📖 المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية — الفصل 4 من 4 — فهرس الكتاب
مدخل
• الشريعة الاسلامية بمعناها الخاص هي الأحكام الشرعية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل سواء كان قرآن أو سنة أو ما أجمعت عليه الأمة ، إضافة إلى تلك التي استنبطت من مصدر الأحكام الشرعية ، ومعرفة الحكم الشرعي هو ثمرة الفقه والأصول والغاية من نزول الرائع هو تطبيق أحكامها .
المبحث الأول : الحكم الشرعي
• أولا : الحاكم ، لا خلاف أن الله سبحانه هو الحاكم بين عباده وطاعته واجبة ويثابون عليها أو يعاقبون على تركها .
• ثانيا : تعريف الحكم الشرعي ، لغة هو الحكم القضائي يقال حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه ، واصطلاحا هو خطاب الله سبحانه المتعلق بأفعال المكلفين به اقتضاء أو تخييرا أو وضعا .
• شرح التعريف ، خطاب الله ، توجيه الكلام المفهم إلى الغير بحيث يسمعه ليستفيد منه ، سواء كان قرأن أو سنة أو إجماع أو غيره من المصادر بالبنسبة للسنة ، لا ينطق عن الهوى ، وبالنسبة للقياس أو الإجماع فلا بد فيه من دليل من القرآن أو السنة ، وإذا كان الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى فإن غيره لا يكون حكما شرعيا لأنه : إن الحكم إلا لله ، وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله .
• المتعلق بأفعال المكلفين : يقصد به تعلق الخطاب بأفعال المكلفين مثلا بإقامة الصلاة
• الأفعال : هي ما تعلق بالقلب أو اللسان أو الجوارح
• المكلفين : البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة ولا يحول بين قيامه بالفعل حائل
• اقتضاء : معناه الطلب
• التخيير : التسوية بين فعل الشيء أو تركه دون ترجيح لأحد الجانبين
• وضعا : جعل الشيء سببا لشيء أو شرطا له ، صوموا لرؤيته .
المبحث الثاني : اقسام الحكم
• المطلب الأول : الحكم التكليفي
• تعريفه ، هو ما يقتضي فعل الفعل أو تركه أو التخيير بين الفعل والترك ، خذ من أموالهم طلب فعل الفعل ، ذروا البيع ، ترك الفعل ، حللتم فاصطادوا ، هنا ترك الخيار يعني اصطاد أو لا تصطاد ،
• المطلب الثاني : الحكم الوضعي
• تعريفه ، هو ما اقتضى وضع شيء سببا لشيء أو شرطا له أو مانعا له ، فالسرقة سبب لقطع اليد ، حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، الاستطاعة شرط للحج .
• الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
• المقصود من الحكم التكليفي هو طلب من المكلف فعل شيء أو الإنتهاء عنه أو تخييره بين فعله أو تركه ، أما الحكم الوضعي فليس مقصودا به التكليف أو التخيير بل المقصود منه ارتباط أمر بآخر على وجه السببية أو الشرطية أو المانعية .
• الحكم التكليفي شرطه أن يكون قادرا عليه ، أما الحكم الوضعي فإما أن يكون سببا لشيء أو مانعا أو شرطا وقد يكون مقدورا عليه أو غير مقدور عليه .
المبحث الثالث : أنواع الحكم
المطلب الأول : أنواع الحكم التكليفي
ينقسم إلى خمسة أقسام : الايجاب ، الندب ، التحريم ، الكراهة ، الاباحة
الواجب : شرعا هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا جازما بأن اقترن طلبه بحتمية فعله كالحج والصلاة والايفاء بالعقود لأنها كلها واجبات طلبها الشارع على وجه الحتم واللزوم .
اقسامه :
من حيث تعيين المطلوب فيه وعدم تعيينه
الواجب المعين : وهوما طلبه الشارع كالصلاة والصوم ولا تبرئ ذمة المكلف إلا بآدائه
الواجب المخير : هو ما طلبه الشارع واحدا من عدة اختيارات ، مثال فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة .
التقسيم الثاني : من حيث وقت الأداء
الواجب المطلق : وهو ما طلبه الشارع فعله حتما من غير تعيين وقت محدد كالكفارة .
