأمر لديه حسبما إذا تعلق الأمر بمخالفة أو جنحة أو جناية، فالمادة 217 تنص على ” إذا تبين لقاضي التحقيق لدى المحكمة الابتدائية أن الافعال تكون مخالفة، أحال الملف على النيابة العامة وأمر بوضع حد للوضع تحت المراقبة القضائية وبالافراج عن المتهم المعتقل ما لم يكن معتقلا لسبب آخر إذا تعلق الأمر بجنحة أصدر قاضي التحقيق أمرا بإحالة المتهم على المحكمة المتخصة ” أما بالنسبة للجنايات فهي لا تدخل ضمن اختصاص قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية فإذا تبين له أن الأمر يتعلق بجناية وجب عليه التصريح بعدم الاختصاص وإحالة الملف على النيابة العامة التي تقوم بإحالته على الجهة المختصة طبقا للمادة 215، أما قاضي التحقيق لدى محكمة الإستئناف فالمادة 218 فتنص على أن ” إذا تبين لقاضي التحقيق لدى محكمة الإستئناف أن الافعال تكون جناية أصدر أمرا بإحالة المتهم على غرفة الجنايات ” ولا يقبل هذا الامر الطعن إلا بالنقض .

    الفقرة الثانية : الغرفة الجنحية

    تتكون الغرفة الجنحية من الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف أو من ينوب عنه ومن مستشارين اثنين والوكيل العام للملك أو أحد نوابه ثم من كاتب ضبط، هذه الغرفة هي هيئة جماعية لمحكمة الإستئناف حددا اختصاصاتها المادة 231 من ق م ج، حيث تعقد جلساتها بصفة سرية في غرفة المشورة بعد الاطلاع على تقرير النيابة العامة و دراسة الملتمسات الكتابية للنيابة العامة ومذكرات الاطراف ثم تصدر قرارها في جلسة علنية . ويتجلى دور هذه الغرفة في تحريك الدعوى العمومية من خلال :

    • اذا اصدرت الغرفة الجنحية قرارا بعدم اختصاص قاضي التحقيق فإنها تعين هيئة الحكم أو التحقيق التي تختص بالنظر في القضية (م242)

    • إذا أيدت أمرا بعدم المتابعة فإنها تصدر قرارا بذلك (م243)

    • إذا ألغت أمرا بعدم المتابعة فإنها تقرر إحالة القضية أولا إلى المحكمة الابتدائية إذا تعلق الامر بمخالفة أو جنحة وثانيا إلى غرفة الجنايات إذا تبين للغرفة الجنحية أن الافعال تكون جناية، وفي هذه الحالة تحيل معها الجنح والمخالفات غير القابلة للتجزئة أو المرتبطة بالجناية .

    الفقرة الثالثة : الغرفة الجنائية بمحكمة النقض

    خلافا للدور الأساسي لمحكمة النقض باعتبارها محكمة قانون، فالمادة 265 تعطي الحق للغرفة الجنحية بمحكمة النقض بناء على ملتمسات الوكيل العام للملك بنفس المحكمة بأن يجري تحقيق في حالة كان الفعل منسوبا إلى مستشار لجلالة الملك أو عضو من أعضاء الحكومة أو كاتب دولة أو قاض بمحكمة النقض أو بالمجلس الاعلى للحسابات أو عضو في المجلس الدستوري أو والي أو عامل أو رئيس محكمة استيناف أو متخصصة أو عادية أو وكيل عام للملك، هؤلاء الاشخاص تطبق فيهم قواعد الاختصاص الاستثنائي عند ارتكابهم أفعالا معاقبا عليها قانونا سواء أثناء مزاولة مهامهم أو خارجها، نشير إلى أن هذه القضايا لا تقبل معها المطالبة بالحق المدني .

    الفقرة الرابعة : الرؤساء الأولون لمحاكم الإستئناف

    الحالة الاولى : إذا كان الفعل الجرمي منسوبا إلى قاض بمحكمة الإستئناف أو رئيس المحكمة الابتدائية أو رئيس محكمة متخصصة أو وكيل الملك بها أو قاض بالمجلس الجهوي للحسابات، وبعد إجراء تحقيق يقوم قاضي التحقيق برفع الملف إلى الوكيل العام للملك ليقدم ملتمساته، أما إذا تعلق الأمر بجناية أصدر اصدر قاضي التحقيق أمرا بإحالة القضية إلى غرفة الجنايات بمحكمة الإستئناف أما في حالة جنحة يصدر أمرا بإحالة القضية على غرفة الجنح الإستئنافية .

    الحالة الثانية : عندما يكون الفعل الجرمي منسوبا إلى قاضي بمحكمة ابتدائية أو متخصصة يقوم الوكيل العام بإحالة القضية إلى الرئيس الأول لنفس المحكمة، هذا الأخير يقرر ما إذا كان الأمر يقتضي إجراء بحث ثم تطبق نفس مقتضيات الحالة الاولى للبحث والمتابعة والاحالة والمطالبة بالحق المدني .

    الحالة الثالثة : إذا كان الفعل الجرمي منسوبا إلى باشا أو خليفة أو عامل أو رئيس دائرة أو قائد أو بضابط شرطة قضائية فالوكيل العام يقرر ما إذا كان الامر يقتضي إجراء تحقيق وفي حالة الايداب يعين مستشارا للتحقيق فإذا تعلق الأمر بجناية فالمستشار المكلف بالتحقيق يصدر أمرا بالاحالة إلى غرفة الجنايات أما إذا تعلق بجنحة فيحيل القضية إلى محكمة ابتدائية غير التي يزاول فيها المتهم مهامه بدائرتها .

    الفقرة الخامسة : محاكم الحكم

    هذه الصلاحية بيد النيابة العامة في الجنايات والجنح التي ترتكب خلال جلسات المحاكمة بناء على المحاضر التي تكون هيئة الحكم قد حررتها والمتضمنة للوقائع المنسوبة للمتهم الذي يتم إحالته من قبل المحكمة بالقوة العمومية على النيابة العامة، ويكون الحكم الصادر في هذا النوع من الجرائم نهائيا ولا يمكن الطعن فيه باي وسيلة من وسائل الطعن .

    📗 خلاصة الباب

    • النيابة العامة هي الجهة الأصلية في تحريك الدعوى العمومية وممارستها، وتخضع لمبدأ التبعية الرئاسية والتسلسل الإداري خلافا لقضاة الحكم المستقلين.
    • تختلف صلاحيات وكيل الملك عن الوكيل العام للملك بحسب درجة الجريمة (مخالفة، جنحة، جناية)، ولكل منهما صلاحيات خاصة في الإحالة الفورية، المطالبة بتحقيق، إرجاع الحالة، وسحب جوازات السفر.
    • يمكن للدعوى العمومية أن تُحرَّك استثناء من جهات غير النيابة العامة (المتضرر، بعض الموظفين ذوي الصفة الضبطية) أو من جهات قضائية أخرى (قاضي التحقيق، الغرفة الجنحية) في حالات محددة قانونا.

  • الباب الرابع: الاتجاه التكويني في تفسير السلوك الإجرامي (لومبروزو وفرويد)

    📖 علم الإجرام — الفصل 5 من 8 — فهرس الكتاب

    المحور الثاني : تفسير الظاهرة الاجرامية أو التفسير السلوك الاجرامي

    المحور الثالث : دراسة عوامل الظاهرة الاجرامية

    علم الاجرام يدور حول سؤال جوهري مهم ” لماذا يسلك الانسان مسلكا إجراميا ؟ ” وكل النظريات التي تحدثت في هذا الامر لم تشف الغليل ولم تجب عن السؤال ، ما هو السبب ؟ ما هي العلة وراء السلوك الاجرامي ؟ و سوف يتهم هذا العالم بأنه غير ناضج وما زال في مرحلة التكوين لأننا لسنا في خضم علم من العلوم الطبيعية 1+1=2 ، بل نحن بصدد علم إنساني يبحث في الانسان ، والانسان مزيج من العقد النفسية ، تؤثر على سلوكاته ، فالجريمة إذن علم متراكم وأغلب الاجرام يدرسون الجريمة كونها ظاهرة عامة لكن ينسون أن الجريمة أنواع وليست واحدة فالجرائم الجنسية تختلف عن الجرائم المالية أو جرائم العنف ، ووضع الجريمة كيفما كانت تحت قاعدة عامة خطأ كبير ، فيجب دراسة كل جريمة على حدة لأن لكل جريمة اسبابها الخاصة ، فالتخصص مما يساعد في تطور العلوم ، فالطب لولا تخصصه لما وصل إلى ما هو عليه من النجاح فيجب دراسة كل جريمة على حدة لكي نصل إلى نتيجة حتمية وعلاج فعال لكل جريمة .

    لماذا إن يسلك الانسان مسلكا إجراميا ؟

    الجريمة هي المجهول الذي يرتبط بالباطن والجانب الخفي من الانسان ، فيستحيل معرفة باطن الانسان و يستحيل توقع سلوكاته ، وعلماء الاجرام أنفسهم انقسموا إلى 3 اتجاهات مختلفة في إعطائهم التفاسير لظاهرة الاجرامية ، فهناك الاتجاه التكويني : ويرجع اسباب الجريمة إلى اسباب عضوية أو نفسية وقد ظهر في أوروبا أو ما يعرف بالمدرسة الاوروبية ، ثم هناك الاتجاه الاجتماعي : وهو اتجاه أمريكي ظهر في أمريكا بعد فشل الاتجاه الاوروبي وقال بأن الجريمة لا ترجع الى التكوين الجسمي الطبيعي للإنسان بل ترجع إلى محيطه الاجتماعي والعوامل الاجتماعية ومن الخطأ اعتبار الجريمة ناتجة عن العوامل البيولوجية النفسية وإنما هي نتيجة العوامل الاجتماعية فعندما يتظافر الفقر مع البطالة مع القمع تنتج لنا إنسانا مجرما ، ثم الاتجاه التكاملي : الذي جمع بين المدرستين التكوينية والاجتماعية وقال أن الجريمة ما هي إلا نتائج لعوامل بيولوجية نفسية واجتماعية في نفس الوقت أي هي خليط مركب .

    الاتجاه التكويني : هذه النظريات أجمعت على أن السلوك الاجرامي سببه أسباب داخلية ترتبط بالشخصية الاجرامية اي بالتكوين العضوي أو النفسي للمجرم .

    أولا : النظريات البيولوجية

    مرحلة ما قبل لومبروزو

    اهتم الفكر الانساني على مر العصور بالجريمة وحاول جاهدا أن يجد لها شروحات مناسبة كما حاول أن يحد منها بالعقاب من منطلقات أخلاقية وفلسفية متعددة ، لكنها بقيت في إطار العقاب دون أن تبحث عن الدوافع لتعالجها فالجريمة كانت دائما تهدد أمن المجتمع وبالتالي كان العقاب ضروريا لذلك لم تظهر دراسة اسباب ما وراء الظاهرة الاجرامية الا في القرن 19 . أما في القرنين 17 و 18 فقد ذهب أغلب الشارحين للسلوك الاجرامي إلى اعتبار العوامل البيولوجية ، وهي محاولة تقترب من فراسة الانسان القديم الذي ربط بين المجرم و ملامح جسدية ظاهرة في جسمه ، حيث قام الاطباء بتشريحات لجسم المجرم ثم ذهبوا إلى فراسة جديدة عرفت بفراسة الدماغ التي جعلت من قياسات جماجم المجرمين وسيلة لمعرفة المجرم ، فانطلق أطباء أوروبا باحثين عن الاوصاف الجسمية خاصة المتعلقة بالجمجمة والذراع ليربطوا بها سلوكات معينة أو يجدوا لها نماذج لها نموذجا بشريا إجراميا يفسرون به سبب الجريمة .

    عهد لومبروزو

    أهمها نظرية لمبروزو في تفسير الظاهرة الاجرامية فهو الأول الذي انتقل من دراستها نظريا إلى دراستها علميا فعلم الاجرام الحديث يدين لهذا العالم الايطالي بالفضل الكبير لأنه أول من وضع الاسس العلمية في مجال دراسة الظاهرة الاجرامية ويعتبر حجر الزاوية لمعظم المذاهب البيولوجية التي عملت على إعطاء تفسير للسلوك الاجرامي وهي عصب الفلسفة الوضعية .

    ولد لامبروزو في ايطاليا 1836-1909 من أبوين يهوديين ، درس الطب في عدد من الجامعات الايطالية ثم عمل أستاذا للطب الشرعي والعقلي في الجامعة وعمل طبيبا للأمراض العقلية في السجون الايطالية وعمل سنوات في الجيش الايطالي فـكون بذلك تجربة كبيرة عن الجريمة والانسان المجرم له عدة أعمال حول الجريمة وأسبابها ، المرأة المجرمة ، الدعارة ، والفكرة الاساسية له هي أن هناك أشخاصا يتميزون بمظاهر جسمانية خلقية وملامح عضوية وسمات خلقية معينة ينقادون إلى ارتكاب الجريمة تحت تأثير عوامل وراثية ويقدمون على الجريمة بحكم تكوينهم البيولوجي ، وأن سلوكهم الاجرامي يحكمه مبدأ الحتمية البيولوجية ، وإذا كان البعض اعتبر الانسان مخيرا فإن لامبروزو اعتبره غير مخير وإنما مسيرا وأنه يولد من بطن أمه مجرما بسبب اختلالات وراثية وسمات خلقية شاذة ترجع إلى سمات الانسان البدائي يتوارثها جيل عن جيل ، هذه الاختلالات تبدو على شكل ملامح عضوية سماها سمات الارتداد فعندما نلاحظ أن شخصا ما لديه سمات خلقية معينة شاذة نقول هذا مشروع مجرم قادم لا محالة وقد خلص لامبروزو إلى هذه النتائج انطلاقا من دراسة ميدانية في السجون والجيش وخرج بمجموعة من الخلاصات ، وتتمثل هذه السمات حسب لامبروزو في الخصائص الجسمانية التي إذا ما توفرت في انسان ما يكون ختما مجرما .

    ولومبروزو يعتمد في نظريته على فرضيتين رئيسيتين استقاهما من علم الاجناس وعلم الامراض العقلية ، فالمجرم المطبوع بالولادة في نظره يخلق مجرما نتيجة ردة أو نكسة عكسية وراثية فهو يتميز عن الانسان العادي بأنه توقف نموه الطبيعي في رحم أمه وبقي في حالة بدائية تشبه حالة الانسان المتوحش العاجز عن إدراك القوانين التي تنظم المجتمع ، فهو يستجيب لغرائزه الحيوانية والفرضية الثانية أن إجرام المجرم يأتي نتيجة مرض الصرع الذي يفقد المجرم الذاكرة ويجعله يرتكب أفعالا فظيعة ، وهو في كلا الحالتين مجرم بالوراثة مدفوع بحتمية بيولوجية .

    وقد أجرى لومبروزو تجارب على حوالي 6000 مجرم وقارنها مع الانسان العادي فحصل على نتائج أكدت صحة فرضياته وهي أن المجرم يختلف عن الانسان العادي بحالات شاذة في شكل جمجمته تشكل انحطاطا في الجنس البشري وهبوطا نحو مستوى الحيوانية ، وهكذا يتميز المجرم بفقدان الشعور بالعطف والألم كما يظهر شعوره بالميل الجنسي مبكرا و انعدام الرادع الاخلاقي هكذا يعتبر إجرامه لا مفر منه ونتيجة حتمية وقد أعطى أوصافا محددة لهذا المجرم ففي الاغتصاب الجنسي مثلا يتميز بـ الفك الضخم والجبهة الضيقة والاذنين المندفعتين بعيدا عن الرأس و وجنتين بارزتين وانخساف في الدماغ وتقارب بين العينين ، أما في جرائم السرقة فيتميز بكثافة وانخفاض الحاجبين وصغر العينين وتحركهما المستمر .

