المدونة

  • الباب الخامس : دعوى المسؤولية

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 7 من 10 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : طرق الوصول إلى التعويض

    الطريق الاتفاقي : يتم الاتفاق بين المضرور والمتسبب في الضرر على التعويض، ويجب توافر أركان المسؤولية ليقوم الاتفاق صحيحاً، ولا يهم مقدار التعويض هنا أهو مساوٍ للضرر أم أقل منه أم أكثر، فالعقد في هذا المجال شريعة المتعاقدين.

    الطريق القضائي (دعوى المسؤولية) : أما إذا لم يُسلّم المسؤول بمسؤوليته أو لم يتفق الطرفان على التعويض، فسبيل المضرور هو إقامة دعوى المسؤولية التي تخضع لقواعد قانون المسطرة المدنية.

    الفصل الثاني : أطراف الدعوى والإثبات والاختصاص

    أولاً : أطراف الدعوى

    المدعى عليه هو الشخص المسؤول عن الضرر، فإذا توفي انتقل الالتزام بالتعويض إلى تركته (الفصل 105). أما المدعي فهو الشخص الذي أصابه الضرر، وفي حالة تعدد المتضررين فلكل منهم حق مستقل بالمطالبة، وإذا كان المضرور فاقد الأهلية أو ناقصها أقيمت الدعوى من نائبه الشرعي. ويجوز للشخص المعنوي المطالبة بالتعويض عبر ممثله القانوني متى لحقه ضرر.

    ثانياً : الإثبات

    على من يرفع دعوى المسؤولية التقصيرية أن يثبت الخطأ ثم الضرر ثم العلاقة السببية بينهما، وبوسعه إقامة هذا الدليل بجميع طرق الإثبات، لا سيما الشهادة والقرائن.

    ثالثاً : الاختصاص

    من حيث الاختصاص النوعي تُقام الدعوى أمام المحكمة الابتدائية، وفي حالة كان مبلغ التعويض أقل من 5000 درهم رُفعت الدعوى أمام قضاء القرب. ومن حيث الاختصاص المكاني فللمضرور الخيار بين محكمة موطن المسؤول أو محكمة مكان وقوع العمل المسبب للضرر. وفي حالة كانت الدعوى المدنية تابعة لدعوى جنائية، كان له الخيار في رفعها أمام القضاء الجنائي أو المدني، مع مراعاة أن الجنائي يعقل المدني.

    الفصل الثالث : موانع دعوى المسؤولية وتقادمها

    موانع إقامة الدعوى : التنازل — فالدعوى حق للمدعي يتنازل عنها ساعة يشاء وفي أي مرحلة من مراحل الدعوى. والحكم النهائي — فالدعوى المدنية تنقضي بصدور حكم نهائي سواء بالتعويض لفائدة المضرور أو حكم برفضه.

    تقادم دعوى المسؤولية : جاء في الفصل 106 : «إن دعوى التعويض من جراء جريمة أو شبه جريمة تتقادم بمضي خمس سنوات، باستثناء دعوى التعويض من جراء الأضرار الناجمة عن انفجار الألغام فإنها تتقادم بمضي خمس عشرة سنة، وتبتدئ الآجال المذكورة من الوقت الذي بلغ فيه إلى علم الفريق المتضرر الضرر ومن هو المسؤول عنه. وتتقادم في جميع الأحوال بمضي عشرين سنة تبتدئ من وقت حدوث الضرر».

    أما المسؤولية العقدية فتخضع للتقادم العام المقرر في الفصل 387 من ق.ل.ع، الذي ينص على أن «كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة، فيما عدا الاستثناءات الواردة فيما بعد».

    طرق الطعن : لا يختلف الحكم الصادر في دعوى المسؤولية عن سائر الأحكام من حيث طرق الطعن، فهو إذا صدر غيابياً يقبل الطعن بطريق التعرض، وإذا صدر من محكمة درجة أولى يقبل الطعن بطريق الاستئناف، أما طرق الطعن غير العادية فهي النقض والتماس إعادة النظر وتعرض الخارج عن الخصومة. وبخصوص الطعن بطريق النقض، فإن ما تسجله محكمة الموضوع من وقائع مادية في شأن أركان المسؤولية الثلاثة لا تعقّب عليه محكمة النقض، ويبقى لهذه الأخيرة التكييف القانوني لهذه الوقائع فحسب.

    📗 خلاصة الباب

    • ● يمكن الوصول إلى التعويض بالطريق الاتفاقي بتراضي الطرفين، أو بالطريق القضائي عبر دعوى المسؤولية الخاضعة لقواعد قانون المسطرة المدنية.
    • ● يتحمل رافع الدعوى عبء إثبات الخطأ ثم الضرر ثم العلاقة السببية بينهما بجميع وسائل الإثبات، وينتقل الالتزام بالتعويض إلى تركة المسؤول المتوفى (الفصل 105).
    • ● الاختصاص النوعي للمحكمة الابتدائية أو قضاء القرب إذا قل التعويض عن 5000 درهم، والاختصاص المكاني لمحكمة موطن المسؤول أو مكان وقوع الفعل الضار.
    • ● تتقادم دعوى المسؤولية التقصيرية بخمس سنوات من العلم بالضرر والمسؤول، وبعشرين سنة من وقوع الضرر على أي حال (الفصل 106)، بخلاف المسؤولية العقدية الخاضعة للتقادم العام بخمس عشرة سنة.

  • علاقة علم الاجتماع القانوني بالقانون والقضاء

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 5 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: النص القانوني والواقع الاجتماعي

    من بين الجوانب التي ينبغي التركيز عليها في مراجعة النص القانوني، يساهم علم الاجتماع القانوني في ترشيد القضاء، وفي عقلنة الجهود المبذولة لإصدار الأحكام القضائية، فالنصوص القانونية قد تتضمن مفاهيم نظرية لها بعد اجتماعي، تثير إشكاليات حول مفهومها، ومدى مطابقتها لما سائد في المجتمع، تتطلب من القاضي تحديد معناها قبل إصدار الحكم القضائي، ومن ثم، تعد سوسيولوجيا القانون مدخلا ملائما لذلك.

    إن الإجابة على هذه التساؤلات إنما تختلف من فقيه إلى آخر حسب المسلمات والمنطلقات الفكرية التي يعتقد بها في جوهر وأساس القانون، فمنهم من ركز على تأثر القانون بالتطورات الاجتماعية (وعندها يكون القانون أقرب إلى الجانب السلبي أي المتلقي للتطورات الاجتماعية) في حين اهتم البعض الآخر بتأثير القانون على التغيرات الاجتماعية (وعندها يكون للقانون الدور الإيجابي الاجتماعي الفاعل).

    ثانيا: مصادر القانون والتشريع

    التشريع هو كل قاعدة قانونية مكتوبة صادرة عن سلطة عامة ومختصة في الدولة في شكل وثيقة رسمية، استنادا لإجراءات مسطرية معينة وطبقا للقواعد الدستورية المعمول بها.

    ينقسم التشريع إلى ثلاثة أصناف: التشريع الأساسي (الدستوري)، وهو أسمى القواعد القانونية في الدولة ويعلوها جميعا؛ والتشريع العادي، الذي يصدر عن السلطة التشريعية (البرلمان) وفق المسطرة التشريعية العادية؛ والتشريع الفرعي (التنظيمي)، الذي يصدر عن السلطة التنفيذية تطبيقا للتشريع العادي وفي حدود ما يخوله له الدستور والقانون.

    ويهتم علم الاجتماع القانوني بدراسة هذا التدرج التشريعي ليس من زاويته الشكلية فقط، بل من زاوية مدى استجابته للواقع الاجتماعي الذي يراد تنظيمه، ومدى قابلية النص التشريعي للتطبيق الفعلي في المجتمع.

    ثالثا: تفاعل القانون والمجتمع

    إن الإجابة على مدى تأثير القانون في المجتمع أو تأثره به تختلف من فقيه إلى آخر حسب المسلمات والمنطلقات الفكرية التي يعتقد بها في جوهر وأساس القانون، فمنهم من ركز على تأثر القانون بالتطورات الاجتماعية (وعندها يكون القانون أقرب إلى الجانب السلبي أي المتلقي للتطورات الاجتماعية)، في حين اهتم البعض الآخر بتأثير القانون على التغيرات الاجتماعية (وعندها يكون للقانون الدور الإيجابي الاجتماعي الفاعل).

    والصحيح أن العلاقة بين القانون والمجتمع علاقة تفاعلية متبادلة: فكما يؤثر المجتمع في القانون من خلال التفكير السائد فيه وأبنيته الاجتماعية والممارسات والتقاليد والأفكار السائدة، فإن القانون يخضع لتأثير المجتمع، ويؤثر القانون بدوره في المجتمع، ومن ثمة يبرز هنا دور القانون في تسيير المجتمع وتوجيه سلوك أفراده.

    📗 خلاصة الباب

    • يساهم علم الاجتماع القانوني في ترشيد القضاء وعقلنة إصدار الأحكام، إذ يساعد القاضي على تحديد المعنى الاجتماعي للمفاهيم النظرية الواردة في النصوص القانونية قبل إصدار حكمه.
    • التشريع ثلاثة أصناف متدرجة: أساسي (دستوري)، عادي (برلماني)، وفرعي (تنظيمي)، ويهتم علم الاجتماع القانوني بمدى استجابة هذا التدرج للواقع الاجتماعي لا بشكله فقط.
    • العلاقة بين القانون والمجتمع علاقة تفاعلية متبادلة: يتأثر القانون بالمجتمع (نظرية القانون كمتلقٍ) ويؤثر فيه (نظرية القانون كفاعل اجتماعي إيجابي)، والراجح أن كلا الاتجاهين متكاملان لا متعارضان.

  • الباب الرابع : المسؤولية الإدارية

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 6 من 10 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : أساس المسؤولية الإدارية ومصدرها

    بجانب المسؤولية المدنية بين الأفراد التي عالجتها الأبواب السابقة، تطرح مسؤولية أخرى ذات طبيعة خاصة: مسؤولية الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية عن الأضرار التي تُلحقها أعمالها ونشاطاتها بالأفراد. هذه المسؤولية لا يحكمها قانون الالتزامات والعقود مباشرة، بل نشأت واستقرت أحكامها بصفة أساسية عبر الاجتهاد القضائي الإداري، تأسياً بالمسار الذي سلكه القضاء الإداري الفرنسي الذي استقى منه المغرب تنظيمه الإداري.

    الأساس القانوني : أنشأ القانون رقم 41.90 المحاكم الإدارية، ومنحها الاختصاص صراحة بالبت في دعاوى المسؤولية عن أضرار أشخاص القانون العام. جاء في المادة 8 من هذا القانون: «تختص المحاكم الإدارية بالبت ابتدائياً في طلبات… ودعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، ما عدا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أياً كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام». وهذا الاستثناء الأخير يعني أن حوادث السير التي تتسبب فيها مركبات تابعة للدولة تبقى من اختصاص القضاء العادي (المحاكم الابتدائية)، لا القضاء الإداري.

    الفصل الثاني : أساسا قيام المسؤولية الإدارية

    استقر الفقه والقضاء الإداريان، تأثراً بالمدرسة الفرنسية، على التمييز بين نوعين من أساس المسؤولية الإدارية:

    أولاً : المسؤولية القائمة على الخطأ

    وتقوم على الأركان ذاتها التي تقوم عليها المسؤولية عن العمل الشخصي في القانون المدني: الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما. غير أن أصالة المسؤولية الإدارية هنا تكمن في التمييز بين نوعين من الخطأ:

    • الخطأ المرفقي (خطأ المصلحة) : هو الخطأ الذي يُنسب إلى الإدارة ذاتها بوصفها شخصاً معنوياً، حتى وإن كان من ارتكبه مادياً أحد موظفيها، ما دام هذا الخطأ لا يُعتبر خطأً شخصياً منفصلاً عن الوظيفة. ويظهر الخطأ المرفقي في صور متعددة أبرزها: سوء سير المرفق العام، وامتناع المرفق عن أداء الخدمة المتوجبة عليه، والتأخر في أداء الخدمة. والدعوى عن الخطأ المرفقي تُرفع أمام القضاء الإداري في مواجهة الإدارة ذاتها.

    • الخطأ الشخصي : هو الخطأ الذي ينفصل عن الوظيفة، إما لأنه ارتُكب خارج نطاقها أو لأنه يكشف عن نية الإضرار أو جسامة استثنائية لا تُنسب إلى المرفق بل إلى شخص الموظف وحده. والدعوى عن الخطأ الشخصي تُرفع أمام القضاء العادي في مواجهة الموظف بشخصه، لا في مواجهة الإدارة.

    هذا التمييز ليس مطلقاً دائماً، فقد يجتمع الخطآن في الفعل الواحد (خطأ شخصي ارتُكب أثناء تأدية الوظيفة وبمناسبتها)، فيكون للمتضرر الخيار في مقاضاة الإدارة أو الموظف أو كليهما.

    ثانياً : المسؤولية القائمة على المخاطر (بلا خطأ)

    وتُعد هذه المسؤولية استثناءً من القاعدة العامة التي تقيم المسؤولية على أساس الخطأ، فهي مسؤولية موضوعية لا يُشترط فيها إثبات خطأ الإدارة، وإنما يكفي إثبات الضرر وعلاقته بنشاط الإدارة. ولا تقوم هذه المسؤولية إلا إذا لحقت الأضرار الناجمة عن نشاط الإدارة فرداً معيناً بذاته أو أفراداً معينين بذواتهم، ويجب أن تكون هذه الأضرار على قدر كبير من الجسامة والخصوصية بحيث تخل بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. ومن تطبيقاتها: مسؤولية الإدارة عن الأضرار الناتجة عن الأشغال العامة، ومسؤوليتها عن الأخطار الاستثنائية التي تنشأ عن استعمال وسائل أو طرق خطيرة، ومسؤوليتها عن الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها لاعتبارات تتعلق بالنظام العام.

    الفصل الثالث : الطعن في قرارات الإدارة عن طريق الإلغاء ودعوى التعويض

    قد تقترن دعوى التعويض عن خطأ إداري بطعن بالإلغاء ضد القرار الإداري المتسبب في الضرر، فيمكن للمتضرر أن يطعن في القرار أمام المحكمة الإدارية طلباً لإلغائه، مع مطالبته في الآن نفسه أو بدعوى مستقلة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عنه. وإذا حكمت الإدارة بتعويض المتضرر عن خطأ ارتكبه أحد موظفيها، جاز لها أن ترجع على هذا الموظف بواسطة قرار إداري يمكن الطعن فيه بدوره بالإلغاء أمام المحكمة الإدارية، وذلك ضماناً لعدم تحميل خزينة الدولة تبعة أخطاء موظفيها الشخصية.

    📗 خلاصة الباب

    • ● مسؤولية الدولة والجماعات الترابية عن أضرار نشاطها الإداري لا يحكمها ق.ل.ع مباشرة بل نشأت عبر الاجتهاد القضائي الإداري، واختصت بها المحاكم الإدارية بموجب القانون 41.90.
    • ● تقوم المسؤولية الإدارية على أساس الخطأ، الذي ينقسم إلى خطأ مرفقي يُنسب للإدارة ذاتها وخطأ شخصي يُنسب للموظف منفصلا عن وظيفته، أو على أساس المخاطر دون خطأ في حالات استثنائية كالأضرار الجسيمة الناجمة عن الأشغال العامة.
    • ● الدعوى عن الخطأ المرفقي تُرفع أمام القضاء الإداري ضد الإدارة، بينما تُرفع دعوى الخطأ الشخصي أمام القضاء العادي ضد الموظف، وقد يجتمع الخطآن فيُخيَّر المتضرر بين مقاضاة الإدارة أو الموظف أو كليهما.
    • ● يمكن للمتضرر الجمع بين الطعن بالإلغاء ضد القرار الإداري المتسبب في الضرر ودعوى التعويض عن هذا الضرر، أمام المحكمة الإدارية.

  • الباب الثالث : المسؤولية عن فعل الشيء

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 5 من 10 — فهرس الكتاب

    عرفت هذه المسؤولية تطوراً في القرن العشرين بعد تطور الآلة وغزوها لجميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فبعد أن كثرت حوادث الشغل واستحالة إثبات الخطأ من صاحب الآلة، أصبح المشرع يفترض الخطأ من حارس الشيء، هذا الخطأ غير قابل لإثبات العكس، بمعنى أن حارس الشيء يجب أن يثبت السبب الأجنبي ليتخلص من المسؤولية.

    الفصل الأول : المسؤولية عن فعل الأشياء والحيوان

    القاعدة العامة : نص المشرع المغربي على مسؤولية الشيء في الفصل 88 بقوله: «كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبين أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر، وذلك ما لم يثبت: 1- أنه فعل ما كان ضرورياً لمنع الضرر؛ 2- وأن الضرر يرجع إما لحادث فجائي، أو لقوة قاهرة، أو لخطأ المتضرر».

    شروطها : أن يتعلق الأمر بشيء (صلباً أو سائلاً أو غازاً، عقاراً أو منقولاً)، أن يتسبب الشيء في الضرر بتدخل إيجابي، وأن يكون هناك حارس للشيء (حراسة مادية أو حراسة قانونية).

    المسؤولية عن فعل الحيوان

    نص عليها المشرع المغربي في الفصلين 86 و87 :

    • الفصل 86 : «كل شخص يسأل عن الضرر الذي تسبب فيه الحيوان الذي تحت حراسته ولو ضلّ هذا الحيوان أو تشرّد، ما لم يثبت: 1- أنه اتخذ الاحتياطات اللازمة لمنعه من إحداث الضرر أو لمراقبته. 2- أو أن الحادثة نتجت من حادث فجائي أو قوة قاهرة أو من خطأ المتضرر».

    • الفصل 87 : «لا يسأل مالك أرض أو مستأجرها أو حائزها عن الضرر الحاصل من الحيوانات المتوحشة أو غير المتوحشة الآتية منها، إذا لم يكن قد فعل شيئاً لجلبها أو للاحتفاظ بها فيها. ويكون هناك محل للمسؤولية: 1- إذا وُجدت في الأرض حظيرة أو غابة أو حديقة أو خلايا مخصصة لتربية أو لرعاية بعض الحيوانات… 2- إذا كانت الأرض مخصصة للصيد».

    الفصل الثاني : المسؤولية عن تهدم البناء

    جاء في الفصل 89 : «يسأل مالك البناء عن الضرر الذي يحدثه انهياره أو تهدمه الجزئي، إذا وقع هذا أو ذاك بسبب القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء. ويُطبَّق نفس الحكم في حالة السقوط أو التهدم الجزئي لما يعتبر جزءاً من العقار، كالأشجار والآلات المندمجة في البناء والتوابع الأخرى المعتبرة عقارات بالتخصيص…».

    شروطها : أن يكون المسؤول مالك البناء (أو الحائز أو صاحب حق الانتفاع بمقتضى عقد)، وأن يكون الضرر نتيجة تهدم البناء، وأن يكون التهدم راجعاً إلى القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء.

    نشير إلى الفصل 90 الذي يخوّل لمالك العقار المجاور طلب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الانهيار المحتمل، وإلى الفصل 91 الذي يخوّل للجيران حق إقامة دعوى على أصحاب المحلات المضرة بالصحة أو المقلقة للراحة.