الواجب المؤقت : هو ما قيده الشارع بزمن معين ، بحيث لا يجوز الآداء قبله ويأثم المتراخي عنه كالصلاة وصوم رمضان ، فإذا فعله المكلف في وقته كاملا مستوفيا أركانه وشروطه سمي فعله أداء وإذا فعله لاحقا سمي إعادة وقد يسمى تعجيلا كمن فعله قبل حلول وقته كإخراج زكاة الفطر وينقسم الواجب المؤقت كذلك إلى ثلاثة : مضيق ، موسع ، ذي شبهين
الواجب المضيق : هو الواجب الذي لا يسع وقت أكثر من فعله فلا يسع فعلا آخر من جنسه فمثلا صيام رمضان إذا لم يعين نيته انصرفت نيته للصيام المفروض وإذا عينها تطوعا لم تجز لأن الشهر لا يتسع للتطوع .
الواجب الموسع : هو ما يكون الوقت المحدد يسعه ويسع غيره ، كالصلوات المفروضة حيث تتسع للصلاة المفروضة والنوافل .
الواجب ذو الشبهين : هو من الجهتين مضيق وموسع ، كالحج فوقته محدد ولا يمكن أداء سوى مرة واحدة في السنة لكنه موسع من ناحية المناسك من طواف ورمي .
التقسيم الثالث : من حيث تعيين من يجب عليه
واجب عيني : هو الذي يوجه إلى كل واحد بعينه ، بحيث إذا تركه أثم وإذا قام به أجر
الواجب الكفائي : هو ما طلب من مجموعة من المكلفين بحيث إذا قام به البعض سقط عن الكل
التقسيم الرابع من حيث التقدير
الواجب المحدد : هو ما عين الشرع منه مقدارا محددا بحيث لا تبرأ ذمة المكلف غلا بأدائه كالصلاة والزكاة والديون المالية .
الواجب الغير المحدد : هو الذي لم يحدد الشارع مقدارا له كالإنفاق في سبيل الله وإطعام الجائع
ثانيا : المندوب
تعريفه ، هو ما طلب الشارع فعله طلبا غير لازم .
مراتب المندوب :
المندوب المؤكد فعله أو المطلوب فعله : ويمسى سنة مؤكدة ، أو سنة راتبة ، وهو لا يستحق تاركه العقاب ولكنه يؤجر عليها وهي ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وتعتبر شرعا مكملا للواجب مثل رغيبة الفجر والوتر النبوي والأذان .
المندوب فعله غير المؤكد عليه : وهو الذي لم يواظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وتركه تارة وفعله تارة كالتطوع بالصدقات وصيام الاثنين والخميس ويسمى المستحب والنافلة
المندوب الزائد : ويعد من الكماليات كالأكل والشرب وتسمى السنن الزائدة كالأدب والفضيلة
ثالثا : المحرم
تعريفه ، الممنوع فعله ، وهو ما نهى عنه الشرع نهيا جازما وهو ضد الواجب .
حرمت عليكم الميتة والدم ، ولا تنكحوا ما نكح أباءكم من النساء
اقسام الحرام محرم لذاته ، محرم لغيره
محرم لذاته : محرم لما فيه من الضرر والمفسدة كأكل الميتة والزنا والسرقة
محرم لغيره : ليس لذاته ولكنه يؤدي إلى حرام إذا اقترن به أمر عارض ، كالخلوة بامرأة أجنبية ، والربا .
ويختلف الاثنان في أن المحرم لذاته إذا كان محل عقد كان الاعقد باطلا ولا يصح شرعا ولا تترتب عليه أحكام شرعية ، والمحرم لذاته لا يباح إلا لضرورة كأكل الميتة لأن سببه ذاتي أما لغيره فيباح لحاجة كرؤية عورة مرأة من أجل علاجها .
رابعا : المكروه
تعريفه ، لغة البغيض إلى النفوس ، اصطلاحا هو ما طلب الشرع الكف عنه طلبا غير ملزم
ولا يذم فاعله ولا يعاقب وإن كان الأولى تركه ويثاب إذا قصد التقرب لله .
خامسا : المباح
تعريفه ، ما خير الشارع بين فعله أو تركه من غير مدح أو ذم .