    هكذا خلص لومبروزو إلى مصطلح الانسان المجرم المثقل بالجريمة والمطبوع على ارتكابها ، لكن لومبروزو تراجع نسبيا عن فكرة المجرم بالفطرة بعد كثرة الانتقادات له وعوض الفكرة بالمجرم العاطفي والمجرم المختل عقليا ، الشيء الذي يوحي أنه بدأ يؤمن بالمؤثرات النفسية والخارجية وتأثيرها على السلوك الانساني و تحدث عن ذلك أواخر عمره .

    يبقى أن لومبروزو كان له الفضل في الانتقال من المدرسة الكلاسيكية والفلسفية و أعطى لعلم الاجرام نكهة علمية كانت سببا في ظهور المدرسة الايطالية التي دشنت عهدا جديدا في علم الاجرام ورغم المغالاة في العامل البيولوجي أو الانحطاطية البيولوجية فهو يرجع إليه الفضل في استعمال منهجية علمية لدراسة الظاهرة الاجرامية وكان أول من استعمل المنهجية المقارنة أو طريقة المغايرة التي تعتمد على إجراء دراسات وفحوص على جماعة من المجرمين و مقارنتها مع جماعة من غير المجرمين للتوصل إلى نموذج للمجرم ، ومع ذلك وجهت انتقادات كثيرة إلى لومبروزو ذلك أن العالم الانجليزي غورنغ أثبت أنه لا فروق واضحة بين المجرمين وغير المجرمين من الناحية العضوية مما يفند نظرية المجرم بالفطرة كما أثبت ذلك العالم الامريكي هوتن ، كما أن نظرية الانسان بالفطرة اصبحت لا تناسب الافكار الحديثة التي تؤمن بالمساواة بين جميع البشر ، أولا فكرة توقف النمو فكرة لم يتفق معه فيها الكثير وهي فكرة غير مستساغة فلا يمكن أن يعود الانسان 60 مليون سنة إلى الوراء ليجد نفسه حيوانا ، ثانيا هناك فروق كثيرة بين الانسان والحيوان فالانسان هو الانسان ولا يوجد انسان متوحش متخلف زمنيا عن زمانه متوقف عن التطور واتهموا لومبروزو بالعنصرية .

    سمات الارتداد عند لامروزو :

    المجرم هو نوع من البشر لكن ما يميزه عن البشر هو تميزه بمظاهر جسمانية شاذة إذا ما توفرت في انسان فإنه يكون مجرما ، هذه السمات شبيهة بالإنسان البدائي المتوحش وقال أن هناك 10 سمات أساسية هي التي يرتد بها إلى مواصفات الانسان البدائي ولا بد أن تتوفر 5 صفات على الأقل في الانسان ليصبح مجرما بالفطرة لا محالة وأن علامة واحدة أو اثنتين لا تكفي بل لا بد من وجود 5 صفات على الأقل ليكون لديه ميل إجرامي ويرتكب الجريمة عندما تسنح الفرصة وهي : انحدار و ضيق في الجبهة 2- غزارة في شعر الجلد والرأس 3- عدم انتظام الاسنان 4- ضخامة الفكين 5- طول مفرط في الذراعين 6- قلة شعر اللحية 7- شذوذ في حجم الاذنين والانف 8- بروز عظام الوجنتين 9- ضيق تجويف عظام الرأس 10 – البلوغ الجنسي المبكر .

    هذه السمات تشبه الانسان البدائي الذي يميل نحو الانسان الحيواني بطبيعته فكل من لديه هذه الصفات فهذه الصفات تعود به إلى طباع الانسان البدائي في سلوكاته ، ومن التجارب التي اعتمد عليها لامبروزو في أبحاثه أنه قام بتشريح جثة قاطع طريق فاكتشف أنه لديهتجويف في مؤخرة الجمجمة شبيه بتجويف الحيوانات المتوحشة والقردة ، واستخلص أن المجرم يتمتع بشذوذ جسماني خاص يرتد به إلى خصائص الانسان البدائي فيرتكب الجريمة دون وعي أو أنه ينقاد إلى ارتكابها بشكل حتمي .

    ثم أنه تناول حالة مجرم خطير قتل 20 من النساء ثم شوه جثتهم وشرب دماءهم ثم دفنهم وعند موته قام لامبروزو بتشريح جثته فاكتشف بأن لديه صفات الانسان البدائي لا من حيث الاسنان ولا من حيث الجمجمة والفكين وما إلى ذلك .

    ثم قام بتشريح 383 جثة لمجرمين كانوا متهمين بجرائم عنف و اكتشف أن هناك تجويفات تشبه الحيوانات المتوحشة ، فيقول لامبروزو أن هناك سمات ارتداد .

    لامبروزو لم يقف عند هذا الحد إنما قرر من واقع بحوث لاحقة أن هناك علاقة وثيقة بين السلوك الاجرامي والصرع أو التشنجات العصبية اي المجرم المجنون انطلاقا من تجربة جندي كان طبيعيا في الجيش الايطالي وكان معروفا بانتظامه وأخلاقه الحسنة وحسن سلوكه لكن فجأة تعرض إلى إهانة من أحد الجنود لأنه قدم من مقاطعة فقيرة فدخل هذا الجندي في حالة هستيرية و قتل 8 من زملائه وختم برؤسائه في الجيش ، من هنا ربط السلوك الاجرامي بالتشنجات العصبية أو الصرع .

    مرحلة ما بعد لومبروزو

    اختلف كثير من أتباع لومبروزو معه في تفسير الجريمة وتحديد أسبابها ، فلم يتقيدوا بتفسيره وأضافوا إلى نظريته بعض الشروح ليلطفوا من طغيان العامل البيولوجي فيها ، فقال فيري بوجود عوامل خارجية أو داخلية للمجرم طبيعية أو اجتماعية تؤثر في سلوكه فاتخذ مجرى سوسيولوجيا ، أما كاروفارو فلاحظ أن العامل البيولوجي ليس وحده السبب بل هناك عوامل اجتماعية تساعد على ارتكابها واعتبر الضمير الاخلاقي معيارا لتحديد الشعور العام بالرفق والاستقامة ، وتظهر محدودية التقسيم الثنائي للجرائم إلى طبيعية واعتبارية ، فلو سلمنا بها في حالة القتل فلا يمكن التسليم بها في الجرائم التي تتطور مع المجتمع فلا يمكن للمجرم أن يتنبأ بها في بطن أمه ولا أن يتدرب عليها في رحمها بل يعيشها و يتدرب عليها في المجتمع ، فالمجرم إذن لا يخلق مجرما بالفطرة ، بل يولد كسائر الناس و يأخذ إجرامه من المجتمع ، هكذا استطاع كاروفارو أن ينتقد استاذه لومبروزو ويوجه الاهتمام إلى عوامل أخرى نفسية واجتماعية وانتقل علم الاجرام من طوره البيولوجي إلى مرحلة الدراسات السوسيولوجية لشرح الظاهرة الاجرامية

    تقييم نظرية لامبروزو :

    لامبروزو هو أول من تقدم لدراسة شخصية المجرم بدل الجريمة حيث كانت جميع الدراسات السابقة تنصب على دراسة الجريمة دون ربطها بالشخصية الاجرامية للمجرم و قال أن الخطورة لا تكمن في الجريمة بل في شخصية المجرم ، أي التحول من دراسة الجريمة إلى دراسة المجرم ورغم أن أبحاثه لم تكن مرضية لكن يكفيه أنه كان السباق إلى إخضاع الدراسة الاجرامية للمنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجربة بعدما أخرجها من إطار الدراسة النظرية ، ثم أنه أنشأ علما جديدا حديثا يسمى بعلم الانطروبولوجيا أو علم طبائع المجرم ، وهو أول من وضع تصورا للمجرم حسب الخصائص البيولوجية والعضوية والنفسية .

    انتقادات هذه النظرية :

    • وقع في خطأ منهجي من خلال تعميم نتائج البحث الفردية على جميع المجرمين ليخلص إلى نتيجة عامة تفتقد إلى الموضوعية والمنهج العلمي السليم

    • لم يقارن عينات من الاشخاص العاديين ويقارنهم بعينات من المجرمين

    • اعتماده على فكرة المجرم بالفطرة وهوما يتناقض مع فكرة أن الجريمة هي ظاهرة احتمالية لكنه يقول أنها ظاهرة حتمية وما يؤكد خطأ نظريته أن هناك أشخاص توفرت فيهم العيوب التي ذكرها ولم يسلكوا مسلكا إجراميا وبالمقابل هناك أشخاص مجرمون ولم تتوفر فيهم العيوب التي ذكرها

    • إنكاره للعوامل الاجتماعية كمحرك للجريمة ومبالغته في إظهار الخصائص البيولوجية والسمات الخلقية الشاذة

    • ربط سلوكات المجرمين بسلوك الانسان البدائي رغم عدم توفره على معلومات دقيقة عن الانسان البدائي وهل كان فعلا متوحشا لأن هناك دراسة تظهر أن الانسان البدائي كان اقل وحشية من الانسان المعاصر وأن الجريمة تتلاشي كلما عدنا إلى الوراء و تزيد كلما زاد التطور بمعنى أن الانسان كان يعيش حياة بسيطة وكانت الجريمة بمعدلات أقل من الحاضر ، فلامبروزو اعتمد على منطق افتراضي خيالي ليس له اي أسس علمية

    • لم يستطع أن يفسر الجريمة تفسيرا علميا وكيف يمكن لنا أن نربط بين التكوين البيولوجي للمجرم والسلوك الاجرامي فما هو الدليل العلمي على أن هناك صلة ما وعلاقة تربطهما .

    ثانيا : الاتجاه النفسي

    النظرية البيولوجية أخفقت إخفاقا ظاهرا في اعطائها إجابة واضحة عن الظاهرة الاجرامية ، ظهر الاتجاه النفسي السيكولوجي الذي اتفق مع النظرية البيولوجية في أن العلة هي داخل الانسان أي الشخصية الاجرامية الا أنه ربط السلوك الاجرامي بالاضطرابات النفسية وعدم استواء الشخصية وأن المجرم هو شخص مريض ولا يستحق العقوبة بقدر ما يستحق العلاج فلا يجب أن نسلب حريته بل يجب أن نعالجه ، وهو اتجاه من أكبر الاتجاهات التي تبحث في الظاهرة الاجرامية وتبحث في الجانب الخفي من الانسان تلك المنطقة الباطنية غير الملموسة التي تتبرمج في سلوكاته ، هذا الاتجاه حاول كشف الحجاب عن ذلك المستور المجهول الخفي المسمى بمنطقة اللاشعور .

    من ابرز علماء هذا الاتجاه فرويد وهو عالم في علم النفس وهو المؤسس الحقيقي والفعلي لعلم النفس الحديث ، وقد حاول تفسير الجريمة تفسيرا نفسيا خالصا ، وكان الهدف من وراء أبحاثه هو إظهار التأثيرات أو اضطرابات الجهاز النفسي على سلوك الانسان عامة ومن ضمنه السلوك الاجرامي ، ولقد أثارت نظريته الكثير من الجدل وردود الفعل كالتي أثارتها نظرية لامبروزو ، لكن فرويد اختار الطريق الصعب كونه اهتم بالصعب وهو الجزء الخفي ومنطقة اللاشعور منطقة المجهول في الانسان .

    قال فرويد بأن كل إنسان لديه ثلاثة مناطق اساسية في نفسيته

    الهو أو الذات الدنيا ثم الأنا الاعلى ثم الأنا

    الهو أو الذات الدنيا : هي مجموع النزوات أو الغرائز الفطرية في الانسان أو الشهوات التي لا يقبلها المجتمع وكل إنسان كيف ما كان مستواه إلا ولديه ميولات فطرية غريزية لا يقبلها المجتمع مثال ذلك حب الجنس والمال والبقاء ، والهو هو مستودع الشهوات وينساق وراء إشباع اللذة والشهوات دون إقامة الاعتبار لقيود المجتمع والدين والقيم الأخلاقية المتعارف عليها ، نعم هناك غرائز لكن بالمقابل هناك قيود اجتماعية فالجميع لديه غرائز جنسية لكن هل المجتمع يسمح بممارسة الجنس دون ضوابط أخلاقية و دينية كالزواج مثلا ؟ فإذا اراد الانسان أن يعيش محترما و متوازنا في المجتمع فعليه أن يكبح هذه الغريزة وأن يعبر عنها بأسلوب شرعي مقبول اجتماعيا غير اسلوب الحيوانات التي تنساق وراء شهواتها دون ضوابط ، لكن الانسان تفرض عليه قيود اجتماعية تفرض عليه أن يخضع لها ، هذا الهو الذي هو مركز الشهوات لا يضع أي قيود في طريق ممارسة شهواته و غرائزه ولا يحترم أي ضابط ، مثال ذلك أن الجميع يريد المال لكن المجتمع يفرض عليك أن تجني المال بطريقة شرعية عن طريق العمل وليس عن طريق السرقة والجريمة هي أن ينساق الانسان وراء الهو فينفذ كل شهواته و ملذاته بطريقة حيوانية دون أدنى اعتبار لقيود المجتمع وقيمه الاخلاقية .

    إذن الهو هو ذلك الجانب الشرير في الانسان أو النفس الامارة بالسوء

    الانا الأعلى : ويسمى بالذات الانسانية وهو الجانب المثالي أو المظهر الروحي للإنسان ، ويضم المبادئ الاخلاقية والمثالية المستقاة من المبادئ والقيم الاخلاقية والدينية والقوانين التي تحكم المجتمع ، وظيفته هي القوة الرادعة لنزوات و شهوات الهو لنقل هي النفس اللوامة ، وهي لا تتوفر في كل إنسان فمن الناس من تعمل لديه الانا الاعلى كلما خرج عن نطاق القواعد الاخلاقية و زل سلوكه ومن الناس من لا تتحرك لديه الانا الأعلى حتى ولو ارتكب الجرائم .

    الأنا أو الذات الشعورية والعقل : و هي مجموع الملكات الفطرية أو الفكرية المستمدة من رغبات النفس بعد تهذيبها بما ينطبق ومقتضيات الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية ، وهي محاولة توفيق بين متطلبات الأنا الأعلى و متطلبات الهو .

    لكن كيف فسر فرويد السلوك الاجرامي اعتمادا على الانا الاعلى والانا والهو ؟

    قال فرويد إن السلوك الاجرامي ما هو إلا نتيجة للصراع الداخلي القائم بين نزواته من جهة وبين القيم والاخلاق والعقائد من جهة أخرى ، يعني الصراع بين الهو وغرائزه ونزواته وبين الأنا الأعلى وقيمه الاخلاقية والاجتماعية وبين ضغوط العقل التمي يمارسها من أجل التوفيق بين الانا الأعلى و بين الهو ، فغذا حدث خلل في عملية الكبت وإذا ما أخفق العقل في كبت النزوات في منطقة الهو فالإنسان يرتكب جريمة ، فهناك إذن صراع بين الانا الاعلى والهو ودور الانا هو التوفيق بينهما فإذا انفلت الهو من كل رقابة أو قيد وانطلق يشبع رغباته سيرتكب الجرائم لا محالة .

    يرى فرويد أن متراكمات اللاشعور قد تتحول إلى عقد نفسية تدفع الشخص إلى التعبير عنها في صورة سلوك إجرامي ، والانسان عندما يعجز عن الكبت فإن هذا الكبت يصبح عقدة و عندما تحين الفرصة تخرج العقدة على شكل جريمة من أجل إفراغ الغرائز المكبوتة و هو ما سماه فرويد أنماط العقد .