    الفصل الثالث : المسؤولية التقصيرية عن حوادث السير

    تعتبر المسؤولية التقصيرية عن حوادث السير من أهم الموضوعات في الآونة الأخيرة نظراً لانتشار السيارات بشكل كثيف. توزّعت أحكام هذه المسؤولية بين قانون الالتزامات والعقود (الفصل 88 خصوصاً)، ومدونة التأمينات (القانون رقم 17.99)، والقانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير على الطرق لسنة 2010، وأخيراً ظهير 2 أكتوبر 1984 المتعلق بتعويض الأضرار البدنية التي تتسبب فيها العربات ذات المحرك الخاضعة لإجبارية التأمين.

    شروط تطبيق ظهير 1984 :

    • أن يتعلق الأمر بحادثة سير — يكفي أن تكون العربة متدخلة بأي شكل في الحادثة.

    • أن يتعلق الأمر بالعربات ذات المحرك الخاضعة للتأمين الإجباري.

    • أن تكون الأضرار بدنية (لا مادية).

    • أن يتعلق الأمر بأضرار لحقت بالغير (لا بالسائق نفسه).

    خصوصيات تعويض ضحايا حوادث السير : ضيّق ظهير 1984 من نطاق الأشخاص المستفيدين، فأوجب حق التعويض عن الألم من جراء الوفاة لزوج المتوفى وأصوله وفروعه من الدرجة الأولى فقط. كما أنشأ صندوق ضمان حوادث السير للتعويض الكلي أو الجزئي كلما بقي المسؤول عن الحادثة مجهولاً أو غير مؤمَّن.

    📗 خلاصة الباب

    • ● أقر الفصل 88 مسؤولية حارس الشيء عن الضرر الذي يحدثه، وهي مسؤولية قائمة على خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس إلا بإثبات السبب الأجنبي.
    • ● المسؤولية عن فعل الحيوان (الفصلان 86 و87) تقع على حارسه ولو ضلّ الحيوان أو تشرد، ما لم يثبت الحارس اتخاذ الاحتياطات اللازمة أو السبب الأجنبي.
    • ● يسأل مالك البناء عن الضرر الناجم عن انهياره أو تهدمه الجزئي متى كان ذلك بسبب القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء (الفصل 89).
    • ● تحكم المسؤولية عن حوادث السير نصوص متعددة أبرزها ظهير 1984 الذي أوجب التأمين الإجباري عن الأضرار البدنية وأنشأ صندوق ضمان حوادث السير للمسؤول المجهول أو غير المؤمَّن.

  • رواد تأسيس علم الاجتماع القانوني

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 4 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: ابن خلدون

    يعتبر عبد الرحمان بن خلدون (1332-1406) من الرواد الذين مهدت أفكارهم لظهور علم الاجتماع القانوني، فقد اتضحت عنده العلاقة بين القانون والواقع الاجتماعي لدرجة أن أصبحت إحدى الركائز التي مثلت جانبا مهما من تفكيره.

    فالإنسان على الرغم من أنه مدني بطبعه إلا أن له ميولا عدوانية تتطلب أداة فعالة لضبط سلوكه حيث يقول إن “هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم، فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم”.

    اهتم ابن خلدون بالعلاقة بين القانون والمجتمع، من خلال اهتمامه بالوسائل الرئيسية للحد من عدوانية الإنسان، وضبط سلوكه، فمعاصرة ابن خلدون لتغيرات عديدة على مستوى جهاز الحكم، وعلى مستوى المجتمع، خاصة تراجع الحضارة في المغرب وانتشار البداوة، جعلته يركز على إشكالية الضبط الاجتماعي، وبالتالي الاهتمام بالقانون كأداة من أدواته الهامة.

    ثانيا: يوجين إرليخ

    يعتبر الفقيه النمساوي “إرليخ” (1862-1922) المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع القانوني، فقد ركز في دراساته على ما يعرف بالمصادر المادية التي ينبثق عنها القانون، وعلى العوامل التي تتدخل في تشكيله وبالتالي تطوره، كما اعتبر أن سلطة إنشاء القانون تكمن في قلب الحياة الاجتماعية.

    فالقانون الحي (أو الحقيقي) هو تنظيم اجتماعي تلقائي ينتج عن التوازن الذي يقوم داخل الدولة (الجماعة) بين الإرادات الفردية وإرادات الجماعات. والقواعد القانونية المجردة التي تحددها الدولة (المشرع) تمكن من حل بعض النزاعات عندما لا يتمكن المعنيون من التوصل إلى اتفاق فيما بينهم، وهذه القواعد لا تشكل سوى أقلية هامشية من القانون كما يتصوره إرليخ.

    فالقانون هو بالأساس حقيقة اجتماعية، لذلك فهو يرى أن “مركز الثقل لتطور القانون في العصر الحالي كما في كل العصور لا يكمن لا في التشريع ولا في العلوم القانونية ولا الاجتهاد القضائي ولكن في المجتمع نفسه”.

    ثالثا: رودولف فون إهرنغ وجورج جورفيتش وروسكو باوند

    أمثال إهرنغ، جورج جورفيتش، بوند، دوركايم، وهولمز، أدرك كل منهم أهمية الحاجة إلى الخروج على الاهتمامات التقليدية للباحثين القانونيين، كما أن بعض علماء الاجتماع أمثال دوركايم وماكس فيبر قد أسهموا في نمو الاتجاه الاجتماعي بين الفقهاء، وكان لهم تأثير مباشر على بعض علماء القانون أمثال جوي وباوند.

    روسكو باوند، أحد أشهر مؤسسي المدرسة الأمريكية لعلم الاجتماع القانوني، يذهب إلى أن الجزاء أو القوة، ليس هو العنصر الرئيسي الذي يعطي القانون طبيعته وفعاليته، وإنما تكمن هذه الفعالية في القدرة على التوفيق بين المصالح المتعارضة داخل المجتمع (نظرية التوفيق بين المصالح)، وهو ما يقربه من الحركة الواقعية الأمريكية في القانون التي ترى أن القانون الحي هو ما يطبقه القضاة فعلا لا ما تنص عليه النصوص وحدها.

    أما جورج جورفيتش فقد ميز بوضوح بين علم الاجتماع القانوني والنظرية القانونية، مؤكدا أنه لا يمكن أن يكون علم الاجتماع القانوني بديلا عن نظريات القانون، خاصة النظرية العامة الاجتماعية في القانون، ما هي إلا محاولة ضعيفة وغير تفسيرية للقانون، وتهتم بدراسة الواقع الاجتماعي للقانون بشكل عام.

    رابعا: أوجه الاختلاف بين علم الاجتماع القانوني وعلم الاجتماع العام

    علم الاجتماع القانوني يدرس علاقة القانون بالمجتمع، بينما يدرس علم الاجتماع المجتمع من حيث مؤسساته ووظائفه وتكامل مؤسساته وتنافرها لسبب أو لآخر، فمجال الأول أضيق وأكثر تخصصا من مجال الثاني.

    علم الاجتماع أقدم تاريخيا من علم الاجتماع القانوني، فقد نشأ علم الاجتماع في القرن التاسع عشر على يد كل من كونت وسبنسر في فرنسا وانكلترا، بينما نشأ علم الاجتماع القانوني في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد تداخل العوامل القانونية بالاجتماعية وصعوبة الفصل بينهما.

    📗 خلاصة الباب

    • ابن خلدون من أوائل من أرسى الرابط بين القانون والواقع الاجتماعي، معتبرا القانون (الوازع) ضرورة لضبط الميول العدوانية الكامنة في طبيعة الإنسان الاجتماعي.
    • يوجين إرليخ (1862-1922) المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع القانوني، ميّز بين القانون الحي (المنبثق تلقائيا من التوازن الاجتماعي) والقواعد المجردة التي يضعها المشرع، معتبرا أن مركز ثقل تطور القانون هو المجتمع نفسه لا التشريع.
    • إهرنغ وجورج جورفيتش وروسكو باوند من الرواد الآخرين: باوند طور نظرية التوفيق بين المصالح المتعارضة كأساس لفعالية القانون، وجورفيتش ميّز بوضوح بين علم الاجتماع القانوني ونظرية القانون العامة.
    • علم الاجتماع القانوني أضيق نطاقا وأحدث نشأة (بعد الحرب العالمية الثانية) من علم الاجتماع العام الذي نشأ في القرن التاسع عشر على يد كونت وسبنسر ويدرس المجتمع ومؤسساته بشكل شامل.

  • الباب الثاني : المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 4 من 10 — فهرس الكتاب

    بخلاف المسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي التي تقتضي وجود طرفين، فإن المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير تستلزم وجود ثلاثة أطراف: الفاعل المباشر، والضحية، ثم المسؤول المدني.

    الفصل الأول : المسؤولية عن فعل القاصرين والمتعلمين

    نشير أولاً إلى أن مفهوم القاصرين هنا لا يُقصد به المفهوم الوارد في مدونة الأسرة، وإنما يُقصد به جميع الأشخاص الذين يوجدون في وضعية تجعلهم تحت إشراف ورقابة أشخاص آخرين بسبب سنهم أو ارتباطهم معهم لأسباب التعليم أو الحرفية أو بسبب وضعهم الذهني.

    مسؤولية المعلمين وموظفي الشبيبة والرياضة (خطأ واجب الإثبات)

    جاء في الفصل 85 مكرر (ظهير 4 مايو 1942) : «يسأل المعلمون وموظفو الشبيبة والرياضة عن الضرر الحاصل من الأطفال والشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم. والخطأ أو عدم الحيطة أو الإهمال الذي يُحتج به عليهم، باعتباره السبب في حصول الفعل الضار، يلزم المدعي إثباته وفقاً للقواعد القانونية العامة.

    وفي جميع الحالات التي تقوم فيها مسؤولية رجال التعليم العام وموظفي إدارة الشبيبة نتيجة ارتكاب فعل ضار أو بمناسبته، إما من الأطفال أو من الشبان الذين عُهد بهم إليهم بسبب وظائفهم وإما ضدهم في نفس الأحوال، تحل مسؤولية الدولة محل مسؤولية الموظفين السابقين، الذين لا تجوز مقاضاتهم أبداً أمام المحاكم المدنية من المتضرر أو من ممثله».

    شروط تحقق هذه المسؤولية :

    • ضرورة وجود الطفل تحت إشراف معلم أو موظف تابع للشبيبة والرياضة (التعليم العمومي والخاص، الابتدائي والإعدادي والثانوي، دون الجامعي).

    • أن يتسبب هذا الطفل أثناء فترة الدراسة أو تلقي التمارين الرياضية في إلحاق ضرر بالغير.

    حدود هذه المسؤولية : تقوم على الخطأ الواجب الإثبات، حيث يتعين على المتضرر أن يقيم الدليل على نقص الرقابة، لكن القضاء الإداري المغربي أصبح يقيم هذه المسؤولية أحياناً لمجرد وقوع الحادثة داخل المؤسسة على أساس الخطأ المفترض دونما حاجة إلى تبيان مكامن الإهمال. وتحل مسؤولية الدولة محل مسؤولية الموظفين، مع إمكانية مباشرة الدولة لدعوى الاسترداد ضد المعلم إذا ثبت خطأ شخصي منه.

    مسؤولية الأب والأم عن أفعال أبنائهم القاصرين (قرينة بسيطة)

    هي صورة من صور المسؤولية عن فعل الغير القائمة على قرينة بسيطة، فالأب والأم يسألان عن الأضرار التي يتسبب فيها أطفالهم القاصرون الذين يسكنون معهم.

    شروط قيامها : (1) أن يتعلق الأمر بقاصر — تنتهي هذه المسؤولية مع سن الرشد؛ (2) أن يُحدث القاصر ضرراً بالغير، ولو لم يكن مخطئاً أو متعمداً؛ (3) السلطة الأبوية — أساس قرينة الخطأ؛ (4) السكن المشترك — لضمان الرقابة.

    يمكن للأبوين نفي المسؤولية بإثبات السبب الأجنبي، أو بإثبات أنهم لم يرتكبوا أي خطأ في التربية أو الرقابة على القاصر.

    مسؤولية أرباب الحرف عن أفعال متعلميهم

    نص عليها الفصل 85 بقوله: «أرباب الحرف يسألون عن الضرر الحاصل من متعلميهم خلال الوقت الذي يكونون فيه تحت رقابتهم». وتترتكز على نفس الأساس الذي ترتكز عليه مسؤولية الأبوين. شروطها: علاقة الصانع بالمتعلم، أن تحصل الأضرار وقت وجوده تحت رقابة الصانع، وأن يكون الضرر ناتجاً عن فعل ضار للمتعلم. ويُعفى الصانع من المسؤولية إذا أثبت أنه لم يستطع منع حدوث الفعل الضار.

    مسؤولية متولي الرقابة على المجانين والمختلين عقلياً

    نصت عليها الفقرة 6 من الفصل 85 : «الأب والأم وغيرهما من الأقارب أو الأزواج يسألون عن الأضرار التي يحدثها المجانين وغيرهم من مختلي العقل، إذا كانوا يسكنون معهم، ولو كانوا بالغين سن الرشد. وتلزمهم هذه المسؤولية ما لم يثبتوا: 1- أنهم باشروا كل الرقابة الضرورية على هؤلاء الأشخاص؛ 2- أو أنهم كانوا يجهلون خطورة مرض المجنون؛ 3- أو أن الحادثة قد وقعت بخطأ المتضرر. ويُطبَّق نفس الحكم على من يتحمل بمقتضى عقد رعاية هؤلاء الأشخاص أو رقابتهم».

    الفصل الثاني : مسؤولية المتبوع عن فعل التابع

    تتعلق هذه المسؤولية التقصيرية بمسؤولية أصحاب العمل عن الأضرار التي تقع من قبل مستخدميهم، وهي إضافة لباقي صور المسؤولية وليست استبدالاً لها، فالضحية يمكنه أن يرجع على التابع لوحده أو المتبوع لوحده أو الاثنين معاً. نص عليها الفصل 85 في فقرته الثالثة بقوله: «المخدومون ومن يكلفون غيرهم برعاية مصالحهم يسألون عن الضرر الذي يحدثه خدامهم ومأمورهم في أداء الوظائف التي شغّلوهم فيها».

    شروط مسؤولية المتبوع :

    • ضرورة وجود علاقة التبعية : وهي غالباً عقد الشغل، على أن هناك حالات لا يكون فيها العقد لكن تحضر السلطة الفعلية التي تنصب على الرقابة والتوجيه.

    • وقوع الخطأ من التابع بمناسبة تأدية وظيفته أو بسببها.

    آثار هذه المسؤولية : يمكن للمتضرر أن يرجع على التابع باعتباره الأصل في الضرر، كما يمكنه الرجوع على المتبوع لكونه المسؤول بقوة القانون والأكثر يساراً، وللمتبوع بعد أداء التعويض أن يرجع على التابع إن تعسّف هذا الأخير في استعمال وظيفته.

    مسؤولية الشركات عن فعل مسيّريها

    يتمثل المتبوع في شخص معنوي وهو الشركة، والتابع هو المسيّر الذي يجب أن يلتزم بعدم خرق المقتضيات القانونية المتعلقة بقوانين الشركات وأيضاً بالقوانين الداخلية، ثم عدم السقوط في أخطاء التسيير أو الإهمال والخيانة والغدر. فمسيّر الشركة يتحمل المسؤولية اتجاه الغير المتضرر من سوء تسييره، على أن هذا الغير مبدئياً لا يمكنه أن يتابع المسيّر بل ينبغي عليه متابعة الشركة، ما لم يكن الخطأ شخصياً منفصلاً عن المهام الموكولة إليه داخل الشركة.

    📗 خلاصة الباب

    • ● تستلزم المسؤولية عن فعل الغير وجود ثلاثة أطراف: الفاعل المباشر والضحية والمسؤول المدني، خلافا للمسؤولية عن الفعل الشخصي التي تقتضي طرفين فقط.
    • ● يسأل المعلمون وموظفو الشبيبة والرياضة عن أضرار الأطفال الموجودين تحت رقابتهم بخطأ واجب الإثبات، مع حلول مسؤولية الدولة محل الموظف في مواجهة المتضرر.
    • ● يسأل الأبوان عن أضرار أبنائهما القاصرين الساكنين معهما بقرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس، وكذلك يسأل أرباب الحرف عن متعلميهم ومتولو الرقابة على المجانين ومختلي العقل.
    • ● يسأل المتبوع عن فعل تابعه إذا وقع الخطأ بمناسبة تأدية وظيفته أو بسببها (الفصل 85)، مع إمكانية رجوع المتضرر على التابع أو المتبوع أو كليهما معا.

  • مفهوم القانون بين الرؤية الفقهية والرؤية السوسيولوجية

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 3 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: تعريفات الفقهاء للقانون

    رغم شيوع لفظ القانون بانه القاعدة أو المبدأ أو النظام الذي ينظم سلوك الأفراد في المجتمع، أن الفقهاء لم يتفقوا على تعريف جامع له في نفس الوقت الذي يعتبر فيه الإنسان كائنا اجتماعيا ونظاميا، باعتبار أن الإنسان كائن اجتماعي منظم، ولعل ذلك يرجع إلى اختلاف وجهة نظرهم حول دور القانون وغايته ووظيفته في المجتمع، حيث تختلف مذاهبهم الفقهية من جهة، وتتغير المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية من مجتمع إلى مجتمع من جهة أخرى.

    الفقيه الإنجليزي جون أوستن: عرف القانون بأنه أمر السيادة أو السلطة السياسية أو أمر من بيده السلطة السياسية، بأنه أمر يصدر عن جهة صاحبة سيادة، فهو أمر إرادي صادر عن إرادة الدولة يفرض على الأشخاص الخاضعين لهذه الإرادة سلوك معين ويتضمن الجزاء أو الوسيلة التي يحسب رد فعل البعض تعريفه للقانون مع تعريف أوستن، حيث يدين ذلك الوسيلة الجبرية التي تكملها الدولة عبر أجهزتها المتخلفة الخاضعين لسلوك هذه القواعد وتنظم سلوك الأشخاص الخاضعين لهذه القواعد الآمرة العامة الجبرية التي تصدر عن إرادة الدولة، وتنظم سلوك الأشخاص الخاضعين لهذه القواعد وتحدد نطاق تكوينها في الدولة أو الداخلين اليها.

    الفيلسوف الإيطالي توماس هوبز: بخلاف اتجاه أوستن، فالقانون عنده لا يقوم على مجرد النصيحة الصحيحة، فالقانون عنده أمر: هو أمر صادر ممن له السلطة إلى شخص مسلم له بالطاعة إلى شخص آخر عليه واجب الطاعة والخضوع.

    وينطلق أوستن (كما يتفق مع نيتشن) في تعريف القانون للبعض من كونه يتضمن الجزاء أو الوسيلة التي يذعن للقانون بحسب الوسيلة الجبرية والقهر والالزام وانما على عنصر الرضا والتوجيه، أو الجزاء الذي يصدر عنه: مجموعة أمرا صادرا عن إرادة الدولة عن إرادة الدولة بأنه يفرضونه ويعرفونه بأنه دولة أو الداخلين في تكوينها.

    ثانيا: رؤية علماء الاجتماع للقانون

    كما أن هناك من يذهب إلى تعريف القانون حسب الغاية أو الهدف الذي يسعى القانون إلى تحقيقه في المجتمع من عادلة، أو خير عام، أو ضبط اجتماعي، فيعرفون القانون بأنه: مجموعة القواعد الملزمة التي تنظم علاقات الأشخاص في المجتمع تنظيما عادلا يكفل حريات الافراد وتحقق الخير العام.