سادسا : الرخصة والعزيمة
العزيمة : لغة ، ما عزمت عليه وقصدته قصدا مؤكدا وعزائم الله فرائضه التي أوجبها ، واصطلاحا ما شرعه الله من الأحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي التخفيف .
الرخصة : لغة هي التيسير والتسهيل ، واصطلاحا ما شرع من الأحكام لعذر شاق من أصل عام يقتضي العدول عنه إلى حكم آخر مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه ، وعليه فإذا كانت العزيمة حكما عاما هو الحكم الأصلي ويشمل الناس جميعا والكل مطالب به فإن الرخصة ليست هي ا لحكم الأصلي بل هي حكم جاء مانعا من استمرار الالزام والحتم .
أسباب الرخصة
الضرورة : كمن يخاف على نفسه من الموت فحفظ النفس أولى من أكل الميتة .
دفع الحرج والمشقة : كإفطار رمضان
أقسام الرخصة : رخصة الفعل : أن يكون ثمة نهي محرم وهو الحكم الأصلي ثم تطرا ضرورة تسوغ فعل ما نهى الله عنه ، وتنقسم رخصة الفعل إلى 4 اقسام .
• أن يكون الفعل واجبا : كأكل الميتة للمضطر فإنه واجب عليه أكلها ليدفع عنه الموت
• أن يكون الفعل مندوبا : كقصر الصلاة للمسافر
• أن يكون الفعل مباحا : كالجمع بين الظهر والعصر لمسافر
• الانتقال من التحريم إلى خلاف الأولى : كالفطر للمسافر لاذي لا يتضرر بالسفر كالطائرة فإنه الأولى الصوم لقوله وأن تصوموا خير لكم
أو كالنطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان
رخصة الترك : إذا كانت العزيمة توجب فعلا فإن الرخصة هي رخصة ترك ، وهي كثيرة ، منها رخصة الأمر بالمعروف كأن يكون الحاكم ظالما يقتل كل من يأمر بالمعروف فإنه له رخصة السكوت ، وأما إذا قال كلمة الحق في وجه سلطان جائر وأخذ بالعزيمة عوض الرخصة فهو مع سيد الشهداء حمزة ، وحكم الرخصة لا تبيح المأمور به ولا تحل الفعل المنهي بل هي مانعة من وقوع العقاب على الفاعل أو التارك لأن حكم العزيمة ثابت .
المطلب الثاني : أنواع الحكم الوضعي
الحكم الوضعي هو خطاب الله تعالى متعلق بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا منه ويمكن إلحاق الصحة والفساد بالحكم الوضعي لأنه وضع شرعي يرجع أساسا إلى خطاب الشارع بالحكم بصحة الشيء وترتب أثر عليه ، ويمكن تقسيم الحكم الوضعي إلى 4 أقسام :
السبب : لغة كل شيء يتوصل به إلى غيره ، وأتيناه من كل شيء سببا ، واصطلاحا عرفه الاصوليون بأنه وصف الظاهر المنضبط على دليل شرعي على كونه علامة لحكم شرعي وهو أعم من العلة فكل علة سبب وليس كل سبب علة .
أمثلة السبب : المرض سبب للإفطار ، الزواج سبب للتوارث ، القتل العمد موجب للقصاص
أقسام السبب : ينقسم على حسب ذاته ومن حيث ما يترتب عنه أو يكون سببا لحكم تكليفي أو سببا لملك .
غير مناسب للحكم : هو الذي لا تظهر للعقل فيه المصلحة المترتبة على شرع الحكم عنده كدلك الشمس وهو سبب لوجوب الصلاة ، كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ، فعقولنا لا تدرك مناسبة ظاهرة بين السبب والحكم وكشهود رمضان سبب لوجوب الصيام لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه فالعقل المجرد لا يستطيع إدراك المصلحة المترتبة على جعل الدلوك سببا لوجوب الصلاة وهود شهر رمضان إلا أن عدم الادراك لا يعني أن الحكم غير واجب لأن العقول غير قادرة على إدراك كل الحقائق والاسرار .
سبب مناسب للحكم : قد يكون السبب مناسبا للحكم مثل السفر سبب لجواز الافطار
سبب لحكم تكليفي : كملك النصاب لوجوب الزكاة والسرقة سبب لقطع يد السارق
سبب لإثبات الملك : كالبيع سبب لملك المشتري .