    أنماط العقد عند فرويد :

    • زنى المحارم : هناك نوعان ، عقدة إلكترا ، وهي تعلق البنت بأبيها جنسيا و يكون هذا التعلق الجنسي مصحوبا بغيرة من أمها وكراهية لها لأنها تراها منافسة لها في ابيها لكن تبقى البنت حائرة عندما ترى حنان أمها عليها وتقع الجريمة حين يدفع الهو البنت إلى قتل أمها أو تتمرد عليها ولا تقع الجريمة حين تكبت البنت هذا الشعور وتدعه في منطقة اللاشعور ، النوع الثاني هو عقدة أوديب وهي تعلق الولد بأمه جنسيا .

    • عقدة الذنب : الأنا الأعلى توجه لومها إلى الهو لأنه ارتكب جريمة مما يدفعه إلى ارتكاب جريمة ثانية ليتم القبض عليه وتوقيع العقوبة عليه فيتخلص من الشعور بالذنب ويتخلص من عقدة الذنب .

    • عقدة النقص : تنشأ نتيجة الصراع الكامن في منطقة اللاشعور نتيجة شعور الانسان بالنقص في أحد أعضائه الخارجية أو مظهره أو أعضائه الداخلية أو الاحساس بخيبة أمل أو فشل اجتماعي تمنعه من الوصول إلى طموحاته فيدفعه الاحساس بالنقص إلى ارتكاب الجريمة كتعبير عن شعوره بالنقص .

    تقييم نظرية فرويد :

    • أول عيب تميزت به نظرية فرويد هو سقوطها في الخطأ المنهجي ثم صعوبة المصطلحات التي استعملها فرويد ، هذه المصطلحات لا تستند إلى أي دراسة علمية بل هي مجرد تخمينات من فرويد ويستحيل التأكد من صحتها فمصطلحات كالهو والانا الأعلى والانا كيف يمكن قياسها علميا وكيف يمكن إخضاع هذه المصطلحات للتجربة والملاحظة للتأكد من مصداقيتها بل ومن وجودها أصلا فهي تبقى مفاهيم غامضة ولم يأتي بها أي عالم غير فرويد .

    • مبالغة هذه النظرية في إظهار العيوب النفسية والعقد والاختلالات العقلية و الاضطرابات العاطفية التي تدفع للجريمة وإغفالها للظروف الاجتماعية والطبيعية التي تساهم بدورها في الدفع إلى ارتكاب الجريمة .

    • الخلل النفسي لا يمكنه لوحده أن يدفع إلى ارتكاب الجريمة فكل الناس تعاني من مشاكل نفسية ولا يقدمون على ارتكاب الجرائم .

    • هذه النظرية تنظر إلى السلوك الاجرامي نظرة أحادية الجانب اي النفسي و تستبعد الظروف الاخرى .

    📗 خلاصة الباب

    • يرجع الاتجاه التكويني السلوك الإجرامي إلى أسباب داخلية مرتبطة بشخص الفاعل، وأبرز فروعه النظرية البيولوجية عند لومبروزو (1836-1909) الذي أجرى تجارب على نحو 6000 مجرم وخلص إلى فكرة “المجرم بالفطرة” ذي السمات الجسمانية الشاذة الشبيهة بالإنسان البدائي، رغم الانتقادات الموجهة لمنهجه (التعميم من عينات فردية، إغفال العوامل الاجتماعية).
    • أما الاتجاه النفسي فيمثله فرويد، مؤسس علم النفس الحديث، الذي فسَّر السلوك الإجرامي بالصراع بين مكونات النفس الثلاثة (الهو، الأنا، الأنا الأعلى)، وربطه بعقد نفسية (كعقدة الذنب وعقدة النقص) تنشأ عن متراكمات اللاشعور، مع انتقادات تتعلق بصعوبة مصطلحاته والمبالغة في تحميل العامل النفسي وحده تفسير الجريمة.

  • السلطات المختصة بالتحري عن الجرائم ف16-35

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 7 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    ⚠ تنبيه قانوني مهم: يعرض هذا المحور أحكام الشرطة القضائية والحراسة النظرية كما كانت واردة في قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01 قبل الإصلاح الجذري الذي أدخله القانون رقم 03.23 (المعدِّل لأكثر من 420 مادة، الصادر بالجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025 والنافذ فعلياً منذ 8 دجنبر 2025). عزّز القانون الجديد ضمانات الحراسة النظرية بشكل جوهري: إلزامية إخبار المشتبه فيه بحقوقه فور وضعه تحت الحراسة، تمكينه من الاستعانة بمحام منذ الساعات الأولى، الاستفادة من خدمات الترجمة، وتقنين مدد الحراسة وربط أي تمديد لها بتعليل دقيق وصارم. كما وسّع رقابة النيابة العامة على البحث التمهيدي. يُنصح الطالب بشدة بمراجعة نص القانون 03.23 الرسمي قبل الاعتماد على تفاصيل هذا المحور في أي امتحان أو استشارة عملية.

    يطلق عليهم الشرطة القضائية، وهم أشخاص ينتمون إلى مصالح و جهات قضائية أو إدارية متعددة، فمنيم من ينتمي إلى سلك القضاء، ومنهم من ينتمي إلى إدارة الدفاع الوطني أو الأمن الوطني أو وزارة الداخملة أو لقطاعات حكومية أخرى كالفلاحة أو النقل أو التشغيل أو التعمير، وتجدر الإشارة إلى أنه كيفما كان انتماء أعضاء الشرطة القضائية، فإنهم يخضعون في عملهم بهذه الصفة للسلطات القضائية في الإشراف و المراقبة، هذه المرحلة تسمى البحث التمهيدي وهي فاتحة إجراءات الدعوى العمومية، وتتأسس عليها المراحل اللاحقة، وقد أناط القانون للشرطة القضائية مهمة القيام بإجراءات البحث التمهيدي، وهناك طبعا ضوابط تؤطر اختصاص هذا الجهاز.

    القواعد العامة المتعلقة بالشرطة القضائية

    • مهمة الشرطة القضائية محصورة في القضاة والضباط والموظفين والاعوان الذين بينتهم المواد 16-19-20 من ق م ج وبعض التشريعات لا تسند مهمة الشرطة القضائية إلى قضاة التحقيق أو الحكم وهو موقف رغم وجاهته لم يأخذ به المشرع المغربي وعلل ذلك بسعة التراب الوطني، ولذلك احتفظ المشرع لقضاة المحاكم وقضاة التحقيق بسلطاتهم كشرطة قضائية، ويبقى هذا التعليل مستساغا في ما مضى في بداية الاستقلال أما الان فالجمع بين صفة قاضي وصفة ضابط شرطة قضائية لم يعد مستساغا نظرا لاستقلال القضاء الجالس عن القضاء الواقف وهو النيابة العامة التي تقوم بمهمة المتابعة التي لا تدخل في اختصاص قضاء الحكم.

    • تحديد مهمة الشرطة القضائية في البحث التمهيدي، أي التأكد من وقوع الجريمة وجمع الأدلة عنها .

    • تحديد الفترة التي يمكن لهذه الهيئات أن تمارس مهمة البحث التمهيدي وهي الفترة اللاحقة لارتكاب الجريمة والسابقة على تدخل وكيل الملك أو قاضي التحقيق، على أن تدخل وكيل الملك لا ينهي مرحلة البحث التمهيدي إلا إذا كان في اتجاه المتابعة التي هي عمل قضائي أما اذا تدخل بصفته ضابطا ساميا للشرطة القضائية فإن مرحلة البحث التمهيدي لا تنتهي وكل ما في الامر أن نشاط الضباط العاديين يصبح خاضعا له بوصفه ضابطا ساميا، نفس الشيء يقال عن قاضي التحقيق الذي لا يستطيع التدخل في مرحلة البحث التمهيدي إلا كضابط سامي للشرطة القضائية أو كضابط في حالة التلبس لأنه لا يستطيع أن يتابع إلا بتكليف من النيابة العامة وعندما تكون المتابعة قد اثيرت فعلا .

    • جعل الاجراءات في هذه المرحلة سرية بحيث يكون كل من قام بها أو اطلع عليها ملزما بكتمانها وإلا اعتبر مفشيا لسر المهنة وتعرض للجزاءات المقررة.

    • هيئة الشرطة القضائية تتكون من فئات متعددة من الموظفين يخضعون لإدارات مختلفة، لذلك كان من الضروري تنسيق العمل فيما بينها تفاديا للتنافس غير المجدي، ولذلك أوجب المشرع جهة معينة تديرها وأخرى تشرف عليها وثالثة تراقب نشاطها.

    الفصل الأول : ماهية الشرطة القضائية ومسؤوليتها

    المواد من 16 إلى 35 تناولت مهام الشرطة القضائية و كيفية قيامها بمهامها ومختلف الاجراءات والبحوث التمهيدية المتعلقة بها، هكذا يمكن إعطاء تعريف للشرطة القضائية بأنها : ” جهاز خاص يتكون من عناصر تنتمي إلى السلطة القضائية وأجهزة أخرى إدارية محددة مهامهم طبقا لقوانين خاصة أناط بها المشرع مهمة التثبت من وقوع الجريمة وجمع الأدلة والبحث عن مرتكبها طبقا لإجراءات مسطرية محددة قانونا ” .

    أصناف ضباط الشرطة القضائية

    وسع المشرع المغربي من دائرة المتدخلين في قمع الجريمة، وقد نصت المادة 19 من ق م على صنفين كبيرين من عناصر الشرطة القضائية هم الضباط السامون ورجال الشرطة العاديون ممن لا يتوفرون على الصفة الضبطية .

    الضباط السامون

    جاء في المادة 19 : ” تضم الشرطة القضائية بالإضافة إلى الوكيل العام للملك ووكيل الملك ونوابهما وقاضي التحقيق، بوصفهم ضباطاً سامين للشرطة القضائية: أولا: ضباط الشرطة القضائية؛ ثانياً: ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث؛ ثالثاً: أعوان الشرطة القضائية؛ رابعاً: الموظفون والأعوان الذين ينيط بهم القانون بعض مهام الشرطة القضائية.” صفة ” ضابط سامي ” للشرطة القضائية مقتصرة فقط على الاشخاص المنتمين للجهاز القضائي والذين حدد المشرع مهامهم في تسيير أعمال ضباط الشرطة القضائية الآخرين والإشراف على البحث التمهيدي وإجراءاته.

    أولا : الوكيل العام للملك ونوابه

    تم تخويله ونوابه صفة ضابط سامي انسجاما مع الاختصاصات الموكولة إليهم في إجراء تحريك الدعوى العمومية في الجنايات والجنح المرتبطة بها أو المنصوص عليها في قوانين خاصة و ممارسة السلطة على الشرطة القضائية .

    حددت المادة 49 من ق م ج مختلف الاجراءات التي يطلع بها الوكيل العام فقالت : ” يتولى الوكيل العام للملك السهر على تطبيق القانون الجنائي في مجموع دائرة نفوذ محكمة الاستئناف. يمارس سلطته على جميع قضاة النيابة العامة التابعين لدائرة نفوذه وكذا على ضباط وأعوان الشرطة القضائية وعلى الموظفين القائمين بمهام الشرطة القضائية استنادا إلى المادة 17 أعلاه. وله أثناء ممارسة مهامه، الحق في تسخير القوة العمومية مباشرة.

    يتلقى الشكايات والوشايات والمحاضر الموجهة إليه ويتخذ بشأنها ما يراه ملائما من الإجراءات أو يرسلها مرفقة بتعليماته إلى وكيل الملك المختص. يباشر بنفسه أو يأمر بمباشرة الإجراءات الضرورية للبحث عن مرتكبي الجنايات وضبطهم وتقديمهم ومتابعتهم.

    يحيل الوكيل العام للملك ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات، إلى هيئات التحقيق أو هيئات الحكم المختصة، أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائماً التراجع عنه. يقدم لتلك الهيئات ملتمسات بقصد القيام بإجراءات التحقيق.

    يحق له لضرورة تطبيق مسطرة تسليم المجرمين إصدار أوامر دولية بالبحث وإلقاء القبض. يطالب بتطبيق العقوبات المقررة في القانون ويقدم جميع المطالب التي يراها صالحة وعلى محكمة الاستئناف أن تشهد بها عليه بتضمينها في محضرها وأن تبت بشأنها.

    يستعمل عند الاقتضاء وسائل الطعن ضد ما يصدر من مقررات. يجوز له، إذا تعلق الأمر بانتزاع حيازة بعد تنفيذ حكم، أن يأمر باتخاذ أي إجراء تحفظي يراه ملائماً لحماية الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، على أن يعرض هذا الأمر على المحكمة أو هيئة التحقيق التي رفعت إليها القضية أو التي سترفع إليها خلال ثلاثة أيام على الأكثر لتأييده أو تعديله أو إلغائه. يجوز له في حالة عدم وجود منازعة جدية، أن يأمر برد الأشياء التي ضبطت أثناء البحث لمن له الحق فيها ما لم تكن لازمة لسير الدعوى أو خطيرة أو قابلة للمصادرة. يسهر على تنفيذ أوامر قاضي التحقيق والمستشار المكلف بالأحداث ومقررات هيئات الحكم.

    يحق له إذا تعلق الأمر بجناية أو جنحة مرتبطة بها يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا أو أكثر – إذا اقتضت ذلك ضرورة البحث التمهيدي – سحب جواز سفر الشخص المشتبه فيه وإغلاق الحدود في حقه لمدة لا تتجاوز شهراً واحداً. ويمكن تمديد هذا الأجل إلى غاية انتهاء البحث التمهيدي إذا كان الشخص المعني بالأمر هو المتسبب في تأخير إتمامه.

    غير أنه إذا تعلق الأمر بجرائم إرهابية فإن مدة سحب جواز سفر الشخص المشتبه فيه وإغلاق الحدود في حقه ترفع إلى ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، ويمكن تمديد هذا الأجل إلى غاية انتهاء البحث التمهيدي إذا كان الشخص المعني هو المتسبب في تأخير إتمامه.

    ينتهي مفعول إجراءي إغلاق الحدود وسحب جواز السفر في كل الأحوال بإحالة القضية على هيئة الحكم أو التحقيق المختصة أو باتخاذ قرار بحفظ القضية، ويوضع حد لإغلاق الحدود ويرد جواز السفر إلى المعني بالأمر فور انتهاء مفعول الإجراءين.

    إذا قرر الوكيل العام للملك حفظ الشكاية، تعين عليه أن يخبر المشتكي أو دفاعه بذلك خلال خمسة عشر يوما تبتدئ من تاريخ اتخاذه قرار الحفظ.

    تطبق مقتضيات المادة 73 إذا تعلق الأمر بالتلبس بالجناية والجنح المرتبطة بها.”

    وهي نفس اختصاصات ومهام النواب العامون للوكيل العام للملك .

    ثانيا : وكيل الملك ونوابه

    هو رئيس النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية، ويمثل شخصيا أو بواسطة نوابه جهاز النيابة العامة في دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية، ويمارس الدعوى العمومية تحت مراقبة الوكيل العام للملك تلقائيا أو بناء على شكاية متضرر، وتمنحه صفة ضابط شرطة قضائية مجموعة من الاختصاصات والمهام حددتها المادة 40 من ق م ج .

    المادة 40 من ق م ج : ” يتلقى وكيل الملك المحاضر والشكايات والوشايات ويتخذ بشأنها ما يراه ملائماً. يباشر بنفسه أو يأمر بمباشرة الإجراءات الضرورية للبحث عن مرتكبي المخالفات للقانون الجنائي ويصدر الأمر بضبطهم وتقديمهم ومتابعتهم. يحق لوكيل الملك، لضرورة تطبيق مسطرة تسليم المجرمين، إصدار أوامر دولية بالبحث وإلقاء القبض.