    لكن تعريفات علماء الاجتماع للقانون تتباين عن تعريفات علماء القانون في بعض الجوانب، فالقانون يعتبر جزءا من الثقافة التي يكتسبها الفرد بوصفه عضوا في المجتمع، باعتبار ذلك ثقافتها بصفتها الكل الديناميكي المركب ذلك كلها بصفتها الثقافة للثقافة البدائية في كتابه رواد علماء الاجتماع كما يشمل على المعارف، المعايير، العادات والتقاليد، العرف والدين وكل ما اكتسبه الانسان باعتباره عضوا في المجتمع.

    لذا يفسر علماء الاجتماع معنى القانون في استخداماتها المتعددة، بوصفه أداة للعدالة أو الدلالة على القواعد المؤثرة في توجيه السلوك البشري في ظل خاصة إذا كانت هذه القواعد المؤثرة في توجيه السلوك البشري وخاصة إذا كانت هذه القواعد متعلقة بالدوافع والقرارات الداخلية لإرادة الفرد، كما قد تكون هذه القواعد قواعد أخلاقية كما تكون هذه القواعد موجهة لتوجيه الأفعال الظاهرية أو بوصفها قواعد اجتماعية.

    ويركز القانون كما يرى نيكولا تيماشيف، وهو عالم اجتماع روسي، على عنصرين أساسيين: هما الأخلاق والقوة. فمعايير السلوك التي تفرض على الإرادة الفردية لا تكمن في القانون فقط، بل تكمن أيضا في الأخلاق والعرف، مما يجعل الأخلاق قوة أخلاقية تشكل ما يطلق عليها بالأخلاقيات، وعلى الطرف الاخر، فان قوة القانون والضغط القانوني على السلوك البشري إنما تظهر في الممارسة الفعلية والحقيقية للسلطة الاجتماعية المنظمة.

    إلا أنه في بعض الحالات قد تمارس السلطة الاجتماعية نشاطها دون الاعتماد على الاخلاقيات على الاطلاق، كما قد يكون في حالات أخرى تكون الاخلاقيات قائمة وموجودة دون علاقة او اعتماد السلطة الاجتماعية، مثلما هو الحال في حالة التوافق الأخلاقي البحت. وفي كلتا الحالتين فانه لا يمكن القول بوجود القانون، ذلك لأن القانون في تصور تيماشيف يمثل الجزء المشترك بين دائرتي الأخلاق والقوة، وبالتالي يمثل في نظره قوة اجتماعية تتمثل في فرض معايير السلوك الاجتماعي على إرادة الفرد.

    أما رادكليف براون، وهو عالم انجليزي متخصص في علم الانسان، فإن القانون هو عامل من عوامل المحافظة على النظام الاجتماعي، أو توطيد هذا النظام داخل نطاق إقليمي محدد عن طريق ممارسة سلطة القهر واستخدام القوة إذا تطلب الامر ذلك.

    وهكذا يتضح أن القانون فالقانون هو مجموعة القواعد الملزمة المنظمة للمجتمع الملزمة لسلوك الأفراد في المجتمع، هو مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع بشكل ملزم يقترن بالجزاء الذي يوقعه السلطة العامة توقعه السلطة العامة على المخالف.

    ثالثا: نظرة دوركايم وميشيل فوكو

    فقد يفسر علماء الاجتماع معنى القانون في استخداماتها المتعددة، بوصفه أداة للعدالة أو الدلالة على القواعد المؤثرة في توجيه السلوك البشري، بيد أن هذا العلم لا يمكن نمذجته بشكل مباشر على نهج العلوم الطبيعية، لأن السلوك الإنساني يختلف عن عالم الطبيعة، كما أن المادة الأساسية للعلوم الطبيعية ثابتة وغير متغيرة إلى حد ما، في حين أن السلوك الإنساني بوصفه مادة علم الاجتماع يتسم بالمرونة والدينامية، فهو علم يسعى لمحاولة فهم القوى الموجودة في حيز الوجود والتي تدفع باستمرار نحو تحريك المجتمع الحديث، وتقوم في نفس الوقت بدور بارز في تكميلية هذه العملية من الحراك.

    ويركز القانون كما يرى نيكولا تيماشيف، كما تحدثنا آنفا عن دور نظرته للقانون كقوة اجتماعية. أما إميل دوركايم فيعتبر القانون قاعدة اجتماعية أو أداة للضبط الاجتماعي، فهو يتعلق بالنظام الأخلاقي والعادات والتقاليد التي يعتمدها المجتمع، ومن الجدير بالملاحظة أن دراسة أنظمة القانون أن تكون دراسة أولية وتمهيدية لعلم الاجتماع القانوني، إلا أن مجال علم اجتماع القانون هو أوسع بكثير من مجال علم القانون؛ نظرا لأنه يشمل دراسة العلاقة بين أنظمة القانون والأنظمة الاجتماعية الأخرى كالنظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام العائلة والقرابة.

    ويعتبر عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو من العلماء الذين تركوا بصمة واضحة في تحليل معنى القانون في تناوله لموضوع السلطة والانضباط، حيث يرى فوكو أن القانون ليس مجرد أداة قمعية بيد السلطة العامة، بل هو أيضا آلية من آليات إنتاج المعرفة والحقيقة، وأداة لتوزيع السلطة وممارستها داخل النسيج الاجتماعي بأكمله، عبر مؤسسات متعددة كالمدرسة والسجن والمستشفى، لا عبر الدولة وحدها.

    📗 خلاصة الباب

    • الفقهاء يختلفون في تعريف القانون تبعا لمذاهبهم: أوستن يراه أمرا صادرا عن السيادة السياسية مقترنا بالجزاء، بينما يركز هوبز على عنصر الطاعة الواجبة تجاه صاحب السلطة.
    • علماء الاجتماع يقدمون رؤية أوسع: تيماشيف يرى القانون تقاطعا بين الأخلاق والقوة (قوة اجتماعية تفرض معايير السلوك)، ورادكليف براون يعتبره أداة للمحافظة على النظام الاجتماعي عبر القهر المنظم عند الحاجة.
    • دوركايم يعتبر القانون قاعدة اجتماعية وأداة للضبط الاجتماعي ترتبط بالنظام الأخلاقي والعادات، بينما يرى فوكو أن القانون ليس أداة قمع فقط بل آلية لإنتاج المعرفة وتوزيع السلطة عبر مؤسسات متعددة (المدرسة، السجن، المستشفى).
    • يتضح من مجموع هذه الرؤى أن دراسة علم الاجتماع القانوني أوسع من دراسة القانون ذاته، إذ تشمل علاقته بالأنظمة الاجتماعية الأخرى: الاقتصادي والسياسي والأسري.

  • الباب الأول : المسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 3 من 10 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : أساس المسؤولية التقصيرية

    النظرية الشخصية

    تؤسس هذه النظرية المسؤولية على فكرة الخطأ بوصفه ركناً جوهرياً لا تقوم المسؤولية بدونه، فهي تهتم أساساً بسلوك الشخص المسؤول ولا نتصور قيام المسؤولية بغير خطأ، ولكن بغير تفرقة بين خطأ عمدي أو غير عمدي، ويستوي أن يكون هذا الخطأ واجب الإثبات في حالة المسؤولية عن العمل الشخصي أو يكون خطأ مفروضاً في حالة المسؤولية عن فعل الغير وعن الأشياء، إذ أن أساس المسؤولية في جميع هذه الحالات هو الخطأ.

    النظرية الموضوعية

    أدى التقدم الصناعي في نهاية القرن التاسع عشر وكثرة المخترعات الميكانيكية وقيام الصناعات الضخمة وانتشار وسائل النقل الآلية إلى توسيع نطاق المسؤولية على أساس اعتبارات العدالة والتضامن الاجتماعي لا على فكرة الخطأ، فذهب فريق من الشراح وعلى رأسهم سالي وديموج إلى اعتبار أن من يباشر نشاطاً يتحمل نتيجته، وعليه أن يعوّض الغير الذي يلحقه ضرر منه، ولو كان سلوكه غير مشوب بخطأ ما، وعليه فمن يقوم بمشروع ما فإنه يتحمل تبعية أخطاره. وفي منطق هذه النظرية المادية أو نظرية تحمل التبعة، فإنه من غير الجائز نفي المسؤولية بنفي الخطأ أو بنفي العلاقة السببية، فالمسؤولية تقوم على الضرر وحده حتى ولو كان السبب مبنياً على قوة قاهرة.

    يتفرع عن المسؤولية التقصيرية مسؤولية عن العمل الشخصي، ومسؤولية عن فعل الغير من الأبناء والمجانين والتابعين، ثم مسؤولية عن الأشياء والحيوان التي يسأل الشخص عنها.

    الفصل الثاني : أركان المسؤولية عن الفعل الشخصي

    الركن الأول : الخطأ

    يقصد بالخطأ في المسؤولية التقصيرية إخلال الشخص بالتزام قانوني مع إدراكه لهذا الإخلال، والخطأ بهذا المعنى على نوعين: خطأ عمد ويُصطلح عليه بالجرم، وخطأ بإهمال ويسمى شبه جرم. عرّف المشرع المغربي الخطأ في الفصل 78 بقوله: «والخطأ هو ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر».

    درجات الخطأ

    يقع الخطأ من الناحية العملية تحت أنواع ودرجات متعددة ولم يتفق الفقهاء على وضع معايير وضوابط من أجل تقسيمها وتمييز كل منها، وبالرجوع إلى رأي الفقيه بواتيه، وهو أحد شراح القانون الفرنسي القديم، نجد أنه يرى الخطأ على ثلاث درجات كما كان الحال عليه في القانون الروماني:

    • الخطأ الجسيم : وهو الخطأ الذي لا يرتكبه أقل الناس إهمالاً وأكثرهم جهلاً، وقد أُلحق هذا الخطأ بالغش وأخذ حكمه لتعارضه مع حسن النية، أو هو عدم بذل عناية بشؤون الغير بصورة لا تصدر عن أقل الناس حرصاً على شؤونهم الخاصة.

    • الخطأ اليسير : ويُعرف عادة بأنه الخطأ الذي لا يقع من شخص متوسط الحرص والعناية، ويُطلق عليه أيضاً اسم الخطأ العادي، ولا يمكن وضع ضوابط محددة للتفرقة بين الخطأ الجسيم والخطأ اليسير، لذا فإن مرجع الأمر للقضاء بحيث يحكم على كل حالة على حدة حسب ظروفها.

    • الخطأ التافه : وهو الخطأ الذي لا يقع من الشخص شديد الحرص والذكاء ويكفي لوجوده عدم الحذر أو عدم التبصر.

    عناصر الخطأ

    يقوم الخطأ على ركنين، ركن مادي مترتب على إخلال بالتزام قانوني هو «التعدي»، وركن معنوي هو «الإدراك» يدل على أن المخل بالالتزام يدرك أن عمله مضر بالغير. جاء في الفصل 78 : «كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضاً، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر. وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر».

    الركن المادي للخطأ : التعدي

    والتعدي هو الإخلال بالتزام قانوني، أو مجاوزة ما يجوز إلى ما لا يجوز شرعاً أو عرفاً أو عادة، وهو ما قصده المشرع بقوله «ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه».

    مقياس التعدي : أخذ بعض الفقهاء بمعيار شخصي، ذلك أن استحقاق المضرور للتعويض أو عدم استحقاقه يتوقف على طبيعة شخص من وقع منه الضرر، في حين أخذ فريق آخر بمعيار موضوعي ينظر فيه إلى سلوك شخص مجرد هو سلوك الشخص العادي الذي يمثل جمهور الناس، ومن فضائل هذا المعيار أنه يغنينا عن البحث في أمور خفية تتعلق بشخص المعتدي فيصبح ثابتاً بالنسبة إلى الكافة ولا يتغير من شخص إلى آخر، وبهذا تنضبط الروابط القانونية وتستقر الأوضاع.

    صور التعدي :

    • مخالفة نص قانوني : إذا كان القانون قد نص على التزام محدد، فالإخلال بهذا الالتزام يعتبر تعدياً يوجب المسؤولية. وقد خص المشرع المغربي بالذكر في الفصلين 83 و84 بعض الالتزامات التي اعتبر الإخلال بها خطأً يوجب المسؤولية، من ذلك تقديم نصيحة بقصد الخداع (الفصل 83) والمنافسة غير المشروعة (الفصل 84).

    • مخالفة التزامات قانونية غير محددة في نصوص : لا يقتصر الخطأ على الإخلال بالالتزامات التي ورد بها نص في القانون، فهناك التزامات قانونية كثيرة لم يحددها المشرع في نصوص وإنما هي من قبيل الواجبات العامة التي تفرض على الإنسان احترام حقوق الغير والامتناع عن إيذائه.

    • التعسف في استعمال الحق : الأصل أن المسؤولية التقصيرية تتطلب أن يكون الضرر ناجماً عن خطأ، والخطأ لا يتوفر في الحالة التي يستعمل فيها الإنسان حقاً له دون أن يجاوز الحدود المرسومة لهذا الحق، لكن يقع أن يتم استعمال الحق على نحو يكون فيه الشخص مخطئاً، وهذا ما يسمى بالتعسف في استعمال الحق. جاء في الفصل 94 : «لا محل للمسؤولية المدنية، إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله. غير أنه إذا كان من شأن مباشرة هذا الحق أن تؤدي إلى إلحاق ضرر فادح بالغير، وكان من الممكن تجنب هذا الضرر أو إزالته من غير أذى جسيم لصاحب الحق، فإن المسؤولية المدنية تقوم إذا لم يجر الشخص ما كان يلزم لمنعه أو لإيقافه». ويعتبر الشخص متعسفاً في استعمال حقه في الحالات التالية:

    • إذا كان لا يقصد من وراء استعمال الحق سوى الإضرار بالغير.

    • إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها صاحب الحق قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر.

    • إذا كان صاحب الحق قد تجاوز في ممارسته حقه الحدود المألوفة (الفصل 96).

    تجدر الإشارة إلى أن عبء إثبات التعدي يقع على المضرور الذي يطالب بالتعويض عن الضرر الذي لحقه جراء هذا التعدي، وله في سبيل ذلك الإثبات بكافة طرق الإثبات.

    الركن المعنوي : الإدراك

    يجب لقيام الخطأ أن يكون من ارتكب التعدي مدركاً لهذا التعدي، أي قادراً على التمييز بين الخير والشر والنفع والضرر، فيدرك أن تعديه يلحق ضرراً بالغير، فالتمييز هو مناط المسؤولية التقصيرية، هذه المسؤولية تقوم إذا وُجد التمييز وتنعدم إذا فُقد، وهذا ما نصت عليه الفصول 93 و96 و97:

    • فيما يتعلق بالسكر الاختياري، فهو لا يعفي من المسؤولية حسب الفصل 93.

    • فيما يتعلق بصغر السن، لا يسأل الصبي غير المميز مسؤولية تقصيرية، أما من كان مميزاً فإنه يسأل مسؤولية تقصيرية كاملة إذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعماله (الفصل 96).

    • المجنون لا يسأل عن العمل الشخصي ما لم يثبت أن العمل الضار قد ارتُكب وهو في حالة إفاقة (الفصل 96).

    • الصم والبكم وغيرهم من ذوي العاهات يسألون مبدئياً عن الأضرار الناجمة عن أخطائهم لتوافر الإدراك عندهم، ما لم يقم الدليل على أنهم لا يتمتعون بالدرجة اللازمة من التمييز لتقدير نتائج أعمالهم (الفصل 97).

    حالات انتفاء الخطأ التقصيري

    توجد حالات يتوفر فيها الخطأ ومع ذلك لا يترتب عليه أية مسؤولية، ويتحقق ذلك في الحالات التالية:

    • إعطاء بيانات غير صحيحة عن حسن نية ودون علم بعدم صحتها.

    • مجرد النصيحة والتوصية في غير الحالات المنصوص عليها في الفصل 83.

    • حالة القبول بالمخاطر، كما هو الشأن بالنسبة للرياضيين الذين يزاولون رياضات تنطوي على مخاطر.

    • الدفاع الشرعي : جاء في الفصل 95 : «لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي، أو إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه». ويشترط أن يكون الخطر حالاً ووشيكاً يهدد النفس أو المال، ثم أن يكون هذا الخطر غير مشروع، ثم أن يكون بإمكان الشخص دفع هذا الاعتداء بوسيلة مشروعة، وأخيراً أن يتم دفع الاعتداء بالقدر اللازم دون مجاوزة.

    • حالة الضرورة : وهي حالة تنفي الجريمة في القانون الجنائي على غرار الدفاع الشرعي، وهي أيضاً سبب من أسباب انتفاء المسؤولية المدنية، ويشترط فيها أن يكون الخطر حالاً وشيكاً يهدد النفس أو المال، وأن يكون مصدر الخطر خارجياً، وأن يكون الضرر الواقع أخف من الضرر المراد تلافيه.

    الركن الثاني : الضرر

    الضرر هو الأذى الذي يصيب الشخص جراء المساس بحق من حقوقه أو بمصلحة مشروعة له، سواء تعلقت هذه المصلحة بشخصه أو ماله أو حريته أو شرفه، فلا يشترط أن يكون الحق حقاً مالياً بل يكفي أن يكون حقاً تكفّل القانون بحمايته.

    عرّف المشرع المغربي الضرر في الفصل 98 بقوله: «الضرر في الجرائم وأشباه الجرائم، هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلاً والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب إضراراً به، وكذلك ما حُرم منه من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل. ويجب على المحكمة أن تقدّر الأضرار بكيفية مختلفة حسبما تكون ناتجة عن خطأ المدين أو عن تدليسه».

    شروط الضرر

    • أن يكون الضرر مباشراً : أي أن يكون نتيجة مباشرة للخطأ التقصيري، جاء في الفصل 77 : «إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر».

    • أن يكون الضرر محققاً : والضرر يعتبر محققاً إذا كان حالاً أي واقعاً فعلاً أو مؤكد الوقوع، فالضرر الاحتمالي لا يجوز التعويض عنه، ويشمل ذلك الضرر المستقبلي محقق الوقوع.

    • أن يطال الضرر حقاً أو مصلحة مالية للمدعي.

    • أن تكون هذه المصلحة مشروعة.

    أنواع الضرر

    • الضرر الجسماني : هو الاعتداء على حرمة الجسد بالقتل أو الجرح أو المرض أو إحداث عاهة أو خلل في وظائف الجسم.

    • الضرر المادي : هو الذي يصيب الإنسان في ذمته المالية.

    • الضرر المعنوي : هو الذي يصيب الإنسان في مصلحة غير مالية، كالمساس بعاطفته أو كرامته أو سمعته أو شرفه، يضاف إلى ذلك الأضرار الجمالية والأضرار الناتجة عن التعسف في استعمال الحق.

    الركن الثالث : العلاقة السببية بين الخطأ والضرر

    لا يكفي لقيام المسؤولية التقصيرية أن يكون هناك خطأ من جهة وضرر من جهة أخرى، بل لا بد أن يكون الخطأ الذي ارتكبه المسؤول هو السبب في الضرر الذي أصاب المضرور.

    نظريات العلاقة السببية

    • نظرية تكافؤ الأسباب : إذا اشتركت عوامل عدة في إحداث الضرر فإنه يتعين اعتبار كل العوامل متعادلة في إحداث الضرر بأنها جميعاً ساهمت في وقوع الضرر.

    • نظرية السبب المنتج (الفعال) : تميّز بين الأسباب العارضة والأسباب المنتجة وتعتبر الثانية وحدها السبب في إحداث الضرر.

    • نظرية السبب القريب : أي القريب زمنياً من الضرر، فذاك هو السبب المعتبر.

    والمشرع المغربي سار في اتجاه اعتبار الضرر المباشر فقط أساساً للتعويض، أما الأضرار الأخرى غير المباشرة فلا اعتبار لها.