الفرق بين السبب والعلة : كل علة سبب وليس كل سبب علة ، العلة أعم من السبب ، فإذا أدرك العقل وجه المناسبة بين الحكم والسبب كان علة وسببا أما إذا كان العقل لا يدرك المناسبة بين الحكم وسببه فذاك هو السبب .
الشرط : لغة هو العلامة ، علامة للمشروط ، اصطلاحا هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ، وهو ما يتوقف عليه وجود الحكم من غير اقتضاء اليه
فالشرط يكون خارجا عن ماهية المشروط وحقيقته أي ليس جزءا منه ، والسبب لازم للحكم ، والحكم لا يلزم السبب ، فالوضوء شرط للصلاة ، وقد لا يصلي المتوضئ ،
اقسام الشرط : ينقسم من حيث أنه مكمل للحكم أو سببه
الشرط المكمل للحكم : اشتراط مرور الحول على ملك النصاب في وجوب الزكاة
الشرط المكمل لسبب الحكم : كالاحصان شرط لسببية الزنا لوجوب الرجم .
التقسيم الثاني من حيث مصدره شرط شرعي أو شرط جعلي
الشرط الشرعي : هو الذي جعله الشرع شرطا معتبرا كاشتراط الشاهدين في صحة الزواج
الشرط الجعلي : هو الشرط قد يكون مصدره المكلف باختياره كاشتراط المرأة في الزواج أن لا يخرجها من بلدها .
الشرط والركن : الشرط يتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجا عن حقيقته فالركوع ركن في الصلاة لأنه جزء من حقيقتها والطهارة شرط في الصلاة لأنها أمر خارج عن حقيقتها .
المانع : لغة ما يمنع من حصول الشيء ، اصطلاحا هو السبب المقتضى لعلة تنافي حكمة الحكم أو هو شيء يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته ، وهو ما يلزم من وجوده عدم الحكم أو بطلان السبب ، ويقسم الى مانع الحكم ومانع السبب .
مانع الحكم : من ذلك مثلا القتل العمد سبب لقصاص لكن الابوة مانعة من اقامة الحد على الاب وكون الشبهة مانعة من اقامة الحد لقوله امنعوا الحدود بالشبهات .
مانع السبب : القرابة سبب لميراث ، القتل العمد مانع للميراث ، والدين مانع من وجوب الزكاة لأنه مانع من تحقق السبب وهو ملك النصاب .
الصحة والفساد والبطلان
الصحة لغة هي مقابل السقم ، واصطلاحا ما يرد على الأحكام من صحة أو فساد أو بطلان
الصحة : هي أن تتوفر في الشيء أركانه وشروطه الشرعية وترتيب عليه آثاره الشرعية فتوصف الصلاة صحيحة إذا كانت مستوفية لشروطها وأركانها وتوصف باطلة أو فاسدة غذا لم تستوف أركانها وشروطها ، وتطلق على العبادات والمعاملات .
الباطل : أو البطلان هو ما صدر من أفعال غير مستوفية لشروطها فإذا وقع الخلل في الشروط أو الأركان وقع البطلان حينها لا يترتب اي حكم شرعي .
الفاسد : هو ما كان الخلل في وصف من أوصاف العقد ، وعند الجمهور لا فرق بين الفاسد والباطل .
📗 خلاصة الباب
- الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، وينقسم إلى حكم تكليفي (يقتضي طلب فعل أو ترك أو التخيير بينهما) وحكم وضعي (يجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا لحكم آخر).
- يتفرع الحكم التكليفي إلى خمسة أنواع: الواجب (يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه)، المندوب (يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه، وله مراتب)، المحرم، المكروه، والمباح، مع بابين إضافيين هما الرخصة (الحكم الاستثنائي المخفف لعذر) والعزيمة (الحكم الأصلي العام).
- يتفرع الحكم الوضعي إلى السبب والشرط والمانع (من حيث علاقته بالحكم التكليفي) والصحيح والفاسد والباطل (من حيث أثره على التصرف)، وقد يكون مصدره شرطا شرعيا يضعه الشارع أو شرطا جعليا يشترطه المتعاقدون أنفسهم ضمن حدود الشريعة.