    يحيل ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات بشأنها، إلى هيئات التحقيق أو إلى هيئات الحكم المختصة أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائماً التراجع عنه. يقدم لتلك الهيئات ملتمسات بقصد القيام بإجراءات التحقيق.

    يطالب بتطبيق العقوبات المقررة في القانون ويقدم باسم القانون جميع المطالب التي يراها صالحة، وعلى المحكمة أن تشهد بها عليه بتضمينها في محضرها وأن تبت في شأنها. يستعمل عند الاقتضاء وسائل الطعن ضد ما يصدر من مقررات.

    يجوز له، إذا تعلق الأمر بانتزاع حيازة بعد تنفيذ حكم، أن يأمر باتخاذ أي إجراء تحفظي يراه ملائماً لحماية الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، على أن يعرض هذا الأمر على المحكمة أو هيئة التحقيق التي رفعت إليها القضية أو التي سترفع إليها خلال ثلاثة أيام على الأكثر لتأييده أو تعديله أو إلغائه. يجوز له في حالة عدم وجود منازعة جدية، أن يأمر برد الأشياء التي ضبطت أثناء البحث لمن له الحق فيها، ما لم تكن لازمة لسير الدعوى أو خطيرة أو قابلة للمصادرة.

    يسهر على تنفيذ أوامر قاضي التحقيق وقضاء الأحداث ومقررات هيئات الحكم. يحق له كلما تعلق الأمر بجنحة يعاقب عليها بسنتين حبساً أو أكثر– إذا اقتضت ذلك ضرورة البحث التمهيدي – سحب جواز سفر الشخص المشتبه فيه وإغلاق الحدود في حقه لمدة لا تتجاوز شهراً واحداً. ويمكن تمديد هذا الأجل إلى غاية انتهاء البحث التمهيدي، إذا كان الشخص المعني بالأمر هو المتسبب في تأخير إتمامه. ينتهي مفعول إجراءي إغلاق الحدود وسحب جواز السفر في كل الأحوال، بإحالة القضية على هيئة الحكم أو التحقيق أو باتخاذ قرار بحفظ القضية، وبوضع حد لإغلاق الحدود ويرد جواز السفر إلى المعني بالأمر فور انتهاء مفعول الإجراءين.

    يتعين على وكيل الملك إذا قرر حفظ الشكاية، أن يخبر المشتكي أو دفاعه بذلك خلال خمسة عشر يوماً تبتدئ من تاريخ اتخاذه قرار الحفظ.”

    وعلى غرار الوكيل العام للملك ينتمي وكيل الملك للقضاء الواقف ويتم تعيينه بظهير بعد اقتراحه من طرف المجلس الاعلى للسلطة القضائية.

    ثالثا : قضاة التحقيق

    حددت المادة 52 من ق م ج طبيعة القضاة المكلفين بالتحقيق وطريقة تعيينهم ، فهم يعينون من بين قضاة الحكم لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد بقرار من وزير العدل والحريات بناء على اقتراح من رئيس المحكمة . وعلى عكس وكيل الملك الذي يستمد صفة ضابط سامي بانتمائه للقضاء الواقف فإن قاضي التحقيق يستمد هذه الصفة بانتمائه للقضاء الجالس، وقاضي التحقيق يقوم بمجموعة من التحريات تستهدف استكمال التحقيق وتمحيص الادلة وإصدار مجموعة من الأوامر في سبيل الوصول إلى الحقيقة وليس الحكم .

    المادة 54 : ” لا يمكن لقاضي التحقيق إجراء تحقيق إلا بناء على ملتمس محال إليه من النيابة العامة، أو بناء على شكاية مرفقة بتنصيب المشتكي طرفاً مدنياً. يحق له عند ممارسته لمهامه، أن يسخر القوة العمومية مباشرة.”

    الضباط العاديون للشرطة القضائية

    “الضباط العاديون” مصطلح لم يستعمله المشرع المغربي، لكن المادة 20 حددت ضباط الشرطة القضائية العاديين في الاشخاص التالية :

    • المدير العام للأمن الوطني و ولاة الأمن والمراقبون العامون للشرطة وعمداء الشرطة وضباطها و ضباط الشرطة المكلفون بالاحداث و مفتشو الشرطة التابعون للأمن الوطني ممن قضوا ثلاث سنوات بهذه الصفة .

    • ضباط الدرك الملكي وذوو الرتب فيه وكذا الدركيون الذين يتولون قيادة فرقة أو مركز للدرك الملكي طيلة مدة هذه القيادة ثم الدركيون الذين قضوا على الأقل 3 سنوات من الخدمة بالدرك رسميا بقرار مشترك من وزير العدل والسلطة الحكومية المكلفة بالدفاع .

    • الموظفون المنتمون للسلطة المحلية وهم الباشوات والقواد، هؤلاء الموظفون ينتمون إلى الادارة الترابية ويمثلون السلطات المحلية ويخضعون لوزير الداخلية تم منحهم صفة ضابط للشرطة القضائية بموجب المادة 20 من ق م ج، لكن قلما يلجأ القواد والباشوات إلى ارتداء عباءة ضابط الشرطة القضائية لأنهم يعتبرون ذلك ثانويا بالنسبة إليهم بالنظر إلى كثرة مهامهم الادارية .

    • المدير العام لإدارة مراقبة التراب الوطني

    • الموظفون والاعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية، نصت عليهم المادة 27 من ق م ج وتسند إليهم بموجب نصوص خاصة وحسب الشروط وضمن الحدود المنصوص عليها في هذه النصوص، من بينهم الولاة والعمال، موظفو إدارة المياه والغابات، موظفو إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، الموظفون والاعوان التابعون لأقسام ومصالح التعمير التابعة للمقاطعات والجماعات الحضرية والقروية، موظفو مفتشية قمع الغش التابعة لوزارة الفلاحة، مفتشو الشغل التابعون للمندوبية الاقليمية للتشغيل بالعمالات، الاطباء البيطريين و موظفو حفظ الصحة التابعين للعمالات، أعوان الإدارة المكلفون بمراقبة سير المركبات على الطرق العمومية.

    اختصاصات ومسؤوليات ضباط الشرطة القضائية

    الشرطة القضائية أثناء ممارستها مهامها تحكمها مجموعة من القواعد تهم اختصاصها المكاني فضلا عن كيفية ممارسة اختصاصها النوعي تحت طائلة مجموعة من الجزاءات القانونية تترتب عليها مسؤولية ضابط الشرطة القضائية والتي تختلف باختلاف نوعية وطبيعة الخطأ الذي ارتكبه .

    اختصاص الشرطة القضائية

    الاختصاص المكاني

    أولا بالنسبة لضباط الشرطة القضائية السامون

    • وكيل الملك و نوابه : حدد المشرع مهامها في المواد من 36 الى 51، بينما أشارت المادة 16 أن وكيل الملك يمارس مهام الشرطة القضائية في دائرة نفوذ محكمته ولا يمكنه أن يتجاوزه إلى دائرة نفوذ محكمة أخرى، فـ وكيل الملك محكوم بثلاثة ضوابط أساسية :

    • مكان ارتكاب الجريمة

    • مكان القبض على المشتبه به

    • المكان الذي يسكن فيه المشتكى به أو المشتبه فيه

    إذن فوكيل الملك يمارس إجراءات الدعوى العمومية داخل نفوذ المحكمة الابتدائية التي يترأس نيابتها فاذا ارتكبت الجريمة بدائرة نفوذه وجب إحاطته علما بها، وله الخيار في القيام بعمليات البحث التمهيدي أو تكليف أحد ضباط الشرطة القضائية التابعين له القيام بذلك، وفي حالة كان المشتكى به يسكن خارج دائرة نفوذه أحال المسطرة إلى وكيل الملك المختص للإختصاص إلا أن المشرع أجاز له القيام بإجراءات البحث داخل دائرة نفوذ المحاكم المجاورة كلما استلزمت ذلك الضرورة شريطة أن يخبر مسبقا النيابة العامة التي سيتنقل إليها ويبين سبب التنقل بالمحضر، كما عليه أن يخبر بتنقله الوكيل العام للملك .

    • الوكيل العام للملك ونوابه : أشارت لذلك المادة 44، حيث تسري نفس قواعد الاختصاص المحلي لوكيل الملك على الوكيل العام للملك مع الأخذ بعين الاعتبار اختصاص كل منهما على حدة، فالاختصاص المكاني للوكيل العام يغطي الدائرة القضائية لمحكمة الإستئناف بأكملها والتي قد تضم أكثر من 4 محاكم ابتدائية، لذلك فالوكيل العام يمارس سلطته على جميع قضاة النيابة العامة التابعين لدائرة نفوذه وكذا على ضباط وأعوان الشرطة القضائية والموظفين القائمين بمهام الشرطة القضائية، في حين ينعقد الاختصاص للوكيل العام للملك لدى محكمة الإستئناف بالرباط بخصوص جرائم الارهاب في جميع أنحاء المملكة طبقا لقانون03.03 المتعلق بمكافحة الارهاب .

    • قاضي التحقيق : منحه المشرع صفة ضابط سامي للشرطة القضائية بمقتضى المادة 19 من ق م ج وعهد إليه بمهمة التثبت من وقوع الجريمة وجمع الأدلة والبحث عن مرتكبها بل ومنحه حق الاسبقية إذا ما انتقل إلى مسرح الجريمة رفقة ممثل النيابة العامة والضباط العاديون . وقاضي التحقيق شأنه في ذلك شأن الوكيل العام ووكيل الملك يمارس اختصاصاته ضمن دائرة نفوذ المحكمة المعين بها، وكذلك قاضي التحقيق لدى محكمة الإستئناف يمارس هذه المهمة داخل نفوذ الدائرة القضائية برمتها التابعة لمحكمة الإستئناف، ويبقى قاضي التحقيق بمحكمة الإستئناف بالرباط مختصا على جميع التراب الوطني بخصوص جرائم الارهاب.

    ثانيا : بالنسبة لضباط الشرطة القضائية العاديون

    يمارسون اختصاصاتهم داخل الرقعة الجغرافية المعين فيها لمباشرة عمله، وقد تكون مجرد جماعة ترابية أو قيادة أو دائرة قضائية وأحيانا مجموع التراب الوطني . كما يمارسون مهامهم كشرطة قضائية في دائرة نفوذ محكمة الإستئناف وتحت إشراف وتسيير وكيل الملك، وقد يمتد الاختصاص المكاني لضابط الشرطة القضائية لكامل التراب الوطني في حالتين :

    • حالة الاستعجال وضرورة البحث التمهيدي

    • اذا طلبت منهم السلطة القضائية أو العمومية ذلك

    أما إذا تجاوز حدود اختصاصه المكاني وجب عليه إشعار النيابة العامة المختصة مكانيا بهذا الانتقال ثم تنفيذ الاجراءات بحضور ضابط شرطة مختص مكانيا .

    الاختصاص النوعي لضباط الشرطة القضائية

    • بالنسبة لوكيل الملك، التثبت من وقوع الجريمة وجمع الادلة والبحث عن مرتكبها بالنسبة للجنح والمخالفات التي تقع داخل دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية المعين بها ويمارس مهامه تحت سلطة الوكيل العام للملك ومراقبة الغرفة الجنحية لمحكمة الإستئناف، ويتخلى ضابط الشرطة القضائية فور حضور وكيل الملك أو نائبه إلى مسرح الجريمة الذي بإمكانه تكليف اي ضابط للشرطة القضائية لمواصلة العمليات.

    • بالنسبة للوكيل العام للملك، فهو يختص نوعيا بالقيام بجميع عمليات البحث التمهيدي في كل ما يتعلق بالجنايات، ويتولى بنفسه أو أحد نوابه أعمال البحث التمهيدي ما لم يكلف أحد ضباط الشرطة القضائية بذلك .

    • بخصوص قضاة التحقيق وبناء على تواجدهم بالمحاكم الابتدائية ومحاكم الإستئناف، فيختص قضاة التحقيق في المحاكم الابتدائية بالنظر في الجنح تحت إشراف وكيل الملك، بينما قاضي التحقيق بمحكمة الإستئناف يقوم بالتحقيق في الجنايات تحت إشراف الوكيل العام للملك .

    مسؤولية أعضاء الشرطة القضائية

    حسب الفصول 225-230-231-446 من مجموعة القانون الجنائي فإن مسؤولية ضابط الشرطة القضائية قد تكون تأديبية أو جنائية أو مدنية أو إدارية .

    أولا : المسؤولية التأديبية

    عالج المشرع المسؤولية التأديبية المترتبة عن إخلال مهني وعدم احترام واجبات والتزامات الوظيفة وفق ما يقرره القانون في المواد من 29 الى 35، كما خول الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف حق مراقبة أعمال الشرطة القضائية وتقديرها عند الاخلال بالواجبات المهنية والنظر تبعا لذلك في مسؤوليتهم التأديبية وتوقيع الجزاء المناسب قانونا .

    ثانيا : المسؤولية الجنائية

    بعض الأخطاء قد تتجاوز الأخطاء المهنية فتكتسي صبغة جرمية تمس حريات وحقوق الافراد مما يؤدي إلى إثارة المسؤولية الجنائية في حقهم، وقد تعرض المشرع إلى أنواع من هذه الجرائم التي يرتكبها ضباط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامهم منها :

    • الشطط في استعمال السلطة إزاء الافراد

    • تواطؤ الموظفين

    • تجاوز السلطات الادارية والقضائية

    • الاختلاس

    • الرشوة واستغلال النفوذ

    • افشاء السر المهني

    • التزوير

    • الاعتقال التحكمي

    • هتك حرمة منزل

    • استعمال العنف

    • التعذيب

    وتخضع إجراءات تحريك الدعوى العمومية ضد ضباط الشرطة القضائية الى مسطرة خاصة تعرف ب” قواعد الاختصاص الاستثنائية ” نصت عليها المواد 264-268 ق ج

    ثالثا : المسؤولية المدنية

    يتحمل ضباط الشرطة القضائية المسؤولية المدنية عن الاضرار التي يلحقونها بالغير أثناء مزاولة مهامهم طبقا للقواعد العامة، فيجوز للمتضرر المطالبة بحقوقه المدنية أمام الهيئة التي تبث في الدعوى الجنائية عن طريق الدعوى المدنية التابعة أو في إطار المسؤولية التقصيرية، وتجري المطالبة بالحق المدني وفق أحكام المادتين 350 و 351 من ق م ج ويمكن إقامة دعوى مدنية منفصلة أمام المحكمة المدنية المختصة طبقا للمادة 10 .

    المطالبة بالحق المدني في إطار الدعوى المدنية التابعة

    يخضع المتضرر خلال الدعوى المدنية التابعة لمقتضيات المواد 348 الى 356 من ق م ج ولكي تسمع دعواه عليه التقيد بالشروط التالية :

    • الا يكون قد سبق له أن انتصب طرفا مدنيا أمام قاضي التحقيق

    • تحديد المطالب المدنية بمقتضى مذكرة مرفقة بصورة لوصل أداء الرسم القضائي الجزافي أو تقديم تصريح شفهي يسجله كاتب الضبط بالجلسة وينذره بأداء الرسم القضائي

    • إذا كان المتضرر قاصرا أو ليست له أهلية لممارسة حقوقه المدنية فيجب أن يقيم الدعوى من يمثله قانونا

    • يتعين إدخال الدولة في الدعوى وتقديم المطالب ضدها كلما تعلق الأمر بطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو إدارة عمومية والتصريح بمسؤوليتها .

    المسؤولية التقصيرية

    المتضرر له الحق في رفع دعوى مدنية تابعة أمام القضاء الزجري في إطار أحكام المسؤولية التقصيرية التي يؤطرها الفصلين 79 و 80 من ق ل ع، لكن عندما تثار مسؤولية الدولة وجب التفريق بين الاخطاء المصلحية والاخطاء الشخصية .