    حالات انتفاء العلاقة السببية

    • خطأ المضرور : قد يكون الضرر الذي لحق بالمضرور نتيجة خطأ المضرور وحده، فلا مكان للمسؤولية التقصيرية إذ المضرور هو الذي ألحق الضرر بنفسه. وقد يشترك خطأ المضرور مع خطأ المدعى عليه، فتوزَّع المسؤولية بين الطرفين بحسب جسامة الخطأ الذي صدر من كل منهما.

    • القوة القاهرة أو الحادث الفجائي : جاء في الفصل 269 : «القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً. ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه. وكذلك لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين». ويشترط لتوافرها: استحالة الدفع المطلقة، عدم التوقع، أن يكون السبب خارجياً، وانعدام خطأ المضرور.

    📗 خلاصة الباب

    • ● تقوم المسؤولية التقصيرية على أساس الخطأ (النظرية الشخصية) أو على تحمل التبعة دون خطأ (النظرية الموضوعية)، وأركانها ثلاثة: الخطأ والضرر والعلاقة السببية.
    • ● الخطأ إخلال بالتزام قانوني مع الإدراك، وله ركنان: التعدي (الركن المادي) والإدراك (الركن المعنوي)، وتنتفي المسؤولية رغم وجود الخطأ في حالات كالدفاع الشرعي وحالة الضرورة والقبول بالمخاطر.
    • ● يشترط في الضرر أن يكون مباشرا ومحققا ومساسا بحق أو مصلحة مشروعة، وأنواعه: الضرر الجسماني والمادي والمعنوي.
    • ● تنتفي العلاقة السببية بخطأ المضرور وحده أو المشترك مع خطأ المدعى عليه، أو بالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي التي تشترط استحالة الدفع وعدم التوقع وانعدام خطأ المضرور.

  • تعريف علم الاجتماع القانوني ونشأته وأهميته

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 2 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: تعريف علم الاجتماع القانوني

    علم الاجتماع القانوني فرع من فروع علم الاجتماع يدرس القانون بوصفه ظاهرة اجتماعية، فهو لا يكتفي بالنظر إلى القاعدة القانونية من الزاوية الشكلية المجردة كما يفعل الفقه القانوني التقليدي، بل يبحث في أصلها ونشأتها الاجتماعية والتاريخية، وفي علاقتها بالواقع الاجتماعي الذي أنتجها، وفي الآثار التي تحدثها في المجتمع بعد تطبيقها.

    عرَّفه نيكولا تيماشيف بأنه: “علم صياغة القوانين ويرمي إلى كشف القوانين التي من طبيعتها أن تكون متضمنة علمية في علاقته بالقانون، والقانون بالنسبة إليه قوة اجتماعية، ووظيفته الأساسية فرض معايير السلوك الاجتماعي على إرادة الفرد”، ومن ثم يهتم هذا العلم كذلك بدراسة نشأة القاعدة القانونية وأسباب تطورها والآثار الاجتماعية الناتجة عن تطبيقها.

    أما أوبرت (Oubert) فيعرفه بأنه جزء من نظام عام، هو علم الاجتماع العام، الذي يتعامل مع طريقة التفكير القانونية النوعية، ويهتم أساسا بوظيفة القانون الاجتماعي ودوره في الحياة الاجتماعية.

    ويعرفه ج. كاربونييه من خلال الموضوع الذي يدرسه فيقول بأنه فرع معرفي يهتم بدراسة مختلف الظواهر القانونية، التي تعتبر بطبيعتها ظواهر اجتماعية، لأن القانون لا يوجد إلا حيث يوجد المجتمع. أما تريفيس فقد اعتبره علما له كموضوع دراسة العلاقات القانونية في المجتمع.

    وذهب جورج جورفيتش إلى تعريفه بأنه: دراسة مجموع العلاقات الوظيفية الكامنة بين أنواع القانون وأنواع الانضباط الاجتماعي، وبين أنساقه وصور الإفصاح والتعبير عنه وبين الأنماط الاجتماعية الأخرى المقابلة، كما يبحث عن التغيرات التي تتصل بالقانون ودور رجال القانون والنزاعات التي تسيطر على نشأة ونمو القانون، وعوامل هذا النمو داخل الأبنية الاجتماعية الكلية والجزئية.

    ثانيا: نشأة علم الاجتماع القانوني

    لم تتوطد الصلة الخصبة بين علماء الاجتماع ورجال القانون إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وما كان ممكنا أن ينقضي أقل من نصف قرن لتبديد التهم المتبادلة التي كانت قائمة على سوء التفاهم، وقد ذاب الجليد اليوم في فرنسا على الأقل، وقامت دلائل كثيرة على التعاون بين الفريقين.

    ويمكن ذكر بهذا الخصوص مؤتمر ستراسبورغ (1956) ومؤتمر تولوز (1958)، وتأسيس مجلة قبل هذا التاريخ تحمل اسم “وثائق فلسفة القانون وعلم الاجتماع القانوني” (1931)، واستحداث دروس على الصعيد الجامعي في مادة علم الاجتماع القانوني في كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية في باريس سنة 1956.

    وخارج فرنسا كانت منذ بداية القرن الماضي دراسات موسعة حول علم الاجتماع القانوني: كانتوروفيتش وإرليخ في ألمانيا، بترازيكي في بولونيا، روسكو باوند في الولايات المتحدة الأمريكية، ترفيس في إيطاليا، وغيرهم كثير في دول أخرى.

    وقد ساهم علماء وفقهاء علم الاجتماع في إرساء دعائم علم الاجتماع القانوني، من خلال توضيح أصل الظاهرة القانونية الوضعية، مما يعطينا رؤية عميقة لتحليل القانون ومصادره.

    ثالثا: أهمية علم الاجتماع القانوني

    تكمن أهمية علم الاجتماع القانوني في كونه لا يمكن تفسير القانون تفسيرا موضوعيا دون الاهتمام بالوسط السوسيولوجي الذي ينتج عنه، فدراسة القانون كظاهرة اجتماعية وتاريخية هي دراسة تأصيلية ترجع بالنظم القانونية والنظريات حول القانون إلى أصولها الاجتماعية والتاريخية والمعرفية.

    ويؤدي هذا البحث إلى نتيجتين مهمتين: الأولى تتمثل في ترشيد السياسة التشريعية، فمن خلال دراسة القانون كظاهرة اجتماعية أو تاريخية أو فكرية لن تصبح العملية التشريعية اقتباسا لنصوص قانونية من الأنظمة القانونية المقارنة بل سترتبط بالواقع الاجتماعي والبعد الفكري والفلسفي المنطلق الذي يشرعه للمجتمع.

    والثانية تتعلق بأهمية الدراسة الاجتماعية والقانونية للقانون من خلال دراسته دراسة واقعية في أساسها تتفاعل مع الواقع الاجتماعي والسياق التاريخي لفكر قانوني ما، أثناء تطبيقه في الواقع العملي والبحث في العوامل التي تؤثر فيه وفي تطور قواعد دراسته.

    إن القانون لا ينشأ من فراغ بل من واقع اجتماعي فهو وليد البيئة الاجتماعية كضرورة لتنظيمها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ودينيا وثقافيا، فالنص القانوني يخلق قانونيا واجتماعيا، إذ يوثر العلاقات الاجتماعية لتحقيق المصلحة العامة، كما يسعى لتأطيره القانوني لبعض الظواهر الاجتماعية كالزواج.

    وتكتسب دراسة القانون كظاهرة أهمية بالغة، ذلك أن الدراسة القاعدية للقانون اعتمادا على المنطق الشكلي إنما تمثل موقع الصدارة حينما يكون المجتمع في حالة من الثبات والهدوء النسبيين في العلاقات الاجتماعية، أما حيث تتسم هذه العلاقات بطابع التغير وإعادة التشكل المستمر، تصبح إعادة النظر في البناء الفوقي كله أمرا ملحا، وهو أمر توفره دراسات علم الاجتماع القانوني.

    رابعا: علاقة علم الاجتماع القانوني بمفاهيم أساسية

    القانون والمجتمع: العلاقة بين القانون والمجتمع من أهم مفاهيم علم الاجتماع القانوني، حيث يهتم علم الاجتماع القانوني بدراسة كيفية تطبيق القوانين في المجتمع وكيفية تأثير العوامل الاجتماعية على هذا التطبيق، ويعتبر القانون بمثابة وسيلة لتنظيم وتحديد حقوق وواجبات المواطنين.

    القانون والثقافة: تعد الثقافة من العوامل الأساسية التي تؤثر على القانون، حيث يعتمد القانون على القيم والعادات والتقاليد من مجتمع لآخر يؤثر على شكل وطبيعة القانون في كل مجتمع.

    القانون والسياسة: تعد السياسة والقانون من العوامل المترابطة في المجتمع، حيث يتأثر القانون بالسياسة وتوجهات الحكومة، وتتأثر السياسة بالقانون حيث يمكن أن تؤثر على تطبيق القانون وعلى الحقوق والواجبات الموجودة في القانون لكل مجتمع.

    القانون والاقتصاد: تعد العلاقة بين القانون والاقتصاد من العوامل الأساسية في علم الاجتماع القانوني، حيث يؤثر القانون الاقتصادي الاقتصادي وذلك بتحديد القواعد المنظمة لهذا النشاط، ويؤثر الاقتصاد بدوره على القانون حيث يؤثر القانون بالتغيرات الاقتصادية الموجودة في المجتمع.

    القانون والأخلاق: تعد الأخلاق من العوامل الهامة في تحديد شكل وطبيعة القانون، حيث يتأثر القانون بالتغيرات التاريخية الموجودة في المجتمع وتختلف القوانين من حيث شكلها ومضمونها وقيمتها وذلك بحسب الفترة التي تم تطبيقها فيها.

    القانون والقضاء: تعد العلاقة بين القانون والقضاء من العوامل الأساسية في علم الاجتماع القانوني حيث يؤثر تطبيق القانون بالتطبيق القضائي ويحدد القانون إجراءات القانون والوسائل القانونية المتاحة لتطبيقه، ويعتبر القضاة بمثابة المصدر الرئيسي لتطبيق القانون في المجتمع.

    📗 خلاصة الباب

    • علم الاجتماع القانوني فرع من علم الاجتماع يدرس القانون كظاهرة اجتماعية، لا كقاعدة شكلية مجردة، ويبحث في نشأته الاجتماعية والتاريخية وآثاره على المجتمع.
    • تعريفاته الأساسية (تيماشيف، أوبرت، كاربونييه، جورج جيرفيتش) تشترك في اعتبار القانون قوة اجتماعية تفرض معايير السلوك، وتربط بين أنواع القانون والانضباط الاجتماعي.
    • لم تتوطد الصلة العلمية بين القانون وعلم الاجتماع إلا بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أن جذورها تعود لمجلة 1931 ومؤتمري ستراسبورغ (1956) وتولوز (1958) ودراسات ألمانية وبولونية وأمريكية وإيطالية من بداية القرن العشرين.
    • أهميته تكمن في ترشيد السياسة التشريعية (تشريع مرتبط بالواقع الاجتماعي لا اقتباسا آليا من قوانين مقارنة) وفي فهم القانون من خلال علاقاته المتشابكة بالمجتمع والثقافة والسياسة والاقتصاد والأخلاق والقضاء.

  • الباب التمهيدي : مفهوم المسؤولية ومكانتها في نظرية الالتزام

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 2 من 10 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : المسؤولية المدنية بوصفها مصدراً للالتزام

    نص الفصل الأول من قانون الالتزامات والعقود المغربي على أنه: «تنشأ الالتزامات عن الاتفاقات والتصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة وعن أشباه العقود وعن الجرائم وعن أشباه الجرائم».

    يفهم من هذا الفصل أن مصادر الالتزام حسب التشريع المغربي هي: 1- الاتفاقات (العقود) 2- التصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة (الإرادة المنفردة) 3- أشباه العقود (الإثراء بلا سبب) 4- الجرائم وأشباه الجرائم (المسؤولية المدنية).

    وقد انتُقد صنيع المشرع المغربي من حيث اعتداده بشبه العقد وشبه الجرم مصدرين للالتزام وإغفاله للقانون الذي يمكن أن يكون سبباً قوياً ومباشراً لنشوء الالتزام، وعليه فالتصنيف الأكثر دقة لمصادر الالتزام هو تصنيف الفقه والتشريعات المقارنة التي جعلت مصادر الالتزام خمسة: أولاً العقد، ثانياً الإرادة المنفردة، ثالثاً الإثراء بلا سبب، رابعاً العمل غير المشروع، خامساً القانون.

    هكذا نلاحظ أن المسؤولية المدنية، أو ما يطلق عليه بالعمل غير المشروع، هي من أهم مصادر نشوء الالتزام، فإذا أخلّ أحد بالتزام ترتب على هذا الإخلال مسؤوليته المدنية، وهذه الأخيرة على نوعين: مسؤولية عقدية ومسؤولية تقصيرية. فالمسؤولية العقدية هي جزاء الإخلال بتنفيذ العقد، وهي أثر من آثار العقد الذي تم الإخلال به، وهي مستمدة من العقد كمصدر من مصادر الالتزام. أما المسؤولية التقصيرية فهي العمل غير المشروع، وهو المصدر الرابع من مصادر الالتزام، ويطلق عليها أيضاً الواقعة القانونية أو المصادر غير الإرادية بجانب الإثراء بلا سبب. وفي الحياة اليومية كثير من الالتزامات تنشأ عند الإخلال بواجب عدم الإضرار بالغير. قال تعالى: «لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون» (الأنبياء: 23) فالمسؤولية أول ما تعنيه مسؤولية الشخص عن أفعاله وتصرفاته.

    المسؤولية المدنية بصفة عامة من أهم الموضوعات القانونية التي اهتم بها الفقه والقضاء منذ بداية القرن العشرين، نظراً للمخاطر التي يتسبب فيها الإنسان بفعله أو بفعل الأشياء التي يسأل عنها، خصوصاً مع التطور الحاصل في وسائل النقل والإنتاج الصناعي، ويبقى الأصل في المسؤولية المدنية هو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الضرر، أو الحصول على تعويض في حالة تعذّر ذلك.

    تعريف المسؤولية المدنية

    يقصد بالمسؤولية تحمّل الشخص لعواقب التقصير الصادر عنه أو عن الأشياء والأشخاص التي يسأل عنها، فهي في معناها المدني المؤاخذة عن الأخطاء التي تضر بالغير، وإلزام المتسبب بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو جبر الضرر عن طريق التعويض كما حدده القانون.

    الإطار القانوني للمسؤولية المدنية

    أحكام المسؤولية المدنية عامة والتقصيرية خاصة موزعة بين نصوص عامة ونصوص خاصة. فبالنسبة للنصوص العامة نتحدث عن قانون الالتزامات والعقود في الفصول ما بين 77 و106، أما النصوص الخاصة فلا حصر لها وهي في تزايد مضطرد نظراً للتطور الاقتصادي الذي يفرض مزيداً من التأطير القانوني لأنواع جديدة من المسؤولية، هنا يمكن الحديث عن:

    • ظهير 2 أكتوبر 1984 المتعلق بتعويض المصابين عن حوادث تسببت فيها عربات ذات محرك

    • القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة

    • القانون رقم 24.09 المتعلق بالمسؤولية الناتجة عن المنتجات المعيبة، المُدرَج ضمن ق.ل.ع بالفصول 106-1 إلى 106-3 (الباب الرابع من الكتاب الأول)

    أما الفقه الإسلامي فقد تحدث عن المسؤولية المدنية وأطلق عليها اسم الضمان، وقد عرّفه وهبة الزحيلي في كتابه «نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية في الفقه الإسلامي» بأنه إعطاء شيء مثل الشيء إن كان من المثليات وقيمته إن كان من القيميات. وعليه فالضمان في الفقه الإسلامي يعني ما تعنيه المسؤولية المدنية في القانون المدني، وهو التزام بأداء تعويض مالي عند الإضرار بالغير، شريطة ألا يصل هذا الإضرار إلى مستوى الإضرار بالحق العام، حيث تقوم هنا المسؤولية الجنائية وتتدخل النيابة العامة مطالبة بمعاقبة المسؤول.

    الفصل الثاني : أنواع المسؤولية والتمييز بينها

    أنواع المسؤولية

    تنقسم المسؤولية بصفة عامة إلى مسؤولية قانونية ومسؤولية أخلاقية، بينما تنقسم المسؤولية القانونية إلى مسؤولية مدنية ومسؤولية جنائية.

    أولاً : المسؤولية الأخلاقية

    الأخلاق قواعد مثالية نابعة من المجتمع لمحاربة الشر والدعوة إلى الخير ومكارم الأخلاق، وعند الإخلال بقاعدة أخلاقية تقوم المسؤولية الأخلاقية تبعاً لذلك، ودائرة الأخلاق أوسع من دائرة القانون، وتبعاً لذلك كانت المسؤولية الأخلاقية أوسع، لكن الجزاء المترتب عن الإخلال بالقاعدة الأخلاقية لا يكون عن طريق القضاء بل يكون نابعاً من استنكار المجتمع، ولا يشترط لقيام المسؤولية الأخلاقية وقوع الإضرار بالغير، بل يكفي أن يكون الفعل مُشيناً أو مستنكَراً من المجتمع، لأن الأخلاق تُعنى ليس فقط بعلاقة الإنسان بالإنسان، بل تتعداها إلى علاقة الإنسان بالله وعلاقته بنفسه وعلاقته بالعادات والتقاليد التي يعتبرها المجتمع أخلاقية.

    ثانياً : المسؤولية القانونية

    تنقسم المسؤولية القانونية إلى مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية.

    أ- المسؤولية الجنائية

    تنشأ المسؤولية الجنائية عن كل فعل يشكل جريمة بنص القانون، وتقوم هذه المسؤولية لحماية المجتمع، والقانون هو من يحدد الجريمة والعقوبة الخاصة بها، هذه العقوبة لا تأتي على شكل تعويض ذي صبغة مدنية بل تأتي على شكل جزاء جنائي مؤلم، يمس الفرد في حريته أو نفسه أو ماله، من أجل ردعه وحمله على الاستقامة وأيضاً ردع الآخرين ممن تسول لهم أنفسهم المس بسلامة المجتمع وأمنه، هذا الجزاء الجنائي يتخذ إما شكل عقوبة أو تدبير وقائي.

    فالعقوبة تتحدد حسب ما إذا كانت الجريمة جناية أو جنحة أو مخالفة، ففي الجناية العقوبة تكون إما سالبة للحرية لأكثر من 5 سنوات أو إعداماً أو تجريداً من الحقوق الوطنية، بينما في الجنحة تكون العقوبة إما حبساً من شهر إلى 5 سنوات وغرامة لا تقل عن 1200 درهم أو هما معاً، بينما في المخالفة لا تتجاوز مدة الاعتقال شهراً واحداً وغرامة لا تتجاوز 1200 درهم، أما التدابير الوقائية فهي نوع من الإجراءات تصدر بحكم قضائي لتجنب خطورة تكمن في نفس الجاني، لكن دون إيداعه السجن حتى لا يحتك بمجرمين أكثر حنكة، وتخفيفاً من وطأة اكتظاظ السجون.

    شرطا المسؤولية الجنائية هما السلوك المادي المتسبب في النتيجة الإجرامية ثم القصد الجنائي، وهو ركن معنوي يقوم على أمرين هما التمييز وحرية الاختيار، بمعنى القدرة على الإدراك والتمييز ووجود أهلية، وهو أمر لا يتحقق إلا ببلوغ سن 18 سنة، بينما يعتبر الحدث البالغ ما بين 12 و18 ناقص أهلية ومسؤولاً مسؤولية جنائية ناقصة، أما القاصر ما دون 12 سنة والمجنون فهما غير مسؤولَين جنائياً البتة.

    ب- المسؤولية المدنية

    هي الالتزام بإصلاح الضرر الواقع على الغير، بفعل المخل بواجب عدم الإضرار بالغير، أو بفعل الأشخاص التابعين له، أو بفعل الأشياء التي يسأل عنها.

    المسؤولية المدنية هي مسؤولية قانونية لأنه يترتب عن قيامها جزاءات يفرضها القانون، وهي مدنية لأنها ترمي إلى رفع الضرر الواقع على الغير أو إزالته أو إصلاحه أو منح المضرور مبلغاً من المال كتعويض عن الضرر وجبر له، وهي مبنية على التزام قانوني سابق مفاده عدم الإضرار بالغير.

    التمييز بين أنواع المسؤوليات

    أولاً : التمييز بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية القانونية

    تترتب المسؤولية الأخلاقية عن مخالفة قواعد الأخلاق، فيسأل الإنسان أمام المجتمع وأمام الله وأمام ضميره، ولا يترتب عليها أي جزاء قانوني، ولا يشترط لقيام هذه المسؤولية حدوث ضرر للغير، بل يكفي أن ينوي الإنسان ويتمنى شراً لغيره حتى تتحقق هذه المسؤولية، بينما يترتب على المسؤولية القانونية جزاء قانوني جراء مخالفة القانون وهي نوعان مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية.

    ثانياً : التمييز بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية المدنية

    وجه المقارنةالمسؤولية الأخلاقيةالمسؤولية المدنية
    النطاقأوسع — تتصل بعلاقة الإنسان بربه ونفسه وبغيرهأضيق — تتصل بعلاقة الإنسان بغيره فقط
    تحقق النتيجةتتحقق بمجرد سوء النية، بلا ضررتتطلب حدوث ضرر فعلي
    الجزاءذاتي معنوي (أمام الله والضمير والناس)مادي يحدده القانون وتفرضه السلطة العامة
    إمكانية الإفلاتلا إفلات منهايمكن الإفلات منها (سرّية المخالفة، تقادم…)
    المعيارشخصي (الضمير)موضوعي (مسؤولية أمام الغير)
    الغايةتهذيب النفس ونشر الفضيلةاستقرار النظام وتحقيق العدل ورد الحقوق

    ثالثاً : التمييز بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية

    المسؤولية الجنائية تعني تحميل الشخص تبعات أفعاله الجنائية المجرَّمة بمقتضى نص في القانون كالقتل أو السرقة أو خيانة الأمانة، وانطلاقاً من هذا المعنى فإن المسؤولية الجنائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقاب ولا تنفصل عنه، ونظراً لخطورة الأفعال الجنائية ومساسها بالنظام العام فإن العقوبات التي حددها المشرع غالباً ما تكون صارمة تتراوح بين الغرامات الزجرية والعقوبات السالبة للحرية وقد تصل إلى حد الإعدام في بعض الحالات الخاصة.

    وعلى عكس المسؤولية الجنائية التي تترتب على ارتكاب المجرم لأفعال محظورة تضر بالمجتمع، فإن المسؤولية المدنية لها نطاق ضيق إذ أنها تهدف إلى حماية مصلحة خاصة يملك فيها المضرور إمكانيات واسعة للتنازل عن حقه في التعويض، لا فرق في ذلك بين أن يكون الضرر ناتجاً عن الإخلال بالتزام عقدي أو التزام تقصيري، فالمسؤولية المدنية تعني إلزام المسؤول عن الضرر بأداء التعويض للطرف المضرور في الحالات التي تتوافر فيها شروط هذه المسؤولية، لذلك فهي لا تحمل معنى الردع الذي تنطوي عليه المسؤولية الجنائية وإنما تفيد فقط معنى جبر الضرر الذي تسبب فيه الشخص المسؤول.

    جدول تلخيصي لأوجه التمييز:

    وجه المقارنةالمسؤولية الجنائيةالمسؤولية المدنية
    الأساس القانونياقتراف فعل محظور بمقتضى القانون الجنائي وفق مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصالإخلال بالتزامات يفرضها العقد أو المبادئ العامة
    الجزاءعقوبات صارمة (إعدام، سجن، مصادرة، غرامات…) ذات طابع زجريإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو التعويض
    مآل الحقحق خالص للمجتمع تمثله النيابة العامة، لا يجوز التنازل عنهحق شخصي للمضرور، يجوز التنازل عنه
    النيةركن أساسيغير مشترطة (يُعوَّض الضرر عمداً كان أو إهمالاً)
    التقادم15 سنة للجنايات، 4 سنوات للجنح، سنة للمخالفاتيختلف باختلاف الحالة، والأصل 15 سنة
    السببالجريمةالضرر
    الموضوعحماية المجتمع بالعقابحماية مصلحة خاصة بالتعويض
    المدعيالنيابة العامةالمضرور أو من يمثله

    تأثير المسؤولية الجنائية على المسؤولية المدنية

    قد توجد المسؤولية الجنائية دون المسؤولية المدنية وقد يحدث العكس، لكن أحياناً أخرى قد تجتمع المسؤوليتان، كما في حال الضرب أو القتل فتنشأ دعوى جنائية ودعوى مدنية تابعة، وتؤثر المسؤولية الجنائية على المسؤولية المدنية من عدة أوجه:

    • من حيث الاختصاص القضائي : يجوز للمضرور أن يرفع دعواه إما أمام المحكمة المدنية، وهنا لا يمكن للمحكمة المدنية أن تبت في الدعوى إلا بعد أن تبت فيها المحكمة الجنائية تبعاً لمبدأ «الجنائي يعقل المدني»، أو يرفع الدعوى المدنية التابعة أمام المحكمة الجنائية عن طريق الادعاء المدني تبعاً للدعوى الجنائية التي تحركها النيابة العامة.

    • من حيث قوة الأمر المقضي به : فعندما تبت المحكمة الجنائية في الدعوى يحوز هذا الحكم قوة الأمر المقضي به، وعلى المحكمة المدنية أن تأخذ هذا الحكم بعين الاعتبار، لكنها غير ملزمة به فهي لا تتقيد بما حكمت به من براءة المتهم مثلاً بل هي تكيّف الوقائع تكييفاً آخر لغرض الحكم بالتعويض، أما إذا حكمت المحكمة الجنائية ببراءة المتهم فلا يحق للقاضي المدني أن يحكم بالتعويض.

    • من حيث وقف الدعوى : تأمر المحكمة المدنية بوقف الدعوى المدنية ريثما يتم البت في الدعوى الجنائية.

    • من حيث التقادم : الدعوى المدنية لا تسقط بالتقادم ما دامت الدعوى الجنائية قائمة.

    رابعاً : التمييز بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية

    المسؤولية التزام ناشئ عن تصرفات، فإذا ما أخلّ أحد بالتزام يقع عليه ترتب على هذا الإخلال مسؤولية مدنية، فهي جزاء الإخلال بالتزام سابق يترتب عنه تعويض عن الضرر الناجم عن إخلال المسؤول بهذا الالتزام، فإذا كان مصدر هذا الالتزام هو الإرادة كانت المسؤولية المتولدة عنه عقدية، أما إذا كان مصدر هذا الالتزام هو القانون كانت المسؤولية المتولدة عنه مسؤولية تقصيرية.

    المسؤولية العقدية هي جزاء الإخلال بالالتزامات الناشئة عن العقد، أي عدم تنفيذها أو التأخير في تنفيذها، وهي لا تقوم إلا عند استحالة التنفيذ العيني، ولم يكن من الممكن إجبار المدين على الوفاء بالتزاماته العقدية عيناً، فيكون المدين مسؤولاً عن الأضرار التي يسببها للدائن من جراء ذلك، نتيجة عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عن العقد، كالتزام فنان بإقامة حفلة فيتخلف عن تنفيذ هذا الالتزام العقدي وتمر المناسبة، فيصبح تنفيذ الالتزام عينياً مستحيلاً، فهنا وجب العدول إلى التنفيذ بمقابل أو بطريق التعويض بدفع مبلغ من النقود، أو كمسؤولية المقاول عن التأخر في إقامة البناء الذي تعهد ببنائه عن الميعاد المتفق عليه، أو مسؤولية البائع عن عدم نقل ملكية المبيع إلى المشتري إذا كان يتصرف فيه بعد البيع.

    وحيث أن العقد شريعة المتعاقدين، فإن عدم الوفاء به يستوجب التعويض، وهذا ما عبّر عنه المشرع في الفصل 263 إذ يقول: «يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام، وإما بسبب التأخر في الوفاء، وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين».

    أما المسؤولية التقصيرية فهي التي تنشأ عن الإخلال بالواجبات التي يفرضها القانون، مثال ذلك ضرورة احترام حقوق الجوار، أو كمسؤولية سائق السيارة الذي يقودها دون حيطة فيصيب إنساناً أو يتلف مالاً للغير، أو كاشتراط القانون عدم الإضرار بالغير، فكل من تسبب في وقوع هذا الضرر يلزم بأداء التعويض للطرف المضرور. وقد قرر المشرع المغربي هذه القاعدة في الفصل 77 بقوله: «كل فعل ارتكبه الإنسان عن بيّنة واختيار، ومن غير أن يسمح به القانون فأحدث ضرراً مادياً أو معنوياً للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر».

    بعض الفقه يرى أنه لا تمييز بين المسؤوليتين، وهؤلاء هم أنصار نظرية وحدة المسؤولية، بينما يرى آخرون أن هناك اختلافاً بينهما وهم أنصار مذهب ازدواج المسؤولية.

    فكرة ازدواج المسؤولية

    يشكّل أنصار نظرية ازدواجية المسؤولية الاتجاه الحديث، وهم يقولون بأن هناك فروقاً هامة ما بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية، تقتضي وجوب التمييز بينهما حتى يُطبَّق على كل منهما ما يخصه من أحكام. ويجملون هذه الفروق في الوجوه التالية:

    وجه المقارنةالمسؤولية العقديةالمسؤولية التقصيرية
    الأهليةتُشترط أهلية الرشد في أغلب العقودتكفي أهلية التمييز (الفصل 96)
    الإثباتالمدين يثبت أنه قام بالتزامه بعد أن يثبت الدائن وجود الحقالدائن يثبت أن المدين ارتكب عملاً غير مشروع
    التقادم15 سنة مبدئياً مع استثناءات (كعقد النقل الجوي: سنتان؛ عقد النقل البحري: سنة)15 سنة (الفصل 106)
    الإعذاريُشترط اعذار المدين، ما عدا حالات استثنائيةلا يُشترط
    التعويضعن الضرر المباشر المتوقَّع فقطعن أي ضرر مباشر، متوقعاً كان أو غير متوقَّع
    التضامنلا تضامن إلا بإرادة صريحة (الفصل 164)التضامن ثابت بحكم القانون عند تعدد المسؤولين
    درجة الخطأتتوقف على طبيعة الالتزام (غاية أو وسيلة)تقوم دائماً، جسيماً كان الخطأ أو يسيراً
    الإعفاء الاتفاقييجوز الاتفاق على الإعفاء أو التخفيفلا يجوز، لتعلقها بالنظام العام
    الاختصاصمحكمة المدعى عليه، ما لم يُتفق على غيرهامحكمة المدعى عليه كأصل عام
    القانون الواجب التطبيققانون دولة إبرام العقدقانون دولة وقوع الضرر

    فكرة وحدة المسؤولية

    من أهم المناصرين لهذه النظرية الفقيه بلانيول، وهي تقوم على فكرة مفادها أن لا محل للتمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية، فكلاهما جزاء لالتزام سابق، هذا الجزاء إما أن يكون التزاماً عقدياً وإما أن يكون التزاماً قانونياً، وفي كلتا الحالتين تتحقق المسؤولية لسبب واحد هو إخلال المدين بهذا الالتزام، فالمسؤوليتان تتحدان في السبب والنتيجة، فتكون طبيعتهما واحدة ولا مجال للتفريق بينهما.

    وعلى الرغم من مناصرة فريق من الفقهاء لوحدة المسؤولية المدنية، إلا أن معظم التشريعات المعاصرة أخذت بازدواجية المسؤولية، فجعلت من المسؤولية التقصيرية مصدراً للالتزام، واعتبرت المسؤولية العقدية أثراً من آثار العقد الذي تم الإخلال به.

    📗 خلاصة الباب

    • ● المسؤولية المدنية (العمل غير المشروع) من أهم مصادر الالتزام وفق الفصل الأول من ق.ل.ع، وتنقسم إلى مسؤولية عقدية (جزاء الإخلال بالعقد) ومسؤولية تقصيرية (جزاء الإخلال بواجب قانوني عام بعدم الإضرار بالغير).
    • ● المسؤولية المدنية هي تحمّل الشخص عواقب التقصير الصادر عنه أو عمن يسأل عنهم من أشخاص وأشياء، والتزامه بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو بالتعويض.
    • ● تختلف المسؤولية المدنية عن الأخلاقية (التي لا تشترط ضررا فعليا) وعن الجنائية (التي تحمي المجتمع بالعقاب لا الفرد بالتعويض) من حيث الأساس والجزاء والتقادم والمدعي.
    • ● قد تجتمع المسؤوليتان المدنية والجنائية في فعل واحد فتتأثر إحداهما بالأخرى وفق قاعدة «الجنائي يعقل المدني»، ويتميز الفقه بين نظرية وحدة المسؤولية ونظرية ازدواج المسؤولية العقدية والتقصيرية.

  • أسس ومرتكزات الحياة الدولية

    📖 المدخل لدراسة العلاقات الدولية — الفصل 4 من 4 — فهرس الكتاب

    أولا: المرتكز القانوني

    تستند الدول في علاقاتها إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة سواء في حالة الحرب أو السلم. فطبيعة المجتمع الدولي هي التي تخلق التنظيم القانوني الدولي وتحكم الصراع بين الدول، كما أن ضرورة التعاون بين الدول تؤدي بها إلى قيام علاقات منظمة ومستقرة، فالقانون الدولي بمصادره المختلفة يشكل الإطار التنظيمي الذي من خلاله تسعى الدول إلى تنظيم العلاقات فيما بينها. لكن هناك تيار ينكر وجود قانون دولي، بينما التيار الثاني يقر بوجوده.

    إنكار وجود القانون الدولي

    إذا كان القانون الداخلي يطبق الإكراه من طرف السلطة العامة فإن القانون الدولي يتسم بالرضائية بين الدول، فالدول لها سيادة وتقدر مدى حقوقها ولا يمكنها أن تتقيد بأي قرار لا يحظى بموافقتها، وإلا كانت فاقدة للسيادة. لذلك فالقانون الدولي لا ينشأ إلا بموافقة الدول المخاطبة به. يفند أنصار هذه النظرية رأي خصومهم الذين ينكرون على القانون الدولي صفة القانونية، بالقول بأن المعايير مثل المشرع والقاضي والإجبار هي معايير فاسدة من حيث الأساس ولا تصلح للتمييز بين القواعد القانونية. كما أن المشرع في القانون الدولي موجود وهو الدول، سواء عن طريق الاتفاقيات الثنائية والمعاهدات الجماعية، فأما المحاكم فموجودة (مثال ذلك محكمة العدل الدولية في لاهاي، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)، أما عنصر الإجبار فموجود وتمارسه الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاق الهيئة. وقد اتفقت الأسرة الدولية على إعطاء بعض المبادئ القانونية الإلزامية صفة قواعد قانونية آمرة نظرا لأهميتها في صيانة الأمن والسلام، جاء في معاهدة فيينا 1969: «قاعدة آمرة قاعدة وسامية وافقت وأقرت بها الجماعة الدولية لمجموع الدول كقاعدة لا يجوز نقضها ولا تعديلها إلا بقاعدة قانونية جديدة من قواعد القانون الدولي العام لها نفس الصفة».

    مصادر القانون الدولي وآليات تنظيم الحياة الدولية

    تلجأ الدول إلى القانون الدولي في أربع حالات: عند وضع قاعدة قانونية جديدة، عند الحاجة إلى الكشف عن القاعدة القانونية الدولية التي سيطبقها القاضي الدولي، عند تحديد القانون الساري المفعول في وقت معين، وعند تعديل القاعدة القانونية لتساير وضعا دوليا جديدا. ومصادر القانون الدولي حسب المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية هي: الاتفاقيات الدولية العامة والخاصة، والعرف الدولي، والمبادئ العامة للقانون، واجتهادات المحاكم الدولية وآراء الفقهاء القانونيين، وقواعد الإنصاف والعدالة.

    دور المعاهدات في تنظيم العلاقات بين الدول

    تحتل المعاهدات صدارة مصادر القانون الدولي العام، إلى جانب العرف والمبادئ العامة للقانون. المعاهدة، كما يعرفها الأستاذ Colliard، هي اتفاق تثبت بموجبه دولتان أو أكثر قاعدة قانونية يتم فرضها نفسها في إطار العلاقات الدولية، ويتضح من التعريف أن عنصر الإجبار في المعاهدة يتم بناء على التراضي المسبق. تُميَّز المعاهدات عن الاتفاقيات والاتفاقات والمواثيق استنادا إلى معايير أبرزها: أن المعاهدات تطلق على العقود الدولية التي لها أهمية خاصة بالنسبة لأهدافها أو لمكانة الدول الواقعة عليها وغالبا ما تكون ذات صيغة سياسية، بينما الاتفاقيات فإنها تتضمن تعهدات ثانوية محدودة قد تخص مسائل اقتصادية أو تجارية أو غير ذلك من المجالات.

    من أنواع الاتفاقات الدولية: المعاهدة (اتفاق قانوني بين دولتين لتنظيم علاقتهما أو تحقيق هدنة وتصالح، أو حماية بعضهم ضد عدوان خارجي، أو معاهدة الدفاع المشترك)، والاتفاق (قد يكون سريا أو علنيا، لمدة محددة أو مفتوحة)، والميثاق (عمل ينشأ من خلاله منظمة دولية كبيرة، كميثاق الأمم المتحدة)، واتفاق توضيح قانوني، ووثيقة تعهد. ومن أسباب انتهاء المعاهدة الدولية: تنفيذها، انقضاء أجلها، اتفاق الأطراف المتعاقدة على إلغائها، الفسخ، ثبوت استحالة تنفيذ المعاهدة، زوال الشخصية القانونية لإحدى الدول المتعاقدة، والتغير الجوهري في الظروف.

    ثانيا: المرتكز الدبلوماسي

    من بين أهم الآليات التي تساعد الدول على التعامل والتفاهم فيما بينها هي الدبلوماسية، حيث تسخر الدول الدبلوماسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية بطريقة سلمية وعلمية تحافظ من خلالها على العلاقات الخارجية. مصطلح الدبلوماسية مشتق من الكلمة اليونانية «طوى» للدلالة على الوثائق المطوية والأوراق الرسمية الصادرة عن الملوك والأمراء، ثم تطور معناها لتشمل الوثائق التي تتضمن نصوص الاتفاقيات والمعاهدات. أما في معناها العام الحديث، فيمكن تعريفها بأنها مجموعة المفاهيم والقواعد والإجراءات والمراسم والمؤسسات والأعراف الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية والممثلين الدبلوماسيين، بهدف خدمة المصالح العليا للدول (الأمنية والاقتصادية والسياسية) وللتوفيق بين مصالح الدول بواسطة الاتصال والتبادل وإجراء المفاوضات السياسية وعقد الاتفاقيات.