    • الخطأ المصلحي يرتكبه ضابط الشرطة القضائية وينسب إلى الدولة باعتباره موظفا تابعا لها، ويجب أن تكون العلاقة السببية قائمة بين الخطأ والوظيفة وتكون الوظيفة هي السبب المباشر للخطأ وإلا انتفت مسؤولية الدولة .

    • الخطأ الشخصي يرتكبه ضابط الشرطة القضائية ويتحمل فيه مسؤولية شخصية كاملة متى ارتكبه خارج إطار الوظيفة ولا تقوم مسؤولية الدولة، وقد يرتكبه خلال مزاولة المهنة لكن بسوء نية قصد تحقيق منفعة شخصية، ففي هذه الحالة ترفع الدعوى ضد الضابط المتسبب في الضرر ولا يمكن رفعها ضد الدولة .

    رابعا : المسؤولية الادارية

    تتجلى أثار العقوبات الادارية في تأثيرها على الحياة الادارية لأعضاء الشرطة القضائية المخالفين، فبالنسبة للضباط السامين يرجع أمر النظر في المخالفات المهنية إلى المجلس الاعلى للسلطة القضائية، أما باقي ضباط الشرطة القضائية العاديون والموظفون والاعوان الذين يقومون ببعض مهام الشرطة القضائية فإنهم يخضعون للعقوبات التأديبية الواردة في الفصل 66 من ظهير 24 فبراير 1958 وهي مرتبة حسب خطورتها على الشكل التالي : الانذار – التوبيخ – الحذف من لائحة الترقي – الاندحار من الرتبة – القهقرة من الرتبة – العزل من غير توقيف التقاعد – الحرمان المؤقت من كل أجرة باستثناء التعويضات العائلية لمدة لا تتجاوز 6 اشهر – الاحالة الحتمية على التقاعد .

    مراقبة الشرطة القضائية

    تملك النيابة العامة سلطة تسيير أعمال ضباط الشرطة القضائية، والغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف هي التي تتولى مراقبة أعمالهم، وتتخذ في حقهم المسطرة التأديبية في حالة الإهمال أو التقصير في تطبيق القانون، كما تتخذ في حقه اي ضابط شرطة قضائية إحدى العقوبات المشار إليها في المادة 32 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها : ” يمكن للغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف، بصرف النظر عن العقوبات التأديبية التي قد يتخذها في حقه رؤساؤه الإداريون، أن تصدر في حق ضابط الشرطة القضائية إحدى العقوبات التالية: توجيه ملاحظات؛التوقيف المؤقت عن ممارسة مهام الشرطة القضائية لمدة لا تتجاوز سنة واحدة؛ التجريد النهائي من مهام الشرطة القضائية. يمكن الطعن بالنقض في قرار الغرفة الجنحية، وفقاً للشروط والكيفيات العادية.”

    المحضر

    يلزم ضباط الشرطة القضائية بتحرير محاضر بشأن كل العمليات التي يقومون بها. وبالرجوع للمادة 24 من قانون المسطرة الجنائية نجدها عرفت المحضر المنجز من قبل ضابط الشرطة القضائية والذي يوجه إلى النيابة العامة بأنه : ” المحضر في مفهوم المادة السابقة هو الوثيقة المكتوبة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامه و يضمنها ما عاينه أو ما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع لاختصاصه. دون الإخلال بالبيانات المشار إليها في مواد أخرى من هذا القانون أو في نصوص خاصة أخرى، يتضمن المحضر خاصة اسم محرره وصفته ومكان عمله وتوقيعه، ويشار فيه إلى تاريخ وساعة إنجاز الإجراء وساعة تحرير المحضر إذا كانت تخالف ساعة إنجاز الإجراء.

    يتضمن محضر الاستماع هوية الشخص المستمع إليه ورقم بطاقة تعريفه عند الاقتضاء، وتصريحاته والأجوبة التي يرد بها عن أسئلة ضابط الشرطة القضائية. إذا تعلق الأمر بمشتبه فيه، يتعين على ضابط الشرطة القضائية إشعاره بالأفعال المنسوبة إليه. يقرأ المصرح تصريحاته أو تتلى عليه، ويشار إلى ذلك بالمحضر ثم يدون ضابط الشرطة القضائية الإضافات أو التغييرات أو الملاحظات التي يبديها المصرح، أو يشير إلى عدم وجودها. يوقع المصرح إلى جانب ضابط الشرطة القضائية على المحضر عقب التصريحات وبعد الإضافات ويدون اسمه بخط يده. وإذا كان لا يحسن الكتابة أو التوقيع يضع بصمته ويشار إلى ذلك في المحضر. يصادق ضابط الشرطة القضائية والمصرح على التشطيبات والإحالات. يتضمن المحضر كذلك الإشارة إلى رفض التوقيع أو الإبصام أو عدم استطاعته، مع بيان أسباب ذلك.”

    مهام الشرطة القضائية

    حددتها مهامهم المادتان 18 و 21 في ما يلي :

    • التثبت من وقوع الجرائم وجمع الادلة عنها والبحث عن مرتكبيها .

    • تلقي الشكايات والوشايات وإجراء الابحاث التمهيدية .

    • تنفيذ أوامر وإنابات قضاة التحقيق وأوامر النيابة العامة .

    أولا : إجراءات البحث في حالة التلبس بالجريمة

    التلبس بالجريمة حالة ممتازة على مخالفة القانون، وهو يتطلب إجراءات سريعة و تدخلا فوريا لجمع الادلة والقيام بالتحريات الضرورية لاستجماع عناصر الجريمة والحيلولة دون ضياعها، وهو يتطلب مسطرة خاصة يتمتع فيها ضباط الشرطة القضائية بهامش واسع من الحرية في البحث والتحري بدأ من الانتقال الفوري إلى مسرح الجريمة والتفتيش والحجز والوضع تحت الحراسة النظرية وما يترتب عنها من آثار قانونية تمس ضمانات المشتبه به وقرينة البراءة .

    تختلف طريقة البحث في حالة التلبس عن البحث التمهيدي العادي في بعض النقط الرئيسية، حيث يتيح القانون لضابط الشرطة القضائية مرونة في ممارسة بعض صلاحياته إذا تعمق الأمر ببحث يجريه بشأن جناية أو جنحة متلبس بها ولا يتيحها إذا تعمق الأمر بالبحث في غير حالة التلبس. وقد قصر قانون المسطرة الجنائية مقتضيات التلبس على الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس حسب حالة التلبس وارتباطها بصنف الجرائم.

    ماهية التلبس بالجريمة وتمظهراته

    الجريمة المتلبس بها هي التي تُشاهد وقت حدوثها أو يضبط فاعلها أثناء اقترافه لها أو بعد تنفيذه لها بوقت وجيز، فالتلبس حالة مغايرة للحالة العادية لذلك خصص لها المشرع المواد من 56 إلى 77، لكنه تناول مصطلح التلبس من خلال أربع حالات دون وضع أي تحديد للمفهوم مع ضبابية في مصطلح “بوقت وجيز ” .

    حالات التلبس

    المشرع المغربي لم يعرف حالة التلبس، وانما اكتفى بتعداد الحالات على سبيل الحصر التي تتحقق فيها حالة التلبس بالجناية أو الجنحة، وهي أربعة حالات أشار إليها في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية بقوله : ” تتحقق حالة التلبس بجناية أو جنحة :

    أولاً: إذا ضبط الفاعل أثناء ارتكابه الجريمة أو على إثر ارتكابها؛

    ثانياً: إذا كان الفاعل ما زال مطاردا بصياح الجمهور على إثر ارتكابها؛

    ثالثا: إذا وجد الفاعل بعد مرور وقت قصير على ارتكاب الفعل حاملا أسلحة أو أشياء يستدل معها أنه شارك في الفعل الإجرامي، أو وجد عليه أثر أو علامات تثبت هذه المشاركة.

    يعد بمثابة تلبس بجناية أو جنحة، ارتكاب جريمة داخل منزل في ظروف غير الظروف المنصوص عليها في الفقرات السابقة إذا التمس مالك أو ساكن المنزل من النيابة العامة أو من ضابط للشرطة القضائية معاينتها.”

    نلاحظ أن التقارب الزمني بين لحظة ارتكاب الجريمة ولحظة اكتشافها يبقى حاسما في إصباغ الجريمة بطابع التلبس.

    أولا : ضبط الفاعل أثناء ارتكابه الجريمة أو على إثر ارتكابها

    نقصد هنا معاينة مرتكب الجريمة أثناء ارتكابه لها أو مباشرة عند الانتهاء منها، نتحدث عن الجناية أو الجنحة والمعاينة تكون من ضابط الشرطة القضائية إلا أنه قد يخبر بها من طرف الغير كالمجني عليه أو الشهود شريطة أن ينتقل الضابط على وجه السرعة إلى مسرح الجريمة للوقوف على حالة التلبس، ويلعب هنا عامل الزمن دورا حاسما لأن الضبط يجب ان يحصل أثناء ارتكاب الجريمة أو بعدها مباشرة أو عند محاولة تنفيذها.

    ثانيا : الحالة التي يكون فيها الفاعل مطاردا بصياح الجمهور

    بمعنى أنه لم يتم ضبطه وإيقافه في مكان ارتكاب الجريمة فهي حالة تلبس مفترضة، لكن لها ارتباط بالحالة الاولى لا سيما أن عنصر الزمن حاضر بقوة فصياح الجمهور يعقب ارتكاب الجريمة، لكن القانون يطلب توفر شرطين لتحقق هذه الحالة، الصياح والمطاردة، وتتحقق ولو كانت المطاردة من شخصين أو ثلاثة، بل ويرى جانب من الفقه أنها تثبت ولو بشخص واحد سواء من طرف الضحية أو الغير، كما لا يتطلب الأمر الصياح بل يمكن عن طريق الاشارة إليه أو الاشارة إلى مكان اختبائه .

    ثالثا : تواجد الفاعل بعد وقت قصير على ارتكاب الجريمة ومعه اسلحة أو اشياء أو آثار أو علامات تدل على مشاركته في الجريمة

    المشرع ركز في هذه الحالة على وضعية الفاعل والذي اعتبره محور وصف التلبس من خلال الاستدلال بأسلحة أو اشياء أو آثار أو علامات تدل على ارتكابه الجريمة عكس الحالتين السابقتين التين تعتمدان على المشاهدة، ويبقى شرط الزمن عائدا للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع استنادا إلى ظروف و ملابسات القضية كما تجدر الاشارة إلى أن عبارة ” حاملا اسلحة أو أشياء ” وردت على سبيل المثال لا الحصر .

    رابعا : وقوع الجريمة داخل منزل التمس صاحبه التثبت منها

    تتحقق بوقوع جناية أو جنحة داخل منزل ثم يلتمس صاحبه من النيابة العامة أو أحد ضباط الشرطة القضائية التثبت منها .

    الشروط العامة لتحقق حالة التلبس

    • أن يتعلق الأمر بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس

    • أن تتوفر إحدى حالات التلبس الاربعة

    • أن تحصل المشاهدة من قبل ضابط الشرطة القضائية

    • أن تتم المشاهدة بصورة مشروعة

    الشرط الاول : أن يتعلق الأمر بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس

    حيث تخرج من هذه الدائرة الافعال التي تشكل مخالفات أو جنحا معاقب عليها بالغرامة، وهو ما نصت عليه المادة 76 .

    الشرط الثاني : أن تتوافر إحدى حالات التلبس الأربعة

    فلا يمكن الحديث عن حالة التلبس إلا بتوافر إحدى الحالات الاربعة المنصوص عليها في المادة 56 من ق م ج لأن المشرع أوردها على سبيل الحصر ولا يمكن التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، وبمفهوم المخالفة فإن صفة التلبس تنتفي وتسقط معها جميع الاجراءات الاستثنائية المرتبطة بها في حالة تعذر توافر إحدى هذه الحالات .

    الشرط الثالث : أن تحصل المشاهدة من قبل ضابط الشرطة القضائية

    فلا يمكن الاستعاضة عن مشاهدة الضابط لحالة التلبس بالجريمة.

    الشرط الرابع : أن تكون المشاهدة مشروعة

    أي وفق الاحكام والمقتضيات الجاري بها العمل بحيث يجب أن يكون الضابط في وضعية قانونية إزاء قيامه بمهامه وأن يتقيد بالقواعد الاجرائية التي نظمها القانون.

    مقتضيات خاصة بالمحضر و بالضباط السامين

    حيث يتميز المحضر الذي تنجزه الشرطة القضائية في حالة التلبس بجناية أو جنحة ببعض الخصوصيات بالنسبة لبعض المحاضر الأخرى، وفي هذا الاطار فمحضر الشرطة القضائية في حالة التلبس يحرره ضابط الشرطة القضائية فورا و يوقع على كل ورقة من أوراقها، أي الفورية، فالضابط مكلف بالحضور الفوري إلى مكان الجريمة ومعاينة وتسجيل وقائعها، والاستماع إلى الأشخاص الموجودين في نفس المكان، وهذا يستوجب تحرير المحاضر دون تأخير، الأمر الذي يستلزم التعجيل بتقديم المشتبه فيه أمام النيابة العامة، سيما إذا كان موضوعا تحت الحراسة.

    الأمر الثاني هو توقيع ضابط الشرطة القضائية على كل ورقة من أوراق المحضر ، وهذا يفرض على الضابط تسجيل جميع الإجراءات بعناية فائقة، مع ضبط محتويات هذا المحضر عن طريق توقيع كل ورقة من أوراقه.

    أما حضور الضباط السامين للشرطة القضائية لمكان معاينة الجريمة فقد تناولته المواد 71و 72و 75من ق.م.ج التي نصت على أن حضور ممثل النيابة العامة إلى مكان الجريمة يؤدي إلى تخلي ضابط الشرطة القضائية عن البحث، كما أن حضور قاضي التحقيق الى مسرح الجريمة يؤدي بالوكيل العام للملك أو وكيل الملك بتخليهم عن القضية بقوة القانون.

    إجراءات البحث التلبسي

    البحث التلبسي يتطلب من ضابط الشرطة القضائية أن يغادر مكتبه إلى مكان اقتراف الجريمة وجمع الادلة وغيرها من الاجراءات التي قد تمس بحريات الافراد وحقوقهم الاساسية وأمنهم القانوني .