    التمثيل الدبلوماسي والقنصلي

    هو مظهر من مظاهر السيادة، وعلى ذلك فللدول كامل الحق في إيفاد أو قبول المبعوثين الدبلوماسيين، ويمثل كل دولة أمام دولة غيرها من رئيسها، وينوب عنه في إدارة الشؤون الخارجية وزير الخارجية، ويساعده الدبلوماسيون والقناصل. يتكون تكوين البعثة الدبلوماسية من رئيس البعثة (المسؤول عن بعثته، يتولى تمثيل الدولة والإشراف على أعمال البعثة وأفرادها) وموظف البعثة وهم الأشخاص الذين تعينهم الدولة الموفدة لمعاونة رئيس البعثة في المهام الموكولة إليه. تشترط اتفاقية فيينا لعام 1961 والعرف الدولي أن يراعي الممثل الدبلوماسي عددا من الواجبات، أهمها: احترام قوانين وأنظمة الدولة المعتمد لديها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعدم إساءة استعمال الأماكن التي تشغلها البعثة، وحصر مرجعه مبدئيا بوزارة الخارجية، وعدم ممارسة أي نشاط غير ذلك المكلف به بصفة رسمية.

    الحصانة الدبلوماسية

    يتمتع الدبلوماسيون بامتيازات وحصانات متعددة أثناء خدمتهم خارج بلادهم، وتعود هذه الامتيازات لكونهم الممثلين المباشرين لقوى ذات سيادة. وهناك أربعة مزايا للحصانات الدبلوماسية: لا يجوز إلقاء القبض عليهم أو على أفراد عائلاتهم لأي سبب، ولا يجوز تفتيش أو احتجاز مساكنهم وأوراقهم وأمتعتهم، ولا يجوز فرض ضرائب على ممتلكاتهم الشخصية من قبل البلاد التي يخدمون فيها، ويتمتع الدبلوماسيون وعائلاتهم وموظفوهم بحرية العبادة الكاملة.

    الدبلوماسية العالمية الجديدة

    تختلف الدبلوماسية الجديدة عن الدبلوماسية التقليدية، فهي أكثر اتساعا وإيجابية وتنوعا وانطلاقا، فهي دبلوماسية سلام وليست دبلوماسية حرب. ويمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للدبلوماسية تتدرج من حيث القوة في الاستراتيجية العالمية: فهناك الدبلوماسية الخافضة، والدبلوماسية الجهورة، والدبلوماسية المتحفزة، ثم الاستراتيجية الهجومية.

    ثالثا: المرتكز الاستراتيجي والاقتصادي

    الاستراتيجية عند اليونان هي فن القيادة، وقد ارتبطت الكلمة تاريخيا بالحرب وقيادة الحرب، وهي نوع من التفكير لتحقيق غايات محددة عبر أكمل وجه، وتفادي المخاطر. الإستراتيجية أو علم التخطيط بصفة عامة هي مصطلح عسكري بالأساس وتعني الخطة التخطيطية للعمليات العسكرية قبل نشوب الحروب، وفي نفس الوقت فن إدارة تلك العمليات عقب نشوب الحروب. عرّفها روادُ المدرسة الغربية بتعريفات متعددة: ليتري (فن إعداد خطة الجيش وتوجيهه)، مولتكه (الأستراتيجية مجموعة الوسائل التي تستخدم لتحقيق الوصول لغرض محدد)، فون فالكنهايتز (فن التدابير الواسعة)، فوش (فن الإرادات)، ريمون آرون (فن قيادة وتوجيه مجمل العمليات العسكرية)، أندريه بوفر (فن استخدام القوة للوصول إلى أهداف السياسة). أما المدرسة الشرقية فتعرّفها بأنها نظام المعارف العلمية المتعلقة بقوانين الحرب كصراع مسلح من أجل تحقيق مصالح، وتبحث على أساس دراسة خبرة الحروب والمواقف السياسي والعسكري والإمكانيات الاقتصادية والمعنوية للبلاد ونوع وسائل الصراع الحديثة ووجهة نظر العدو في الحرب المقبلة.

    أنواع الاستراتيجية

    الاستراتيجية المباشرة: حيث تعتبر القوة العسكرية الأداة الرئيسة لتحقيق الأهداف الوطنية، ولا تُستثنى استخدام عناصر القوة الأخرى إلى جانب القوات العسكرية، فالعناصر السياسية والاقتصادية والثقافية تشكل أجزاء مكملة للقوة العسكرية. تتحقق هذه الاستراتيجية بأحد الصور: إما إستراتيجية مباشرة تستهدف الحصول على النصر العسكري نتيجة الاشتباك مع قوات العدو الرئيسة (كما طبق الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية)، أو إستراتيجية مباشرة تستهدف الحصول على النصر العسكري ليس عن طريق الالتحام المباشر ولكن بعمل يؤدي إلى إخلال بتوازن العدو (كما طبقتها ألمانيا)، أو إستراتيجية مباشرة تبحث في تحقيق الهدف عن طريق التهديد باستخدام القوة (كما استخدمتها الولايات المتحدة في أزمة الصواريخ بكوبا). أما الاستراتيجية غير المباشرة، فتبحث في تحقيق الأهداف بوسائل غير عسكرية بالدرجة الأولى وبإنهاك العسكري بالدرجة الثانية، أي بمعنى أنها تبحث عن الحسم عن طريق استخدام الوسائل النفسية كالدعاية والإشاعة وتسميم السياسة والاقتصاد والضغط الدولي والتفتيت الداخلي وغيرها، وتستهدف كذلك تدمير معنويات العدو والحفاظ على معنويات الأصدقاء، وتخضع لثلاثة مراحل: الحفاظ على الأمل وخلق ثقة بالنصر مهما طال الصراع، وتثبيط همّ العدو حتى يتحقق الحسم النفسي، وردع العدو ومنعه من استخدام وسائل العسكرية المتفوقة.

    الاستراتيجية المعاصرة

    تعتمد الاستراتيجية المعاصرة على اختيار الأسلوب المناسب والممكن والملائم لحالة معينة، فلم يعد الخيار العسكري هو المطروح دائما بل هناك وسائل أخرى كاستخدام القدرات الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعنوية. ومن الاستراتيجيات الأمريكية المعاصرة: استراتيجية الاحتواء (أبرز تجلياتها منع الاتحاد السوفياتي من التوسع خارج المعسكر الغربي والعالمي، لذلك أنشأت الولايات المتحدة العديد من التحالفات الدولية العسكرية أبرزها حلف شمال الأطلسي)، واستراتيجية الردع (أي الردع النووي المدمر من أجل منع الخصم من الهجوم على الولايات المتحدة)، والاستراتيجية الوقائية (تتجلى في الحروب الاستباقية التي خاضتها الولايات المتحدة ضد المجموعات الإرهابية والدول المارقة التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل).

    المرتكز الاقتصادي

    العوامل الاقتصادية تلعب دورا حاسما في قوة الدول أو ضعفها، بل إنه يلعب دورا مهما في خلق النزاعات، فالنقص في الموارد الاقتصادية يمكن أن يسبب حربا ويمكن أن يساهم في خلق التعاون. ومن مظاهر الصراع حول الثروات الاقتصادية عبر التاريخ: التسابق الاستعماري الذي سببه الثورة الصناعية والحاجة إلى المواد الأولية والأسواق، والحرب العالمية الأولى التي كان سببها الخلاف الفرنسي الألماني حول منطقة الألزاس واللورين، والحرب العالمية الثانية التي كان من أسبابها النزعة التوسعية لدى إيطاليا وألمانيا، والعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 التي كانت غايته السيطرة على قناة السويس، والنزاعات حول الحدود اقتصاديا، والنزاعات حول المناطق البحرية بسبب مواردها. ويمكن اعتبار العامل الاقتصادي صلة الوصل بين الدول وسببا من الأسباب التي تدفعها للتعاون فيما بينها، وهذا هو الاتجاه الذي سار فيه العالم بعد الحرب الباردة؛ فالاقتصاد يمثل عامل وحدة وتجمع بين الدول، فالدول الصغرى مرغمة على أن تتجمع وتتوحد اقتصاديا مع بعضها لمواجهة الاقتصاديات الكبرى، والدول الغنية لا تتوقف عن التدخل اقتصاديا في الدول الصغرى، لذلك تطالب الدول النامية بإيجاد نظام اقتصادي دولي عادل يقوم على التعاون وليس الاستغلال.

    📗 خلاصة الباب

    • المرتكز القانوني: القانون الدولي موجود فعلا رغم إنكار البعض له، وتلجأ الدول إليه في أربع حالات، ومصادره وفق المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية خمسة، والمعاهدات في صدارتها.
    • المرتكز الدبلوماسي: الدبلوماسية أداة تحقيق الأهداف الاستراتيجية سلميا، عبر بعثات دبلوماسية منظمة بواجبات وحصانات محددة اتفاقية فيينا 1961.
    • المرتكز الاستراتيجي: تعددت تعريفاته بين المدرستين الغربية والشرقية، وتنقسم الاستراتيجية إلى مباشرة (عسكرية) وغير مباشرة (نفسية واقتصادية)، وتشمل المعاصرة الاحتواء والردع والوقاية.
    • المرتكز الاقتصادي: العامل الاقتصادي محرك تاريخي رئيسي للصراعات الدولية، لكنه اليوم أيضا صلة وصل وتعاون بين الدول ضمن نظام اقتصادي دولي يُطالَب بأن يكون أكثر عدلا.

  • الملامح الرئيسية للمجتمع الدولي المعاصر

    📖 المدخل لدراسة العلاقات الدولية — الفصل 3 من 4 — فهرس الكتاب

    أولا: طبيعة المجتمع الدولي بين المثالية والواقعية

    تتميز الحقيقة أن المجتمع الدولي بمجموعة من الخصائص الوطنية، وتتغير مراكز القوة فيه، ونجد هنا مدرستين متضادتين في تحديد طبيعة المجتمع الدولي: المدرسة المثالية والمدرسة الواقعية.

    المدرسة المثالية

    ينطلق أصحاب المنهج المثالي في دراسة العلاقات الدولية من مقدمات عقائدية وميتافيزيقية وأخلاقية للانتهاء بالتحليل الفلسفي، وهذه المدرسة قديمة، فمنذ فجر العصور الحديثة والفلاسفة المثاليون يتناولون هذه العلاقات في ضوء القيم المثالية ويعتبرون الضمير الإنساني هو الحكم الأعلى في ضبط العلاقات. لكن المثالية لم تتبلور كمدرسة إلا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث وقف المثاليون موقف الرفض من مجموعة المبادئ السائدة في العلاقات الدولية خلال الحرب، مثل مبدأ توازن القوى ومبدأ استخدام القوة، وطرحوا مبادئ مقابلة تتمثل في الحقوق والالتزامات القانونية الدولية. كتب كوندوركت أساسيات المثالية للعلاقات الدولية عام 1795 فقال: الأساس الفلسفي (جذورها تعود إلى الفلسفة القديمة الساعية إلى إقامة الحياة الفاضلة)، والرأي العام والحكومة العالمية (دور ضمير الإنسان والضمير العالمي)، والمدافعون عن القانون الدولي (دور القانون الدولي في ضبط الاتصال بين الدول). ومن أهم الانتقادات الموجهة إليها: أنها لا تظهر إلا في حالة وجود المبادئ الأخلاقية في الدول، وأن إنزالها إلى الواقع لا بد من القضاء على النظام الشمولي واستبدالها بالنظم الديمقراطية.

    المدرسة الواقعية

    أدت الحرب العالمية الثانية إلى إفلاس المدرسة المثالية وظهور المدرسة الواقعية التي تتبنى مفهوم الفوضى، فهي تقول بأن المجتمع الدولي المعاصر يتسم بالفوضى، حيث يعتمد على القوة، وتتغير مراكز القوة وتحضر سياسة توازن القوى، فهناك صراع دائم سرمدي بين الأمم. يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن تناوب حالة السلم والحرب هي من أهم صفات المجتمع الدولي وليس القانون الدولي أو الضمير الدولي أي أهمية. ومن مبادئ النظرية الواقعية: إعطاء الحقائق معاني من خلال معرفة الأسباب، والتركيز على مفهوم المصلحة الوطنية، وإعطاء أهمية كبرى للمناخ السياسي في تحديد القرار السياسي، وأن كل صناع القرار يركضون خلف مصالحهم الوطنية. ومن أهم الانتقادات الموجهة إليها: أنها تعاني الغموض والتضارب لأنه لا يوجد تعريف عالمي لنظرية القوة، وأنها تفترض خطأ أن القوة هي أهم هدف تبحث عنه الدول والعامل الوحيد المؤثر.

    ثانيا: تغير مراكز القوة وبنية المجتمع الدولي

    النظام الدولي هو الأساس القانوني الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، خاصة العلاقات بين الدول الكبرى التي تصنع تلك العلاقات وفقا لمصالحها. ويمكن التمييز بين ثلاثة نماذج للمجتمع الدولي حسب مراكز القوة فيه:

    نظام التعددية القطبية

    يقوم هذا النظام على توازن القوى (الأقطاب)، حيث لا توجد فيه قوة سياسية واحدة تقوم بوظيفة القيادة داخل النظام الدولي، وتتم العلاقات بين القوى في الغالب على أنها علاقات صراع وتنافس في غياب القوة القائدة، بحيث تتحالف القوى المتنافسة لمنع أي طرف من الهيمنة على النظام العالمي.

    نظام القطبية الثنائية

    يقوم هذا النظام على وجود قطبين سياسيين تلعبان دور القيادة في النظام الدولي، لأنهما تمثلان القوة الأعظم في هذا النظام؛ وقد ميّز هذا النظام في القرن العشرين معاداة الحرب الشاملة (ظهرت في هذا الإطار عصبة الأمم ثم منظمة الأمم المتحدة للقيام بدور عالمي في تحقيق السلام والحد من الاحتقانات)، وولادة العالم الثالث من قبيل دول عدم الانحياز للخروج عن حالة الاستقطاب.

    النظام الدولي أحادي القطبية

    يقوم هذا النظام على سيطرة قوة سياسية واحدة على كافة تفاعلات النظام الدولي، بمعنى احتكار طرف واحد للقوة السياسية في العالم، حيث يملك هذا الطرف نفوذا سياسيا واقتصاديا وعسكريا هائلا. ومن أهم خصائصه: تقسيم العالم إلى شمال غني وجنوب فقير، وسيطرة المؤسسة الأمنية الكبرى في العالم، وبروز النزعة العسكرية ضد الدول التي ما زالت تدور في فلك الثنائية القطبية، والاستفراد بزعامة العالم وجعل بقية مكونات المنظومة العالمية على الهامش.

    بنية المجتمع الدولي: تعدد أطراف اللعبة الدولية

    تتعدد الأطراف المشاركة في الحياة الدولية، فبجانب الدول كفاعل رئيسي، هناك المنظمات الدولية. فالدول هي أهم مقومات المجتمع الدولي المعاصر وتشكل السيادة أهم مرتكز تقوم عليه الدول، وبذلك تعتبر متساوية من الناحية القانونية وإن كانت تختلف في الواقع من حيث قوتها وعدد سكانها لذلك تبقى الدول القوة المحركة للنظام الدولي المعاصر وأهم مؤثر فيه. وإلى جانب الدول، نجد المنظمات الدولية التي أصبح تأثيرها قويا يفوق تأثير كثير من الدول، وقد وصل الأمر إلى أن بعض المنظمات الدولية أصبحت ذات تأثير في تنظيم شؤون المجتمع الدولي والمساهمة في تكريس التعاون الدولي.

    ثالثا: متغيرات الحياة الدولية

    شهد العالم منذ التسعينات أحداثا كبرى وتحولات أثرت وكيفا على الساحة الدولية، تميزت هذه التحولات بخصائص منها تغير بنية النظام العالمي ثم عولمة الأيديولوجيا الليبرالية بعد انتصارها على الأيديولوجيا الاشتراكية، ثم هيمنة الولايات المتحدة.

    أهم التحولات

    • انهيار النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، من ذلك انتهاء الحرب الباردة وسباق التسلح بين حلف وارسو والحلف الأطلسي، وبذلك انتهت الحروب التي كانت تخوضها دول العالم الثالث بالوكالة عن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثم تضاؤل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة لحساب مجلس الأمن الذي تقوى دوره نسبيا بقدر قوة الدول الدائمين على أعضائه.
    • دخول حركة دول عدم الانحياز في حالة انعدام توازن، وأصبحت تعاني من أزمة وجود وتفكك.
    • انطفاء بعض البؤر المشتعلة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.
    • تقسيم العديد من الوحدات السياسية إلى وحدات أصغر كالاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا، هذا التفكك تزامن مع إقامة وحدات اقتصادية كبرى في أوروبا وأمريكا وآسيا.
    • ظهور قوى عالمية منافسة للولايات المتحدة لكنها غير معادية لها، كالاتحاد الأوروبي واليابان والصين وألمانيا وروسيا.
    • انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم.
    • زيادة الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية بين دول الشمال ودول الجنوب.
    • تميز التدبير الأمريكي للعالم بالازدواجية، عوض المعاملة بالمثل.

    أبرز التطورات

    من أبرز التطورات: تغير وضع الدولة كشخص من أشخاص القانون العام الدولي (حيث لم تعد وحدها مخاطبة بهذا القانون ولم تعد وحدها الفاعل في منظومة العلاقات الدولية، بل ظهرت أشكال قانونية جديدة كالمنظمات غير الحكومية وجماعات الضغط الدولية والهيئات والمؤسسات والشركات الدولية متعددة الجنسيات، كل هذا أصبح يطلق عليه اسم «المجتمع المدني الدولي»)، وبروز مفهوم العالمية أو الكونية، وبروز مشكلات دولية جديدة كالتلوث البيئي ونقص المياه واللاجئين والإرهاب والعنف السياسي، وتغير مجموعة من المعطيات السياسية كالثنائية القطبية والحرب الباردة والاستعمار وعدم الانحياز، وإعادة النظر في مفهوم السيادة نتيجة لضرورات الحياة الدولية المعاصرة، والعولمة.

    العولمة

    العولمة بمعنى السير نحو تأسيس هيئات مجتمع مدني دولي وزيادة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري، يحمل الكثير من سمات العولمة. جملة من التغيرات التي ينبغي أن تسود العالم دون عوائق ولا اعتبار للحدود فيها للاعتبار القومية. ومن عناصر عملية العولمة: يتمثل صلب العولمة باتجاه تحرير الاقتصاديات العالمية على نمط السوق الحر، ولتحقيق تحرير الاقتصاديات العالمية تصبح الليبرالية السياسية مطلبا ضروريا، وتسعى العولمة إلى إزاحة الحواجز الجغرافية في العلاقات الدولية، وتجسد العولمة تفوق النمط الأمريكي باعتباره النموذج الذي يتعين على العالم الاحتذاء به.

    📗 خلاصة الباب

    • المدرسة المثالية (بعد الحرب الأولى) تراهن على القانون الدولي والضمير الإنساني، بينما المدرسة الواقعية (بعد الحرب الثانية) تعتبر الفوضى وتوازن القوى جوهر المجتمع الدولي.
    • ثلاثة نماذج لتوزيع القوة الدولية: التعددية القطبية (توازن قوى)، القطبية الثنائية (قطبان)، وأحادية القطبية (هيمنة طرف واحد).
    • بنية المجتمع الدولي تتعدد بين الدول (الفاعل السيادي المحوري) والمنظمات الدولية المتزايدة التأثير، ضمن آلية الأمن الجماعي التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة.
    • متغيرات ما بعد التسعينات: انهيار النظام الثنائي القطبية، عودة اللاتوازن لعدم الانحياز، تفكك دول وقيام تكتلات اقتصادية، وبروز العولمة كسمة محورية لتحرير الاقتصاد وإزاحة الحدود.

  • مدخل لدراسة العلاقات الدولية

    📖 المدخل لدراسة العلاقات الدولية — الفصل 2 من 4 — فهرس الكتاب

    أولا: مفهوم العلاقات الدولية وتعريفها

    مع أن العلاقات الدولية قائمة منذ أبد العصور، إلا أنها لم تتبلور كعلم في العلوم الاجتماعية إلا حديثا؛ فقد أقبلت عليها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الأولى، وعهدت بتدريسها في جامعاتها بعد تخليها عن عزلتها الدولية وتوجهها نحو الاهتمام بالشؤون الدولية، مما حتم عليها معرفة كيفية التعامل مع الغير. من ذلك درست الأسس التي تقوم عليها العلاقات الدولية تحت أسماء مختلفة، كالشؤون الدولية أو السياسة الخارجية أو المنظمات الدولية وغيرها، غير أن تدريس هذه المادة من قبل أساتذة غير متخصصين أدى إلى التشعب في مضمونها.

    تُعرَّف العلاقات الدولية بأنها مجموع العلاقات الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية والقانونية والدبلوماسية ما بين الدول، أو ما بين الدول والمنظمات الدولية والقوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية الموجودة على الساحة الدولية؛ أي مجموع العلاقات ما بين الشعوب بالمعنى العريض لهذه الكلمة. إن دول العالم لا يمكنها أن تعيش في عزلة عن بعضها البعض، وكل دولة لا بد أن تكون لها حركة فاعلة في المجتمع الدولي، وهذه الحركة إما أن تكون في اتجاه السلم وإما أن تكون في اتجاه الحرب. ومن هنا نستطيع أن نقول إن العلاقات الدولية هي مجموع السلوكات والتصرفات المتبادلة بين دولة وغيرها من الدول والجماعات وفقا لأحكام القانون والأعراف.

    السياسة الدولية

    السياسة الدولية هي نشاط وتفاعل الدول في المضمار الدولي، والعلاقات الدولية هي نظام الروابط الواقعية بين دول العالم كنتيجة لنشاطاتها؛ فالسياسة الدولية تعتبر عنصرا فعالا لتشكيل وتفعيل العلاقات الدولية. هذه العلاقات تتبدل باستمرار تحت تأثير السياسة الدولية وتؤثر في الوقت نفسه على ضغط السياسة ونمطها وصفاتها.

    ثانيا: مادة العلاقات الدولية وأسباب دراستها

    هل العلاقات الدولية جزء من العلوم السياسية أم أنها علم مستقل؟ العلاقات الدولية نواتها التفاعل السياسي، هذا يعني أنها جزء من علم السياسة، بشرط أن يكون المقصود بكلمة السياسة هو السياسة الدولية؛ فمادة علم السياسة تختص بالسياسة الداخلية فقط، بينما العلاقات الدولية تختص بالسياسة الخارجية، لكن يوجد تداخل كبير بين السياسة الداخلية والخارجية. ومن وجهة منظمة اليونسكو، فإن مادة العلاقات الدولية تشمل خمس مواد فرعية متصلة فيما بينها اتصالا وثيقا: السياسة الدولية (تتناول السياسة الخارجية للدول)، والتنظيم الدولي (دراسة أهم المنظمات الدولية)، والقانون الدولي (القواعد القانونية التي تنظم علاقة الدول ببعضها)، والسياسة الخارجية، والأمن الوطني.

    أسباب دراسة العلاقات الدولية

    • تمثل العلاقات الدولية جزءا من جهد الإنسان في سبيل فهم ذاته.
    • تستطيع دراسة العلاقات الدولية أن تقدم حلولا ناجعة لمشاكل السياسات الخارجية.
    • العلاقات الدولية تلعب دورا تعليميا في استيعاب المفاهيم والفرضيات.
    • العلاقات الدولية تمكن أي طالب من تحليل وتطوير الآراء السياسية.

    العلاقات الدولية والتاريخ الدبلوماسي

    التاريخ الدبلوماسي يرتكز على عرض تطور الحوادث والمفاوضات، بينما تتناول العلاقات الدولية أسباب تلك الحوادث وتدرس العوامل المؤثرة في صنعها. والتاريخ الدبلوماسي ينحصر مهمته في تسجيل الحوادث في الزمان، بينما تهتم العلاقات الدولية بالتكهن بالمستقبل من خلال معرفة الماضي والحاضر. وعموما فالتاريخ الدبلوماسي يساعد مادة العلاقات الدولية ويكون ضروريا لما يقدمه لها من معلومات، فالتاريخ الدبلوماسي يُعرِّف حوادث الواقع، والعلاقات الدولية تفسر تلك الحوادث.

    📗 خلاصة الباب

    • العلاقات الدولية هي مجموع العلاقات الاقتصادية والسياسية والقانونية والدبلوماسية بين الدول والفاعلين الدوليين، وتتميز عن السياسة الدولية التي هي نشاط الدول وتفاعلها.
    • تشمل مادة العلاقات الدولية وفق تصنيف اليونسكو خمسة فروع متصلة: السياسة الدولية، التنظيم الدولي، القانون الدولي، السياسة الخارجية، والأمن الوطني.
    • التاريخ الدبلوماسي يعرّف الحوادث ويسجلها زمنيا، بينما تفسرها العلاقات الدولية وتحلل عواملها وتتنبأ بمآلاتها.

  • الفصل الثالث : الحكم الشرعي

    📖 المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية — الفصل 4 من 4 — فهرس الكتاب

    مدخل

    • الشريعة الاسلامية بمعناها الخاص هي الأحكام الشرعية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل سواء كان قرآن أو سنة أو ما أجمعت عليه الأمة ، إضافة إلى تلك التي استنبطت من مصدر الأحكام الشرعية ، ومعرفة الحكم الشرعي هو ثمرة الفقه والأصول والغاية من نزول الرائع هو تطبيق أحكامها .

    المبحث الأول : الحكم الشرعي

    • أولا : الحاكم ، لا خلاف أن الله سبحانه هو الحاكم بين عباده وطاعته واجبة ويثابون عليها أو يعاقبون على تركها .

    • ثانيا : تعريف الحكم الشرعي ، لغة هو الحكم القضائي يقال حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه ، واصطلاحا هو خطاب الله سبحانه المتعلق بأفعال المكلفين به اقتضاء أو تخييرا أو وضعا .

    • شرح التعريف ، خطاب الله ، توجيه الكلام المفهم إلى الغير بحيث يسمعه ليستفيد منه ، سواء كان قرأن أو سنة أو إجماع أو غيره من المصادر بالبنسبة للسنة ، لا ينطق عن الهوى ، وبالنسبة للقياس أو الإجماع فلا بد فيه من دليل من القرآن أو السنة ، وإذا كان الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى فإن غيره لا يكون حكما شرعيا لأنه : إن الحكم إلا لله ، وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله .

    • المتعلق بأفعال المكلفين : يقصد به تعلق الخطاب بأفعال المكلفين مثلا بإقامة الصلاة

    • الأفعال : هي ما تعلق بالقلب أو اللسان أو الجوارح

    • المكلفين : البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة ولا يحول بين قيامه بالفعل حائل

    • اقتضاء : معناه الطلب

    • التخيير : التسوية بين فعل الشيء أو تركه دون ترجيح لأحد الجانبين

    • وضعا : جعل الشيء سببا لشيء أو شرطا له ، صوموا لرؤيته .

    المبحث الثاني : اقسام الحكم

    • المطلب الأول : الحكم التكليفي

    • تعريفه ، هو ما يقتضي فعل الفعل أو تركه أو التخيير بين الفعل والترك ، خذ من أموالهم طلب فعل الفعل ، ذروا البيع ، ترك الفعل ، حللتم فاصطادوا ، هنا ترك الخيار يعني اصطاد أو لا تصطاد ،

    • المطلب الثاني : الحكم الوضعي

    • تعريفه ، هو ما اقتضى وضع شيء سببا لشيء أو شرطا له أو مانعا له ، فالسرقة سبب لقطع اليد ، حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، الاستطاعة شرط للحج .

    • الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي

    • المقصود من الحكم التكليفي هو طلب من المكلف فعل شيء أو الإنتهاء عنه أو تخييره بين فعله أو تركه ، أما الحكم الوضعي فليس مقصودا به التكليف أو التخيير بل المقصود منه ارتباط أمر بآخر على وجه السببية أو الشرطية أو المانعية .

    • الحكم التكليفي شرطه أن يكون قادرا عليه ، أما الحكم الوضعي فإما أن يكون سببا لشيء أو مانعا أو شرطا وقد يكون مقدورا عليه أو غير مقدور عليه .

    المبحث الثالث : أنواع الحكم

    المطلب الأول : أنواع الحكم التكليفي

    ينقسم إلى خمسة أقسام : الايجاب ، الندب ، التحريم ، الكراهة ، الاباحة

    الواجب : شرعا هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا جازما بأن اقترن طلبه بحتمية فعله كالحج والصلاة والايفاء بالعقود لأنها كلها واجبات طلبها الشارع على وجه الحتم واللزوم .

    اقسامه :

    من حيث تعيين المطلوب فيه وعدم تعيينه

    الواجب المعين : وهوما طلبه الشارع كالصلاة والصوم ولا تبرئ ذمة المكلف إلا بآدائه

    الواجب المخير : هو ما طلبه الشارع واحدا من عدة اختيارات ، مثال فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة .

    التقسيم الثاني : من حيث وقت الأداء

    الواجب المطلق : وهو ما طلبه الشارع فعله حتما من غير تعيين وقت محدد كالكفارة .

    الواجب المؤقت : هو ما قيده الشارع بزمن معين ، بحيث لا يجوز الآداء قبله ويأثم المتراخي عنه كالصلاة وصوم رمضان ، فإذا فعله المكلف في وقته كاملا مستوفيا أركانه وشروطه سمي فعله أداء وإذا فعله لاحقا سمي إعادة وقد يسمى تعجيلا كمن فعله قبل حلول وقته كإخراج زكاة الفطر وينقسم الواجب المؤقت كذلك إلى ثلاثة : مضيق ، موسع ، ذي شبهين

    الواجب المضيق : هو الواجب الذي لا يسع وقت أكثر من فعله فلا يسع فعلا آخر من جنسه فمثلا صيام رمضان إذا لم يعين نيته انصرفت نيته للصيام المفروض وإذا عينها تطوعا لم تجز لأن الشهر لا يتسع للتطوع .

    الواجب الموسع : هو ما يكون الوقت المحدد يسعه ويسع غيره ، كالصلوات المفروضة حيث تتسع للصلاة المفروضة والنوافل .

    الواجب ذو الشبهين : هو من الجهتين مضيق وموسع ، كالحج فوقته محدد ولا يمكن أداء سوى مرة واحدة في السنة لكنه موسع من ناحية المناسك من طواف ورمي .

    التقسيم الثالث : من حيث تعيين من يجب عليه

    واجب عيني : هو الذي يوجه إلى كل واحد بعينه ، بحيث إذا تركه أثم وإذا قام به أجر

    الواجب الكفائي : هو ما طلب من مجموعة من المكلفين بحيث إذا قام به البعض سقط عن الكل

    التقسيم الرابع من حيث التقدير

    الواجب المحدد : هو ما عين الشرع منه مقدارا محددا بحيث لا تبرأ ذمة المكلف غلا بأدائه كالصلاة والزكاة والديون المالية .

    الواجب الغير المحدد : هو الذي لم يحدد الشارع مقدارا له كالإنفاق في سبيل الله وإطعام الجائع

    ثانيا : المندوب

    تعريفه ، هو ما طلب الشارع فعله طلبا غير لازم .

    مراتب المندوب :

    المندوب المؤكد فعله أو المطلوب فعله : ويمسى سنة مؤكدة ، أو سنة راتبة ، وهو لا يستحق تاركه العقاب ولكنه يؤجر عليها وهي ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وتعتبر شرعا مكملا للواجب مثل رغيبة الفجر والوتر النبوي والأذان .

    المندوب فعله غير المؤكد عليه : وهو الذي لم يواظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وتركه تارة وفعله تارة كالتطوع بالصدقات وصيام الاثنين والخميس ويسمى المستحب والنافلة

    المندوب الزائد : ويعد من الكماليات كالأكل والشرب وتسمى السنن الزائدة كالأدب والفضيلة

    ثالثا : المحرم

    تعريفه ، الممنوع فعله ، وهو ما نهى عنه الشرع نهيا جازما وهو ضد الواجب .

    حرمت عليكم الميتة والدم ، ولا تنكحوا ما نكح أباءكم من النساء

    اقسام الحرام محرم لذاته ، محرم لغيره

    محرم لذاته : محرم لما فيه من الضرر والمفسدة كأكل الميتة والزنا والسرقة

    محرم لغيره : ليس لذاته ولكنه يؤدي إلى حرام إذا اقترن به أمر عارض ، كالخلوة بامرأة أجنبية ، والربا .

    ويختلف الاثنان في أن المحرم لذاته إذا كان محل عقد كان الاعقد باطلا ولا يصح شرعا ولا تترتب عليه أحكام شرعية ، والمحرم لذاته لا يباح إلا لضرورة كأكل الميتة لأن سببه ذاتي أما لغيره فيباح لحاجة كرؤية عورة مرأة من أجل علاجها .

    رابعا : المكروه

    تعريفه ، لغة البغيض إلى النفوس ، اصطلاحا هو ما طلب الشرع الكف عنه طلبا غير ملزم

    ولا يذم فاعله ولا يعاقب وإن كان الأولى تركه ويثاب إذا قصد التقرب لله .

    خامسا : المباح

    تعريفه ، ما خير الشارع بين فعله أو تركه من غير مدح أو ذم .

    سادسا : الرخصة والعزيمة

    العزيمة : لغة ، ما عزمت عليه وقصدته قصدا مؤكدا وعزائم الله فرائضه التي أوجبها ، واصطلاحا ما شرعه الله من الأحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي التخفيف .

    الرخصة : لغة هي التيسير والتسهيل ، واصطلاحا ما شرع من الأحكام لعذر شاق من أصل عام يقتضي العدول عنه إلى حكم آخر مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه ، وعليه فإذا كانت العزيمة حكما عاما هو الحكم الأصلي ويشمل الناس جميعا والكل مطالب به فإن الرخصة ليست هي ا لحكم الأصلي بل هي حكم جاء مانعا من استمرار الالزام والحتم .

    أسباب الرخصة

    الضرورة : كمن يخاف على نفسه من الموت فحفظ النفس أولى من أكل الميتة .

    دفع الحرج والمشقة : كإفطار رمضان

    أقسام الرخصة : رخصة الفعل : أن يكون ثمة نهي محرم وهو الحكم الأصلي ثم تطرا ضرورة تسوغ فعل ما نهى الله عنه ، وتنقسم رخصة الفعل إلى 4 اقسام .

    • أن يكون الفعل واجبا : كأكل الميتة للمضطر فإنه واجب عليه أكلها ليدفع عنه الموت

    • أن يكون الفعل مندوبا : كقصر الصلاة للمسافر

    • أن يكون الفعل مباحا : كالجمع بين الظهر والعصر لمسافر

    • الانتقال من التحريم إلى خلاف الأولى : كالفطر للمسافر لاذي لا يتضرر بالسفر كالطائرة فإنه الأولى الصوم لقوله وأن تصوموا خير لكم

    أو كالنطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان

    رخصة الترك : إذا كانت العزيمة توجب فعلا فإن الرخصة هي رخصة ترك ، وهي كثيرة ، منها رخصة الأمر بالمعروف كأن يكون الحاكم ظالما يقتل كل من يأمر بالمعروف فإنه له رخصة السكوت ، وأما إذا قال كلمة الحق في وجه سلطان جائر وأخذ بالعزيمة عوض الرخصة فهو مع سيد الشهداء حمزة ، وحكم الرخصة لا تبيح المأمور به ولا تحل الفعل المنهي بل هي مانعة من وقوع العقاب على الفاعل أو التارك لأن حكم العزيمة ثابت .

    المطلب الثاني : أنواع الحكم الوضعي

    الحكم الوضعي هو خطاب الله تعالى متعلق بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا منه ويمكن إلحاق الصحة والفساد بالحكم الوضعي لأنه وضع شرعي يرجع أساسا إلى خطاب الشارع بالحكم بصحة الشيء وترتب أثر عليه ، ويمكن تقسيم الحكم الوضعي إلى 4 أقسام :

    السبب : لغة كل شيء يتوصل به إلى غيره ، وأتيناه من كل شيء سببا ، واصطلاحا عرفه الاصوليون بأنه وصف الظاهر المنضبط على دليل شرعي على كونه علامة لحكم شرعي وهو أعم من العلة فكل علة سبب وليس كل سبب علة .

    أمثلة السبب : المرض سبب للإفطار ، الزواج سبب للتوارث ، القتل العمد موجب للقصاص

    أقسام السبب : ينقسم على حسب ذاته ومن حيث ما يترتب عنه أو يكون سببا لحكم تكليفي أو سببا لملك .

    غير مناسب للحكم : هو الذي لا تظهر للعقل فيه المصلحة المترتبة على شرع الحكم عنده كدلك الشمس وهو سبب لوجوب الصلاة ، كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ، فعقولنا لا تدرك مناسبة ظاهرة بين السبب والحكم وكشهود رمضان سبب لوجوب الصيام لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه فالعقل المجرد لا يستطيع إدراك المصلحة المترتبة على جعل الدلوك سببا لوجوب الصلاة وهود شهر رمضان إلا أن عدم الادراك لا يعني أن الحكم غير واجب لأن العقول غير قادرة على إدراك كل الحقائق والاسرار .

    سبب مناسب للحكم : قد يكون السبب مناسبا للحكم مثل السفر سبب لجواز الافطار

    سبب لحكم تكليفي : كملك النصاب لوجوب الزكاة والسرقة سبب لقطع يد السارق

    سبب لإثبات الملك : كالبيع سبب لملك المشتري .

    الفرق بين السبب والعلة : كل علة سبب وليس كل سبب علة ، العلة أعم من السبب ، فإذا أدرك العقل وجه المناسبة بين الحكم والسبب كان علة وسببا أما إذا كان العقل لا يدرك المناسبة بين الحكم وسببه فذاك هو السبب .

    الشرط : لغة هو العلامة ، علامة للمشروط ، اصطلاحا هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ، وهو ما يتوقف عليه وجود الحكم من غير اقتضاء اليه

    فالشرط يكون خارجا عن ماهية المشروط وحقيقته أي ليس جزءا منه ، والسبب لازم للحكم ، والحكم لا يلزم السبب ، فالوضوء شرط للصلاة ، وقد لا يصلي المتوضئ ،

    اقسام الشرط : ينقسم من حيث أنه مكمل للحكم أو سببه

    الشرط المكمل للحكم : اشتراط مرور الحول على ملك النصاب في وجوب الزكاة

    الشرط المكمل لسبب الحكم : كالاحصان شرط لسببية الزنا لوجوب الرجم .

    التقسيم الثاني من حيث مصدره شرط شرعي أو شرط جعلي

    الشرط الشرعي : هو الذي جعله الشرع شرطا معتبرا كاشتراط الشاهدين في صحة الزواج

    الشرط الجعلي : هو الشرط قد يكون مصدره المكلف باختياره كاشتراط المرأة في الزواج أن لا يخرجها من بلدها .