    أولا : الانتقال إلى عين المكان

    وذلك بمجرد علمه بحالة التلبس بجنحة أو جناية من أجل المعاينة بقصد إظهار الحقيقة مع إخبار النيابة العامة بهذا الانتقال، وهو ما نصت عليه المادة 57، إلا أنها لم ترتب أي جزاء عند عدم إخبار النيابة العامة بالتنقل، ويكتسي هذا الانتقال أهمية بالغة كونه من أجل الوقوف على آثار الجريمة والمعالم الناطقة بارتكابها وهو الشاهد الأول على الجاني، مما يتعين التعامل مع هذا الشاهد الصامت بنوع من الدقة والاحتياط تجعل الضابط أقرب إلى الحقيقة، لكن قد يبدو لممثل النيابة العامة الانتقال إلى مكان الجريمة كما يمكن لقاضي التحقيق الانتقال أيضا، مما يعني تواجد ثلاثة ضباط للشرطة القضائية في مكان الجريمة، فمن يحق له مباشرة إجراءات البحث التلبسي ؟ المادة 75 أجابت عن هذا السؤال، فخولت لقاضي التحقيق ذلك ويتخلى وكيل الملك أو الوكيل العام و الضباط العاديون عن القضية لفائدته، فيقوم هذا الأخير بجميع أعمال ضباط الشرطة القضائية كما يمكن له أن يأمر أيا من الضباط بمتابعة العمليات، و بمجرد الانتهاء من تلك العمليات يرسل جميع الوثائق إلى الوكيل العام أو وكيل الملك ليقرر ما يقتضيه بشأنها، فقاضي التحقيق هو الذي تعود إليه الأولوية في القيام بإجراءات البحث التمهيدي التلبسي إلا أن السؤال المطروح كيف يتم إعلام قاضي التحقيق إذا كانت المادة 57 قد ألزمت ضابط الشرطة القضائية إخبار النيابة العامة فقط ؟ وقد كرس دستور 2011 في الفصل 128 هذه الرقابة ” تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق في كل ما يتعلق بالابحاث والتحريات الضرورية في شأن الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة “

    ثانيا : إجراءات المعاينة

    التنقل إلى مكان وقوع الجريمة مقيد بإجراء في غاية الاهمية وهو قيام ضابط الشرطة القضائية بـ ” المعاينات المفيدة ” وتنصب معاينة ضباط الشرطة القضائية على الاشياء والاشخاص والامكنة وكل ما من شأنه المساعدة في البحث والتحري والكشف عن الحقيقة، هكذا نصت المادة 81 على أنه ” يجوز لضابط الشرطة القضائية إجراء تفتيش جسدي على كل شخص تم وضعه تحت الحراسة النظرية” مع عدم انتهاك حرمة امرأة والاستعانة من أجل ذلك بامرأة ينتدبها الضابط ما لم يكن الضابط امرأة، وتفتيش الاشخاص تدبير استثنائي ضيق المشرع من اللجوء إليه وجعله مشروطا بالوضع تحت الحراسة النظرية، وهذا الاذن بالتفتيش تصدره النيابة العامة ولم يحدد له القانون شكلا معينا لكن يجب أن يكون مكتوبا ومتضمنا بعض البيانات الاساسية :

    • تاريخ وساعة وصفة مصدر الاذن

    • رقم وتاريخ الطلب وهوية الشخص المراد تفتيشه

    • الاشارة الى مبررات الاذن بالتفتيش والفصول التي يستند اليها

    • الاذن بالتفتيش إما أن يكون شخصي مأذون بإجرائه لضابط معين أو مطلقا يجوز لكل ضابط تنفيذه

    أما فيما يتعلق بحجز الادلة والمحجوزات و حمايتها نصت المادة 57 ” وعليه أن يحافظ على الادلة القابلة للاندثار وعلى كل ما يمكن أن يساعد على اظهار الحقيقة وأن يحجز الاسلحة والادوات التي استعملت في ارتكاب الجريمة أو التي كانت معدة لارتكابها وكذا جميع ما قد يكون ناتجا عن هذه الجريمة ” هذه الادلة يمكن للضابط أن يتحصل عليها باحد الطرق الاتية :

    • عن طريق التفتيش

    • ضبطها بمكان الجريمة أو بحوزة الجاني

    • تقديمها من أحد الاشخاص

    هكذا وجب عليه ضبطها وإحصاؤها ووضعها في غلاف مختوم يشير فيه إلى طبيعتها ووزنها وإحصائها وعددها ثم رقم المحضر المنجز بشأنها إلى حين تقديمها إلى النيابة العامة التي تقوم بدورها بإحالتها على المحكمة أو قاضي التحقيق إذا ما ارتأت إجراء تحقيق في القضية أما إذا تعذر إحصاء الاشياء المحجوزة فورا يختم عليها مؤقتا إلى حين إحصائها والختم عليها نهائيا وتتم هذه العملية بحضور الاشخاص الذين حضروا عملية التفتيش .

    التفتيش

    في حالة خيف على الاشياء المحجوزة من التلف أو صعوبة التحقق من ماهيتها فيمكن الاستعانة بأي شخص مؤهل لذلك، بل إن المادة 57 نصت على عرضها على المشتبه به للتعرف عليها حينما تكون الجريمة موضوع البحث التمهيدي مما يمكن إثباته بواسطة حجز أشياء موجودة في حوزة شخص تظن مشاركته في الجريمة أو شخص أخر، فإن ضابط الشرطة القضائية ينتقل فورا إلى منزله ليجري فيه تفتيشا عن الأشياء المذكورة.

    وان كان التفتيش يتعمق بأماكن معدة لاستعمال مهني، فعلى ضابط الشرطة ألا يجري التفتيش إلا بعد إشعار النيابة العامة واتخاذ التدابير اللازمة لضمان احترام السر المهني. واذا كان التفتيش أو الحجز سيجرى بمكتب محام، فيقوم بالتفتيش قاض من قضاة النيابة العامة بحضور نقيب المحامين أو من ينوب عنه، أو على الأقل بعد إشعاره بأي وسيلة ممكنة.

    وسواء كان التفتيش في حالة التلبس بالجريمة من طرف ضابط الشرطة القضائية، أو اقتضت الضرورة أن يقوم به قاض من قضاة النيابة العامة (بالنسبة للمحامي)، فلابد من مراعاة المقتضيات التالية :

    • إذا كان التفتيش سيجري في منزل مشتبه فيه فينبغي على ضابط الشرطة القضائية أن يدعو الشخص المذكور للحضور أو يدعوه لينيب عنه شخصا آخر، واذا تعذر ذلك فإن الضابط يستدعي شاهدين لحضور عملية التفتيش.

    • أما إذا كان التفتيش سيجرى في منزل شخص آخر غير المشتبه فيه، فإن هذا الشخص ينبغي أن يحضر التفتيش، واذا تعذر ذلك يتم التفتيش بحضور شاهدين كذلك.

    تفتيش النساء : إذا كان التفتيش سيتم في أماكن توجد بها نساء، فعلى الضابط أن ينتدب امرأة لتفتيش النساء بمقتضى المادة 60 من قانون المسطرة الجنائية، وأيضا يتعين عليه أن يستدعي امرأة لحضور التفتيش الذي سيجريه بمنزل تعمره نساء فقط. وعلة اشتراط إجراء التفتيش في هذه الحالة من طرف امرأة هي صيانة الآداب العامة وحماية القيم الأخلاقية وعدم استباحة عرض المرأة حتى ولو كانت متهمة.

    حجز الأشياء

    يعمل ضابط الشرطة القضائية على إحصاء الأشياء و الوثائق التي يقرر حجزها لعلاقتها بموضوع الجريمة على الفور، ويلفها أو يضعها في غلاف أو كيس ويختم عليها، وهذا الإجراء يقصد به الحفاظ على الشيء المحجوز بعينه ومنع تبديده حتى يتمكن القضاء من بسط مراقبته عليها عند الاقتضاء، وتتم هذه الإجراءات بحضور الأشخاص الذين حضروا عملية التفتيش.

    الإجبار على الامتثال

    يمكن لضابط الشرطة القضائية استدعاء أي شخص قصد الاستماع إليه ومده ببيانات ومعلومات مفيدة حول الأفعال موضوع البحث أو الأشياء أو الوثائق المحجوزة، واذا امتنع المستدعى فإن الضابط قد يلجأ إلى إرغامه على الحضور بعد إذن النيابة العامة. والضابط ملزم بتحرير محاضر بالعمليات التي قام بها من تفتيش أو حجز، وغالبا ما ينجز محضر واحدل للتفتيش و الحجز، وكيفما كانت النتيجة التي انتهى إليها إيجابية أو سلبية.

    أوقات التفتيش

    على الرغم من كون التفتيش يتم في إطار البحث بشأن جريمة تتوفر في حالة التلبس فإن ضابط الشرطة القضائية ينبغي أن يقوم به خلال التوقيت القانوني المسموح به بالتفتيش، وبذلك فلا يجوز التفتيش قبل السادسة صباحا و بعد التاسعة ليلا، إلا إذا طلب ذلك صاحب المنزل أو وجبت استغاثة من داخله أو في حالات خاصة يجيزها القانون، غير أنو يمكن الاستمرار في التفتيش ولو بعد دخول الوقت الممنوع تفاديا لعرقلة الإجراءات.

    واذا تعلق الأمر بتفتيش محلات يمارس فيها بصفة معتادة عمل ليلي، فإن التفتيش يمكن أن يتم فيها في أي وقت، وذلك لتمييز هذه الأماكن بممارسة أنشطتها خلال الليل وليس ممارستها بصفة عرضية، فلا ينبغي تناسي الحرمة التي يعطيها الدستور للمنازل.

    بطلان التفتيش

    رتب المشرع على عدم احترام الإجراءات المنصوص عليها في المواد 59 و 60و 62 من قانون المسطرة الجنائية، بطلان الإجراء المعيب وما قد يترتب عنه من إجراءات. وعليه إذا تقرر بطلان محضر التفتيش والحجز بسبب خرق الإجراءات المسطرية، فإن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى بطلان محضر البحث التمهيدي الذي يتضمن تصريحات المتهم وباقي الإجراءات الأخرى السليمة التي لم تترتب عن الإجراء الباطل.

    سرية التفتيش

    نصت المادة 61 من قانون المسطرة الجنائية على معاقبة كل من قام بإفشاء فحوى وثيقة ثم حجزها أثناء التفتيش إلى شخص غير مؤهل قانونا للاطلاع عليها، دون موافقة الشخص المحجوز منه أو ذوي حقوقه أو من وقع عليها، أو من وجهت إليه ولو كان ذلك لفائدة البحث.

    الاستعانة بالأشخاص المؤهلين

    تخول المادة 64 من قانون المسطرة الجنائية، لضابط الشرطة القضائية إذا اقتضى الأمر القيام بمشاهدات ضرورية الاستعانة بأهل الخبرة، وهذا لا يعني انتداب خبير لإنجاز هذه المأمورية، على اعتبار أن انتداب الخبراء لإنجاز خبرة من اختصاص السلطة القضائية ، قاضي

    التحقيق، أو قاضي الموضوع. وعليه فصلاحية الشخص المستعان من طرف الشرطة القضائية تقتصر على “مشاهدة” الوقائع والأدلة التي تتعرض بسرعة إلى الاندثار، ويكون من شأنها الكشف عن حقيقة الواقعة قبل تلاشيها، وهذه الصلاحية مشروطة بأمرين:

    • أن تكون المعاينة لا تقبل التأخير.

    • أن يقتصر عمل الشخص المؤهل على إبداء رأيه الفني.

    التحفظ على الأشخاص بمكان التحريات

    يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يمنع كل شخص يظهر لو أنه مفيد في تحرياته المتعلقة بالكشف عن الجريمة من الابتعاد عن مكان وقوعها، ويستمر هذا المنع إلى غاية إتمام الضابط تحرياته بمكان الجريمة، ولم تحدد المادة 65 من ق.م.ج الفترة الزمنية لهذا المنع، إلا أن ظاهر النص يوحي بأن الأمر يتعلق بإتمام التحريات المجراة بمكان وليس إتمام البحث كله.

    إجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية

    هو من أخطر الاجراءات التي يقوم بها ضابط الشرطة القضائية لتعلقها بحرية الانسان وأمنه القانوني لذلك قيد المشرع هذا المقتضى بشروط ضمانا لحقوق الاشخاص، كم أن المشرع ألزم ضابط الشرطة القضائية بتوثيق جميع العمليات التي يقوم بها بدءا من الانتقال إلى مكان الجريمة والقيام بالمعاينة مرورا بإجراءات التفتيش والحجز وانتهاء بالتحفظ على الاشخاص ووضعهم تحت الحراسة النظرية والاستماع إليهم وتقديمهم إلى النيابة العامة .

    الوضع تحت الحراسة النظرية

    من أجل استجلاء الحقيقة منح المشرع لضابط الشرطة القضائية هامشا واسعا في الاستماع إلى أي شخص قد تكون تصريحاته مفيدة في البحث والتحفظ عليه وهو ما نصت عليه المادة 65 التي جاء فيها : ” يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يمنع أي شخص مفيد في التحريات من الابتعاد عن مكان وقوع الجريمة إلى أن تنتهي تحرياته. يجب على كل شخص ظهر من الضروري معاينة هويته أو التحقق منها، بناء على طلب من ضابط الشرطة القضائية، أن يمتثل للعمليات التي يستلزمها هذا التدبير. وكل من خالف مقتضيات الفقرة السابقة يتعرض لعقوبة الاعتقال لمدة تتراوح بين يوم واحد وعشرة أيام وغرامة يتراوح قدرها بين 200 و1.200 درهم أو لإحدى هاتين العقوبتين فقط.”

    أولا : إجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية

    تناول المشرع إجراءاتها في المواد 66 وما يليها، وهي من أهم الصلاحيات المخولة لضباط الشرطة القضائية وأخطرها في نفس الوقت لتعلقها بحريات الافراد، فالحراسة النظرية هي إيقاف شخص مشتبه به رهن اشارة ضابط الشرطة القضائية لفائدة إجراءات البحث والتحري خلال مدة محددة في مركز الشرطة القضائية، ولعل الهدف من ابقاء هذا الشخص المشتبه فيه رهن الاشارة هو الحيولة دون فراره أو إخفائه معالم الجريمة أو تغييرها وبالتالي تعطي فرصة لضابط الشرطة القضائية من أجل الوصول إلى الحقيقة والتثبت من صلة الشخص الموقوف بالجريمة، وقد حددت المادة 65 صنفين من الاشخاص الممكن وضعهم تحت الحراسة النظرية، الصنف الأول يمنعه الضابط من الابتعاد عن مكان الجريمة حتى يتم التعرف على هويته والصنف الثاني أي شخص قد يفيد في إظهار الحقيقة .

    شروط الوضع تحت الحراسة النظرية

    المشرع منح لضابط الشرطة القضائية هامشا واسعا في اتخاذ تدابير الحراسة النظرية لكنه قيده بمجموعة من الشروط حماية لحريات الافراد، فلا يمكن اللجوء إلى الوضع تحت الحراسة النظرية في المخالفات أو الجنح المعاقب عليها بعقوبة الغرامة وحدها، بل فقط في قضايا التلبس بالجنح والجنايات المعاقب عليها بالحبس والشرط الثاني أن تكون هناك ضرورة قد تفيد في البحث وهو ما نصت عليه المادة 66 ” إذا تطلبت الضرورة أن يحتفظ ضابط الشرطة القضائية بشخص أو عدة أشخاص ممن أشارت إليهم المادة 65 ليكونوا رهن إشارته فله أن يضعهم تحت الحراسة النظرية لمدة لا تتجاوز 48 ساعة تحتسب ابتداء من ساعة توقيفهم وتُشعر النيابة العامة بذلك ” .

    مدد الوضع تحت الحراسة النظرية

    تختلف تبعا لنوع الجرائم وقد صنفتها المادة 80 إلى ثلاثة أصناف :

    الصنف الاول : الحراسة النظرية لمدة 48 ساعة تسري على جميع الجرائم باستثناء جرائم أمن الدولة والجريمة الارهابية، وتقبل التمديد مرة واحدة لمدة 24 ساعة إضافية بما مجموعه 72 ساعة لا يجوز تجديدها الا بإذن كتابي من النيابة العامة .

    الصنف الثاني : إذا تعلق الأمر بجريمة ماسة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي فإن مدة الحراسة النظرية تكون 96 ساعة قابلة للتمديد 96 أخرى بإذن من النيابة العامة بما مجموعه 192 ساعة .

    الصنف الثالث : تتعلق بالجريمة الارهابية فتكون مدة الحراسة النظرية 96 قابلة للتمديد مرتين كل مرة 96 ساعة بما مجموعه 288 ساعة ويكون التمديد بإذن مكتوب من النيابة العامة.

    التمديد يكون حسب خصوصية الجريمة فالمدة الاصلية قد لا تسعف ضابط الشرطة القضائية في إنهاء بحثه، مما حدا بالمشرع إلى تمديدها بإذن مكتوب من طرف النيابة العامة دون إحضار المشتبه فيه أمامها خلافا لما هو عليه الامر بالنسبة للبحث التمهيدي العادي.

    الضمانات والآثار المترتبة عن الوضع تحت الحراسة النظرية

    اضافة الى الشروط السالفة، عزز المشرع تدابير الوضع تحت الحراسة النظرية باحترام مجموعة من الاحكام والشكليات والمقتضيات التي تعتبر بمثابة ضمانات كرسها القانون لفائدة الاشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية، من هذه الضمانات إخبار الشخص أنه تم القبض عليه أو وضعه تحت الحراسة النظرية فورا وبكيفية يفهمها وبدواعي اعتقاله وبحقوقه ومن بينها حق التزام الصمت، والهدف من هذا المقتضى الجديد الذي جاء به تعديل 17 أكتوبر 2011 هو تهيئ الشخص الموقوف نفسيا وإحاطته بالأفعال الجرمية المنسوبة إليه والاسباب الداعية الى اعتقاله ثم تعريفه بحقوقه التي يكفلها له القانون.

    هكذا نص الفصل 23 من دستور 2011 على أنه ” لا يجوز إلقاء القبض على اي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون، الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري من أخطر الجرائم وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات، يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله على الفور وبكيفية يفهمها بدواعي اعتقاله وبحقوقه ومن بينها حقه في التزام الصمت ويحق له الاستفادة في أقرب وقت ممكن من مساعدة قانونية ومن إمكانية الاتصال بأقربائه طبقا للقانون ” .

    هكذا يحق للشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية تعيين محام أو طلب تعيينه في إطار مساعدة قضائية، فيقوم الضابط بإشعار المحامي المعين مع إخبار نقيب هيئة المحامين التابع لها المحامي، أما إذا طلب تعيين محام في إطار المساعدة القضائية يقوم الضابط بإشعار نقيب هيئة المحامين الذي يتولى تعيين أحد المحامين لهذه الغاية وتتم عملية الاتصال بين المحامي والشخص الموقوف قبل انتهاء نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية . هذا هو الأصل، لكن قد يتم تأجيل أو تأخير اتصال المحامي بموكله بصفة استثنائية وفق الشروط التالية :

    • أن يتعلق الأمر بوقائع تكون جناية مما يجعل الجنح غير خاضعة لهذا الاستثناء

    • أن يكون التأخير قد اقتضته ضرورة البحث

    • أن يكون التأجيل بناء على طلب ضابط الشرطة القضائية وتحت إشراف النيابة العامة التي يمكنها ان تأذن بذلك أو ترفضه

    • ألا تتجاوز مدة التأخير 12 ساعة ابتداء من انتهاء المدة الأصلية للحراسة النظرية

    • إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية أو بالجرائم المشار إليها في المادة 108 من ق م ج فإن الاتصال بالمحامي يتم قبل انصرام المدة الاصلية للحراسة النظرية على ألا يتجاوز ذلك التأخير مدة 48 ساعة ابتداء من انصرام المدة الاصلية للحراسة .

    وعليه لا يمكن إجراء هذه المقابلة أو الاتصال الا بترخيص من النيابة العامة ولمدة لا تتجاوز 30 دقيقة تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية وفي ظروف من شأنها أن تكفل سرية المقابلة، وتفعيلا لهذه الضمانة القانونية التي منحها المشرع للشخص رهن الحراسة النظرية فقد منح لضابط الشرطة القضائية وبصفة استثنائية الاذن للمحامي بالاتصال بالشخص الذي طلبه وقيده بشرطين :

    • تعذر الحصول على ترخيص من النيابة العامة لظرف خارج عن إرادة الضابط

    • تحرير تقرير بذلك ورفعه فورا إلى النيابة العامة

    ويمنع على المحامي إخبار أي كان بما راج خلال الاتصال بموكله قبل انقضاء مدة الحراسة النظرية حفاظا على سرية البحث التمهيدي لكن المشرع لم يحدد هل انقضاء المدة الاصلية أم المدد المضافة، و يجوز للمحامي المرخص له بالاتصال بالشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية أن يقدم أثناء مدة تمديد هذه الحراسة وثائق أو ملاحظات كتابية للشرطة القضائية أو للنيابة العامة قصد اضافتها للمحضر مقابل إشهاده .

    كما أن المشرع وسع من دور المحامي أثناء الاستنطاق أمام النيابة العامة ومكنه من استعمال ثلاث إمكانيات :

    • التماس إجراء فحص طبي على موكله الذي كان رهن الحراسة النظرية

    • الادلاء بوثائق أو اثباتات كتابية

    • التماس إطلاق سراح موكله مقابل كفالة

    كما أن هناك مجموعة من الشكليات يعتمدها ضابط الشرطة القضائية خلال عملية الوضع تحت الحراسة النظرية ويمارسها بشكل دقيق وسليم تتمثل في ما يلي :

    • مسك سجل خاص بالوضع تحت الحراسة النظرية ترقم صفحاته ويتم توقيعه من طرف وكيل الملك المختص

    • وضع السجل رهن إشارة الشرطة القضائية تقيد فيه معلومات متعلقة بالاشخاص الخاضعين لتدابير الحراسة النظرية والمتمثلة في الهوية الكاملة، سبب و ساعة الوضع تحت الحراسة النظرية، ساعة انتهاءها، مدة الاستماع، الحالة البدنية والصحية للمعتقل وكذا التغذية المقدمة له.

    • توقيع الشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية وكذا ضابط الشرطة القضائية عند انتهائها فإذا تعذر توقيع المعتقل لسبب من الاسباب أو ابصامه يشار إلى ذلك

    • عرض السجل على وكيل الملك لمراقبته والتأشير عليه مرة كل شهر على الاقل

    • يتعين إشعار عائلة الشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية بمجرد اتخاذ الاجراء

    • توجيه لائحة بعدد وأسماء الاشخاص الخاضعين لتدابير الحراسة النظرية إلى النيابة العامة خلال 24 ساعة السابقة

    • تقوم النيابة العامة بمراقبة الوضع تحت الحراسة النظرية ويمكن لها أن تأمر في أي وقت بوضع حد لها أو بمثول الشخص المحتجز أمامها.

    لكن ما هو الاثر القانوني الذي رتبه المشرع في حالة الاخلال بأحد شروط وشكليات تدابير الوضع تحت الحراسة النظرية ؟ الواقع أن المشرع لم يرتب البطلان على الاخلال بأحد شروط الوضع تحت الحراسة النظرية مما يفتح الباب أمام تساؤلات عدة .

    مراقبة النيابة العامة لضباط الشرطة القضائية

    منح المشرع للنيابة العامة مراقبة أعمال ضباط الشرطة القضائية سواء من خلال المحاضر المحالة عليها أو من خلال زيارة أعضائها لأمكنة الحراسة النظرية وتحريرهم لتقارير بما عاينوه من إخلالات في إجراءات الحراسة النظرية ويشعرون بها الوكيل العام للملك، هذا الاشراف توخى منه المشرع مراقبة قانونية أعمال الشرطة القضائية وسلامة إجراءاتها في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية بشأن الجرائم، وهذه المراقبة تشمل جميع الاجراءات والعمليات التي يقوم بها جهاز الشرطة القضائية .

    أولا : مراقبة إجراءات التفتيش

    تبسط النيابة العامة مراقبتها على عملية التفتيش من خلال تسيير عمل ضابط الشرطة القضائية عن طريق التعليمات ومن خلال المحاضر المحالة عليها والتي تبين مدى قيام الضابط بإجراءات التفتيش وفق الضوابط والشروط المنصوص عليها قانونا وأي تعسف او تجاوز أو إخلال يؤدي حتما إلى المساءلة، حيث نظم المشرع إجراءات التفتيش وحددها بدقة ورتب على الاخلال بها بطلان التفتيش وبطلان باقي الاجراءات المؤسسة عليه .

    ثانيا : مراقبة إجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية

    يتعين على ضابط الشرطة القضائية مراعاة واحترام ضوابط الوضع تحت الحراسة النظرية لما لهذا الاجراء من اهمية ومساس بحرية الافراد، فيجب التقيد بهذه الضوابط سواء على مستوى الضمانات التي منحها المشرع للشخص المشتبه به أو على مستوى مدد الحراسة النظرية وشروط اللجوء إليها ثم ملاءمة محاضر الشرطة للشروط الموضوعية والانسانية والابتعاد عن معاملة الموقوفين بطريقة قاسية أو مهينة وتجنب التعذيب والاكراه والضغط . هكذا تقوم النيابة العامة بزيارات تفقدية إلى مخافر الشرطة والاطلاع على السجل المعد لهذه الغاية وإحالة لائحة الاشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية إلى النيابة العامة خلال 24 ساعة السابقة .

    ثالثا : مراقبة المحاضر

    يتولى ضباط الشرطة القضائية بإنجاز محاضر بما عاينوه وبما قاموا به من عمليات وإحالتها على النيابة العامة التي تتولى دراسة هذه المحاضر ومراقبة مدى الالتزام بشروطها الجوهرية والشكلية وأي إخلال بذلك يؤدي إلى استبعادها، فوكيل الملك هو الساهر على احترام إجراءات الحراسة النظرية وآجالها وعلى مباشرتها في الاماكن المعدة لهذه الغاية في دائرة نفوذه كما يسهر على احترام التدابير الكفيلة بتحسين ظروف الاعتقال وزيارة أماكن الاعتقال في أي وقت مرتين على الاقل في كل شهر، كما يقوم بمراقبة سجلات الحراسة النظرية ويقوم بتحرير تقرير بمناسبة كل زيارة ويشعر الوكيل العام بما عاينه من إخلالات ويتخذ الوكيل العام التدابير والاجراءات الكفيلة لوضع حد لهذه الاختلالات ويرفع بذلك تقريرا إلى وزير العدل .

    اختصاصات أخرى موكولة للشرطة القضائية

    لضباط الشرطة القضائية مهام أخرى غير البحث التلبسي، تتمثل في الابحاث التمهيدية، تلقي الشكايات والوشايات، تنفيذ أوامر وإنابات قضاة التحقيق وأوامر النيابة العامة .

    ولا يجب الخلط بين البحث التلبسي والبحث التمهيدي، فلكل منهما نصوص خاصة، كما أن الضابط في البحث التمهيدي لا يكون له هامش واسع من الحرية كما هو الامر في البحث التلبسي، كما يكون مقيدا إلى حد كبير بتعليمات النيابة العامة .

    إجراءات البحث التمهيدي في الاحوال العادية

    نصت المادة 78 من ق م ج على أنه ” يقوم ضباط الشرطة القضائية بأبحاث تمهيدية بناء على تعليمات النيابة العامة أو تلقائيا و يسير هذه العمليات وكيل الملك أو الوكيل العام للملك كل في ما يخصه ” .

    المشرع المغربي لم يفرق بين البحث التمهيدي سواء العادي أو التلبسي إلا أنه فرق بينهما من خلال بعض الاجراءات التي تميز كلا على حدة، أما الفقيه أحمد الخمليشي فقد عرفه بأنه ” مرحلة التثبت من وقوع الجريمة وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها وهي المرحلة التي تسبق التحقيق والمحاكمة ” . إذن البحث التمهيدي هو فاتحة الاجراءات و هو مرحلة أولى تمهد الطريق للتحقيق والمحاكمة، لذلك ينطوي على أهمية قصوى بالنظر إلى الاجراءات والعمليات التي يقوم بها ضباط الشرطة القضائية في هذه المرحلة والتي يكون لها بالغ الأثر على صيرورة الدعوى العمومية في مراحلها المقبلة، هكذا تبدأ إجراءات البحث التمهيدي إما بناء على تعليمات النيابة العامة أو تلقائيا بعد التوصل بشكاية من المتضرر أو وشاية في الموضوع .

    يتم تلقي الشكايات والوشايات بإحدى طريقتين :

    • عن طريق النيابة العامة

    • عن طريق المتضرر أو الواشي مباشرة

    وفي كلا الحالتين يخضع ضباط الشرطة القضائية لتعليمات النيابة العامة في القيام بأبحاثها لإظهار الحقيقة وجمع الأدلة والاستماع للأشخاص وما يواكب ذلك من إجراءات .

    1-تلقي الشكايات عن طريق النيابة العامة

    تختلف الشكاية عن الوشاية من نواحي عديدة وكلا منهما لها آثار قانونية على مستوى المراكز القانونية للأطراف، ناهيك عن التبليغ عن الجرائم التي نظم المشرع مقتضياته في تعديل 2011 الذي طال قانون المسطرة الجنائية .

    أولا : الشكاية

    هي إجراء قانوني منحه المشرع للمتضرر من الجريمة أو من ينوب عنه يخوله التقدم إلى السلطات المختصة ليبلغها عن خبر جريمة تعرض لها، وقانون المسطرة لم يحدد شكلا محددا للشكاية فقد تكون كتابية أو شفوية إلا أن العمل القضائي استقر على أن جميع النيابات العامة تتلقى الشكايات كتابة ولا تتلقى الشكايات الشفوية، وتتلقاها بإحدى الطرق التالية :

    • مناولة من المشتكي مباشرة أو نائبه أو دفاع

    • عن طريق البريد المضمون أو العادي

    • عن طريق الاحالة للاختصاص من محكمة أخرى

    • عن طريق الانتداب الجنائي

    وكيفما كان مصدر تلقي الشكاية يقوم ممثل النيابة العامة بفحصها ودراستها واتخاذ الاجراء المناسب بشأنها ثم يحيلها على شعبة الشكايات المختصة التي تتولى تسجيلها في السجلات المحددة لهذا الغرض، وإحالة نسخة منها بواسطة سجلات التداول إلى الشرطة القضائية المختصة مذيلة بتعليمات النيابة العامة و يوقعها ممثل النيابة العامة . هذا النوع من الشكايات يسمى ” الشكايات المرجعية ” لأنها توضع سلفا لدى النيابة العامة ويتعين على ضابط الشرطة القضائية التقيد بما ورد فيها من تعليمات بخصوص البحث والاستجواب والتقديم وغيرها من الاجراءات التي تأمر بها النيابة العامة .

    ثانيا : الوشاية

    هو إخبار شفوي أو كتابي أو بواسطة الهاتف يصدر من شخص قد يكون معلوما أو مجهولا لم يتضرر مباشرة من الجريمة لكنه يتدخل لإبلاغ الجهات المختصة بوقوعها، وقد تصدر الوشاية عن جهة رسمية وفقا للمادة 42 من ق م ج التي تنص على أنه ” يجب على كل سلطة منتصبة وعلى كل موظف بلغ إلى علمه أثناء ممارسة مهامه ارتكاب جريمة أن يخبر بذلك فورا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك وأن يوجه إليه جميع ما يتعلق بالجريمة من معلومات ومحاضر ووثائق ” كما تصدر الوشاية من جهة غير رسمية وهو ما ذكره المشرع في المادة 43 ” يجب على كل من شاهد ارتكاب جريمة تمس بالآمن العام أو بحياة شخص أو أمواله أن يبلغ الوكيل العام للملكم أو الشرطة القضائية ” فإذا كانت الوشاية شفوية اصدر وكيل الملك أمرا شفويا للشرطة القضائية بالبحث اما اذا كانت وشاية مكتوبة أحال نسخة من الوشاية مذيلة بتعليماته إلى الشرطة القضائية لإجراء بحث والتأكد من مضمون الوشاية.