    الشرط والركن : الشرط يتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجا عن حقيقته فالركوع ركن في الصلاة لأنه جزء من حقيقتها والطهارة شرط في الصلاة لأنها أمر خارج عن حقيقتها .

    المانع : لغة ما يمنع من حصول الشيء ، اصطلاحا هو السبب المقتضى لعلة تنافي حكمة الحكم أو هو شيء يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته ، وهو ما يلزم من وجوده عدم الحكم أو بطلان السبب ، ويقسم الى مانع الحكم ومانع السبب .

    مانع الحكم : من ذلك مثلا القتل العمد سبب لقصاص لكن الابوة مانعة من اقامة الحد على الاب وكون الشبهة مانعة من اقامة الحد لقوله امنعوا الحدود بالشبهات .

    مانع السبب : القرابة سبب لميراث ، القتل العمد مانع للميراث ، والدين مانع من وجوب الزكاة لأنه مانع من تحقق السبب وهو ملك النصاب .

    الصحة والفساد والبطلان

    الصحة لغة هي مقابل السقم ، واصطلاحا ما يرد على الأحكام من صحة أو فساد أو بطلان

    الصحة : هي أن تتوفر في الشيء أركانه وشروطه الشرعية وترتيب عليه آثاره الشرعية فتوصف الصلاة صحيحة إذا كانت مستوفية لشروطها وأركانها وتوصف باطلة أو فاسدة غذا لم تستوف أركانها وشروطها ، وتطلق على العبادات والمعاملات .

    الباطل : أو البطلان هو ما صدر من أفعال غير مستوفية لشروطها فإذا وقع الخلل في الشروط أو الأركان وقع البطلان حينها لا يترتب اي حكم شرعي .

    الفاسد : هو ما كان الخلل في وصف من أوصاف العقد ، وعند الجمهور لا فرق بين الفاسد والباطل .

    📗 خلاصة الباب

    • الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، وينقسم إلى حكم تكليفي (يقتضي طلب فعل أو ترك أو التخيير بينهما) وحكم وضعي (يجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا لحكم آخر).
    • يتفرع الحكم التكليفي إلى خمسة أنواع: الواجب (يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه)، المندوب (يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه، وله مراتب)، المحرم، المكروه، والمباح، مع بابين إضافيين هما الرخصة (الحكم الاستثنائي المخفف لعذر) والعزيمة (الحكم الأصلي العام).
    • يتفرع الحكم الوضعي إلى السبب والشرط والمانع (من حيث علاقته بالحكم التكليفي) والصحيح والفاسد والباطل (من حيث أثره على التصرف)، وقد يكون مصدره شرطا شرعيا يضعه الشارع أو شرطا جعليا يشترطه المتعاقدون أنفسهم ضمن حدود الشريعة.

  • الفصل الثاني : مصادر الشريعة الاسلامية

    📖 المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية — الفصل 3 من 4 — فهرس الكتاب

    مدخل

    لكل قانون مصدر ، سواء كان وضعي أم سماوي ، يستقي منها إلزاميته ويقصد بها الأدلة الشرعية التي تؤخذ منها الأحكام والتي يرجع إليها في كل طارئ أو نازلة ، لنقل هي المنبع التي تستقي منها الشريعة وترجع كلها إلى وحي الله قرآن وسنة .

    تنقسم هذه المصادر إلى مصادر أصلية الكتاب والسنة ، وأخرى تبعية كالاجماع والقياس ، وهناك من قسمها إلى مصادر نقلية وهي الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة وقول صحابي ، ومصادر عقلية وهي القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستصحاب والعرف ، والحقيقة أن الأدلة النقلية لا تنفك عن الأدلة العقلية لأنها ينظر إليها بالعقل الذي هو آلة الفهم والادراك . فكلا الدليلان متلازمان فلا نقل بلا عقل ، ولا عقل بلا نقل .

    وهناك تقسيم آخر وهو مدى اختلاف ائمة المسلمين ، فهناك ما تفق عليه ائمة المسلمين وهو الكتاب والسنة ، وهناك ما اتفق عليه جمهور ائمة المسلمين وهو الاجماع والقياس ، وهناك ما اختلف فيه علماء المسلمين مثل العرف والاستصحاب والمصالح المرسلة وشرع ما قبلنا ومذهب الصحابي .

    المبحث الأول : المصادر المتفق عليها

    المطلب الأول : القرآن

    التعريف بالقرآن : هو الكتاب المقدس الذي أنزله الله سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معناه من عند الله ، ومبناه من عند الرسول والسر في إنزاله بلفظه ومعناه لأنه الكتاب الأخير لخاتم الرسل أنزله ليكون دستور الأمة إلى يوم الدين ولو أنزله بمعناه فقط لكان عرضة للتبديل والتغيير .

    نزول القرآن منجما : مقسما على مدى ثلاث وعشرين سنة ولم ينزل دفعة واحدة لتثبيت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان القرآن نزل منجما حسب الحوادث والمناسبات فإن جبريل الأمين هو الذي كان يبين مكان ما ينزل من السور حتى يحفظ مرتبا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض ما عنده من القرآن على جبريل ، وبقي القرآن في صدور الصحابة رضوان الله عليهم مرتبا كما كان إلى حين معركة اليمامة حيث استشهد عدد كبير من الصحابة فاشار عمر على ابي بكر أن يجمع القرآن فجمع من الصحائف والأديم وكتب في المصحف فدعا أبو بكر زيد بن ثابت وأمره بجمع القرآن حيث كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب من ايام رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    خصائص القرآن : أنه نزل لفظا ومعنى بلسان عربي مبين ونقل إلينا بالتواتر من جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا جماعة عن جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب والتواتر محقق في جميع مراحل جمع القرآن حتى وصل إلينا كاملا غير منقوص

    إعجاز القرآن : هو إعجاز لغيره وإثبات له ، وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو معجز بلفظه ومعناه ، لفظا من ناحية بلاغته واسلوبه ومن ناحية معناه أخباره عن الأمم السابقة وحوادث في المستقبل وما زال العلماء يتكشفون ألغازه إلى يومنا هذا .

    تحدى العرب والعجم أن يأتوا بآية واحدة منه رغم أن العرب كانوا أهل بلاغة ولغة .

    أنواع أحكام القرآن وحجيته : أجمعت الأمة على أن القرآن المصدر الأول للتشريع فإذا نص القرآن على حكم وجب العمل به والسنة هي الثانية في التشريع ودلالته إما لفظية واضحة أو ظنية . وبيان هذه الأحكام جاء على ثلاثة أنواع :

    • البيان الكلي : وهو الذي يحدد المعالم العامة لأمر ما وترك تفصيلها لأهل العلم حسب الظروف الزمانية والمكانية . مثال وشاورهم في الأمر .

    • بيان إجمالي : وهو ذكر الأحكام بصيغة مجملة ، مثال : أقيموا الصلاة ، فلم يذكر كيفية الصلاة ، لكن السنة النبوية تشرح الكيفية ، صلوا كما رأيتموني اصلي .

    • بيان تفصيلي : وهو ذكر الأحكام مفصلة وغير مجملة ، مثال : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .

    المطلب الثاني : السنة

    أولا : تعريف السنة ، لغة هي الطريقة المتبعة والسيرة المستقيمة ، سنة الله في الذين خلوا من قبل ، من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، واصطلاحا هي ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير . وهي تقابل البدعة . وفي اصطلاح العلماء هي ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه شريطة أن يثبت عليه صلى الله عليه وسلم ثبوتا صحيحا ، أما في اصطلاح الاصوليين فهي تطلق على قول أو فعل أو تقرير أثبت حكما رعيا لأن موضوع الأصوليين هو الدليل الشرعي لإثبات الأحكام .

    ثانيا : تقسيم السنة

    • السنة القولية : هي كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال لها صفة التشريع في مختلف المناسبات ، وغير ذلك من النواهي والأوامر والأخبار التي تتضمن حكما شرعيا .

    • السنة الفعلية : وهي افعال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل كيفية الصلاة والحج أما بعض الأمور الخاصة به فلا تلزم أحدا ولا تعتبر تشريعا كطريقة أكله وشربه ونومه وتدخل في الأمور المستحسنة فعلها لكنها غير ملزمة ، وأيضا خبرته في الحرب وتنظيم الجيوش ، ثم ما كان خاصا به مثل صيام الدهر والتزوج بتسعة نسوة والتهجد الطويل بالليل .

    • السنة التقريرية : وهي سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إنكار قول أو فعل بين يديه فهذا السكوت يدل على الجواز ، مثال صلاة بني قريضة .

    ثالثا : أنواع السنة من حيث سندها

    • السنة المتواترة : التواتر لغة هو تتابع شيئين ، واصطلاحا هو خبر اقوام يستحيل تواطؤهم على الكذب ، والسنة المتواترة هي التي يرويها رواة كثيرون يستحيل تواطؤهم على الكذب ، ونقلت جماعة عن جماعة حتى وصلت إلينا والتواتر نوعان معنوي وهو مما اتفق رواته على معناه ، وتواتر لفظي اتفق رواته في لفظه .

    • السنة المشهورة : وهي ما اشتهر من السنة ولكنه لم يبلغ حد التواتر

    • سنة الآحد : لم تبلغ حد التواتر ولم تشتهر لكنها تفيد الظن الراجح بصحتها ويلزم العمل بها ، لكن تفاوت العلماء في مقدار العمل بها فمنهم من توسع في ذلك ومنهم من اشترط من أجل الأخذ بها مثل عدم تعارض مع الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة

    رابعا : حجية السنة ومنزلتها من القرآن

    • حجية السنة : لا خلاف حول حجية السنة واعتبارها دليلا على حكم شرعي ومصدرا من مصادر الفقه الاسلامي يجب العمل بمقتضاها ، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، وقد نفي الايمان عن من لم يحتكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم يشمل ما كان بقرآن أو سنة ولا بد من الإطمئنان والرضى بهما تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنتي .

    • منزلة السنة من القرآن : السنة مصدر للتشريع ، لكن مرتبتها ثانية بعد القرآن ، فالمجتهد يبحث عن ا لحكم في القرآن فإن وجده أخذ به وإن لم يجده يحث في السنة ، ومنه حديث معاذ الذي بعث إلى اليمن فقال له بما تقضي قال بكتاب الله ، قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الحمد لله . وتقديم القرآن على السنة لا يعني أن هناك تعارضا بينهما بل تكون – مؤكدة لحكم القرآن ، – أو شارحة لنصوص القرآن فتبين كيفية الصلاة وأن القاتل لا يرث رغم أنه في القرآن يرث ضعف الانثى ، – وقد تأتي السنة بحكم جديد لا يكون في القرآن .

    المبحث الثاني : المصادر المتفق عليها بين الجمهور ، الإجماع والقياس

    المطلب الأول : الإجماع

    أولا تعريف الإجماع : لغة العزم والتصميم على الأمر ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ” ، واصطلاحا هو اتفاق مجتهدي الأمة على حكم شرعي اجتهادي لا نص فيه .

    ثانيا : شرح التعريف

    • اتفاق المجتهدين : اشتراكهم يعني القول والفعل أو ما في معناهما من التقرير والسكوت

    • المجتهدين : كل من بلغ درجة الإجتهاد ، اي حصول له ملكة استنباط الأحكام الشرعية

    • بعد وفاته : في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوجد إجماع

    • اجتهادي : من ليس فيه نص شرعي

    ثالثا : مستند الإجماع

    ليتحقق الإجماع لا بد أن يستند إلى دليل لأن القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ ، والأمة الاسلامية لا تجتمع على خطأ ، فلا بد أن يكون إجماع المجتهدين على دليل لئلا تجتمع الأمة على خطأ . ومستند الإجماع أن يكون من الكتاب والسنة كما يمكن أن يكون من القياس أو العرف أو غيره من أنواع الإجتهاد .

    الإجماع المستند إلى كتاب ، حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم

    الإجماع المستند الى السنة ،

    الاجماع المستند إلى قياس ، تحريم شحم الخنزير قياسا على حرمة لحمه .

    رابعا : أنواع الإجماع ، صريح أو سكوتي ، الصريح أن يتفق المجتهدون بالقول أو الفعل على حكم شرعي مجتهد فيه ، أما السكوتي فأن يتكلم بالحكم مجتهد ويسكت الباقي من غير موافقة أو مخالفة البقية ، رغم أن البعض أنكره ، ويبقى الإجماع دليلا شرعيا ومصدرا للتشريع .

    خامسا : حجية الإجماع

    اتفقوا على حجية الإجماع الصريح ، واختلفوا في حجية الاجماع السكوتي لأنه ليس له دلالة قطعية على الموافقة رغم أنه غالبا ما يكون بالموافقة لأن العلماء لا يخشون في الله لومة لائم فلا يعتبر أن يسكتوا عن أمر خاطئ ، ودلائل حجية الاجماع كثيرة منها قوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، سورة النساء 83 ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وقال أيضا لا تجتمع أمتي على خطأ . وكلها تدل على حجية الإجماع .

    المطلب الثاني : القياس

    أولا : تعريف القياس ، لغة هو التقدير والمساواة ، واصطلاحا هو الحاق امر لم يرد حكمه بأمر ورد حكمه لاشتراكهما في علة الحكم .فهذا الالحاق يسمى قياسا ، والمسألة المنصوص على حكمها تسمى مقيس عليه والحكم الذي ورد في نص المقيس عليه تسمى حكم الأصل ، والمسألة التي لم يريد فيها نص ويراد إلحاقها بالمقيس عليه تسمى الفرع أو المقيس والعلة التي من أجلها شرع الحكم تسمى العلة .

    أركان القياس :

    • المقيس عليه : الاصل وهي الحادثة التي ورد فيها نص

    • المقيس : وهو الحادثة التي يراد معرفة الحكم فيها

    • الحكم : الحكم الشرعي الثابت للأصل

    • العلة : وهي الوصف الموجود في الاصل الذي من أجله شرع الحكم

    أمثلة على القياس : الخمر حرام ، اذن الحشيش حرام .

    حجية القياس :

    يأتي القياس في المرتبة الرابعة ، وهو مختلف في كونه مصدرا للتشريع الاسلامي إلا أن جمهور العلماء ذهبوا إلى اعتباره مصدرا من مصادر التشريع الاسلامي ، من القرآن فردوه إلى الله والرسول ، يعني قيسوا عليه من أحكام القرآن والسنة ، وفي السنة في حديث معاذ فإن لم تجد فقال : أجتهد رأيي ولا آلو ، فقال الحمد لله . وهذا يدل على إعمال العقل والإجتهاد والقياس من أعمال العقل بالقياس على أحكام مشابهة في القرآن والسنة . من الإجماع فقد أجمع الكثير من الصحابة على القياس فقد جاء في كتاب عمر إلى أبي موسى : اعرف الاشباه والنظائر ثم قس الأمور عند ذلك .

    المبحث الثالث : الأدلة المختلف فيها

    الاستحسان : لغة هو الحسن ، أو استحسن الشيء عده حسنا واصطلاحا هو ترجيح قياس مستحسن على آخر .

    المبحث الرابع : أدوار التشريع الاسلامي

    دور التأسيس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    دور البناء والكمال ، عصر الإجتهاد

    دور التنظيم عصور الجمود

    دور النهضة الحالية

    • دور التأسيس : استمر الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام 23 سنة ، 13 سنة في مكة و 10 سنوات في المدينة ونفرق بين المرحلتين في عصر النبوة بين كل من التشريع المكي والتشريع المدني .

    • المرحلة المكية : في هذه المرحلة عني الوحي بإصلاح العقيدة وتخليصها من الشوائب وتهذيب النفوس وإقناعها لاستقبال الدين الجديد ، ودعاهم الى استعمال عقولهم ، افلا تتفكرون ؟ أفلا تعقلون ؟ ثم دعاهم الى عبادة الله الواحد الأحد ، أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ، كما طلب منهم أن يؤمنوا بالرسل من قبلهم وجدال أهل الكتاب بالتي هي أحسن وأخبرهم بقصص الأمم السابقة ،وقد قاسى النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من آذى قريش الشيء الكثير

    • المرحلة المدنية : كان جو المدينة ملائما أكثر للتشريع حيث استعت الحركة الفقهية وتكونت النواة الاولى للدولة الاسلامية وما تطلبته من وجود تشريع وأحكام في نوازل جديدة لم تكن تطرح في مكة فتدخل الوحي لينظم الحياة المدنية الجديدة وتنظيم الدولة داخليا وخارجيا ، ونظمت العبادات وأحكام الجهاد والعقوبات للجنايات المطروحة وتنظيم الأسرة وأحكام الزواج والطلاق والمواريث والصوايا ففي الحرب نزلت الآية وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ، واقال أيضا : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا . وفرض الصيام ، ولم يهدم الإسلام كل ما كان في الجاهلية بل طهره ونقاه وهدم الفاسد وأبقى الصالح ، وأحل البيع وحرم الربا وحرم الزنى واختلاط الأنساب وحرم الخمر ونظم الارث وجعله مبنيا على القرابة عوض أن كان مبنيا على التبني والحلف والمعاهدة ، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، ولم ينزل التشريع دفعة واحدة بل نزل بالتدرج حسبما تقتضيه النازلة والحاجة وكان هذا التدرج رحمة للناس ورفعا للمشقة عليهم وتيسيرا عليهم حيث لم يكونوا سوى حديثي العهد بالإسلام وكانت اعرافهم ما تزال قائمة في نفوسهم ، قالت عائشة ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا . فالتشريع في هذه المرحلتين كان لا يقوم إلا على الكتاب والسنة فكان الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما استجدت نازلة انتظر الوحي الالاهي فإن لم ينزل تصرف فإن أصاب أقره وإلا تدخل لتصحيح الوضع كما حدث في اسرى بدر ، ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة . وليس معنى هذا أن التشريع كان يعتمد على القرآن فقط بل وقعت حوادث قضى فيها رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث لا بالقرآن وكل ما قاله رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تشريع وما ينطلق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فرسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبين القرآن ويقيد مطلقه ويخصص عامه وشرع في اشياء لم يذكرها القرآن .

    📗 خلاصة الباب

    • مصادر الشريعة الإسلامية تنقسم إلى مصادر متفق عليها (القرآن والسنة) ومصادر مختلف فيها بين الأئمة، وتنقسم أيضا إلى أصلية (الكتاب والسنة) وتبعية (الإجماع والقياس وغيرهما).
    • القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع، نزل منجما على 23 سنة، معجز لفظا ومعنى، وتتدرج أحكامه بين بيان كلي وإجمالي وتفصيلي. والسنة النبوية (قولية وفعلية وتقريرية) مصدر ثان معتبر حجة، تتفاوت رتبها بحسب سندها (متواترة، مشهورة، آحاد).
    • الإجماع هو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، والقياس إلحاق واقعة لا نص فيها بواقعة منصوص عليها لاشتراكهما في علة الحكم، وهما مصدران متفق عليهما بين جمهور الفقهاء رغم الخلاف حول تفاصيلهما، إلى جانب أدلة أخرى مختلف فيها (كالاستحسان والمصالح المرسلة والعرف).
    • مر التشريع الإسلامي بأدوار متعاقبة عبر العصور (عصر الرسالة، الخلفاء الراشدين، التدوين والمذاهب الفقهية، ثم التقنين الحديث)، عكست تطور استنباط الأحكام من مصادرها مع تغير الزمان والمكان وحاجات الأمة.

📚 المكتبة القانونية