    ثالثا : التبليغ

    المشرع ورغبة منه في محاربة الجريمة شجع على التبليغ عن نوع خاص من الجرائم تتمثل في : جريمة الرشوة، استغلال النفوذ، الاختلاس، التبديد، الغدر، غسل الاموال، الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من ق م ج، ويحق للمبلغ أن يطلب من وكيل الملك اتخاذ واحد أو أكثر من التدابير التالية :

    • إخفاء هوية المبلغ في المحاضر والوثائق المتعلقة بالقضية

    • تضمين هوية مستعارة أو غير صحيحة للمبلغ

    • عدم الاشارة إلى العنوان الحقيقي للمبلغ ضمن المحاضر والوثائق

    • الاشارة الى عنوان اقامته والى مقر الشرطة القضائية التي تم فيها الاستماع اليه

    • تضع رهن اشارته رقما هاتفيا خاصا بالشرطة القضائية حتى يتمكن من اشعارها بالسرعة الكافية في حالة صدر أي رد فعل يهدد سلامته

    • توفير الحماية الجسدية للمبلغ وأفراد عائلته من طرف القوة العمومية

    • التماس المبلغ الاستماع إليه شخصيا من طرف ممثل النيابة العامة والحفاظ على سرية هوية المبلغ .

    غير أنه إذا قام المبلغ بالتبليغ بسوء نية عن وقائع غير صحيحة فإنه يتعرض لاحدى العقوبات المنصوص عليها في الفصلين 365 و 370 من مجموعة القانون الجنائي .

    2-تلقي الشكايات والوشايات مباشرة

    يتقدم المتضرر مباشرة بشكاية إلى الشرطة القضائية فيتوجب على ضابط الشرطة القضائية بمجرد توصله بها إخبار ممثل النيابة العامة باعتباره ضابطا ساميا للشرطة القضائية وإحاطته علما بما حدث في دائرة نفوذه من مخالفات للقانون الجنائي فيعطي هذا الاخير تعليماته للضابط للقيام بالمطلوب، وقد يتم الاخبار عن طريق الهاتف فتتخذ النيابة العامة الاجراء المناسب بما تقتضيه المادتين 40 و 49 ويكون الضابط ملزما باحترام تعليمات النيابة العامة تحت طائلة العقوبات المقررة قانونا .

    البحث التمهيدي في الاحوال العادية

    تنظمه المواد 21 و 78 و 82 ولم يحدد المشرع أي شروط خاصة كما هو الشأن بالبحث في حالة التلبس مما يجعله يصطبغ بخصوصية إعطائه ضمانات أكبر للحقوق والحريات وحماية المراكز القانونية للأطراف . فالشرطة القضائية تقوم بالتحريات في مجال البحث التمهيدي في الاحوال العادية إما تلقائيا وإما بتعليمات من النيابة العامة م86، والضباط العاديون هم المكلفون من الناحية العملية بالقيام بالإجراءات والتحريات اللازمة في هذه المرحلة تحت رقابة ضباط الشرطة القضائية السامين إما بتعليمات من رؤسائهم أو تلقائيا هكذا يتدخلون للبحث عن الجرائم و تجميع الادلة وتلقي الشكايات والوشايات من الجمهور والقيام بالتحريات مع تسخير القوة العمومية عند الاقتضاء .

    • الاستماع للأطراف

    يباشر الضابط بحثه التمهيدي بالاستماع إلى المشتكي بعد استدعائه للمثول أمامه إذا كان البحث ينصب على شكاية محالة من النيابة العامة أو الاستماع إليه مباشرة في حالة التقدم بشكاية مباشرة أمام الشرطة القضائية، ويعتبر المشتكي الضحية أول حلقة في البحث التمهيدي من خلال إدلائه بمجموعة من المعلومات تساعد الضابط في بحثه ثم يستمع الضابط أيضا للمصرحين إن وجدوا في محاضر منفصلة عن بعضها .

    يستمع الضابط ايضا الى المشتبه به والغاية من ذلك هو محاولة التثبت من الجريمة والوصول إلى الحقيقة لكن هذه الغاية يجب أن تتحقق بالوسائل المشروعة بعيدا عن أي تعذيب أو مس بالسلامة الجسدية أو التعسف أو العنف أو الاكراه، لذلك أحاط المشرع استماع الضابط إلى المشتبه به بمجموعة من الضمانات رتب على خرقها آثارا وجزاءات قد تعصف بإجراءات البحث التمهيدي ناهيك عن إثارة مسؤولية الضابط الادارية والمدنية والجنائية، ويمكن إجمال هذه الضمانات في ما يلي :

    • ضمانات الاستماع : هناك عدة ضمانات وهي شكليات يجب التقيد بها من بينها الاستعانة بمترجم إذا كان المشتبه لا يتحدث لغة البلد أو الاستعانة بشخص خبير في حالة كان أصم أو أبكم .

    • تفادي انتزاع الاعتراف بالعنف أو الاكراه : الاعتراف أحد وسائل الاثبات في المادة الجنائية ويخضع للسلطة التقديرية لقضاة الحكم وقد نص المشرع في المادة 293 أن لا يعتد بأي اعتراف انتزع تحت العنف مع تعريض مرتبكه إلى العقوبات المنصوص عليها قانونا، وقد رتب المشرع على الاخلال بهذا المقتضى عدة آثار

    • حق المشتبه فيه بطلب إجراء فحص طبي إذا تعرض للتعذيب أمام النيابة العامة أو في التحقيق

    • استبعاد أي اعتراف ثبت انتزاعه تحت العنف والاكراه

    • معاقبة ضابط الشرطة القضائية الذي انتزعه تحت وطأة التعذيب متى ثبت ذلك

    2- الاعتقال والتفتيش

    هو إجراء خطير ويدخل ضمن صلاحيات الشرطة القضائية لكن المشرع نص في المادة 79 على منع دخول المنازل وتفتيشها دون موافقة صريحة من صاحب البيت وتتضمن هذه الموافقة تصريحا مكتوبا بخط اليد، فإذا كان لا يعرف الكتابة يشار إلى ذلك في المحضر، أما إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية وامتنع الشخص عن اعطاء موافقته بتفتيش البيت فيمكن إجراؤه بإذن كتابي من النيابة العامة بحضور الشخص المعني بالأمر وفي حالة امتناعه أو تعذر حضوره يكون بحضور شخصين شاهدين من غير الخاضعين لسلطة ضابط الشرطة القضائية . فالمادة 59 توجب على ضابط الشرطة القضائية إجراء عمليات التفتيش بحضور الاشخاص المعنيين واتخاذ جميع التدابير الكفيلة باحترام السر المهني إذا أجري التفتيش في أماكن معدة لاستعمال مهني ويحرر الضابط محضرا بذلك مع ضرورة إشعار النيابة العامة . وفي حالة تفتيش أماكن بها نساء انتدب الضابط امرأة لحضور التفتيش .

    كما يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يستدعي أي شخص إذا تبين أن لسماعه فائدة من حيث إمداده بمعلومات حول الافعال أو الاشياء أو الوثائق المحجوزة، وقد يرغمه على ذلك بإذن مكتوب من النيابة العامة ويتم توقيع محاضر عمليات التفتيش والحجز من طرف الاشخاص الذي أجري التفتيش بمنازلهم أو من يمثلهم أو الشاهدين أو يشار إلى امتناعهم عن التوقيع والابصام أو تعذره في المحضر . وقد حددت المادة 62 الوقت القانوني الذي يجري التفتيش داخله أي ما بين 6 صباحا و قبل 9 ليلا ما لم يتعلق الأمر بأماكن تمارس أنشطة ليلية بكيفية معتادة كما يمكن إجراء عملية التفتيش بعد خروج الوقت القانوني إذا كان قد شرع فيها خلال الوقت القانوني، أما المادة 63 فقد أجبرت ضباط الشرطة القضائية على احترام الإجراءات المقررة في المواد 59 و 60 و 61 تحت طائلة بطلان الاجراءات وما قد يترتب عنها من إجراءات لاحقة، وقد رتب المشرع البطلان على كل إجراء يأمر به قانون المسطرة الجنائية ولم يثبت إنجازه على الوجه المطلوب، كما أنه رتب على كل قاض أو موظف عمومي أو رجل سلطة أو رجل قوة عمومية يدخل مسكنا لأحد الاشخاص دون إذنه ورضاه في غير الاحوال التي قررها القانون عقوبة حبسية.

    المادة 62 : ” لا يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها قبل الساعة السادسة صباحا وبعد الساعة التاسعة ليلا، إلا إذا طلب ذلك رب المنزل أو وجهت استغاثة من داخله، أو في الحالات الاستثنائية التي ينص عليها القانون. غير أن العمليات التي ابتدأت في ساعة قانونية يمكن مواصلتها دون توقف. لا تطبق هذه المقتضيات إذا تعين إجراء التفتيش في محلات يمارس فيها عمل أو نشاط ليلي بصفة معتادة. إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية واقتضت ذلك ضرورة البحث أو حالة الاستعجال القصوى أو إذا كان يخشى اندثار الأدلة فإنه يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها بصفة استثنائية قبل الساعة السادسة صباحاً أو بعد التاسعة ليلاً بإذن كتابي من النيابة العامة.

    المادة 63 : ” يعمل بالإجراءات المقررة في المواد 59 و60 و 62أعلاه تحت طائلة بطلان الإجراء المعيب وما قد يترتب عنه من إجراءات”.

    الإنابة القضائية

    إذا كانت أهم أعمال الشرطة القضائية تتم في إطار حالة التلبس أو البحث التمهيدي، فإنها يمكن أن تكلف ببعض المهام بمقتضى إنابة قضائية من قاضي التحقيق أو من هيئة المحكمة. وفي هذه الحالة فإن ضابط الشرطة القضائية يكون بصدد القيام بأعمال هي في الحقيقة من صميم أعمال السلطة القضائية التي انتدبته للقيام بها، وتدرج في إطار أعمال التحقيق الإعدادي الذي يقوم به قاضي التحقيق أو التحقيق النهائي الذي يرجع إلى هيئة الحكم.

    أولا : انتداب الشرطة القضائية من طرف قاضي التحقيق

    منح القانون لقاضي التحقيق الحق في اللجوء إلى الإنابة القضائية بمقتضى المواد من 189 إلى 193 من ق.م.ج، ونخص بالذكر الإنابة القضائية الموجهة إلى ضباط الشرطة القضائية، ويمكن تلخيص أهم المقتضيات التي تحكم تنفيذ الإنابة القضائية من طرف ضابط الشرطة القضائية كما يلي:

    مضمن الإنابة القضائية : يطبب قاضي التحقيق من أي ضابط من ضباط الشرطة القضائية الموجودين بدائرة نفوذ محكمته القيام بإجراء ما يراه لازما من أعمال التحقيق في الأماكن الخاضعة لنفوذ ضابط الشرطة القضائية، ويرجع الاختصاص هنا إلى قواعد الاختصاص التي تنظم مجال عمل قاضي التحقيق (المادة 55من ق.م.ج)، والى قواعد الاختصاص المحلي التي تحكم عمل ضابط الشرطة القضائية (المادة 22 من ق.م.ج.) ، واذا تعلق الأمر بإنابة قضائية تتطلب القيام بعدة إجراءات في نفس الوقت، ولكن في أماكن مختفة من تراب المملكة فإنه يمكن لقاضي التحقيق أن يأمر بتوجيه نظائر أو نسخا منها إلى السلطات المكلفة بالتنفيذ لتنفيذها.

    وتتضمن الإنابة القضائية الصادرة عن قاضي التحقيق:

    • تاريخ صدورها.

    • توقيع وطابع قاضي التحقيق الذي أصدرها.

    • تحديد نوع الإجراءات المطلوب من الضابط إنجازها.

    • يحدد قاضي التحقيق أجلا لضابط الشرطة القضائية يجب عليه أن يوجه خلاله المحاضر التي حررها، واذا لم تحدد الإنابة أجلا، يتعين على الضابط توجيه المحاضر في ظرف الأيام الثمانية الموالية لنهاية العمليات المنجزة تبعا للإنابة القضائية.

    إنجاز الإنابة : يتوفر ضابط الشرطة القضائية المنتدب لتنفيذ إنابة قضائية صادرة عن قاضي التحقيق على جميع السلطات المخولة لقاضي التحقيق، ولكن في حدود تلك الإنابة باستثناء إجراءين اثنين فقط لا يمكنه القيام بهما ويتعبق الأمر ب:

    • عدم استجواب المتهم أو مواجيته مع غيره.

    • عدم الاستماع إلى الطرف المدني إلا بطلب منه . وينبغي أن يتم هذا التعبير عن هذه الرغبة بشكل صريح إما شفويا ويضمن ذلك في المحضر أو بشكل كتابي.

    يحق لضابط الشرطة القضائية المنتدب أن يستمع للشهود، ويتعين على كل شاهد استدعي لأداء شهادته أن يستجيب لذلك ويؤدي اليمين أمام ضابط الشرطة القضائية، كما يحق له إذا اقتضت ضرورة تنفيذ الإنابة ذلك أن يضع شخصا تحت الحراسة النظرية، ويشعر قاضي التحقيق بذلك. وفي حالة وضع شخص تحت الحراسة النظرية فإن الأمر يقتضي تطبيق كل الشكليات والقواعد التي تحكم تنفيذ هذا الإجراء كما نصت على ذلك المواد 66و 67و 68و 69و 80من ق.م.ج، حسب الأحوال. وفي الأخير يحرر ضابط الشرطة القضائية محضرا بجميع الإجراءات التي قام بها تنفيذا للإنابة القضائية داخل الأجل المحدد، يوجهه إلى قاضي التحقيق الذي أنابه.

    ثانيا: انتداب الشرطة القضائية من طرف المحكمة

    من الناحية العملية، فإن الشرطة القضائية تكف يدها عن كل إجراء من إجراءات التحقيق خلال المرحلة التي يصبح قضاء الحكم هو الذي يمارس هذه السلطة في إطار ما يسمى بالتحقيق النهائي، ومن بين الحالات التي يسمح فيها القانون بانتداب ضابط الشرطة القضائية من طرف قضاء الحكم: ما نص عليه الفصل 32 من قانون محاكم الجماعات والمقاطعات الملغى من أنه”: يمكن للحاكم قصد تكوين اقتناعه الصميم أن يستمع للشهود وأن ينتدب أحد ضباط الشرطة القضائية لانجاز الأبحاث المفيدة وبالخصوص لمباشرة تفتيش المنازل.”

    ما نصت عليه المادتين 324 و 362 من ق.م.ج، حين تكلف هيئة المحكمة أحد أعضائها بإجراء تحقيق تكميمي، ويقوم قاضي الحكم في هذه الحالة بمهامه تنفيذا لمقتضيات القسم الثالث من الكتاب الأول من ق.م.ج المتعمق بالتحقيق الإعدادي، والذي تقع من بين مواده المواد من 189 إلى 193 وهو ما يسمح للقاضي المعين من قبل هيئة الحكم لإنجاز تحقيق تكميمي، أن ينيب عنه ضابطا للشرطة القضائية في إطار الحدود التي رسمتها المواد من 189 إلى 193 المذكورة آنفا.

    📗 خلاصة الباب

    • ⚠ محور متأثر جذريا بالقانون 03.23 (نافذ منذ 8 دجنبر 2025) — راجع التنبيه في مطلع المحور. الشرطة القضائية هي الجهاز المكلف بالبحث عن الجرائم وجمع الأدلة وضبط مرتكبيها تحت إشراف النيابة العامة، وتنقسم إلى ضباط سامين وعاديين.
    • تلتزم الشرطة القضائية بإجراءات صارمة في حالة التلبس بالجريمة (التفتيش، الحجز، الوضع تحت الحراسة النظرية)، وتخضع لمسؤولية تأديبية وجنائية ومدنية وإدارية عند الإخلال بضوابط هذه الإجراءات.
    • عزّز القانون 03.23 ضمانات الموضوعين تحت الحراسة النظرية بشكل جوهري (حق المحامي من الساعات الأولى، الإخبار الإلزامي بالحقوق، تقنين المدد)، خلافا لما هو مفصَّل في هذا المحور وفق النص القديم.

📚 المكتبة القانونية